الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم‏ - ج3

- الشيخ علي النباطي‏ المزيد...
294 /
3

تتمة الباب الثاني عشر في الطعن فيمن تقدمه بظلمه و عدوانه‏

النوع الثاني في عمر

و هو أمور

[منها في قوله إن النبي يهجر حسبنا كتاب الله‏]

منها أن النبي(ص)طلب دواة و كتفا ليكتب لهم كتابا لا يختلفون بعده و أراد النص على علي(ع)و توكيد ما قال في حقه يوم الغدير و غيره فلما أحس عمر بذلك منعه و قال إنه يهجر هذه روايتهم فيه.

قالوا إنما أراد أن يكتب بخلافة أبي بكر إذ أسر الحديث المضمون في‏

4

الآية إلى حفصة أن أبا بكر و أباك يليان أمر أمتي من بعدي.

قلنا من أين لكم العلم بهذا المراد استفدتموه من عزله عن براءة أم من تأخيره عن الصلاة أم من فراره بالراية حين ولاه و لو علم عمر النص على أبي بكر لسارع إلى فعله لا إلى منعه.

5

و الإخبار أنهما يليان ذلك إن صح فالمراد الولاية ظلما كما خبر عن ولاية غيرهم ظلما بني أمية و غيرهم و قد نقل ابن أبي الحديد عن كتاب تاريخ بغداد أن عمر سأل ابن عباس كيف خلفت عليا قال يمنح بالدلو و يقرأ القرآن قال ألقي في نفسه شي‏ء من الخلافة يزعم أن رسول الله جعل له قلت نعم قال أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت إشفاقا على الإسلام و علم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك فدل على أنه نسب النبي(ص)إلى أنه أشفق منه على الإسلام و على أنه علم خلافة علي و على معاندته للنبي و أنه كان مترقبا لموته ليغصب الحق من أهله و هذه من أفحش المطاعن و أوجبها للبعد عن الإمامة و على الإجماع في خلافة أبي بكر لمخالفة علي و من في جانبه.

و قد حدث علي ابن طلحة بأنه لما خرج عمر حدثه النبي بما أراد أن يكتب و منه أنه سيلي الأمر اثنا عشر إمام ضلالة عليهم مثل أوزار الأمة إلى يوم القيامة و أوصى إليه بالإمامة و أن يدفعها إلى أولاده إلى تكملة اثني عشر إمام هدى.

و في رواية أبي ذر أنه لما جمع القرآن أتي به إلى أبي بكر فوجد فيه فضائحهم فردوه و أمر عمر زيد بن ثابت بجمع غيره قال زيد فإذا أخرجه بطل عملي فبعث ليريد من علي ليحرفه مع نفسه فأبى ذلك فدبروا قتله على يد خالد و هو مشهور.

قالوا أشفق على النبي حيث كان مجهودا و كثرت الغوغاء عنده فقال فينا كتاب الله يكفينا. قلنا أول ما فيه أنه خالف النبي(ص)الذي لا ينطق عن الهوى.

و ثانيا أنه لم يرض بحكمه و وجد الحرج من قوله و قد نفى الله الإيمان عند مخالفة حكمه و عدم التسليم لحتمه في قوله‏ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً فعمر حاد الله و رسوله و أبو بكر واده حيث نصبه خليفة بعده و قد نفى الإيمان عن‏

6

المواد المحاد لله و رسوله في قوله‏ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏.

و ثالثا أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة كما أخرجه البخاري و غيره من قول بني هاشم قربوا إليه كتابا و قول عمر و من معه لا ندعه يكتب و إنه قد هجر و في رواية و لا يعلم ما يقول فعندها قال اخرجوا عني و هذا أذى لرسول الله و قد قال الله‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏ الآية قالوا اعتقد عمر الصواب في ترك الكتاب و كان ذلك في مستقبل الأزمان بويع أبو بكر فلم يختلف عليه اثنان.

قلنا أول ما فيه أنه اجتهاد بحضرة الرسول(ص)و الإجماع في منعه للعدول إلى الطعن في اليقين الحاصل و ثانيا قبح اعتقاده أن الصواب في عقله و تدبيره و الخطأ في عقل النبي و تدبيره و ثالثا ورد في كتبهم ما أجمعوا عليه من قول ابن عباس الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(ص)و بين كتابه.

و رابعا قولهم لم يختلف عليه اثنان و قد خالف سعد سيد الخزرج حتى قتل لأجل خلافه و خالف علي حتى قالوا نضرب عنقك و خالف أهل الردة في ولايته و قوم جبلة في ولاية عمر و اجتمع أكثر الصحابة على قتل عثمان و خالف الفرق الثلاث لعلي(ع)هذا و قد تلقت الأمة بالقبول قول الرسول‏

ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة واحدة ناجية و الباقون في النار

. قالوا ليس في قوله يهجر منقصة لأن المراد بالهجر الخارج عن حد الصحة من حيث الكثرة و القلة لانغمار قلبه بجهد المرض و قد سها في حال صحته فسلم في العصر على ركعتين كما في خبر ذي اليدين.

قلنا أما ما ذكرتم في تعريف الهجر فخارج عن اللغة قال الجوهري الهجر الهذيان و روى أبو عبيد في قوله‏ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً

7

لأنهم قالوا فيه غير الحق أ لم تر أن المريض إذا هجر قال غير الحق و قال عكرمة و مجاهد نحو ذلك نص عليه الجوهري.

و جواز السهو على النبي يرفع الثقة بقوله و حديث ذي اليدين من الكذب و المين و قد تمسكوا بخلافة أبي بكر بقول عائشة عنه(ع)مروا أبا بكر فليصل فلم يهجر هنا و يقل غير الحق و جعلوا منعه من الكتاب الذي كان أساس الضلالة و الذهاب حسنة من حسنات عمر مع وضوح مخالفته لسيد البشر و لو احتمل هذا الرد التأويل لم يجزم بحديث لأن تحريم رد قول النبي مع وضوحه إذا قبل التأويل قبله كلما جاء عنه من الأقاويل فكان عمر قال إن الله يهجر لأن كلام النبي(ص)إنما هو يوجبه كما في كتابه.

تذنيب‏

هذه المخالفة مجمع عليها ذكرها مسلم و البخاري و رواها عبد الرزاق عن الزهري عن ابن عباس و الطبري و البلاذري و رووه عن سعيد بن جبير بطريقين و عن جابر الأنصاري و كيف يصح وصفه بالهجر و قد صح أنه قال‏

تنام عيناي و لا ينام قلبي و كان يتوضأ و ينام حتى يسمع غطيطه ثم يصلي من غير استئناف وضوء.

قال الديلمي‏

وصى النبي فقال قائلهم* * * قد ظل يهجر سيد البشر

و رووا أبا بكر أصاب و لم* * * يهجر و قد أوصى إلى عمر.

و قال‏

و ما رأيت من الآيات معتبرا* * * إن كنت مدكرا أو كنت معتبرا

8

أوصى النبي أمير النحل دونهما* * * و خالفاه لأمر عنده اشتورا

و قال هاتوا كتابا لا تضلوا به* * * بعدي فقالوا رسول الله قد هجرا

تعصبا لأبي نصر فحين ثوى* * * وفى فوصى به من بعده زفرا

تحمل الوزر فيها ميتا عجبا* * * و قال حيا أقيلوني بها ضجرا

إن قال إن رسول الله غادرها* * * شورى فهلا اقتفى من بعده الأثرا

و قال أوصى فلم تقبل وصيته* * * يوم الغدير فلا تعجل فسوف ترا-.

[منها في أن النبي يأمرهما بقتل ذي الثدية و هما لا يطيعان‏]

و منها أنهما خالفا لنبي الله حال صحته فيما لا يتهم فيه‏

فقد ذكر الموصلي في مسنده و أبو نعيم في حليته و ابن عبد ربه في عقده و أبو حاتم في زينته و الشيرازي في التفسير المستخرج من الاثني عشر تفسيرا

أن الصحابة مدحوا رجلا بكثرة العبادة فدفع النبي سيفه إلى أبي بكر و أمره بقتله فدخل فرآه يصلي فرجع فدفعه إلى عمر و أمره بقتله فدخل فرجع و دفعه إلى علي فدخل فلم يجده فقال(ع)لو قتل لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا و في قول آخر لو قتل لكان أول الفتنة و آخرها

فالعجب من الأول كيف تركه و قد وصفوا للنبي(ص)عبادته و أعجب منه الثاني أ فكانا أعلم من النبي بباطنه و كانت تلك المخالفة سبب هلاك الأمة و ضلالها و الرجل المأمور بقتله ذو الثدية رئيس الخوارج.

[منها مخالفته قول رسول الله(ص)ببشارته بالجنة لمن شهد بالوحدة مستيقنا]

و منها

الحديث التاسع و السبعين بعد المائة من الجمع بين الصحيحين‏

9

أنه(ع)بعث أبا هريرة ببغلته يبشر بالجنة من شهد بالوحدة مستيقنا و ضربه عمر و رده و قال خفت أن يتكلوا عليها

أ فتراه أشفق من النبي أو من الرب تعالى فإن قوله يوجبه و خصوصا هذه الرسالة و أي ضرر كان عليه إذ قنع الله من عباده بإخلاص هذه الشهادة بل هذه جناية عمر على الإسلام كافة.

و منها ما ذكره صاحب العقد في المجلد الأول منه‏

أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة و شاطره ماله و عزل الحارث بن وهب و شاطره ماله و كتب إلى عمرو بن العاص بلغني أنه قد فشت لك فاشية من خيل و إبل و بقر و عبيد فمن أين لك هذا فكتب إني أعالج من الزراعة ما لا يعالجه الناس فشاطره ماله حتى أخذ إحدى نعليه فغضب ابن العاص و قال قبح الله زمانا عمل فيه ابن العاص لابن الخطاب و الله إني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب و على ابنه مثلها.

و منها أنه وضع الطلاق ثلاثا في مجلس واحد

حين قال أرى ألسنة الناس قد استعذبوا الإيمان بالطلاق و الوجه أن يغلب عليهم الحنث لعلهم يرتدعون و اشتهر عنه أنه أتي برجل طلق ثلاثا فأوجع رأسه و ردها عليه و قد ذكر الله‏ الطَّلاقُ مَرَّتانِ‏ فمن قال أنت طالق ثلاثا فالثلاث لغو لأن الواحدة لا تكون ثلاثا كما أن من سبح مرة و قال ثلاثا أو قرأ مرة و قال عشرا أو قال الملاعن أشهد بالله أربعا لم يكن كذلك اتفاقا

و قد استفاض عن النبي ص‏

10

إياكم و المطلقات ثلاثا فإنهن ذوات أزواج‏

و ذكر الجاحظ في كتاب النساء

أن رجلا طلق ثلاثا جميعا فقام(ع)غضبان و قال يلعب بكتاب الله و أنا بين أظهركم‏

و في سير ابن ماجة و أبي داود و مسند أحمد و أبي يعلى و الشافعي و إحياء الغزالي و كشف الثعلبي‏

أن ابن عمر طلق ثلاثا حائضا فأمره النبي بمراجعتها و إن أراد طلاقها للسنة

. قال ابن المغربي‏

و لو رخص الله في دينه* * * لأوشك من مكره أن يزيله‏

و لكن أتيح له حيه* * * و عاجله الله بالقتل غيلة

و غادر من فعله سنة* * * يجر الزمان عليها ذيوله‏

و سيأتي شي‏ء من ذلك في باب الأحكام إن شاء الله.

و منها أن عمر و أصحابه أخذوا عليا أسيرا إلى البيعة

و هذا لا ينكره عالم من الشيعة و قد أورد ابن قتيبة و هو أكبر شيوخ القدرية في المجلد الأول في كتاب السياسة قوله له حين قال إن لم أبايع نضرب عنقك فأتى قبر النبي باكيا قائلا يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ و هذا فيه غاية

11

الأذى للنبي ص‏

لما رواه ابن حنبل عنه(ص)

من آذى عليا فقد آذاني‏

و قد عيره معاوية به في قوله كنت بالأمس تنقاد كالجمل المخشوش أي في أنفه خشاش أجاب ما ذا على المسلم من غضاضة ما لم يكن شاكا في دينه‏

و روى البلاذري‏

أن عليا قال لعمر احلب حلبا لك شطره اشدده له اليوم يرد عليك غدا

تذنيب‏

سئل الصادق(ع)عن قوله تعالى‏

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ‏

إلى قوله‏

وَ مَكْرَ السَّيِّئِ‏

قال مرض علي(ع)فأعاده النبي(ص)في أناس فسأله أبو بكر ثلاثا بأمر عمر كنت قد عهدت إلينا في علي فإن حدث أمر فإلى من فقال(ع)إنه لن يموت حتى تملئانه غضبا و توسعانه غدرا

قالوا فما ذكرتم من أخذه أسيرا نسبة خسة و عجز إلى الشجاع الأعظم و إلى شجعان بني هاشم ذوي الأنفة و الحمية.

قلنا قد قتل و غصب جمع من الأنبياء و لم ينسب إليهم بذلك خسة هذا نوح قال رب إني مغلوب و لوط لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً و موسى‏ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ‏ و عيسى فر من اليهود و الفجار و النبي هرب من الكفار إلى الغار فإذا جاز ذلك للأنبياء فالأولى جوازه على الأولياء و عصابة بني هاشم لم تكن لتقاوم الكثرة في جانب الغاشم و لجاز تركهم القيام بوصية علي المستندة إلى وصية النبي(ص)هذا.

12

و قد أخرج الطبري‏

قول علي لحذيفة كيف أنت و قد ظلمت العيون العين قال حذيفة له فلم أعلم تأويل كلامك إلى أن قام عتيق مقام الرسول و أوله عين ثم عمر و أوله عين ثم عثمان و أوله عين فقال له علي(ع)نسيت عبد الرحمن و قد عدل بها إلى عثمان ثم عمرو بن العاص ثم أخوهم عبد الرحمن بن ملجم‏

و لما تظلم(ع)قال له الأشعث بن قيس لم لم تقاتل فأجاب بأن لي أسوة بسنة الأنبياء

و قد صرحنا منهم بخمسة و أشرنا إلى هارون‏ اسْتَضْعَفُونِي‏ و قد نطق القرآن بأحوالهم و الإمام أعذر منهم‏

و أجاب(ع)الأشعث مرة أخرى بأنه عهد النبي إلي أن لا أجاهد إلا إذا وجدت أعوانا فلو وجدت أعوانا لجاهدت و قد طفت على المهاجرين و الأنصار فلم أجد سوى أربعة و لو وجدت أربعين يوم بويع لأخي تيم لجاهدتهم‏

و منها ما رواه البلاذري و اشتهر في الشيعة أنه حصر فاطمة في الباب‏

حتى أسقطت محسنا مع علم كل أحد بقول أبيها لها

فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني‏

.

13

إن قالوا لا اختصاص لها بذلك فلا فضيلة لها فإنه قال من أذى ذميا فقد آذاني.

قلنا هذا لا يضرنا لأن المراد أذيته بغير حق و إذا كان هذا زجره عن أذية ذمي علم كل عاقل أن جميع أهل الذمة و كثير من الأمة لا توازي أذية بضعته و الفلذة من جسده و لم يقل بضعة مني لأحد غيرها لتنبيهه على عظيم شأنها و تفخيم أمر الإساءة إليها.

قال الحميري‏

ضربت و اهتضمت من حقها* * * و أذيقت بعده طعم السلع‏

قطع الله يدي ضاربها* * * و يد الراضي بذاك المتبع‏

لا عفا الله له عنه و لا* * * كف عنه هول يوم المطلع‏

. و قال البرقي‏

و كللا النار من بيت و من حطب* * * و المضرمان لمن فيه يسبان‏

و ليس في البيت إلا كل طاهرة* * * من النساء و صديق و سبطان‏

فلم أقل غدرا بل قلت قد كفرا* * * و الكفر أيسر من تحريق ولدان‏

و كل ما كان من جور و من فتن* * * ففي رقابهما في النار طوقان-.

إن قيل يجوز للإمام تهديد مخالف الإجماع بذلك و غيره.

قلنا لا خلاف أن ذلك كان قبل مبايعة علي و حينئذ لا إجماع.

قالوا عائشة لم تكن ابنة محمد و حين عقر جملها حمت المسلمون لحرمة زوجها فتطايرت الرءوس و الأكف حولها و ما فعل بفاطمة من النكير أعظم من عقر البعير فكيف لم يتحم المسلمون لها قلنا أين كانت حمية المسلمين حيث قتل أصحاب عائشة رسول علي إليهم بكتاب الله يعظهم كما أخرجه ابن مسكويه و ابن قتيبة و غيرهما و ثنوا بقتل حكيم‏

14

مع سائر أصحابه و ثلثوا بنتف لحية ابن حنيف و أجفانه و هو من شيوخ الأنصار و زهادهم و قد كانت عائشة و أصحابها أقل من قبيلة عمر و أتباعها.

على أن عليا سب ألف شهر على المنابر و لم يوجد لذلك حمية من البر و الفاجر أما الأول فلعذره و أما الثاني فلغدره قالوا فتأذى عمر لسوقي من ملك غسان جبلة فكيف يتحمل أذية فاطمة.

قلنا فما له يحمل أذاها في بعلها عند قوله نضرب عنقك و قوله لأبي بكر أ لا تأمر فيه بأمرك كما ذكره ابن قتيبة.

و منها أنه جاهل بالأحكام‏

فأمر برجم حامل أقرت بالزناء فقال له علي إن‏

15

كان لك سبيل عليها فلا سبيل على حملها دعها حتى تضع و ترضع ولدها فتركها و قال لو لا علي لهلك عمر

. قالوا لم يكن عارفا بالحمل قلنا اعترافه ينفي جهله إذ لا إثم يتوجه مع الجهل بالحمل و لأن عليا عرفه بما يترتب و لم يعرفه بنفس الحمل و لما كان عمر أقر عليه بل كان اعتذر بأني لم أعرف.

و كذا أمر برجم مجنونة شهد عليها بالزناء

فأخرج البخاري‏

أن عليا قال له أ ما علمت أن النبي(ص)قال رفع القلم عن المجنون حتى يفيق فقال لو لا علي لهلك عمر

قالوا لم يكن عارفا بالجنون قلنا قد سلف الجواب عن هذا الباب و قد ثبت رجوعه إلى علي رغاما بعد عجزه و عجز الصحابة في ثلاث و عشرين مسألة.

و أصاب رجل من بني كنانة مأمومة فأراد الاقتياد منه‏

فقال العباس سمعت النبي يقول‏

لا قود في جائفة و لا مأمومة و لا منقلة فأغرمه العقل‏

و في إحياء الغزالي أن عمر هو الذي سد باب الكلام و الجدل و في تفسير النقاش و ابن بطة و الأنباري أنه ضرب رجلا اسمه ضبيع حين سأله عن‏ الذَّارِياتِ‏ و النَّازِعاتِ‏ و الْمُرْسَلاتِ‏ و حبسه طويلا ثم نفاه إلى البصرة و كتب لا تجالسوه.

و منها ما ذكره الحميدي في فصل مفرد في آخر الجمع بين الصحيحين أنه منع المغالاة في المهور

و قال من غالى في مهر ابنته جعلته في بيت المال بشبهة

16

زواج النبي(ص)لفاطمة بخمسمائة و في الكتاب‏ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ فنبهته امرأة بقوله تعالى‏ وَ إِنْ‏ ... آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال كل أفقه من عمر حتى المخدرات و في رواية السمعاني كل أفقه من عمر حتى النسوان و في رواية أ لا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت.

قالوا طلب الاستحباب في ترك المغالاة قلنا المروي أنه حرمه حتى قالت المرأة كيف تمنعنا ما أحله الله لنا في محكم كتابه.

قالوا تواضع بقوله كل أفقه من عمر قلنا لو كان ذلك حقا لكان هو المصيب دونها و رووا أن عمر مر بصبيان يلعبون فقال ما رأينا خيرا منذ فارقناكم فقال واحد منهم أ تقول هذا و قد رأيت رسول الله(ص)و هو الخير كله فأخذ ترابا فجعله في فيه و قال كل أعقل من عمر حتى الصبيان.

أبو أيوب السختياني و إسماعيل بن علية حكم عمر بين خصمين فقال رجل أصبت فقال و الله ما يدري زفر أصاب أم أخطأ.

و روى عاصم بن سمرة أن غلاما ادعى أمومة امرأة فأنكرته أمه فأمر عمر بحده فصاح إلى علي فطلب(ع)أن يزوجها منه فأقرت به فقال لو لا علي لهلك عمر.

الأصبغ بن نباتة

جي‏ء عمر بخمسة زنوا فأمر برجمهم فخطأه علي و قتل واحدا و رجم ثانيا و حد ثالثا و حد رابعا منصفا و عزر خامسا فقال المردبود كيف ذلك فقال(ع)ذمي زنى بمسلمة و الثاني محصن بكر و الثالث غير محصن و الرابع عبد و الخامس مجنون فقال زفر لا عشت في أمه لست فيها يا أبا الحسن‏

و أتي برجل قال لامرأته يا زانية قالت أنت أزنى مني فأمر بجلدهما فقال‏

17

علي(ع)تجلد هي دونه حدين أحدهما لفريتها و الآخر لإقرارها

و سأله أربعون امرأة كم شهوة الرجل من شهوة المرأة فقال له جزء و لها تسعة قلن فما باله يتسرى و يتمتع بجزء و ليس لها ذلك مع تسعة أجزاء فأفحم فرجع بذلك إلى علي(ع)فأمر كل واحدة أن تأتي بقارورة ماء و تضعه في إجانة فلما فعلن ذلك قال كل منكن تأخذ ماءها فقلن لا نميزه فأشار إلى أنه لو فعل ذلك لبطلت الأنساب و المواريث‏

و ادعى صبي مال أبيه فزجره عمر و طرده فصاح إلى علي(ع)فاستجر من قبر أبيه ضلعه فأشمه إياه فانبعث الدم من أنفه فقال لعمر سلم المال إليه ثم أشمه الحاضرين فلم ينبعث الدم فأعاده إليه فانبعث فقال إنه أبوه و الله ما كذبت و لا كذبت‏

قال الصاحب‏

ناصبة هبني قد صدقتها* * * فيما روى الأول من أمر فدك‏

لم قدموا على علي رجلا* * * مع قوله لو لا علي لهلك‏

و هذا كله يبطل ما رووه من قول النبي الحق ينطق على لسان عمر و قد علمت من شأنه إنطاق الباطل بلسانه على أن الحديث لو صح لصدق بفرد واحد لأنه مهمل في قوة الجزئي.

قال الجاحظ ما كان علي إلا كبعض فقهائهم الذين يكثر صوابهم و يقل خطؤهم.

قلنا قد روى منكم من لا يتهم عليكم‏

قول النبي(ص)

أقضاكم علي‏

18

و كان عمر أحد الفقهاء يضطر إليه اضطرار الفقير إلى الغني و الضعيف إلى القوي فأراد الجاحظ الحط لعلي من رتبته فبالغ في تنقيص أحبته و هذا من حمق الجاحظ و جهالته.

و قد روى البخاري قول النبي(ص)

اللهم أدر الحق مع علي‏

و روى ابن مردويه قول النبي(ص)

الحق مع علي‏

و روى أيضا قول النبي(ص)

ألا و إن الحق معه يتبعه ألا فميلوا معه‏

و نحو ذلك كثير و لو فرضنا أنه اجتهد و أخطأ فلا لوم عليه‏

و قد روي عن النبي(ص)أيضا

كل مجتهد مصيب‏

. و منها أنه بلغ به الجهل إلى إنكار موت النبي‏

حتى قال له أبو بكر إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ فقال الآن أيقنت بوفاته و كأني لم أسمعها.

إن قيل كان ذلك سهوا قلنا كيف يقع السهو في الأمور المحسوسة و خاصة في احترام خاتم النبوة و متى جاز السهو في هذه جاز في جميع الأحكام فلا يوثق بها و غلبة السهو توجب انعزال قاضي الأمة فضلا عن إمام الأمة.

و قد روى إنكاره لموته جميع أهل السير منهم البخاري و الشعبي و الجرجاني و الطبري و الزمخشري حتى قال العباس إنما يقوله ابن الخطاب فإنه لا يعجز أن يحثوا عنه خلوا بيننا و بينه فإنه يأسن أي يتغير و لا عجب من إنكاره لموته و خطائه في أحكامه و قد اجتهد في حفظ سورة البقرة بسبع سنين و قيل اثنتي عشرة و نحر جزورا وليمة عند فراغه.

قالوا إنما أنكر موته استصلاحا للرعية قلنا هذا يبطله قوله الآن تيقنت و قوله لابن عباس ما حملني على ذلك إلا قوله تعالى‏ وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً

19

وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فظننت أنه يبقى بعدنا حتى يشهد على آخر أعمالنا.

فاعترف أنه كان يعتقد ذلك حتى قال في إنكاره لا يموت حتى يقطع أيدي و أرجل ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين فانظر كيف تهجم بالكذب على رسوله و تخرص على الغيب المستلزم لأعظم العيب.

و منها أنه لما طعن قيل له استخلف فقال لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا أو سالم مولى حذيفة لاستخلفته‏

ذكره الطبري في تاريخه من طرق مختلفة عن مشايخه و ذكره البلاذري في تاريخ الأشراف و لو لا شدة بغضه لعلي ذي الخصال الجليلة ما تمنى لها من لا يدانيه في الفضيلة.

و منها أنه أوجب على جميع الخلق إمامة أبي بكر و دعا إليها لا عن وحي من الله و لا خبر من رسول الله‏

أ تراه كان أعلم منهما بمصالح العباد أو استناباه في نصب أبي بكر إماما على البلاد أم الأمة حكمته على أنفسها حتى قضى بذلك‏

20

عليها فلزمها فساد أمرها و قد سنح لمؤلف الكتاب شعر فيها

يا بيعة القفة كم هدمت* * * في الخلق من أركان أديانها

و بدلت ما قاله الله في* * * علي إذ تنباد أركانها

فأفسدت صالح أعمالها* * * تبا لها بات بخسرانها-.

توضيح القفة هو الذي وضع يده في بوله فواضع يده في هذه البيعة كواضعها في بوله.

و منها أنه تجسس على قوم في دارهم‏

ذكره الطبري و الرازي و الثعلبي و القزويني و البصري و في محاضرات الراغب و الإحياء عن الغزالي و قوت القلوب عن المالكي فقال أصحاب الدار أخطأت لقوله تعالى‏ وَ لا تَجَسَّسُوا و دخلت من غير باب لقوله‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها و دخلت من غير إذن لقوله‏ لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ أَهْلِها.

قالوا له أن يجتهد في إزالة المنكر لأنه بلغه أنهم كانوا على منكر قلنا لا يجوز الاجتهاد في محرم بغير علم و ظن و لهذا لما أظهر أنه كذب لحقه الخجل.

و منها أنه كان يعطي عائشة و حفصة كل سنة من بيت المال عشرة آلاف درهم و منع أهل البيت خمسهم‏

و كانت غلته ثمانون ألفا و منع فاطمة إرثها و نحلتها.

21

قالوا يجوز تفضيل النساء في العطاء قلنا لا بسبب خطاء.

و منها أنه خرق كتاب فاطمة الذي أعطاها أبو بكر

و قال لا تعطها بغير بينة أسنده إبراهيم الثقفي إلى علي(ع)و ذكره المرتضى في شافيه قال و روي من طرق مختلفة فأقول فما باله رد سبي اليمن بعد أن شراه المسلمون بقول الأشعري إنه(ص)أعطاهم عهدا فمن أين لعمر أن يخرج حقوق المسلمين من أيديهم بغير بينة.

و منها أنه ترك حي على خير العمل‏

و قال خفت أن يتكل الناس عليها و تدع غيرها و روى أبو بكر بن شيبة و هو أحد شيوخ الحديث أن الحسين(ع)قالها و قال هذا الأذان الأول يعني أذان رسول الله ص.

و أسند محمد بن منصور الكوفي في كتابه الجامع إلى أبي محذورة أن النبي أمره بها و قال ابن عباس لعمر ألقيتها من الأذان و بها أذن رسول الله ص.

و أبدع الكتف و هو في الصلاة من فعل اليهود و النصارى و حذف البسملة منها و زاد آمين فيها و هي كلمة سريانية يهودية و وضع في التشهد الأول تسليما مع أنهم رووا قوله(ع)تحليلها التسليم و لا خلاف عندهم أن من سلم قبل التشهد عمدا فلا صلاة له.

و منها أنه عطل حد الله لما شهدوه على المغيرة بن شعبة بالزنا

فلقن الرابع و هو زياد ابن سمية فتركها فحد الثلاثة و كيف يجوز له صرف الحد عن مستحقه‏

22

و يوضع فيه ثلاثة بهوى نفسه و كان كلما لقي المغيرة يقول قد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء.

إن قيل فعلي لم يحد رجلا أقر بالسرقة بل أسقطه بحفظه سورة البقرة فقال الأشعث بن قيس تعطل حد الله قلنا قال له ويحك إن للإمام الخيار في المقر أن يعفو أما مع الشهود فليس له أن يعفو.

و منها ما ذكره الشهيد في قواعده أنه حد رجلا زور عليه كتابا مائة

فشفع فيه قوم فجلده مائة ثانية ثم مائة أخرى و ليس ذلك من موجبات الحد بل التعزير و لا يجوز أن يبلغ مائة جلدة.

و منها أنه كان يتلون في الأحكام و يتبع الظن‏

حتى قضى في الجد سبعين قضية و قيل بمائة قضية و قال إني قضيت في الجد تسعين قضية و قيل مائة قضية و قال إني قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لم أكن فيها على الحق ذكره عنه أيوب السختياني عن ابن سيرين و حكى الجاحظ قول عمر أجرأكم على الجد أجرأكم على النار ثم اختلف قضاؤه فيه و هذا دليل مناقضته و خبطه مع قوله أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله.

و قال في الكلالة أقول فيها برأيي و منع متعة الحج مع وجوبها في الكتاب و متعة النساء و سيأتي القول فيها محررا فليطلبه من أراده مأجورا.

و منها أنه أبدع في الشورى أمورا خرج بها عن النص و الاختيار جميعا

فروى الجمهور أنه نظر إلى أهل الشورى و قال قد جاءني كل واحد منهم يهز عقيرته يرجو أن يكون خليفة.

23

أما أنت يا طلحة أ فلست القائل لئن مات النبي لننكحن أزواجه فنزل تحريمهن أبدا.

و أما أنت يا زبير فو الله ما لان قلبك يوما و لا ليلة و ما زلت جلفا جافيا مؤمن الرضا كافر الغضب يوما شيطانا و يوما رحمانا.

و أما أنت يا عثمان فو الله لروثة خير منك و لئن وليتها لتحملن بني معيط على رقاب الناس و لئن فعلتها لتقتلن قالها ثلاثا.

و أما أنت يا عبد الرحمن فعاجز تحب قومك و أما أنت يا سعد فصاحب عصبة و فتنة مفتتن و قتال لا تقوم بقرية لو حملتها.

و أما أنت يا علي فو الله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحتهم ثم قام علي و خرج فقال عمر و الله إني لأعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم ليحملنكم على المحجة البيضاء قالوا فلم لا توليه قال ليس إلى ذلك سبيل.

و قال له ابنه مثل ذلك فقال أكره أن أتحملها حيا و ميتا. و في كتاب السقيفة للجوهري منهم ما يناسب ذلك و في كتاب الاستيعاب منهم قول ابن عباس ما أدري ما أصنع بأمة محمد قلت إنك القادر على أن تضع ذلك مكان الثقة قال تعني عليا قلت أجل قال إنه كان كما ذكرت لكنه كثير الدعابة.

قال ابن طاوس الدعابة من أخلاق النبيين فانظر كيف طعن عمر فيهم ثم أهلهم و جعل الأمر إليهم دون غيرهم ثم نقل الأمر إلى أربعة و أمر بقتل من خالفهم ثم نقله إلى ثلاثة و جعل للثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن لعلمه أنه لا يعدل بها عن ختنه و ابن عمه عثمان و أن عليا و عثمان لا يجتمعان ثم أمر بقتل‏

24

الثلاثة الأخر ثم أمر بقتلهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام و كيف يستحقون القتل و قد كلفوا اختيار الإمام و ربما طال زمان الاجتهاد بحسب تعارض الصلاح و الفساد.

قالوا أمر بقتلهم إن تأخروا على طريق شق العصا و طلب الأمر من غير جهته قلنا ذلك لا يوجب القتل و لئن أوجبه لم يجز تأخيره ثلاثا و لله در القائل‏

و ما ترك النبي الناس شورى* * * بلا هاد و لا علم مقيم‏

و لكن سول الشيطان أمرا* * * فأردى بالسواء و بالسئيم-.

و قد كانت الشورى سبب اختلاف الآراء و تشتيت الأهواء كما ذكره أهل التواريخ و صاحب العقد في المجلد الرابع عن معاوية بن أبي سفيان فكان عمر سبب الاختلاف في منع النبي(ص)من الكتاب أولا و في جعل الأمر شورى ثانيا.

و منها أنه لم يحكم على نفسه بل أخرجها من أولياء الله الذين هم ناجون‏

أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏

فقد أسند الواقدي إلى ابن عباس‏

أنه دخل عليه حين طعن و قال مضى النبي و هو عنك راض فقال المغرور من غررتموه أما و الله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع‏

فأين هذا من قول علي‏

إني إلى لقاء ربي لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر و إني لعلى صراط مستقيم من أمري و بينة من ربي‏

و سنذكر شيئا من ذلك عند ذكر الصحيفة

و قال ابن عمر لابن أبي بكر اكتم علي ما أقول إن أبي لما حضرته الوفاة بكى فقلت مم قال ائت عليا ليحلني و اردد عليه الأمر فلما جاء قال له ذلك قال أجيبك على أن تشهد رجلين من الأنصار و رجلين من المهاجرين أنك و صاحبك ظلمتماني فحول أبي وجهه فخرج علي فقلت قد أجابك فأعرضت عنه فقال يا أحمق أراد أن لا يصلي علي أحد

25

فلما حضرته الوفاة كان يقول مثل ما كان أبوك يقول و كان في حياته شاكا في دينه‏

و سنذكر طرفا منه في المجادلة

و في مسند ابن سليمان‏

قال رجل للشعبي إن عليا شهد للثاني بالجنة فما تقول أنت فقال يبكي في خطيئته و أنا أشهد له بالجنة

و في الحلية أن عمر قال‏

لو نادى منادي السماء أنكم داخلون الجنة إلا واحدا لخفت أن أكون هو

و في مواعظ الكرامي‏

أنه قال عند احتضاره ليتني كنت كبشا لأهلي فأكلوا لحمي و مزقوا عظمي و لم أرتكب إثمي‏

و هذا يدل على خروجه من الدنيا على غير يقين‏

و أسند الحسين بن عبد الله إلى الحسن بن علي‏

أنه قال عند موته أتوب إلى الله من اغتصابي هذا الأمر أنا و أبو دور

و في الحديث الأول من أفراد البخاري من الجمع بين الصحيحين‏

أن ابن عباس دخل عليه لما طعن و هو يتألم فقال جزعي من أجلك و أجل صاحبك و الله لو أن لي تلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه‏

و نحو هذا أحاديث أخر تأتي إن شاء الله‏

[منها أنه كتب إلى معاوية عهدا يذم فيه الإسلام و محمدا و جعله ساحرا و يقسم باللات و العزى ما جحدها منذ عبدها]

و منها ما أسنده جعفر بن علي الخزاز إلى سعيد بن المسيب و محمد بن علي البصري إلى أبي سعيد الخدري‏

أنه كتب إلى معاوية عهدا يذم فيه الإسلام و محمدا و جعله ساحرا و يقسم باللات و العزى ما جحدها منذ عبدها و يشكرها أنها هي التي دلت عتيقا بحيلته و شهادته بفضائله و تسرعه إلى بيعته و ادعائه أن عليا سلم خلافته بعد أن جره إلى سقيفته بحبل في عنقه و أشاع القول ببيعته و حلف أبو ذر أن عليا ما أجاب إلى بيعته و لا واحد من عشيرته ثم فمن يا معاوية فعل فعلي و استشاد أحقاد أسالفه غيري و ذكر له أنه إنما قلده الشام ليتم له هذا المرام و ذكر ذلك في شعره‏

معاوية إن القوم ضلت حلومهم‏

إلى آخره‏

26

و لما قدم ابن عمر على يزيد منكرا عليه قتل الحسين(ع)أوقفه على هذا العهد فرجع مستبشرا وادا أن يكون له مشاركا

و روي عن الرضا ع‏

لآل محمد في كل عصر* * * تجدد في أذى زفر جديد

إذا زفر مضى زفر تولى* * * يشيب نواصيا طفل وليد

. و لقد أبدع في وضع الخراج على السواد.

و منها أنه أبدع التراويح جماعة في شهر رمضان‏

و قال نعمت البدعة

و قد قال النبي‏

كل بدعة ضلالة

فكأنه قال نعمت الضلالة و قد امتنع النبي(ص)من أن يكون إماما في نافلة رمضان كما أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحيحين و رووا عن عائشة أن النبي(ص)أول من صلاها و إنما تركها لئلا يظنوا وجوبها.

قلنا لو كان كذلك لأسندها عمر إليه و لم يقل إنها بدعة على أن النبي(ص)داوم على سنن كثيرة و لم يظنوا بذلك وجوبها

و سأل أهل الكوفة عليا أن ينصب لهم إماما يصليها فزجرهم و عرفهم أن السنة خلافها فاجتمعوا و نصبوا لأنفسهم إماما فيها فبعث الحسن إليهم بالدرة ليردهم عنها فلما دخل المسجد تبادروا الأبواب و صاحوا وا عمراه.

و قيام رمضان ثابت عندنا انفرادا لا جماعة

لقول النبي(ص)

أيها الناس إن النافلة بالليل في رمضان جماعة بدعة و صلاة الضحى بدعة ألا فلا تجمعوا في رمضان في النافلة و لا تصلوا الضحى فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة ألا و إن كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها إلى النار

تذنيب‏

روى الحميدي في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب من رواية مرزوق و العجلي قلت أ كان عمر يصلي الضحى قال لا قلت فعثمان قال لا قلت فأبا بكر قال لا قلت فالنبي قال ما إخاله.

و روى الحميدي أيضا في مسند عائشة قالت إن النبي ما صلى الضحى و

27

في مسندها عن ابن عمر أن صلاة الضحى بدعة و في مسند ابن حنبل ما يدل على مثل ذلك.

و منها أنه عارض النبي(ص)في مواضع‏

منها في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس و التسعين لما أراد أن يصلي على ابن أبي سلول نهاه عمر و قال قد نهاك ربك فقال بل خيرني ثم صلى فنزلت‏ وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏ فآذى النبي بالرد عليه و لم يوقره و لم يتعظ بقوله‏ وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ و كيف لعمر النهي و لا يعلمه النبي على أن آية وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏ إنما نزلت بعد ذلك كما في حديثهم.

[و منها أن عمر أمر جنبا لم يجد الماء بترك الصلاة]

و منها في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني من المتفق عليه أن عمر أمر جنبا لم يجد الماء بترك الصلاة فإن كان عرف شرعية التيمم في كتابه فلم لم يأمر به و إلا فيأمر به بجرأته و إلا فيأمر به بجهالته.

و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل و ذكره غيره أيضا أن أول من أعال الميراث عمر فقال ابن عباس لو قدموا من قدمه الله و هو الذي أهبط من فرض إلى فرض و أخروا من أخره الله و هو الذي أهبط من فرض إلى ما بقي ما عالت فريضة قط.

قال الزهري فقلت له من أول من أعال قال عمر بن الخطاب.

فيا عجبا لمن يقع منه هذه الجهالات و يسمونه فاروقا على منابرهم و لا يستحيون من هذه المناقضات و قد رووا أن الفاروق الفارق بين المؤمن و الكافر و فاروق الحق و الباطل علي بن أبي طالب‏

28

كلام في خساسته و خبث سريرته‏

ذكر الحنبلي في كتاب نهاية الطلب أن عمر بن الخطاب كان قبل الإسلام نخاس الحمير.

في المجلد الثاني من كتاب العقد قالت له امرأة من قريش يا عمير فوقف فقالت كنا نعرفك عمير ثم صرت عمر ثم صرت أمير المؤمنين فاتق الله و انظر في أمور الناس.

و في الفصل الرابع من الجزء الأول من الإحياء للغزالي أن عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا و لو لا أنه علم من نفسه صفات تناسب صفات المنافقين لم يشك فيها و تقدم على فضيحتها و ذكر هشام بن السائب الكلبي من رجالهم في كتاب المثالب أن صهاك جارية حبشية لهاشم بن عبد مناف وقع عليها فضلة بن هاشم و عبد العزى بن رباح فولدت جد عمر و قد قالوا إنه نجب فردوا على نبيهم أن ولد الزناء لا ينجب.

فلينظر عقلاء الأنام هل يقدم من هذه أحواله على بني هاشم الكرام ذوي الأحلام في الجاهلية و الإسلام و لا غرو من ولد الزناء و خبيث الأصل أن يجترئ على الإسلام‏

فقد روي عن الباقر(ع)

في قوله تعالى‏

لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ‏ الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ‏

نزلتا فيه‏

و قد عرف أهل الأنساب أن أباه الخطاب و جده نفيل و أمه حنتمة و جدته صهاك و ليس في قريش أوضع منها و لا تيم مع ضعتها.

و قد روى عنه جماعة تعلموا أنسابكم تصلوا بها أرحامكم و لا يسألني أحد ما وراء الخطاب و صحح أبو يحيى الجرجاني المحدث أن الصهاكي كان أبوه شاكرا.

29

و في البخاري و الإحياء أسند أحمد بن موسى‏

أن رجلا قال للنبي من أبي قال حذافة فسأله آخر من أبي قال سالم فبرك عمر على ركبتيه و قال بعد كلام لا تبد علينا سوءتنا و اعف عنا

رواه أبو يعلى الموصلي في المسند عن أنس‏

قال شاعر

إذا نسبت عديا في بني مضر* * * فقدم الدال قبل العين في النسب‏

و قدم السوء و الفحشاء في رجل* * * و غد زنيم عتل خائن نصب‏

و في خرائج الراوندي‏

سأل الثمالي زين العابدين(ع)عن الأول و الثاني فقال عليهما لعائن الله كلها كانا و الله كافرين مشركين بالله العظيم‏

قلت و يعضد ذلك مناداتهما بالويل و الثبور عند احتضارهما لما رأيا من سوء عاقبتهما و يعضده أيضا

ما أسنده علي بن مظاهر الواسطي إلى الإمام العسكري أنه جعل موت عمر يوم عيد

و أنشد الكميت الشاعر بحضرة الإمام الباقر ع‏

إن المصرين على ذنبيهما* * * و المخفيا الفتنة في قلبيهما

و الخالعا العقدة من عنقيهما* * * و الحاملا الوزر على ظهريهما

كالجبت و الطاغوت في مثليهما* * * فلعنة الله على روحيهما

فضحك الباقر ع‏

و سيجي‏ء في كتابنا ما يؤكد هذا المقام‏

30

النوع الثالث في عثمان‏

مقدمة في تسميته نعثل أقوال‏

ففي حديث شريك أن عائشة و حفصة قالتا له سماك رسول الله نعثلا تشبيها بكر يهودي و قال الكلبي إنما قيل نعثلا تشبيها برجل لحياني من أهل مصر و قيل من خراسان و قال الواقدي شبه بذكر الضباع فإنه نعثل لكثرة شعره و قال إنما شبه بالضبع لأنه إذا صاد صيدا قاربه ثم أكله و إنه أتي بالمرأة لتحد فقاربها ثم أمر برجمها و يقال النعثل التيس الكبير العظيم اللحية.

قال الكلبي في كتاب المثالب كان عثمان ممن يلعب به و يتخنث و كان يضرب بالدف‏

و قد أحدث عثمان أمورا

منها أنه ولى أمر المسلمين من لا يؤتمن عليه و لا علم له به‏

التفاتا عن حرمة الدين إلى حرمه القرابة فولى الوليد بن عقبة فظهر منه شرب الخمر و الفساد و فيه نزل‏ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً قال المفسرون المؤمن علي و الفاسق الوليد و فيه نزل‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و صلى بالناس في إمارته سكران فقال أزيدكم قالوا لا.

و ولى سعيد بن العاص الكوفة فقال إنما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت فمنعوه دخولها و تكلموا فيه و في عثمان حتى كادوا يخلعونه فعزله قهرا.

و ولى عبد الله بن أبي سرح مصر فتكلموا فيه فولى محمد بن أبي بكر و كاتبه أنه يقتل ابن أبي بكر و كل من يرد عليك و تستمر فلما ظفر بالكتاب كان سبب حصره و قتله.

31

و قالوا ذلك مروان لا عثمان قلنا فكان يجب على عثمان تعزيره و التبري منه فلما لم يفعل ذلك دل على خبثه و كذبه و من هذا حاله لا يصلح لأدنى ولاية مع إجماع الصحابة على قتله و ترك دفنه ثلاثا لما تحققوا من أحداثه.

قالوا و الحسين جرى له مثل ذلك قلنا لا قياس لإجماع المسلمين على أنه قتل ظلما و لم يحدث حدثا بخلاف عثمان فقد روى الواقدي أن أهل المدينة منعوا من الصلاة عليه و حمل ليلا ليدفن فأحسوا به فرموه بالحجارة و ذكروه بأسوإ الذكر و قد روى الجوزي في زاد المسير أن عثمان من الشجرة الملعونة في القرآن.

و منها أنه آوى الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله من المدينة.

قالوا ذكر أنه استأذن النبي في رده قلنا لم ينقل ذلك في كتاب بل المروي خلافه.

قال الواقدي من طرق مختلفة و غيره‏

أن الحكم قدم المدينة بعد الفتح فطرده النبي و لعنه لتظاهره بعداوته و الوقيعة فيه و العيب بمشيته‏

و صار اسم الطريد علما عليه فكلمه عثمان فيه فأبى عنه و كلم الشيخين في زمن ولايتهما فيه فأغلظا القول عليه و قال له عمر يخرجه رسول الله و تأمرني أن أدخله و الله لو أدخلته لم آمن من قائل غير عهد رسول الله فإياك أن تعاودني فلو كان النبي أذن له لاعتذر عثمان إليهما به‏

و لما لامه علي و عمار و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن قال إنه قرابتي و في الناس من هو شر منه.

و قال لو نال أحد من القدرة ما نلت فكان قرابته لأدخله فغضب علي و قال لتأتينا بشر من ذلك إن سلمت و سترى غب ما تفعل.

و قد روى صاحب كتاب الشفاء من الجمهور قول النبي(ص)

من أحدث في المدينة حدثا فعليه‏

لَعْنَةُ اللَّهِ‏ و أورده البخاري في أول الكراس الثاني من الجزء الرابع و زاد الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏

لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا

و مثل هذا أورد الحميدي في الحديث الثامن عشر من الجمع بين الصحيحين و مثله أيضا في‏

32

الحديث الثامن و الأربعين من أفراد مسلم.

و منها أنه آثر أهله بأموال المسلمين‏

فدفع إلى أربعة زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار و إلى مروان مائة ألف دينار.

قالوا ربما كان ذلك من ماله قلنا روى الواقدي أن عثمان قال إن أبا بكر و عمر كانا يناولان من هذا المال قرابتهما و إني ناولت منه صلة رحمي.

و روى الواقدي أنه قسم مال البصرة بين ولده و أهله بالصحاف و روى الواقدي أيضا أن إبلا من الصدقة وهبها عثمان للحارث بن الحكم بن أبي العاص و ولى الحكم بن أبي العاص على صدقات قضاعة فبعث ثلاثمائة ألف فوهبها له و أعطى سعيد بن العاص مائة ألف دينار فأنكر الناس عليه و قسم بيت المال على المقاتلة و غيرهم.

قالوا ذلك بالاجتهاد قلنا الله و رسوله أعلم بمصالح العباد فإذا عينا لبيت المال جهة مخصوصة لم يجز العدول عنها بالاجتهاد.

تذنيب‏

قال أهل التواريخ و صاحب الاستيعاب منهم لما مات خلف ثلاث زوجات أصاب كل واحدة منهن ثلاثة و ثمانون ألف دينار فجملة المتروك أضعافها فمن له هذا التكالب على الدنيا كيف يصلح لخلافة الأنبياء.

و منها ما ذكره عبد الله بن طاهر في كتاب لطائف المعارف أنه كسر ضلع ابن مسعود

لما أبى أن يأتيه بمصحفه ليحرقه و منعه العطاء و أنه كان مع كونه عظيم الشأن يكفر عثمان.

ففي مسلم و البخاري قيل لابن مسعود صلى عثمان بمنى أربع ركعات فاسترجع و قال صليت مع النبي و مع أبي بكر و عمر ركعتين و نحوه في مسند أحمد

و في تاريخ الطبري‏

قال له علي لقد عهدت نبيك يصلي ركعتين و أبا بكر و عمر فما أدري ما ترجع إليه قال رأي رأيته‏

و عاده عثمان في مرضه و سأله الاستغفار له فقال أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي و أوصى أن لا يصلي عليه عثمان.

و لما مر ابن مسعود من العراق معتمرا وجد أبا ذر على الطريق ميتا مكفنا

33

فدفنه فضربه عثمان أربعين سوطا ذكر ذلك ابن طاهر في لطائف المعارف و قد كان عثمان نفاه إلى الشام فكان يخطئ معاوية في الأحكام و يتحسر على الإسلام و كان عثمان الذي نصب معاوية مع علمه عدم استحقاقه فولاه بغضا لمن جعله الله مولاه فبعث إلى عثمان يشكوه فبعث إليه أن يحمله إليه مهانا فحمله على قتب حتى سقط لحم فخذيه.

فروى الواقدي أنه لما دخل على عثمان قال له لا أنعم الله بك عيشا يا جندب أنت الذي تزعم أنا نقول‏ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ و إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ فقال لو كنتم لا تزعمون ذلك لأنفقتم مال الله على عباده أشهد

لقد سمعت رسول الله يقول‏

إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثون رجلا جعلوا مال الله دولا و عباد الله خولا و دين الله دخلا

. فقال للجماعة هل سمعتم هذا من النبي فقال علي و الحاضرون نعم سمعناه‏

يقول‏

ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر

فنفاه إلى ربذة

و قال لعلي(ع)بفيك التراب فقال علي بل بفيك التراب و سيكون‏

قال جماعة فلقد رأينا عثمان مقتولا و بفيه التراب.

و روى الواقدي‏

أن النبي(ص)رآه نائما في المسجد فقال كيف تصنع إذا أخرجوك منه قلت ألحق بالشام قال فإذا أخرجوك منها قلت أرجع إلى المسجد قال فإذا أخرجوك منه قلت أضرب بسيفي قال هل أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك و تسمع و تطيع فسمعت و أطعت‏

فهذه الروايات ترد قول القاضي إنه خرج باختياره.

و منها أنه ضرب عمارا حتى أحدث به فتقا

و لما قتل قال عمار قتلنا كافرا فابن مسعود و عمار مع كونهما صدرين عظيمين كانا لعثمان في حياته و بعد موته مكفرين و باقي الصحابة لم يدفعوا القتل عنه حيث علموا موجبه و ترك بغير غسل و لا كفن ملقى على المزبلة ثلاثا و أمير المؤمنين(ع)الذي هو مع الحق و الحق معه لم ينه عن ذلك فدل على تكفيره لأن الفاسق لا يجوز التخلف عن دفنه مع‏

34

تكفنه و كان لعلي المكنة حيث إنه كان في ذلك الوقت بالإجماع خليفة.

قال البرقي‏

أ لم يدس بطن عمار بحضرته* * * و دق للشيخ عبد الله ضلعان‏

و قد نفى جندبا فردا إلى بلد* * * ناء المحلة من أهل و جيران‏

و قد روى أحمد في مسنده عن أنس‏

أنه لما ماتت رقية بنت النبي بضرب زوجها عثمان لعنه النبي خمس مرات و قال لا يتبعنا أحد ألم بجاريته البارحة لأجل أنه كان ألم بجارية رقية فرجع جماعة و شكا عثمان بطنه و رجع و لعنه جماعة حيث حرموا الصلاة عليها بسببه‏

و منها أنه لم يحضر بدرا و لا بيعة الرضوان.

قالوا أشغله عن بدر مرض زوجته بنت رسول الله بإذنه فضرب لهم بسهم من غنائمها فكان حكمه حكم حاضرها و وضع النبي(ص)في بيعة الرضوان إحدى يديه على الأخرى و قال هذه عن عثمان.

قلنا هذه الاعتذارات خالية من دليل إلا أن يسلمها خصمه و ليس إلى ذلك من سبيل.

و منها أنه هرب يوم أحد و لم يرجع إلى ثلاثة أيام‏

و قد حكم عليه الشيطان كما نطق به القرآن‏ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ‏ و قد شرط المخالف شجاعة الإمام و المؤالف عصمته فدل على عدم صلاحه فراره و خطيئته.

قالوا نطق القرآن بالعفو عنه قلنا فيه التزام بالذنب منه على أن العفو عنهم قد يراد به أكثرهم مثل‏ قُرْآناً عَرَبِيًّا فلا يتعين العفو عن عثمان و لجاز كون العفو في الدنيا عن تعجيل المعاقبة و لأنه لا يلزم من العفو عن الذنب العفو عن كل ذنب.

و منها أنه كان يستهزئ بالشرائع و يتجرأ عليها بالمخالفة لها

ففي‏

35

صحيح مسلم‏

ولدت امرأة لستة أشهر فأمر برجمها فقال له علي‏

وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏

فعانده فبعث فرجمها وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ هُمُ الْكافِرُونَ‏ في آيات و قتلها فحق عليه قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً.

و في الجمع بين الصحيحين‏

أن عثمان نهى عن عمرة التمتع و فعلها علي فقال أنا أنهى عنها و تفعلها فقال ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول أحد

و فيه أن النبي(ص)صلى في السفر دائما ركعتين و أبو بكر و عمر و عثمان في صدر خلافته ثم صلى عثمان أربعا فكيف جاز له تبديل الشريعة.

و في صحيح مسلم أن رجلا مدح عثمان فحثى المقداد مع عظم شانه الحصى في وجهه لما كبر عليه من مدحه و أن الذم أولى به فقال له عثمان ما شأنك‏

فروى أن النبي قال‏

إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب‏

و من المعلوم مدح الصحابة بعضهم بعضا و لم يحث أحد في وجوههم التراب فلو لا بلوغ عثمان إلى حد استوجب ذلك لم يفعل بمادحه ذلك و المقداد من أجلاء الصحابة و لم ينكر أحد عليه و يكون الخبر الذي ذكره المقداد مخصوصا بمن يستحق الذم لأن المدح كذب حينئذ و العقل قاض بقبحه فمن يمدح الآن عثمان ينبغي فيه الاقتداء بالمقداد في حثو التراب.

و منها جرأته على رسول الله (ص)

فروى الحميدي أن السدي قال لما توفي أبو سلمة و خنيس بن صداقة و تزوج النبي(ص)زوجتيهما حفصة و أم سلمة قال طلحة و عثمان ينكح محمد نساءنا و لا ننكح نساءه و الله لو مات لأجلنا عليهن بالسهام و كان طلحة يريد عائشة و عثمان يريد أم سلمة فأنزل الله‏ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً و أنزل‏

36

الله‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ

[منها أن عثمان باع عليا أرضا و أنكره‏]

و منها

أن عثمان باع عليا أرضا و أنكره فقال حاكمني إلى النبي فقال إنه ابن عمك و يحابيك فنزل‏

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏

أي كفر

و في تفسير الثعلبي قضى النبي عليه ليهودي فغضب فنزل فيه‏ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و منها ما ذكره عكرمة و مجاهد و السدي و الفراء و الزجاج و الجبائي و ابن عباس و أبو جعفر(ع)أنه كان يكتب الوحي و يغير

فكتب موضع‏ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ سميع عليم عزيز حكيم فأنزل الله فيه‏ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ حين ارتد و لحق بمكة و قال ذلك.

و رووا أنه كان يخطب فرفعت عائشة قميص النبي(ص)و قالت قد أبليت سنته [و هذا قميصه لم يبل‏] فقال اسكتي أنت كامرأة نوح و امرأة لوط الآية

تذنيب‏

روى أبو وائل أن عمارا قال ما كان لعثمان اسم في أفواه الناس إلا الكافر حتى ولى معاوية و روى حذيفة أنه قال لا يموت رجل يرى أن عثمان قتل مظلوما إلا لقي الله يوم القيامة يحمل من الأوزار أكثر مما يحمل أصحاب العجل و قال ولينا الأول فطعن في الإسلام طعنة و الثاني فحمل الأوزار و الثالث فخرج منه عريان و قد دخل حفرته‏ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ‏ و قد اجتمع خمسة و عشرون ألفا لقتله.

37

[منها إعراضه عن حكم رسول الله(ص)و نزول الآية في ذمه‏]

و منها ما رواه السدي‏

أنه لما غنم النبي(ص)بني النضير و قسم أموالهم قال عثمان لعلي ائت النبي و اسأله كذا فإن أعطاك فأنا شريكك و أنا أسأله فإن أعطاني فأنت شريكي فسأله عثمان أولا فأعطاه فأبى أن يشرك عليا فقاضاه إلى النبي فأبى و قال إنه ابن عمه فأخاف أن يقضي له فنزلت‏

وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ‏

إلى قوله‏

بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏

فلما بلغه ما أنزل فيه جاء إلى النبي(ص)و أقر بالحق لعلي‏

[منها في اتخاذه اليهود و النصارى أولياء و نزول الآية في ذمه‏]

و منها ما رواه السدي‏

في تفسير

لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ

لما أصيب النبي(ص)بأحد قال عثمان لألحقن بالشام فإن لي بها صديقا يهوديا فآخذ منه أمانا إني أخاف أن يدل علينا و قال طلحة إن لي بها صديقا نصرانيا فآخذ منه أمانا قال السدي فأراد أحدهما أن يتهود و الآخر أن يتنصر فاستأذن طلحة النبي في المسير إلى الشام معتلا أن له بها مالا فقال تخذلنا و تخرج و تدعنا فألح عليه فغضب علي و قال ائذن له فو الله لا عز من نصر و لا ذل من خذل فنزل‏

وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏

[منها في قوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قال عثمان إن في المصحف لحنا و ستقيمه العرب بألسنتها]

و منها في تفسير الثعلبي‏

في قوله‏

إِنْ هذانِ لَساحِرانِ‏

قال عثمان إن في المصحف لحنا و ستقيمه العرب بألسنتها فقيل لا تغيره فقال دعوه فإنه لا يحلل حراما و لا يحرم حلالا

إن قيل إنما قصد بنفي التحريم تلك الآية خاصة فظاهر خلوها عن الأمر و النهي و إنما هي إخبار و حكاية قلنا لو كان كذلك لأضاف اللحن إليها لا إلى القرآن.

إن قيل الضمائر التي في كلام عثمان عائدة إلى اللحن فإنه أقرب قلنا قوله و ستقيمه العرب عائد إلى القرآن إذ اللحن لا يمكن أحد إقامته و إنما توهم ذلك‏

38

لجهله باللغة فإنها لغة كنانة و قيل لغة بني الحارث فإنهم يثبتون ألف التثنية في النصب و الجر فيقولون من يشتري الخفان و مررت بالزيدان و لبعضهم‏

إن أباها و أبا أباها* * * قد بلغا في المجد غايتاها-.

هذا قوله مع قولهم أنه جمع القرآن فإن اعتقد أن اللحن من الله فهو كفر و إن اعتقده من غيره فكفر آخر حيث لم يغيره إلى ما أنزل عليه و لم يؤد الأمانة فيه و ذكر الحديث عنه ابن قتيبة في كتاب المسلك.

و قد ذكر الغزالي في الإحياء أن النبي(ص)مات عن عشرين ألف صحابي لم يحفظ القرآن منهم سوى ستة اختلف منهم في اثنين و في البخاري قال أنس جمع القرآن على عهد النبي(ص)أربعة أبي و معاذ و زيد و أبو زيد و رووا أنه لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء.

فهذه نبذة من مخازي الثلاثة متخرجة عن كتب محبيهم و مقدميهم تدل بأدنى فكر على عدم استحقاقهم الخلافة فليجل المنصف رويته و يوجه إلى طلب الحق خلويته و يسعى في فكاك نفسه من رهان رمسه فيخرج بعظيم مساويهم عن اعتقاد أن عليا مساويهم و سيأتي في آخر باب المجادلة رد الأخبار المزورة في عثمان فلتطلب منه.

لعمري لقد أنذرت إنذار مشفق* * * و جاوزت في الإيضاح حد الوصية

فوا عجبا ممن يروم لنفسه* * * خلاصا و لم يرغب بها عن جريرة

و غاية مقدوري فعلت و إنما* * * قبولك مما ليس في وسع قدرتي-.

و ما أصدق مقالة ابن نبهان يعرض بأبي بكر و عمر و عثمان‏

يا إلهي أشكو إليك رجالا* * * ظلمهم للهدى عريض طويل‏

رشدهم للأنام غي و للغي* * * رشاد و هديهم تضليل‏

هجروا رشدهم و قالوا رسول* * * الله بالهجر عنكم مشغول‏

أجمعوا أمرهم على شبهة الإجماع* * * جهلا و في النصوص الدليل‏

جعلوها طريدة للقناص* * * المحتال و الكل في الضلال خيول‏

39

ليس فيهم كفو و في كل كف* * * منهم لاقتناصها أحبول-.

تذنيب‏

أخبار الطالبيين‏

لما نزلت‏

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏

قال النبي(ص)تحشر أمتي على خمس رايات راية مع عجل هذه الأمة و راية مع فرعونها و راية مع سامريها و راية ذي الثدية فأسألهم ما فعلتم بالثقلين فيقولون الأكبر مزقنا و الأصغر عادينا فأقول ردوا ظامئين مسودة وجوهكم ثم ترد راية علي إمام المتقين فأسألهم فيقولون الأكبر اتبعنا و الأصغر وازرنا حتى أهريقت دماؤنا فأقول ردوا رواء مبيضة وجوهكم‏

هذا قال السيد الحميري‏

و الناس يوم البعث راياتهم* * * خمس فمنهم هالك أربع‏

الأبيات‏

و روي عن القاسم بن جندب عن ابن عباس و عن الباقر(ع)

في قوله تعالى‏

أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ‏

هم الأول و الثاني‏

عكرمة عن ابن عباس قال(ع)

أول من يدخل النار في مظلمتي عتيق و ابن الخطاب و قرأ الآية

و روي‏

أنها لما نزلت دعاهما النبي و قال فيكما نزلت‏

40

قال أبو حمزة قال الصادق(ع)

ما بعث الله نبيا إلا و في زمانه شيطانان يؤذيانه و يضلان الناس من بعده و صاحبا محمد حبتر و دلام‏

و نحوه عن الباقر(ع)

و تلا

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا

الآية

فكن من عتيق و من غندر* * * أبيا بزيئا و من نعثل‏

كلاب الجحيم خنازيرها* * * أعادي بني أحمد المرسل-.

أبو الحسن في قوله‏ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ الشمس الأول و القمر الثاني و قال‏ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ‏ أي هما يعذبان‏

و قال أبو جعفر(ع)

كل ما في الرحمن‏

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏

فهي في أبي فلان و فلان‏

قال البرقي‏

رضيت لنفسي إماما عليا* * * و أصبحت من آل تيم بريا

تنقصت تيما لبغضي لها* * * و أبغضت من أجل تيم عديا

و لما نزلت‏

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ‏

دعا النبي الثلاثة و قال فيكم نزلت هذه الآية

قال ديك الجن‏

ما كان تيم لهاشم بأخ* * * و لا عدي لأحمد بأب‏

لكن حديثي عداوة و قلا* * * تهوكا في غيابة الشعب‏

41

فصل في شي‏ء من تظلمات علي (ع)

ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد و أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل خطب(ع)عقيب مبايعة الناس له و ذكر فيها تألمه و تظلمه و لعنه على من تقدمه فمنها

كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا و كنتم فيها غير محمودين‏

. و في موضع آخر

سبق الرجلان و قام الثالث [كالب‏] كالغيران همه بطنه ويله لو قص جناحه و قطع رأسه لكان خيرا له‏

و في موضع آخر

لقد تقمصها ابن أبي قحافة و هو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى‏

فقد وضع من قدره بإضافته إلى عضروطه و جعل نفسه كالقطب الذي لا تدور الرحى بدونه.

قالوا ليس في إضافته انتقاص من قدره لجريان العادة به قلنا قد كان ألقاب أجمل من هذا كما جرت عادة من يراد تعظيمه.

قالوا ليس في تقميصها دليل ظلمه قلنا بلى لورود ذلك في معرض ذمة و اعتضاده بقرائن أخر من كلامه‏

و في خرائج الراوندي‏

أتى إليه(ع)أعرابي يتظلم فقال أنا أعظم ظلامة منك ظلمت المدر و الوبر و لم يبق بيت من العرب إلا و قد دخلت مظلمتي عليهم و ما زلت مظلوما حتى قعدت مقعدي هذا

و في خطبة أخرى‏

لقد تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيها فيما ليس لهما بحق و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة لبئس ما وردا و لبئس ما لأنفسهما مهدا يتلاعنان في مقيلهما إذ يتبرأ كل منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا

يا [وَيْلَتى‏] لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا

42

و أسند أبو إسحاق بن إبراهيم إلى عبد الرحمن بن أبي بكر أنه سمعه(ع)يقول‏

قبض رسول الله(ص)و ما من الناس أحد أولى بهذا الأمر مني‏

و أسند إبراهيم الثقفي إلى حريث أنه سمعه يقول‏

ما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله(ص)إلى يوم الناس‏

و روي من طرق كثيرة أنه قال‏

أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة

و هذا دليل أنه لم يزل الخلاف و لم يحصل الرضا الباطني و الائتلاف.

إن قيل هذا أخبار آحاد قلنا رواها جم غفير من القبيلين يحصل بهم التواتر المعنوي و لو سلم كونها آحادا فهي ترفع القطع بالائتلاف.

إن قيل عدم اشتهار الاختلاف دليل على عدمه كعدم شهرة معارضات القرآن فإنه دليل عدمها قلت الخوف منع من اشتهار الخلاف بخلاف المعارضة فافترق الأمران‏

و من خطبة أخرى‏

ما تنكر منا قريش غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا و أعلى فوق رءوسهم رءوسنا و اختارنا عليهم فنقموا عليه أن اختارنا اللهم إني أستعديك على قريش فخذ لي بحقي منها و لا تدع ظلامتي لها فإنها صغرت قدري و استحلت المحارم مني أ لم أخلصها من نيران الطغاة و سيوف البغاة ثم قال سبقني إليها يعني الخلافة التيمي و العدوي اختيالا و اغتيالا أين كان سبقهما إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة يوم الأنواء إذ تكاثفت الصفوف و تكاثرت الحتوف و هلا خشيا على الإسلام إذ شمخ أنفه و طمح بصره و لم يشفقا على الدين يوم بواط إذا اسود الأفق و اعوج العنق و لم يشفقا يوم رضوى إذا السهام تطير و المنايا تسير و الأسد تزير و هلا بادرا يوم العشيرة إذا الأسنان تصطك و الآذان تستك و هلا بادرا يوم بدر إذا الأرواح في الصعداء ترتقي و الجياد بالصناديد ترتدي و الأرض من دماء الأبطال ترتوي‏

ثم عد وقائعه مع النبي(ص)و قرعهما بأنهما كانا في النظارة و على هذا قال الناشي‏

43

فلم لم يثور ببدر و قد* * * متنت قوى القوم إذ بارزوكا

و لم هربوا إذ شجيت العدا* * * بمهراس أحد و لم نازلوكا

و لم أحجموا يوم سلع و قد* * * ثبت لعمرو و لم أسلموكا

و لم يوم خيبر لم يثبتوا* * * براية أحمد و استركبوكا

و لم يحضروا بحنين و قد* * * صككت بنفسك جيشا صكوكا

فأنت المقدم في كل ذا* * * فلله درك لم أخروكا

و قال محمد الموسوي في جملة أبيات‏

لا أنثني خوف قرن عنه يوم وغى* * * بل باسل قاتل في كل أفاك‏

و قد طلبناك يا تيم هناك و في* * * بدر و أحد و سلع ما وجدناك‏

و من نهج البلاغة

اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي و كفروا آبائي و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري فجرعت ريقي على الشجا و صبرت على الأذى حتى مضى الأول لسبيله و أدلى بها إلى فلان بعده فيا عجبا بينما هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسها و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله و للشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر فصغى رجل لضغنه و مال آخر لصهره فقام ثالث إلى أن انتكث فتله و كبت بها بطنته فما راعني إلا و الناس إلي كعرف الضبع فلما نهضت نكثت طائفة و مرقت أخرى أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما أخذ الله على العلماء ألا يغاروا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها و لألفيتم دنياكم أوهن عندي من عفطة عنز

و نحو ذلك ذكر في خطبته الشقشقية و غيرها.

44

تذنيب‏

أسند صاحب مراصد العرفان‏

أن ابن مسعود حلف بحضرة عثمان فقال و الله ما أنت على الحق و لا صاحباك فإن شئت فاضربني و إن شئت فدع فإني سمعت النبي(ص)يقول علي مع الحق و الباطل مع غيره و الويل لعيون تظلم عينا فضربه أربعين درة

. و العيون أبو بكر اسمه عبد اللات و عمر و عثمان يظلمون عينا يعني بذلك عليا

إلحاق في المنافقين من أهل العقبة

و هي عقبة أوس و يقال اسمها عقبة دقيق و في خرائج الراوندي أنها في طريقه إلى تبوك.

ففي مسند الأنصار هم أربعة عشر رجلا و رواه جابر عن الباقر(ع)و عد منهم أبا السرور و أبا الدواهي و أبا المعارف و ابن عوف و سعد و أبا سفيان و ابنه و فعل و فعيل و المغيرة بن شعبة و أبا الأعور السلمي و أبا قتادة الأنصاري.

و عن عمار و حذيفة نزل فيهم‏ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.

ابن جريج و ابن جبير نزل فيهم‏ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ‏ الآية.

ابن كيسان نزل فيهم‏ يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ‏ الآيات مقاتل نزل فيهم‏ وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ‏

الباقر(ع)

نزل فيهم‏

يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ‏

الآية

و نزل فيهم‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ‏.

و لما عنفهم النبي(ص)قالوا لن نؤمن بك يقينا قبل الساعة و في رواية

45

الأصبغ أنه قال منافقون إلى يوم القيامة ثم قال للأول ما أوقفك هذا الموقف قال آخيت بيني و بين زفر و قال للثاني فقال برح الحفا بي و قال لفعيل قال خفت الفوت فسبقت و قال للثالث فقال أمرني الثاني فقال أما أنت يا فعيل فروثة حمار خير منك و أما أنت يا عثمان فجيفة الصراط يطاك المنافقون و أما أنتم فمنافقون إلى يوم القيامة.

و سيأتي في باب المجادلة جواب بين لما اقترحوه من البهتان في عمر و عثمان و قد ذكر مسلم حديث العقبة في الجزء الثالث من صحيحه و في الخامس أيضا و في الجمع بين الصحيحين في الحديث الأول من أفراد مسلم و في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة و ذكرها الكلبي و الثعلبي و محمد بن إسحاق و ابن حنبل و الحافظ في حليته.

و في تفسير الثعلبي قال حذيفة

يا رسول الله أ لا تقتلهم فقال يكفيناهم الله بالدبيلة و هي شهاب من جهنم يضعه على فؤاد أحدهم حتى يريق نفسه و كان كذلك‏

فصل في بدع معاوية

في حلية الأولياء سبه سعيد بن المسيب برده قضاء رسول الله(ص)بأن الولد للفراش و للعاهر الحجر و في تفسير الثعلبي صلى بالمدينة و لم يقرأ البسملة في الفاتحة رواه عن جماعة و نحوه في مسند الشافعي.

قال صاحب المصالت كان على المنبر يأخذ البيعة ليزيد فقالت عائشة هل استدعى الشيوخ لبنيهم البيعة قال لا قالت فبمن تقتدي فخجل و هيأ لها حفرة فوقعت فيها فماتت.

و في رواية ابن أبي العاص قال لها أي موضع ترضين لدفنك قالت كنت عزمت على جنب رسول الله(ص)إلا أني أحدثت بعده فادفنوني بالبقيع و روي‏

46

أنه كان يهدد الناس لأخذ البيعة ليزيد فبلغه عنها كلام فدخلت بعد عماها عليه راكبة حمارا فبال و راث على بساطه فقال لا طاقة لي بكلام هذه الفاجرة ثم دبر لها الحافر و كان عبد الله بن الزبير يعرض به‏

لقد ذهب الحمار بأم عمرو* * * فلا رجعت و لا رجع الحمار-.

و في الحديث الثاني من أفراد البخاري من الجمع بين الصحيحين أنه نازع عمر في الخلافة و قال من أراد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنة فنحن أحق به منه و من أبيه فإذا كان لعمر فيها منازعا و لعلي مقاتلا فقد كفر بخروجه عن إجماع أهل الإسلام.

و ذكر الكلبي منهم في المثالب أن معاوية كان لأربعة لعمارة و لمسافر و لأبي سفيان و لرجل آخر سماه قال و كانت أمه هند من المغتلمات تحت السودان قال و كانت حمامة بعض جداته لها راية بذي الحجاز لأجل الزنا و كان يكتب عن نفسه كاتب الوحي و قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمان من الهجرة و قيل قبل وفاة النبي بخمسة أشهر فكيف يثق النبي بكتبه مع قرب عهد إسلامه و لو سلم ذلك لهذه القبيلة فبدعة تسقط تلك الفضيلة.

و قد ذكر في كتبهم أن ابن أبي سرح كان منهم فارتد فمات فدفن فلم تقبله الأرض.

و في الثامن و الأربعين بعد المائة من المتفق عليه في الجمع بين الصحيحين أن رجلا من بني النجار قرأ البقرة و آل عمران فكان يكتب الوحي فارتد فمات عند أهل الكتاب فدفن فقذفته الأرض ثلاث مرات فترك منبوذا على وجهها و قد ظهر من معاوية من مخالفة قواعد الدين و من قتل الصالحين ما يزيد على أفعال المرتدين.

إن قيل فما بال الأرض لم تقذفه قلنا هذا ليس بواجب فإن كثيرا من المرتدين لم تقذفهم الأرض و كذا قاتلي الحسين(ع)و غيرهم فإن لله العقوبة و الفضيحة بما يشاء.

47

و في المجلد الثالث في صحيح مسلم‏

أن النبي أرسل ابن عباس يدعو معاوية فدعاه فلم يأته و قال إنه يأكل فقال لا أشبع الله بطنه‏

فلو كان عنده من المؤمنين لكان رءوفا كما جاء في قوله تعالى‏ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ و نطق الذكر الحكيم بكونه على خلق عظيم و كان يدعو بهداية قومه من الكافرين فلو لا أنه من المنافقين الهابطين عن الكافرين في قوله‏ إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ و الدعاء إنما هو بأمر شديد القوى لعموم‏ وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ فلو لا علمه بنفاقه لم يأمر نبيه بدعائه عليه و شقاقه.

و في المجلد الثالث من صحيح مسلم‏

المؤمن يأكل في معاء واحد و الكافر في سبعة أمعاء

و ذكره في الجمع بين الصحيحين في الثاني و التسعين من المتفق عليه.

و رووا في كتبهم‏

لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه و أهله و ماله‏

و أكل معاوية أحب إليه من النبي(ص)و كان هو مع أقاربه أعداء للنبي و لأقاربه أسلم طمعا في الملك لما سمع من كعب الأحبار و سطيح كيف لا تؤمن بمحمد و أنت ولي الثارات من أولاده ففرحت هند بذلك و أسلما.

و في صفوة التاريخ لأبي الحسن الجرجاني أنه لعن عليا على المنبر و كتب إلى سائر البلاد بذلك فلعنوه فإن كان علي ملعونا ظلما على المنابر فمعاوية ملعون عدلا من القنابر.

و في الكتاب قال عتيبة الأسدي‏

معاوي إننا بشر فأسجح* * * فلسنا بالجبال و لا الحديد

أكلتم أرضنا فجردتموها* * * فهل من قائم أو من حصيد

48

و روى الأعمش أنه لما قدم الكوفة قال ما قتلتكم على أن تصلوا و تصوموا فإني أعلم أنكم تفعلون ذلك بل لأتأمر عليكم فقال الأعمش هل رأيتم رجلا أقل حياء منه قتل سبعين ألفا فيهم عمار و خزيمة و حجر و عمرو بن الحمق و محمد بن أبي بكر و الأشتر و أويس و ابن صوحان و ابن التيهان و عائشة و ابن حسان ثم يقول هذا.

و في رواية ابن عبد الملك أنه لما قبض عمرو بن الحمق حفر له قبرا و كفنه و قال ضعوا الحربة فوقه فإن تبرأ من علي فاطلقوه و أعطوه خراج البلاد و إن أبى فاطعنوه سبعا كما فعل بعثمان فأبى فقتلوه و حملوا رأسه إليه فبعثه إلى امرأته و هي في الحبس فرمى في حجرها فقالت نفيتموه عني طويلا و أهديتموه إلي قتيلا.

و في حديقة الحدق عن هارون الضميري أتي إليه بسكران فقال ما شربت فقال‏

مشعشعة كانت قريش تكنها* * * فلما استحلوا قتل عثمان حلت‏

فقال مع من شربت فقال‏

شربت مع الجوزاء كأسا روية* * * و أخرى مع الشعرى إذا ما استقلت‏

فدرأ عنه الحد و قيل لأبي نعيم تركت ذكر معاوية في كتابك قال إنما ألفت حلية الأولياء لا حلية الأمراء.

و روى أبو بكر الهذلي قال ضرط عند معاوية أبو الأسود الدؤلي فاستكتمه فلما خرج حدث بها ابن العاص و مروان فلما غدا أبو الأسود قال عمرو ما فعلت ضرطتك بالأمس قال ذهبت كما يذهب الريح من شيخ ألان الدهر أعضاءه من إمساكها و كل أجوف ضروط و كيف نجاك دبرك يا عمرو يوم صفين ثم أقبل على معاوية و قال إن امرأ ضعفت أمانته و مروته عن كتمان ضرطة فحقيق أن لا يؤتمن على المسلمين.

49

و في الكتاب قال معاوية فضل الله قريشا بثلاث‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و نحن الأقربون‏ وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏ و نحن قومه‏ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ‏ فقال رجل أنصاري على رسلك يا معاوية قال الله‏ وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ‏ و أنت من قومه‏ إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ‏ و أنت من قومه‏ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً و أنت من قومه فهذه ثلاث بثلاث و لو زدتنا لزدناك فأفحمه.

و قال لرجل من اليمن ما كان أجهل قومك حين ولوا أمرهم امرأة فقال أجهل منهم قومك إذ قالوا حين دعاهم النبي(ص)اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ و لم يقولوا إن كان هو الحق فاهدنا له.

و لما دخل عليه عقيل قال له كيف رأيت عليا و أصحابه قال كأنه رسول الله(ص)و أصحابه قال فأنا قال فكأنك أبا سفيان و أصحابه فقال له أنت ضرير قال هو أولى أن لا أراك قال أنتم تصابون في أبصاركم قال و أنتم تصابون في بصائركم ثم قال لأهل الشام هذا ابن أخي أبي لهب فقال هذا ابن أخي أم جميل حمالة الحطب فقال يا عقيل أين تراهما قال إذا دخلت النار فانظر على يسارك تراه مفرشا لها فانظر أيهما أسوأ الناكح أم المنكوح فقال واحدة بواحدة و البادي أظلم.

و دخل مولى أبي ذر فقال أ تعلم متى قامت القيامة قال نعم حين هدموا بيت النبوة و البرهان و سلبوا أهل العزة و السلطان و أطفئوا مصابيح النور و الفرقان و عصوا في صفوة الملك الديان و نصبوا ابن آكل الذبان شر كهول الورى و الشبان و أحيوا بدعة الشيطان و أماتوا سنة الرحمن فقد قامت القيامة

50

العظمى و جاءت الطامة الكبرى قال أ فتعلم متى هلكت الأمة قال نعم حين كنت أنت أميرها و ابن عاصي الله خطيبها و ابن طريد رسول الله(ص)فقيهها و صار غلام ثقيف يسوسها و ابن أبي معيط يتلف بأحقاد الجاهلية نفوسها و زياد سوء العذاب يسومها و يزيد السوء بعدك الخلافة يرومها.

وجد على بساطه يوم صفين‏

معاوي لله من خلقه* * * عباد قلوبهم قاسية

و قلبك من شر تلك القلوب* * * و ليس المطيعة كالعاصية

أردت الخلافة من دونه* * * و غرتك أكلبك العاوية

و أنت طليق فلا ترجها* * * و إن ترجها تهو في الهاوية-.

و روى سعيد بن حسان أنه كان في مرضه يقول اسقوني و نغب و لا يروي و يقول ما لي و ما لك يا حجر ما لي و ما لك يا ابن أبي طالب و يتململ على فراشه و يقول لو لا هواي في يزيد لأبصرت به رشدي و نحو ذلك في تاريخ النشوي.

سلمة ابن كهيل قال الأحنف سمعت عليا يقول‏

ما يموت فرعون حتى يعلق الصليب في عنقه فدخلت عليه و عنده عمرو و الأسقف فإذا في عنقه صليب من ذهب فقال أمراني و قالا إذا أعيا الداء الدواء تروحنا إلى الصليب فنجد له راحة

الزهري دخل عليه راهب و قال مرضك من العين و عندنا صليب يذهب العين فعلقه في عنقه فأصبح ميتا فنزع منه على مغتسله و في المحاضرات لما علقه قال الطبيب إنه ميت لا محالة فمات من ليلته فقيل له في ذلك فقال روي عن علي(ع)الخبر السالف‏

51

فصل في عمرو بن العاص‏

في التفاسير

لما مات إبراهيم ابن رسول الله(ص)هجاه بثمانين بيتا فقال رسول الله(ص)اللهم إن عمرا هجاني و لا أحسن الشعر اللهم فالعنه بكل بيت سبعين لعنة فنزل فيه‏

إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

و قال بمصر على المنبر محي من كتاب الله ألف حرف و زيد فيه ألف حرف و بذلت مائة ألف على أن تمحى‏ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ فما استوى.

و في العقد سمعه ابن عباس يزكي نفسه فقال بعت دينك من معاوية و مناك ما بيد غيره فلما صارت مصر بيدك كدرها بالعزل عليك و كدرت مشاهدك بصفين فو الله ما ثقلت علينا وطأتك و لقد كشفت فيها عورتك و لقد كنت طويل اللسان قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت و أولها إذا أدبرت لك يد لا تبسطها إلى خير و أخرى لا تقبضها عن شر فأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك و هذا على قول عمر لما بعث يطلب مصر من معاوية

معاوي لا أعطيك ديني و لم أنل* * * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع‏

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة* * * أخذت بها شيخا يضر و ينفع-.

و لما عزله قال ابن عمر له‏

ألا يا عمرو ما أحرزت مصرا* * * و لا أنت الغداة إلى رشاد

أ بعت الدين بالدنيا خسارا* * * فأنت بذاك من شر العباد-.

و روي أنه بارز بصفين قائلا

يا قادة الكوفة يا أهل الفتن* * * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن‏

كفى بهذا حزنا من الحزن* * * أضربكم و لا أرى أبا الحسن.

52

فتثاقل عنه علي و كان متنكرا حتى تبعه و أنشأ

أنا الغلام القرشي المؤتمن* * * الماجد الأبلج ليث كالشطن‏

رضي به السادة من أهل اليمن* * * أبو الحسين فاعلمن أبا الحسن‏

فهرب فطعنه فوقعت في ذيل درعه فاستلقى و أبدى عن عورته فصفح عنه حياء و تكرما و أنشأ معاوية

ألا لله من هفوات عمرو* * * يعاتبني على ترك البراز

فقد لاقى أبا حسن عليا* * * فآب الوائلين مآب خاز

و لو لم يبد عورته لأدى* * * إلى شيخ يذلل كل باز-.

فقال عمرو

معاوي لا تشمت بفارس بهمة* * * لقى فارسا لا تعتليه الفوارس‏

معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا* * * أبا حسن صدتك عنه الفوارس‏

و قد تمثل الشعراء بفعله فقال أبو فراس‏

فلا خير في دفع الردا بمذلة* * * كما رده يوما بسوأته عمرو

و من العجب تسليم نفوس أعدائه لما يعلمونه من وقائعه هذا مع هيجان الغضب و تراكمه و ثوران الحرب و تزاحمه قال جامع الكتاب في هذا الباب‏

ليس العجيب لعمرو عند سورته* * * عن سوأتيه بلى من عفة العافي‏

هذا و قد هاجت الهيجاء من غضب* * * و الحرب تسقي بكأس مترع وافي‏

لو لا الوثوق به لم يبد عورته* * * له و ذلك أبين ليس بالخافي-.

و سيأتي في باب رد الشبهات طرف من ذلك‏