الطب النبوي‏

- ابن القيم الجوزي المزيد...
320 /
3

[مقدمة المحقق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي فتح أبواب الخير بما فتح على العالمين من أبواب السنة، و هدى الناس إلى الصراط المستقيم بكلام نبيه محمد سيد الأولين و الآخرين. اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و على من سار على هديه و أخذ نفسه بسنته و التزم طريقته و على أصحابه الأجلة و من تبعهم بإحسان أما بعد فهذه تعليقات مختصرة تتعلق بتخريج أحاديث شريفة استشهد بها شمس الدين محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية في كتابه الطب النبوي الذي لا تخفى قيمته، و لا يخفت نوره، و لا تبيده فوائده.

و المؤلف يعرفه القاصي و الداني، و لا تغيب شمسه عن كل من أخذ قلما و طرسا.

ولد (رحمه اللّه) بدمشق سنة إحدى و تسعين و ستمائة (691 ه) و نشأ على العلم و الفهم و الصلاح و التقوى و الجد و الدأب و البحث.

و كتابه الطب النبوي جزء من كتابه «زاد المعاد بهدى خير العباد» غير أن الطب النبوي فيه ذو قيمة مستقلة، و بحوث قيمة، في علم مستقل يتخصص الباحثون فيه اليوم، بل يتخصصون في كل جزء من أجزائه، ففي طب القلب مختصون، و في جهاز الهضم مختصون و هكذا.

فرأى الكثير من الباحثين إفراد هذا الجزء المتعلق بالطب عن بقية أجزاء الكتاب، و أن يطبع مستقلا فكان في ذلك النفع العظيم، و الفوائد الجمة، فطبع طبعات مختلفة كثيرة و كلها راجت و فقدت، مما يدل على أن المسلمين يحبون الاستشفاء بشفاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و يحبون أن يقرءوا و أن يطلبوا على هذا النموذج العظيم سواء تعلقه بطب علاجي حسي، أو تعلقه بطب معنوي من آيات أو أحاديث أو تعوذات أو تعويذات أو أدعية.

4

و الشيخ (رحمه اللّه) حجة في كل ما ينقل، و ما أخذ إلا و يرى للشيخ الفضل عليه و لكن تخريج الأحاديث شي‏ء درج عليه، و فيه النفع الكثير و به تطمئن القلوب لصحة الحديث إذا كان صحيحا، و يعرف من هو الذي خرجه و رواه و المؤلف (رحمه اللّه) أراد أن يبين في كتابه هذا أن سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) شفاء لما في الصدور بهذا الإيمان، فهذا الإسلام و هذه السنة، هو شفاء لهذه الجسوم أيضا بما أوتي من معرفة طبية، و أن اللّه سبحانه قد علمه الطبين الروحي و الجسمي، فكان هداية من كل نواحي الهداية، و كان رحمة للعالمين من وجه، و إن كان إنما بعث للشفاء الروحي بهذا القرآن العظيم و هذه السنة المطهرة.

توفي (رحمه اللّه) سنة إحدى و خمسين و سبعمائة (751 ه) عن عمر بلغ ستين سنة و لكنه عاش و ما زال يعيش طيلة الدهر بهذه المؤلفات التي نشر اللّه له فيها ذكرا و نرجوا أن يضاعف له فيها أجرا.

دمشق في 1/ 2/ 1983

محمد كريم راجح‏

عفا اللّه عنه‏

5

الطبّ النّبويّ‏ فصول نافعة في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في الطب الذي تطبّب به و وصفه لغيره. و نبيّن ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، و أن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم فنقول و باللّه المستعان و منه نستمد الحول و القوة:

المرض: نوعان مرض القلوب، و مرض الأبدان، و هما مذكوران في القرآن.

و مرض القلوب: نوعان: مرض شبهة و شك، و مرض شهوة و غيّ، و كلاهما في القرآن. قال تعالى في مرض الشبهة: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (1).

و قال تعالى: وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا (2) و قال تعالى في حقّ من دعي إلى تحكيم القرآن و السنة، فأبى و أعرض:

وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ (3)، فهذا مرض الشبهات و الشكوك.

____________

(1) البقرة- 10- و المعنى أن قلوبهم ضعيفة بما فيها من الشك و النفاق فزادها اللّه ضعيفة بما انزل من القرآن. قال تعالى‏ وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.

(2) المدثر- 31- و المعنى أنا جعلنا الموكلين على النار ملائكة و جعلنا عدتهم تسعة عشر ليستيقن الذين اوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا إيمانا و لكي لا تقع الريبة في قلوب الذين أوتوا الكتاب و في قلوب المؤمنين، و ليقول الكفرة و المنافقون من ذوي أمراض القلوب معترضين: ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا؟ و سموه مثلا لغرابته.

(3) النور- 48- 49- 50 و المعنى و إذا دعي المنافقون مرض القلوب إلى كتاب ليحكم هم رسول اللّه بما فيه من الاحكام بدا ما يخفون في قلوبهم من كذب و شك، و ظهر ذلك على وجوههم و ألسنتهم، فإذا هم يعرضون عن الحكم لكتاب اللّه، و عن المجي‏ء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذلك أنهم يعلمون أن الحكم في الاسلام‏

6

و أما مرض الشهوات، فقال تعالى‏ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏ (1). فهذا مرض شهوة الزنا، و اللّه أعلم.

فصل‏

و أما مرض الأبدان، فقال تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ‏ (2). و ذكر مرض البدن في الحج و الصوم و الوضوء لسرّ بديع يبيّن لك عظمة القرآن، و الاستغناء به لمن فهمه و عقله عن سواه، و ذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة حفظ الصحة، و الحمية عن المؤذي، و استفراغ المواد الفاسدة، فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة.

فقال في آية الصوم: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (3)، فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، و للمسافر طلبا لحفظ صحته و قوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة، و ما يوجبه من التحليل، و عدم الغذاء الذي يخلف ما تحلّل فتخور القوة، و تضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته و قوته عما يضعفها

و قال في آية الحج‏ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ‏

____________

لا رشوة فيه و لا تدجيل، و أنه يتبع الحق، لذلك إذا كانوا مبطلين أعرضوا عن كتاب اللّه، و إذا كانوا ذوي حق رضوا بالتحاكم إليه لأنهم يعرفون حق المعرفة أنه سينصفهم، لأنه لا معدل فيه عن الحق.

فهل في قلوبهم مرض أم هم مرتابون في الحكم، أم يخافون أن لا ينصفهم القرآن؟ لا إنهم يعرفون الحقيقة و لكنهم هم الظالمون.

(1) الأحزاب- 32- هذا نداء لنساء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما شرفهن اللّه سبحانه بأنهن أمهات المؤمنين، و بأنهن قدوة النساء الأخريات و لسن كبقية النساء فعليهن أن يكن في غاية التقوى و الصلاح و حسن الأسوة و القدوة، فمن التقوى أن لا يلنّ في الأقوال إذا اضطررن أن يخاطبن الرجال الأجانب، بل عليهن أن يكون كلامهن من غير خضوع و لا لين، فذلك أقرب إلى مركزهن و يتناسب مع قيمتهن و حتى لا يطمع الرجال الذين في قلوبهم أغراض سافلة غير رفيعة.

(2) النور- 61- الفتح- 17- هؤلاء ذو و العلل معذورون في ترك الجهاد، فليس عليهم إثم إذا حضر الجهاد أن لا يجاهدوا.

(3) البقرة- 184.

7

صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏ (1)، فأباح للمريض، و من به أذى من رأسه، من قمل، أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي اوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر، فإذا حلق رأسه تفتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه كلّ استفراغ يؤذي انحباسه، و الأشياء التي يؤذي انحباسها و مدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، و المني إذا تبيّغ، و البول، و الغائط، و الريح، و القي‏ء، و العطاس، و النوم، و الجوع، و العطش. و كل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه.

و قد نبه سبحانه باستفراغ أدناها، و هو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه، كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى.

و أما الحمية: فقال تعالى في آية الوضوء: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (2)، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، و هذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج فقد أرشد- سبحانه عباده إلى أصول الطب و مجامع قواعده، و نحن نذكر هدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ذلك، و نبين أن هديه فيه أكمل هدي.

فأما طب القلوب، فمسلّم إلى الرّسل (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و لا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم و على أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربّها، و فاطرها، و بأسمائه، و صفاته، و أفعاله، و أحكامه، و أن تكون مؤثرة لمرضاته و محابّه، متجنّبة لمناهيه و مساخطه، و لا صحة لها و لا حياة البتة إلا بذلك، و لا سبيل إلى تلقّيه إلا من جهة الرسل و ما يظن من حصول صحّة القلب بدون اتّباعهم، فغلط ممن يظنّ ذلك، و إنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية، و صحتها و قوتها، و حياة قلبه و صحته، و قوته عن ذلك بمعزل و من لم يميز بين هذا و هذا، فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات، و على نوره، فإنه منغمس في بحار الظلمات.

____________

(1) البقرة- 196

(2) النساء- 43- المائدة- 6- و المعنى أنه ليس عليكم حرج إذا كنتم محدثين و أردتم القيام للصلاة أن تتطهروا بالماء و يعفى من ذلك المرضى مرضا يضر معه الماء و المسافرون الذين لا يجدون الماء بعد طلبه فإنه يكفيهم أن يتيمموا بالتراب فيمسحوا بوجوههم و أيديهم.

8

فصل‏

و أما طب الأبدان: فإنه نوعان:

نوع قد فطر اللّه عليه الحيوان ناطقه و بهيمه، فهذا لا يحتاج فيه الى معالجة طبيب، كطب الجوع، و العطش و البرد، و التعب بأضدادها و ما يزيلها.

و الثاني: ما يحتاج الى فكر و تأمل، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج، بحيث يخرج بها عن الاعتدال، إما الى حرارة، أو برودة، أو يبوسة، أو رطوبة، أو ما يتركب من اثنين منها، و هي نوعان: إما مادية، و إما كيفية، أعني إما ان يكون بانصباب مادة، أو بحدوث كيفية، و الفرق بينهما أن امراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها، فتزول موادها، و يبقى أثرها كيفية في المزاج.

و أمراض المادة أسبابها معها تمدها، و اذا كان سبب المرض معه، فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا، ثم في المرض ثانيا، ثم في الدواء ثالثا. أو الأمراض الآلية و هي التي تخرج العضو عن هيئته، إما في شكل، أو تجويف، أو مجرى، أو خشونة، أو ملاسة، أو عدد، أو عظم، أو وضع، فإن هذه الأعضاء إذا تألّفت و كان منها البدن سمي تألّفها اتصالا، و الخروج عن الاعتدال فيه يسمى تفرق الاتصال، أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة رالآلية.

و الأمراض المتشابهة: هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال، و هذا الخروج يسمى مرضا بعد ان يضر بالفعل إضرارا محسوسا.

و هي على ثمانية أضرب: أربعة بسيطة، و أربعة مركبة، فالبسيطة: البارد، و الحار، و الرطب، و اليابس، و المركبة الحار الرطب، و الحار اليابس، و البارد الرطب، و البارد اليابس، و هي إما ان تكون بانصباب مادة، أو بغير انصباب مادة، و إن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحة.

و للبدن ثلاثة أحوال: حال طبيعية، و حار خارجة عن الطبيعية، و حال متوسطة بين الأمرين، فالأولى: بها يكون البدن صحيحا، و الثانية: بها يكون مريضا، و الحال الثالثة هي متوسطة بين الحالتين، فإن الضد لا ينتقل الى ضده إلا بمتوسط، و سبب خروج البدن عن طبيعته، إما من داخله، لأنه مركب من الحار

9

و البارد، و الرطب و اليابس، و إما من خارج، فلأن ما يلقاه قد يكون موافقا، و قد يكون غير موافق، و الضرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال، و قد يكون من فساد في العضو، و قد يكون من ضعف في القوى، أو الأرواح الحاملة لها، و يرجع ذلك الى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته، أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه، أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله، أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه، او امتاد ما الاعتدال في انقباضه، أو خروج ذي وضع و شكل عن وضعه و شكله بحيث يخرجه عن اعتداله.

فالطبيب: هو الذي يفرق ما يضر بالانسان جمعه، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه، و ينقص منه ما يضره زيادته، أو يزيد فيه ما يضره نقصه، فيجلب الصحة المفقودة، أو يحفظها بالشكل و الشبه، و يدفع العلة الموجودة بالضد و النقيض، و يخرجها، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية، و سترى هذا كله في هدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شافيا كافيا بحول اللّه و قوته، و فضله و معونته.

فصل‏

فكان من هديه (صلى اللّه عليه و سلم) فعل التداوي في نفسه، و الأمر به لمن أصابه مرض من أهله و أصحابه، و لكن لم يكن من هديه و لا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركّبة التي تسمى أقرباذين، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، و ربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه، أو يكسر سورته، و هذا غالب طبّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب و التّرك، و أهل البوادي قاطبة، و إنما عني بالمركبات الروم و اليونانيون، و أكثر طبّ الهند بالمفردات.

و قد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء، و متى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب.

قالوا و كلّ داء قدر على دفعه بالأغذية و الحمية، لم يحاول دفعه بالأدوية.

قالوا و لا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلّله، أو وجد داء لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه، أو كيفيته،

10

نشبت؟؟؟ بالصحة، و عبث بها. و ارباب التجارب من الأطباء طبّهم بالمفردات غالبا، و هم أحد فرق الطب الثلاث.

و التحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية، فالأمة و الطائفة التي غالب أغذيتها المفردات، أمراضها قليلة جدا، و طبّها بالمفردات، و أهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، و سبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركّبة، فالأدوية المركبة أنفع لها، و أمراض أهل البوادي و الصحاري مفردة، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية.

و نحن نقول: إن هاهنا أمرا آخر، نسبة طب الأطبّاء إليه كنسبة طب الطرقية و العجائز إلى طبهم، و قد اعترف به حذاقهم و أئمتهم، فإن ما عندهم من العلم بالطّب منهم من يقول: هو قياس و منهم من يقول هو تجربة. و منهم من يقول هو إلهامات، و منامات، و حدس صائب. و منهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج، فتلغ في الزيت تتداوى به، و كما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض، و قد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج، فتمرّ عيونها عليها. و كما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه، و أمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب.

و أين يقع هذا و أمثاله من الوحي الذي يوحيه اللّه إلى رسوله بما ينفعه و يضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل هاهنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يتهد إليها عقول أكابر الأطباء، و لم تصل إليها علومهم و تجاربهم، و؟؟؟ ن الأدوية القلبية، و الروحانية، و قوة القلب، و اعتماده على اللّه، و التوكل عليه، و الالتجاء إليه، و الانطراح و الانكسار بين يديه، و التذلل له، و الصدقة، و الدعاء، و التوبة، و الاستغفار، و الإحسان إلى الخلق، و إغاثة الملهوف، و التفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جرّبتها الأمم على اختلاف أديانها و مللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، و لا تجربته، و لا قياسه.

و قد جرّبنا نحن و غيرنا من هذا أمورا كثيرة، و رأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية

11

الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء، و هذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها، و لكن الأسباب متنوعة، فإن القلب متى اتصل برب العالمين، و خالق الداء و الدواء، و مدبّر الطبيعة و مصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، و قد علم أن الأرواح متى قويت، و قويت النفس و الطبيعة تعاونا على دفع الداء و قهره، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته و نفسه، و فرحت بقربها من بارئها، و أنسها به، و حبها له، و تنعّمها بذكره، و انصراف قواها كلّها إليه، و جمعها عليه، و استعانتها به، و توكلها عليه، أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، و أن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية، و لا ينكر هذا إلا أجهل الناس، و أغلظهم حجابا، و أكثفهم نفسا، و أبعدهم عن اللّه و عن حقيقة الإنسانية، و سنذكر إن شاء اللّه السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللّدغة عن اللديغ التي رقي بها، فقام حتى كأن ما به قلبة (1).

فهذان نوعان من الطب النبوي نحن بحول اللّه نتكلم عليهما بحسب الجهد و الطاقة، و مبلغ علومنا القاصرة، و معارفنا المتلاشية جدا، و بضاعتنا المزجاة (2)، و لكنا نستوهب من بيده الخير كلّه، و نستمد من فضله، فإنه العزيز الوهّاب.

فصل‏

روى مسلم في «صحيحه»: من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال «لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن اللّه عزّ و جلّ» (3).

و في «الصحيحين» عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما أنزل اللّه من داء إلّا أنزل له شفاء» (4).

____________

(1) قلبة (بزنة سبلة) الداء أو الألم الذي يتقلب منه صاحبه‏

(2) بضاعة مزجاة: قليلة أو لم يتم إصلاحها

(3) أخرجه مسلم في كتاب الطب عن جابر، و الإمام أحمد، و لم يخرجه البخاري و استدركه الحاكم فوهم‏

(4) أخرجه ابن ماجه. و البخاري في الطب. و رواه مسلم بلفظ «ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له دواء، فإذا أصيب دواء الداء برى‏ء بإذن اللّه‏

12

و في «مسند الإمام أحمد»: من حديث زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و جاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول اللّه! أ نتداوى؟

فقال: «نعم يا عباد اللّه تداووا، فإن اللّه عزّ و جلّ لم يضع داء إلّا وضع له شفاء غير داء واحد»، قالوا ما هو؟ قال: «الهرم» (1)

و في لفظ: «إنّ اللّه لم ينزل داء إلّا أنزل شفاء، علمه من علمه و جهله من جهله» (2)

و في «المسند»: من حديث ابن مسعود يرفعه: «إنّ اللّه عزّ و جلّ لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء، علمه من علمه، و جهله من جهله».

و في «المسند» و «السنن» (3) عن أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول اللّه! أ رأيت رقى نسترقيها، و دواء نتداوى به، و تقاة نتقيها، هل تردّ من قدر اللّه شيئا؟ فقال «هي من قدر اللّه» (4).

فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب و المسببات. و إبطال قول من أنكرها، و يجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء»، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، و الأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، و يكون اللّه عز و جل قد جعل لها أدوية تبرئها، و لكن طوى علمها عن البشر، و لم يجعل لهم إليه سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللّه، و لهذا علق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الشّفاء على مصادفة الدواء للداء،

____________

(1) أخرجه أبو داود و الترمذي و الإمام أحمد و ابن ماجه كلهم في كتاب الطب و أخرجه ابن حبان في صحيحه و الحاكم من حديث زياد بن علاقة، و قال الترمذي حس صحيح و الحاكم صحيح. و معنى الحديث: أي تداووا و لا تعتمدوا في الشفاء على التداوي بل كونوا عباد اللّه متوكلين عليه. و من تداوى عليه أن يعتقد حقا و يؤمن يقينا بأن الدواء لا يحدث شفاء و لا يولده، كما أن الداء لا يحدث سقما و لا يولده، و لكن المولى جلت قدرته يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته و «داء الهرم» أي الكبر جعل داء تشبيها به لأن الموت يعقبه كالداء

(2) رواه الحاكم. و نحوه للنسائي و ابن ماجه، و صحيحه ابن حبان‏

(3) هي سنن الترمذي‏

(4) أخرجه ابن ماجه و الحاكم في صحيحه، و الترمذي و قال: حسن صحيح‏

13

فإنه لا شي‏ء من المخلوقات إلا له ضد، و كل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) البرء بموافقة الداء للدواء، و هذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، و متى قصر عنها لم يف بمقاومته، و كان العلاج قاصرا، و متى لم يقع المداوي على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، و متى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء، لم ينفع، و متى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثم مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، و متى تمت المصادفة حصل البرء بإذن اللّه و لا بد، و هذا أحسن المحملين في الحديث.

و الثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، لا سيما و الداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، و هذا يستعمل في كل لسان، و يكون المراد أن اللّه لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء، و هذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِأَمْرِ رَبِّها (1) أي كل شي‏ء يقبل التدمير، و من شأن الريح أن تدمّره، و نظائره كثيرة.

و من تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، و مقاومة بعضها لبعض، و دفع بعضها ببعض و تسليط بعضها على بعض، تبيّن له كمال قدرة الرب تعالى، و حكمته، و إتقانه ما صنعه، و تفرده بالربوبية، و الوحدانية، و القهر، و أن كل ما سواه فله ما يضاده و يمانعه، كما أنه الغنيّ بذاته، و كلّ ما سواه محتاج بذاته.

و في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، و أنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، و العطش، و الحر، و البرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللّه مقتضيات لمسبّباتها قدرا و شرعا، و أن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر و الحكمة، و يضعفه من حيث يظن معطّلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد

____________

(1) الأحقاف- 25- و هي الريح العاصفة التي دمر اللّه بها عادا قوم هود، و كان ذلك بإرادة اللّه سبحانه، فأهلكتهم رجالا و نساء و صغارا و كبارا، و أهلكت أموالهم. و بقي هود و من آمن معه.

14

القلب على اللّه في حصول ما ينفع العبد في دينه و دنياه، و دفع ما يضرّه في دينه و دنياه، و لا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، و إلا كان معطّلا للحكمة و الشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، و لا توكله عجزا.

و فيها رد على من أنكر التداوي، و قال: إن كان الشفاء قد قدّر، فالتداوي لا يفيد، و إن لم يكن قد قدّر، فكذلك و أيضا، فإن المرض حصل بقدر اللّه، و قدر اللّه لا يدفع و لا يرد، و هذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و أما أفاضل الصحابة، فأعلم باللّه و حكمته و صفاته من أن يوردوا مثل هذا، و قد أجابهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بما شفى و كفى، فقال: هذه الأدوية و الرّقى و التّقى هي من قدر اللّه، فما خرج شي‏ء عن قدره، بل يردّ قدره بقدره، و هذا الردّ من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، و هذا كرد قدر الجوع، و العطش و الحر، و البرد بأضدادها، و كرد قدر العدو بالجهاد، و كل من قدر اللّه الدافع و المدفوع و الدفع.

و يقال لمورد هذا السؤال «هذا يوجب عليك ألّا تباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرة، لأن المنفعة و المضرة إن قدّرتا، لم يكن بد من وقوعهما، و إن لم تقدّرا لم يكن سبيل الى وقوعهما، و في ذلك خراب الدين و الدنيا، و فساد العالم، و هذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحقّ عليه، كالمشركين الذين قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا (1)، و لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا (2). فهذا قالوه دفعا لحجة اللّه عليهم بالرسل.

و جواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، و هو ان اللّه قدّر كذا و كذا بهذا السبب. فإن أتيت بالسّبب حصل المسبّب، و إلا فلا. فإن قال: إن كان قدر لي السبب، فعلته، و إن لم يقدّره لي لم أتمكن من فعله.

____________

(1) الانعام- 148- و المعنى أن المشركين يريدون أن يقولوا: إن اللّه راض بإشراكنا و تحريمنا للبحيرة و السائبة و غيرهما. ورد اللّه عليهم بقوله «قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا»

(2) النحل- 35- و المعنى أن قائل هذا القول أهل مكة و أحزابهم في الشرك فرد عليهم بأنهم يتبعون الذين كانوا من قبلهم فهم مقلدون لاحظ لهم من النظر «كذلك قال الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين»

15

قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، و ولدك، و أجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به، و نهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم من عصاك، و أخذ مالك، و قذف عرضك، و ضيّع حقوقك. و إن لم تقبله، فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق اللّه عليك. و قد روي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل قال؛ يا ربّ ممن الدّاء؟ قال: «مني». قال: «فممّن الدّواء؟»؟ قال: «مني». قال:

فما بال الطبيب؟، قال: «رجل أرسل الدّواء على يديه».

و في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «لكل داء دواء»، تقوية لنفس المريض و الطبيب، و حث على طلب ذلك الدواء و التفتيش عليه، فإن المريض اذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله، تعلّق قلبه بروح الرجاء، و بردت عنده حرارة اليأس، و انفتح له باب الرجاء، متى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، و كان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية و النفسانية و الطبيعية، و متى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض و دفعته.

و كذلك الطبيب اذا علم ان لهذا الداء دواء امكنه طلبه و التفتيش عليه.

و أمراض الأبدان على وزان امراض القلوب، و ما جعل اللّه للقلب مرضا إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء و استعمله، و صادف داء قلبه، أبرأه بإذن اللّه تعالى.

فصل في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في الاحتماء من التخم‏

، و الزيادة في الأكل على قدر الحاجة، و القانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل و الشرب.

في «المسند» و غيره: عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ فاعلا، فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، و ثلث لنفسه» (1).

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد و النسائي في كتاب الزهد، و ابن ماجه في الأطعمة و الحاكم في الأطعمة عن المقدام بن معد يكرب. قال الحاكم هو صحيح. و قال ابن حجر في فتح الباري: حديث حسن.

16

الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرّت بأفعاله الطبيعية، و هي الأمراض الأكثرية، و سببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، و الزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن و تناول، الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، و الإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية، و اعتاد ذلك، أورثته أمراضا متنوعة، منها بطي‏ء الزوال و سريعه، فإذا توسط في الغذاء، و تناول منه قدر الحاجة، و كان معتدلا في كميته و كيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.

و مراتب الغذاء ثلاثة: احدها: مرتبة الحاجة. و الثانية: مرتبة الكفاية.

و الثالثة: مرتبة الفضلة. فأخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم): انه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوته، و لا تضعف معها، فإن تجاوزها، فليأكل في ثلث بطنه، و يدع الثلث الآخر للماء، و الثالث للنفس، و هذا من أنفع ما للبدن و القلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، و عرض له الكرب و التعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا الى ما يلزم ذلك من فساد القلب، و كسل الجوارح عن الئاعات، و تحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع. فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب و البدن.

هذا إذا كان دائما أو اكثريا. و أما اذا كان في الأحيان، فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من اللبن، حتى قال: و الذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكا (1) و أكل الصحابة بحضرته مرارا حتى شبعوا.

و الشبع المفرط يضعف القوى و البدن، و إن أخصبه، و إنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء، لا بحسب كثرته.

و لما كان في الانسان جزء أرضي، و جزء هوائي، و جزء مائي، قسم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) طعامه و شرابه و نفسه على الأجزاء الثلاثة.

فإن قيل «فأين حظ الجزء الناري؟.

قيل: هذه مسألة تكلم فيها الأطباء، و قالوا: إن في البدن جزء ناريا بالفعل، و هو أحد أركانه و أسطقساته» (2).

____________

(1) أخرجه البخاري في الرقاق: باب كيف كان عيش النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه و تخليهم عن الدنيا

(2) لفظ يوناني أي أصوله جمع «اسطقس» بمعنى الأصل‏

17

و نازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء و غيرهم، و قالوا: ليس في البدن جزء ناري بالفعل، و استدلوا بوجوه:

أحدها: أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى أنه نزل عن الأثير، و اختلط بهذه الأجزاء المائية و الأرضية، أو يقال: إنه تولد فيها و تكوّن، و الأول مستبعد لوجهين، احدهما: أن النار بالطبع صاعدة، فلو نزلت، لكانت بقاسر من مركزها الى هذا العالم. الثاني: ان تلك الأجزاء النارية لا بدّ في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد، و نحن نشاهد في هذا العالم أن النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد، و نهاية العظم أولى بالانطفاء.

و أما الثاني- و هو أن يقال: إنها تكونت هاهنا- فهو أبعد و أبعد، لأن الجسم الذي صار نارا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبل صيرورته إما أرضا، و إما ماء، و إما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة، و هذا الذي قد صار نارا أولا، كان مختلطا بأحد هذه الأجسام، و متصلا بها، و الجسم الذي لا يكون نارا إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار و لا واحد منها، لا يكون مستعدا لأن ينقلب نارا لأنه في نفسه ليس بنار، و الأجسام المختلطة باردة، فكيف يكون مستعدا لانقلابه نارا؟

فإن قلتم: لم لا تكون هناك اجزاء نارية تقلب هذه الأجسام، و تجعلها نارا بسبب مخالطتها إياها؟

قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول، فإن قلتم:

إنا نرى من رش الماء على النورة (1) المطفئة تنفصل منها نارا، و إذا وقع شعاع الشمس على البلورة، ظهرت النار منها، و إذا ضربنا الحجر على الحديد، ظهرت النار، و كل هذه النارية حدثت عند الاختلاط، و ذلك يبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضا.

قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكّة [2] لشديدة محدثة للنار، كما في ضرب الحجارة على الحديد، أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار، كما في البلورة، لكنا نستبعد ذلك جدا في أجرام النبات و الحيوان، إذ ليس في أجرامها

____________

(1) تطلعه النّورة على حجر الكلس، ثم غلب هذا اللفظ على مواد تضاف إلى الكلس من زرنيخ و غيره.

18

من الاصطكاك ما يوجب حدوث النار، و لا فيها من الصفاء و الصّقال ما يبلغ الى حدّ البلورة، كيف و شعاع الشمس يقع على ظاهرها، فلا تتولد النار البتة، فالشعاع الذي يصل الى باطنها كيف يولد النار؟.

الوجه الثاني: في أصل المسألة: أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع، فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية، لكانت محالا إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة دهرا طويلا، بحيث لا تنطفئ مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل.

الوجه الثالث: أنه لو كان في الحيوان و النبات جزء ناري بالفعل، لكان مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه، و كان الجزء الناري مقهورا به، و غلبة بعض الطبائع و العناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب الى طبيعة الغالب، فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية القليلة جدا الى طبيعة الماء الذي هو ضد النار.

الوجه الرابع: أن اللّه سبحانه و تعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة، يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء، و في بعضها أنه خلقه من تراب، و في بعضها أنه خلقه من المركب منهما و هو الطين، و في بعضها أنه خلقه من صلصال كالفخار، و هو الطين الذي ضربته الشمس و الريح حتى صار صلصالا كالفخار، و لم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار، بل جعل ذلك خاصية إبليس. و ثبت في «صحيح مسلم»: عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال» خلقت الملائكة من نور، و خلق الجان من مارج من نار، و خلق آدم مما وصف لكم» (1). و هذا صريح في انه خلق مما وصفه اللّه في كتابه فقط، و لم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار، و لا أن في مادته شيئا من النار.

الوجه الخامس: أن غاية ما يستدلون به ما يشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان، و هي دليل على الأجزاء النارية، و هذا لا يدل، فإن أسباب الحرارة أعمّ من النار، فإنها تكون عن النار تارة، و عن الحركة أخرى، و عن انعكاس الأشعة، و عن سخونة الهواء، و عن مجاورة النار، و ذلك بواسطة سخونة الهواء أيضا، و تكون عن أسباب أخر، فلا يلزم من الحرارة النار.

____________

(1) لم يخرجه البخاري. و قد رواه الإمام أحمد و الإمام مسلم في آخر صحيحه عن عائشة.

19

قال أصحاب النار: من المعلوم أن التراب و الماء إذا اختلطا فلا بد لهما من حرارة تقتضي طبخهما و امتزاجهما، و إلا كان كلّ منهما غير ممازج للآخر، و لا متحدا به، و كذلك إذا ألقينا البذر في الطين بحيث لا يصل إليه الهواء و لا الشمس فسد، فلا يخلو، إما أن يحصل في المركّب جسم منضج طابخ بالطبع أو لا، فإن حصل، فهو الجزء الناري، و إن لم يحصل، لم يكن المركب مسخنا بطبعه، بل بل إن سخن كان التسخين عرضيا، فإذا زال التسخين العرضي، لم يكن الشي‏ء حارا في طبعه، و لا في كيفيته، و كان باردا مطلقا، لكن من الأغذية و الأدوية ما يكون حارا بالطبع، فعل أن حرارتها إنما كانت، لأن فيها جوهرا ناريا.

و أيضا فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب ان يكون في نهاية البرد، لأن الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد، و كانت خالية عن المعاون و المعارض، وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية، و لو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد، لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله، و الشي‏ء لا ينفعل عن مثله، و إذا لم ينفعل عنه لم يحس به، و إذا لم يحس به لم يتألم عنه، و إن كان دونه فعدم الانفعال يكون أولى، فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما انفعل عن البرد، و لا تألم به. قالوا: و أدلتكم إنما تبطل قول من يقول: الأجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها، و طبيعتها النارية، و نحن لا نقول بذلك، بل نقول: ان صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج.

قال الآخرون «لم لا يجوز أن يقال: إن الأرض و الماء و الهواء إذا اختلطت، فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة الشمس و سائر الكواكب، ثم ذلك المركّب عند كمال نضجه مستعد لقبور الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتا كان أو حيوانا أو معدنا، و ما المانع أن تلك السخونة و الحرارة التي في المركبات هي بسبب خواص و قوى يحدثها اللّه تعالى عند ذلك الامتزاج لا من اجزاء نارية بالفعل؟ و لا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة، و قد اعترف جماعة من فضلاء الأطباء بذلك.

و أما حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول: هذا يدل على أن في البدن حرارة و تسخينا، و من ينكر ذلك؟ لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار، فإنه و إن‏

20

كان كل نار مسخنا، فإن هذه القضية لا تنعكس كلية، بل عكسها الصادق بعض المسخن نار.

و أما قولكم بفساد صورة النار النوعية، فأكثر الأطباء على بقاء صورتها، النوعية، و القول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم‏ (1) في كتابه المسمى بالشفاء، و برهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات. و باللّه التوفيق.

فصل: في علاجه ص للمرض‏

و كان علاجه (صلى اللّه عليه و سلم) للمرض ثلاثة أنواع:

أحدها: بالأدوية الطبيعية.

و الثاني: بالأدوية الإلهية.

و الثالث: بالمركب من الأمرين.

و نحن نذكر الأنواع الثلاثة من هدية (صلى اللّه عليه و سلم)، فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها و استعملها، ثم نذكر الأدوية الإلهية، ثم المركبة.

و هذا إنما نشير إليه إشارة، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما بعث هاديا، و داعيا الى اللّه، و إلى جنته، و معرفا باللّه، و مبينا للأمة مواقع رضاه و آمرا لهم بها، و مواقع سخطه و ناهيا لهم عنها، و مخبرهم أخبار الأنبياء و الرسل و أحوالهم مع أممهم، و أخبار تخليق العالم، و أمر المبدأ و المعاد، و كيفية شقاوة النفوس و سعادتها، و أسباب ذلك.

و أما طب الأبدان «فجاء من تكميل شريعته، و مقصودا لغيره، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر على الاستغناء عنه، كان صرف الهمم و القوى الى علاج القلوب و الأرواح، و حفظ صحتها، و دفع أسقامها، و حميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول، و إصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، و فساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدا، و هي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة، و باللّه التوفيق.

____________

(1) أي الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا توفي عام 428 ه.

21

ذكر القسم الأول و هو العلاج بالأدوية الطبيعية

فصل في هديه في علاج الحمّى‏

ثبت في «الصحيحين»: عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«إنّما الحمىّ أو شدّة من فيح جهنّم، فأبردوها بالماء» (1).

و قد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء، و رأوه منافيا لدواء الحمى و علاجها، و نحن نبيّن بحول اللّه و قوته وجهه و فقهه، فنقول: «خطاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نوعان: عام لأهل الأرض، و خاص ببعضهم، فالأول «كعامة خطابه، و الثاني: كقوله: «لا تستقبلوا القبلة بغائط». و لا بول، و لا تستدبروها، و لكن شرّقوا، أو غرّبوا» (2)، فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق و المغرب و لا العراق، و لكن لأهل المدينة و ما على سمتها، كالشام و غيرها. و كذلك قوله: «ما بين المشرق و المغرب قبلة» (3).

و إذا عرف هذا، فخطابه في هذا الحديث خاصّ بأهل الحجاز، و ما و الاهم، إذ كان أكثر الحميّات التي تعرض لهم من نوع الحمىّ اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، و هذه ينفعها الماء البارد شربا و اغتسالا، فإن الحمّى حرارة غريبة تشتعل في القلب، و تنبث منه بتوسط الروح و الدم في الشرايين و العروق الى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية، و هي تنقسم الى قسمين: عرضية: و هي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد، و نحو ذلك.

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد، و البخاري عن ابن عباس في الطب- و رواه مسلم في السلام: باب لكل داء دواء

(2) أخرجه البخاري في القبلة. و مسلم في الطهارة. قال البغوي: هذا خطاب لأهل المدينة، و لمن كانت قبلته على ذلك السمت. فأما من كانت جهته إلى المشرق و المغرب فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.

(3) أخرجه الترمذي و ابن ماجه و الحاكم في الصلاة عن أبي هريرة. قال الترمذي- حسن صحيح. و قال الحاكم صحيح على شرطهما. أي البخاري و مسلم. و أقره الذهبي و قال النسائي منكر. و أقره عليه الحافظ العراقي.

22

و مرضية: و هي ثلاثة أنواع، و هي لا تكون إلا في مادة أولى، ثم منها يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمىّ يوم، لأنها في الغالب تزول في يوم، و نهايتها ثلاثة أيام، و إن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، و هي أربعة أصناف: صفراوية، و سوداوية، بلغمية، و دموية. و إن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية، سميت حمّى دق، و تحت هذه الأنواع أصناف كثيرة.

و قد ينتفع البدن بالحمّى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء، و كثيرا ما يكون حمّى يوم، و حمّى العفن سببا لانضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها، و سببا لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة.

و أما الرمد الحديث و المتقادم، فإنها تبرئ أكثر أنواعه برآ عجيبا سريعا، و تنفع من الفالج، و اللقوة (1)، و التشنج الامتلائي، و كثيرا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة.

و قال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمىّ، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمّى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط و المواد الفاسدة ما يضرّ بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها، فأخرجها، فكانت سببا للشفاء.

و إذا عرف هذا، فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميّات العرضية، فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد، و سقي الماء البارد المثلوج، و لا يحتاج صاحبها مع ذلك الى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها، و تخمد لهبها من غير حاجة الى استفراغ مادة، أو انتظار نضج.

و يجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات، و قد اعترف فاضل الأطباء جالينوس: بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب «حيلة البرء»: و لو أن رجلا شابا حسن اللحم، خصب البدن في وقت القيظ، و في وقت منتهى الحمّى، و ليس في أحشائه ورم، استحم بماء بارد، أو سبح فيه، لانتفع بذلك. قال: و نحن نأمر بذلك بلا توقف.

____________

(1) داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق‏

23

و قال الرازي في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية، و الحمّى حادّة جدا، و النضج بيّن و لا ورم في الجوف، و لا فتق، ينفع الماء البارد شربا، و إن كان العليل خصب البدن و الزمان حارّ، و كان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج، فليؤذن فيه.

و قوله: «الحمّى من فيح جهنم»، هو شدة لهبها، و انتشارها، و نظيره:

«قوله: شدة الحر من فيح جهنم». و فيه وجهان: احدهما: أن ذلك أنموذج و رقيقة اشتقت من جهنم ليستدلّ بها العباد عليها، و يعتبروا بها، ثم إن اللّه سبحانه قدّر ظهورها بأسباب تقتضيها،؛ كما أن الروح و الفرح و السرور و اللذة من نعيم الجنة أظهرها اللّه في هذه الدار عبرة و دلالة، و قدّر ظهورها بأسباب توجبها.

و الثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمّى و لهبها بفيح جهنم، و شبه شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار، و أن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، و هو ما يصيب من قرب منها من حرها.

و قوله: «فأبردوها»، روى بوجهين: بقطع الهمزة و فتحها، رباعي: من أبرد الشي‏ء: إذا صيره باردا، مثل أسخنه: إذا صيره سخنا.

و الثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشي‏ء يبرده، و هو أفصح لغة و استعمالا، و الرباعي لغة رديئة عندهم قال:

إذا وجدت لهيب الحبّ في كبدي* * * أقبلت نحو سقاء القوم ابترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره* * * فمن لنار على الأحشاء تتّقد

و قوله: «بالماء» فيه قولان: احدهما: أنه كل ماء و هو الصحيح.

و الثاني: أنه ماء زمزم، و احتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في «صحيحه»، عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبّعي، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمّى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

24

قال: «إنّ الحمّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم» (1). و راوي هذا قد شك فيه، و لو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، و لغيرهم بما عندهم من الماء.

ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله؟ على قولين. و الصحيح أنه استعمال، و أظن أن الذي حمل من قال:

المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، و لم يفهم وجهه مع أن لقوله وجها حسنا، و هو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد، أخمد اللّه لهيب الحمّى عنه جزاء وفاقا، و لكن هذا يؤخذ من فقه الحديث و إشارته، و أما المراد به فاستعماله.

و قد ذكر أبو نعيم و غيره من حديث أنس يرفعه: «إذا حمّ أحدكم، فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السّحر (2).

و في «سنن ابن ماجه» عن أبي هريرة يرفعه: «الحمّى كير من كير جهنّم، فنحّوها عنكم بالماء البارد» (3).

و في «المسند» و غيره، من حديث الحسن، عن سمرة يرفعه: «الحمّى قطعة من النّار، فأبردوها عنكم بالماء البارد»، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا حمّ دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه فاغتسل‏ (4).

____________

(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق، و النسائي و ابن ماجه و مالك و أحمد: و معنى الحديث: أن الحمى من شدة حر الطبيعة و هو يشبه نار جهنم في كونها معذبة و مذيبة للجسد، و المراد أنها أنموذج و دقيقة اشتقت من جهنم يستدل بها العباد و يعتبرون بها، كما أظهر الفرح و اللذة ليدل على نعيم الجنة. «فأبردوها بالماء» أي أسكنوا حرارتها بالماء، بأن تغسلوا أطراف المحموم منه، و تسقوه إياه ليقع به التبرد.

(2) أخرجه النسائي و الحاكم في المستدرك، و الطبراني في الأوسط، و رجاله ثقات‏

(3) خرجه ابن ماجه، و رجاله ثقات‏

(4) رواه الطبراني في الكبير و الحاكم في الطب، و كذا البرار عن سمرة بن جندب. قال الحاكم: صحيح، و أقره عليه الذهبي. لكن قال ابن حجر في فتح الباري بعد ما عزاه للبزار و الحاكم و أنه صححه في سنده راو ضعيف، و قال الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه اسماعيل بن مسلم، و هو متروك. و «إذا حمّ أحدكم» أي أخذته الحمى التي هي حرارة بين الجلد و اللحم.

25

و في «السنن»: من حديث أبي هريرة قال: ذكرت الحمّى عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسبها رجل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تسبّها فإنّها تنفي الذّنوب، كما تنفي النّار خبث الحديد» (1).

لما كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، و تناول الأغذية و الأدوية النافعة، و في ذلك إعانة على تنقية البدن، و نفي أخباثه و فضوله، و تصفيته من مواده الرديئة، و تفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه، و تصفية جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفّي جوهر الحديد، و هذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان.

و أما تصفيتها القلب من وسخه و درنه، و إخراجها خبائثه، فأمر يعلمه أطباء القلوب، و يجدونه كما أخبرهم به نبيّهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكن مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه، لم ينفع فيه هذا العلاج.

فالحمّى تنفع البدن و القلب، و ما كان بهذه المثابة فسبه ظلم و عدوان، و ذكرت مرة و أنا محموم قول بعض الشعراء يسبّها:

زارت مكفّارة الذّنوب و ودعت* * * تبّا لها من زائر و مودّع‏

قالت و قد عزمت على ترحالها* * * ما ذا تريد فقلت ألّا ترجعي‏

فقلت: تبا له إذ سب ما نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن سبه، و لو قال:

زارت مكفّارة الذّنوب لصبّها* * * أهلا بها من زائر و مودّع‏

قالت و قد عزمت على ترحالها* * * ما ذا تريد فقلت: ألّا تقلعي‏

لكان أولى به، و لأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعا. و قد روي في أثر لا أعرف حاله «حمّى يوم كفّارة سنة». و فيه قولان، أحدهما: أن الحمّى تدخل في‏

____________

(1) أخرجه مسلم في الأدب عن جابر بن عبد اللّه قال: قال دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أم السائب فقال: مالك تزقزقين؟ «ترتعدين» قالت: الحمى لا بارك اللّه فيها فقال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكبير خبث الحديد و الحديث المذكور في الكتاب أخرجه ابن ماجه و في سنده موسى بن عبيدة و هو ضعيف. و «الكير» هو منفاخ من زق أو جلد غليظ ذو حافات: و الكلام على التشبيه.

26

كل الأعضاء و المفاصل، و عدتها ثلاثمائة و ستون مفصلا، فتكفر عنه- بعدد كل مفصل- ذنوب يوم. و الثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (1). إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد، و عروقه، و أعضائه أربعين يوما و اللّه أعلم.

قال أبو هريرة: ما من مرض يصيبني أحبّ إليّ من الحمّى، لأنها تدخل في كل عضو مني، و إن اللّه سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر.

و قد روى الترمذي في «جامعه» من حديث رافع بن خديج يرفعه: «إذا أصابت أحدكم الحمّى- و إنّ الحمّى قطعة من النّار فليطفئها بالماء البارد، و يستقبل نهرا جاريا، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر و قبل طلوع الشّمس، و ليقل: بسم اللّه اللّهمّ أشف عبدك، و صدّق رسولك، و ينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن برى‏ء، و إلا ففي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن اللّه» (2).

قلت: و هو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدّمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، و وفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم، و السكون، و برد الهواء، فتجتمع فيه قوة القوى، و قوة الدواء، و هو الماء البارد على حرارة الحمّى العرضية، أو الغبّ الخالصة، أعني التي لا ورم معها، و لا شي‏ء من الأعراض الرديئة و المواد الفاسدة، فيطفئها بإذن اللّه، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، و هي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرا، سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها، و سرعة انفعالهم عن الدواء النافع.

____________

(1) أخرجه الترمذي و النسائي و ابن ماجه من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص و إسناده صحيح و صححه الحاكم و وافقه الذهبي على ذلك.

(2) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان و ليس من حديث رافع بن بخديج كما ذكره المصنف و أخرجه الإمام أحمد.

27

فصل في هديه في علاج استطلاق البطن‏

في «الصحيحين»: من حديث أبي المتوكّل، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أتى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، و في رواية: استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلا»، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته، فلم يغن عنه شيئا. و في لفظ: فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول له:

«اسقه عسلا»، فقال له في الثالثة أو الرابعة: «صدق اللّه، و كذب بطن أخيك» (1).

و في «صحيح مسلم» في لفظ له: «إن أخي عرب بطنه»، أي فسد هضمه، و اعتلّت معدته، و الاسم العرب بفتح الراء، و الذّرب أيضا.

و العسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق و الأمعاء و غيرها، محلل للرطوبات أكلا و طلاء، نافع للمشايخ و أصحاب البلغم، و من كان مزاجه باردا رطبا، و هو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين و لما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منقّ للكبد و الصدر، مدرّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، و إذا شرب حارا بدهن الورد، نفع من نهش الهوام، و شرب الأفيون، و إن شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضة الكلب الكلب، و أكل الفطر» (2) القتال، و إذا جعل فيه اللحم الطريّ، حفظ طراوته ثلاثة أشهر، و كذلك إن جعل فيه القثّاء، و الخيار، و القرع، و الباذنجان، و يحفظ كثيرا من الفاكهة ستة أشهر، و يحفظ جثة الموتى، و يسمى الحافظ الأمين. و إذا لطخ به البدن المقمل و الشعر، قتل قملة و صئبانة، و طوّل الشعر، و حسنه، و نعّمه، و إن أكتحل به، جلا ظلمة البصر، و إن استنّ به، بيّض الأسنان و صقلها، و حفظ صحتها، و صحة اللّثة، و يفتح أفواه العروق، و يدرّ الطّمث، و لعقه على الريق‏

____________

(1) أخرجه البخاري في الطب و مسلم في السلام.

(2) «الفطر» ضرب من الكمشأة قتّال. قاموس.

28

يذهب البلغم، و يغسل خمل المعدة، و يدفع الفضلات عنها، و يسخنها تسخينا معتدلا، و يفتح سددها، و يفعل ذلك بالكبد و الكلى و المثانة، و هو أقلّ ضررا لسدد الكبد و الطحال من كل حلو.

و هو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار، مضرّ بالعرض للصفراويين، و دفعها بالخل و نحوه، فيعود حينئذ نافعا له جدا.

و هو غذاء مع الأغذية، و دواء مع الأدوية، و شراب مع الأشربة، و حلو مع الحلوى، و طلاء مع الأطلية، و مفرّح مع المفرّحات، فما خلق شي‏ء في معناه أفضل منه، و لا مثله، و لا قريبا منه، و لم يكن معوّل القدماء إلا عليه، و أكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة، و لا يعرفونه، فإنه حديث العهد حدث قريبا، و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يشر به بالماء على الريق، و في ذلك سرّ بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل، و سنذكر ذلك إن شاء اللّه عند ذكر هديه في حفظ الصحة.

و في «سنن ابن ماجه» مرفوعا من حديث أبي هريرة: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر، لم يصبه عظيم من البلاء» (1)، و في أثر آخر: «عليكم بالشّفاءين: العسل و القرآن» (2). فجمع بين الطب البشري و الإلهي، و بين طب الأبدان، و طب الأرواح، و بين الدواء الأرضي و الدواء السمائي.

إذا عرف هذا، فهذا الذي وصف له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) العسل، كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء، فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة و الأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، و دفع للفضول، و كان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها، فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الاخلاط اللزجة، أفسدتها و أفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، و العسل جلاء، و العسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مزج بالماء الحار.

____________

(1) «من لعق العسل» و تخصيص الثلاث لسر علمه الشارع. و العسل يذكر و يؤنث، و أسماؤه تزيد على المائة. و أخرج الحديث ابن ماجه عن أبي هريرة. و أورده ابن الجوزي في الموضوعات. و قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل.

(2) أخرجه ابن ماجه و الحاكم في الطب عن ابن مسعود. قال الحاكم: صحيح على شرطهما أي البخاري و مسلم.

و قال البيهقي في الشعب: صحيح موقوف على ابن مسعود

29

و في تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، و هو أن الدواء يجب ان يكون له مقدار، و كمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه، لم يزله بالكلية، و إن جاوزه، أوهى القوى، فأحدث ضررا آخر، فلما أمره أن يسقيه العسل، سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة الداء، و لا يبلغ الغرض، فلما أخبره، علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده الى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)؛ أكّد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، برأ، بإذن اللّه، و اعتبار مقادير الأدوية، و كيفياتها، و مقدار قوة المرض و المريض من أكبر قواعد الطب.

و في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «صدق اللّه و كذب بطن أخيك»، إشارة الى تحقيق نفع هذا الدواء، و أن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، و لكن لكذب البطن، و كثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة.

و ليس طبّه (صلى اللّه عليه و سلم) كطبّ الآباء، فإن طب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، و مشكاة النبوة، و كمال العقل. و طبّ غيره، أكثره حدس و ظنون، و تجارب، و لا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقّاه بالقبول، و اعتقاد الشفاء به، و كمال التلقي له بالإيمان و الإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور- إن لم يتلق هذا التلقي- لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم، و مرضا الى مرضهم، و أين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة و القلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، و ليس ذلك لقصور في الدواء، و لكن لخبث الطبيعة، و فساد المحل، و عدم قبوله، و اللّه الموفق.

فصل‏

و قد اختلف الناس في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ‏

30

فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ (1)، هل الضمير في «فيه» راجع إلى الشراب، أو راجع الى القرآن؟ على قولين: الصحيح: رجوعه الى الشراب، و هو قول ابن مسعود، و ابن عباس، و الحسن، و قتادة، و الأكثرين، فإنه هو المذكور، و الكلام سيق لأجله، و لا ذكر للقرآن في الآية، و هذا الحديث الصحيح و هو قوله: «صدق اللّه» كالصريح فيه، و اللّه تعالى أعلم.

فصل في هديه في الطّاعون، و علاجه، و الاحتراز منه‏

في «الصحيحين» عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، انه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ما ذا سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الطاعون؟ فقال أسامة:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الطّاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، و على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارا منه». (2)

و في «الصحيحين» أيضا: عن حفصة بنت سيزين، قالت: قال أنس بن مالك: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الطّاعون شهادة لكلّ مسلم» (3).

الطاعون- من حيث اللغة-: نوع من الوباء، قاله صاحب «الصحاح»، و هو عند أهل الطب: ورم ردي‏ء قتال يخرج معه تلهّب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك، و يصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر، أو أكمد، و يؤول أمره إلى التقرح سريعا. و في الأكثر، يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، و خلف الأذن، و الأرنبة، و في اللحوم الرخوة.

____________

(1) النحل- 69.

(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، و أخرجه مسلم أيضا و «من بني إسرائيل» هم الذي أمرهم اللّه أن يدخلوا الباب سجدا، فخالفوا فأرسل عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة سبعون ألفا. و هذا الذي جاء في الحديث هو ما يطلق عليه في أيامنا هذه بالحجر الصحي، و قد أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل زهاء ألف و أربعمائة سنة، مما يدل على أن هذا الإسلام من عند اللّه «لا يأتيه الباطل من يديه و لا من خلفه».

(3) أخرجه الإمام أحمد و البخاري و مسلم: و معنى الحديث أي أن الطاعون سبب لكون الميت منه شهيدا في حكم الآخرة. و ظاهره يشمل الفاسق فيكون شهيدا.

31

و في أثر عن عائشة أنها قالت للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟

قال: «غدّة (1) كغدّة البعير يخرج في المراقّ و الإبط» (2).

قال الأطباء: إذا وقع الخرّاج في اللحوم الرخوة، و المغابن، و خلف الأذن و الأرنبة، و كان من جنس فاسد، سمّي طاعونا، و سببه دم ردي‏ء مائل الى العفونة و الفساد، مستحيل الى جوهر سميّ، يفسد العضو و يغيّر ما يليه، و ربما رشح دما و صديدا، و يؤدي الى القلب كيفية رديئة، فيحدث القي‏ء و الخفقان و الغشي، و هذا الاسم و إن كان يعمّ كلّ ورم يؤدي الى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا، فإنه يختصّ به الحادث في اللحم الغددي، لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، و أردؤه ما حدث في الإبط و خلف الأذن لقربهما من الأعضاء التي هي أرأس، و أسلمه الأحمر، ثم الأصفر. و الذي الى السواد، فلا يفلت منه أحد.

و لما كان الطاعون يكثر في الوباء، و في البلاد الوبيئة، عبر عنه بالوباء، كما قال الخليل: الوباء: الطاعون. و قيل: هو كل مرض يعم، و التحقيق أن بين الوباء و الطاعون عموما و خصوصا، فكل طاعون و باء، و ليس كل وباء طاعونا، و كذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، و الطواعين خراجات و قروح و أورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها.

قلت: هذه القروح، و الأورام، و الجراحات، هي آثار الطاعون، و ليست نفسه، و لكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر، جعلوه نفس الطاعون.

و الطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:

أحدها: هذا الأثر الظاهر، و هو الذي ذكره الأطباء.

و الثاني: الموت الحادث عنه، و هو المراد بالحديث الصحيح في قوله:

«الطاعون شهادة لكل مسلم».

____________

(1) «غده كغدة البعير ...» الغدة: كل غده في الجسد أطاف بها شحم، و كل قطعة صلبة بين العصب- قاموس- «في المراقّ» مراقّ البطن بفتح الميم و تشديد القاف: ما رقّ منه و لا جمع مرقّ أولا واحد له- قاموس- أخرجه الإمام أحمد. و قد جاء بلفظ: «الطاعون غدة كفدة البعير، المقيم بها كالشهيد، و الفار منها كالفار من الزحف:

(2) قال الهيثمي: رجاله ثقات.

32

و الثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، و قد ورد في الحديث الصحيح: «انه بقية رجز أرسل على بني إسرائيل» (1)، و ورد فيه «أنه وخز الجن» (2) و جاء أنه دعوة نبي.

و هذه العلل و الأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدل عليها، و الرسل تخبر بالأمور الغائبة، و هذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في الطبيعة و أمراضها و هلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح و تأثيراتها، و انفعال الأجسام و طبائعها عنها، و اللّه سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء، و فساد الهواء، كما يجعل لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة، و لا سيما عند هيجان الدم، و المرّة السوداء، و عند هيجان المني، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر، و الدعاء، و الابتهال و التضرع، و الصدقة، و قراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، و يبطل شرها و يدفع تأثيرها، و قد جربنا نحن و غيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا اللّه، و رأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة و استجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة، و دفع المواد الرديئة، و هذا يكون قبل استحكامها و تمكنها، و لا يكاد ينخرم، فمن وفقه اللّه، بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، و هي له من أنفع الدواء، و إذا أراد اللّه عز و جل إنفاذ قضائه و قدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها و تصورها و إرادتها، فلا يشعر بها.

و لا يريدها، ليقضي اللّه فيه أمرا كان مفعولا.

و سنزيد هذا المعنى إن شاء اللّه تعالى إيضاحا و بيانا عند الكلام على التداوي بالرّقى،؛ و العوذ النبوية، و الأذكار، و الدعوات، و فعل الخيرات، و نبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي، كنسبة طب الطرقية و العجائز الى طبهم، كما

____________

(1) أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي من حديث أسامة بن زيد

(2) «وخز الجن» أي طعن أعدائكم: أخرجه الحاكم عن أبي موسى الاشعري بلفظ- «الطاعون وخز أعدائكم من الجن و هو لكم شهادة». و هو حديث صحيح.

33

اعترف به حذاقهم و أئمتهم، و نبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شي‏ء انفعالا عن الأرواح، و أن قوى العوذ، و الرقى، و الدعوات، فوق قوى الأدوية، حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة.

و المقصود: أن فساد الهواء جزء من اجزاء السبب التام، و العلة الفاعلة للطاعون، فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء و فساده، يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة، لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه، كالعفونة، و النتن و السّمية في أي وقت كان من أوقات السنة، و إن كان أكثر حدوته في أواخر الصيف، و في الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة و غيرها في فصل الصيف، و عدم تحللها في آخره، و في الخريف لبرد الجو، و ردغة الأبخرة و الفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف، فتنحصر، فتسخن، و تعفن، فتحدث الأمراض العفنة، و لا سيما إذا صادفت البدن مستعدا، قابلا، رهلا، قليل الحركة، كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب.

و أصح الفصول فيه فصل الربيع. قال بقراط: إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض، و أقتل، و أما الربيع، فأصح الأوقات كلها و أقلها موتا، و قد جرت عادة الصيادلة، و مجهزي الموتى أنهم يستدينون، و يتسلفون في الربيع و الصيف على فصل الخريف، فهو ربيعهم، و هم أشوق شي‏ء إليه، و أفرح بقدومه، و قد روي في حديث: «إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كلّ بلد» (1). و فسر بطلوع الثريا، و فسر بطلوع النبات زمن الربيع، و منه‏ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ‏ (2) فإن كمال طلوعه و تمامه يكون في فصل الربيع، و هو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات.

و أما الثريا، فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر و سقوطها.

قال التميمي في كتاب «مادة البقاء»: أشدّ أوقات السنة فسادا، و أعظمها بلية على الأجساد وقتان، أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر.

____________

(1) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار، و الطبراني في «الصغير» و أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ «إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد» و إسناده صحح‏

(2) الرحمن- 6

34

و الثاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم، بمنزلة من منازل القمر، و هو وقت تصرّم فصل الربيع و انقضائه، غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقلّ ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها.

و قال أبو محمد بن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا، و لا نأت إلا بعاهة في الناس و الإبل، و غروبها أعوه‏ (1) من طلوعها.

و في الحديث قول ثالث- و لعله أولى الأقوال به- أن المراد بالنجم: الثريا، و بالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع و الثمار في فصل الشتاء و صدر فصل الربيع، فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور، و لذلك نهى (صلى اللّه عليه و سلم) عن بيع الثمرة و شرائها قبل أن يبدو صلاحها. و المقصود: الكلام على هديه (صلى اللّه عليه و سلم) عند وقوع الطاعون.

فصل‏

و قد جمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، و نهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء، و موافاة له في محل سلطانه، و إعانة للإنسان على نفسه، و هذا مخالف للشرع و العقل، بل تجنّب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد اللّه سبحانه إليها، و هي حمية عن الأمكنة، و الأهوية المؤذية.

و أما نهيه عن الخروج من بلده، ففيه معنيان:

أحدهما: حمل النفوس على الثقة باللّه، و التوكل عليه، و الصبر على أقضيته، و الرضى بها.

و الثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، و يقلل الغذاء، و يميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة و الحمام، فإنهما مما يجب أن يحذرا، لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل ردي‏ء كامن فيه، فتثيره الرياضة و الحمام، و يخلطانه بالكيموس الجيد، و ذلك يجلب‏

____________

(1) أعوه: أشد عاهة و إصابة من: عاه الشي‏ء: إذا أصابته عاهة

35

علة عظيمة، بل يجب عند وقوع الطاعون السكون و الدّعة، و تسكين هيجان الأخلاط، و لا يمكن الخروج من أرض الوباء و السفر منها إلا بحركة شديدة، و هي مضرة جدا، هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي، و ما فيه من علاج القلب و البدن و صلاحهما

فإن قيل: ففي قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تخرجوا فرارا منه»، ما يبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه، و أنه لا يمنع الخروج لعارض، و لا يحبس مسافرا عن سفره؟ قيل: لم يقل أحد طبيب و لا غيره، إن الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين، و يصيرون بمنزلة الجمادات، و إنما ينبغي فيه التقلّل من الحركة بحسب الإمكان، و الفار منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفرار منه، و دعته و سكونه أنفع لقلبه و بدنه، و أقرب إلى توكله على اللّه تعالى، و استسلامه لقضائه. و أما من لا يستغني عن الحركة، كالصناع، و الأجراء، و المسافرين، و البرد، و غيرهم، فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملة، و إن أمروا ان يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه، كحركة المسافر فارا منه و اللّه تعالى أعلم.

و في المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم:

أحدها: تجنب الأسباب المؤذية، و البعد منها.

الثاني: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش و المعاد.

الثالث: أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن و فسد فيمرضون.

الرابع: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم.

و في «سنن أبي داود» مرفوعا: «إن من القرف التلف» (1).

قال ابن قتيبة: القرف مداناة الوباء، و مداناة المرضى.

الخامس: حمية النفوس عن الطيرة و العدوى، فإنها تتأثر بهما، فإن الطّيرة على من تطيّر بها، و بالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر و الحمية، و النهي عن التعرض لأسباب التلف. و في النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل، و التسليم، و التفويض، فالأول: تأديب و تعليم، و الثاني: تفويض و تسليم.

____________

(1) أخرجه أبو داود و الإمام أحمد و في سنده جهالة. و القرف: مداناة المرض و بابه طرب. مختار.

36

و في الصحيح: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ، لقيه أبو عبيدة بن الجراح و أصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال لابن عباس: أدع لي المهاجرين الأولين، قال: فدعوتهم، فاستشارهم، و أخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال له بعضهم: خرجت لأمر، فلا نرى أن ترجع عنه. و قال آخرون: معك بقية الناس، و أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم قال:

ادع لي الأنصار، فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، و اختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم له، فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس و لا تقدمهم على هذا الوباء، فأذّن عمر في الناس إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين! أ فرارا من قدر اللّه تعالى؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر اللّه تعالى إلى قدر اللّه تعالى، أ رأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما- خصبة، و الأخرى، جدبة، أ لست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر اللّه تعالى، و إن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر اللّه تعالى؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف و كان متغيبا في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«إذا كان بأرض و أنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، و إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه» (1).

فصل في هديه في داء الاستسقاء و علاجه‏

في «الصحيحين»: من حديث أنس بن مالك، قال: «قدم رهط من عرينة و عكل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فاجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: «لو

____________

(1) أخرجه البخاري في الطب و مسلم في السلام. و «سرغ» موضع قرب الشام بين المغيشة و تبوك. قاموس.

و العدوة: بضم العين و كسرها جانب الوادي و حافتاه.

37

خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها و ألبانها، ففعلوا، فلما صحوا، عمدوا إلى الرّعاة فقتلوهم، و استاقوا الإبل، و حاربوا اللّه و رسوله، فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم، و أرجلهم، و سمل أعينهم، و ألقاهم في الشمس حتى ماتوا» (1).

و الدليل على أن هذا المرض كان الاستقساء، ما رواه مسلم في «صحيحه» في هذا الحديث أنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينة، فعظمت بطوننا، و ارتهشت أعضاؤنا، و ذكر تمام الحديث ...

و الجوى: داء من أدواء الجوف- و الاستقساء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلّل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها، و إما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء و الأخلاط، و أقسامه ثلاثة: لحمي، و هو أصعبها.

و زقي، و طبلي.

و لما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل، و إدرار بحسب الحاجة، و هذه الأمور موجودة في أبوال الإبل و ألبانها، أمرهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بشربها، فإن في لبن اللقاح جلاء و تليينا، و إدرارا و تلطيفا، و تفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، و القيصوم، و البابونج، و الأقحوان، و الإذخر، و غير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء.

و هذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة، أو مع مشاركة، و أكثرها عن السدد فيها، و لبن اللقاح العربية نافع من السدد، لما فيه من التفتيح، و المنافع المذكورة.

قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، و فساد المزاج، و قال الاسرائيلي: لبن اللقاح أرقّ الألبان، و أكثرها مائية و حدّة، و أقلها غذاء، فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، و إطلاق البطن، و تفتيح السدد، و يدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه الإفراط حرارة حيوانية بالطبع، و لذلك صار أخصّ الألبان بتطرية الكبد، و تفتيح سددها، و تحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا،

____________

(1) أخرجه البخاري و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه و النسائي. و «عرينة» قبيلة منهم العرينون المرتدون عن الإسلام «عكل» و عكل بالضم بلد و أبو قبيلة فيهم غباوة

38

و النفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضّرع مع بول الفصيل، و هو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحته، و تقطيعه الفضول، و إطلاقه البطن، فإن تعذر انحداره و إطلاقه البطن، وجب أن يطلق بدواء مسهل.

قال صاحب القانون: و لا يلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء. قال: و اعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، و ما فيه من خاصية، و أن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء و الطعام شفي به، و قد جرّب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب، فقادتهم الضرورة إلى ذلك، فعوفوا. و أنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي، و هو النجيب، انتهى.

و في القصة: دليل على التداوي و التطبب، و على طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز، و لم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم، و ما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، و تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة.

و على مقاتلة الجاني بمثل ما فعل، فإن هؤلاء قتلوا الراعي، و سملوا عينيه، ثبت ذلك في «صحيح مسلم».

و على قتل الجماعة، و أخذ أطرافهم بالواحد.

و على أنه إذا اجتمع في حق الجاني حدّ و قصاص استوفيا معا، فإن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قطع أيديهم و أرجلهم حدا للّه على حرابهم، و قتلهم لقتلهم الراعي.

و على أن المحارب إذا أخذ المال، و قتل، قطعت يده و رجله في مقام واحد و قتل.

و على أن الجنايات إذا تعددت، تغلّظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، و قتلوا النفس، و مثّلوا بالمقتول، و أخذوا المال، و جاهروا بالمحاربة.

و على أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كلّ واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، و لا سأل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك.

39

و على أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، و لا تعتبر فيه المكافأة، و هذا مذهب أهل المدينة، و أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا، و أفتى به.

فصل في هديه في علاج الجرح‏

في «الصحيحين»: عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يسأل عما دووي به جرح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد، فقال: «جرح وجهه، و كسرت رباعيته، و هشمت البيضة على رأسه، و كانت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تغسل الدم، و كان عليّ بن أبي طالب يسكب عليها بالمجنّ، فلما رأت فاطمة الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت قطعة حصير، فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم» (1)، برماد الحصير المعمول من البردي‏ (2) و له فعل قوي في حبس الدم، لأن فيه تجفيفا قويا، و قلة لذع، فإن الأدوية القوية التجفيف إذا كان فيها لذع هيجت الدم و جلبته، و هذا الرماد إذا نفخ وحده، أو مع الخل في أنف الراعف قطع رعافه.

و قال صاحب القانون: البردي ينفع من النزف، و يمنعه، و يذرّ على الجراحات الطرية، فيدملها، و القرطاس المصري كان قديما يعمل منه، و مزاجه بارد يابس، و رماده نافع من أكلة الفم، و يحبس نفث الدم، و يمنع القروح الخبيثة أن تسعى.

____________

(1) أخرجه البخاري في الجهاد و مسلم في الجهاد أيضا «رباعيته» السن التي بين الثنية و الناب، و الجمع رباعيات:

و يقال للذي يلقي رباعيته: رباع: بوزن ثمان و «هشمت» الهشم: كسر الشي‏ء اليابس. «البيضة» واحدة البيض من الحديد «المجن» بالكسر الترس‏

(2) البرديّ: نبات يعمل منه الحصر. انظر المصباح المنير

40

فصل في هديه في العلاج بشرب العسل، و الحجامة، و الكي‏

في «صحيح البخاري»: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، و شرطة محجم، و كيّة نار، و أنا أنهى أمّتي عن الكيّ» (1).

قال أبو عبد اللّه المازري: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية، أو صفراوية، أو بلغمية، أو سوداوية. فإن كانت دموية، فشفاؤها إخراج الدم، و إن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية، فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها، و كأنّه (صلى اللّه عليه و سلم) نبه بالعسل على المسهلات، و بالحجامة على الفصد، و قد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: «شرطة محجم». فإذا أعيا الدواء، فاخر الطب الكيّ، فذكره (صلى اللّه عليه و سلم) في الأدوية، لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية، و حيث لا ينفع الدواء المشروب. و قوله: «و أنا أنهى أمتي عن الكي»، و في الحديث الآخر: «و ما أحبّ أن أكتوي» (2)، إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه، و لا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي، انتهى كلامه.

و قال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية: إما أن تكون بمادة، أو بغير مادة، و المادية منها: إما حارة، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركب منها، و هذه الكيفيات الأربع، منها كيفيتان فاعلتان: و هما الحرارة و البرودة، و كيفيتان منفعلتان؛ و هما الرطوبة و اليبوسة، و يلزم من غلبة إحدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها، و كذلك كان لكل واحد من الأخلاط الموجودة في البدن، و سائر المركبات كيفيتان: فاعلة و منفعلة.

____________

(1) أخرجه البخاري، و ابن ماجه في الطب عن ابن عباس.

(2) أخرجه البخاري في الطب و مسلم في السلام.

41

فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة و البرودة، فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارة و الباردة على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارا، عالجناه بإخراج الدم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغا للمادة، و تبريدا للمزاج.

و إن كان باردا عالجناه بالتسخين، و ذلك موجود في العسل، فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة، فالعسل أيضا يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج، و التقطيع، و التلطيف، و الجلاء، و التليين، فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة برفق و أمن من نكاية المسهلات القوية.

و أما الكي: فلان كل واحد من الأمراض المادية، إما أن يكون حادا فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين، فلا يحتاج إليه فيه، و إما أن يكون مزمنا، و أفضل علاجه بعد الاستفراغ الكيّ في الأعضاء التي يجوز فيها الكيّ، لأنه لا يكون مزمنا إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو، و أفسدت مزاجه، و أحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل في ذلك العضو، فيستخرج بالكي تلك المادة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة.

فتعلمنا بهذا الحديث الشريف أخذ معالجة الأمراض المادية جميعها، كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن شدّة الحمّى من فيح جهنّم، فأبردوها بالماء».

فصل: [في الحجامة]

و أما الحجامة، ففي «سنن ابن ماجه» من حديث جبارة بن المغلّس،- و هو ضعيف- عن كثير بن سليم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما مررت ليلة أسري بي بملا إلا قالوا: يا محمد! مر أمّتك بالحجامة» (1).

و روى الترمذي في «جامعه» من حديث ابن عباس هذا الحديث: و قال فيه: «عليك بالحجامة يا محمّد»

____________

(1) أخرجه ابن ماجه. و سنده ضعيف و هو حديث صحيح بشواهده و في الباب عن ابن مسعود و ابن عباس عند الترمذي‏

42

و في «الصحيحين»: من حديث طاوس، عن ابن عباس، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «احتجم و أعطى الحجّام أجره».

و في «الصحيحين» أيضا، عن حميد الطويل، عن أنس، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، و كلم مواليه، فخفّفوا عنه من ضريبته، و قال: «خير ما تداويتم به الحجامة» (1).

و في «جامع الترمذي» عن عباد بن منصور، قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن عباس غلمة ثلاثة حجّامون، فكان اثنان يغلّان عليه، و على أهله، و واحد لحجمه، و حجم أهله. قال: و قال ابن عباس: قال نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «نعم العبد الحجّام يذهب بالدّم، و يخفّ الصّلب، و يجلو البصر»، و قال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حيث عرج به، ما مرّ على ملاء من الملائكة إلا قالوا: «عليك بالحجامة»، و قال: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، و يوم تسع عشرة، و يوم تسع عشرة، و يوم إحدى و عشرين، و قال: «إنّ خير ما تداويتم به السّعوط و اللدود و الحجامة و المشي، و إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لدّ فقال: «من لدنّي»؟ فكلّهم أمسكوا، فقال: «لا يبقى أحد في البيت إلا لدّ إلّا العباس». قال: هذا حديث غريب، و رواه ابن ماجه‏ (2).

فصل: [في منافع الحجامة]

أما منافع الحجامة: فإنها تنفي سطح البدن أكثر من الفصد، و الفصد لأعماق البدن أفضل، و الحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد.

قلت: و التحقيق في أمرها و أمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان، و المكان، و الأسنان، و الأمزجة، فالبلاد الحارة، و الأزمنة الحارة، و الأمزجة الحارة

____________

(1) أخرجه البخاري في الطب و مسلم في المساقاة. و في الجامع الصغير: «خير ما تداويتم به الحجامة» رواه الإمام أحمد و الطبراني في الكبير عن سمرة بن جندب.

(2) أخرجه الترمذي و ابن ماجه و سنده ضعيف لضعف عباد بن منصور: «السّعوط» دواء يصب في الأنف- انظر المصباح المنير. اللّدود كصبور ما يصب بالمسط من الدواء في أحد شقي الفم كالدّيد- انظر القاموس المحيط.

43

التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج و يرقّ و يخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد، و لذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد، و لمن لا يقوى على الفصد و قد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع و أفضل من الفصد، و تستحب في وسط الشهر، و بعد وسطه. و بالجملة، في الربع الثالث من أرباع الشهر، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج و تبيغ، و في آخره يكون قد سكن. و أما في وسطه و بعيده، فيكون في نهاية التزيد.

قال صاحب القانون: و يؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر، لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت و هاجت، و لا في آخره لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر.

و قد روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال: «خير ما تداويتم به الحجامة و الفصد» (1). و في حديث: «خير الدّواء الحجامة و الفصد». انتهى.

و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «خير ما تداويتم به الحجامة» إشارة إلى أهل الحجاز، و البلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة، و هي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، و اجتماعها في نواحي الجلد، و لأن مسام أبدانهم واسعة، و قواهم متخلخلة، ففى الفصد لهم خطر، و الحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق و خاصة العروق التي لا تفصد كثيرا و لفصد كل واحد منها نفع خاص، ففصد الباسليق: ينفع من حرارة الكبد و الطحال و الأورام الكائنة فيهما من الدم، و ينفع من أورام الرئة، و ينفع من الشّوصة (2) و ذات الجنب و جميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك.

و فصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا، و كذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن.

و فصد القيفال: (3) ينفع من العلل العارضة في الرأس و الرقبة من كثرة الدم أو فساده.

____________

(1) أخرجه ابو نعيم في كتاب الطب النبوي بلفظ «خير ما تداويتم به الحجم و الفصد» عن علي أمير المؤمنين رضي اللّه عنه، أما لفظ «خير ما تداويتم به الحجامة و الفصد» بتأنيث الحجامة لم نعثر عليه في شي‏ء من كتب الحديث التي اطلعنا عليها.

(2) الشّوصة: وجع في البطن، أو هي ريح تعتقب في الأضلاع، أو ورم في حجابها من داخل، و احتلاح العرق- انظر القاموس المحيط

(3) القيفال بالكسر: عرق في اليد يفصد- المرجع السابق‏

44

و فصد الودجين: ينفع من وجع الطّحال، و الربو، و البهر، و وجع الجبين:

و الحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب و الحلق.

و الحجامة على الأخدعين، تنفع من أمراض الرأس، و أجزائه، كالوجه، و الأسنان، و الأذنين، و العينين، و الأنف، و الحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعا. قال أنس رضي اللّه تعالى عنه: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يحتجم في الأخدعين و الكاهل‏ (1).

و في «الصحيحين» عنه: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يحتجم ثلاثا: واحدة على كاهله، و اثنتين على الأخدعين‏ (2)

و في الصحيح: عنه، أنه احتجم و هو محرم في رأسه لصداع كان به‏ (3).

و في «سنن ابن ماجه» عن علي، نزل جبريل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بحجامة الأخدعين و الكاهل‏ (4).

و في «سنن أبي داود» من حديث جابر، أنّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «احتجم في وركه من وث‏ء كان به» (5).

فصل‏

و اختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا، و هي القمحدوة.

و ذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا «عليكم بالحجامة في جوزة

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه و في كتاب الشمائل له و أبو داود و ابن ماجه و الإمام أحمد و الحاكم و صححه و أقره الذهبي على ذلك: و هذا الحديث بزيادة «و كان يحتجم لسبع عشرة، و تسع عشرة، و إحدى و عشرين: أخرجه الترمذي و الحاكم في الطب عن أنس بن مالك، و الطبراني في الكبير- و الحاكم في الطب أيضا عن ابن عباس و قال صحيح على شرطهما و قال الترمذي: حسن غريب.

(2) لم يخرّج هذا الحديث في الصحيحين، و إنما خرجه الإمام أحمد و أصحاب السنن‏

(3) أخرجه البخاري في الطب‏

(4) أخرجه ابن ماجه. و سنده ضعيف‏

(5) أخرجه أبو داود و رجاله ثقات. و الوش‏ء، و الوشاءة: و صم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو توجّع في العظم بلا كسر أو هو الفلك: وثئت يده كفرح تثأ وثأ فهي وثئة كفرحة- انظر القاموس المحيط.

45

القمحدوة، فإنّها تشفي من خمسة أدواء»، ذكر منها الجذام‏ (1).

و في حديث آخر: «عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنّها شفاء من اثنين و سبعين داء».

فطائفة منهم استحسنته و قالت: إنها تنفع من جحظ العين، و النتوء العارض فيها، و كثير من أمراضها، و من ثقل الحاجبين و الجفن، و تنفع من جربه. و روي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، و لم يحتجم في النّقرة، و ممن كرهها صاحب «القانون» و قال: إنها تورث النسيان حقا، كما قال سيدنا و مولانا و صاحب شريعتنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن مؤخر الدماغ موضع الحفظ، و الحجامة تذهبه، انتهى كلامه.

ورد عليه آخرون، و قالوا: الحديث لا يثبت، و إن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه، فإنها نافعة له طبا و شرعا، فقد ثبت عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنه احتجم في عدة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، و احتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته.

فصل: [في منافع الحجامة تحت الذقن‏]

و الحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان و الوجه و الحلقوم، إذا استعملت في وقتها، و تنقي الرأس و الفكين، و الحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن، و هو عرق عظيم عند الكعب، و تنفع من قروح الفخذين و الساقين، و انقطاع الطمث، و الحكة العارضة في الأنثيين، و الحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ، و جربه و بثوره، و من النّقرس و البواسير، و الفيل و حكة الظهر.

فصل في هديه في أوقات الحجامة

روى الترمذي في «جامعة»: من حديث ابن عباس يرفعه: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، و يوم إحدى و عشرين‏ (2).

____________

(1) رواه الطبراني في الكبي، و ابن السني، و أبو نعيم عن صهيب بلفظ «عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنها دواء من اثنين و سبعين داء و خمسة أدواء: من الجنون، و الجذام، و البرص «وجع الضرس» و الحديث بهذا النص يجمع بين الحديث الذي قال المصنف: رواه أبو نعيم، و بين الحديث الذي ذكره بعده.

(2) أخرجه الترمذي و سنده ضعيف فيه عباد بن منصور

46

و فيه عن أنس كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يحتجم في الأخدعين و الكاهل، و كان يحتجم لسبعة عشر، و تسعة عشر، و في إحدى و عشرين‏ (1).

و في «سنن ابن ماجه» عن أنس مرفوعا: «من أراد الحجامة فليتحرّ سبعة عشر، أو تسعة عشر، أو إحدى و عشرين، لا يتبيّغ بأحدكم الدّم فيقتله».

و في «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من احتجم لسبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى و عشرين، كانت شفاء من كلّ داء (2) و هذا معناه من كل داء سببه غلبة الدم.

و هذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء، أن الحجامة في النصف الثاني، و ما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله و آخره، و إذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر و آخره.

قال الخلّال: أخبرني عصمة بن عصام، قال حدّثنا حنبل، قال: كان أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل يحتجم أيّ وقت هاج به الدم، و أيّ ساعة كانت.

و قال صاحب «القانون»: أوقاتها في النهار: الساعة الثانية أو الثالثة، و يجب توقيها بعد الحمّام إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحمّ، ثم يستجم ساعة، ثم يحتجم، انتهى.

و تكره عندهم الحجامة على الشبع فإنها ربما أورثت سددا و أمراضا رديئة، لا سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا. و في أثر الحجامة على الريق دواء، و على الشبع داء، و في سبعة عشر من الشهر شفاء».

و اختيار هذه الأوقات للحجامة، فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط و التحرز من الأذى، و حفظا للصحة. و أما في مداواة الأمراض، فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها. و في قوله: «لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله»، دلالة على ذلك، يعني لئلا يتبيغ، فحذف حرف الجرمع (أن)، ثم حذفت (أن). و التبيغ: الهيج، و هو مقلوب البغي، و هو بمعناه، فإنه بغي الدم و هيجانه. و قد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أيّ وقت احتاج من الشهر.

____________

(1) أخرجه الترمذي في الطب و قال حديث حسن غريب، و رجاله ثقات‏

(2) أخرجه ابن ماجه و هو ضعيف في سنده النهاس بن قهم‏

47

فصل [في وقت الحجامة]

و أما اختيار أيام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في «جامعه»: أخبرنا حرب ابن إسماعيل، قال: قلت لأحمد تكره الحجامة في شي‏ء من الأيام؟ قال: قد جاء في الأربعاء و السبت.

و فيه: عن الحسين بن حسان، أنه سأل أبا عبد اللّه عن الحجامة: أي يوم تكره؟ فقال: في يوم السبت، و يوم الأربعاء، و يقولون: يوم الجمعة.

و روى الخلال، عن أبي سلمة و أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا:

«من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السّبت، فأصابه بياض أو برص، فلا يلومنّ إلّا نفسه» (1).

و قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن جعفر، أن يعقوب بن بختان حدثهم، قال: سئل أحمد عن النّورة و الحجامة يوم السبت و يوم الأربعاء؟ فكرهها. و قال:

بلغني عن رجل أنه تنوّر و احتجم يعني يوم الأربعاء، فأصابه البرص. قلت له:

كأنه تهاون بالحديث؟ قال: نعم.

و في كتاب «الأفراد» للدارقطني، من حديث نافع قال: قال لي عبد اللّه بن عمر: تبيّغ بي الدم‏ (2)، فابغ لي حجّاما، و لا يكن صبيا و لا شيخا كبيرا، فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «الحجامة تزيد الحافظ حفظا، و العاقل عقلا، فاحتجموا على اسم اللّه تعالى، و لا تحتجموا الخميس، و الجمعة، و السّبت، و الأحد، و احتجموا الاثنين، و ما كان من جذام و لا برص، إلا نزل يوم الأربعاء».

قال الدار قطني: تفرّد به زياد بن يحيى و قد رواه أيوب عن نافع، و قال فيه:

«و احتجموا يوم الاثنين و الثلاثاء، و لا تحتجموا يوم الأربعاء.

و قد روى أبو داود في «سننه» من حديث أبي بكرة، أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء، و قال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يوم الثّلاثاء يوم الدّم و فيه ساعة لا يرقأ فيها الدّم» (3)

____________

(1) أخرجه البيهقي و الحاكم و في سند هذا الحديث سليمان بن أرقم و هو متروك‏

(2) «تبيغ بي الدم» البيغ: ثوران الدم: أخرجه ابن ماجه و الحاكم‏

(3) أخرجه أبو داود

48

فصل‏

و في ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي، و استحباب الحجامة، و أنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، و جواز احتجام المحرم، و إن آل إلى قطع شي‏ء من الشعر، فإن ذلك جائز. و في وجوب الفدية عليه نظر، و لا يقوى الوجوب، و جواز احتجام الصائم، فإن في «صحيح البخاري» أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «احتجم و هو صائم» (1). و لكن هل يفطر بذلك، أم لا؟ مسألة أخرى، الصواب: الفطر بالحجامة، لصحته عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من غير معارض، و أصح ما يعارض به حديث حجامته و هو صائم؛ و لكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أموره أحدها: أن الصوم كان فرضا. الثاني: أنه كان مقيما. الثالث: أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: «أفطر الحاجم و المحجوم» (2).

فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الاستدلال بفعله (صلى اللّه عليه و سلم) على بقاء الصوم مع الحجامة، و إلا فما المانع أن يكون الصوم نفلا يجوز الخروج منه بالحجامة و غيرها، أو من رمضان لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر، لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها، لكنه مبقّى على الأصل. و قوله: «أفطر الحاجم و المحجوم»، ناقل و متأخر، فيتعيّن المصير إليه، و لا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها.

و فيها دليل على استئجار الطبيب و غيره من غير عقد إجارة، بل يعطيه أجرة المثل، أو ما يرضيه.

و فيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، و إن كان لا يطيب للحر أكل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أعطاه أجره، و لم يمنعه من أكله، و تسميته إياه خبيثا كتسميته للثوم و البصل خبيثين، و لم يلزم من ذلك تحريمهما.

____________

(1) أخرجه البخاري‏

(2) أخرجه الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجه و الحاكم عن توبان و هو متواتر: قال القاضي البيضاوي: ذهب إلى ظاهر الخبر جمع فقالوا: بفطرهما منهم أحمد و ذهب الأكثر للكراهة، و صحة الصوم، و حملوا الخبر على التشديد، و ذهب قوم إلى منسوخ.

49

و فيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كلّ يوم شيئا معلوما بقدر طاقته، و أن للعبد أن يتصرّف فيما زاد على خراجه، و لو منع من التصرف، لكان كسبه كله خراجا و لم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على خراجه، فهو تمليك من سيده له بتصرف فيه كما أراد، و اللّه أعلم.

فصل في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في قطع العروق و الكي‏

ثبت في «الصحيح» من حديث جابر بن عبد اللّه، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا و كواه عليه‏ (1)

و لما رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ورمت، فحسمه الثانية (2). و الحسم: هو الكي.

و في طريق آخر: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص، ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه.

و في لفظ آخر: أن رجلا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) به فكوي.

و قال أبو عبيد: و قد أتي النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) برجل نعت له الكيّ، فقال: «اكووه و ارضفوه» (3) قال أبو عبيد: الرّضف الحجارة تسخن، ثم يكمد بها.

و قال الفضل بن دكين: حدثنا سفيان، عن أبي الزّبير، عن جابر، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كواه في أكحله.

و في «صحيح البخاري» من حديث أنس، أنه كوي من ذات الجنب و النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) حيّ‏ (4).

____________

(1) أخرجه مسلم في السلام‏

(2) أخرجه مسلم و أحمد

(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف.

(4) أخرجه البخاري في الطب: باب ذات الجنب‏

50

و في الترمذي، عن أنس، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «كوى أسعد بن زرارة من الشّوكة» (1)، و قد تقدم الحديث المتفق عليه و فيه «و ما أحبّ أن أكتوي» و في لفظ آخر: «و أنا أنهى أمّتي عن الكيّ».

و في «جامع الترمذي» و غيره عن عمران بن حصين، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عن الكيّ قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا، و لا أنجحنا. و في لفظ: نهينا عن الكي و قال:

فما أفلحن و لا أنجحن‏ (2).

قال الخطابي: إنما كوى سعدا ليرقأ الدم من جرحه، و خاف عليه أن ينزف فيهلك. و الكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله.

و أما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلبا للشفاء، و كانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو، هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية.

و قيل إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة، لأنه كان به ناصور، و كان موضعه خطرا، فنهاه عن كيّه، فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى الموضع المخوف منه، و اللّه اعلم.

و قال ابن قتيبة: الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتلّ، فهذا الذي قيل فيه:

لم يتوكل من اكتوى، لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه.

و الثاني: كي الجرح إذا نغل، و العضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء.

و أما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، و يجوز أن لا ينجع، فإنه إلى الكراهة أقرب. انتهى.

و ثبت في «الصحيح» في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يسترقون و لا يكتوون و لا يتطيّرون، و على ربهم يتوكلون» (3).

فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله؛ و الثاني: عدم محبته له، و الثالث: الثناء على من تركه، و الرابع: النهي عنه، و لا تعارض بينهما بحمد اللّه تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، و عدم محبته له لا يدلّ على المنع منه. و أما الثناء على‏

____________

(1) أخرجه الترمذي- «الشوكة» داء معروف- انظر القاموس‏

(2) أخرجه الترمذي و أبو داود و ابن ماجه‏

(3) أخرجه البخاري و مسلم‏

51

تاركه، فيدل على أن تركه أولى و أفضل. و أما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار و الكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفا من حدوث الداء، و اللّه أعلم.

فصل في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في علاج الصرع‏

أخرجا في «الصحيحين» من حديث عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس: أ لا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقالت إني أصرع، و إني أتكشّف، فادع اللّه لي، فقال: «إن شئت صبرت و لك الجنّة، و إن شئت دعوت اللّه لك أن يعافيك»، فقالت: أصبر. قالت فإني أتكشّف، فادع اللّه ألّا أتكشف، فدعا لها (1)

قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، و صرع من الأخلاط الرديئة. و الثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه و علاجه.

و أما صرع الأرواح، فأئمتهم و عقلاؤهم يعترفون به، و لا يدفعونه، و يعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيّرة العلوية لتلك الأرواح الشرّيرة الخبيثة، فتدافع آثارها، و تعارض أفعالها و تبطلها، و قد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، و قال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط و المادة. و أما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا العلاج.

و أما جهلة الأطباء و سقطهم و سفلتهم، و من يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، و لا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، و ليس معهم إلا الجهل، و إلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، و الحسّ و الوجود شاهد به، و إحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط، و صادق في بعض أقسامه لا في كلها.

و قدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي، و قالوا: إنه من الأرواح، و أما جالينوس و غيره، فتأوّلوا عليهم هذه التسمية، و قالوا: إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس، فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ.

____________

(1) أخرجه البخاري في المرض و مسلم في البر و الصلة

52

و هذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح و أحكامها، و تأثيراتها، و جاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده.

و من له عقل و معرفة بهذه الأرواح و تأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء و ضعف عقولهم.

و علاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، و أمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، و صدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح و بارئها، و التعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب و اللسان، فإن هذا نوع محاربة، و المحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا، و أن يكون الساعد قويا، فمتى تخلّف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعا: يكون القلب خرابا من التوحيد، و التوكل، و التقوى، و التوجه، و لا سلاح له.

و الثاني: من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: «اخرج منه». أو بقول: «بسم اللّه»، أو بقول «لا حول و لا قوة إلا باللّه»، و النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كان يقول: «اخرج عدو اللّه أنا رسول اللّه» (1).

و شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، و يقول:

قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحلّ لك، فيفيق المصروع، و ربما خاطبها بنفسه، و ربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع و لا يحس بألم، و قد شاهدنا نحن و غيرنا منه ذلك مرارا.

و كان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‏ (2)

و حدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، و مد بها صوته.

قال: فأخذت له عصا، و ضربته بها في عروق عنقه حتى كلّت يداي من الضرب، و لم يشكّ الحاضرون أنه يموت لذلك الضربة ففي أثناء الضرب قالت: «أنا أحبّه،

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

(2) المؤمنون- 115- و معنى الآية: أي خلقناكم لنتعبدكم في الأمر و النهي و ترجعون إلينا و نجازي على ذلك‏