العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى‏ - ج2

- أحمد بن محمد بن علي العاصمي المزيد...
719 /
5

الفصل الخامس: في ذكر مشابه موسى الكليم صلوات الرحمن و سلامه عليه‏

و وقعت المشابهة بين المرتضى (رضوان اللّه عليه) و بين موسى الكليم (صلوات اللّه عليه) بثمانية أشياء:

أوّلها: بالصلابة و الشدّة.

الثاني: بالمحاماة و الدعوة.

الثالث: بالعصا و القوّة (1).

الرابع: بشرح الصدر و الفسحة.

الخامس: بالأخوّة و الفرقة.

السادس: بالودّ و المحبّة.

السابع: بالأذى و المحنة.

الثامن: بميراث الملك و الإمرة.

أمّا الصلابة و الشدّة

ف [يدلّ عليها] قوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السّلام): وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ‏ [150/ الأعراف: 7] فلم يتمالك [موسى‏] نفسه في ذات اللّه سبحانه أن أخذ أخاه حين رأى القوم قد رجعوا عن عبادة اللّه سبحانه إلى عبادة العجل.

ثمّ مراجعته سبحانه في قومه حيث قال: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ [155/ الأعراف: 7].

____________

(1) هذا و تاليه غير مشروح بعد ذلك في أصلي مع تنظيم أرقام الصفحات.

6

308- ذكر أنّ موسى (عليه السّلام) لمّا قال ذلك نزل عليه جبرئيل فقال له: إنّ الربّ يقرأ عليك السلام و يقول لك/ 447/: أحسبت يا كليم‏ (1) هي فتنتي أضلّ بها من أشاء و أهدي من أشاء.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، كان صلبا في دين اللّه، شديدا على أعداء اللّه، و لذلك قال (عليه السّلام): «من أراد أن ينظر إلى موسى في بطشه فلينظر إلى علي».

و من ذلك قوله رضى اللّه عنه: «و اللّه لو ارتدّت العرب عن حنيفيّة أحمد، لخضت إليها حياض المنون». و قد ذكرناه في فصل الكتابة (2).

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «يا حكيم».

و لم يتيسّر لي الوقوف على مصدر الحديث.

(2) تقدم في فروع التشابه بين علي و آدم (عليهما السّلام) في الأمر السادس من العلوم المحتاج إليها في ج 1 ص 190.

7

و أمّا المحاماة و الدعوة

فقوله تعالى [حكاية] عن فرعون: أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ. وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ. قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ [22- 18/ الشعراء:] بتأويل‏ وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ على وجه الاستفهام بمعنى الإنكار، و قد يحذف حرف الاستفهام، و المراد إثباته، إذا كان في موضع يعرف منه، و لا يخفى حكمه، كما قال الشاعر:

إن كنت أريتيني بها كذبا* * * حرء فلاقيت مثلها عجلا

أفرح أن أزر الكرام و أن* * * أورث ودّا استضاء بضائيلا؟

يريد [الشاعر من قوله:] «أفرح» أي [أ] لا أفرح، و معنى الآية على هذا التأويل: ليست هذه نعمة تعدّها عليّ، فإنّك استعبدت بني إسرائيل و هم أحرار، و استعباد الأحرار/ 451/ ليس بنعمة!!!

ثمّ قال فرعون: وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ‏؟ يريد: و من ربّ العالمين؟ فأجاب [ه موسى (عليه السّلام)‏] بأن قال: رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ‏ [24- 23/ الشعراء: 26]، أراد [موسى (عليه السّلام) أنّ‏] المستحقّ للإلهيّة و الربوبيّة هو الّذي خلق السماوات و الأرض و ما بينهما و هو مالكهما لا أنت، فإنّك لم تخلق شيئا من الأشياء، لا ذرّة و لا بعوضة، و لا تملك من البلاد سوى مصر و نواحيها، أ لا ترى أنّ موسى (عليه السّلام) لمّا صار إلى مدين، قال له شعيب: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ [25/ القصص: 28]، فإنّه لا يد لفرعون عليك، إذ خرجت من ولايته. [فقال موسى (عليه السّلام) لفرعون:] كيف تدّعي الإلهيّة و أنت لم تملك أقطار الأرض و نواحيها؟!

ثمّ قال فرعون لمن حوله: «أ لا تستمعون لما يقول موسى»؟ فلم يتلكّأ موسى (عليه السّلام) في الجواب و الدعوة، و قال: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏، فعدّد

8

الآباء الأوّلين لأنّه أراد آباء الّذين لم يدركهم فرعون، و لم يكن في عصرهم، و كيف يكون ربّا من كان مسبوقا لا سابقا، و أنّ آباءهم الأوّلين قد كانوا أقدم منه و من ولايته، فكيف لا يتأمّلون هذه الحجّة؟!!

و قد بيّنت وجوه الاحتجاج الّتي في هذا الفصل في كتاب «المباني لنظم المعاني».

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)/ 452/ أكرمه اللّه بالحجّة، فاحتجّ على قوم ممن خرج عليه فقطع حجّتهم و أبطل دعوتهم، منهم الحروريّة الخوارج، و أهل الشام، و طلحة [و الزبير] و غيرهم.

أ لا تراه كيف قال لطلحة يوم الجمل: «يا طلحة أ جئت بعرس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) تقاتل بها؟ و خبأت عرسك في البيت؟! أ ما بايعتني»؟! قال [طلحة]: بايعتك و على عنقي اللّج‏ (1).

و قال [(عليه السّلام)‏] للزبير: «أ تطلب منّي دم عثمان و أنت تقتله؟ يسلّط اللّه على أشدّنا اليوم عليه ما يكره» (2).

309- و روى إبراهيم بن أبي صالح، عن عارم بن الفضل أبو النعمان قال:

حدثنا ثابت بن يزيد قال: حدثنا هلال بن خباب‏ (3):

____________

(1) اللّج- بضمّ اللام-: السيف. قال ابن الأثير في مادّة (لجج) من كتاب النهاية؛ و في حديث طلحة؛ «قدّموني و وضعوا اللجّ على قفيّ» و هو- بالضمّ-: السيف بلغة طيّ‏ء. و قيل:

هو اسم سمّي به السيف؛ كما قالوا: الصمصامة.

(2) لا يحضرني مصدر للحديث.

(3) لعلّ هذا هو الصواب؛ و في أصلي المخطوط: (و روى إبراهيم بن أبي صالح؛ عن عارض بن الفضل؟ قال: أخبرنا النعمان؛ قال: حدّثنا ثابت بن يزيد؛ قال: حدّثنا هلال بن خبّاب ...

و الحديث رواه ابن عساكر في ترجمة الزبير من تاريخ دمشق من النسخة الأردنيّة: ج 6 ص 386- و في مختصر ابن منظور: ج 9 ص 25 ط 1؛ و في تهذيب بدران: ج 5 ص 364- قال:

أخبرنا أبو الحسن عليّ بن المسلم الفقيه؛ أنبأنا أبو العبّاس أحمد بن منصور؛ أنبأنا أبو محمّد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم؛ أنبأنا محمّد؛ أنبأنا أبو عليّ أنبأنا أحمد بن عليّ القاضي أنبأنا أبو

9

عن عكرمة [قال‏]: إنّ ابن عبّاس أتى الزبير، فقال [له‏]: «يا ابن الصفيّة بنت عبد المطّلب جئت لتقاتل نسبك عليّ بن أبي طالب»؟ قال: فراح [الزبير عن المعركة] فلقيه ابن جرموز فقتله.

ثمّ إنّ اللّه سبحانه بشّره على لسان رسوله (عليه السّلام) بالمغفرة/ 453/ و الرضوان، [كما يدلّ عليه‏] قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إنّ اللّه تعالى باهى بكم في هذا اليوم فغفر لكم عامّة و غفر لعليّ خاصّة» كما نذكره في مشابه رسول اللّه (عليه السّلام) إن شاء اللّه عزّ و جلّ‏ (1).

____________

الربيع الزهري؟ أنبأنا أبو شهاب الخيّاط؛ عن هلال بن خبّاب؛ عن عكرمة؛ عن ابن عبّاس ...

(1) و الحديث سيذكره المصنّف في الأمر السادس في عنوان: «و أمّا العفو و المغفرة» من جهات التشابه بين النبيّ و عليّ (صلوات اللّه عليهما) من مخطوطي ص 602.

10

و أمّا الأخوّة و القرابة

فقد قال النبي موسى (عليه السّلام) بعد سؤاله شرح صدره‏ (1): وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي‏ [31- 29/ طه: 20] فاستجاب اللّه دعاءه و شدّد به أزره و يسّر له أمره.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، جعله رسول اللّه صلى اللّه عليه من نفسه بمنزلة الأخ.

310- أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم قال:

حدثنا محمّد بن يزيد قال: حدثنا أحمد بن نصر قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا فطر، عن عبد اللّه بن شريك العامري قال:

سمعت عبد اللّه بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك [فسألناه بأن يحدّثنا بشي‏ء سمعه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ف] قال:

خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى تبوك و خلّف عليّا فقال له عليّ:

يا رسول اللّه خرجت و خلّفتني؟ [ف] قال [له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)‏]: «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

311- و فيما حدّث إبراهيم بن أبي صالح، عن جعفر بن عون:

عن موسى الجهني قال: أدركت فاطمة بنت عليّ و قد أتى لها من السنّ ثمانون سنة، فقلت لها: [هل‏] تحفظين عن أبيك شيئا؟/ 454/ قالت: لا، و لكن‏

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «بعد سؤاله: اشرح و اجعل لي وزيرا ...».

310- و هذا رواه النسائي في الحديث 60 من كتاب خصائص أمير المؤمنين (عليه السّلام) ص 125 ط بيروت.

و رويناه أيضا في تعليقه عن مصادر.

11

أخبرتني أسماء بنت عميس أنّها سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: «يا عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

312- (1) و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا أبو سعيد الرازي الصوفي‏

____________

(1) 312- لحديث سعد هذا بإضافة و زيادة قوله: «إلّا أنّه لا نبي بعدي» مصادر و أسانيد كثيرة جدّا يصحّ عدّه في متواترات الأحاديث، كما يتجلّى ذلك لكلّ منصف يراجع ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 1 ص 495- 306 ط 2.

و قد رواه أيضا الطبراني في عنوان: «و ممّا أسند سعد بن أبي وقّاص ...» تحت الرقم 328 و 333 و 334 من المعجم الكبير: ج 1 ص 110- 108 طبعة بغداد، قال:

حدثنا محمّد بن عبد اللّه الحضرمي، حدثنا معمر بن بكّار السعدي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد:

عن أبيه: أنّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعلي رضي اللّه عنه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى».

و قال محقّقه في تعليقه: و رواه مسلم تحت الرقم: 2404 من صحيحه، و الترمذي في الحديث 3813 من سننه، و البخاري في غزوة تبوك من صحيحه، و أحمد في [الحديث ...] من مناقب عليّ.

أقول: و أيضا قال الطبراني في الحديث 333 و تاليه من مسند سعد، من المعجم الكبير: ج 1 ص 139: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري و إبراهيم بن هاشم البغوي قالا: حدثنا أميّة بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن علي بن حسين [قال:]

حدثني سعيد بن المسيّب، أنّ سعد بن أبي وقّاص حدّثه أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعلي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى».

[و] حدثنا الحسن بن عبّاس الرازي، حدثنا عبد اللّه بن داهر الرازي، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبد اللّه الجدلي قال:

سمعت سعدا يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

12

قال: أخبرنا أبو أحمد بن منينة [عبد الرحمن بن علي بن محمّد] قال: أخبرنا أبو جعفر الحضرمي قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا نصر بن حمّاد قال: حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال:

سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لعلي بن أبي طالب: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» (1).

____________

و رواه أيضا أبو يعلى الموصلى في الحديث 84 من مسند علي (عليه السّلام) تحت الرقم 344 من مسنده: ج 1 ص 285 ط 1 قال:

حدثنا عبيد اللّه، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد:

عن سعد بن أبي وقّاص قال: خلّف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال [علي‏]: يا رسول اللّه تخلّفني بالنساء و الصبيان؟ قال: «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي».

قال محقّق الكتاب في تعليقه: إسناده صحيح، و الحكم هو ابن عتيبة، و [الحديث‏] سيأتي في مسند سعد برقم 698.

و الحديث أخرجه أحمد [في مسند سعد، من مسنده:] ج 1 ص 182، و البخاري في باب غزوة تبوك [من كتاب‏] المغازي [تحت الرقم:] 4416 من صحيحه، و أخرجه مسلم تحت الرقم: 2404 من صحيحه، و أخرجه ابن ماجة في فضائل علي (عليه السّلام) في مقدّمة [صحيحه‏] تحت الرقم 115 من طرق عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه ...

و أخرجه [أيضا بطرق‏] أحمد في مسنده: ج 1 ص 170 و 173 و 177 و 179 و 184 و 185.

و أخرجه الترمذي من طرق في باب فضائل علي تحت الرقم 3726 من سننه.

و انظر ما أفاده ابن حجر في كتاب فتح الباري: ج 7 ص 74.

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» لعلي بن أبي طالب».

13

313- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا أبو سعيد الرازي قال:

أخبرنا أبو أحمد بن منينة قال: أخبرنا الحضرميّ قال: حدثنا يزيد بن مهران قال:

حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي (عليه السّلام) مثله.

314 (1)- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن علي قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البوسنجاني؟

ب «همذان» قال: حدثنا يونس بن حبيب الأصفهاني قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال/ 455/: أخبرنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب:

عن سعد بن أبي وقّاص، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه قال: «عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى».

315- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم قال:

حدثنا أبو الطيّب الخيّاط قال: حدثنا الحسين بن الفضل قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال: حدثنا يوسف بن الماجشون قال: أخبرني محمّد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيّب، عن عامر بن سعد:

عن أبيه سعد بن أبي وقّاص، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه قال لعلي: «أنت‏

____________

(1) 314- رواه الطيالسي بأسانيد في مسند سعد، من مسنده ص 28 قال: [أخبرنا شعبة] عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص يحدّث عن سعد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعلي: أ لا ترضى بأن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى.

و أيضا قال أبو داود: حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن سعد قال: خلّف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول اللّه أ تخلّفني في النساء و الصبيان؟ فقال: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي.

و أيضا قال أبو داود: حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي رضي اللّه عنه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى».

14

منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس معي نبيّ».

قال سعيد: فأحببت أن أشافه بذلك سعدا، فأتيته فذكرت ذلك له و لعامر، و أنّ عامرا قال: نعم سمعت [أنت- مخاطبا لأبيه-] قلت: أنت سمعت [النبي يقوله‏].

قال [سعيد بن المسيّب‏]: فأدخل [سعد] إصبعيه [في‏] أذنيه [و] قال: نعم [سمعته‏] و إلّا فاستكّتا.

316- (1) و أخبرنا محمّد بن أبي زكريّا قال: أخبرنا أبو بكر العدل قال: أخبرنا أبو العبّاس الدغولي و أبو علي إسماعيل بن محمّد الصفّار البغدادي، قال الدغولي:

أخبرنا- و قال الصفّار: حدّثنا- أبو قلابة عبد الملك بن محمّد بن عبد اللّه الرقاشي قال: سمعت أبا حفص الصيرفي [عمرو بن علي بن بحر] قال:

قال عبد الرحمن بن مهدي: هاتوا/ 456/ عن سعد في هذا الحديث حديثا صحيحا؟ [قال أبو حفص الصيرفي:] فجعلت [أقول: الحديث‏] أخذته عن فلان و فلان، فسكت؟ فقلنا؟: حدثنا محمّد بن جعفر و يحيى بن سعيد القطّان قالا:

حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد:

[عن أبيه سعد بن أبي وقّاص‏]، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه قال لعليّ في غزوة تبوك: «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

قال [أبو حفص الصيرفي: فلمّا ذكرت له الحديث بهذا السند] فكأنّما ألقمته حجرا (2).

قال أبو بكر [العدل: الحديث‏] أخرجاه [أي البخاري و المسلم‏] جميعا (3).

____________

(1) 316- و الحديث رواه الخليل بن عبد اللّه بن أحمد الخليلي القزويني المتوفّى سنة 446 في ترجمة ...

(2) إنّما كان ابن المهدي يكابر حول صحّة الحديث لضنّ النواصب عن جعل الحديث و أسانيده و مصادره بمتناول الناس، لأنّهم كانوا يخافون من خلوّ سلفهم عن تلك المكارم أن يطّلع النّاس على انحطاطهم و وصمتهم!!!

(3) أي أخرجه البخاري و مسلم معا، أمّا البخاري فرواه في الحديث الثاني من باب‏

15

____________

غزوة تبوك من كتاب المغازي من جامعه: ج 6 ص 3.

و رواه أيضا في مواضع من جامعه و تاريخه الكبير.

و أمّا مسلم فرواه في الحديث الثاني من باب فضائل أمير المؤمنين (عليه السّلام) من كتاب الفضائل تحت الرقم 2404 من صحيحه: ج 7 ص 120.

و الحديث متواتر في أكثر ألفاظه، و قد رواه الحافظ أبو حازم العبدوي بخمسة آلاف إسناد، كما رواه عنه الحافظ الحسكاني في ذيل الحديث 205 من كتاب شواهد التنزيل: ج 1 ص 152 ط 1.

و يكفي لصدق تواتر الحديث الرجوع إلى الحديث 456- 336 من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 1 ص 495- 306.

ثمّ إنّ المصنّف تقليدا لسلفه ذكر بعد قوله: «أخرجاه جميعا» ما لفظه: «و معنى الحديث:

أنّ النبيّ صلى اللّه عليه جعل المرتضى (رضوان اللّه عليه) موضع سرّه و تسديده أزره كما أنّ هارون كان موضع سرّ موسى (عليهما السّلام) لا على معنى الخلافة بعد موته ...».

أقول: المتبادر إلى أذهان أهل اللسان من قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» أنّ جميع ما كان ثابتا لهارون من ناحية أخيه موسى من الخصال الكريمة و السجايا السنيّة، كان ثابتا لعليّ بالنسبة إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، إذ المضاف و هو المنزلة عامّ غير مخصّص بشي‏ء و غير مستثنى منه شي‏ء غير النبوّة، فلو لا هذا الاستثناء كانت النبوّة أيضا داخلة في العموم، و من أجل أنّ الكلام كان يشمله لو لا الاستثناء استثناه و أخرجه من عموم المنزلة، فلو لم تكن المنزلة المضافة إلى هارون عامّة لم يكن مورد لاستثناء النبوّة، فالاستثناء قرينة ثانية لعموم المنزلة فما خرج من عموم المنزلة غير النبوّة و غير ما قامت القرينة القطعيّة على كونه خارجا و غير مراد و غير داخل في عموم المنزلة، مثل ما لم يكن من صفات الكمال، و مثل كونه أخا لموسى من أبيه و أمّه، حيث أنّ مثل هذه الأمور أمر تكوينيّ لا يتحقّق بالاعتبار و الجعل التشريعي، فمثل هذه الأمور لم تكن داخلة في العموم حتّى تحتاج إلى الإخراج و الاستثناء من عموم المنزلة، و لهذا أثبت له (عليه السّلام) الأخوّة الاعتباريّة عند ما اخا بين أصحابه و قرن كلّ شنّ بطبقه في يوم المؤاخاة، فقال لعليّ: «أنت أخي و أنا أخوك في الدنيا

16

____________

و الآخرة».

فالنبوّة خرجت من عموم المنزلة بالاستثناء، و ما لم تكن من صفات الكمال، و ما كان من الأمور التكوينيّة كانا من الأصل و البداية خارجان من مدلول المنازل الكريمة الموهوبة، و غيرها من المعالي بقي في عموم المنزلة لم يخرجها شي‏ء، و من المنازل الباقية تحت العموم عصمته (عليه السّلام)، و منه أفضليّته على جميع الأمّة، و منها أعلميّته، و منها فرض طاعته و وجوب اتّباعه و حرمة مخالفته و التخلّف عنه.

و في نهاية الوهن ما ذكره المصنّف بعده من قوله: «لأنّه لو أراد [النبي من قوله هذا الخلافة] بعد موته لقال: «بمنزلة يوشع بن نون» لأنه كان خليفة موسى على قومه بعد موته».

و إنّما قلنا إنّ قول المصنّف هذا في غاية الوهن، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أراد من هذا الكلام التشبيه التامّ و الموهبة الكاملة و التكرمة السابغة لعليّ (عليه السّلام)، و إنّ هذه الموهبة تخصّ عليا ما دام هو حيّ و بعد وفاته تكون لأولاده وراثة عنه.

و ممّا يدلّ على ذلك ما رواه المحبّ الطبري و غيره من أنّه لمّا ولد الحسن (عليه السّلام) انتظر النبيّ و أهل بيته (عليهم السّلام) أمر اللّه تبارك و تعالى في تسمية المولود المسعود و هو الإمام الحسن (عليه السّلام)، فنزل جبرئيل و قال: سمّه باسم ولد هارون، لأنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى، و ولده بمنزلة ولد هارون ...

فمن ذلك اليوم جعل اللّه تعالى لعليّ و ذريّته منزلة هارون و ولده في الخلافة و الوصاية، فلو قال اللّه تبارك و تعالى أو نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي: «أنت منّي بمنزلة يوشع من موسى» لم يكن الكلام وافيا لتمام مقصود اللّه تعالى و رسوله، لأنّ وصاية يوشع و خلافته كانت محدودة به، و لم تكن لولده حظّ فيها، و أنّ خلافته إنّما ممتدّة إلى زمان إدراك ولد هارون، و بعده لا خلافة ليوشع بل تكون الخلافة و الزعامة لولد هارون، و يجب على يوشع أن يسلّم إليهم زمام الأمر و يعهد إليهم من اللّه و رسوله موسى (عليه السّلام) أنّ الخلافة مستمرّة فيهم و في أحفادهم بدوام شريعة موسى (عليه السّلام)، و أنّه بعد إدراكهم لا حظّ ليوشع و لا لبنيه في الخلافة و الزعامة.

فقد تحقّق أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لو كان يقول لعليّ: «أنت منّي بمنزلة يوشع من موسى» لم يكن كلامه وافيا لمقصوده و كان ناقضا لغرضه، و النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

17

____________

لا يخلّ بغرضه و لا ينقض هدفه، و لا يعصى اللّه فيما أمره!!!

و ما أوهن قول المصنّف: «و إن أراد [النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من قوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»] الخلافة [لعلي‏] في حياته، فكان [علي خليفة له‏] على الّذين لم يخرجوا مع الرسول (عليه السّلام) في تلك الغزاة، كما أنّ هارون (عليه السّلام) لم يكن خليفة موسى (عليه السّلام) على السبعين الّذين خرجوا معه إلى الجبل، و إنّما كان خليفة على القوم الّذين لم يخرجوا معه».

وجه الأوهنيّة أنّ لفظ الدليل عامّ تفيد الخلافة العامّة الدائمة من حين إعطائها و موهبتها إلى آخر عمر الموهوب له، و العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد، فالنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أعطى عليّا خلافة مطلقة دائمة، و وهبها زعامة عامّة مستمرّة على جميع الأمّة حاضرها و غائبها، كما هو الشأن في جميع المناصب الّتي يعطي من بيده الحلّ و الفتك، مثل الملوك و أمثالهم لبعض النّاس، فإنّ الجعل و الإعطاء لا يتوقّف على حضور الرعايا، بل متوقّف على إرادة من بيده النصب و الجعل، و مدلول حديث المنزلة غير خارج عمّا هو المعتاد عند العقلاء و ذوي الأمر و الحكم، فالنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بما أنّ له الحكم و الأمر بموهبة من اللّه تعالى أعطى عليّا الخلافة المطلقة الدائمة بقوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى».

و بعد هذا الإعطاء و الجعل و النصب، أصبح عليّ خليفة النبيّ و قائدا و زعيما على جميع الأمّة الإسلاميّة، و صار جميع تصرّفات عليّ في شؤن الأمّة بعنوان النيابة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و بعنوان أنّه خليفة النبيّ، و كانت تلك التصرّفات بعنوان النيابة و الفرعيّة عن تصرّفات النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و في طوله، لا في عرضه.

و جميع العقلاء متدينها و غيرهم على هذا المنهاج الفطري، فلو وهب ملك خلافته و سلطنته بعنوان العموم و الإطلاق لبعض إخوته أو بنيه أو أيّ شخص، فبعد موهبته له، لا يشكّ أحد ممّن علم بتلك الموهبة أنّ الموهوب له صار ذا حظوة بخلافة الملك في حياته، غير أنّه ما دام الواهب موجود يكون تصرّف الموهوب له و الخليفة في الأمور العامّة، بعنوان الفرعيّة و التبعيّة لا في عرض تصرّف الواهب و بحياله.

و قول العاصمي بعده: «إذ لو أراد المصطفى (عليه السّلام) الخلافة بعد موته لوجب أن يكون المخبر،

18

____________

على حسب ما أخبر كسائر ما أخبر [به‏] عن الكوائن، و لو كان المراد به الخلافة بعد موته و حصل الأمر على خلاف ما قال، لكان للملاحدة فيه مطعن و مقال، و لأنّ هارون مات قبل موسى (صلوات اللّه عليه)، فلم يكن خليفته بعد موته».

و هذا القول من المصنّف أيضا عليل من جهات:

الأولى من جهات ضعفه هو ما أشرنا إليه الآن من أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله:

«أنت منّي ...» أعطى عليّا خلافة دائمة مطلقة غير مقيّدة ببعد وفاته (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و بعد هذا الإعطاء و الموهبة صار خليفة مطلقة للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في حياته، و بما أنّ خلافته لم تتعقّب بعزل، استمرّت إلى بعد وفاة النبي و ورثها منه أولاده (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و بما ذكرناه تبيّن أنّه لا محصّل لما ذكره المصنّف بعد ذلك من قوله: «لوجب أن يكون المخبر على حسب ما أخبر ...» إذ كلام النبي و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إنشاء و إيجاد و إعطاء، و الإنشاء لا يتسرّى إليه الكذب، إذ الصدق و الكذب من خواصّ الإخبار لا الإنشاء، فبمجرّد قول النبي لعلي: «أنت منّي ...» قد حصل مراد النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و هو خلافة عليّ و زعامته على الأمّة، و لم يتخلّف مراده عن إرادته، كما يحصل البيع من البائع بقوله للمشتري: «بعتك كذا و كذا بكذا و كذا»، و كما يحصل الوقف من الواقف إذا بنيّة الوقف يقول: «وقفت ضيعتي أو داري أو كذا»، و كما يحصل عتق المملوك بمجرّد قول مالكه بعنوان تحرير عبده: «أعتقتك في سبيل اللّه»، و ما أكثر أشباه هذه الأمور في اعتبارات العقلاء، منها الزواج و الطلاق.

فقد تجلّى أنّه قد حصل مراد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- و هو جعل الخلافة لعليّ- بمجرّد قوله لعليّ بداعي إعطاء الخلافة له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ...» كما حصل نبوّة هارون و رسالته بمجرّد قوله تعالى له و لموسى: اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏* فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ و إن كان فرعون و قومه لم يقبلوا رسالة موسى و هارون، و هل يزعم المصنّف أنّ عدم قبول فرعون و قومه رسالة موسى و هارون من جملة أسباب طعن الملاحدة في قول اللّه تعالى!!!

19

و كفى المرتضى بها شرفا إذ أحلّه المصطفى (عليه السّلام) محلّ يونس و يوسف و عيسى (عليهم السّلام) حيث قال: «لا تفضّلوني على أخي يونس» (1).

و قال: «أخي يوسف». و قال أيضا: «ألا طال شوقي إلى لقاء الإخوان قبلي».

____________

و العجب من المصنّف مع كونه أديبا خفي عليه الأمر و الفرق بين الإنشاء و الإخبار، و من الواضحات عند الأدباء و العقلاء أنّ الإنشاء لا تكون مسرحا للصدق و الكذب، و أنّه لا يتخلّف المنشأ عن الإنشاء، و أنّ وصف الصدق و الكذب من خواصّ الإخبار.

فقد تحقّق أنّ ما أنشأه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من خلافة عليّ على الأمّة من جانبه لم يتخلّف عن مراده، قبله الأمّة أو لا، فهو خليفته على كلّ حال، و عدم قبول الأمّة لخلافته لم يكن من إنشاء النبي حتّى يقال بتخلّف مراده عن إرادته.

هذا كلّه إذا كان جملة: «أنت منّي ...» إنشاء.

و لو جارينا مع المصنّف- و قلنا: إنّ الكلام إخبار و ليس بإنشاء- أيضا لا مورد لما ذكره المصنّف، إذ محصّل كلام النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل منزلة عليّ من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كمنزلة هارون من موسى، فأين التخلّف عن المراد و لزوم الكذب حتّى يستلزم طعن الملاحدة، مع كثرة شواهد مساواة منزلة هارون و علي (عليهما السّلام) فليراجع ما رواه الحافظ الحسكاني و غيره في تفسير الآية 29 و ما بعده من سورة (طه) في كتاب شواهد التنزيل و غيره.

ثمّ أيّ وقع لطعن الملاحدة حتّى يستوحش العاصمي منه!!! أ ليس الملاحدة و الكفّار طعنوا مكابرة في كثير من الحقائق القرآنيّة، أ ما قال الملاحدة و الكفّار للمؤمنين ما حكى اللّه تعالى عنهم في الآية 29 و ما بعده من سورة المطفّفين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏ ... وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ‏.

(1) ما اطّلعت على مصدر للحديث و ما بعده.

20

و أمّا الودّ و المحبّة

فقوله عزّ و جلّ: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏ [39/ طه: 20] أي كلّ من يلقاك أحبّك.

ذكر عن بعض العلماء [أنّه‏] قال: تصدّى إبليس لموسى الكليم (صلوات اللّه عليه) فقال له اللعين: سلني يا موسى عن ما شئت فإنّي أحبّك! [ف] قال له موسى:

و ما أصنع بمحبّتك؟ كيف تحبّني و أنت عدوّ اللّه و أنا كليمه؟ فقال [له إبليس‏]: لا بدّ لي من محبّتك، لأنّ اللّه تعالى قال: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏!

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) ألقى اللّه عزّ و جلّ محبّة منه عليه، فلا يسمع بشجاعته شجاع إلّا أحبّه و إن كان كافرا، و لا يسمع بزهده أحد إلّا أحبّه و إن كان راغبا، و لا يسمع بفصاحته فصيح إلّا أحبّه و إن كان ملحنا، و لا يسمع/ 458/ بخصاله و أخلاقه مؤمن و لا كافر إلّا أحبّه، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِح‏اتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [96/ مريم: 19] قيل: نزلت في علي بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه)(1).

317- أخبرنا محمّد بن أبي زكريّا قال: أخبرنا أبو إسماعيل ابن محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الفقيه قال: أخبرنا يحيى بن محمّد العلوي قال: أخبرنا أبو عليّ محمّد بن أحمد بن الحسن الصوّاف ببغداد قال: حدثنا علي بن الوليد بن النعمان الغازي؟

قال: حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي قال: حدثنا خالد بن يزيد، عن حمزة الزيّات، عن أبي إسحاق:

عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ بن أبي‏

____________

(1) و للحديث مصادر و أسانيد كثيرة يجد الطالب أكثرها في تفسير الآية الكريمة في الحديث 490 و ما حوله من كتاب شواهد التنزيل: ج 1 ص 465.

21

طالب: «يا علي قل: اللهمّ اجعل لي عندك عهدا و اجعل لي في صدور المؤمنين مودّة». [فقالها علي (عليه السّلام)‏] فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا.

318- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن علي قال: حدثنا أبو العبّاس الفضل بن محمّد العبدي قال: حدثنا الحسن بن علي قال:

حدثنا إسحاق بن بشر الكوفي قال: حدثنا خالد بن يزيد، عن حمزة الزيّات، عن/ 459/ أبي إسحاق السبيعي:

عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ذكر الحديث بنحوه.

319- و فيما روي عن أحمد بن سيّار (1) قال: قلت لأبي السؤال؟ سعدة بن زهير الإسكندراني‏ (2): أحدّثك وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم [أنّه‏] قال:

قال عبد اللّه بن مسعود: «لو أحبّ أهل الأرض عليّا حبّ أهل السماء ما عذّب اللّه منهم أحدا»!!!

320- و روى أيضا أحمد، عن هانئ بن المتوكّل الإسكندراني‏ (3) قال:

حدّثنا محمّد بن عياض الأنصاري، عن مشرح [بن‏] هاعان [المصري‏]:

عن عقبة بن عامر قال: كنت عند النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ذات يوم إذ قدم عليه بالفي‏ء فأعطى النّاس سهما و أعطى عليّا ثلاثة أسهم، فقال النّاس: يا رسول اللّه أعطيتنا سهما و أعطيت عليّا ثلاثة أسهم و هو جالس في بيته؟! فأطرق‏

____________

(1) ما وجدت فيما عندي من كتب الرجال ترجمة لأحمد بن سيّار؛ و لا لسعدة بن زهير الإسكندراني.

(2) لم أجد له ترجمة.

(3) لهانئ بن متوكّل الإسكندراني هذا ترجمة في حرف الهاء من لسان الميزان: ج 6 ص 186.

22

النبيّ صلى اللّه عليه طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: «هذا جبرئيل أخبرني عن ربّي عزّ و جلّ أنّه أدخله و أخرجكم و أعطاه و حرمكم و قدّمه و أخّركم»!!!

فقالوا: يا نبيّ اللّه ما أكرم عليّا على اللّه؟ [ف] قال: «و الّذي نفسي بيده ما أتاني جبرئيل ليلا و لا نهارا إلّا قال لي: يا محمّد، الملائكة يقرءون على عليّ السلام»!!! (1)

ثمّ قد كانت للمرتضى (رضوان اللّه عليه) زيادة في التربية/ 460/ لم تكن لموسى (عليه السّلام) و هي أنّه كانت تربية موسى في حجر فرعون و لذلك قال [على ما حكى اللّه تعالى عنه في الآية: 18 من سورة الشعراء: 26]: أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ‏؟ و كان تربية المرتضى (رضوان اللّه عليه) في حجر المصطفى (صلوات اللّه عليه)(2) فشتّان بين التربيتين.

يدلّك عليه ما ذكرناه في حديث بدء إسلام المرتضى (رضوان اللّه عليه) [و سقنا هناك قول الراوي‏] إلى أن قال: ففعل عليّ و أسلم فمكث يأتيه على خوف من‏

____________

(1) و قريبا من صدر الحديث رواه مسندا الشيخ الصدوق (رحمه الله) في الحديث: (8) من المجلس: (58) من أماليه ص 326.

و أيضا قريبا منه؛ رواه السيّد أبو طالب في أماليه كما في الباب الثالث من تيسير المطالب ص 68 ط 1.

و أيضا قريبا منه رواه الحسين بن محمّد بن الحسن بن نصر الحلواني من أعلام القرن السادس نقلا عن عليّ بن حرب؛ عن سفيان بن عيينة؛ عن ليث عن مجاهد؛ عن ابن عبّاس [...] كما في الباب الثالث من كتاب مقصد الراغب.

و أيضا قريبا منه؛ رواه الحافظ السروي في عنوان: «محبّة الملائكة إيّاه» من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 238 ط بيروت.

و أيضا قريبا منه رواه شمس الدين الباعوني المتوفّى سنة: (871) في الخصيصة الثانية عشر في الباب الثاني عشر من كتاب جواهر المطالب: ج 1؛ ص 78 ط 1.

و أيضا قريبا منه رواه الخفاجي المتوفّى سنة: (1069) في الخصيصة الثالثة عشرة من خصائص عليّ (عليه السّلام) في خاتمة تفسير آية المودّة ص 214 ط 1.

(2) و كفى بذلك سعادة و سيادة.

23

أبي طالب و كتم إسلامه و لم يظهر به‏ (1).

ثمّ أسلم زيد بن حارثة، فمكثا قريبا من شهر يختلفان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه قبل [إشاعة] الإسلام‏ (2) و كان ممّا أنعم اللّه على عليّ أنّه كان في حجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل [أن يؤمر بدعوة النّاس إلى‏] الإسلام.

____________

(1) كذا في روايات المنقطعين عن أهل البيت.

(2) و انظر ما تقدّم في عنوان: «بدء إسلام المرتضى (سلام اللّه عليه)» من جهات شبه عليّ (عليه السّلام) مع آدم الصفيّ (صلوات اللّه عليه) في الذهن و الفطنة؛ من هذا الكتاب/ الورق 344/ و في هذه الطبعة: ج 1؛ ص 296 و ما حولها.

24

و أمّا الأذى و المحنة

كانت محنة موسى (عليه السّلام) و محنة قومه من قبل حكّام مصر و نواحيها، فقد كانوا [يتعاملون مع بني إسرائيل بأقصى القساوة و الغلظة، كانوا] يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم، إلى أن أغرق اللّه تعالى فرعون و قومه و أورث موسى مصر و ما فيها.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، قد كانت محنته و محنة أهل البيت من قبل الحكّام إلى أن أدّاهم إلى الاستخلاء، و قتل الحسين بن علي بكربلاء، و إلى الاستحياء، إلى أن يورثهم اللّه تعالى الشام و نواحيها، و تلك الديار و ضواحيها، و يبسط/ 461/ لهم وجه الأرض أدانيها و أقاصيها، بقيام قائم أهل البيت [(عليهم السّلام)‏] فلا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم أهل البيت خليفة اللّه في أرضه المهديّ ابن محمّد بن عبد اللّه‏ (1) فينتقم من الأعداء، و يظهر العدل و يرفع به جميع اللأواء.

321- أخبرني جدّي أحمد بن المهاجر قال: أخبرنا أبو علي الهروي، عن المأمون بن أحمد قال: حدثنا هشام بن عمّار الدمشقي قال: أخبرنا الوليد بن المسلم، عن ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن قيس:

عن جابر الصدفي قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يكون بعدي خلفاء، و بعد الخلفاء أمراء، و بعد الأمراء ملوك، و بعد الملوك جبابرة، و بعد الجبابرة رجل من أهل بيتي يملأ الأرض قسطا و عدلا، و من بعده القحطاني، و الّذي بعثني بالحقّ ما هو دونه» (2).

____________

(1) إن صحّ سند الحديث الذي يذكر هذا فهو من باب النسبة إلى الجدّ، و هو شائع عند العرب.

(2) و انظر ما تقدّم في تعليق الحديث: (251) و ما بعده في ج 1؛ ص 328- 382.

25

و أمّا ميراث الملك و الأمر [ة] (1)

فإنّ اللّه سبحانه حكم بانقضاء أمر فرعون و انتهاء محنة موسى (عليه السّلام) و قومه، و أراهم ما كان [وعده‏] إيّاهم كما قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ‏ (2) [28- 25/ الدخان: 44].

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) و أهل بيته لمّا حان وقت [فناء] الأعداء، و اذن أمرهم بالانقضاء، يورثهم اللّه تعالى ملكهم، و يعجل إلى حصادهم هلكهم، فمنها ما عجّل/ 462/ لهم، و منها ما أخّره إلى وقت قيام قائم أهل البيت [(عليه السّلام)‏]، فتشابهت القضيّتان، قال الشاعر:

و وديعة من سرّ آل محمّد* * * ضمّنتها و جعلت من أبنائها؟

فإذا رأيت الكوكبين تقاربا* * * بالشرق [ظ] عند صباحها و مسائها

فهناك يطلب ثار آل محمّد* * * و طلابها بالترك من أعدائها (3)

____________

(1) ثمّ إنّا ذكرنا في تعليق قوله: «الثالث بالعصا و القوّة» في بداية مشابه موسى (عليه السّلام) في صفحة 5 أنّ أمرين من الشبة الثمانية غير مذكورين في أصلي المخطوط، و الستّة المذكورة فيه أيضا لم يذكر على طبق ما ذكره المصنّف في بداية تعداده الشبه المذكورة، بل ذكرها على غير نسق ما ذكرها أوّلا، و الظاهر أنّ هذا حصل من كتاب الأصل، فليبحث عن مخطوطة أخرى للكتاب.

(2) كذا في الآية 25 و ما بعدة من سورة الدخان، و في الآية 57 و ما بعدها من سورة الشعراء: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ‏.

(3) لم يتيسّر لي معرفة قائل الأبيات المذكورة.

26

ذكر مشابه داود ذي الأيد (صلوات اللّه و سلامه عليه)

و وقعت المشابهة بين المرتضى (رضوان اللّه عليه) و بين داود (عليه السّلام) بثمانية أشياء:

الأوّل: بالعلم و الحكمة.

و الثاني: بالتفوّق على إخوانه في صغر سنّه.

و الثالث: بالمبارزة بقتل جالوت.

و الرابع: بالغدر معه من طالوت إلى أن أورثه اللّه ملكه.

و الخامس: بإلانة الحديد.

و السادس: بتسبيح الجوامد معه.

و السابع: بالولد الصالح.

و الثامن: بفصل الخطاب.

و عاش [داود] مائة سنة، و ملك أربعين سنة، و هو داود ابن إيشا.

أمّا العلم و الحكمة

فقوله تعالى: وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ [251/ البقرة: 2]، فجمع اللّه لداود (عليه السّلام) بين العلم و الملك، و ليس سلطان أعلى من سلطان العلم.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) اتاه اللّه الملك و العلم و الحكمة، فلذلك قال/ 463/ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «يا علي ملئت علما و حكمة»، و قد تقدّم ذكرها (1).

____________

(1) تقدّم ذكر الحديث في أوّل عنوان: «و أمّا العلم و الحكمة» في الأمر الخامس من جهات‏

27

322- و روي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنّه قال: كنت وليت [إدارة أمر] خزائن الحكمة أيّام الرشيد سبع سنين، فأتيت على جميع ما فيها فما رأيت كلمة إلّا أتيت بمثلها أو شبهها ما خلا عشر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه):

إحداها قوله [(عليه السّلام)‏]: «قيمة كلّ امرئ ما يحسنه» (1).

و الثانية: «النّاس أعداء ما جهلوا» (2).

و الثالثة: «المرء بأصغريه» (3).

و الرابعة: «ما هلك امرؤ عرف قدره» (4).

و الخامسة: «كلّ ما يصعد في الهام فاللّه بخلافه» (5).

و السادسة: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (6).

____________

المشابهة بين عليّ و آدم (عليهما السّلام)؛ في ج 1/ الورق 191/ أو ص 148 ط 1.

(1) للكلام مصادر كثيرة؛ و رواه أيضا السيّد الرضيّ في المختار: (81) من الباب الثالث من نهج البلاغة.

(2) و هذا الكلام أيضا رواه السيّد الرضيّ رفع اللّه مقامه في المختار: (172؛ و 438) من قصار نهج البلاغة.

(3) و الكلام من الأمثلة السائرة؛ و نسبته إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام)- كما رواه المؤلّف هاهنا عن الجاحظ- غير معهود لي.

(4) الكلام قد رأيته منسوبا إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في بعض المصادر و لكن لم يتيسّر لي مراجعته.

(5) هذا هو الصواب؛ و في أصلي: (كلّ ما يصعد في الإلهام ...) و الهام: جمع الهامة: الرأس.

الدماغ؛ قيل: و منه بنات الهام: مخّ الدماغ.

و لا عهد لي بمصدر يذكر الكلام عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)؛ نعم رأيت في غير واحد من المصادر معنى الكلام منسوبا إلى الإمام الباقر (عليه السّلام).

(6) لم أعهد مصدرا يذكر الكلام بهذه الصورة عن أمير المؤمنين (عليه السّلام).

28

و السابعة: «أحمد اللّه شكره، و استغفره قدره» (1).

و الثامنة: «بقيّة عمر المرء لا قيمة لها، بها يدرك ما فاته، و يحيي ما أماته» (2).

و التاسعة: «استغن عمّن شئت تكن نظيره، و احتج إلى من شئت تكن أسيره، و تفضّل على من شئت تكن أميره» (3).

و العاشرة: «لا رأي لمن لا يطاع» (4).

و قال رضي اللّه عنه: قبلة الولد رحمة؛ و قبلة المرأة شهوة؛ و قبلة الوالدين عبادة؛ و قبلة الأخ أخاه دين‏ (5).

323- و [أيضا] قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه:

النّاس من جهة التمثال أكفاء* * * أبوهم آدم و الأمّ حوّاء

فإن لم يكن لهم في أصلهم نسب* * * يفاخرون به فالطين و الماء

ما الفضل إلّا لأهل العلم إنّهم* * * على الهدى لمن استهدى أدلّاء

و العالمون بأهل الجهل عاطفة* * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء (6)

____________

(1) لا عهد لي بمصدر ينسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام).

(2) قد رأيت الكلام مرويّا عن أمير المؤمنين عليه في مصدر أو مصادر و لكن لم يتيسّر لي المراجعة.

(3) ببالي أنّ هذا الكلام رواه الجاحظ أيضا في كتاب البيان و التبيين.

(4) و هذا الكلام جاء عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في ذيل غير واحد من خطبه (عليه السّلام) منها المختار: (27) من نهج البلاغة.

(5) لا عهد لي بمصدر ينسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام).

(6) كذا في أصلي؛ و للأبيات مصادر؛ و رواها أيضا ابن عبد البرّ في كتابه: جامع بيان العلم ص 58 ط المكتبة السلفيّة بالمدينة المنوّرة؛ و فيه اثنى عشر شطرا؛ و في الشطرين الأخيرين فيه هكذا:

و ضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله* * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء

29

و أمّا التفوّق على إخوانه في صغر السنّ‏

فإنّ داود (عليه السّلام) كان أصغر إخوانه سنّا، فاستخفّه من رآه يوم جالوت لصغر سنّه‏ (1) و تفوّق إخوانه إيّاه في كبرهم، و لذلك منعوه عن الخروج إلى طالوت حتّى طلب المبارزة، و لم يزريه صغر سنّه إذ جعل اللّه سبحانه على يديه قتل ذلك الجبّار.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) كانوا يزرونه بصغر سنّه فيهم و يظنّون بأنّ ذلك يضع به، و لم يكن كذلك إذ جعل اللّه سبحانه على يديه قتل الطغاة و الغباة و الأبطال و الشراة، كما ذكر من حديث عمرو بن عبد ودّ و مرحب اليهودي و سائر الأبطال المعروفين، و لذلك خرج عليه من خرج‏ (2).

و أمّا المبارزة و قتل جالوت‏

فإنّ داود (عليه السّلام) أكرمه اللّه سبحانه بمبارزة الشجعان و مناجزة الأقران، فأورثه اللّه تعالى بها ما أورثه من الإكرام و الإحسان.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) أكرمه اللّه بالمبارزة و القتال و مناجزة الأبطال/ 465/ و كفاك ما كان منه [في خروجه إلى الأبطال في المعارك و المغازي أنّه و] لم ينج عنه و عن ضربه إلّا [من‏] تكشّف عورته و هتك ستره في حربه‏ (3)،

____________

(1) هذا هو الظاهر؛ و في أصلي: (فاستخفّوه من رآه يوم جالوت ...).

(2) كذا في أصلي المخطوط.

(3) كعمرو بن العاص و بسر بن أرطاة أخزاهما اللّه تعالى، و لذلك قال الإمام علي بن الحسين (عليهما السّلام) لطاوس لمّا سأله: «ما بال قريش لا تحبّ عليّا؟» فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام):

«لأنّه أورد أوّلهم النار و ألزم آخرهم العار»!!

كما في الحديث 741 من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 2 ص 229.

و رواه أيضا الوزير الآبي- المتوفى سنة 422- بسند آخر في كلم الإمام السجاد (عليه السّلام) من كتاب نثر الدرر: ج 1 ص 337 ط مصر.

و رواه عنه المجلسي (رحمه الله) في أواخر مواعظ علي بن الحسين (عليهما السّلام) من بحار الأنوار: ج 17 ص 160 ط كمباني، و في طبع الآخوندي: ج 78 ص 159.

30

فأورثه اللّه تعالى بها الثناء الحسن في الآخرين، و الجزاء الأوفر يوم الدّين.

و أمّا الغدر معه من طالوت‏

فإنّ طالوت كان قد عهد لمن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته و يقيمه في ملكه مقام نفسه، فلمّا قتل داود جالوت غدر به طالوت، و همّ [به‏] إلى أن هرب عنه داود (عليه السّلام)(1).

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، قد كانت له من السوابق و الآيات و المقامات في الدين و نصر [ة] المسلمين ما كان يجب أن يراعى معها فيه [كلّ المراعاة] و لا يخرج عليه بسيف و لا على دونه؟ زيادة على ما كان من إيصاء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بشأنه و الأخذ بالعهود منهم على تمكينه في سلطانه، فغدروا به حيث خرجوا [عليه‏] و نكثوا العهود، و تركوا العقود، كطلحة و الزبير و غيرهما (2).

ثمّ إنّ اللّه تبارك و تعالى أورث داود (عليه السّلام) ملك طالوت.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، ملك طلحة و الزبير و عائشة/ 468/.

____________

(1) فليراجع في تفصيل ذلك إلى الآثار الصحيحة الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام).

(2) ممّن تقدّمهما و من تأخّر عنهما.

31

و أمّا إلانة الحديد [لداود (عليه السّلام)‏]

فقوله عزّ و جلّ: وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ [11/ سبأ: 34].

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، رجع إلى الكرامات و الآيات الّتي شاكلت كراماته أو فاقتها!

فمنها أنّه حوّل له الخشب حديدا، كما ذكر [ذلك‏] في ذي الفقار (1).

324- أخبرنا محمّد بن أبي زكريّا قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن إسماعيل الفقيه البلخي- قدم [إلينا] حاجّا- قراءة عليه و كتبته من كتابه، قال: أخبرنا الشيخ عبد الملك بن محمّد بن أحمد بن شبيب، قال: حدثنا يوسف بن يونس قال:

حدثنا أسباط، عن أبان:

عن أنس قال: خرجت مع علي بن أبي طالب و ذي الجناحين جعفر- رضي اللّه عنهم- فأصابنا جهد من الجوع، فصلّى عليّ ركعتين ثمّ قال في آخر جلسته:

«يا اللّه يا دائم، يا حيّ يا قيّوم، يا فرد يا بارّ، يا رحيم يا ذا الجلال و الإكرام، ارزقني و ارزق أصحابي».

قال [أنس‏]: فلا و اللّه ما انفتل [عليّ‏] من صلاته حتّى رأينا ناقة عليه تمر، فلمّا انتهت إلى علي بركت، فأخذ عليّ منها شيئا ثمّ سرّحها، فلا أدري من السماء أتت أم من الأرض‏ (2).

325- و أخبرنا محمّد بن أبي زكريّا قال: و فيما أجاز لنا أبو سعيد أحمد بن محمّد بن إبراهيم، و أخبرنا عنه أبو القاسم عبد الحميد بن أحمد/ 469/ الشاشي سمعه‏

____________

(1) هذه القصّة غير معهود لي عن مصدر وثيق.

(2) ما اطّلعت على هذا الحديث في غير هذا الكتاب.

32

من الشيخ أبي سعيد، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمّد بن علي بن الحسين قال: حدثنا محمّد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي هارون العبدي:

عن أبي سعيد الخدري قال: كان لعلي بن أبي طالب من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دخلة لم تكن لأحد غيره، و كانت للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من عليّ دخلة لم تكن لأحد غيره‏ (1) و كانت [من جملة] دخلة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من عليّ أنّ النبيّ (عليه السّلام) كان يدخل عليه كلّ يوم، فإن كان عندهم شي‏ء قرّبوه إليه، فدخل [عليهم‏] يوما فلم يجد عندهم شيئا [فمكث هنيئة ثمّ خرج‏] فقالت فاطمة [(عليه السّلام)‏] حين خرج النبي (عليه السّلام): قد كنّا عوّدنا رسول اللّه عادة فخرج [عنّا] النبي (عليه السّلام) [هذه المرّة] و لم يجد شيئا.

فقال عليّ [(عليه السّلام)‏]: اسكتي أيّتها المرأة فإنّ النبي (عليه السّلام) أعلم بما في بيتنا منك.

قالت: فاذهب عسى أن تصيب لنا شيئا أو تجد أحدا يسلفك شيئا.

فخرج [علي (عليه السّلام) إلى السوق‏] فلم يجد [شيئا] فبينا هو في السوق يمشي إذ وجد دينارا فأخذه ثمّ نادى: من يعرف الدينار؟ فلم يجد أحدا يعرفه، فقال [في نفسه‏]:

و اللّه لو أنّي أخذت هذا فاشتريت به طعاما و كان سلفا عليّ [ف] إن جاء صاحبه عرضته له.

فعرض له رجل فباعه [به‏] طعاما، فلمّا استوفى/ 470/ عليّ طعامه ردّ إليه‏

____________

(1) و لهذا الصدر أسانيد و مصادر؛ و رواه الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة المتوفّى سنة:

(321) قبيل حديث ردّ الشمس في الحديث: (1899) من كتابه: مشكل الآثار: ج 2 ص 211؛ ط 2 قال:

حدّثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدريّ حدّثنا عبد الواحد بن زياد؛ حدّثنا عمارة بن القعقاع؛ عن الحارث العكليّ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير:

عن عبد اللّه بن نجيّ [الحضرميّ‏] قال: قال لي عليّ: كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فكت إذا دخلت عليه و هو في صلاة سبّح فكان ذلك إذنه لي؟!

و من أراد المزيد فعليه بما رواه النسائي في الحديث: (117) و ما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه للحافظ النسائي.

33

الدينار، فقال عليّ: قد أعطيتنا طعاما و أعطيناك دينارا [فالدينار لك لما ذا لا تقبله؟] فلم يزل الرجل به حتّى ردّه إليه [فرجع عليّ بالطعام و الدينار إلى بيته و أخبر فاطمة بالقصّة] فقالت فاطمة لعليّ حين حدّثها بذلك: أ ما استحييت أن تأخذ طعام الرجل و ديناره؟ قال [علي (عليه السّلام)‏]: قد رددته [عليه‏] فأبى [أن يأخذه منّي‏].

فلمّا فنى [و نفذ] ذلك الطعام، خرج [علي‏] بذلك الدينار إلى السوق، فعرض له ذلك الرجل فاشترى [علي (عليه السّلام) بذلك الدينار] منه طعاما ثمّ ردّ [صاحب الطعام‏] إليه الدينار، فقال له عليّ: أيّها الرجل قد فعلت بي مرّة [هذه المعاملة الطيّبة] خذ دينارك. فلم يزل الرجل [به‏] حتّى ردّ إليه الدينار [فأخذه عليّ (عليه السّلام) و رجع بالدينار و الطعام إلى بيته و أخبر فاطمة بحديث الرجل‏] فلمّا ذكر ذلك علي لفاطمة قالت: أيّها الرجل استح لا تعودنّ لها أبدا!

فلمّا فنى ذلك الطعام، خرج [عليّ‏] بذلك الدينار، فعرض له ذلك الرجل فاشترى منه [عليّ‏] فأعطاه الرجل الدينار، فرمى به عليّ و قال: و اللّه لا اخذه.

فأخذ الرجل الدينار [و رجع علي بالطعام إلى بيته‏] فذكروا شأنهم للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال:

ذلك رزق سيق لكم [و] لو لم تردّوه لقام لكم‏ (1).

326- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم قال:

حدثنا أبو عليّ الحسين بن محمّد بن هارون المناشكي قال: أخبرني أحمد بن نصر قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدي قال: حدثنا صالح بن أبي الأسود، عن محفوظ بن عبد اللّه شيخ من حضرموت‏ (2):

____________

(1) لا عهد لي بمصدر يذكر الحديث على هذا السياق؛ و ألفاظ الحديث أيضا ليس على ما ينبغي؛ و لعلّ الحديث محرّف عمّا رواه الإسكافي في أواسط كتابه المعيار و الموازنة ص 337 ط 1.

و ليراجع ما رواه الباعوني في أواسط الباب: (44)- و ما علّقناه عليه- من كتاب جواهر المطالب: ج 1؛ ص 280 ط 1.

(2) لعلّ هذا هو الصواب؛ و في أصلي: (عن محفوظ بن عبد اللّه بن شيخ من حضرموت).

34

عن محمّد بن عليّ قال: بينما عليّ يطوف بالكعبة/ 471/ إذا رجل متعلّق بالأستار و هو يقول: «يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لا يغلّطه السائلون، يا من لا يتبرّم بإلحاح الملحّين، أذقني برد عفوك و حلاوة رحمتك» (1).

فقال له عليّ: دعاؤك هذا [منك؟] قال: أو قد سمعته؟ قال: نعم. قال: فادع به في [دبر] كلّ صلاة، فو الّذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء و قطرها و حصاء الأرض و ترابها لغفرت ذلك أسرع من طرفة عين.

____________

(1) و الدعاء رواه الزرندي مرسلا في أوّل خاتمة كتابه نظم درر السمطين ص 150؛ ط 1.

و هذا الدعاء قد كتبته عن مصادر قيّمة؛ و لكن لم تكن تحضرني مسودّتي حين تحرير هذا التعليق.

35

أما تسبيح الجوامد

فقوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [10/ سبأ: 34] فكان داود (عليه السّلام) إذا رفع صوته بالتسبيح يسبّح معه الطيور و الجبال و الجوامد و التلال.

و كذلك [كان‏] المرتضى (رضوان اللّه عليه)، و لذلك [كان‏] يعرف تسبيح الأشياء.

327- رأيت في بعض الكتب‏ (1) عن ابن عبّاس أنّ المرتضى (رضوان اللّه عليه)، قدم عليه قوم من المشرق فقالوا [له‏]: أنت ابن أبي طالب؟ قال: نعم. قالوا:

أنت ابن عمّ الّذي يزعم أنّه رسول اللّه، و جبرئيل فيما بينه و بين ربّه؟ قال: نعم و أنا على ذلك من الشاهدين. قالوا: فإنّا قرأنا الكتب، و عرفنا ما فيها و نحن سائلوك عن سبع خصال، فإن أنت أخبرتنا [بها] امنّا [بمحمّد] و صدّقنا.

قال: سلوني تفقّها و لا تسألوني تعنّتا فإنّ رسول اللّه صلى اللّه/ 472/ عليه [و آله و سلّم‏] دعاني و قال: «اللهمّ فقّهه في الدين و علّمه التأويل» فعلمت أنّ دعوة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لن تخطئني.

قالوا: أخبرنا ما يقول القبّر [ة] في صفيره و الدرّاج في حزيقه و الزرزور في زقيقه و الديك في صقيقه و الضفدع في نفيقه و الحمار في نهيقه و الفرس في صهيله؟!

قال: نعم أخبركم، أمّا القبّر [ة] فإنّه يقول في صفيره: اللهمّ العن مبغضي محمّد و آل محمّد.

و أمّا الزرزر فإنّه يقول في زقيقه: اللهمّ إنّي أسألك قوت يومي سبحانك يا رازق.

____________

(1) لم أتمكّن للفحص عن ذلك الكتاب و لا عن مصدر آخر للحديث.

36

و أمّا الدرّاج فإنّه يقول: الرحمن على العرش استوى.

و أمّا الديك فإنّه يقول: اذكروا اللّه يا غافلين.

و أمّا الضفدع فإنّه يقول في نقيقه: سبحان المعبود في لجج البحار، سبحان المعبود في أرض القفار، يسبّح له خليقته بأرض شتّى.

و أمّا الحمار فإنّه يقول: اللهمّ العن العشّارين.

و أمّا الفرس فإنّه يقوله في صهيله إذا التقت الفئتان و مشى بعضهم إلى بعض:

سبحان الملك القدّوس، سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الروح.

فقالوا: نشهد أنّك من الراسخين في العلم و أنّك من أهل بيت النبوّة، و نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله.

قال: فأسلموا و حسن إسلامهم.

و روي في بعض الكتب‏ (1) أنّ ابن عبّاس كان/ 473/ الّذي سئل و أجاب.

[قال العاصمي:] و [ممّا] يدلّ على هذا القول، قوله: «اللهمّ فقّهه في الدين و علّمه التأويل». و المشهور أنّ هذه الدعوة كانت لابن عبّاس من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). (2)

/ 475/ و أمّا الولد الصالح‏

فقوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ الآية: [16 من سورة النمل: 27].

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) أكرمه اللّه تعالى بالأولاد الصالحين كما نذكره في الفصل الثامن في فضائل السبطين إن شاء اللّه عزّ و جلّ‏ (3).

____________

(1) ما عرفت عن كتاب المذكور شيئا.

(2) إن ثبت من طريق وثيق أنّ النبيّ قاله في شأن ابن عبّاس فلا تنافي بينهما فإنّهما إيجابيّان.

(3) و من الأسف جدّا أنّ مخطوطتنا قد سقط منها الفصل السابع و ما بعده.

37

و أمّا فصل الخطاب‏

فقوله تعالى: وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ‏ [20/ ص: 38].

ذكر عن أبي موسى [سليمان بن محمّد بن أحمد النحوي الكوفي‏] الحامض [أنّه‏] قال: فصل الخطاب [هو] الحكم بين الخصمين.

و قيل: معناه: إصابة الحجّة. و قيل: معناه [هي كلمتا] «أمّا بعد» تفصل كلاما بين كلامين؟

و قيل: [معنى فصل الخطاب هو قول:] «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» (1).

و قيل: [معنى فصل الخطاب‏] هو أن يفصل القضاء بين المتخاصمين.

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) أوتي من فصل الخطاب [أسّه و أساسه‏] كما ذكرناه في معنى قوله (عليه السّلام): «أنا مدينة العلم و عليّ بابها» و في فصل قضائه [(عليه السّلام)‏] (2).

____________

(1) و هذا الحديث قطعيّ الصدور؛ معمول به بين الفقهاء؛ و قد استدلّوا به في كثير من مباحث القضاء و الشهادات.

(2) و انظر الحديث: (62) و ما بعده في عنوان: (و أمّا العلم و الحكمة) و الحديث: (72) و ما بعده في عنوان: (و أمّا علم القضاء) من ج 1؛ ص 148؛ و ما يليها؛ و ص 164؛ و ما بعدها؛ من ط 1.

38

ذكر مشابه سليمان الشاكر صلوات الرحمن عليه‏

وقعت المشابهة بين المرتضى (رضوان اللّه عليه) و بين سليمان بن داود [(عليهما السّلام)‏] بثمانية أشياء:

أوّلها: بالفتنة و الابتلاء في نفسه.

و الثاني: بتسليط الجسد على كرسيّه.

و الثالث: بتلقين اللّه/ 476/ تعالى إيّاه في صغره ما استحقّ به الخلافة.

و الرابع: بردّ الشمس لأجله بعد المغيب.

و الخامس: بتسخير الهواء و الريح له.

و السادس: بتسخير الجنّ له.

و السابع: بعلم الحكل و كلام الجوامد (1).

و الثامن: بالمغفرة و رفع الحساب عنه.

____________

(1) ذكر الزبيدي في مادّة: (حكل) من تاج العروس- و أوردنا لفظه مزجا بكلام القاموس- ما نصّه:

الحكل- بالضمّ- من الحيوان: ما لا يسمع صوته كالذرّ و النمل. و قيل: هو العجم من الطيور و البهائم.

و قال الليث: (الحكل) في رجز رؤبة: اسم لسليمان عليه الصلاة و السلام؛ و هو قوله:

لو أنّني أوتيت علم الحكل* * * علمت منه مستسرّ الدخل‏

علم سليمان كلام النمل* * * ما ردّ أروى أبدا عن عذل‏

و ساق الكلام إلى أن قال: و قال الحافظ: الحكليّ- بالضمّ- لقب العجّاج لقوله: (لو كنت قد أوتيت علم الحكل).

39

أمّا الابتلاء

فإنّه (عليه السّلام) ابتلي في نفسه بالولد الناقص الّذي رزقه اللّه تعالى بعد حرصه على أن يكون له ابن يرثه و يقوم مقامه.

و كذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) بعد حرصه على أن يقوم بالأمر الّذي هو أهله فابتلى ببلايا، كما قال رضى اللّه عنه: «بليت بأربع: بأجدل النّاس طلحة بن عبيد اللّه، و بأشجع النّاس الزبير بن العوّام، و بأنضّ النّاس يعلى بن منية (1) و بأطوع النّاس في النّاس عائشة».

____________

(1) هذا هو الصواب المذكور في الباب: (53) من كتاب جواهر المطالب: ج 2 ص 22 ط 1؛ و في مخطوطة منه الورق 73/ أ/ و النضّ و الناضّ: المال المال الكثير. الدينار و الدرهم.

و انظر ما علّقناه على جواهر المطالب.

و مثله معنى رواه البلاذري قبيل الحديث: (300) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 237 ط 1؛ و في ط 2 ص 146.

و أيضا مثله معنى رواه أبو الفرج في ترجمة يعلى بن منية من كتاب الاغاني: ج 12؛ ص 235 ط بيروت؛ و فى ط الساسي: 11؛ ص 119.

و في أصلي المخطوط من كتاب زين الفتى: (و بأيقن الناس يعلى بن منية ...).

و الحديث سيذكره المصنّف على وجه آخر برقم 345 في آخر عنوان «و أمّا الصبر على الشدائد»- و هي الجهة الرابعة من جهات التشابه بين أيّوب النبي و علي (عليهما السّلام)- في هذا المجلد ص 84.

و أيضا الحديث رواه البلاذري في ترجمة طلحة بن عبيد اللّه من أنساب الاشراف؛ كما رواه أيضا في ترجمة يعلى بن منية.

و قريبا منه رواه أيضا محمّد بن العبّاس اليزيدي برقم: (55) من أماليه ص 96/ أو 114.

40

و أمّا تسليط الجسد على كرسيّه‏

فقوله تعالى: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ‏ [34/ ص: 38].

و ذكر في تأويل الآية قولان: أحدهما: ذكر أنّ ملك الموت (صلوات اللّه عليه) دخل على سليمان بن داود (عليه السّلام) و عنده ابن له، فأخذ ملك الموت [يحدّ] النظر إلى ذلك الابن، فلمّا خرج ملك الموت من عنده قال له ابنه: يا أبة من هذا الخارج [الآن من عندك‏]؟ فإنّي كنت أهابه و أفرق منه/ 477/.

فدعا سليمان بن داود (عليه السّلام) الريح و قال لها: احملي ابني هذا و ارفعيه إلى السحاب و قولي له لتحفظ بابني إلى أن أستردّه منه.

فحملته الريح إليه و لم يلبث ملك الموت إلى أن رجع إلى سليمان و عزّاه فقال له سليمان: بمن تعزّيني؟ قال: بابنك. فقال: ابني على السحاب. قال: هناك قبضت روحه. قال: فكيف كان ذاك؟ قال: إنّ اللّه تعالى أمرني أن أقبض روح ابنك على السحاب فأتيته فلم أجده هناك، فأتيتك لأنظر إليك و أنظر كيف حال الابن، فوجدت ابنك جالسا عندك فنظرت إليه متعجّبا ثمّ رجعت إلى اللّه تعالى أسأله عن ذلك فلمّا وافيت السحاب رأيت ابنك هناك فقبضت روحه ثمّ.

و ألقى جسده على كرسيّه ميّتا (1) فذلك قوله: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ‏ [34/ ص: 38].

فكذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه)، لمّا صار الأمر إليه كما كان الرسول (عليه السّلام) دلّ عليه قام بالأمر أيّاما يدعوا إليه أنصارا و أقواما، ثمّ تبغّت عليه طوائف من أهل‏

____________

(1) كذا في أصلي؛ و الظاهر أنّه قد سقط قبله ما يرتبط به؛ فليراجع مخطوطة أخرى أينما وجدت.

41

الخطأ و الخطل، و مدّهم على ذلك أهل الزلل حتّى انفتقت سدد الفتن و تزاحمت عليه وجوه المحن، فقام بعده الشيطان المريد الّذي قتل ابنه الحسين و نسي اثار أبيه في الإسلام، و [ما] ترك [أخذ ثار الكفّار الّذين حضروا محاربة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)‏] بدرا و الحنين، و سبى أولادهم إلى الشام و اقتادهم على أقبح وجوه الملام!!! (1)

ثمّ لمّا قام [المرتضى‏] رضى اللّه عنه بالأمر تبغّت عليه الخوارج و الشراة و الحسّاد و البغاة، و اتّخذوا المنابر، و عسكروا العساكر، كما قال الشاعر:

فتشعّبوا شعبا فكلّ جزيرة* * * فيها أمير المؤمنين و منبر!!!

فأشبهت حالة [المرتضى (رضوان اللّه عليه)‏] حال جسد سليمان (عليه السّلام).

و إنّما سمّيت فسّاق الأمويّة و المروانيّة و الفاسق اللعين شياطين، [أخذا] من قول اللّه تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [112/ الأنعام: 6]، و قوله تعالى:

وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ‏ [14/ البقرة: 2].

و لقد استحقّوا بالأسماء الذميمة لما ارتكبوه من الفواحش العظيمة.

328- أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا أبو بكر عبد الرحمن بن قريش السرخسي قال: حدثنا هارون بن عبد الرحمن‏

____________

(1) و ما ألصق بالمقام ما أفاده العلّامة الطباطبائيّ في الفصل الثاني من منظومة السهم الثاقب حيث قال:

فآل أمرهم إلى يزيدا* * * من حارب الكتاب و التوحيدا

بقتل سبط سيّد الأنام* * * و آله و حزبه الكرام‏

و هتك أهل البيت بعده فقد* * * سباهمو من بلد إلى بلد

و هتكه الدين القويم جهرة* * * بفعله الشنيع يوم الحرّة

و مذ أراد الرجس هدم الكعبة* * * قضى برغم الأنف منه نحبه‏

و من أراد تفصيل ما جرى على ريحانة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سلم و أهل بيته (عليهم السّلام) فليراجع كتاب عبرات المصطفين.

42

العكبري قال: حدثنا أبو جعفر محمّد بن الحسن قال: سمعت منصور الخصيّ [أبا أميّة و كان‏] خادما لعمر بن عبد العزيز قال:

قال لي عمر ليلة: يا منصور ائتني برجاء بن حيوة. قال: فأتيته به فحدّثه عامّة الليل و قال فيما [كان‏] يحدّث [به‏]: إنّ عبد الملك بن مروان أمره في مرضه الّذي مات فيه/ 486/: إذا أنتم دفنتموني فانزع اللبنة عند رأسي و انظر ما ذا صنع بي.

قال: فأدخلته قبره و رفعت اللبنة الّتي أمرني [برفعها] فرأيته قد اسودّ وجهه و دقّت يداه و أخرجت من صدره، فأعدت اللبنة و حمدت اللّه على العافية.

فشهق عمر فخرّ مغشيّا عليه حتّى ذهب هزيع من الليل ثمّ أفاق ...

329- و أخبرني شيخي محمّد بن أحمد قال: أخبرنا عليّ بن إبراهيم بن عليّ قال: حدثنا أبو بكر عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن السرخسي قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن المنهال قال: حدثنا الحسن بن محمّد الأشعر؟ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا محمّد بن الحسن قال:

حدثنا خلف بن تميم قال: حدثنا المفضّل بن يونس قال:

بلغنا أنّ عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة [بن عبد الملك‏]: من دفن أباك؟ قال:

مولاي فلان/ 487/. قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان. قال: أنا أحدّثك بما حدّثني به [مولاك، قال:] إنّه لمّا دفن أباك و الوليد، فوضعهم في قبورهم و ذهب ليحلّ العقد عنهم وجد وجوههم قد حوّلت في أقفيتهم!!! و انظر يا مسلمة إذا أنا متّ و دفنتني فالتمس وجهي فانظر هل نزل بي ما نزل بالقوم أم هل عوفيت من ذلك؟

قال مسلمة: فلمّا مات عمر [بن عبد العزيز] و وضعته في قبره [رفعت عنه‏] بلبنة في وجهه فإذا هو مكانه.

330- و حكي أنّ مروان بن الحكم تزوّج بأمّ خالد بن يزيد بن معاوية، فقال [له يوما] و هو يريد أن يصغّر به- في شي‏ء جرى بينهما-: يا ابن الرتبة [الاست‏].

43

يريد إنّك أمير محبي‏ (1).

فأتى خالد أمّه فأخبرها و قال [لها]: أنت صنعت بي هذا. قالت: دعه يا بنيّ فإنّه لا يقولها لك بعد اليوم.

و دخل [عليها] مروان بن الحكم فقال لها: هل أخبر لك خالد بما [ظ] جرى بيني و بينه؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، خالد أشدّ تعظيما لك من أن يذكر لي شيئا جرى بينك و بينه.

فلمّا أمسى [مروان‏] و أوى إلى فراشه وضعت مرفقة على وجهه و قعدت عليها هي و جوار لها حتّى مات!!

فأراد عبد الملك قتلها و بلغها أصح من ذلك؟ فقالت: أما إنّه أشدّ عليه؟ أن يخبر النّاس أنّ أباه قتلته امرأة، فكفّ عنها (2).

[قال العاصمي:] لو لم يكن للمروانيّة إلّا توليتهم الحجّاج بن يوسف على رقاب النّاس/ 488/ حتّى فسد و أفسد و أسفك و عند؟ [كفاهم خزيا و عارا]، فضلا عمّا كان من سائر فظائعهم و إلى اللّه ترجع الأمور.

و أمّا قولنا: البغاة ف [مأخوذ] من قول المرتضى: «إخواننا بغوا علينا» (3)

____________

(1) كذا في أصلي.

(2) و القصّة معروفة في كتب التواريخ؛ و لها شواهد في ترجمة خالد بن يزيد بن معاوية و عبد الملك بن مروان من تاريخ دمشق.

(3) صدور هذا الكلام عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) غير ثابت، و كان ينبغي على المؤلّف أن يتمسّك لإثبات مدّعاه بقوله تعالى في الآية التاسعة من سورة الحجرات: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏.

أو يتمسّك بقول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لعمّار بن ياسر: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية».

44

و البغي في اللغة هو الطلب؛ فمنه الحديث: «إنّ للّه روّادا في الأرض يرتادون فإذا أتوا على حلق الذكر قالوا: يا باغي الخير هلمّ، و يا باغي الشرّ انته».

و هذا لفظ يدخل على الخير و الشرّ؟ و يتبيّن ذلك بقرائنه‏ (1).

و تأوّل بعض أهل العلم بالحديث [قال:] إنّ معنى قوله: «إخواننا بغوا علينا»:

أي هم إخواننا طلبوا إلينا عللا.

و قال بعضهم: معناه: طلبوا فينا الحقّ على العموم و لم يتدبّروا وجه الخصوص و الأحقّ و الأولى من قوله صلى اللّه عليه: «الأئمّة من قريش». و قوله (عليه السّلام): «إنّ هذا الأمر لهذا الحيّ من قريش»، فطلبوا حقّا وضعه النبيّ صلى اللّه عليه في العموم و لم يعلموا أنّ الناس إذا أجمعوا على رجل منهم مخصوص معيّن بطل حقّ الآخرين ما دام هذا المتابع [المجمع عليه‏] على صحّته، فكيف و المرتضى (رضوان اللّه عليه) قد أخبر الرسول (عليه السّلام) بولايته، فوجب تقديمه في وقته و تفويض الأمر إليه في إمرته، مع ما جمع اللّه سبحانه فيه من الخصال و الأخلاق الّتي يتفوّق من فاز بواحدة منها على أقرانه، فكيف [و] هو رضى اللّه عنه [حاو] بمجموعها!/ 489/ و لو لم يكن وقوع هذه الشبهة لهم لحكمنا بتفسيقهم، و لكن الحدود يدرأ بالشبهات.

و قال بعضهم: البغي على وجهين: أحدهما يسقط العدالة، و الآخر لا يسقطها، و الأصل [في البغي‏] هو طلب ما ليس له، و قد كان معاوية و أهل الشام و غيرهم [ممّن عارض المرتضى و نازعه‏] طلبوا ما ليس لهم طلبه، لأنّ المرتضى (رضوان اللّه عليه) كان هو الأفضل، و من السنّة تقديم الأفضل على المفضول، فكانوا بغاة على هذا الوجه.

و أمّا الوجه الّذي يسقط العدالة فلا (2) و ذلك لإجماع أهل النقل على الرواية

____________

(1) و على فرض صدق هذا الكلام- و كون لفظ: (البغي) مشتركا بين الخير و الشرّ؛ و احتياج تعيين كلّ واحد من المعنيين إلى القرينة المعيّنة- نقول: القرينة المعيّنة لإرادة الشرّ من كلمة: (البغي) موجودة هاهنا؛ و هي أمر اللّه تبارك و تعالى بقتال الباغي إلى أن تفي‏ء إلى أمر اللّه؛ و قتله إن لم يفى‏ء إلى أمر اللّه؛ كما في الآية الكريمة المتقدّم الذكر.

(2) الأقوال المتقدّمة كلّها من باب تقديم الهوى على البرهان؛ و استشهاد الثعلب بذنبه؛

45

____________

لأنّ بعد تعيين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عليّا للخلافة- كما هو مفاد كثير من الأحاديث التي رواها القوم- و لا سيّما بعد مبايعة أهل الحلّ و العقد لأمير المؤمنين (عليه السّلام)؛ فكل من خالفه كان عاصيا للرحمن و مطيعا للشيطان؛ أمر اللّه تعالى بقتاله كي يرجع إلى الحقّ؛ و بقتله إن لم يرجع؛ أ في حكم اللّه و قوانين الإسلام جاء وجوب قتال العدول و قتلهم؟ أ فبهذه الترّهات يرفع اليد عن محكمات الآيات و الروايات؟!

ثمّ انّ موبقات معاوية التي كلّ واحدة منها تكفي للدلالة على نفاق معاوية كثيرة و أكثرها رواها أنصار معاوية و الحفّاظ الأمويّة؛ و كشفوا الغطاء عن معاوية و كفره الباطني!!

و هل يشكّ أحد أنّ معاوية آذى عليّا (عليه السّلام)؛ و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من آذى عليّا فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه».

أ ما قال اللّه تعالى في الآية: (57) من سورة الأحزاب: (إنّ الذين يؤذون اللّه و رسوله لعنهم اللّه في الدنيا و الآخرة و أعدّ لهم عذابا أليما). فهل بعد ذلك ينطق بعض الضلال بملئ فمه أنّ معاوية لم تسقط عدالته؟

و انظر ما أوردناه من كتب القوم في تفسير الآية الكريمة في تعليق الحديث: (775) من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 142- 146؛ ط 2.

أ ليس قد صحّ من طرق كثيرة صحيحة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «لا يحبّ عليّا إلّا مؤمن؛ و لا يبغضه إلّا منافق» و قد تقدّم الحديث عن مصادر كثيرة؛ فراجع ما رواه المؤلف في الحديث: (5)- و ما أوردناه في تعليقه من مصادر القوم- في هذا الكتاب: ج 1؛ ص 14- 23.

يا معشر العقلاء فهل بعد ذلك يجوز لعاقل أن يحكم بإسلام معاوية؟ أم هل تعهدون تباغضا مثل ما كان بين عليّ و معاوية؟

و إن شكّ أحد في شي‏ء فهل يشكّ في أنّ معاوية حارب عليّا و قتل بينهما جماعة كثيرة من المسلمين أنهى بعضهم عدد المقتولين بينهما إلى سبعين ألفا!! و قد صحّ من طريق القوم بأسانيد كثيرة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «من حارب عليّا فقد حاربني و من حاربني فقد حارب اللّه» أو ما هو بمعناه.

46

عن معاوية و توثيقه بذلك‏ (1) [و] عليه المسندان الصحيحان: جامع البخاري‏ (2)

____________

و هل يشكّ أحد من المسلمين أنّ معاوية لعن عليّا و أمر أن يلعنوه في جميع الأقطار الإسلامية؛ و بقيت هذه السنّة الإلحاديّة في طول سلطة بني أميّة- إلّا في بعض أيّام عمر بن عبد العزيز-

و قد روى القوم- كما في الحديث: (1358) و تعليقه من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 3 ص 318 ط 2- عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «من سبّ عليّا فقد سبّني و من سبّني فقد سبّ اللّه».

أ ليس من قول خرّيت فنّ الرجال يحيى بن معين أنّه قال: (و كلّ من شتم عثمان أو طلحة أو أحدا من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) [فهو] دجّال لا يكتب عنه؛ و عليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين) كما في ترجمة تليد بن سليمان من تهذيب التهذيب: ج 1 ص 509.

(1) و ممّا تقدّم في التعليق المتقدّم آنفا تبيّن أنّ توثيق معاوية- و من على نزعته و دأبه- مساوق لتوثيق الكفّار؛ لأنه منافق؛ و كلّ منافق كافر باطنا بضرورة من دين الإسلام؛ فعلى إسلام من يثق معاوية و يأخذ منه و يجعله واسطة للوصول إلى الواقع الكلام؛ و قل له كما أمر اللّه تعالى للمؤمنين: (و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).

و من أراد المزيد حول معاوية فعليه بما في كتاب النصائح الكافية؛ أو ما حقّقه العلّامة الأميني (قدّس اللّه نفسه) في عنوان: (المغالات في معاوية بن أبي سفيان) من كتابه القيّم الغدير: ج 10؛ ص 138- 384 ط 2.

(2) أمّا البخاري فلا اعتبار لتوثيقه لأنّه على نزعة أستاذه حريز الحمصي الذي كان لعن عليّ وردا له؛ ذكر ابن حجر في ترجمة حريز عنه شعبا من النفاق- كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: ج 2 ص 238- إلى أن قال في آخر ترجمته:

قال غنجار: قيل ليحيى بن صالح [الوحاظيّ‏]: لم لم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صلّيت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتّى يلعن عليّا سبعين مرّة!!

و قال ابن حبّان: كان يلعن عليّا بالغداة سبعين مرّة؛ و بالعشيّ سبعين مرّة!! فقيل له في ذلك؟ فقال: هو القاطع رءوس آبائي و أجدادي. [ثمّ قال ابن حبّان:] و كان داعية إلى مذهبه؛

47

و جامع مسلم، فلو كانت فيه تهمة لهم أو سقوط عدالة لما رويا عنه مع ما قد عرف من شرطهم في الرواية، هذا أصل جامع و برهان قامع‏ (1).

____________

يتنكّب حديثه.

و أمّا مسلم فبما أنّه روى بسند صحيح- في باب: «حبّ عليّ و الأنصار من الإيمان» من صحيحه: ج 1؛ ص 40- قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في عليّ: «لا يحبّك إلّا مؤمن؛ و لا يبغضك الّا منافق» فمع روايته هذا الحديث ما كان له أن يروي عن حريز و أمثاله و معاوية و أشكاله؛ و لكن من جهة تلمّذه عن تلاميذ حريز و أخذه عنهم سرى إليه داءهم لأنّ المجالسة و المصاحبة مؤثرة.

و كذلك الكلام بالنسبة إلى ابن ماجة و الترمذيّ و النسائيّ و غيرهم ممّن رووا حديث: «لا يحبّ عليّا إلّا مؤمن و لا يبغضه إلّا منافق».

و كيف يمكن أن يجمع بين توثيق معاوية و حبّ عليّ و حبّهما و توثيقهما ضدّان لا يجتمعان؛ و ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه كي يحبّ بأحدهما شخصا و بالقلب الآخر ضدّه و بغيضه؛ و القلب الواحد لا يتمكّن من الجمع بين المتضادّين؛ و حبّ المتباغضين؛ و هذا الأمر فطريّ لجميع النفوس كما قال العتابيّ:

تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني* * * صديقك إنّ الرأي عنك لعازب!!

و روى ابن عبد ربّه المتوفّى سنة: (328) في عنوان: «أصناف الإخوان» في أواخر كتاب الياقوتة من العقد الفريد-: ج 1؛ ص 337 من الطبعة الثانية بمصر؛ في سنة 1346؛ و في ط دار الكتب العلميّة ببيروت: ج 2 ص 227- قال:

وفد دحيم الكلبيّ على أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه؛ فما زال يذكر معاوية و يطريه في مجلسه! فقال [له‏] عليّ رضي اللّه عنه:

صديق عدوّي داخل في عداوتي* * * و إنّي لمن ودّ الصديق و دود

فلا تقربن منّي و أنت صديقه* * * فإنّ الذي بين القلوب بعيد

(1) و بالدقّة في التعليقات المتقدّمة آنفا ينكشف للقارئ الكريم ببرهان قاطع و أصل جامع أنّ أكثر حفّاظ القوم إنّما هم حفّاظ سنّة معاوية؛ و ضيّاع سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

48

أمّا تلقين اللّه سبحانه إيّاه في صغره ما استحقّ به الخلافة

فقوله تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ. فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً [78- 77/ الأنبياء: 21].

ذكر أنّ داود (عليه السّلام) كان إذا جلس للقضاء يأمر ابنه سليمان (عليه السّلام) فيقعد على الدهليز و يعرض عليه ما كان يقضي بين المتخاصمين فإن رآه صوابا أمضاه [ظ] و إن لم يره صوابا راجع فيه أباه، و كان يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة/ 490/ فردّ في يوم واحد على أبيه داود (عليهما السّلام) سبع حكومات‏ (1).

فانظر رحمك اللّه كيف خصّ اللّه سبحانه عبده سليمان بالعلم و بقيّة ما استحقّ به الخلافة في صغره.

.../ 504/ و كذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) خصّة اللّه سبحانه في صغر سنّه بالعلم، فلقد كان أصغر الخلفاء سنّا، [و أعلمهم علما] و أوفرهم ذهنا، حيث رجعوا إليه في الحوادث و المسائل، [و هو لم يرجع إلى أحد في بيان الحقائق و الحوادث و الأحكام و المسائل‏ (2)]، كما ذكرنا بعضها.

____________

و سلم؛ حيث يوثّقون من حكم الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بكفره الباطني و هو النفاق: في قوله المقطوع الصدور عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يحبّ عليّا إلّا مؤمن؛ و لا يبغضه إلّا منافق».

(1) و قد ذكر العاصمي بعد هذا موارد من تلك الحكومات السبع، من ص 490 إلى آخر الصفحة 504 من المخطوطة، و بما أنّ تلك الموارد كلّها ذكرها بلا سند و مرسلة، تركنا ذكرها لأنّي لم أجد فرصة في حال الحاضر للفحص عن أسانيدها و قرائن حجّيتها أو عدم حجّيتها.

(2) و به استدلّ الخليل بن أحمد الفراهيدي على أفضليّة أمير المؤمنين علي بن أبي‏

49

و أمّا ردّ الشمس لأجله بعد المغيب‏

/ 505/ فقد ذكر في قوله [تعالى‏]: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ. رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ‏ [33- 32/: فقالوا] إنّ الهاء و الألف، من قوله [تعالى‏]: رُدُّوها راجعتان على كناية الشمس من قوله: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ‏ يعني الشمس، و رجعت الكناية من قوله: تَوارَتْ‏ إلى إرادة الشمس؟ مثل قوله [تعالى في الآية 61 من سورة النحل‏]: وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏.

و مثل قوله [تعالى في الآية الأخيرة من سورة فاطر: 35]: وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏.

و مثل قول الشاعر:

حتّى إذا ألقت يدا في كافر* * * و أجنّ عورات الثغور ظلامها

[و قوله تعالى:] فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ‏ (1) أكثر أهل التفسير و التأويل على أنّهما راجعتان إلى الخيل العراب.

ذكر أنّ سليمان (عليه السّلام) كان يعرض عليه الخيل العراب فاشتغل بها عن صلاة العصر، حتّى غربت الشمس فسأل اللّه تعالى أن يردّ الشمس عليه حتّى يصلّي صلاة العصر، فردّ اللّه تعالى عليه الشمس بعد المغيب حتّى صلّى صلاة العصر، ثمّ عادت للغروب!!!

____________

طالب (عليه السّلام) و تعيّنه للخلافة و الإمامة في كلامه المشهور: «استغناؤه عن الكلّ، و حاجة الكلّ إليه دليل على أنّه إمام الكلّ». و هذا مأخوذ من قوله تعالى في الآية 35 من سورة يونس:

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏.

(1) الظاهر أنّ هذا هو الصواب؛ و في أصلي (ثمّ أخذ في المسح بالسوق و الأعناق).

50

و كذلك المرتضى (رضوان اللّه عليه) ردّت عليه الشمس حتّى صلّى صلاة العصر.

331- (1) أخبرنا محمّد بن أبي زكريّا الثقة قراءة عليه قال: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن أحمد بن جعفر الجوري قراءة عليه قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن بالويه العفصي قال: حدثنا جعفر بن محمّد بن سوار قال: حدثنا إسماعيل بن عيّاش السمناني قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن حسن [بن الحسن‏]، عن [أمّه‏] فاطمة بنت حسين:

____________

(1) 33- و للحديث مصادر كثيرة جدّا، ذكرنا أكثر طرقها في تعليق الحديث 814 من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 2 ص 285 ط 2.

و قد ذكرنا في تعليق الحديث المشار إليه أنّ جماعة من المحقّقين أفردوا الحديث بالتأليف، منهم محمّد بن يوسف الدمشقي المتوفّى سنة 942 فإنّه كتب حول الحديث رسالة و سمّاها «مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس»، و الرسالة قيد تحقيقنا، و توجد نسخة منها أيضا في مكتبة الأوقاف المركزيّة بالموصل تحت الرقم 15/ 20 كما في هامش المعجم الكبير: ج 24 ص 151.

و ليراجع أيضا الحديث 1207 في الباب 179 من كتاب مشكل الآثار: ج 2 ص 9، و ج 4 ص 388.

و ليلاحظ ما أورده المجلسي رفع اللّه مقامه في ذيل الحديث 13 من الباب الثالث- باب ما ظهر للنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من المعجزات السماويّة- من كتاب بحار الأنوار: ج 17 ص 358 طبعة بيروت، فإنّه روى حديث ردّ الشمس، عن القاضي في كتاب الشفاء، نقلا عن الطحاوي في مشكل الآثار.

و انظر أيضا الباب 109 من أبواب فضائل علي (عليه السّلام) من البحار: ج 41 ص 166 ط 2.

و ليراجع أيضا ما ذكره ابن حجر في كتاب فتح الباري: ج 6 ص 221.

و ليراجع أيضا كتاب مختصر السنّة- للذهبي- ص 528- 524، و كتاب الشمائل- لابن كثير- ص 163- 144، و الخصائص الكبرى- للسيوطي-: ج 2 ص 324، و المقاصد

51

____________

الحسنة- للسخاوي- ص 226، و كتاب كشف الخفاء- للعجلوني-: ج 1 ص 220 و 428.

و روى الطبراني في مسند أسماء بنت عميس، من المعجم الكبير: ج 24 ص 147 طبعة بغداد قال:

حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفّاف، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا محمّد بن أبي فديك، أخبرني محمّد بن موسى الفطري، عن عون بن محمّد، عن أمّ جعفر:

عن أسماء بنت عميس: أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلّى الظهر بالصهباء ثمّ أرسل عليّا في حاجة فرجع و قد صلّى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) العصر، فوضع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رأسه في حجر علي فنام فلم يحرّكه حتّى غابت الشمس [فانتبه النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: يا عليّ صلّيت العصر؟ قال: يا رسول اللّه منعني منها وضعك رأسك في حجري.] فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهمّ إنّ عبدك عليّا احتبس بنفسه على نبيّه؟

فردّ عليه الشمس».

قالت [أسماء]: فطلعت عليه الشمس حتّى رفعت على الجبال و على الأرض، و قام عليّ فتوضّأ و صلّى العصر، ثمّ غابت [الشمس‏]، و ذلك بالصهباء.

[و] حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة.

حيلولة: و حدّثنا عبيد بن غنام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين:

عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشمس، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهمّ إنّ عليّا كان في طاعتك و طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس».

قالت أسماء: فرأيتها غربت و رأيتها طلعت بعد ما غربت.

[قال الطبراني:] و اللفظ لحديث عثمان.

أقول: و هذا الحديث رواه أيضا عن أبي بكر ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي عاصم في فضائل علي (عليه السّلام) في الباب 201 تحت الرقم 1323 من كتاب السنّة ص 484 ط 1 قال:

حدثنا أبو بكر [ابن أبي شيبة]، حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول اللّه‏

52

عن أسماء بنت عميس: أنّ النبي (عليه السّلام)/ 506/ كان يوحى إليه و رأسه في حجر علي فغابت له الشمس فقال له [النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعد ما فرغ من سماع الوحي‏]: يا عليّ أ صلّيت العصر؟ قال: لا. فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «اللهمّ إنّه كان في طاعتك و طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس».

قالت أسماء: فرأيتها غربت ثمّ رأيتها طلعت ثمّ غربت.

____________

(صلى اللّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر علي رضى اللّه عنه ...

هكذا في النسخة المطبوعة بتحقيق محمّد ناصر الدين الألباني طبع المكتب الإسلامي و بقرينة وضع علامة السقوط- و هي الثلاث نقط في آخر الحديث- و بقرينة رواية الطبراني الحديث كاملا عن ابن أبي شيبة، يعلم أنّ النواصب من زمن بعيد مدّوا أياديهم الخائنة إلى التصرّف في حديث أبي بكر ابن أبي شيبة.

[و أيضا قال الطبراني:] حدثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمّد بن فضيل، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس قالت:

كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحي كاد يغشى عليه، فأنزل عليه [الوحي‏] يوما و هو في حجر عليّ فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [بعد انقضاء الوحي‏]: صلّيت العصر يا علي؟ قال: لا يا رسول اللّه. فدعا اللّه فردّ عليه الشمس حتّى صلّى العصر.

قالت [أسماء]: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردّت حتّى صلّى العصر.

هذه الأحاديث الثلاثة رواها الطبراني في عنوان: «أمّ جعفر بنت محمّد بن جعفر بن أبي طالب عن جدّتها أسماء، و فاطمة بنت الحسين عن أسماء» من المعجم الكبير: ج 24 ص 144 و 147 طبعة بغداد.

و رواها عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: ج 8 ص 297- بحذف الأسانيد- و قال: رواه كلّه الطبراني بأسانيد، و رجال أحدها رجال الصحيح غير إبراهيم بن حسن و هو ثقة وثّقه ابن حبّان، و فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب لم أعرفها!! و لكن الهيثمي عرفها بعد و روى عنها حديث المنزلة من طريق أحمد بن حنبل و الطبراني ثمّ قال: «و رجال أحمد رجال صحيح غير فاطمة بنت عليّ و هي ثقة»، كما في باب حديث المنزلة من مجمع الزوائد: ج 9 ص 109.

53

قال إسماعيل: فقال عبيد اللّه بن موسى [بعد نقله الحديث‏] و ما نعجب من هذا:

قد حبست الشمس على يوشع بن نون، و كان النبي صلى اللّه عليه أكرم على اللّه تعالى منه.

فإن قيل: أ ليس روي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه [أنّه‏] لم يحبس الشمس إلّا ليوشع؟

[قال العاصمي: أوّلا] قلنا: إنّ اللّه تعالى حبس الشمس ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس عن الغيبوبة، و الّذي في حديثنا/ 507/ هو ردّها بعد الغيبوبة.

و [الجواب‏] الثاني هو إنّها لم تردّ منذ ردّت على يوشع بن نون إلى الوقت الّذي قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه فيه هذا القول، ثمّ ردّت بعد ذلك، و هذا غير مستنكر من أفعال اللّه جلّ جلاله.

و أمّا تأخير علي بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه) العصر، فإنّه [كان‏] للعلّة الّتي [ذكرت في الأحاديث الواردة في القضيّة و هي أنّه‏] كان رأس النبيّ صلى اللّه عليه في حجره، فردّت الشمس على عليّ لدعوة النبي صلى اللّه عليه أن يردّ عليه الشمس، فأجابه اللّه تعالى إلى مسألته.

فإن قيل: فما في هذا من التفضيل لعلي؟ فإنّ الشمس قد ردّت لدعوة النبي صلى اللّه عليه؟!

قلنا: و إن كانت [الشمس‏] قد ردّت لدعوة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فإنّه (عليه السّلام) إنّما دعا لها بالردّ لأجل علي رضى اللّه عنه، فدلّ ذلك على تخصيص المرتضى (رضوان اللّه عليه)، و تخصيص النبي (عليه السّلام) إيّاه لم يكن إلّا لعلمه بمحلّه عند اللّه تعالى و عظم قدره، و كفاه بها فضلا و شرفا و ما ناله من الحسنيين‏ (1).

332- و روى أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة هذا الحديث- أعني حديث ردّ الشمس- في فضائل علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه، عن الحسين بن عيسى‏

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «و ما لنا إلّا إحدى الحسنيين».

54

البسطامي، عن عبيد اللّه بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن/ 508/ الحسن بمعناه.

[ثمّ‏] قال أبو بكر ابن خزيمة على أثر روايته هذا الحديث [ظ]: إنّ فاطمة بنت الحسين لم تدرك أسماء بنت عميس و لم تسمع منها (1).

قال محمّد بن يحيى (رحمه الله)(2): لم يقدح [ابن خزيمة في إسناد الحديث‏] إلّا ما

____________

(1) إنّ حديث الصحابيّة أسماء بنت عميس مستفيضة، لا تكون فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) متفرّدة بالرواية عنها، بل رواه عنها جماعة، منهم فاطمة بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام).

مع أنّ الحديث متواتر، و قد رواه تسعة من الصحابة منهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام).

و منهم سبط رسول اللّه و ريحانته الإمام الحسين (عليه السّلام).

و منهم حبر الأمّة عبد اللّه بن عبّاس؛.

و منهم الصحابيّة أسماء بنت عميس رفع اللّه مقامها.

و منهم الصحابي الكبير أبو ذر الغفاري (قدّس اللّه نفسه).

و منهم الصحابي العظيم جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رضوان اللّه عليه).

و منهم الصحابي أبو رافع مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

و منهم الصحابي أبو سعيد الخدري (رضوان اللّه تعالى عليه).

و منهم الصحابي أبو هريرة الدوسي.

و قد صرّح جماعة من محقّقي أهل السنّة بأنّ كلّ حديث يرويه مثل هذه العدّة من الصحابة فهو متواتر.

و أكثر أحاديث هؤلاء الصحابة يجده الطالب في الحديث 814 و ما بعده و تعليقاتها من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 2 ص 307- 283 ط 2.

و رواه أيضا بأسانيد محمّد بن سليمان الكوفي من أعلام القرن الثالث و الرابع في الحديث 1020 و ما بعده في الجزء السابع من كتابه مناقب علي (عليه السّلام)، الورق/ 208/ أ/ و في ط 1: ج 2 ص 516.

و قد أفرد جماعة من المحقّقين الحديث بالتأليف فصنّفوا فيه عدّة رسائل، فراجع ما علّقناه على الحديث 814 من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق: ج 2 ص 283 ط 2.

(2) لم يتبيّن لنا هويّة محمّد بن يحيى هذا، و لم يأت العاصمي بشي‏ء من مميّزاته.