الشفا بتعريف حقوق المصطفى‏ - ج1

- القاضي عياض الأندلسي‏ المزيد...
763 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقريظ العلامة الكبير فضيلة الشيخ عبد الوهاب الحافظ الملقب بدبس و زيت‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الأمين، و على سائر الأنبياء و المرسلين، و آله السادة الأبرار، و صحبه القادة الأخيار، و العلماء العاملين، و من سلك طريقهم الى يوم الدين.

و بعد فقد قامت نخبة من اهل العلم من طلاب مولانا العلامة النحرير و الموبي الكبير الاستاذ الشيخ عبد الكريم الرفاعي باشارة منه بنشر كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى (صلى الله عليه و سلم)، المشهور بين الأئمة الاعيان، و العلماء الاعلام، للفقيه المحقق القاضي الامام الحافظ ابي الفضل عياض بن موسى اليحصبي (رحمه اللّه تعالى) بعد توضيحهم ما فيه من الآيات القرآنية و الاحاديث النبوية و حذف اسانيدها مع بقاء الرواة و تفسير الالفاظ اللغوية و كشف معضلاتها و الاماكن الجغرافية و غير ذلك من الامور الموضحة للكتاب الكاشفة عن وجوه مخدراتها اللثام، فقد جاء بحمد اللّه تعالى كتابا يتناول من فوائد فوائده الخاص و العام، و يشرب من صافي شرابه كل وارد و ظمآن، و كيف لا و قد قام بنشره من تغذرا بلبان العلوم و المعارف،

6

و حفتهم العنايات الربانية، و الآداب النبوية و ما ذلك الا بإفضال شيخهم و مرشدهم العالم الرباني من جمع في العلوم بين المنقول و المعقول و الشريعة و الحقيقة الاستاذ الجليل الشيخ عبد الكريم الرفاعي حفظه اللّه و ادام نفعه للأمة و اعظم له الأجر و المنة انه على ما يشاء قدير و هو حسبنا و نعم الوكيل.

عبد الوهاب الحافظ الملقب بدبس و زيت.

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقريظ العلامة الكبير فضيلة الشيخ عبد الكريم الرفاعي‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله و صحبه اجمعين و بعد:

فان من أهم ما تحتاج إليه أمة سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) في عصرنا هذا هو أن تتحول أنماط حياتها عما هي عليه من مخالفات في عاداتها و تقاليدها الى الشكل الذي كان يربي عليه النبي (عليه الصلاة و السلام) أصحابه حتى قوم نفوسهم و أقامها على ما يرضي اللّه سبحانه فجعل منهم خير أمة أخرجت للناس. زهدا في الدنيا. و تورعا عما لا يليق. و ثقة باللّه و توكلا عليه فهانت عليه نفوسهم و أموالهم و عشيرتهم في جنب ما أكرمهم به اللّه.

و استطابوا كل مر و مكروه في سبيل دعوتهم فسكن يقينها قرارة قلوبهم و هيمن على نفوسهم و عقولهم فصدرت عنهم عجائب ما شهدها التاريخ في سالف أيامه فلم تنقض و لن تنقضي آثارها حتى يرث اللّه الارض و من عليها .. و ما كان لهم ذلك الا حين استهانوا بزخارف الدنيا و حطامها و حنوا الى لقاء اللّه سبحانه و تاقوا الى جنات النعيم. فكان ذلك نسيانا لراحاتهم و هجرانا للذاتهم و بذلا لكل غال و نفيس في سبيل الغاية التي‏

8

وضعوها نصب أعينهم و هي أن يكون اللّه راضيا عنهم. و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عينه قريرة بهم ... هذا و ان كل ما نقرأ و نسمع عن صفات هذا الجيل الفريد من البشر. علما و عملا و دعوة. انما كان من تأثرهم بالنبي المصطفى (صلى الله عليه و سلم) و تمثلهم لصفاته الشخصية و أخلاقه العملية مهتدين بهديه مقتفين لآثاره في كل حال و قول و عمل ...... ذلك هو تأسيهم برسول اللّه (عليه الصلاة و السلام) و اقتداؤهم به و ذلك هو الذي يعوزنا و بنقصنا في عصرنا هذا حتى نتخلص مما تورطنا فيه من تقليد للأعاجم و اتباع لهم على العمياء. و ليس ثمة ما يوفر لنا ما نصبوا إليه من اتباع للسلف الصالح في السلوك و الخلق الا أن يعكف أبناء هذه الأمة على دراسة تلك الصفات التي تحلى بها النبي (صلى الله عليه و سلم) و الشمائل التي أكرمه اللّه بها فشعت أنوارها على صحبه الكرام و شاعت أخبارها في كل زمان و مكان فكانوا بحق سادة الدنيا و أساتذة الخير في هذا الوجود ......

لذلك كله لم نجد بدا من وضع كتاب بين أيدي المحبين لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عامة و أبنائنا من طلاب جامع زيد بن ثابت الأنصاري خاصة. يدلهم على الطريق و ينير لهم السبيل ليتبينوا ما يجب أن يحملوا أنفسهم عليه من أخلاق و أعمال تقربهم من النبي (عليه الصلاة و السلام) فتصبغهم بأوصافه و تقيمهم على ما يرضيه فلم نعثر على كتاب يؤدي المقصود و يفي بالغرض مثل كتاب الشفاء الذي تلقفته أيدي العلماء منذ تاليفه فنفذ الى قلوبهم و نال ثقتهم و حاز اعجابهم .. و زاد من ذلك كله أن المؤلف القاضي عياض رضي اللّه تعالى عنه كان في حياته و صفاته من أجدر من يمسك بالقلم ليخط مثل هذا الموضوع‏

9

مستمدا من قلبه الكبير و خلقه القويم و نفسه المتواضعة بل و حياته كلها تلك التي كان يتأسى خلالها بالنبي (صلى الله عليه و سلم) خير أسوة. و لما كانت الطبعات التي أخرجت متن هذا الكتاب الى أسواق الكتب طبعات فيها من التساهل في تحقيق الكتاب الشي‏ء الكثير. و من الاخطاء المطبعية ما هو أكثر ... بل و أبلغ من هذا و ذاك أن هذه الطبعات عزت و فقدت فلم يعد بامكان طالب العلم أن يحصل عليها الا ببذل جهد غير يسير ... لما كان هذا كله رغبت الى بعض أبنائي بالنظر في الكتاب نظر تحقيق دقيق يعتمد على أساس متين من العلم و التمحيص ليخرجوا به الى طلاب العلم كتابا شافيا وافيا ... فقاموا بذلك رضي اللّه عنهم على أحسن شكل مطلوب فكان ذلك تلبية منهم لحاجة ملحة لأبناء هذه الامة طالما تاقت إليها و اشتاقت .. نرجو اللّه سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب كل عامل به و قارى‏ء له و ناظر فيه .. و الحمد للّه رب العالمين.

عبد الكريم الرفاعي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة المحققين‏

لا يشك مسلم في أن مصدر التشريع الأول هو القرآن الكريم و يليه في الأهمية سنة الرسول (صلى الله عليه و سلم) ..

و كما اعتنى المسلمون بالقرآن حفظا و دراسة كذلك وجهوا جهودهم للسيرة النبوية باحثين ممحصين حتى أنتج اهتمامهم الكبير بهذا المصدر العظيم من مصادر التشريع تلك الدراسات الواسعة و القواعد التاريخية الدقيقة و المؤلفات الغزيرة ..

فرحم اللّه ذلك الجيل الكريم الذي خدم كتاب اللّه أجل خدمة و حفظ سنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أعظم حفظ و أدقه.

و لقد كانت دراسة السيرة النبوية جزءا مهما من دراسة السنة المطهرة ...

و لذا اهتم العلماء بهذه السيرة لفائق أهميتها في فهم الشريعة و توضيح نصوصها من عمل الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم) و تصرفاته كلها ..

فسيرة الرسول بهذا تجسيد لمبادئ الإسلام في مثلها العليا و هي تفيد في معرفة جوانب من الحياة الإسلامية منها:

«1- فهم شخصية الرسول (صلى الله عليه و سلم) (النبوية) من خلال حياته و ظروفه التي عاش فيها، للتأكد من أن محمدا (عليه الصلاة و السلام) لم يكن مجرد عبقري سمت به عبقريته بين قومه، و لكنه رسول أيده اللّه بوحي من عنده و توفيق من لدنه.

12

2 ان يجد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شئون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دستورا يتمسك به و يسير عليه. و لا ريب أن الإنسان مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه واجده كله في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على أعظم ما يكون الوضوح و الكمال، و لذا جعله اللّه قدوة للإنسانية كلها، فقال: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (1).

3- ان يجد الإنسان في دراسة سيرته (عليه الصلاة و السلام) ما يعينه على فهم كتاب اللّه تعالى و تذوق روحه و مقاصده، إذ أن كثيرا من آيات القرآن إنما يفسرها و يجليها الأحداث التي مرت برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و موقفه منها.

4- ان تتجمع لدى المسلم من خلال دراسة سيرته (صلى الله عليه و سلم) أكبر قدر من الثقافة و المعارف الإسلامية الصحيحة، سواء ما كان منها متعلقا بالعقيدة أو الأحكام و الأخلاق، إذ لا ريب ان حياته (صلى الله عليه و سلم) إنما هي صورة مجسدة لمجموع مبادئ الإسلام و أحكامه.

5- أن يكون لدى المعلم و الداعية الإسلامي نموذج حي عن طرائق التربية و التعليم، فلقد كان محمد (صلى الله عليه و سلم) معلما ناصحا، و مربيا فاضلا لم يأل جهدا في تلمس إحدى الطرق الصالحة إلى ذلك خلال مختلف مراحل دعوته.

و إن من أهم ما يجعل سيرته (صلى الله عليه و سلم) وافية بتحقيق هذه الأهداف كلها أن سيرته (عليه الصلاة و السلام) شاملة لكل النواحي الإنسانية و الاجتماعية التي توجد في الإنسان من حيث إنه فرد مستقل بذاته أو من حيث إنه عضو فعال في المجتمع.

____________

(1) الأحزاب 21.

13

فسيرته (عليه الصلاة و السلام) تقدم إلينا نماذج سامية للشاب المستقيم في ذاته، الأمين مع قومه و أصحابه، و للإنسان الداعية إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، الباذل منتهى طاقته في سبيل إبلاغ رسالته. و لرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق و حكمة بالغة، و للزوج المثالي في حسن معاملته و الأب في حنو عاطفته مع تفريق دقيق بين الحقوق و الواجبات لكل من الزوجة و الأولاد، و للقائد الحربي الماهر و السياسي الصادق المحنك، و للمسلم الجامع بين واجب التعبد و التبتل لربه، و المعاشرة الفكهة اللطيفة مع أهله و أصحابه.

لا جرم إذا أن دراسة سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم) إنما هي تفهم لهذه الجوانب الانسانية كلها مجسدة في أرفع نموذج و أتم صورة» (1).

إن السيرة التي يحق لصاحبها أن تتخذ الناس من حياته اسوة حسنة و مثلا أعلى يجب أن تكون متصفة بالصفة التاريخية الصحيحة.

أما السيرة التي حاكتها الاساطير و تفشت منها الخرافات فانها لا تملك قدرة السيطرة على القلوب و النفوس و من ثم لا يستطيع الناس أن يتأسوا و يتقيدوا بها و نحن معشر المسلمين نؤمن برسالات الأنبياء كلها و نؤمن بهم و نتعرف على جوانب حياتهم و دعوتهم من خلال القرآن الكريم و السنة المطهرة بعد أن عض الزمان و النسيان على سيرتهم التاريخية؟ و بعد أن تلاعبت الايدي بالمسخ و النسخ فيها.

و نؤمن بالأنبياء كلهم مع علمنا بأنهم مجاهدون رتبة و مكانة و نحن نرى من عرض سير الأنبياء و الرسل ان صحة الأسانيد و بقاءها محفوظة لم يتاحا لسيرة واحد منهم مثلما اتيح لسيرة سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم).

____________

(1) نقلا عن كتاب فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 19.

14

كما أن من الشروط المحتمة التي لا بد منها لكل من يرجو أن تكون سيرته و هدايته اسوة للبشر، الكمال و التمام و الجمع. و المراد بالكمال و التمام و الجمع ان الطوائف الانسانية المتفرقة و الطبقات البشرية المختلفة تحتاج الى أمثلة كثيرة و متنوعة تتخذها منهاجا لحياتها الاجتماعية. و كذلك الأفراد في المجتمع الانساني يحتاجون إلى مثل عليا يقتدون بها في جميع مناحي حياتهم. لذا يجب أن تكون حياة المتأسى به واضحة ناصعة عاليه ..

و هذه النظرة الصحيحة لا نجدها تتمثل في حياة أحد مثلما تتمثل في حياة سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) ذلك لانها استجمعت الصفات التي مر ذكر بعضها و هي.

1- ان تكون سيرة تلك الحياة (تاريخية) أي ان التاريخ الصحيح الممحص يصدقها و يشهد لها ..

و لقد شهد التاريخ كله شرقيه و غربيه مسلمه و كافره، ان الدقة التي وصل إليها المسلمون في دراسة السيرة النبوية من الوجهة العلمية بلغت الاوج و المنتهى الذي تقف عنده أقلام النقد و التمحيص ... و لا يزال المنهج التاريخي العلمي الذي ابتدعه المسلمون أول ما ابتدعوه لغاية الحفاظ على سيرة هذا الرسول العظيم- لم يزل ذلك المنهج قدوة المؤرخين في سلوك طريق البحث و التنقيب حتى الآن.

2- أن تكون سيرة الحياة (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة و مناحيها و جميع شئونها.

في البيت و في السوق، مع نفسه و مع ربه و مع الناس في الفرح و في الترح في الغضب و في الرضى في الحرب و في السلم في الجد و في المداعبة في الليل و في النهار مع الاعداء و مع الاصدقاء ... في كل هذه الحالات‏

15

يجب أن تجمع هذه الحالات مختلف هذه الجوانب بشكل واضح و صريح و بصورة تعطي للناس قدوة حسنة يمكن اتباعها و التأسي بها. و هذا كله أدته السنة المطهرة في كتب الحديث و السنن الواسعة الموثوقة.

3- أن تكون (كاملة) أي تكون متسلسلة لا تنقص شيئا من حلقات الحياة الواسعة التي تشمل مختلف العواطف البشرية و النزعات الانسانية.

و من أعجب العجب أن أية نبضة من نبضات القلب البشري أو أية إشرافة من إشرافات الفكر الإنساني تجدها من خلال دراسة السنة المطهرة و قد ظهرت في أسمى نزعاتها و أرفع غاياتها و كأن السنة بهذا صورة واقعية و رسم واضح لما تمليه الإرادة الإلهية و لما تطلبه من نبي البشر.

4- أن تكون تلك السيرة (عملية) أي تكون الدعوة الى المبادئ و الفضائل و الواجبات بعمل الداعية و أخلاقه. و أن يكون ما دعا إليه بلسانه قد حققه في سيرته و عمل به في حياته الشخصية و البيتية و الاجتماعية.

و نعتقد أن هذه الناحية العملية في سيرة النبي العظيم هي أعظم ما يجذب إليه القلوب و يؤلف حول دعوته الارواح.

و ان هذه الناحية المهمة في سيرة محمد (صلى الله عليه و سلم) لأشهر و أبرز من أن يجهلها إنسان فهي واضحة في كل تصرفاته و حركاته و سكناته ..

و لقد تعددت السير النبوية و اختلفت في منهاج الدراسة التي سارت عليه متتبعة أحواله (صلى الله عليه و سلم) في الفترة ما بين الميلاد أو ما قبله أيضا. الى وفاته (صلى الله عليه و سلم).

و امتازت كل طريقة بميزات خاصة أبرزتها من ناحية و أفردتها من ناحية

16

اخرى حتى أصبح الدارس المتعمق لا يستغني عن أكثر ما كتب في هذا المجال.

و كتاب الشفاء هذا يمتاز عن كل ما كتب في دراسة السيرة النبوية بميزات أفردته وحده في هذا الميدان و أبرزت عظيم قدره عند المحبين و العلماء و المحققين ...

و لعلنا ندرك هذه الميزات إدراكا واضحا عند ما نقرأ الفقر التي كتبها المؤلف في مقدمته مبينا فيها الأسباب التي دعته لتأليف هذا الكتاب:

قال (رحمه اللّه): في خطابه لصاحب الرسالة الذي طلب منه تأليف الكتاب فإنك كررت عليّ السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى (عليه الصلاة و السلام)، و ما يجب له من توقير و إكرام، و ما حكم من لم يوفّ واجب عظيم ذلك القدر أو قصّر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر، و أن أجمع لك ما لأسلافنا و أئمتنا في ذلك من مقال، و أبينه بتنزيل صور و أمثال.

فنجد أن السائل جزاه اللّه خيرا طلب من المؤلف (رحمه اللّه) أربعة أمور:

1- التعريف بقدر المصطفى (صلى الله عليه و سلم).

2- ما يجب له (صلى الله عليه و سلم) من توقير و احترام.

3- حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر أو قصر في ذلك.

4- جمع أقوال السلف و الائمة في هذه الامور.

و قد ذكر المؤلف (رحمه اللّه) أن هذه الامور التي طالبه صاحب الرسالة بشرحها شديدة خطيرة لما تحتاجه من (تقرير أصول، و تحرير فصول، و الكشف عن غوامض و دقائق من علم الحقائق مما يجب للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و يضاف‏

17

إليه أو يمتنع أو يجوز عليه، و معرفة النبي و الرسول و الرسالة و النبوة و المحبة و الخلة، و خصائص هذه الدرجة العلية ...)

و من هذه اللمحات الخاطفة التي ظهرت في سؤال السائل و في بيان المؤلف نلمح الاتجاه العلمي الدقيق الذي يمت بصلة قوية الى علم الاصول ...

و من خلال فصول الكتاب الجميلة عرضا و ترتيبا و فكرة نشاهد بوضوح هذه اللمحات و قد أخذت اتجاها منطقيا في عرض الفكرة و ما يتعلق بها من آراء و أقوال ثم في مناقشة هذه الاقوال و الآراء مناقشة هادئة تظهر عليها روح القاضي الهادئة و أفكاره المنظمة و عند ما نصل إلى نهاية الفصل نشعر بوضوح أظهر اننا في محكمة عادلة يهيمن عليها فكر واع حصيف و قلب مدرك حساس.

و ان الانسان لا يملك نفسه أما روعة الاعجاب التي تتملك نفسه و هو يتابع تلك المناقشات الرائعة لاقوال السلف و الأئمة التي يعرضها المؤلف و يتابعها باخلاص علمي شديد ... ثم بعد ذلك و هو يتناولها- في تواضع عجيب- بالنقد الشريف ..

و في هذا النقد يرى القارئ عقل المؤلف في صفائه و عمقه و دقته ... و لعل أسوا ما منى به هذا الكتاب العظيم- الذي ظل مهوى أفئدة العلماء و الائمة في كل عصر- ما ناله من التشويه في الطباعة و العرض خضوعا للرغبة التجارية و المكسب المادي.

و عند ما عرض هذا الكتاب على طلبة العلم في مساجد دمشق وجد المدرس و الطالب مشقة أبعدته عن حب هذا الكتاب و بالتالي عن فهمه،

18

و ضاع الطالب بين سطوره المتتابعة التي حشيت فيها الاقوال حشوا و رصفت فيها الألفاظ رصفا لا يعتمد على نظام و لا يتفق على ترتيب هذا علاوة على ما فيه من أخطاء في الطباعة و نقص في تحقيق الأحاديث الواردة فيه- مع أن الشراح رحمهم اللّه خرجوا أحاديثه- فان شروح هذا الكتاب مطولة و تحتاج الى تنظيم و لا يمكن أن تقوم هذه الشروح بدل الكتاب نفسه في أيدي الطلاب.

كما أن كثيرا من كلمات الكتاب تحتاج الى شرح لغوي يبين معناها للطالب و الدارس ليفهم النص دون الرجوع الى معاجم اللغة ..

و عند ما برزت كل هذه الصعاب للعيان عند تدريس هذا الكتاب طلب منا المربي الكبير فضيلة العلامة الشيخ عبد الكريم الرفاعي حفظه اللّه تعالى.

العمل على تنظيم و ترتيب الكتاب لمل‏ء الفراغ المحسوس.

و لبينا الطلب مسترشدين بتعليمات فضيلة الشيخ في كيفية العمل و طريقته التي نلخصها فيما يلي:

1- عرض الكتاب عرضا واضحا .. و تحقق هذا بتوضيح الأقوال و الافكار التي فيه بشكل واضح منظم من حيث تقسيم الفقرات و الفصل بين الأقوال و إبراز اسم القائل لعين القارئ بحيث لا يحتاج الى البحث عنه خلال السطور بحثا دقيقا.

كما أن الآيات و الأحاديث برزت عن سواها من الكلام بحروفها المتميزة.

2- رغبة في الاختصار حذفنا السند المطوّل للأحاديث الواردة في الكتاب و أثبتنا الصحابي أو التابعي الذي رواها عن الرسول (صلى الله عليه و سلم).

19

3- ورد تخريج الاحاديث في شروح الشفاء فنقلنا جهد هؤلاء العلماء رحمهم اللّه الى هذا الكتاب مبينين درجة الحديث المروي.

4- تخريج الآيات الكريمة و بيان الأعلام و تفسير الكلمات اللغوية التي تحتاج الى ذلك.

5- و لقد وضعنا على الهامش الوحشي للكتاب عناوين صغيرة تدل على ما في الفقرة أو الصفحة من معنى حتى اذا احتاج قارى‏ء الكتاب العودة الى بعض معانيه قادته تلك العناوين الصغيرة الى مطاوبه بسرعة.

6- ذكرنا بعض الكلمات التي وجدت في بعض النسخ بصورة مغايرة للنسخ الاخرى و نقلنا ذلك عن الشروح أيضا.

7- و رغبة منا في العمل على نشر هذا الكتاب و ايصاله الى كل بيت ليكون في متناول كل يد سلكنا طريقة اصداره مجزءا الى اقسام صغيرة حيث يسهل على القارئ مراجعة مضمون هذا الجزء اذ لمسنا ذيوع هذه الطريقة و عموم فائدتها.

8- و لما كان الكتاب على جزءين حسب ترتيب المصنف (رحمه اللّه) سنعمد ان شاء اللّه الى وضع ذيل يتضمن فهارس عامة لمحتويات الكتاب من حيث المواضيع و أسماء الاعلام و أسماء الاماكن و سردا خاصا بالمراجع الهامة التي عدنا إليها في تحقيق هذا الكتاب.

و إننا إثر هذا وجدنا بعد عرض الكتاب في ثوبه الجديد على فضيلة أستاذنا عبد الكريم الرفاعي و على ثلة من علماء دمشق الافاضل ان الكتاب أصبح وافيا بالغرض المطلوب الذي بذل هذا الجهد بصدده و نعتقد ان هذا المجهود لا يتلاءم بحال مع قدر هذا الكتاب العظيم.

20

و لكننا بذلنا ما في الوسع سائلين اللّه تعالى أن يقيض لهذا الكتاب العظيم من يرفعه الى مكانه الرفيع في دنيا العلم و العلماء و في أيدي الأصوليين و الفقهاء و عند دارسي سيرته (صلى الله عليه و سلم) و محبي طريقته و متبعي شريعته ...

و اللّه ولي التوفيق.

المحققون‏

21

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ترجمة المؤلف‏

في نهاية القرن الخامس الهجري و في سنة ست و سبعين و أربعمائة على وجه التحديد ولد مؤلف الشفاء القاضي الكبير و المحدث الجليل و الأديب الفقيه عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي الغرناطي المالكي ...

لقد كان هذا القرن عصر ازدهار العلوم و الفنون في بلاد الاندلس التي بدأت تنافس المشرق بالفخر العلمي و بالمجهود الأدبي الذي كان بلاط الخلفاء يزدهر بغرسه و نتاجه ..

أصله ...

لقد جاء أجداد عياض من الاندلس الى بلدة فاس في بلاد المغرب يحملون معهم صفات تلك البيئة العلمية في نفوسهم و أرواحهم ... و ولد قاضينا الكبير في بلدة سبتة في شهر شعبان بعد أن انتقل إليها والده من مدينة فاس ......

و سبتة بموقعها الجغرافي كانت همزة وصل بين الشمال الافريقي و بين الاندلس الزاهرة أو بالاحرى بين المشرق و المغرب على اعتبار أن كلمة المغرب كانت تطلق على البلاد الاندلسية.

22

و في هذه البلدة كان الوافدون على الاندلس و العائدون منها يلتقون و يتبادلون الآراء و الافكار فتتلاقح بهذا التلاقي علوم المشرق بميزاتها الفلسفية و المنطقية و بما فيها من عمق فكري و دقة بحث مع علوم المغرب بما فيها من روح جمالية أدبية و نظرة جديدة في الوجود فرضها الواقع الجديد و البيئة الجديدة ...

و يرجع أصل المؤلف من ناحية أجداده إلى يحصب بن مالك أبو قبيلة باليمن ... فالمؤلف بهذا عربي أصيل.

فاجتمعت للمؤلف كل الصفات العلمية المؤهلة من ناحية الوراثة و البيئة ثم أضاف إليها تلك الدراسة العميقة التي أخذ بها نفسه منذ نعومة أظفاره ..

و لقد كان له كثير من الشيوخ الذين أخذ عنهم الفقه و الاصول و الحديث و الادب و ظهرت جوانب من تلك العلوم في المصنفات العديدة التي ألّفها و يستطيع القارئ أن يلمح تلك الاسماء العديدة في سند أكثر الاحاديث النبوية الشريفة التي يرويها بطريقة عنهم ... و خاصة في كتاب الشفاء ...

علمه ...

و اتجه القاضى منذ نعومة أظفاره إلى تعلم العلوم الشرعية فأتقنها إتقانا عجيبا و في سن مبكرة كما ذكر صاحب كتاب أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض .... و لم تمنعه دراسته للعلوم الشرعية من الاخذ من علوم الادب و اللغة و ظهر ذلك جليا في كتاباته الجميلة الآسرة.

و أصبح المؤلف بعد فترة وجيزة قاضيا لسبتة في بلاد المغرب على المذهب المالكي الذي عم في افريقيا و انتشر فيها.

23

و بدأ يتجه الى التأليف و اخراج التصانيف المفيدة في التفسير و الحديث و السيرة النبوية الشريفة.

و بدأ فشرح صحيح مسلم شرحا جيدا ساعده عليه علمه بالحديث و روايته له. و أخرج تفسيرا للقرآن.

و لم يطل المقام به في سبتة حتى نقل إلى غرناطة سنة إحدى و ثلاثين و خمس مائة. و لم يطل مقامه بها حتى نقل ثانية إلى سبتة ليتولى فيها القضاء ..

و قد ذكر ابن فرحون من علماء المالكية في طبقاته عن القاضي عياض انه كان إماما في الفقه و التفسير و الحديث و سائر العلوم خطيبا بليغا و ذكر من تآليفه نحو ثلاثين تأليفا جليلا.

شعره ...

و ذكر ابن فرحون بعض أشعار القاضي عياض التي تدل على أدبه و بلاغته و منها:

اللّه يعلم إني منذر لم أركم* * * كطائر خانه ريش الجناحين‏

و قال:

انظر إلى الزرع و خاماته* * * يحكى و قد ماست أمام الرياح‏

كتيبة خضراء مهزومة* * * شقايق النعمان فيها جراح‏

كتاب الشفاء:

و إن أعظم ما خطه يراع القاضي هو كتاب الشفاء الذي تداولته أيادي العلماء من كل أمة درسا و فهما فلم يخل منه بيت عالم فاضل أو زاهد كريم أو محب على محبته مقيم ...

24

و قد ذكر ابن المقري اليمني الشافعي (رحمه اللّه) في ديوانه أن كتاب الشفاء مما شوهدت بركته و كان قد ابتلي بمرض فقرأه فعافاه اللّه منه و قال في ذلك:

ما بالكتاب هواي لكن الهوى* * * أمس بما أمسى به مكتوبا

كالدر يهوى العاشقون بذكرها* * * شغفا بها لشمولها المحبوبا

أرجو الشفاء تفاؤلا باسم الشفاء* * * فحوى الشفاء و أدرك المطلوبا

و بقدر حسن الظن ينتفع الفتى* * * لا سيما ظن يصير مجيبا

هذا و في الشفاء بعض الاحاديث الضعيفة و قليل مما قيل إنه موضوع تبع فيه ابن سبع في شفائه و قد نبه على ذلك كله الجلال السيوطي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفاء.

و قد اختتمت حياة المؤلف الحافلة يوم الجمعة بمراكش في جمادى الآخرة سنة أربع و أربعين و خمسمائة .. و ما قيل من أنه قتل لا أصل له.

و قد مدحه الشاعر علي بن هارون بقوله:

ظلموا عياضا و هو يحلم عنهم* * * و الظلم بين العالمين قديم‏

جعلوا مكان الراي عينا في اسمه‏ (1)* * * كي يكتموه و شأنه معلوم‏

لو لاه ما فاحت أباطح سبتة (2)* * * و الروض حول فنائها معدوم‏

و لبعض الأدباء في مدح هذا الكتاب:

عوضت جنات عدن يا عياض* * * عن الشفاء الذي الفته عوض‏

جمعت فيه أحاديثا مصححة* * * فهو الشفاء لمن في قلبه مرض‏

____________

(1)- و يقصد بذلك أن أصل اسمه (رياض) فأبدلت الراء عينا.

(2)- البلد التي ولد فيها.

25

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة المؤلف‏

الحمد للّه المتفرد (1) باسمه الأسمى‏ (2)، المختص بالعز (3) الأحمى‏ (4) الذي ليس دونه‏ (5) منتهى و لا وراءه مرمى‏ (6)، الظاهر (7) لا تخيلا (8) و لا وهما، الباطن‏ (9) تقدسا لاعدما (10)، وسع‏ (11) كل شي‏ء رحمة

____________

(1)- و في نسخة- المتفرد المتوحد.

(2)- الاسمى- أفعل التفضيل من السمو و هو الارتفاع أي الممتاز عن المشاركة في اسمه الأعلى.

(3)- الأعز- من العزة و العزيز الذي لا يحوم حوله ذل و لا مغلوبية.

(4)- الأحمى- أفعل التفضيل من حميته حماية، و المحمي المصون.

(5)- دونه- لها معان منها عند، و أمام، و وراء و هي هنا بمعنى فوق و أمام.

(6)- مرمى- المرمى هو الغرض الذي يرمى إليه و ينتهي إليه السهم. فليس للعقل وراء الايمان به و معرفته متامس.

(7)- الظاهر- من أسمائه تعالى (و هو بمعنى الواضح الجلي، و هو هنا الظاهر للفطرة و البصيرة في آياته. و تدبير حكمته. و لا يذكر إلّا مقرونا باسمه تعالى الباطن.

(8)- تخيلا- أي ظنا بالقوة الخيالية.

(9)- الباطن- باعتبار ذاته لا صفاته.

(10)- تقدسا- تفعلا من القدس و هو الطهارة و التنزه: (عدما) أي فقدا اذ لا يقتضي عدم ظهوره نفي وجوده و نوره.

(11)- وسع- أحاط.

26

و علما، و أسبغ‏ (1) على أوليائه نعما عمّا (2)، و بعث فيهم رسولا من أنفسهم‏ (3) أنفسهم‏ (4) عربا و عجما، و أزكاهم‏ (5) محتدا (6) و منمى‏ (7)، و أرجحهم عقلا و حلما (8)، و أوفرهم علما و فهما و أقواهم يقينا (9) و عزما، و أشدهم بهم رأفة و رحما، و زكاه روحا و جسما، و حاشاه‏ (10) عيبا و وصما (11)، و آتاه حكمة (12) و حكما (13) و فتح به أعينا عميا (14)، و قلوبا غلفا (15) و آذانا صما، فآمن به و عزّره‏ (16) و نصره من جعل اللّه له في مغنم‏

____________

(1)- أسبغ- أتم و أكمل، و هو في الأصل صفة للدرع و للثوب الطويل.

(2)- عما- جمع عميمه و هي التامة الشاملة.

(3)- أنفسهم- مشتقة من النفس من العرب أو من البشر لا من الملائكة.

(4)- أنفسهم- أشرفهم و أعظمهم. من النفيس.

(5)- أزكاهم- أظهرهم و أنماهم حسا و معنى.

(6)- محتدا- الأصل و للطبع بكسر التاء.

(7)- منمى- اسم زمان أو مكان مصدر ميمي من النمو.

(8)- حلما- بكسر الحاء هو ضبط النفس عن هيجان الغضب.

(9)- اليقين- هو العلم الذي زال منه الريب تحقيقا.

(10)- حاشاه- فعل ماض بمعنى نزهه اللّه و برأه.

(11)- عيبا و وصما- العيب و الوصم شي‏ء واحد الا أن الوصم أخص من العيب.

(12)- الحكمة المنع و الحكيم من منع نفسه من شهواتها.

(13)- حكما- القضاء في الأحكام.

(14)- عميا- حسا و معنى.

(15)- غلفا- جمع أغلف و هو ما وضع في غلاف.

(16)- عزره- عظمه و وقره.

27

السعادة قسما، و كذب به و صدف‏ (1) عن آياته من كتب اللّه عليه الشقاء حتما، و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى‏ (2) صلى اللّه عليه صلاة تنمو و تنمى و على آله و صحبه و سلم تسليما.

أما بعد: أشرق اللّه قلبي و قلبك بأنوار اليقين و لطف لي‏ (3) و لك بما لطف بأوليائه المتقين، الذين شرفهم اللّه بنزل‏ (4) قدسه، و أوحشهم من الخليقة بأنسه، و خصهم من معرفته و مشاهدة عجائب ملكوته‏ (5) و آثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبرة (6)، و وله‏ (7) عقولهم في عظمته حيرة، فجعلوا همهم به واحدا، و لم يروا في الدارين غيره مشاهدا.

____________

(1)- صدف: أعرض.

(2)- الاسراء آية 73.

(3)- لطف لي: المشهور تعدية لطف بالباء كقوله تعالى اللّه لطيف بعباده و جاء تعديه باللام في قوله (ان ربي لطيف لما يشاء .. و في نسخة صحيحه (بما لطف لأوليائه) فما موصوله .. و في نسخة (بعباده).

(4)- نزل: ما يهيأ للضيف من مكان.

(5)- الملكوت: باطن الملك. أو العالم العلوي (و كذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات ..)

(6)- حبرة: من الحبور و هو السرور (فهم في روضة يحبرون).

(7)- و له: الوله الحزن أو ذهاب العقل الناشئ منه من باب تعب و الوله لغة نفس الحبرة.

28

فهم بمشاهدة جماله و جلاله يتنعمون‏ (1).

و بين آثار قدرته و عجائب عظمته يترددون. و بالانقطاع إليه و التوكل عليه يتعززون لهجين‏ (2) بصادق قوله‏ «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‏ (3) فانك كررت علي السؤال في مجموع‏ (4). يتضمن التعريف بقدر المصطفى (عليه الصلاة و السلام)، و ما يجب له من توقير و اكرام، و ما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة (5) ظفر، و أن أجمع لك ما لأسلافنا و أئمتنا في ذلك من مقال، و أبينه بتنزيل، (6) صور و أمثال.

فاعلم أكرمك اللّه انك حملتني من ذلك أمرا إمرا (7)، و أرهقتني‏ (8) فيما ندبتني‏ (9) إليه عسرا، و أرقيتني‏ (10) بما كلفتني مرتقى صعبا ملأ قلبي رعبا.

____________

(1)- و في أصل التلمساني (يتمتعون).

(2)- لهجين: مواظبين و مداومين على ذكر اللّه.

(3)- الانعام 91.

(4)- مجموع: أي في مصنف مجموع.

(5)- قلامة: و هو ما يسقط من الظفر.

(6)- بتنزيل صور: أي بتصوير صور.

(7)- إمرا: شديدا و عظيما.

(8)- أرهقتني: الارهاق و الرهق تكليف ما لا يطاق (و لا ترهقني من أمري عسرا)

(9)- ندبتني: طلبته مني.

(10)- أرقيتني: الجأتني الى صعوده.

29

فان الكلام في ذلك يستدعي تقرير اصول، و تحرير (1) فصول، و الكشف عن غوامض و دقائق من علم الحقائق‏ (2) مما يجب للنبي (صلى الله عليه و سلم) و يضاف إليه أو يمتنع أو يجوز عليه، و معرفة النبي و الرسول و الرسالة، و النبوة و المحبة و الخلة (3)، و خصائص هذه الدرجة العلية.

و هاهنا مهامه‏ (4) فيح‏ (5) تحار فيها القطا (6)، و تقصر بها الخطا، و مجاهل تضل فيها الأحلام ان لم تهتد بعلم‏ (7) علم و نظر سديد و مداحض‏ (8) تزل بها الاقدام ان لم تعتمد على توفيق من اللّه و تأييد، لكني لما رجوته لي و لك في هذا السؤال و الجواب من نوال‏ (9) و ثواب بتعريف قدره الجسيم، و خلقه العظيم و بيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق، و ما يدان‏ (10) اللّه تعالى به من‏

____________

(1)- تحرير: تهذيب.

(2)- الحقائق: هي الأمور الثابتة من الأدلة النقلية و العقلية.

(3)- الخلة: بالضم ضرب من المحبة.

(4)- مهامه: جمع مهمه كجعفر و هو القفر و المفازة البعيدة سميت بذلك لانها مخوفة يقول فيها الانسان لصاحبه مه مه أي اسكت.

(5)- فيح: الواسعة:

(6)- القطا: طائر يوصف بالسرعة في الطيران و الاهتداء في الظلمات و التبكير.

(7)- علم علم: علامة يعلم بها.

(8)- مداحض: مزالق.

(9)- نوال: عطاء.

(10)- يدان: يطاع.

30

حقه الذي هو أرفع الحقوق ليستيقن الذين اوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا ايمانا (1).

و لما أخذ اللّه تعالى على الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه و لما حدثنا به ابو الوليد (2) هشام ابن أحمد الفقيه (رحمه اللّه) بقراءتي عليه، قال حدثنا الحسين‏ (3) بن محمد، حدثنا ابو عمرو النمري‏ (4) حدثنا ابو محمد (5) بن عبد المؤمن، حدثنا ابو بكر محمد بن بكر (6)، حدثنا سليمان بن الاشعث‏ (7)، حدثنا موسى بن‏

____________

(1)- المدثر: 31.

(2)- أبو الوليد هشام ابن أحمد هو الامام القرطبي الزاهد المحدث المعروف بابن العواد أحد شيوخ المصنف مهر في النحو و العربية. و وصفه تلميذه القاضي عياض بالدقة في الاتقان و الضبط. و توسع في المعارف ولد سنة 452 ه و توفي سنة 509 ه.

(3)- الحسين بن محمد حافظ مشهور له كتب مفيدة توفي 498 ه.

(4)- أبو عمر بن عبد البر النمري. حافظ المغرب و شيخ الاسلام صاحب الاستيعاب ولد سنة 368 ه و توفي في شاطبة سنة 463 ه.

(5)- أبو محمد بن عبد المؤمن: هو من قدماء شيوخ ابن عبد البر. كان تاجرا صدوقا لقي كبار العلماء إلا أنه لم يكن جيد الضبط. كما ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال.

(6)- أبو بكر محمد بن بكر: المعروف بابن داسه من مشايخ الحديث المشهورين أحد رواه سنن أبي داود. و قد روى عنه بالاجازة أبو نعيم الأصبهاني.

(7)- سليمان بن الأشعث: هو الامام الحافظ أبو داوود السجستاني من مشايخه احمد بن حنبل و قد أراه كتابه فاستحسنه. و مناقبه معروفة و قيل عنه: الين الحديث لأبي داود كما ألين الحديد لداود (عليه الصلاة و السلام) ولد سنة 202 ه و توفي سنة 275 ه بالبصرة.

31

اسماعيل‏ (1) حدثنا حماد (2) اخبرنا علي بن الحكم‏ (3) عن عطاء (4)، عن ابي هريرة (5) رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، من سئل عن علم فكتمه الجمه اللّه بلجام من نار يوم القيامة (6).

فبادرت الى نكت‏ (7) سافرة (8) عن وجه الغرض، مؤديا من ذلك‏

____________

(1)- موسى بن اسماعيل: من المحدثين روى عنه البخاري و أبو داود و قال عباس الدوري: كتبنا عنه خمسة و ثلاثين الف حديث، ثقة ثبت. أخرج له الجماعة اصحاب الكتب الستة و توفي سنة 223 ه.

(2)- حماد: روى عنه شعبة و مالك و غيرهما صدوق يغلط و ليس هو في قوة مالك و أخرج له مسلم و الأربعة توفي سنة 199.

(3)- علي بن الحكم: البناني البصري روى عن أنس و أبي عثمان الهندي و طائفة منهم نافع. أخرج له البخاري و الأربعة توفي سنة 131 ه.

(4)- عطاء بن أبي رباح: روى عن عائشة و أبي هريرة و جابر و ابن عباس و زيد بن أرقم و روى عنه الأوزاعي و ابن جريج و أبو حنيفة و الليث و أمم. أخرج له الأئمة الستة. و هو من كبار التابعين المتفق على توثيقه و جلالته توفي و له ثمانون سنة 103 ه.

(5)- أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر قيل أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كناه بها لما رآه يحمل هرة في كمه أسلم عام خيبر و شهدها و لازم مجلس النبي (صلى الله عليه و سلم) صابرا زاهدا و لذا عد من أحفظ الصحابة رضي اللّه عنهم و روى عنه ما لم يرو غيره و في البخاري عنه أنه قال: لم يحفظ أحد أكثر مني إلّا عبد اللّه بن عمرو بن العاص فانه كان يكتب و انا لا أكتب و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) قد دعا له بالحفظ فلم ينس شيئا سمعه بعد. مات بالمدينة.

(6)- أسنده المصنف (رحمه اللّه) من طريق أبي داوود و أخرجه الترمذي و حسنه، و ابن حبان و الحاكم و ابن ماجه بسند صحيح من طريق محمد بن سيرين.

(7)- نكت- نكت في الأرض طعنها و هي هنا ما خفي من الامر حتى يفتقر الى تفكر.

(8)- و في نسخة (مسفرة) و في نسخة (سافرة مسفرة) بالجمع بينهما، و هو الكشف مطلقا.

32

الحق المفترض، اختلستها (1) على استعجال لما المرء بصدده‏ (2) من شغل البدن و البال، بما قلده‏ (3) من مقاليد المحنة التي ابتلي بها فكادت تشغل عن كل فرض و نفل و ترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل، و لو أراد اللّه بالإنسان خيرا لجعل شغله و همه كله فيما يحمد غدا أو يذم محله، فليس ثم سوى نضرة (4) النعيم. أو عذاب الجحيم، و لكان عليه بخويصته‏ (5) و استنقاذ مهجته‏ (6)، و عمل صالح يستزيده، و علم نافع يفيده أو يستفيده.

جبر (7) اللّه تعالى صدع‏ (8) قلوبنا، و غفر عظيم ذنوبنا، و جعل جميع استعدادنا لمعادنا (9)، و توفر دواعينا) فيما ينجينا و يقربنا إليه‏

____________

(1)- و في نسخة (اختلسها) بالمضارع المتكلم، و في نسخة (اختلسوها) و هو خطأ ظاهر.

(2)- بصدده: بسبيله.

(3)- قلده: بالمجهول، و في نسخة (طوقه) و المعنى واحد أي كلفه.

(4)- نضرة: الحسن، و في نسخة (حضرة) اشارة الى حضوره.

(5)- خويصته: تصغير خاصته، و هو الأمر الذي يختص به.

(6)- مهجته: روحه.

(7)- جبر: أصلح.

(8)- صدع: كسر.

(9)- معادنا: مرجعنا.

33

زلفى‏ (1) و يحظينا (2) بمنه‏ (3) و رحمته.

و لما نويت تقريبه و درجت‏ (4) تبويبه، و مهدت تأصيله و خلصت‏ (5) تفصيله و انتحيت‏ (6) حصره و تحصيله ترجمته‏ (7) بالشفا (8) بتعريف حقوق المصطفى. و حصرت الكلام فيه في أربعة أقسام‏ (9).

(القسم الأول:) في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولا و فعلا، و توجه‏ (10) الكلام فيه في أربعة أبواب.

الباب الأول: في ثنائه تعالى عليه و اظهاره عظيم قدره لديه و فيه عشرة فصول.

____________

(1)- زلفى: مصدر أو حال من تزلف تقرب (و أزلفت الجنة للمتقين).

(2)- يحظينا: يرفع قدرنا و يخصنا بالمنزلة العلية.

(3)- بمنه: بسبب امتنانه.

(4)- درجت: رتبت و منه الدرج أي درجة درجة.

(5)- خلصت: بينت و عينت.

(6)- انتحيت: قصدت و في نسخة (انتخبت) من التصفية و هو لا لا معنى له هنا.

(7)- ترجمته: سميته. و اصل معنى الترجمة التعبير من لغة لأخرى، أو تبليغ الكلام الخفي. (ان الثمانين و بلغتها قد أحوجت سمعي الى ترجمان).

(8)- الشفاء: هي الشفاء فقد اجازوا للناثر لمراعاة فاصلة السجع ما يجوز للشاعر كقوله: «لا بد من صنعا و أن طال السفر»،

(9)- و في نسخة (في أقسام اربعة).

(10)- توجه» انحصر.

34

الباب الثاني: في تكميله تعالى له المحاسن خلقا و خلقا و قرانه‏ (1) جميع الفضائل الدينية و الدنيوية فيه نسقا (2) و فيه سبعة و عشرون فصلا (3).

الباب الثالث: فيما ورد من صحيح الأخبار و مشهورها بعظيم قدره عند ربه و منزلته، و ما خصه اللّه به في الدارين من كرامته، و فيه اثنا عشر فصلا (4).

الباب الرابع: فيما أظهره اللّه تعالى على يديه من الآيات و المعجزات و شرفه به من الخصائص و الكرامات و فيه ثلاثون‏ (5) فصلا.

(القسم الثاني) فيما يجب على الأنام‏ (6) من حقوقه (عليه الصلاة و السلام). و يترتب القول فيه في أربعة أبواب.

____________

(1)- قرانه: مقارنته و جمعه.

(2)- نسقا: متتابعا.

(3)- بل هي ستة و عشرون فصلا.

(4)- هكذا في كل النسخ و الذي في هذا الباب خمسة عشر فصلا و لعله قصد بالاثنى عشر فصولا مهمة و بزيادة الثلاثة مكملة.

(5)- الذي فيه من الفصول تسعة و عشرون و لعله عد ما صدر من الباب الى الفصل فصلا.

(6)- الأنام: الخلق او الانس و الجن، أو كل ما على وجه الارض و المناسب هنا الثاني.

35

الباب الأول: في فرض الإيمان به و وجوب طاعته و اتباع سنته و فيه خمسة فصول‏ (1).

الباب الثاني: في لزوم محبته و مناصحته و فيه ستة فصول‏ (2)

الباب الثاني: في تعظيم أمره و لزوم توقيره و بره و فيه سبعة (3) فصول.

الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه و التسليم و فرض ذلك و فضيلته و فيه عشرة فصول‏ (4)

(القسم الثالث) فيما يستحيل‏ (5) في حقه (صلى الله عليه و سلم) و ما يجوز عليه و ما يمتنع و يصح‏ (6) من الامور البشرية ان يضاف إليه، و هذا القسم‏

____________

(1)- بل هي أربعة و العذر ما تقدم.

(2)- بل هي خمسة.

(3)- بل ستة.

(4)- بل تسعة.

(5)- عقلا و نقلا.

(6)- أي و ما يصح.

36

اكرمك اللّه تعالى هو سر الكتاب و لباب ثمرة هذه الابواب‏ (1) و ما قبله له كالقواعد و التمهيدات و الدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات، و هو الحاكم على ما بعده و المنجز (2) من غرض هذا التأليف وعده، و عند التقصي لموعدته‏ (3) و التفصي‏ (4) عن عهدته‏ (5) يشرق‏ (6) صدر العدو اللعين، و يشرق قلب المؤمن باليقين، و تملأ انواره جوانح‏ (7) صدره و يقدر العاقل‏ (8) النبي حق قدره، و يتحرر (9) الكلام فيه في بابين.

الباب الاول: فيما يختص بالأمور الدينية و يتشبث‏ (10) به القول في العصمة، و فيه ستة عشر فصلا (11).

____________

(1)- أي أبواب منا القسم أو أبواب الكتاب كله و هو الأولى.

(2)- المنجز: الموفي.

(3)- لموعدته: بمعنى الموعد.

(4)- التفصي: التخلص و التفلت.

(5)- عهدته: التزامه و تحمله.

(6)- يشرق: بفتح الياء و الراء يضيق لوقوف الشراب و نحوه في الحلق و الغصة مثله إلا أن استعمالها في غير المائعات اكثر.

(7)- جوانح: جمع جانحة و هي اضلاعه التي تحت الترائب مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر.

(8)- (العاقل) و في نسخة (الغافل).

(9)- يتحرر: يتلخص.

(10)- يتشبث: يتعلق.

(11)- عدد الفصول هنا مضبوط.

37

الباب الثاني: في احواله الدنيوية و ما يجوز طروه‏ (1) عليه من الاعراض‏ (2) البشرية، و فيه تسعة فصول‏ (3).

(القسم الرابع) في تصرف‏ (4) وجوه الأحكام على من تنقصه‏ (5) او سبه (صلى الله عليه و سلم)، و ينقسم الكلام فيه في بابين.

الباب الاول: في بيان ما هو في حقه سب و نقص من تعريض‏ (6) او نص‏ (7) و فيه عشرة فصول‏ (8).

الباب الثاني: في حكم شانئه‏ (9) و مؤذيه و منتقصه‏ (10) و عقوبته‏

____________

(1)- (طروه) و في نسخة (طروؤه) أي وقوعه و حدوثه. و ذكر صاحب القاموس مادة طرأ مهموزة و معتلة و على تقدير الهمز يجوز الابدال.

(2)- الأعراض: ما يعرض للانسان من مرض أو نسيان أو نحوهما.

(3)- بل ثمانية.

(4)- تصرف: تنوع.

(5)- تنقصه: عد فيه عيبا.

(6)- التعريض: ذكر الشتم بطريق الكناية أو التلويح كأنه يؤخذ من عرضه أي جانبه.

(7)- نص: النص هنا التصريح، و له معان أخرى.

(8)- بل تسعة.

(9)- شانئه: مبغضه.

(10)- (منتقصه) و في نسخة (متنقصه) بتقديم التاء على النون.

38

و ذكر استتابته و الصلاة (1) عليه و وراثته، و فيه عشرة فصول‏ (2) و ختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة، و وصلة للبابين اللذين قبله في حكم من سب اللّه تعالى و رسله و ملائكته و كتبه و آل النبي (صلى الله عليه و سلم) و صحبه، و اختصر الكلام فيه في خمسة فصول‏ (3)، و بتمامها ينتجز الكتاب، و تتم الاقسام و الابواب، و يلوح‏ (4) في غرة (5) الايمان لمعة (6) منيرة، و في تاج التراجم درة خطيرة، تزيح كل لبس‏ (7)، و توضح كل تخمين‏ (8) و حدس‏ (9)، و تشفي صدور قوم مؤمنين، و تصدع‏ (10) بالحق، و تعرض عن الجاهلين، و باللّه تعالى لا إله سواه أستعين.

____________

(1)- للجنازة.

(2)- كذا في أكثر النسخ و هو خطأ من الناسخ و صوابه (خمسة) كما صححه الشمني في حواشيه.

(3)- و الصواب في (عشرة كما في بعض النسخ و هو مطابق للواقع.

(4)- (يلوح) و في نسخة (تلوح) فان كانت تلوح فتكون لمعة فاعلا و ان كانت يلوح فلمعة تمييز أو حال.

(5)- غرة: بياض الجبهة.

(6)- لمعة: قطعة.

(7)- لبس: اشكال.

(8)- تخمين: قول من غير تحقيق.

(9)- حدس: ما صدر عن ظن و وهم. و اللفظ ساقط من أصل المؤلف كما قال بعضهم و لكن لا بد من ذكره لتمام السجع.

(10)- تصدع: تجهر به و تظهره.

39

أيها الاخوة الاحبه:

قصرنا هذا العدد على موضوعات التقديم و بيان أهمية هذا الكتاب لنبدأ- باذن اللّه تعالى- في العدد القادم مادة الكتاب مباشرة راجين من المولى تعالى تسديد الخطى و من القراء الكرام النصح و الارشاد.

و اللّه تعالى هو الموفق للخير و هو يهدي السبيل.

«المحققون»

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

(الجزء الأوّل)

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

القسم الأوّل في تعظيم العليّ الأعلى لقدر النّبي المصطفى (صلى الله عليه و سلم) قولا و فعلا

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم)

مقدمة القسم الاول‏

قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل (رحمه اللّه)(1):

لاخفاء على من مارس شيئا من العلم، أو خصّ بأدنى لمحة (2) من الفهم‏ (3)، بتعظيم اللّه قدر نبينا (صلى الله عليه و سلم)، و خصوصه إباه بفضائل و محاسن و مناقب لا تنضبط (4) لزمام، و تنويهه‏ (5) من عظيم‏ (6) قدره بما تكلّ عنه الألسنة و الأقلام؛

فمنها ما صرح به تعالى في كتابه، و نبّه به على جليل نصابه‏ (7)،

____________

(1)- و في نسخة (قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل وفقه اللّه تعالى و سدده).

(2)- اللمحة: النظرة الخفية و في نسخة (لحظة) و المقصود هنا أقل قدر من الفهم.

(3)- و في نسخة: من فهم.

(4)- الزمام: هو ما يزم به و المقصود أنها لا تحصر في كتاب.

(5)- تنويهه: نوه به تنويها رفع ذكره و عظمه و من كلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: أنا أول من نوه بالعرب: أي رفع ذكرهم بالديوان و الإعطاء.

(6)- و في نسخة «من عظم» و في أخرى «بعظيم».

(7)- نصابه: منصبه.

46

و أثنى به عليه من أخلاقه و آدابه، و حضّ العباد على التزامه‏ (1) و تقلّد إيجابه‏ (2). فكان جلّ جلاله هو الذي تفضّل و أولى، ثم مدح بذلك و أثنى، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل بدءا و عودا، و الحمد أولى و أخرى‏ (3) ...

و منها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال و الجلال، و تخصيصه بالمحاسن الجميلة، و الأخلاق الحميدة، و المذاهب الكريمة، و الفضائل العديدة، و تأييده بالمعجزات الباهرة، و البراهين الواضحة، و الكرامات البينة التي شاهدها من عاصره‏ (4)، و رآها من أدركه‏ (5)، و علمها علم يقين‏ (6) من جاء بعده حتى انتهى علم حقيقة ذلك إلينا، و فاضت أنواره‏ (7) علينا (صلى الله عليه و سلم)(8).

____________

(1) و يعني المصنف بهاتين العبارتين أن ما أمرنا به على قسمين: مستحب و أشار إليه بقوله (حض العباد على التزامه) و واجب: و أشار إليه بقوله (و تقلد إيجابه) و التقلد: وضع القلادة في الجيد استعير للالتزام على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية و يجوز جعله مجازا مرسلا بمعنى أن نقيد أنفسنا بالتزام ما أوجبه علينا كما تقيد القلادة العنق.

(2) و يعني المصنف بهاتين العبارتين أن ما أمرنا به على قسمين: مستحب و أشار إليه بقوله (حض العباد على التزامه) و واجب: و أشار إليه بقوله (و تقلد إيجابه) و التقلد: وضع القلادة في الجيد استعير للالتزام على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية و يجوز جعله مجازا مرسلا بمعنى أن نقيد أنفسنا بالتزام ما أوجبه علينا كما تقيد القلادة العنق.

(3) و في نسخة: و الحمد للّه أولى و أخرى .. و هذا أولى و أحسن.

(4)- أي عاصر النبي (صلى الله عليه و سلم) و في نسخة (عاصرها) فعود الضمير هنا على الكرامات.

(5)- و في نسخة «من أدركها».

(6)- و في نسخة «اليقين».

(7)- و في نسخة «أنوارها».

(8)- و في نسخة ((صلى الله عليه و سلم) كثيرا).

47

عن أنس‏ (1) رضي اللّه عنه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أتي بالبراق‏ (2) ليلة أسرى به ملجما (3) مسرجا (4) فاستصعب‏ (5) عليه فقال له جبريل: أ بمحمد تفعل هذا؟!! فما ركبك أحد أكرم على اللّه منه ... قال: (6) فارفضّ‏ (7) عرقا (8).

____________

(1) هو أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي الصحابي رضي اللّه تعالى عنه، خدم النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو ابن عشر أو ثمان و لازمه عشر سنين، و روى عنه ألفي حديث و مائتين و ستة، و دعا له (صلى الله عليه و سلم) بالبركة في ماله و ولده و عمره و المغفرة، فكان رضي اللّه عنه من أكثر الناس مالا و دفن و لصلبه بضعة و عشرون و مائة من الأولاد، و كان له بستان يحمل في السنة مرتين، و عاش حتى سئم من الحياة، و توفي سنة 93 ه و له مائة سنة و دفن قرب البصرة.

(2) البراق: سمي بذلك لسرعة سيره كالبرق و هو دابة دون البغل و فوق الحمار يضع حافره عند منتهى طرفه كما في الصحيح.

(3) ملجما: أي موضوعا في فمه اللجام.

(4) مسرجا: أي شد عليه السرج.

(5) أي أنه (صلى الله عليه و سلم) لما أراد ركوبه لم يستقر حتى يركبه.

(6) قال: النبي (صلى الله عليه و سلم) أو أنس الراوي أو من كلام الراوي عن أنس.

(7) أرفض: سال.

(8) هذا الحديث أسنده المصنف من طريق الترمذي.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الباب الأوّل في ثناء اللّه تعالى عليه و إظهاره عظيم قدره لديه‏

اعلم أنّ في كتاب اللّه عزّ و جلّ آيات كثيرة مفعمة بجميل ذكر المصطفى و عدّ محاسنه و تعظيم أمره و تنويه قدره اعتمدنا منها على ما ظهر معناه و بان فحواه و جمعنا ذلك في:

عشرة فصول‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الفصل الأوّل فيما جاء من ذلك مجي‏ء المدح و الثناء و تعداد المحاسن‏

كقوله تعالى‏ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏ (1)» الآية ... قال السمرقندي‏ (2): و قرأ بعضهم «من أنفسكم‏ (3)» بفتح الفاء، و قراءة الجمهور بالضم ..

قال القاضي أبو الفضل: (4) أعلم اللّه تعالى المؤمنين، أو العرب أو أهل مكة، أو جميع الناس على اختلاف المفسرين، من المواجه بهذا الخطاب، أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه،

____________

(1) التوبة 128.

(2) أبو الليث السمرقندي نسبة الى سمرقند مدينة معروفة فيما وراء النهر، و هو الامام الجليل المعروف بامام الهدى. و هو مضر بن محمد الفقيه الحنفي المشهور صاحب التصانيف الجليلة كالتفسير و النوازل و خزانة الفتاوي و تنبيه الغافلين و البستان توفي سنة 373 ه.

(3) من أنفسكم: قراءة شاذة مروية عن فاطمة و عائشة رضي اللّه عنهما و قرأ به عكرمة و ابن محيصن و في المستدرك للحاكم عن ابن عباس أنه (صلى الله عليه و سلم) قرأها كذلك ...

و قراءة الجمهور بالضم.

(4) و في بعض النسخ: (قال الفقيه القاضي أبو الفضل و فقه اللّه تعالى).

52

و يتحققون مكانه، و يعلمون صدقه و أمانته، فلا يتهمونه بالكذب و ترك النصيحة لهم لكونه منهم، و أنه لم تكن قبيلة في العرب‏ (1) إلا و لها على‏ (2) رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ولادة (3)، أو قرابة (4) ..

و هو (5) عند ابن عباس‏ (6) و غيره: معنى قوله تعالى‏

____________

(1) و في نسخة (و أنه لم تكن في العرب قبيلة).

(2) (على) هنا للمصاحبه مثل قوله تعالى (و آتى المال على حبه) أي مع حبه.

(3) ولادة: أي قرابة قريبة.

(4) قرابة: أي قرابة بعيدة و المقصود منهما معا أن في كل قبيلة من العرب له (صلى الله عليه و سلم) أب أو جد أو أم و قوله: لم تكن في العرب قبيلة ... أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم».

(5) كما رواه عنه البخاري و الطبراني.

(6) عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو العباس ابن عم رسول (صلى الله عليه و سلم) ولد و كان بنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، و كان يقال له حبر العرب غزا إفريقية مع عبد اللّه بن سعد سنة سبع و عشرين. كان أبيض طويلا مشربا صفرة جسيما و سيما صبيح الوجه له و فرة دعاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسح رأسه و تفل في فيه و قال اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل .. و يروى أن المهاجرين قالوا لسيدنا عمر بن الخطاب أ لا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس فقال: ذاكم فتى الكهول له لسان سئول و قلب عقول. و عن عطاء قال: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها و أعظم خشية، و إن أصحاب الفقه و القرآن و الشعر عنده كل يأخذ نصيبه توفي سنة (68) ه و عن سعيد بن جبير قال:

مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر أبيض لم ير على خلقته فدخل في نعشه و لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي».

53

«إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏» (1) و كونه من أشرفهم، و أرفعهم، و أفضلهم على قراءة الفتح ... و هذه نهاية المدح.

ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، و أثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم و رشدهم و إسلامهم. و شدة ما يعنتهم‏ (2) و يضرّ بهم في دنياهم و أخراهم، و عزته‏ (3) عليه و رأفته و رحمته بمؤمنهم‏ (4).

قال بعضهم‏ (5): أعطاه اسمين من أسمائه رءوف رحيم. و مثله في الآية الأخرى‏ (6) «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ (7)» الآية.

____________

(1) الشورى 23.

(2) يعنتهم: يشق عليهم.

(3) عزته: مشقته.

(4) و في نسخة بمؤمنيهم.

(5) القائل: هو الحسين بن الفضل.

(6) و في نسخة (و مثله في الآية الاخرى قوله تعالى)

(7) آل عمران 164.

54

و قوله تعالى‏ (1): «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ‏ (2)» الآية.

و قوله تعالى: «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ‏ (3)» الآية ..

و روي عن علي‏ (4) عنه (صلى الله عليه و سلم)(5) في قوله تعالى من أنفسكم قال: «نسبا و صهرا و حسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلها نكاح‏ (6)».

قال ابن الكلبي‏ (7): كتبت للنبي (صلى الله عليه و سلم) خمسمائة (8) أم فما وجدت‏

____________

(1) و في نسخة (و في الآية الاخرى).

(2) الجمعة 2.

(3) البقرة 151.

(4) و في نسخة (علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه).

ترجمته: علي بن أبي طالب بن عبد اللّه بن هاشم القرشي الهاشمي أول الناس إسلاما، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي (صلى الله عليه و سلم) و لم يفارقه و شهد معه المشاهد كلها الا غزوة تبوك حيث أخره النبي (صلى الله عليه و سلم) و قال له: الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى. و زوجه النبي بنته فاطمة و كان اللواء بيده في أكثر المشاهد و لما آخى النبي (صلى الله عليه و سلم) بين أصحابه قال له: «أنت أخي» و كان أحد رجال الشورى الذين نص عليهم سيدنا عمر و قتل سنة 40 ه.

(5) كما رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده.

(6) و في نسخة (كلنا) و كذا وقع في سنن الترمذي مرويا بالوجهين.

(7) هو محمد بن السائب الكلبي أبو نصر المفسر المحدث النسابة أخرج له الترمذي و نسبته إلى كلب و هي قبيلة معروفة توفي في السنة التي مات فيها الشافعي سنة 184 ه.

(8) أراد التكثير و إلا فمحال أن يكون هناك خمسمائة أم إلى آدم.