الشفا بتعريف حقوق المصطفى‏ - ج2

- القاضي عياض الأندلسي‏ المزيد...
730 /
5

القسم الثاني‏

مقدّمة القسم الثاني‏

قال القاضى أبو الفضل وفّقه اللّه تعالى:

و هذا قسم لخصنا فيه الكلام في أربعة أبواب على ما ذكرناه في أول الكتاب، و مجموعها في وجوب تصديقه، و اتباعه في سنّته، و طاعته، و محبته، و مناصحته، و توقيره، و برّه، و حكم الصّلاة عليه و التسليم، و زيارة قبره (صلى الله عليه و سلم).

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الباب الأوّل في فرض الإيمان به و وجوب طاعته و اتّباع سنّته و فيه خمسة فصول‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأوّل فرض الإيمان به‏

إذا تقرر بما قدمناه ثبوت نبوته و صحة رسالته وجب الإيمان به، و تصديقه فيما أتى به.

قال اللّه تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا» (1) و قال: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً .. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ» (2). و قال: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ» (3) الآية .. فالإيمان بالنبي محمد (صلى الله عليه و سلم) واجب‏ (4) متعين لا يتم إيمان‏ (5) إلا به .. و لا يصح إسلام‏ (6) إلا معه ..

قال اللّه تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً» (7).

____________

(1) «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» التغابن آية «8»

(2) «وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» الفتح آية «8 و 9».

(3) «الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» الأعراف آية «157».

(4) لان اللّه أمر به مرارا.

(5) و في نسخة «الايمان».

(6) و في نسخة «الاسلام».

(7) الفتح آية «13».

10

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و يؤمنوا بي، و بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه ..» (1)

قال القاضي‏ (2) أبو الفضل وفقه اللّه: و الإيمان به (صلى الله عليه و سلم) هو تصديق نبوته و رسالة اللّه له، و تصديقه في جميع ما جاء به و ما قاله .. و مطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) .. فإذا اجتمع التصديق به بالقلب و النطق بالشهادة بذلك باللسان تمّ الإيمان به و التصديق له كما ورد في الحديث‏ (3) نفسه من رواية (4) عبد اللّه‏ (5) بن عمر رضي اللّه عنهما: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه ..

____________

(1) اخرجه القاضي من عند مسلم و هو في الايمان و رواه البخاري أيضا، و في رواية اخرجها الستة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال السيوطي: و هو متواتر. و لفظه (امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الا اللّه و أني رسول اللّه، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم و اموالهم الا بحقها و حسابهم على اللّه.) و في رواية عن انس رضي اللّه تعالى عنه: قيل و ما حقها؟ قال زنا بعد احصان، او كفر بعد اسلام، او قتل نفس فيقتل بها.

(2) القاضي أبو الفضل عياض المؤلف رضي اللّه تعالى عنه.

(3) و قد أخرجه الشيخان.

(4) و هذه رواية مسلم عن ابن عمرو فيها (و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة فاذا فعلوا الخ).

(5) تقدمت ترجمته في ص «182» رقم «3».

11

و قد زاده وضوحا في حديث جبريل إذ قال: أخبرني عن الاسلام .. فقال (النبي (صلى الله عليه و سلم)) (1): أن تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .. و ذكر أركان الإسلام ثم سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله الحديث‏ (2).

فقد قرر أن الإيمان به محتاج‏ (3) إلى العقد (4) بالجنان‏ (5) ..

و الإسلام به مضطر إلى النطق باللسان .. و هذه الحالة (6) المحمودة التامة (7) .. و أما الحال المذمومة، فالشهادة باللسان دون تصديق القلب .. و هذا هو النفاق‏ (8).

قال الله تعالى: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ .. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ..» (9) أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم‏

____________

(1) هذه الجملة غير موجودة في بعض النسخ.

(2) و تمامه: (و اليوم الآخر. و تؤمن بالقدر خيره و شره.) و الحديث موجود في الاربعين النووية و قد رواه الستة و غيرهم.

(3) و في نسخة (يحتاج).

(4) العقد: الاعتقاد الجازم.

(5) الجنان: بفتح الجيم و هو القلب سمي به لاستتاره او استنار ما فيه من جنه اذا ستره.

(6) و في نسخة (الحال).

(7) و في نسخة (هي المحمودة التامة).

(8) النفاق: هو اظهار الايمان و ابطان الكفر. مشتق من نافقاء اليربوع و هو ما يخفيه من أبواب جحره ليخرج منه اذا أحس بصائده.

(9) سورة المنافقين آية «1».

12

و تصديقهم و هم لا يعتقدونه .. فلما لم تصدّق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فخرجوا عن اسم الإيمان .. و لم يكن لهم في الآخرة حكمه، إذ لم يكن معهم (إيمان) (1) .. و لحقوا بالكافرين‏ (2) في الدرك‏ (3) الأسفل من النار .. و بقي عليهم حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة و حكام المسلمين، الذين أحكامهم على الظواهر بما أظهروه من علامة الإسلام .. إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر .. و لا أمروا بالبحث عنها .. بل نهى النبي (صلى الله عليه و سلم) عن التحكم عليها، و ذمّ ذلك و قال‏ (4): «هلّا (5) شققت عن قلبه» و الفرق‏ (6) بين القول و العقد ما جعل في حديث جبريل الشهادة من الإسلام، و التصديق من الإيمان .. و بقيت حالتان أخريان بين‏

____________

(1) كلمة (ايمان) غير موجودة في بعض النسخ.

(2) و في نسخة (بالكفار).

(3) الدرك: بفتح الراء و سكونها و هو ما ينزل به لاسفل ضد الدرج يعني أنهم في تعرجهم و آخر طبقة منها.

(4) و قاله (صلى الله عليه و سلم) لاسامة بن زيد في حديث صحيح رواه البخاري لما اضطر بعض الكفار فأسلم فقتله أسامة لاعتقاده أن اسلامه بلسانه خوفا من القتل فقال له (صلى الله عليه و سلم): أ قتلته بعد ان أسلم؟!! هلا شققت عن قلبه. و قد رواه مسلم أيضا و رواه البيهقي عن عمران بن الحصين.

(5) هلا: اذا دخلت على الماضي افادت التوبيخ و اذا دخلت على المضارع افادت الامر و الحض.

(6) و في نسخة (و للفرق).

13

هذين .. إحداهما أن يصدّق بقلبه ثم يخترم‏ (1) قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه .. فاختلف فيه.

فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول و الشهادة (2) به.

و رآه بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة (3) لقوله (صلى الله عليه و سلم)(4) «يخرج‏ (5) من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» فلم يذكر سوى ما في القلب .. و هذا مؤمن بقلبه غير عاص و لا مفرّط بترك غيره .. و هذا هو الصحيح في هذا الوجه.

- الثانية أن يصدق بقلبه و يطوّل‏ (6) مهله‏ (7)، و علم ما يلزمه من الشهادة فلم ينطق بها جملة، و لا استشهد (8) في عمره و لا مرة، فهذا اختلف فيه أيضا (9).

- فقيل هو مؤمن، لأنه مصدق .. و الشهادة من جملة الأعمال‏

____________

(1) يخترم: على صيغة المجهول اي يقتطع و يموت بخاء معجمة و تاء مثناة فوقية و راء مهملة.

(2) لان الشهادة جزء من الايمان و ركن لا شرط، و تعريفه الايمان عند الاشاعرة هو: اقرار باللسان و تصديق بالجنان .. فلا ايمان الا بهما الا عند العجز عن النطق.

(3) اذ نزل منزلة العاجز.

(4) و هو بعض من حديث في الصحيحين.

(5) و قال (يخرج) لانهم قد دخلوا النار فهم عصاة معذبون اما بذنوب أخرى او بترك الشهادة و على ذلك فالقول الاول هو الاظهر.

(6) يطول: بضم التحتية و فتح الطاء المهملة و تشديد الواو المكسورة

(7) مهلة: بميم و هاء مفتوحتين مفعول يطول و يجوز تسكين هائه مع فتح ميمه و ضمها و هي التؤدة و التأني فأريد به لازمه و هو طول الزمان و المراد زمان سكوته و عدم نطقه بالشهادة.

(8) و في رواية (شهد)

(9) أيضا: من آض يئيض أيضا اذا رجع.

14

فهو (1) عاص بتركها غير مخلد (2). و قيل ليس بمؤمن‏ (3) حتى يقارن عقده شهادة اللسان‏ (4)، إذ الشهادة إنشاء عقد، و التزام إيمان.

و هي مرتبطة مع العقد، و لا يتم التصديق مع المهلة إلا بها ..

و هذا هو الصحيح و هذا نبذ (5) يفضي‏ (6) إلى متسع من الكلام في الإسلام و الإيمان و أبوابهما .. و في الزيادة فيهما و النقصان‏ (7) ..

و هل التّجزّي‏ (8) ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة، إنما يرجع إلى ما زاد عليه من عمل؟!! أو قد يعرض فيه لاختلاف صفاته و تباين‏ (9) حالاته، من قوة يقين، و تصميم اعتقاد، و وضوح معرفة. و دوام حالة، و حضور قلب .. و في بسط هذا

____________

(1) و في نسخة (و هو).

(2) و في نسخة (غير مخلد في النار) و عند أهل السنة ان أهل الكبائر لا يخلدون في النار

(3) لان الشهادة إما شرط لصحة الايمان او شطر.

(4) و في نسخة كلمة (اللسان) محذوفة.

(5) نبذ: بفتح النون و سكون الموحدة و ذال معجمة أي شي‏ء قليل .. و أصله الرمي و الطرح فكأنه لقلته مما يطرح. و في نسخة (هذه نبذ) بضم النون ففتح الموحدة جمع نبذة بزنة غرفة و قيل انه بضم فسكون و المعروف ما قدمناه.

(6) يفضي: بضم المثناة الفوقية و سكون الفاء و كسر الضاد المعجمة قبل ياء ساكنة مضارع أفضى بمعنى اوصل و أصل معناه الايصال الى الفضاء و المتسع.

(7) أي الكلام في أنهما يقبلان زيادة و نقصا. فيه خلاف مشهور.

(8) بالزيادة و النقص فيهما.

(9) تباين: افتراق.

15

خروج عن غرض التأليف و فيما ذكرنا غنية (1) فيما قصدنا إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

____________

(1) غنية: بضم الغين و سكون النون و فتح الياء أي كفاية مغنية عن غيره.

(2) مذهب المحققين الاظهر المختار أن التصديق يزيد و ينقص بكثرة النظر و وضوح الادلة. و لا شك في ان إيمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم.

16

الفصل الثّاني وجوب طاعته‏

و أما وجوب طاعته فإذا وجب الإيمان به و تصديقه فيما جاء به، وجبت طاعته، لأن ذلك مما أتى به، قال اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» (1) و قال: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ» (2) و قال: «وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (3) و قال: «وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا» (4) و قال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» (5) و قال: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (6) و قال: «وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ‏

____________

(1) «وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» الانفال آية «20».

(2) «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» سورة النور آية «54».

(3) سورة آل عمران آية «132».

(4) «وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» سورة النور آية «54».

(5) «وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» النساء «79».

(6) «وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» سورة الحشر آية «7».

17

وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ ... (1) الآية و قال: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» (2).

فجعل تعالى طاعة رسوله‏ (3) طاعته، و قرن طاعته بطاعته، و وعد على ذلك بجزيل الثواب .. و أوعد على مخالفته بسوء العقاب.

و أوجب امتثال أمره و اجتناب نهيه ..

قال المفسرون و الأئمة: طاعة الرسول في التزام سنته، و التسليم لما جاء به .. و قالوا: ما أرسل اللّه من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه و قالوا: من يطع الرسول في سنته‏ (4) يطع اللّه‏

____________

(1) الآية النساء «68» و بقيتها. انعم اللّه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين .. و حسن اولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله و كفى بالله عليما) نزلت هذه الآية في ابن عبد ربه الانصاري حين قال للنبي (صلى الله عليه و سلم) اذا مت كنت في عليين فلا نراك. و ذكر شدة حزنه لذلك فنزلت الآية .. فلما مات رسول الله (صلى الله عليه و سلم) دعى الله أن يعمي بصره حتى لا يرى غيره فعمي مكانه. و هو الذي رأى واقعة الادان .. و قيل نزلت في ثوبان مولاه (صلى الله عليه و سلم) و كان شديد الحب لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) لا يصبر عن رؤيته فحزن حتى تغير لونه فسأله رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن ذلك فقال: ما بي ضر غير اني لا اصبر عنك فذكرت الآخرة و أني لا أراك ثمة لرفعة مقامك و هبوط منزلتي فنزلت الآية.

(2) الآية «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً» النساء آية «63».

(3) و لذا فان الذي لا يقبل طاعة الرسول (صلى الله عليه و سلم) يكون كافرا .. أ رأيت الى عمر بن الخطاب لما جاءه اليهودي و المنافق الذي لم يرض بحكم رسول الله كيف ضرب عنقه و علم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فلم ينكر عليه.

(4) و في نسخة (سننه). و في الام للشافعي عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) (لا الفين احدكم متكئا على أريكته يأتيه ما أمرت او نهيت فيقول: لا أدري!! .. ما وجدنا في كتاب الله عملنا به).

18

في فرائضه .. و سئل سهل بن عبد اللّه‏ (1) عن شرائع الإسلام فقال:

(وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (2).

و قال السمرقندي‏ (3): يقال: أطيعوا اللّه في فرائضه و الرسول في سنته .. و قيل: أطيعوا الله فيما حرّم عليكم، و الرسول فيما بلغكم و يقال: أطيعوا الله بالشهادة له بالربوبية، و النبي بالشهادة له بالنبوة (4).

قال أبو سلمة بن عبد (5) الرحمن أنه سمع أبا هريرة (6) يقول:

إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: «من أطاعني فقد أطاع الله .. و من عصاني فقد عصى الله .. و من أطاع أميري فقد أطاعني .. و من عصى أميري فقد عصاني‏ (7) .. فطاعة الرسول من طاعة الله، إذ الله أمر بطاعته .. فطاعته امتثال لما أمر الله به و طاعة له.

و قد حكى الله عن الكفار في دركات جهنم. «يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا» (8)

____________

(1) تقدمت ترجمته في ص «58» رقم «6».

(2) سورة الحشر آية «7».

(3) تقدمت ترجمته في ص «51» رقم «2».

(4) و في نسخة (بالرسالة).

(5) ابو سلمة بن عبد الرحمن تقدمت ترجمته في ص «286» رقم «3».

(6) تقدمت ترجمته في ص «30» رقم «5».

(7) الحديث رواه الشيخان.

(8) سورة الاحزاب آية «66».

19

فتمنوا طاعته حيث لا ينفعهم التمني ..

و قال‏ (1) (صلى الله عليه و سلم)(2): «إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه .. و إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ..».

و في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه (صلى الله عليه و سلم)(3): كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى .. قالوا: يا رسول الله .. و من يأبى؟

قال: من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى ..»

و في الحديث الآخر الصحيح‏ (4) عنه (صلى الله عليه و سلم): «مثلي و مثل ما بعثني الله به‏ (5) كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ .. و إني أنا النذير العريان‏ (6) .. فالنجاء (7) ..

____________

(1) و في نسخة (و قد قال).

(2) فيما رواه الشيخان و أول الحديث (دعوني ما تركتكم انما هلك من قبلكم بسؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم فاذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه .. الخ). و سببه انه (صلى الله عليه و سلم) قال في خطبة: «أن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا» .. فقال رجل:

«أكل عام يا رسول الله؟!» فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: «لو قلت نعم لو جبت و لما استطعتم ..» ثم قال: «دعوني» (الحديث) و زاد الدار قطني: فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تعبد لكم تسؤكم).

(3) رواه الحاكم بلفظ: «كلكم يدخل الجنة الا من ابى ..» الحديث. و في الجامع الصغير برواية البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه و لفظه (كل أمتي يدخلون الجنة ألا من أبى .. من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد ابى ..»

(4) رواه البخاري في صحيحه‏

(5) «به» ليست موجودة في رواية البخاري.

(6) كان من عادة العربي اذا أخافه عدو خلع ثيابه و لوح بها لقومه حتى يدركوا الخطر قبل وصوله إليهم فالنذير العاري أبلغ في الدلالة على الخطر.

(7) في رواية البخاري (النجاء) مكررة مرتين و هي منصوبة على المصدر بعامل محذوف و معناه الخلاص و الفرار.

20

فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا (1)، فانطلقوا على مهلهم فنجوا ..

و كذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم‏ (2) الجيش فأهلكهم و اجتاحهم‏ (3) .. فذلك مثل من أطاعني و اتبع ما جئت به، و مثل من عصاني و كذّب ما جئت به من الحق ..».

و في الحديث الآخر (4) في مثله‏ (5) كمثل من بنى دارا و جعل فيها مأدبة (6) .. و بعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار و أكل من المأدبة .. و من لم يجب الداعي لم يدخل الدار و لم يأكل من المأدبة، فالدار الجنة، و الداعي محمد (صلى الله عليه و سلم). فمن أطاع محمدا فقد أطاع اللّه، و من عصى محمدا فقد عصى اللّه .. و محمد فرق‏ (7) بين الناس.

____________

(1) أدلجوا: بالتخفيف الدال سير اول الليل و بالتشديد لها سير آخره.

(2) صبحهم: جاءهم في الصباح.

(3) اجتاحهم: استأصلهم. و الجائحة الآفة التي تصيب الثمار فتستأصلها.

(4) الذي رواه الشيخان.

(5) مثله: بفتحتين أي تمثيله (صلى الله عليه و سلم).

(6) مأدبة: بميم مفتوحة و همزة ساكنة و دال مهملة مثلثة و الاشهر الضم ثم الفتح و باء موحدة و هاء و هي الاطعمة الكثيرة النفيسة المعدة لاكرام الضيوف و الاصحاب.

(7) فرق: بفتح فسكون أي فارق بين المؤمنين و الكافرين.

21

الفصل الثالث وجوب اتباعه و امتثال سنته و الاقتداء بهديه‏

و أما وجوب اتباعه (صلى الله عليه و سلم) و امتثال سنته و الاقتداء بهديه فقد قال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» (1) و قال: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (2) و قال: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» (3) .. إلى قوله تسليما».

أي ينقادوا لحكمك .. يقال «سلّم» و «استسلم» و «أسلم» إذا انقاد .. و قال تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ» (4) الآية.

____________

(1) «وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة آل عمران آية «31».

(2) سورة الاعراف آية «157».

(3) و تتمتها (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) هذه الآية نزلت في حق بعض الانصار لما اختصم مع الزبير في ماء سقى به أرضه. سورة النساء آية «64».

(4) الآية «وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً» سورة الاحزاب آية «21».

22

قال محمد (1) بن علي الترمذي: «الأسوة» في الرسول ..

الاقتداء به و الاتباع لسنّته و ترك مخالفته في قول أو فعل ..

و قال غير واحد من المفسرين بمعناه‏

و قيل: هو عتاب للمتخلفين عنه و قال سهل‏ (2) في قوله تعالى:

«صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» (3) قال بمتابعة السنة .. فأمرهم تعالى بذلك و وعدهم الاهتداء باتباعه .. لأن الله تعالى أرسله بالهدى و دين الحق ليزكّيهم، و يعلمهم الكتاب و الحكمة، و يهديهم إلى صراط مستقيم .. و وعدهم محبته تعالى في الآية الأخرى‏ (4) و مغفرته إذا اتبعوه و آثروه على أهوائهم، و ما تجنح‏ (5) إليه نفوسهم .. و أنّ صحة إيمانهم بانقيادهم له، و رضاهم بحكمه، و ترك الاعتراض عليه و روي‏ (6) عن الحسن‏ (7): «أن أقواما قالوا:

يا رسول الله إنا نحبّ اللّه فأنزل اللّه تعالى‏ «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ..» (8) الآية.

____________

(1) تقدمت ترجمته في ص «78» رقم «5».

(2) تقدمت ترجمته في ص «58» رقم «6».

(3) سورة الفاتحة آية «7».

(4) اي قوله تعالى‏ (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ). سورة آل عمران آية «31».

(5) تجنح: تميل و الجنح أصله الميل على احد الشقين مأخوذ من الجناح.

(6) كما في تفسير ابن المنذر.

(7) تقدمت ترجمته في ص «60» رقم «8».

(8) سورة آل عمران آية «31».

23

و روي: إنّ الآية نزلت في كعب‏ (1) بن الأشرف و غيره.

و أنهم قالوا: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ» (2) .. «و نحن أشد حبا لله» فأنزل الله الآية و قال الزجاج‏ (3): معناه إن كنتم تحبون الله- أن تقصدوا طاعته- فافعلوا ما أمركم به إذ محبة العبد لله و الرسول طاعته لهما و رضاه بما أمرا .. و محبة الله لهم عفوه عنهم و إنعامه عليهم برحمته .. و يقال: الحب من الله عصمة و توفيق، و من العباد طاعة كما قال القائل‏ (4):

تعصي الإله و أنت تظهر حبّه* * * هذا لعمري في القياس بديع‏

لو كان حبك صادقا لاطعته* * * إن المحب لمن يحب مطيع‏

و يقال: محبة العبد للّه تعظيمه له، و هيبته منه .. و محبة اللّه له رحمته و إرادته الجميل له .. و تكون بمعنى مدحه و ثنائه عليه.

قال القشيري‏ (5): فاذا كان بمعنى الرحمة و الإرادة و المدح كان‏

____________

(1) تقدمت ترجمته في ص «621» رقم «7».

(2) سورة المائدة آية «20».

(3) تقدمت ترجمته في ص «88» رقم «8».

(4) و هو المحمود بن الحسن الوراق كما في زهر الآداب للحصري، و قيل المنصور الفقيه و هو بليغ مفلق كان في أول الدولة العباسية و كان كثيرا ما يأخذ حكم المتقدمين من الفلاسفة و غيرهم فينظمها في شعره. و قيل ان قائله رابعة العدوية .. و في الاحياء ان قائله عبد الله بن المبارك.

(5) تقدمت ترجمته في ص «470» رقم «3».

24

من صفات الذات .. و سيأتي بعد في ذكر محبة العبد غير هذا بحول اللّه تعالى.

عن العرباض بن سارية (1) في حديثه في موعظة (2) النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «فعليكم بسنتي و سنه الخلفاء الراشدين المهديين .. عضّوا عليها بالنواجذ (3) .. و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، و كل بدعه ضلالة ..»

زاد في حديث جابر (4) بمعناه «و كل ضلالة في النار (5)».

____________

(1) تقدمت ترجمته في ص «334» رقم «5».

(2) و ذلك أن عبد الرحمن بن عمرو السلمي و حجر بن حجر قالا: اتينا العرباض بن سارية و هو ممن نزل فيه قوله تعالى (و لا على الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) و قلنا: أتيناك زائرين و عائدين و مقتبسين .. فقال: صلى بنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون و وجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول اللّه، كأن هذه موعظة مودع فما ذا تعهد إلينا؟ فقال: اوصيكم بتقوى اللّه و السمع و الطاعة و ان عبدا حبشيا فانه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا .. فعليكم بسنتي .. الحديث).

رواه علي عن الوليد كذا قال الذهبي في تاريخه، و من خطه نقلت .. و قد أخرجه أبو داود في السنة عن احمد بن حنبل عن الوليد بن مسلم بالسند الذي ساقه القاضي و الترمذي في العلم. و قال حسن صحيح و ابن ماجة في السنة و المصنف عدل عن السنن الثلاث و أخرجه من سند آخر طلبا للعلو.

(3) النواجذ: بالذال المعجمة جمع ناجذ و هي: اقصى الاضراس و هي أربعة او الانياب او التي تليها و المراد الاجتهاد في التمسك بها فهو استعارة تمثيلية لما ذكر لا كناية و يجوز ان تكون استعارة تصريحية تبعية.

(4) تقدمت ترجمته في ص «154» رقم «1»

(5) رواه مسلم.

25

و في حديث‏ (1) أبي رافع‏ (2) عنه (صلى الله عليه و سلم): «لا ألفينّ‏ (3) أحدكم متكئا (4) على أريكته‏ (5) يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدرى .. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» ..

و في حديث‏ (6) عائشة (7) رضي الله عنها: «صنع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) شيئا ترخّص فيه فتنزه عنه قوم .. فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه و سلم) فحمد اللّه ثم قال: «ما بال قوم يتنزهون عن الشي‏ء أصنعه ..

فوالله إني لأعلمهم بالله، و أشدهم له خشية ..»

و روي عنه (صلى الله عليه و سلم)(8) أنه قال: «القرآن صعب مستصعب على من كرهه .. و هو الحكم‏ (9) فمن استمسك بحديثي و فهمه و حفظه جاء مع القرآن‏ (10) .. و من تهاون بالقرآن و حديثي خسر

____________

(1) كما رواه الشافعي في ألام، و رواه ابو داود و الترمذي و ابن ماجة و هو حديث صحيح‏

(2) تقدمت ترجمته في ص «196» رقم «2».

(3) لا ألفين: بضم الهمزة و سكون اللام و كسر الفاء و فتح المثناة التحتية و تشديد النون، و هنا نفي بمعنى النهي أي لا اجدن و ألفى بمعنى وجد قال تعالى «و ألفيا سيدها لدى الباب.»

(4) متكئا: اي مائلا مستندا معتمدا و هو بالهمزة و الياء أيضا.

(5) أريكته: هي سرير مزين يتخذ في بيت.

(6) مروي في الصحيحين .. و لفظ هذا الحديث الذي اتى به المؤلف من البخاري‏

(7) عائشة: تقدمت ترجمتها في ص «146» رقم «5».

(8) كما رواه أبو الشيخ و الديلجي و أبو نعيم عن الحكم بن عمير.

(9) الحكم: بفتحتين أي الذي يحكم على الناس بما تضمنه من الاحكام و الحكم من الامثال و الموعظة.

(10) أي جاء يوم القيامة محشورا مع القرآن و فيه اشارة الى أن الحديث لا يفارق القرآن و أنهما كشي‏ء واحد لان السنة تبين القرآن.

26

الدنيا و الآخرة .. أمرت أمتي أن يأخذوا بقولي، و يطيعوا أمري، و يتبعوا سنتي .. فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ..

قال الله تعالى‏ «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» (1) الآية.

و قال (صلى الله عليه و سلم)(2): «من اقتدى بي فهو مني و من رغب عن سنتي فليس مني» و عن‏ (3) أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:

«إن أحسن الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد و شرّ الأمور محدثاتها (4)». و عن‏ (5) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال النبي (صلى الله عليه و سلم): «العلم ثلاثة فما سوى‏ (6) ذلك فهو فضل‏ (7)

____________

(1) سورة الحشر آية «7».

(2) رواه عبد الرزاق عن الحسن مرسلا بلفظ (من استسن بسنتي ..) و المؤلف رواه بلفظ (من اقتدى بي). و القسم الاخير من الحديث موجود في الصحيحين.

(3) لم يخرجه السيوطي بهذا اللفظ قال الدلجي لا أدري من روى هذا الحديث و لعله أنكره من حيث اسناده الى أبي هريرة و إلّا فقد ورد من حديث جابر كما رواه أحمد و مسلم و النسائي و ابن ماجة و لفظه «أما بعد فان أصدق الحديث كتاب اللّه تعالى، و ان افضل الهدى هدى محمد و شر الامور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار» و روى البيهقي في الدلائل و ابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني و ابو نصر السحري في الاباتة عن أبي الدرداء مرفوعا و ابن أبى شيبة عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه موقوفا هذا الحديث بلفظ آخر مطول.

(4) محدثاتها: جمع محدثة بالفتح و هي البدعة التي تخالف الكتاب و السنة و اجماع الأمة

(5) رواه أبو داود و ابن ماجة.

(6) و في نسخة (و ما سوى).

(7) فضل: أي زائد لا يفتقر الى علمه.

27

آية محكمة (1). أو سنة قائمة (2) .. أو فريضة عادلة (3)».

و عن الحسن‏ (4) بن أبي الحسن رحمهما الله تعالى قال (صلى الله عليه و سلم)(5):

«عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة» و قال‏ (6) (صلى الله عليه و سلم) «إن الله تعالى يدخل العبد الجنة بالسنة تمسك‏ (7) بها» و عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال‏ (8): «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد».

و قال‏ (9) (صلى الله عليه و سلم): «إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين و سبعين ملة (10) و إن أمتي تفترق على ثلاث و سبعين كلها في النار إلا واحدة قالوا: و من هم يا رسول الله؟ قال: الذي‏ (11) أنا عليه اليوم و أصحابي.»

____________

(1) محكمة اي غير متشابهة لقوله تعالى (منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات). او غير منسوخة .. و يطلق المحكم على جميع القرآن أيضا كما قال تعالى (أحكمت آياته).

(2) أي دائمة مستمرة لم تنسخ لدوام العمل بها.

(3) أي لا جور فيها. و في هذا الحديث إشارة جميلة الى أن العلوم اللازمة المفيدة هي علوم الشريعة من تفسير. و حديث. و فقه.

(4) تقدمت ترجمته في ص «60» رقم «8».

(5) هو حديث رواه عبد الرزاق عن معمر مرسلا، و الدارمي متصلا عن ابن مسعود.

(6) الحديث غير معروف المبنى و لكنه صحيح المعنى و لم يخرجه السيوطي‏

(7) و في نسخة (يتمسك بها).

(8) كما رواه الطبراني في الاوسط.

(9) في حديث رواه الترمذي.

(10) و روي (فرقة) بدل ملة. و في الحديث روايات مختلفة.

(11) و في نسخة: قال: (هم الذين على الذي أنا عليه اليوم و أصحابي).

28

و عن أنس‏ (1) قال (صلى الله عليه و سلم)(2): من أحيا سنتي فقد أحياني و من أحياني كان معي في الجنة».

و عن عمرو (3) بن عوف المزني: «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال‏ (4) لبلال‏ (5) بن الحارث: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ..

و من ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله و رسوله .. كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا.»

____________

(1) تقدمت ترجمته في ص «47» رقم «1».

(2) رواه الاصبهاني في ترغيبه و اللالكائي في السنة.

(3) عمرو بن عوف المزني: الصحابي، و هو قديم الاسلام، شهد المشاهد و توفي في زمن معاوية و ذكر ابن سعد أن اول غزوة غزاها الابوار و جاءت عنه عدة أحاديث و هو أحد البكائين.

(4) كما رواه الترمذي، و حسنه ابن ماجة.

(5) بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن مازن ابو عبد الرحمن المزني الصحابي، و فد على النبي (صلى الله عليه و سلم) مع وفد مزينة و سكن وراء المدينة توفي سنة 60 و سنه ثمانون سنة.

29

الفصل الرابع ما ورد عن السّلف و الأئمة من اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته‏

عن رجل‏ (1) من آل خالد (2) بن أسيد أنه سأل عبد اللّه‏ (3) بن عمر فقال‏ (4): يا أبا عبد الرحمن‏ (5) .. إنا نجد صلاة الخوف و صلاة الحضر في القرآن، و لا نجد صلاة السفر!!!. فقال ابن عمر (6) رضي اللّه عنهما .. يا ابن أخي .. إن اللّه بعث إلينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) و لا نعلم شيئا و إنما نفعل كما رأيناه يفعل ..

____________

(1) قال الحلبي: لا أعرفه .. و قال التلمساني: هو أمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسد .. و هكذا روى هذا الحديث مالك و لم يدخل في سنده بينه و بين شهاب أحد.

و رواه الليث بن سعد فسمى الرجل و أدخل بين ابن شهاب و أميه بن عبد اللّه بن أبي بكر

(2) خالد: هو ابن أسيد و هو ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس أخو عتاب أسلم عام الفتح و كان من المؤلفة قلوبهم.

(3) تقدمت ترجمته في ص «182» رقم «1».

(4) الحديث رواه مالك و النسائي و ابن ماجة.

(5) أبو عبد الرحمن: كنية عبد اللّه بن عمر.

(6) مر ذكره‏

30

و قال عمر (1) بن عبد العزيز: «سنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ولاة الأمر بعده سننا .. الأخذ بها تصديق بكتاب اللّه و استعمال لطاعة اللّه .. و قوة على دين اللّه، ليس لاحد تغييرها، و لا تبديلها، و لا النظر في رأي من خالفها .. من اقتدى بها فهو مهتد ..

و من انتصر بها منصور .. و من خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولّاه اللّه ما تولّى .. و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا» (2).

و قال‏ (3) الحسن بن أبي الحسن‏ (4) «عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة».

و قال ابن شهاب‏ (5): بلغنا عن رجال من أهل العلم‏ (6) قالوا:

«الاعتصام بالسنّة نجاة» (7) ..

____________

(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الاموي القرشي. و أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، و هو تابعي جليل و امام عظيم و قاضى الخلفاء على ما قيل. روى عن عبد اللّه بن جعفر و أنس و ابن المسبب و جماعة .. و عنه ابناه و الزهري و عدة .. أخرج له أصحاب الكتب الستة. مات بدير سمعان من أرض حمص سنة احدى و مائة و له من العمر اربعون. و مدة ولايته سنتان و خمسة أشهر و أيام .. و مناقبه ظاهرة متواترة.

(2) هذا الحديث رواه عنه اللالكائي في السنة.

(3) قد سبق هذا الحديث مرفوعا .. و لعله جاء عنه أيضا موقوفا و لذا ذكره المصنف مكررا.

(4) هو الحسن البصري و قد مر ذكره. في ص «60» رقم «8»

(5) ابن شهاب الزهري: تقدمت ترجمته في ص «251» رقم «4».

(6) من الصحابة و التابعين.

(7) أخرجه اللالكائي في السنة.

31

و كتب عمر (1) بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله‏ (2) بتعلم السنّة (3) و الفرائض‏ (4) و اللّحن‏ (5)- أي اللغة (6)- و قال‏ (7):

إن ناسا يجادلونكم- يعني بالقرآن- فخذوهم‏ (8) بالسنن، فان أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.

و في خبره‏ (9) حين صلى بذي الحليفة (10) ركعتين فقال: أصنع كما رأيت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصنع.

و عن علي‏ (11) حين قرن‏ (12) فقال له عثمان‏ (13): ترى أني أنهي الناس عنه و تفعله؟ .. قال: لم أكن أدع سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لقول أحد من الناس‏ (14).

و عنه‏ (15) ألا إني لست بنبي و لا يوحى إلي، و لكني أعمل‏

____________

(1) عمر بن الخطاب: تقدمت ترجمته في ص «113» رقم «4».

(2) كما رواه سعيد بن منصور في سننه.

(3) و هي ما روي عنه (صلى الله عليه و سلم) من أقواله و أفعاله و تقريراته.

(4) لانها نصف العلم و فقدها من أشراط الساعة و هي قسمة المواريث.

(5) و قال الزمخشري: معنى اللحن في كلام عمر رضي اللّه عنه علم الغريب الواقع في القرآن و الحديث، و من لم يعرفه لم يعرف أكثر كلام اللّه و سنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) .. و اللحن من الاضداد.

(6) أي اللغة- تفسير من الراوي أو من المؤلف‏

(7) و قال عمر أيضا على ما رواه الدارمي.

(8) فخذوهم: أي حاجوهم و اغلبوهم‏

(9) خبر عمر الذي رواه عنه مسلم.

(10) ذو الحليفة ميقات أهل المدينة و الشام على ستة أميال من المدينة جهة الشام.

(11) تقدمت ترجمته في ص «54» رقم «4».

(12) بين الحج و العمرة.

(13) عثمان بن عفان و هو خليفة آنذاك.

(14) رواه البخاري و مسلم و النسائي.

(15) أي عن علي و لا يعرف من رواه.

32

بكتاب الله و سنة نبيه محمد (صلى الله عليه و سلم) ما استطعت.

و كان ابن‏ (1) مسعود يقول‏ (2): القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.

و قال ابن عمر (3): صلاة السفر ركعتان .. من خالف السنة كفر (4).

و قال‏ (5) أبي بن كعب‏ (6): عليكم بالسبيل و السنة .. فانه ما على الأرض من عبد على السبيل و السنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من حشية ربه فيعذبه الله أبدا، و ما على الأرض من عبد على السبيل و السنة ذكر الله في نفسه فاقشعر (7) جلده من خشية الله إلا كان كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحاتّ‏ (8) عنها ورقها إلّا حطّ عنه خطاياه كما تحاتّ عن‏

____________

(1) ابن مسعود

(2) في اثر رواه الدارمي و الطبراني عن أبي الدرداء.

(3) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ص «182» رقم «1».

(4) رواه عبد بن حميد في مسنده بسند صحيح. و معنى كفر اي قارب الكفر او كفر بالنعمة.

(5) فيما رواه الاصبهاني في ترغيبه و اللالكائي في سننه.

(6) أبي بن كعب: هو المنذر البخاري الانصاري الصحابي توفي سنة تسع عشرة- على الاصح- و قيل سنة اثنين و ثلاثين في خلافة عثمان.

(7) اقشعر أصابته قشعريرة و هي الرعدة.

(8) تحات: حته فركه و قشره فانحت و انحات، و الورق سقطت كانحت.

33

الشجرة ورقها. فإن اقتصادا في سبيل و سنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله و سنة و موافقة بدعة .. و انظروا أن يكون عملكم- إن كان اجتهادا أو اقتصادا- أن يكون على منهاج الأنبياء و سنتهم.

و كتب بعض عمال عمر بن‏ (1) عبد العزيز إلى عمر بحال بلده‏ (2) و كثرة لصوصه .. هل يأخذهم‏ (3) بالظّنّة (4) أو يحملهم على البيّنة و ما جرت عليه السنة؟. فكتب إليه عمر .. خذهم بالبينة و ما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله.

و عن عطاء (5) في قوله «فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى الله و الرسول» (6) أي إلى كتاب الله و سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم).

و قال الشافعي‏ (7): «ليس في سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلا

____________

(1) عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد الراشد سار على نهج الخلفاء الاربعة فعد خامسهم توفي في رجب لسنة (101) هو كان موته يوم الجمعة.

(2) قيل هي حمص.

(3) و في نسخة (و هل نأخذهم).

(4) الظنة: بكسر الظاء المعجمة و تشديد النون أي بمجرد الظن أنهم لصوص.

(5) عطاء: هو عطاء بن أبي رباح المفسر، كان من كبار التابعين توفي سنة خمس عشرة و مائة.

(6) «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا» النساء آية «58».

(7) الشافعي: هو الامام المشهور امام الائمة و سلطان الامة روى عن مالك و روى عنه أحمد و اخرج له اصحاب السنن الاربعة، و ذكره البخاري في موضعين من صحاحه في الركاز و العرية ولد سنه 150 ه يوم مات أبو حنيفة (رحمه اللّه). و مات سنة أربع و مائتين‏

34

اتباعها (1) و قال‏ (2) عمر (3) و نظر إلى الحجر الأسود: إنك حجر لا تنفع و لا تضر .. و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقبلك ما قبلتك ثم قبله.

و رؤي عبد اللّه‏ (4) بن عمر يدير ناقته في مكان فسئل عنه فقال‏ (5):

لا أدري إلا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فعله ففعلته ..

و قال أبو عثمان‏ (6) الحيريّ: «من أمّر السنة على نفسه قولا و فعلا نطق بالحكمة و من أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة».

و قال سهل‏ (7) التستري: «أصول مذهبنا ثلاثة:

- الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه و سلم) في الأخلاق و الأفعال.

- و الأكل من الحلال.

- و إخلاص النية في جميع الأعمال‏ (8)».

____________

(1) و كان رضي اللّه عنه يقول: «اذا صح الحديث فهو مذهبي. و اذا خالف قولي الحديث فاضربوا به عرض الحائط» و هكذا تبعه أئمتا الشافعية رضي اللّه تعالى عنهم.

(2) كما رواه الشيخان.

(3) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «4»

(4) عبد اللّه بن عمر: تقدمت ترجمته في ج 1 ص «182» رقم «1».

(5) رواه احمد بن حنبل و البزار بسند صحيح.

(6) أبو عثمان الحيري: هو سعيد بن اسماعيل شيخ الصوفية بنيسابور توفي سنة ثمان و تسعين و مائتين و هو من كبار الزهاد و المشايخ الصوفية، و هو صاحب أبي حفص النيسابوري كما قاله ابن ماكولا و الذهبي، و ذكره القشيري في رسالته و نقل ما ذكره المصنف عنه و قال: انه صاحب شاه الكرماني و يحيى بن معاذ الرازي ثم ورد نيسابور مع شاه الكرماني على أبي حفص الحداد فتخرج عليه و زوجه ابنته.

(7) سهل التستري: هو سهل بن يونس بن عيسى بن عبد اللّه بن رفيع. شيخ الصوفية الزهاد. تقدمت ترجمته في ج 1 ص «58» رقم «6».

(8) و هذه اصول الشريعة.

35

و جاء في تفسير قوله تعالى‏ «وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» (1) أنه الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه و سلم).

و حكي عن‏ (2) أحمد (3) بن حنبل قال: «كنت يوما مع جماعة تجردوا و دخلوا الماء .. فاستعملت الحديث‏ (4): «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر (5) .. و لم أتجرد.

فرأيت تلك الليلة قائلا لي يا أحمد .. أبشر (6) فان الله قد غفر لك باستعمالك السنة، و جعلك إماما يقتدى بك .. قلت من أنت؟

قال جبريل».

____________

(1) «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ .. وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ». سورة فاطر آية «10»

(2) و في نسخة «أن».

(3) احمد بن حنبل: و حنبل اسم جده فانه احمد بن محمد بن حنبل .. بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي لانه تربى فيها و دفن فيها ثاني عشر ربيع الاول سنة إحدى و أربعين و مائتين و هو امام السنة صاحب المذهب روى عن البخاري و غيره و عنه ابناه و جمع.

(4) رواه مسلم و الترمذي‏

(5) مئزر: بكسر الميم و همزة ساكنة و تبدل ياء بمعنى الازار و هو ما يستر به نصف المرء الاسفل.

(6) و في نسخة (أبشر يا أحمد).

36

الفصل الخامس حظر مخالفة أمره‏

و مخالفة أمره و تبديل سنته ضلال و بدعة متوعّد من اللّه عليه بالخذلان و العذاب.

قال اللّه تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (1) أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (2).

و قال‏ «وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ..» (3) الآية

عن أبي هريرة (4) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)(5): خرج إلى المقبرة

____________

(1) الضمير في أمره يعود على النبي (صلى الله عليه و سلم) كما أراد المؤلف بذكر الآية

(2) سورة النور آية «63».

(3) النساء آية «114» و تتمتها (و نصله جهنم و ساءت مصيرا). و استدل بهذه الآية في كتب الاصول على حجية الاجماع مأخوذا من قوله تعالى: (و يتبع غير سبيل المؤمنين).

(4) تقدمت ترجمته في ج 1 ص «31» رقم «5»

(5) رواه مسلم و الامام مالك مسندا و أبو داود و النسائي.

37

و ذكر الحديث في صفة (1) أمته و فيه- «فليذادنّ‏ (2) رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ فأناديهم: ألا هلمّ، ألا هلمّ، ألا هلمّ‏ (3)، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك‏ (4) .. فأقول: فسحقا (5) فسحقا» و روى أنس‏ (6) أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال‏ (7): «فمن رغب‏ (8) عن سنتي فليس مني ..»

و قال‏ (9) «من أدخل‏ (10) في أمرنا ما ليس منه فهو رد (11)».

و روى ابن أبي‏ (12) رافع عن أبيه‏ (13) عن‏ (14) النبي (صلى الله عليه و سلم)

____________

(1) يعني قوله: (لكم سيما ليست لاحد من الامم .. تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء.

(2) يذادن: مبني للمجهول مع نون توكيد بذال معجمة و ألف بعدها دال مهملة و نون توكيد مشددة و الذود هنا بمعنى الطرد و المنع و هذه رواية ابن القاسم و رواية غيره فلا يذادن و لا نافية او ناهية أي لا يفعل أحدكم فعلا يطرد بسببه عن حوضي على معنى التحذر و الاشفاق.

(3) هلم: اسم فعل أمر بمعنى اقبل ... و كررت هنا لاظهار شدة العناية و الرحمة المحمدية و هلم: بفتح الهاء و ضم اللام و قد تفتح.

(4) و في نسخة إنهم قد تبدلوا بعدك.

(5) و في نسخة بحذف الفاء من (فسحقا) و هو بضم السين و الحاء المهملتين و تسكن تخفيفا فنصبه على المصدرية او هو مفعول به و اذا كان دعاء فعامله محذوف وجوبا تعقرا و جدعا.

(6) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1»

(7) رواه الشيخان.

(8) اذا تعدى فعل رغب (بعن) يكون للترك و اذا تعدي (بفي) يكون للميل الى الشي‏ء.

(9) (صلى الله عليه و سلم) في حديث رواه الشيخان.

(10) و روي (من احدث). و في رواية مسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا) و في رواية (من ادخل في ديننا).

(11) و هذا الحديث من قواعد الدين، و قال الطوفي إنه نصف الدين.

(12) ابن أبي رافع: و اسمه عبيد اللّه.

(13) ابو رافع مولى النبي (صلى الله عليه و سلم).

(14) و في نسخة: ان النبي (صلى الله عليه و سلم).

38

قال‏ (1) «لا ألقينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ..»

زاد (2) في الحديث المقدام‏ (3) ألا و إن ما حرم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) مثل ما حرم اللّه‏ (4).

و قال (صلى الله عليه و سلم)(5) و جي‏ء بكتاب في كتف‏ (6) «كفى بقوم حمقا أو قال- ضلالا (7)- أن يرغبوا عما جاء به نبيهم أو كتاب غير كتابهم .. فنزلت‏ «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ» (8) الآية.

____________

(1) أخرجه ابو داود و الترمذي و ابن ماجه.

(2) اي الراوي ابو داود و الترمذي و الحاكم.

(3) المقدام بن معدي كرب الكندي .. المكنى بابي صالح ممن و فد على النبي (صلى الله عليه و سلم) من كنده، و توفي بالشام سنة سبع و ثمانين و هو ابن احدى و سبعين سنة

(4) فيه اشارة الى ان الرسول (صلى الله عليه و سلم) معصوم في أقواله و أفعاله من ناحية التبليغ.

(5) كما رواه أبو داود في مراسيله و الدارمي و الفرباني و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن يحي بن جعده.

(6) عظم الكتف اذ كان يكتب عليه. و الجائي به عمر او ابنته حفصه او عائشة رضي اللّه تعالى عنهم.

(7) و الشك من الراوي. و الحمق الغباوة و عدم الفهم و الضلال ضد الهداية.

(8) سورة العنكبوت آية «51» قيل في أسباب نزولها ان بعض المشركين طلبوا معجزات و آيات مثل آيات الأنبياء فنزلت الآية.

39

و قال (صلى الله عليه و سلم)(1): «هلك المتنطعون‏ (2)

و قال أبو بكر (3) الصديق رضي الله عنه‏ (4): لست تاركا شيئا كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يعمل به إلّا عملت به .. إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ‏ (5).

____________

(1) رواه مسلم عن ابن مسعود.

(2) المتنطعون: أصلها من النطع و هو الفك الاعلى من الفم .. و المتنطع من يبالغ و يعالي في الامور و يتشدق بالكلام. و قال الخطابي: «المتنطع» المتعمق المتكلف للبحث عن مذاهب أهل الكلام الخائض فيما لم يبلغه عقله و مناسبته لما نحن فيه أن من تنطع خرج عن ظاهر السنة.

(3) ابو بكر الصديق تقدمت ترجمته في ج 1 ص «156» رقم «6»

(4) كما رواه ابو داود و البخاري و غيرهما.

(5) الزبغ: الميل عن الاستقامة (فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم)

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب الثّاني في لزوم محبّته (صلى الله عليه و سلم) و فيه ستّة فصول‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الفصل الأوّل لزوم محبّته (صلى الله عليه و سلم)

قال الله تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها.» (1) الآية فكفى بهذا حضا و تنبيها و دلالة و حجة على التزام محبته و وجوب فرضها، و عظم خطرها، و استحقاقه لها (صلى الله عليه و سلم)، إذ قرّع الله تعالى من كان ماله و أهله و ولده أحبّ إليه من الله و رسوله و أوعدهم بقوله تعالى «فتربصوا حتّى يأتي الله بأمره» ثم فسّقهم بتمام الآية و أعلمهم أنهم ممن ضل و لم يهده الله.

عن أنس‏ (2) رضى الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال‏ (3):

____________

(1) سورة التوبة آية «25» و تتمتها (وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ).

(2) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1»

(3) فيما رواه البخاري و مسلم و النسائي.

44

«لا يؤمن أحدكم‏ (1) حتى أكون أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين».

و عن أبي هريرة (2) رضي الله عنه: نحوه‏ (3).

و عن أنس‏ (4) عنه (صلى الله عليه و سلم)(5): «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:

- أن يكون الله و رسوله أحبّ إليه مما (6) سواهما.

- و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

- و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار و عن عمر (7) بن الخطاب رضي الله عنه‏ (8): أنه قال للنبي (صلى الله عليه و سلم) لأنت أحب إليّ من كل شي‏ء إلا نفسي التي بين جنبيّ .. فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ..

فقال عمر: و الذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحبّ إلي من نفسي التي بين جنبي .. فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): الآن يا عمر».

____________

(1) و في رواية مسلم (عبد) و في رواية غيرهما (أحد). و في رواية ابن حبان (لا يكمل إيمان أحد

(2) أبو هريرة تقدمت ترجمته في ج 1 ص «31» رقم «5»

(3) أي روي عن أبي هريرة حديث بمعناه.

(4) أنس تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1»

(5) كما في الصحيحين.

(6) استعمل (عليه الصلاة و السلام) (مما) و لم يستعمل ممن لعموم (ما) أي من كل شي‏ء

(7) تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «4»

(8) كما رواه البخاري عن عبد اللّه بن هشام.

45

قال سهل‏ (1): من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال و يرى نفسه في ملكه (صلى الله عليه و سلم) لا يذوق حلاوة سنته .. لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ..» الحديث‏

____________

(1) سهل بن عبد اللّه التستري تقدمت ترجمته في ج 1 ص «58» رقم «6».

46

الفصل الثّاني ثواب محبّته (صلى الله عليه و سلم)

عن أنس‏ (1) رضي اللّه عنه: أن‏ (2) رجلا (3) أتى النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال:

متى الساعة يا رسول اللّه؟ .. قال: ما أعددت لها؟ .. قال:

ما أعددت لها من كثير صلاة و لا صوم و لا صدقة .. و لكني أحب اللّه و رسوله .. قال: أنت مع من أحببت‏ (4)».

____________

(1) أنس تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1»

(2) رواه البخاري و هذه الطريق التي اخرجها القاضي عن البخاري هي في الادب و اخرجه من طريق اخرى في الاحكام أيضا .. و اخرجه مسلم في الادب، و ليس لسالم ابن ابي الجعد في الكتب الستة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه غير هذا الحديث.

(3) قيل هو عمر بن الخطاب و قيل ابو موسى و قيل ابو ذر و قيل غيرهم .. و اللّه تعالى أعلم.

(4) و قال الصحابة (رضوان اللّه عليهم): ما فرحنا بعد الاسلام بشي‏ء فرحنا بهذا الحديث. و قد نظم الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه) معنى الحديث في بيتين من بحر الرجز هما:

و قائل هل عمل صالح* * * أعددته ينفع عند الكرب‏

فقلت حسبي خدمة المصطفى* * * و حبه فالمرء مع من أحب‏

و قال الخفاجي صاحب شرح الشفاء بيتين من بحرهما الوافر:

و حق المصطفى لي فيه حب* * * إذا مرض الرجاء يكون طبا

و لا أرضى سوى الفردوس مأوى* * * إذا كان الفتى مع من أحبا

47

و عن صفوان‏ (1) بن قدامة: هاجرت إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فأتيته ..

فقلت: يا رسول اللّه .. ناولني يدك أبايعك .. فناولني يده فقلت: يا رسول اللّه إني أحبك .. قال: المرء مع من أحب‏ (2)

و روى هذا اللفظ (3) عن النبي (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه‏ (4) بن مسعود و أبو موسى‏ (5) و أنس‏ (6) .. و عن أبي ذر (7) بمعناه.

و عن علي‏ (8): «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أخذ بيد حسن و حسين فقال‏ (9) من أحبني و أحب هذين و أباهما و أمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (10) ..»

____________

(1) صفوان بن قدامة: الصحابي التميمي المرادي كما قاله الذهبي .. و له و لابنه عبد الرحمن صحبة و قيل ان الابن تابعي و لابيه صفوان صحبة.

(2) رواه الترمذي و النسائي.

(3) في الجامع الصغير (المرء مع من أحب) رواه احمد و الشيخان و أبو داود و الترمذي و النسائي عن أنس رضي اللّه عنه، و في الصحيحين عن ابن مسعود في رواية الترمذي (المرء مع من أحب و له ما اكتسب) و في هذه الزيادة اشارة الى ان قرب المعية على قدر كسب الجمعية كما يشير إليه قوله تعالى في سورة النساء آية (68) «وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» فلناقص في الصلاح مع محبة أكمل الصالحين يحشر معهم كما نظم بعضهم بيتين من الشعر من بحر الوافر هما:

أحب الصالحين و لست منهم* * * لعلي أن أنال بهم شفاعة

و أكره من بضاعته المعاصي* * * و لو كنا سواء في البضاعة

(4) عبد الله بن مسعود تقدمت ترجمته في ج 1 ص «214» رقم «2».

(5) ابو موسى تقدمت ترجمته في ج 1 ص «118» رقم «4».

(6) أنس تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1».

(7) ابو ذر تقدمت ترجمته في ج 1 ص «285» رقم «1»

(8) علي بن أبي طالب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «54» رقم «4»

(9) و في نسخة (و قال).

(10) رواه عنه الترمذي.

48

و روي‏ (1) أن رجلا (2) «أتى النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه لأنت أحب إلي من أهلي و مالي .. و إني لأذكرك فما أصبر حتى أجي‏ء فأنظر إليك .. و إني ذكرت موتي و موتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين و إن دخلتها لا أراك ..

فأنزل اللّه تعالى» و من يطع اللّه و الرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين و الصدّيقين و الشّهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقا» (3) .. فدعا به فقرأها عليه.

و في حديث آخر (4) «كان رجل عند النبي (صلى الله عليه و سلم) ينظر إليه لا يطرف فقال: ما بالك؟ قال‏ (5): بأبي أنت و أمي أتمتع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك اللّه بتفضيله ..» فأنزل اللّه الآية (6) ..

و في حديث‏ (7) أنس‏ (8) رضي اللّه عنه: «من أحبني كان معي في الجنة ..»

____________

(1) روى الطبراني و ابن مردودية عن عائشة و ابن عباس رضي الله تعالى عنهم‏

(2) قال البغوي في تفسيره انه ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و قيل هو صاحب الاذان أي عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الانصاري الحارثي.

(3) سورة النساء أية «68».

(4) لا يعرف مخرجه.

(5) و في نسخة (فقال).

(6) أي المذكورة يعني قوله تعالى «من يطع الله و الرسول»

(7) كما رواه الاصفهاني في ترغيبه.

(8) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج 1 ص «47» رقم «1»

49

الفصل الثالث ما روي عن السّلف و الأئمة من محبتهم للنبي (صلى الله عليه و سلم) و شوقهم له‏

عن أبي هريرة (1) رضي اللّه عنه أن رسول اللّه قال‏ (2): «من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي .. يود أحدهم لو رآني بأهله و ماله ..»

و مثله عن أبي ذر (3). و تقدم حديث عمر (4) رضي اللّه عنه و قوله للنبي (صلى الله عليه و سلم) «لأنت أحب الي من نفسي» و ما تقدم عن الصحابة (5) في مثله و عن عمرو بن العاص‏ (6) رضي اللّه عنه «ما كان‏

____________

(1) ابو هريرة تقدمت ترجمته في ج 1 ص «31» رقم «5»

(2) في حديث صحيح رواه مسلم.

(3) ابو ذر الغفاري تقدمت ترجمته في ج 1 ص «285» رقم «1»

(4) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «4»

(5) كثوبان و صفوان و غيرهما.

(6) عمرو بن العاص قرشي من دهاة العرب الأربعة معاوية و عمرو و المغيرة و زياد عبقري في القيادة العسكرية توفي ليلة عيد الفطر سنة «43» للهجرة.

50

أحد أحب إليّ من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)(1)»

و عن عبدة (2) بنت خالد بن معدان قالت: ما كان خالد (3) يأوي إلى فراش إلا، هو يذكر من شوقه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و إلى أصحابه من المهاجرين و الأنصار يسميهم و يقول: هم أصلي‏ (4) و فصلي و إليهم يحن قلبي .. طال شوقي إليهم .. فعجل رب اقبضي إليك .. حتى يغلبه النوم ..»

و روي عن أبي بكر (5) رضي اللّه عنه أنه قال للنبي (صلى الله عليه و سلم)(6):

و الذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر (7) لعيني من إسلامه‏

____________

(1) حديث صحيح رواه مسلم. و فيه أنه بكى عند موته و قال بعد ما ذكر مبايعته لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) و طلب منه ان يدعو له بمغفرة ما صدر منه، و انه كان أبغض الناس له و احرصهم على قبله و بعد ما بايعه و أسلم قال: ما كان أحد أحب الي من رسول الله. و لا أجل في عيني منه. و ما كنت أطيق أن املأ عيني منه اجلالا له حق لو قيل لي صفه .. ما استطعت أن أصفه. الخ‏

(2) المعروف عبدة بنت خالد بن صفوان روت عن أبيها ذكرها ابن حبان في ثقاته أما بنت خالد بن معدان قال البرهان الحلبي لا أعرفها.

(3) تقدمت ترجمته في ج 1 ص «336» رقم «2»

(4) الاصل و الفصل: قبا، هما النسب و اللسان و عن ثعلب قال: الاصل الوالد و الفصل الولد.

(5) ابو بكر تقدمت ترجمته في ج 1 ص «156» رقم «6»

(6) لما أسلم والده ابو قحافة كما رواه ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

(7) أقر: من القر و هو البرد لان دمع السرور بارد و دمع الحزن حار، او من القرار و هو الثبات لان العين إذا رأت ما يسرها سكنت.

51

- يعني أباه أبا قحافة (1)- و ذلك ان إسلام أبي طالب كان أقر لعينك .. و نحوه‏ (2) عن عمر (3) بن الخطاب قال للعباس‏ (4):

أن تسلم أحب إلي أن يسلم الخطاب لأن ذلك أحب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و عن ابن إسحاق‏ (5) أن امرأة من الأنصار (6) قتل أبوها و أخوها و زوجها يوم أحد مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقالت: ما فعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟. قالوا: خيرا هو بحمد اللّه كما تحبين .. قالت:

أرنيه حتى أنظر إليه .. فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك‏ (7) جلل‏ (8).

و سئل‏ (9) علي بن أبي طالب‏ (10) رضي اللّه عنه .. كيف كان‏

____________

(1) ابو قحافة: و هو أبو الصديق، عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تميم .. أسلم يوم الفتح و حسن اسلامه، و بقي بعد وفاة ابنه حتى توفي سنة أربع عشرة. و ليس في الصحابة من اسمه ابو قحافة غيره و غير أبي قحافة المزني كما ذكره الذهبي‏

(2) كما رواه البيهقي و البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

(3) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «5»

(4) العباس: تقدمت ترجمته في ج 1 ص «181» رقم «1»

(5) ابن إسحاق: صاحب السيرة تقدمت ترجمته في ج 1 ص «73» رقم «7»

(6) هي من بني دينار و لكن لم يسمها كما في رواية ابن إسحاق.

(7) جلل: أي صغير هين. و كلمة جلل من الاضداد إذ تأتي بمعنى عظيم. و جلل بفتح الجيم و اللام الاولى.

(8) رواه ابن إسحاق و رواه أيضا البيهقي عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص مرسلا.

(9) لم يذكر من رواه عنه.

(10) علي بن أبى طالب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «54» رقم «4»

52

حبكم لرسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟. قال: كان و الله أحب إلينا من أموالنا و أولادنا و آبائنا و أمهاتنا و من الماء البارد على الظمأ ..

و عن‏ (1) زيد (2) بن اسلم خرج عمر (3) رضي الله عنه ليلة يحرس الناس‏ (4) فرأى مصباحا في بيت عجوز (5) تنفش صوفا و تقول‏ (6)

على محمد صلاة الأبرار* * * صلّى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قوّاما بكا (7)بالأسحار* * * يا ليت شعرى‏ (8) و المنايا أطوار (9)

هل تجمعنّي و حبيبي الدار

!! تعني- النبي (صلى الله عليه و سلم)- فجلس عمر (10) رضي الله عنه يبكي و في الحكاية طول‏ (11) ..

____________

(1) رواه عنه ابن المبارك في الزهد.

(2) زيد بن أسلم: الفقيه العمري تابعي جليل روى عن ابن عمر و جابر و عنه مالك و غيره .. أخرج له أصحاب الكتب الستة و له ترجمة في الميزان توفي سنة ست و ثلاثين و مائة

(3) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «4»

(4) على عادته ..

(5) لم يذكر اسمها

(6) أي تنشد شعرا من بحر «السريع».

(7) بكا: بضم الموحدة مقصورا منونا لغة في الممدود أي ذو بكاء و أريد به المبالغة كرجل عدل يعني لكثرة بكائه كأنه عين البكاء.

(8) شعري: أي علمي و هو اسم ليت و خبره محذوف تقديره حاصل.

(9) أي له أسباب مختلفة.

(10) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج 1 ص «113» رقم «4»

(11) و منها: فما زال عمر رضي اللّه عنه يبكي و طرق عليها الباب فقالت: من هذا؟

فقال: عمر بن الخطاب فقالت: مالي و لعمر في هذه الساعة!! فقال: افتحي يرحمك الله فلا بأس عليك ففتحت له فدخل عليها و قال ردي الكلمات التي قلتيها آنفا فردتها فقال:

أدخليني معكما و قولي: (و عمر فاغفر له يا غفار).

53

و روي‏ (1): أن عبد اللّه‏ (2) بن عمر خدرت‏ (3) رجله .. فقيل له: أذكر أحب الناس إليك يزل عنك .. فصاح يا محمداه فانتشرت‏ (4).

و لما احتضر (5) بلال‏ (6) رضي اللّه عنه نادت امرأته‏ (7):

وا حزناه .. فقال: وا طرباه .. غدا ألقى الاحبّة محمدا و حزبه‏ (8).

و يروى‏ (9) أن امرأة قالت لعائشة (10) رضي اللّه عنها: اكشفي لي قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) .. فكشفته لها فبكت حتى ماتت ..

و لما أخرج‏ (11) أهل مكة زيد (12) بن الدّثنّة من الحرم ليقتلوه.

____________

(1) اي في عمل اليوم و الليلة لابن السني.

(2) عبد اللّه بن عمر تقدمت ترجمته في ج 1 ص «182» رقم «1»

(3) خدرت: بفتح معجمة و كسر مهملة أي فترت عن الحركة و ضعفت باجتماع عصبها

(4) فانتشرت: أي امتدت لزوال خدرها و هذا يقتضي صحة ما جربوه ..

و قد روي انه وقع مثله لابن عباس رضي اللّه عنهما .. و ذكره النووي (رحمه اللّه) في أذكاره .. و فيه يقول أبو العتاهية:

و تخدر في بعض الاحايين رجله* * * فان لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر

(5) احتضر: بالمبني للمجهول أي حضرته الملائكة.

(6) بلال بن أبي رباح سابق الحبشة الى الاسلام. أسلم و هو في رق أمية فكان يعذبه اشتراه أبو بكر و أعتقه. صار مؤذن النبي (صلى الله عليه و سلم). مات في الشام.

(7) و هي صحابية على ما ذكره الذهبي في آخر النساء من التجريد ما لفظه:

زوجة بلال أتاها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فسأل عن بلال: أئمة بلال؟

(8) و في نسخة (و صحبه) و هذا بيت من مجزوء بحر الوافر و فيه زحف.

(9) و هذا لم يخرجوه.

(10) عائشة رضي اللّه عنها تقدمت ترجمتها في ج 1 ص «146 رقم «5»

(11) كما رواه البيهقي عن عروة.

(12) زيد بن الدثنة: ابن معاوية بن عبيد بن معاوية بن عامر بن بياضة الخزرجي الصحابي البدوي الاحدي أسر يوم الرجيع مع خبيب و بيعا في مكة.

54

قال له أبو سفيان‏ (1) ابن حرب: أنشدك‏ (2) اللّه يا زيد (3) ..

أ تحب أن محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه و أنك في أهلك ..

فقال زيد (3): و اللّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة و أني جالس في أهلي فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.

و عن‏ (4) ابن عباس كانت المرأة (5) إذا أتت النبي (صلى الله عليه و سلم) حلّفها باللّه ما خرجت من بغض زوج و لا رغبة بأرض عن أرض، و ما خرجت إلا حبا لله و رسوله.

و وقف ابن عمر (6) على ابن الزبير (7) رضي الله عنهما بعد قتله‏

____________

(1) أبو سفيان بن حرب: ابن أمية، و هو أبو معاوية، اسلم عام الفتح، و هذا الكلام قبل الاسلام تقدمت ترجمته في ج 1 ص «229» رقم «1»

(2) انشدك: نشد فلانا عرفه و باللّه استحلفه و قال له أنشدتك اللّه أي سألتك باللّه.

(3) زيد بن الدثنة تقدمت ترجمته في ج 1 ص «52» رقم «12»

(4) رواه ابن جرير و البزار.

(5) أي التي أتت مهاجرة من مكة الى المدينة.

(6) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ج 1 ص «182» رقم «1»

(7) ابن الزبير: تقدمت ترجمته في ج 1 ص «157» رقم «4»