بحار الأنوار - ج16

- العلامة المجلسي المزيد...
425 /
1

تتمة كتاب تاريخ نبينا (ص)

باب 5 تزوجه(ص)بخديجة رضي الله عنها و فضائلها و بعض أحوالها

أقول: سيأتي بعض فضائلها في باب أحوال أبي طالب.

1-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ بُرَيْدٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: (1)

لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَعَلَتْ فَاطِمَةُ(ع)تَلُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ تَدُورُ حَوْلَهُ وَ تَقُولُ أَبَتِ‏

(2)

أَيْنَ أُمِّي قَالَ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ لَهُ رَبُّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ فَاطِمَةَ السَّلَامَ وَ تَقُولَ لَهَا إِنَّ أُمَّكِ فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ‏

(3)

كِعَابُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَ عُمُدُهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ بَيْنَ آسِيَةَ وَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ(ع)إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَ مِنْهُ السَّلَامُ وَ إِلَيْهِ السَّلَامُ‏

(4)

.

2-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي أَبُو عَمْرٍو (5) عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْجُعْفِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ الْحُرِّ النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ‏

أَوَّلُ‏

____________

(1) في المصدر: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول.

(2) في المصدر: يا أبه.

(3) القصب: ما كان مستطيلا من الجوهر. الدر الرطب. الزبرجد الرطب المرصع.

(4) المجالس: 110.

(5) في المصدر: أبو عمر عبد الواحد بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن مهديّ. و فيه: محمّد ابن يحيى الجعفى قال: حدّثنا أبى قال: حدّثنا الحسين بن عبد الكريم و هو أبو هلال الجعفى قال:

حدّثنا جابر بن الحرّ الجعفى.

2

مَنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنَ الرِّجَالِ عَلِيٌّ(ع)وَ مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ(ع)

(1)

.

3-

ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عِلْبَاءِ بْنِ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَ خُطَطٍ فِي الْأَرْضِ وَ قَالَ أَ تَدْرُونَ مَا هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَفْضَلُ نِسَاءِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ‏

(2)

.

4-

ل، الخصال سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ اللِّخْمِيُ‏ (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عِلْبَاءٍ (4) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَ خُطُوطٍ ثُمَّ قَالَ خَيْرُ نِسَاءِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ‏

(5)

.

5-

ل، الخصال ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعاً مَرْيَمَ وَ آسِيَةَ وَ خَدِيجَةَ وَ فَاطِمَةَ

(6)

.

أقول: سيأتي فيما أجاب أمير المؤمنين(ع)اليهودي الذي سأل عن خصال الأوصياء فقال(ع)فيما قال كنت أول من أسلم فمكثنا بذلك ثلاث حجج و ما على وجه الأرض خلق يصلي و يشهد لرسول الله(ص)بما أتاه غيري و غير ابنة خويلد رحمها الله و قد فعل.

____________

(1) المجالس: 162.

(2) الخصال 1: 96.

(3) اللخمى بالخاء نسبة إلى لخم، و هو بطن عظيم ينتسب إلى لخم و اسمه مالك بن عدى بن الحارث بن مرة بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و الرجل من مشايخ الصدوق كتب إليه من اصبهان.

(4) علباء بالكسر فالسكون ثمّ الباء و المد، و هو علباء بن أحمر اليشكرى البصرى، كان من القراء.

(5) الخصال 1: 96.

(6) المصدر 1: 107.

3

6-

ل، الخصال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْوَاسِطِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْزِلَهُ فَإِذَا عَائِشَةُ مُقْبِلَةٌ عَلَى فَاطِمَةَ- تُصَايِحُهَا وَ هِيَ تَقُولُ وَ اللَّهِ يَا بِنْتَ خَدِيجَةَ مَا تَرَيْنَ إِلَّا أَنَّ لِأُمِّكِ عَلَيْنَا فَضْلًا وَ أَيُّ فَضْلٍ كَانَ لَهَا عَلَيْنَا مَا هِيَ إِلَّا كَبَعْضِنَا فَسَمِعَ مَقَالَتَهَا لِفَاطِمَةَ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بَكَتْ فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ قَالَتْ ذَكَرَتْ أُمِّي فَتَنَقَّصَتْهَا فَبَكَيْتُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ثُمَّ قَالَ مَهْ يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَارَكَ فِي الْوَدُودِ الْوَلُودِ وَ إِنَّ خَدِيجَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ وَلَدَتْ مِنِّي طَاهِراً وَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَ هُوَ الْمُطَهَّرُ وَ وَلَدَتْ مِنِّي الْقَاسِمَ وَ فَاطِمَةَ وَ رُقَيَّةَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ وَ زَيْنَبَ وَ أَنْتِ مِمَّنْ أَعْقَمَ اللَّهُ رحمه [رَحِمَهَا فَلَمْ تَلِدِي شَيْئاً

(1)

.

7-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام)

تَزَوَّجَ النَّبِيُّ(ص)بِخَدِيجَةَ وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

8-

يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

كَانَ سَبَبُ تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ مُحَمَّداً أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكَ وَ لَا مَالَ لِي أُسَاعِدُكَ بِهِ وَ إِنَّ خَدِيجَةَ قَرَابَتُنَا وَ تُخْرِجُ كُلَّ سَنَةٍ قُرَيْشاً فِي مَالِهَا مَعَ غِلْمَانِهَا يَتَّجِرُ لَهَا وَ يَأْخُذُ وِقْرَ بَعِيرٍ

(2)

مِمَّا أَتَى بِهِ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَخْرُجَ قَالَ نَعَمْ فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَيْهَا وَ قَالَ لَهَا ذَلِكَ فَفَرِحَتْ وَ قَالَتْ لِغُلَامِهَا مَيْسَرَةَ أَنْتَ وَ هَذَا الْمَالُ كُلُّهُ بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ(ص)فَلَمَّا رَجَعَ مَيْسَرَةُ حَدَّثَ أَنَّهُ مَا مَرَّ بِشَجَرَةٍ وَ لَا مَدَرَةٍ إِلَّا قَالَتْ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ جَاءَ بَحِيرَا الرَّاهِبُ وَ خَدَمَنَا لَمَّا رَأَى الْغَمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ تَسِيرُ حَيْثُمَا سَارَ تُظِلُّهُ بِالنَّهَارِ وَ رَبِحَا فِي ذَلِكَ السَّفَرِ

(3)

رِبْحاً كَثِيراً فَلَمَّا انْصَرَفَا قَالَ مَيْسَرَةُ لَوْ تَقَدَّمْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى مَكَّةَ وَ بَشَّرْتَ خَدِيجَةَ بِمَا قَدْ رَبِحْنَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَكَ فَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَكَانَتْ خَدِيجَةُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَالِسَةً عَلَى غُرْفَةٍ مَعَ نِسْوَةٍ فَظَهَرَ لَهَا مُحَمَّدٌ رَاكِباً

(4)

فَنَظَرَتْ خَدِيجَةُ إِلَى غَمَامَةٍ عَالِيَةٍ عَلَى رَأْسِهِ تَسِيرُ بِسَيْرِهِ وَ رَأَتْ مَلَكَيْنِ‏

____________

(1) المصدر 2: 37 و 38.

(2) أي حمل بعير.

(3) في المصدر: و ربحنا في هذه السفرة.

(4) في المصدر: راكبا على راحلته.

4

عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ‏

(1)

فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ سَيْفٌ مَسْلُولٌ يَجِيئَانِ‏

(2)

فِي الْهَوَاءِ مَعَهُ فَقَالَتْ إِنَّ لِهَذَا الرَّاكِبِ لَشَأْناً عَظِيماً لَيْتَهُ جَاءَ إِلَى دَارِي فَإِذَا هُوَ مُحَمَّدٌ(ص)قَاصِدٌ لِدَارِهَا

(3)

فَنَزَلَتْ حَافِيَةً إِلَى بَابِ الدَّارِ وَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتِ التَّحَوُّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ حَوَّلَتِ الْجَوَارِي السَّرِيرَ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ وَ أَحْضِرْنِي‏

(4)

عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ السَّاعَةَ وَ قَدْ بَعَثَتْ إِلَى عَمِّهَا

(5)

أَنْ زَوِّجْنِي مِنْ مُحَمَّدٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو طَالِبٍ قَالَتْ‏

(6)

اخْرُجَا إِلَى عَمِّي لِيُزَوِّجَنِي مِنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ قُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَدَخَلَا عَلَى عَمِّهَا وَ خَطَبَ أَبُو طَالِبٍ الْخُطْبَةَ الْمَعْرُوفَةَ وَ عَقَدَ النِّكَاحَ فَلَمَّا قَامَ مُحَمَّدٌ(ص)لِيَذْهَبَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ خَدِيجَةُ إِلَى بَيْتِكَ فَبَيْتِي بَيْتُكَ وَ أَنَا جَارِيَتُكَ‏

(7)

.

9-

د، العدد القوية قب، المناقب لابن شهرآشوب‏

زَوَّجَ أَبُو طَالِبٍ خَدِيجَةَ مِنَ النَّبِيِّ وَ ذَلِكَ أَنَّ نِسَاءَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعْنَ فِي الْمَسْجِدِ فِي عِيدٍ فَإِذَا هُنَّ بِيَهُودِيٍّ يَقُولُ لَيُوشِكُ أَنْ يُبْعَثَ فِيكُنَّ نَبِيٌّ فَأَيُّكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْضاً يَطَؤُهَا فَلْتَفْعَلْ فَحَصَبْنَهُ وَ قَرَّ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَلْبِ خَدِيجَةَ وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)قَدِ اسْتَأْجَرَتْهُ خَدِيجَةُ عَلَى أَنْ تُعْطِيَهُ بَكْرَيْنِ وَ يَسِيرَ مَعَ غُلَامِهَا مَيْسَرَةَ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا أَقْبَلَا فِي سَفَرِهِمَا

(8)

نَزَلَ النَّبِيُّ(ص)تَحْتَ شَجَرَةٍ فَرَآهُ رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ نَسْطُورُ فَاسْتَقْبَلَهُ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا رَأَى مِنْهُ عَلَامَاتٍ وَ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ طَاوِعْهُ فِي أَوَامِرِهِ وَ نَوَاهِيهِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَ اللَّهِ مَا جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ بَعْدَ عِيسَى(ع)أَحَدٌ غَيْرُهُ وَ لَقَدْ

____________

(1) في المصدر: ملك عن يمينه، و ملك عن شماله.

(2) في المصدر: يحثان.

(3) في المصدر: إلى دارها.

(4) في المصدر: و احضر لي.

(5) في المصدر: عمها ورقة.

(6) في المصدر: قالت له.

(7) الخرائج: 186 و 187.

(8) من سفرهما خ ل.

5

بَشَّرَ بِهِ عِيسَى(ع)وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وَ هُوَ يَمْلِكُ الْأَرْضَ بِأَسْرِهَا وَ قَالَ مَيْسَرَةُ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ جُزْنَا عَقَبَاتٍ بِلَيْلَةٍ كُنَّا نَجُوزُهَا بِأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ وَ رَبِحْنَا فِي هَذِهِ السَّفَرَةِ مَا لَمْ نَرْبَحْ مِنْ أَرْبَعِينَ‏

(1)

سَنَةً بِبَرَكَتِكَ يَا مُحَمَّدُ فَاسْتَقْبِلْ بِخَدِيجَةَ وَ أَبْشِرْهَا بِرِبْحِنَا وَ كَانَتْ وَقْتَئِذٍ جَالِسَةً عَلَى مَنْظَرَةٍ لَهَا فَرَأَتْ رَاكِباً عَلَى يَمِينِهِ مَلَكٌ مُصْلِتٌ سَيْفَهُ وَ فَوْقَهُ سَحَابَةٌ مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا قِنْدِيلٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ وَ حَوْلَهُ قُبَّةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ فَظَنَّتْ مَلِكاً يَأْتِي بِخِطْبَتِهَا وَ قَالَتِ اللَّهُمَّ إِلَيَّ وَ إِلَى دَارِي فَلَمَّا أَتَى كَانَ مُحَمَّداً وَ بَشَّرَهَا بِالْأَرْبَاحِ فَقَالَتْ وَ أَيْنَ مَيْسَرَةُ قَالَ يَقْفُو أَثَرِي قَالَتْ فَارْجِعْ إِلَيْهِ وَ كُنْ مَعَهُ وَ مَقْصُودُهَا لِتَسْتَيْقِنَ حَالَ السَّحَابَةِ فَكَانَتِ السَّحَابَةُ تَمُرُّ مَعَهُ فَأَقْبَلَ مَيْسَرَةُ إِلَى خَدِيجَةَ وَ أَخْبَرَهَا بِحَالِهِ وَ قَالَ لَهَا إِنِّي كُنْتُ آكُلُ مَعَهُ حَتَّى يَشْبَعَ‏

(2)

وَ يَبْقَى الطَّعَامُ كَمَا هُوَ وَ كُنْتُ أَرَى وَقْتَ الْهَاجِرَةِ مَلَكَيْنِ يُظَلِّلَانِهِ فَدَعَتْ خَدِيجَةُ بِطَبَقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ وَ دَعَتْ رِجَالًا وَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئاً فَأَعْتَقَتْ مَيْسَرَةَ وَ أَوْلَادَهُ وَ أَعْطَتْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِتِلْكَ الْبِشَارَةِ وَ رَتَّبَتِ الْخُطْبَةَ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ عَمِّهَا.

قال النسوي في تاريخه أنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد فخطب أبو طالب بما رواه الخركوشي في شرف المصطفى و الزمخشري في ربيع الأبرار و في تفسيره الكشاف و ابن بطة في الإبانة و الجويني في السير عن الحسن و الواقدي و أبي صالح و العتبي فقال الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل و من ذرية الصفي إسماعيل و صئصئ‏ (3) معد و عنصر مضر و جعلنا حضنة بيته و سواس‏ (4) حرمه و جعل مسكننا بيتا محجوبا و حرما آمنا و جعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلا رَجَحَ به و لا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه و إن كان في المال مقلا

____________

(1) في أربعين خ ل.

(2) في المناقب: حتى نشبع و يبقى الطعام بحاله.

(3) ضئصئ خ ل.

(4) قوله: حضنة البيت أي مربيه و كافله. سواس جمع السائس: المدبر و المتولى لامر القوم و من يصلح الخلق بارشادهم الى الطريق المنجى في عاجلهم و آجلهم.

6

فإن المال ورق حائل‏ (1) و ظل زائل و له و الله خطب عظيم و نبأ شائع و له رغبة في خديجة و لها فيه رغبة فزوجوه و الصداق ما سألتموه من مالي عاجله و آجله فقال خويلد زوجناه و رضينا به.

و روي أنه قال بعض قريش يا عجبا أ يمهر النساء الرجال فغضب أبو طالب و قال إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان و إذا كانوا أمثالكم لم تزوجوا (2) إلا بالمهر الغالي فقال رجل من قريش يقال له عبد الله بن غنم‏

هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت.* * * لك الطير فيما كان منك بأسعد.

تزوجته‏ (3)خير البرية كلها.* * * و من ذا الذي في الناس مثل محمد.

و بشر به المرءان‏ (4) عيسى ابن مريم.* * * و موسى بن عمران فيا قرب موعد.

أقرت به الكتاب قدما بأنه.* * * رسول من البطحاء هاد و مهتد. (5)

بيان قوله فحصبنه أي رمينه بالحصباء و صئصئ بالمهملتين و المعجمتين الأصل قال في النهاية في حديث الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين الضئضئ الأصل يقال ضئضئ صدق و ضؤضؤ صدق و حكى بعضهم ضئضي‏ء بوزن قنديل يريد أنه يخرج من نسله و من عقبه و رواه بعضهم بالصاد المهملة و هو بمعناه انتهى.

و في القاموس الورق مثلثة و ككتف و جبل الدراهم المضروبة و محركة الحي من كل حيوان و المال من إبل و دراهم و غيرها انتهى و في الفقيه رزق كما سيأتي و الحائل المتغير.

10-

قب، المناقب لابن شهرآشوب‏

خَرَجَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ وَ لَهُ خَمْسٌ وَ عِشْرُونَ‏

____________

(1) في العدد: أمر حائل.

(2) في المناقب: لم يزوجوا.

(3) تزوجت خ ل.

(4) البران خ ل.

(5) مناقب آل أبي طالب 1: 29 و 30. العدد مخطوط.

7

سَنَةً وَ تَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ أَشْهُرٍ قَالَ الْكُلَيْنِيُّ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وَ هُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ لَبِثَ بِهَا أَرْبَعاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ أَشْهُراً وَ بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ وَ رَضِيَتْ قُرَيْشٌ بِحُكْمِهِ فِيهَا وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً

(1)

.

أقول: أوردنا تاريخ وفاتها في باب المبعث.

11-

شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ:

إِنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)قَالَ لِي لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي حِينَ رَجَعْتُ وَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ قَالَ حَاجَتِي أَنْ تَقْرَأَ عَلَى خَدِيجَةَ مِنَ اللَّهِ وَ مِنِّي السَّلَامَ وَ حَدَّثَنَا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ لَقَّاهَا نَبِيُّ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) فَقَالَ لَهَا الَّذِي قَالَ جَبْرَئِيلُ فَقَالَتْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَ مِنْهُ السَّلَامُ وَ إِلَيْهِ السَّلَامُ وَ عَلَى جَبْرَئِيلَ السَّلَامُ‏

(2)

.

12-

كشف، كشف الغمة مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ.

: وَ مِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

أُمِرْتُ أَنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَ لَا نَصَبَ.

: وَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏

أَنَّ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلِيٌّ(ع)وَ قَالَ مَرَّةً أَسْلَمَ.

: و قد تقدم ذكر تقدم إسلامها رضي الله عنها و أنها سبقت الناس كافة فلا حاجة إلى إعادة ذلك و هو مشهور.

وَ مِنَ الْمُسْنَدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ:

حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.

: وَ مِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ:

بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ

____________

(1) المناقب 1: 119.

(2) تفسير العيّاشيّ: مخطوط.

8

لَا صَخَبَ فِيهِ‏

(1)

وَ لَا نَصَبَ.

: وَ رُوِيَ‏

أَنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَى النَّبِيَّ(ص)فَسَأَلَ عَنْ خَدِيجَةَ فَلَمْ يَجِدْهَا فَقَالَ إِذَا جَاءَتْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ رَبَّهَا يُقْرِئُهَا السَّلَامَ.

: وَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:

أَتَى جَبْرَئِيلُ النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ مُغَطًّى فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ (عليها السلام) مِنْ رَبِّهَا وَ مِنِّي السَّلَامَ وَ بَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَ لَا نَصَبَ‏

(2)

.

و قال شريك و قد سئل عن القصب قصب الذهب. (3)

و قال الجوهري القصب أنابيب من جوهر و ذكر الحديث.

و قال غيره اللؤلؤ و قال صاحب النهاية في غريب الحديث القصب لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف في هذا الحديث و القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف.

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ عَجُوزاً دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَأَلْطَفَهَا فَلَمَّا خَرَجَتْ سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَ إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا فِي زَمَنِ خَدِيجَةَ وَ إِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ..

وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ:

ذَكَرَ النَّبِيُّ(ص)خَدِيجَةَ يَوْماً وَ هُوَ عِنْدَ نِسَائِهِ فَبَكَى فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا يُبْكِيكَ عَلَى عَجُوزٍ حَمْرَاءَ مِنْ عَجَائِزِ بَنِي أَسَدٍ فَقَالَ صَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبْتُمْ وَ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرْتُمْ وَ وَلَدَتْ لِي إِذْ عَقَمْتُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَا زِلْتُ أَتَقَرَّبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) بِذِكْرِهَا.

. و نقلت من كتاب معالم العترة النبوية لأبي محمد عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي الحنبلي ذكر خديجة بنت خويلد أم المؤمنين و تقدم إسلامها و حسن موازرتها و خطر فضلها و شرف منزلتها ذكر مرفوعا عن محمد بن إسحاق‏ (4) قال كانت خديجة بنت خويلد

____________

(1) في المصدر: من قصب لا صخب فيه.

(2) قلت: الأحاديث كلها موجودة في مسند أحمد في باب مسند عليّ (عليه السلام) و مسند عبد اللّه جعفر و ابن عبّاس و أنس و عبد اللّه بن أبي أوفى و أبى هريرة.

(3) في المصدر: انه قصب الذهب. قلت: و لعلّ الصحيح: قال: إنّه قصب الذهب.

(4) و أخرجه أيضا ابن هشام في السيرة النبويّة 1: 203 بإسناده عن ابن إسحاق.

9

امرأة تاجرة ذات شرف و مال تستأجر الرجال في مالها و تضاربهم إياه بشي‏ء تجعله لهم منه و كانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله(ص)من صدق حديثه و عظيم أمانته و كرم أخلاقه بعثت إليه و عرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام و تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله(ص)و خرج في مالها ذلك و معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام فنزل رسول الله(ص)في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي ثم باع رسول الله(ص)سلعته التي خرج فيها (1) و اشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة و معه ميسرة و كان ميسرة فيما يزعمون قال إذا كانت الهاجرة (2) و اشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس و هو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا و حدثها ميسرة عن قول الراهب و عما كان يرى من إظلال الملكين فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني و شرفك في قومك و سطتك‏ (3) فيهم و أمانتك عندهم و حسن خلقك و صدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها و كانت خديجة امرأة حازمة لبيبة و هي يومئذ أوسط قريش نسبا و أعظمهم شرفا و أكثرهم مالا و كل قومها قد كان حريصا على ذلك لو يقدر عليه فلما قالت لرسول الله(ص)ما قالت ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله (ص).

و روى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال لما استوى رسول الله(ص)و بلغ أشده و ليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة و هو سوق بتهامة و استأجرت معه رجلا آخر من قريش فقال رسول الله(ص)ما رأيت من صاحبة لأجير

____________

(1) في السيرة: خرج بها.

(2) الهاجرة: نصف النهار في القيظ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر.

(3) سطتك بكسر السين و فتح الطاء أي شرفك و سامى منزلتك.

10

خيرا من خديجة ما كنا نرجع أنا و صاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبأه لنا.

و منه قال الدولابي يرفعه عن رجاله أنه كان من بدء أمر رسول الله(ص)أنه رأى في المنام رؤيا فشق عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة فقالت له أبشر فإن الله تعالى لا يصنع بك إلا خيرا فذكر لها أنه رأى أن بطنه أخرج فطهر و غسل ثم أعيد كما كان قالت هذا خير فأبشر ثم استعلن له جبرئيل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه و بشره برسالة الله حتى اطمأن ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏ فقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) رسالة ربه و اتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله و انصرف إلى أهله فلما دخل على خديجة قال أ رأيتك الذي كنت أحدثك و رأيته في المنام فإنه جبرئيل استعلن و أخبرها بالذي جاءه من عند الله و سمع فقالت أبشر يا رسول الله فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا فاقبل الذي آتاك الله و أبشر فإنك رسول الله حقا.

و روي مرفوعا إلى الزهري قال كانت خديجة أول من آمن برسول الله ص.

و عن ابن شهاب أنزل الله على رسوله القرآن و الهدى و عنده خديجة بنت خويلد.

و قال ابن حماد بلغني أن رسول الله(ص)تزوج خديجة على اثنتي عشرة أوقية ذهبا و هي يومئذ ابنة ثماني و عشرين سنة.

و حدثني ابن البرقي أبو بكر عن ابن هشام عن غير واحد عن أبي عمرو بن العلاء قال تزوج رسول الله(ص)خديجة و هو ابن خمس و عشرين سنة.

و عن قتادة بن دعامة قال كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله(ص)عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يقال ولدت له جارية و هي أم محمد بن صيفي المخزومي ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة التيمي فولدت له هند بن هند ثم تزوجها رسول الله ص.

و بإسناده يرفعه إلى محمد بن إسحاق قال كانت خديجة أول من آمن بالله و رسوله و صدقت بما جاء من الله و وازرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسول الله(ص)و كان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه و تكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله ذلك عن رسول الله‏

11

(صلى الله عليه و آله) بها إذا رجع إليها تثبته و تخفف عنه و تهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله.

و عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله(ص)أي ابن عم أ تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني فجاء جبرئيل(ع)فقال رسول الله(ص)لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله(ص)فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول فقالت هل تراه قال نعم قالت فاجلس في حجري ففعل قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم اثبت و أبشر فو الله إنه لملك‏ (1) و ما هو بشيطان.

قال ابن إسحاق قد حدثت بهذا الحديث عبد الله بن حسن قال سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله(ص)بينها و بين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل فقالت خديجة لرسول الله(ص)إن هذا لملك و ما هو بشيطان.

و عن ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد و أبا طالب ماتا في عام واحد فتتابع على رسول الله(ص)هلاك خديجة و أبي طالب و كانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام و كان رسول الله(ص)يسكن إليها.

و عن عروة بن الزبير قال توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) أريت بخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه و لا نصب.

و قال ابن هشام حدثني من أثق به أن جبرئيل أتى النبي(ص)فقال اقرأ خديجة من ربها السلام فقال رسول الله(ص)يا خديجة هذا جبرئيل يقرئك من ربك السلام قالت خديجة الله السلام و منه السلام و على جبرئيل السلام.

و روي أن آدم(ع)قال إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي‏

____________

(1) في المصدر: إن هذا لملك كريم.

12

نبي من الأنبياء يقال له محمد(ص)(1) فضل علي باثنتين زوجته عاونته و كانت له عونا و كانت زوجتي علي عونا و إن الله أعانه على شيطانه فأسلم و كفر شيطاني. (2)

و عن عائشة قالت كان رسول الله إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها و استغفار لها فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت لقد عوضك الله من كبيرة السن قالت فرأيت رسول الله(ص)غضب غضبا شديدا فسقطت في يدي‏ (3) فقلت اللهم إنك إن أذهبت بغضب رسولك(ص)لم أعد بذكرها (4) بسوء ما بقيت قالت فلما رأى رسول الله(ص)ما لقيت قال كيف قلت و الله لقد آمنت بي إذ كفر الناس و آوتني إذ رفضني الناس و صدقتني إذ كذبني الناس و رزقت مني‏ (5) حيث حرمتموه قالت فغدا و راح علي بها شهرا.

و روي أن خديجة (رضوان الله عليها) كانت تكنى أم هند.

و عن ابن عباس أن عم خديجة عمرو بن أسد زوجها رسول الله(ص)و أن أباها مات قبل الفجار.

و عن ابن عباس أنه تزوجها(ص)و هي ابنة ثماني و عشرين سنة و مهرها (6) اثنتي عشرة أوقية و كذلك كانت مهور نسائه و قيل إنها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة و تزوجها(ص)و هي بنت أربعين سنة و رسول الله(ص)ابن خمس و عشرين سنة.

و حديث عفيف و رؤيته النبي(ص)و خديجة و عليا يصلون حين قدم تاجرا إلى‏

____________

(1) في المصدر: أحمد.

(2) لعل المراد بالشيطان النفس الامارة، أي أن اللّه أعانه على نفسه و وفقه فغلب عليها، و أدخلها تحت قيادة التسليم لامر مولاها، و لكنى لم اوفق على قيادتها فعصت و صدرت عنها ما يخالف رضى اللّه تعالى، هذا ما تحتمله ألفاظ الحديث، لكنه غير موافق لما عليه الإماميّة من عصمة الأنبياء (عليهم السلام)، فيجب طرحه أو حمله على غير ذلك ممّا تقدم في بابه.

(3) أي ندمت على ذلك.

(4) في المصدر: لم أعد لذكر لها بسوء ما بقيت.

(5) في المصدر: و رزقت منى الولد.

(6) في المصدر: و مهرها النبيّ (صلى الله عليه و آله).

13

العباس و قوله لا و الله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قد تقدم ذكره بطريقه فلا حاجة لنا إلى ذكره لأنه لم يختلف في أنها رضي الله عنها أول الناس إسلاما و قال ابن سعد يرفعه إلى حكم بن حزام‏ (1) قال توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشرة من النبوة و هي ابنة خمس و ستين سنة فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون فنزل رسول الله(ص)في حفرتها و لم يكن يومئذ صلاة على الجنازة قيل و متى ذلك يا أبا خالد قال قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها و بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير قال فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله(ص)و أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.

هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذي‏ (2).

بيان قوله وسطتك بكسر السين أي كونك وسطهم و متوسطا بينهم أي أشرفهم قال الجوهري وسطت القوم أسطهم وسطا و وسطة أي توسطتهم و فلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبا و أرفعهم محلا انتهى.

قوله(ص)و رزقت مني أي الولد أو الإسلام‏ (3) قولها فغدا و راح علي بها شهرا لعل المعنى أنه(ص)كان إلى شهر يذكر خديجة و فضلها في الغدو و الرواح أو لما علم ندامتي في أمرها كان يغدو و يروح إلي لطفا بي‏ (4).

13-

كا، الكافي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ

____________

(1) في المصدر: حكيم بن حزام، و هو الصحيح، و هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدى، أبو خالد المكى، ابن أخى خديجة أم المؤمنين رضى اللّه عنها، و حزام بالحاء المهملة و الزاء المعجمة.

(2) كشف الغمّة: 151- 153.

(3) قد عرفت أن الموجود في المصدر: و رزقت منى الولد. فلا مجال لاحتمال الثاني، مع أن الإسلام قد ذكر قبلا فلا وجه للاعادة.

(4) و الأظهر أن المعنى كان يغدو و يروح شهرا بهذه الحالة أي بحالة الغضب. و أخرج ابن الأثير الحديث مسندا باختلاف في ألفاظه في أسد الغابة 5: 438.

14

بِنْتَ خُوَيْلِدٍ أَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَمِّ خَدِيجَةَ فَابْتَدَأَ أَبُو طَالِبٍ بِالْكَلَامِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِرَبِ‏

(1)

هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ زَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وَ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ وَ أَنْزَلَنَا حَرَماً آمِناً وَ جَعَلَنَا الْحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ وَ بَارَكَ لَنَا فِي بَلَدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِمَّنْ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا رَجَحَ بِهِ وَ لَا يُقَاسُ بِهِ رَجُلٌ إِلَّا عَظُمَ عَنْهُ وَ لَا عِدْلَ لَهُ فِي الْخَلْقِ وَ إِنْ كَانَ مُقِلًّا فِي الْمَالِ فَإِنَّ الْمَالَ رِفْدٌ جَارٍ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ لَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَ لَهَا فِيهِ رَغْبَةٌ وَ قَدْ جِئْنَاكَ‏

(2)

لِنَخْطُبَهَا إِلَيْكَ بِرِضَاهَا وَ أَمْرِهَا وَ الْمَهْرُ عَلَيَّ فِي مَالِي الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ عَاجِلُهُ وَ آجِلُهُ وَ لَهُ وَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ حَظٌّ عَظِيمٌ وَ دِينٌ شَائِعٌ وَ رَأْيٌ كَامِلٌ ثُمَّ سَكَتَ أَبُو طَالِبٍ فَتَكَلَّمَ عَمُّهَا وَ تَلَجْلَجَ وَ قَصَرَ عَنْ جَوَابِ أَبِي طَالِبٍ وَ أَدْرَكَهُ الْقُطْعُ وَ الْبُهْرُ وَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْقِسِّيسِينَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ مُبْتَدِئَةً يَا عَمَّاهْ إِنَّكَ وَ إِنْ كُنْتَ أَوْلَى‏

(3)

بِنَفْسِي مِنِّي فِي الشُّهُودِ فَلَسْتَ أَوْلَى بِي مِنْ نَفْسِي قَدْ زَوَّجْتُكَ يَا مُحَمَّدُ نَفْسِي وَ الْمَهْرُ عَلَيَّ فِي مَالِي فَأْمُرْ عَمَّكَ فَلْيَنْحَرْ نَاقَةً فَلْيُولِمْ بِهَا وَ ادْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ قَالَ‏

(4)

أَبُو طَالِبٍ اشْهَدُوا عَلَيْهَا بِقَبُولِهَا مُحَمَّداً وَ ضَمَانِهَا الْمَهْرَ فِي مَالِهَا فَقَالَ بَعْضُ قُرَيْشٍ يَا عَجَبَاهْ‏

(5)

الْمَهْرُ عَلَى النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ فَغَضِبَ أَبُو طَالِبٍ غَضَباً شَدِيداً وَ قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ كَانَ مِمَّنْ يَهَابُهُ الرِّجَالُ وَ يُكْرَهُ غَضَبُهُ‏

(6)

فَقَالَ إِذَا كَانُوا مِثْلَ ابْنِ أَخِي هَذَا طُلِبَتِ الرِّجَالُ بِأَغْلَى الْأَثْمَانِ وَ أَعْظَمِ الْمَهْرِ وَ إِذَا كَانُوا أَمْثَالَكُمْ لَمْ يُزَوَّجُوا إِلَّا بِالْمَهْرِ الْغَالِي وَ نَحَرَ أَبُو طَالِبٍ نَاقَةً وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ‏

(7)

بْنُ غَنْمٍ‏

هَنِيئاً مَرِيئاً يَا خَدِيجَةُ قَدْ جَرَتْ‏* * * لَكِ الطَّيْرُ فِيمَا كَانَ مِنْكِ بِأَسْعَدٍ

____________

(1) الحمد للّه خ ل. (2) و لقد جئناك خ ل. (3) أولى لي خ ل. (4) فقال خ ل. (5) و اعجباه خ ل. (6) في المصدر: و كان ممن تهابه الرجل و تكره غضبه. (7) أبو عبد اللّه خ ل و في المصدر: فقال رجل من قريش يقال له: عبد اللّه بن غنم شعرا

15

تَزَوَّجْتِ خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا* * * وَ مَنْ ذَا الَّذِي فِي النَّاسِ مِثْلُ مُحَمَّدٍ

وَ بَشَّرَ بِهِ الْبَرَّانِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ‏* * * وَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فَيَا قُرْبَ مَوْعِدٍ

أَقَرَّتْ بِهِ الْكُتَّابُ قِدْماً بِأَنَّهُ‏* * * رَسُولٌ مِنَ الْبَطْحَاءِ هَادٍ وَ مُهْتَدٍ (1)

.

بيان: الزرع الولد قوله فإن المال رفد جار أي عطاء مستمر يجريه الله على عباده بقدر حاجتهم و قد مر مكانه ورق حائل و سيأتي من الفقيه رزق حائل.

و البهر بالضم انقطاع النفس من الإعياء قولها و إن كنت أولى بنفسي مني لعل المعنى أنك و إن كنت أولى بأمري في محضر الناس عرفا فلست أولى بأمري واقعا أو إن كنت أولى في الحضور و التكلم بمحضر الناس فلست أولى مني في أصل الرضا و القبول أو إن كنت قادرا على إهلاكي و أمكنك فيه لكني لا أمكنك في ترك هذا الأمر و لعل الأوسط أظهر قوله قد جرت لك الطير يقال للحظ من الخير و الشر طائر لقول العرب جرى لفلان الطائر بكذا من الخير و الشر على طريقة التفؤل و الطيرة و أصله أنهم كانوا يتفألون و يتطيرون بالسوانح و البوارح‏ (2) من الطير عند توجههم إلى مقاصدهم و يحتمل أن يكون المعنى انتشر أسعد الأخبار منك في الآفاق سريعا بسبب ما كان منك من حسن الاختيار فإن الطير أسرع في إيصال الأخبار من غيرها و الأول أظهر و البر بالفتح الصادق و الكثير البر و القدم بالكسر خلاف الحدوث يقال قدما كان كذا.

14-

كا، الكافي أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَى خَدِيجَةَ حَيْثُ مَاتَ‏

(3)

الْقَاسِمُ ابْنُهَا وَ هِيَ تَبْكِي فَقَالَ لَهَا مَا يُبْكِيكِ فَقَالَتْ دَرَّتْ دُرَيْرَةٌ فَبَكَيْتُ فَقَالَ يَا خَدِيجَةُ أَ مَا تَرْضَيْنَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَنْ تَجِي‏ءَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَ هُوَ قَائِمٌ فَيَأْخُذَ بِيَدِكِ‏

____________

(1) الفروع 2: 19 و 20.

(2) السوانح جمع السانح: الذي يأتي من جانب اليمين، و يقابله البارح و هو الذي يأتي من جانب اليسار، و العرب تتيمن بالسوانح، و تتشأم بالبوارح.

(3) في المصدر: حين مات.

16

فَيُدْخِلَكِ الْجَنَّةَ وَ يُنْزِلَكِ أَفْضَلَهَا وَ ذَلِكِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحْكَمُ وَ أَكْرَمُ أَنْ يَسْلُبَ الْمُؤْمِنَ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ بَعْدَهَا أَبَداً

(1)

.

15-

كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

تُوُفِّيَ طَاهِرُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَدِيجَةَ عَنِ الْبُكَاءِ فَقَالَتْ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَكِنْ دَرَّتْ عَلَيْهِ الدُّرَيْرَةُ فَبَكَيْتُ فَقَالَ لَهَا أَ مَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَجِدِيهِ قَائِماً عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا رَآكِ أَخَذَ بِيَدِكِ فَأَدْخَلَكِ‏

(2)

أَطْهَرَهَا مَكَاناً وَ أَطْيَبَهَا قَالَتْ وَ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَزُّ وَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَسْلُبَ عَبْداً ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَصْبِرَ وَ يَحْتَسِبَ وَ يَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ‏

(3)

.

16-

نهج، نهج البلاغة

وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهَا

(4)

.

17-

يه، من لا يحضر الفقيه‏

خَطَبَ أَبُو طَالِبٍ (رحمه الله) لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ(ص)خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ رَحِمَهَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إِلَى عَمِّهَا فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ‏

(5)

الْبَابِ وَ مَنْ شَاهَدَهُ مِنْ قُرَيْشٍ حُضُورٌ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ زَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وَ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ وَ جَعَلَ لَنَا بَيْتاً مَحْجُوجاً وَ

حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ (6) إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ

وَ جَعَلَنَا الْحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ فِي بَلَدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ‏

(7)

ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا رَجَحَ وَ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا عَظُمَ عَنْهُ وَ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قَلَّ فَإِنَّ الْمَالَ رِزْقٌ حَائِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ لَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَ لَهَا فِيهِ‏

____________

(1) الفروع 1: 59.

(2) فادخلك الجنة خ ل.

(3) الفروع 1: 60.

(4) نهج البلاغة: الجزء الأول: 417.

(5) عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه.

(6) أي يجمع.

(7) في تاريخ اليعقوبي: بعد قوله: على الناس: و بارك لنا في بلدنا الذي نحن به.

17

رَغْبَةٌ وَ الصَّدَاقُ مَا سَأَلْتُمْ عَاجِلُهُ وَ آجِلُهُ‏

(1)

مِنْ مَالِي وَ لَهُ خَطَرٌ

(2)

عَظِيمٌ وَ شَأْنٌ رَفِيعٌ وَ لِسَانٌ شَافِعٌ جَسِيمٌ فَزَوَّجَهُ وَ دَخَلَ بِهَا مِنَ الْغَدِ فَأَوَّلُ مَا حَمَلَتْ وَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ(ص)

(3)

.

18-

أَقُولُ قَالَ الْكَازِرُونِيُّ فِي الْمُنْتَقَى رُوِيَ‏

أَنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّ كَانَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَرَابَةٌ وَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهَا وَ كَانَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهَا أَصَابَتْهُ بِخَيْرٍ فَوَجَّهَتْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ فِي تِجَارَةٍ إِلَى بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَأَحَبَّ خُزَيْمَةُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)حُبّاً شَدِيداً فَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ فِي نَوْمِهِ وَ لَا فِي يَقَظَتِهِ فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ الشَّامِ وَ الْحِجَازِ قَامَ عَلَى مَيْسَرَةَ بَعِيرَانِ لِخَدِيجَةَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي أَوَّلِ الرَّكْبِ فَخَافَ مَيْسَرَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَ عَلَى الْبَعِيرَيْنِ فَانْطَلَقَ يَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى الْبَعِيرَيْنِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أَخْفَافِهِمَا وَ عَوَّذَهُمَا فَانْطَلَقَ الْبَعِيرَانِ يَسْعَيَانِ فِي أَوَّلِ الرَّكْبِ لَهُمَا رُغَاءٌ

(4)

فَلَمَّا رَأَى خُزَيْمَةُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَأْناً عَظِيماً فَحَرَصَ عَلَى لُزُومِهِ وَ مُحَافَظَتِهِ وَ سَارُوا حَتَّى إِذَا دَخَلُوا الشَّامَ نَزَلُوا بِرَاهِبٍ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَحْتَ شَجَرَةٍ وَ نَزَلَ النَّاسُ مُتَفَرِّقِينَ وَ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي نَزَلَ تَحْتَهَا شَجَرَةً يَابِسَةً قَحِلَةً

(5)

قَدْ تَسَاقَطَ وَرَقُهَا وَ نَخِرَ عُودُهَا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ اطْمَأَنَّ تَحْتَهَا أَنْوَرَتْ وَ أَشْرَقَتْ وَ اعْشَوْشَبَ مَا حَوْلَهَا وَ أَيْنَعَ‏

(6)

ثَمَرُهَا وَ تَدَلَّتْ أَغْصَانُهَا فَرَفْرَفَتْ‏

(7)

عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ ذَلِكَ بِعَيْنِ الرَّاهِبِ فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنِ انْحَدَرَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى‏

(8)

فَقَالَ إِلَيْكَ عَنِّي‏

____________

(1) في المصدر: عاجلة و آجلة.

(2) الخطر: الشرف و ارتفاع القدر. و في تاريخ اليعقوبي: و له و اللّه خطب عظيم و نبأ شايع.

(3) من لا يحضره الفقيه: 413. و اخرج نحوه اليعقوبي في تاريخه 2: 15.

(4) الرغاء: صوت الإبل.

(5) قحل الشي‏ء: يبس.

(6) أينع الثمر: أدرك و طاب و حان قطافه.

(7) أي فبسطت أغصانها عليه.

(8) في المصدر: سألتك باللات و العزى ما اسمك؟.

18

ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَمَا تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ بِكَلِمَةٍ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ مَكْراً مِنَ الرَّاهِبِ وَ كَانَ مَعَهُ حِينَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ رَقٌ‏

(1)

أَبْيَضُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) أُخْرَى ثُمَّ أَكَبَّ يَنْظُرُ فِيهِ مَلِيّاً فَقَالَ هُوَ هُوَ وَ مُنْزِلِ الْإِنْجِيلِ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ خُزَيْمَةُ ظَنَّ أَنَّ الرَّاهِبَ يُرِيدُ بِالنَّبِيِّ(ص)مَكْراً فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى قَائِمَةِ سَيْفِهِ فَانْتَزَعَهُ وَ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ غَالِبٍ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يَقُولُونَ مَا الَّذِي رَاعَكَ فَلَمَّا نَظَرَ الرَّاهِبُ إِلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ يَسْعَى إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَدَخَلَهَا وَ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهَا ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ يَا قَوْمِ مَا الَّذِي رَاعَكُمْ مِنِّي فَوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَا نَزَلَ بِي رَكْبٌ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ وَ إِنِّي لَأَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَنَّ النَّازِلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي تَحْتَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)هُوَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُبْعَثُ بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَ بِالذَّبْحِ الْأَكْبَرِ وَ هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَمَنْ أَطَاعَهُ نَجَا وَ مَنْ عَصَاهُ غَوَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ مَا تَكُونُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ أَ رجلا [رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ لَا وَ لَكِنْ خَادِمٌ لَهُ وَ حَدَّثَهُ بِحَدِيثِ الْبَعِيرَيْنِ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي يُبْعَثُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَ إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ أَمْراً وَ مُسْتَكْتِمُكَ خَبَراً وَ عَاهِدٌ إِلَيْكَ عَهْداً فَقَالَ مَا هُوَ فَإِنِّي سَامِعٌ لِقَوْلِكَ وَ كَاتِمٌ لِسِرِّكَ وَ مُطِيعٌ لِأَمْرِكَ فَقَالَ إِنِّي أَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى الْبِلَادِ وَ يُنْصَرُ عَلَى الْعِبَادِ وَ لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ وَ لَا تُدْرَكُ لَهُ غَايَةٌ وَ إِنَّ لَهُ أَعْدَاءً أَكْثَرُهُمُ الْيَهُودُ أَعْدَاءُ اللَّهِ فَاحْذَرْهُمْ عَلَيْهِ فَأَسَرَّ خُزَيْمَةُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرَى فِيكَ شَيْئاً مَا رَأَيْتُهُ فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ النَّبِيَّ الَّذِي يُذْكَرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ تِهَامَةَ وَ إِنَّكَ لَصَرِيحٌ‏

(2)

فِي مِيلَادِكَ وَ الْأَمِينُ فِي أَنْفُسِ قَوْمِكَ وَ إِنِّي لَأَرَى عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ مَحَبَّةً وَ إِنِّي مُصَدِّقُكَ فِي قَوْلِكَ وَ نَاصِرُكَ عَلَى عَدُوِّكَ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَ الشَّامَ فَقَضَوْا بِهَا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا

____________

(1) الرق: جلد رقيق يكتب فيه. الصحيفة البيضاء.

(2) الصريح: الخالص، و لعلّ المراد أن ميلادك لم يشب بشي‏ء من رسوم الجاهلية، أو أن نسبك خالص، أو أنك خرجت من النكاح لم يدنسك السفاح. قال الكازرونى في المنتقى. أى لست بكاذب عندهم.

19

ثُمَّ قَالَ فَأَرْسَلَتْ خَدِيجَةُ إِلَى عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا فَحَضَرَ وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) فِي عُمُومَتِهِ فَتَزَوَّجَهَا وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ خَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

وَ قَدْ رَوَى قَوْمٌ أَنَّهُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا فِي حَالِ سُكْرِهِ.

(1)

قَالَ الْوَاقِدِيُّ هَذَا غَلَطٌ وَ الصَّحِيحُ أَنَّ عَمَّهَا زَوَّجَهَا وَ أَنَّ أَبَاهَا مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ.

وَ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ وَ ذَكَرَ مَا مَرَّ فَلَمَّا أَتَمَّ أَبُو طَالِبٍ خُطْبَتَهُ تَكَلَّمَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا كَمَا ذَكَرْتَ وَ فَضَّلَنَا عَلَى مَا عَدَّدْتَ فَنَحْنُ سَادَةُ الْعَرَبِ وَ قَادَتُهَا وَ أَنْتُمْ أَهْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا تُنْكِرُ الْعَشِيرَةُ فَضْلَكُمْ وَ لَا يَرُدُّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَخْرَكُمْ وَ شَرَفَكُمْ وَ قَدْ رَغِبْنَا بِالاتِّصَالِ بِحَبْلِكُمْ وَ شَرَفِكُمْ فَاشْهَدُوا عَلَيَّ مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ بِأَنِّي قَدْ زَوَّجْتُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ سَكَتَ وَرَقَةُ وَ تَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ وَ قَالَ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَشْرَكَكَ عَمُّهَا فَقَالَ عَمُّهَا اشْهَدُوا عَلَيَّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ أَنْكَحْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَ شَهِدَ عَلَيَّ بِذَلِكَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَأَمَرَتْ خَدِيجَةُ جَوَارِيَهَا أَنْ يَرْقُصْنَ وَ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ مُرْ عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ يَنْحَرْ بَكْرَةً مِنْ بَكَرَاتِكَ وَ أَطْعِمِ النَّاسَ عَلَى الْبَابِ وَ هَلُمَّ فَقِلْ‏

(2)

مَعَ‏

____________

(1) ذكره الطبريّ في تاريخه 2: 36 عن الواقدى، و روى اليعقوبي في تاريخه 2: 14 و 15 ذلك عن عمّار بن ياسر في عمه عمرو بن أسد، إلّا أنّه قال فلما أصبح عمها عمرو بن أسد أنكر ما رأى فقيل له: هذا، فقال: متى زوجته؟ قيل له: بالامس، قال: ما فعلت، قيل له: بلى نشهد أنك قد فعلت، فلما رأى عمرو رسول اللّه قال: اشهدوا أنى لم أكن زوجته بالامس، فقد زوجته اليوم إه. قلت: فيهما غرابة و شذوذ، و لم يرد ذلك من طرق الإماميّة، بل ورد من طرق لا يعتمد عليها الإماميّة، و قد عرفت قبل ذلك في رواية الكليني أن خديجة لما رأت أن عمها تلجلج و قصر عن الجواب قالت: يا عم لست أولى من نفسى، قد زوجتك يا محمّد نفسى، و ان ثبت في حديث صحيح أن غيرها كان المزوج لها فلا ينافى ذلك بل يجمع بوقوع العقد منهما جميعا، كما يأتي نظير ذلك في عقد ورقة بن نوفل.

(2) من قال يقيل قيلولة: نام في القائلة أي منتصف النهار.

20

أَهْلِكَ فَأَطْعَمَ النَّاسَ وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَعَ أَهْلِهِ خَدِيجَةَ

(1)

.

- 19-

أقول قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار

مرّ النبي(ص)يوما بمنزل خديجة بنت خويلد و هي جالسة في ملإ من نسائها و جواريها و خدمها و كان عندها حبرٌ من أحبار اليهود فلما مرّ النبيّ(ص)نظر إليه ذلك الحبر و قال يا خديجة اعلمي أنه قد مرّ الآن ببابك شابّ حدث السن فأمري من يأتي به فأرسلت إليه جارية من جواريها و قالت يا سيدي مولاتي تطلبك فأقبل و دخل منزل خديجة فقالت أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه قال نعم هذا محمد بن عبد الله قال له الحبر اكشف لي عن بطنك فكشف له فلما رآه قال هذا و الله خاتم النبوة فقالت‏

(2)

له خديجة لو رآك عمه و أنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء و إن أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود فقال الحبر و من يقدر على محمد هذا بسوء هذا و حقّ الكليم رسول الملك العظيم في آخر الزمان فطوبى‏

(3)

لمن يكون له بعلا و تكون له زوجة و أهلا فقد حازت شرف الدنيا و الآخرة فتعجبت خديجة و انصرف محمد و قد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد بحبّه و كانت خديجة ملكة عظيمة و كان لها من الأموال و المواشي شي‏ء لا يحصى فقالت أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي قال وجدت صفاته في التوراة أنه المبعوث آخر الزمان‏

(4)

يموت أبوه و أمّه و يكفله جدّه و عمّه و سوف يتزوّج بامرأة من قريش سيّدة قومها و أميرة عشيرتها و أشار بيده إلى خديجة ثم بعد ذلك قال لها احفظي ما أقول لك يا خديجة و أنشأ يقول.

____________

(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة خمس و عشرين من مولده (صلى الله عليه و آله) إه فيه: فقال مع أهله، فأقر اللّه عينه، و فرح أبو طالب فرحا شديدا و قال: الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن و دفع عنا الهموم.

(2) في المصدر: فكشف عن بطنه، فلما رأى الحبر خاتم النبوّة دهش لذلك، قالت.

(3) في المصدر: هذا و حقّ الكليم على الجبل العظيم محمّد صاحب البرهان، المبعوث في آخر الزمان، المعطل بدينه سائر الأديان. فطوبى إه.

(4) أضاف في المصدر هنا: يكسر الأصنام.

21

يا خديجة لا تنسي الآن قولي.* * * و خذي منه غاية المحصول.

يا خديجة هذا النبي بلا شكّ.* * * هكذا قد قرأت في الإنجيل.

سوف يأتي من الإله بوحي.* * * ثم يجبى‏ (1)من الإله بالتنزيل.

و يزوجه بالفخار و يحظى. (2)* * * في الورى شامخا على كل جيل.

فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي(ص)و كتمت أمرها فلما خرج من عندها قال اجتهدي أن لا يفوتك محمد فهو الشرف في الدنيا و الآخرة

(3)

و كان لخديجة عمّ يقال له ورقة و كان قد قرأ الكتب كلّها

(4)

و كان عالما حبرا و كان يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان و كان عند ورقة أنه يتزوّج بامرأة

(5)

سيّدة من قريش تسود قومها و تنفق عليه مالها و تمكنه من نفسها و تساعده على كل الأمور فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة و كان يقول لها يا خديجة سوف‏

(6)

تتّصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض و السماء

____________

(1) أي يعطى.

(2) و يزوج بذات الفخار فيضحى خ ل.

(3) في المصدر: فهو و اللّه شرف الدنيا و الآخرة.

(4) في المصدر: يقال له: ورقة بن نوفل، و كان من كهان قريش، و كان قد قرأ صحف شيث (عليه السلام) و صحف إبراهيم (عليه السلام)، و قرأ التوراة و الإنجيل و زبور داود (عليه السلام).

(5) في المصدر: بامرأة من قريش تكون سيدة قومها و أميرة عشيرتها، تساعده و تعاضده و تنفق عليه مالها، فعلم ورقة إه.

(6) في المصدر: فرجا ورقة أن تكون زوجته حتّى تفوز بالنبى (صلى الله عليه و آله)، و كان ورقة إذا دخل على خديجة تقول لها: يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون فيه شرف الدنيا و نعيم الآخرة، و كانت خديجة أغنى أهل مكّة، و كان لها في كل قبيلة من العرب قريب من الوف من النوق و الخيل و الغنم، لانها قد زوجت عبيدها بجواريها، و فرقهم مع العرب، و أعطتهم بيوت الشعر، و الخيل و الإبل، و جعلوا يتوالدون و يكثرون، و الدوابّ تلد و تكثر، و كان لها ازيد من أربعين ألف جمل تسافر بالتجارة الى الشام و العراق و البحرين و عمان و الطائف و مصر و الحبشة و غيرها من الامصار، و معها العبيد و الغلمان و الوكلاء، و كان أبو طالب إه.

22

و كان لخديجة في كلّ ناحية عبيد و مواشي حتى قيل إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل متفرّقة في كلّ مكان و كان لها في كلّ ناحية تجارة و في كلّ بلد مال مثل مصر و الحبشة و غيرها و كان أبو طالب رضي الله عنه قد كبر و ضعف عن كثرة السفر و ترك ذلك من حيث كفل النبيّ(ص)فدخل عليه النبيّ(ص)ذات يوم فوجده مهموما فقال ما لي أراك يا عمّ مهموما فقال يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا و قد اشتدّ الزمان علينا و ليس لنا مادّة و أنا قد كبرت و ضعف جسمي و قل ما بيدي و أريد أن أنزل إلى ضريحي‏

(1)

و أريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها و معيشة يرجع نفعها إليك فقال له النبي(ص)ما عندك يا عم من الرأي قال اعلم يا ابن أخي أن هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس و هي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة

(2)

و يسافرون به فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها و نسألها أن تعطيك مالا تتجر فيه فقال نعم قم إليها و افعل ما بدا لك.

قال أبو الحسن البكري لما اجتمع بنو عبد المطلب قال أبو طالب لإخوته امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به فقاموا من وقتهم و ساعتهم و ساروا إلى دار خديجة و كان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا و قد جعلت أعلاها قبة من الحرير الأزرق و قد رقمت في جوانبها صفة الشمس و القمر و النجوم و قد ربطته من حبال الإبريسم‏

(3)

و أوتاد من الفولاد و كانت قد تزوجت برجلين أحدهما اسمه أبو شهاب و هو عمرو الكندي‏

(4)

و الثاني اسمه عتيق بن عائذ فلما ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط و الصلت بن أبي يهاب و كان لكل واحد منهما أربعمائة عبد و أمة و خطبها أبو جهل بن هشام و أبو سفيان و خديجة لا ترغب في واحد منهم و كان‏

____________

(1) قبل أن انزل ضريحى أرى خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر.

(2) في المصدر: و هي تعطى مالها من سألها التجارة.

(3) بحبال من الابريسم خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(4) المشهور أنّه أبو هالة مالك بن النباش بن زرارة التميمى، أو النباش بن زرارة، أو هند بن النباش على اختلاف.

23

قد تولع قلبها بالنبي(ص)لما سمعت‏

(1)

من الأحبار و الرهبان و الكهان و ما يذكرونه من الدلالات و ما رأت قريش من الآيات فكانت تقول سعدت من تكون لمحمد قرينة فإنه يزين صاحبه‏

(2)

و ازداد بها الوجد و لج بها الشوق‏

(3)

فبعثت إلى عمها ورقة بن نوفل فقالت له يا عم أريد أن أتزوج و ما أدري بمن يكون و قد أكثر علي الناس و قلبي لا يقبل منهم أحدا فقال لها ورقة يا خديجة أ لا أعلمك بحديث غريب و أمر عجيب قالت و ما هو يا عم قال عندي كتاب من عهد عيسى(ع)فيه طلاسم و عزائم أعزم بها على ماء و تأخذينه و تغسلين به ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور و كلمات من الإنجيل فتضعيه تحت رأسك عند النوم و أنت على فراشك ملتفة بثيابك فإن الذي يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه و كنيته فقالت افعل يا عم قال حبا و كرامة و كتب الكتاب و أعطاها إياه و فعلت ما أمرها به و نامت فرأت كان قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق و لا بالقصير اللاذق أدعج العينين أزج الحاجبين أحور المقلتين‏

(4)

عقيقي الشفتين مورد الخدين أزهر اللون مليح الكون معتدل القامة تظله الغمامة بين كتفيه علامة راكب على فرس من نور مزمم‏

(5)

[مزموم بسلسلة من ذهب على ظهره سرج من العقيان مرصع بالدر و الجوهر له وجه كوجه الآدميين منشق الذنب له أرجل كالبقر خطوته مد البصر و هو يرقل بالراكب و كان خروجه من دار أبي طالب فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها و أجلسته في حجرها و لم تنم باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة و قالت أنعمت صباحا يا عم قال و أنت لقيت‏

____________

(1) في المصدر: و كان قد وقع محبة النبيّ (صلى الله عليه و آله) في قلبها و قد تولع خاطرها به لما سمعت.

(2) فانه يزين صاحبه و لا يشين خ ل.

(3) لح عليها خ ل.

(4) دعجت العين: صارت شديدة السواد مع سعتها فصاحبها أدعج. و حورت العين: اشتد بياض بياضها و سواد سوادها فصاحبها أحور. و المقلة: شحمة العين، أو هي السواد و البياض منها.

العين ذاتها.

(5) مزموم خ ل.

24

نجاحا فلعلك رأيت شيئا في منامك قالت رأيت رجلا صفته كذا و كذا فعندها قال ورقة يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين و ترشدين فإن الذي رأيته متوج بتاج الكرامة الشفيع في العصاة يوم القيامة سيد العرب و العجم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قالت و كيف لي بما تقول يا عم و أنا كما يقول الشاعر

أسير إليكم قاصدا لأزوركم.* * * و قد قصرت بي عند ذاك رواحلي.

و ملك الأماني خدعة غير أنني.* * * أعلل حد الحادثات بباطل.

أحمل برق الشرق شوقا إليكم.* * * و أسأل ريح الغرب رد رسائلي.

قال فزاد بها الوجد و كانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا و جرت دمعتها لهفا و هي تقول‏

كم أستر الوجد و الأجفان تهتكه.* * * و أطلق الشوق و الإغضاء (1)تمسكه.

جفاني القلب لما أن تملكه.* * * غيري فوا أسفا لو كنت أملكه.

ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي.* * * لو كان يسمح بالباقي فيتركه.

قال الراوي و أعجب ما رأيت في هذا الأمر العجيب و الحديث الغريب أن خديجة لم تفرغ من شعرها إلا و قد طرق الباب فقالت لجاريتها انزلي و انظري من بالباب لعل هذا خبر من الأحباب ثم أنشأ يقول‏

أيا ريح الجنوب لعل علم.* * * من الأحباب يطفئ بعض حري.

و لم لا حملوك إلي منهم.* * * سلاما أشتريه و لو بعمري.

و حق ودادهم إني كتوم.* * * و إني لا أبوح لهم بسري.

أراني الله وصلهم قريبا.* * * و كم يسر أتى من بعد عسر.

فيوم من فراقكم كشهر.* * * و شهر من وصالكم كدهر.

قال ثم نزلت الجارية و إذا أولاد عبد المطلب بالباب فرجعت إلى خديجة و قالت يا سيدتي إن بالباب سادات العرب ذوي‏

(2)

المعالي و الرتب أولاد عبد المطلب‏

____________

(1) الأعضاء خ ل.

(2) من ذوى المعالى خ ل.

25

فرمقت‏

(1)

خديجة رمق الهوى و نزل بها دهش الجوى‏

(2)

و قالت افتحي لهم الباب و أخبري ميسرة يعتد لهم المساند و الوسائد فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد ثم قالت شعرا

ألذّ حياتي وصلكم و لقاكم.* * * و لست ألذّ العيش حتى أراكم.

و ما استحسنت عيني من الناس غيركم.* * * و لا لذّ في قلبي حبيب سواكم.

على الرأس و العينين جملة سعيكم.* * * و من ذا الذي في فعلكم قد عصاكم.

(3)فها أنا محسوب‏ (4)عليكم بأجمعي.* * * و روحي و مالي يا حبيبي فداكم.

و ما غيركم في الحب يسكن مهجتي.* * * و إن شئتم تفتيش قلبي فهاكم.

قال صاحب الحديث و بسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا و قد قدم لهم أصناف الطعام و الفواكه من الطائف و الشام فأكلوا و أخذوا في الحديث فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب و كلام رطب يا سادات مكة أضاءت بكم الديار و أشرقت بكم الأنوار فلعل لكم حاجة فتقضى أو ملمة

(5)

فتمضى فإن حوائجكم مقضية و قناديلكم مضيئة فقال أبو طالب رضي الله عنه جئناك في حاجة يعود نفعها إليك و بركتها عليك قالت يا سيدي و ما ذلك قال جئناك في أمر ابن أخي محمد فلما سمعت ذلك غاب‏

(6)

رشدها عن الوجود و أيقنت بحصول المقصود و قالت شعرا

بذكركم يطفئ الفؤاد من الوقد.* * * و رؤيتكم فيها شفا أعين الرمد.

و من قال إني أشتفي‏ (7)من هواكم.* * * فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد.

و ما لي لا أملأ سرورا بقربكم.* * * و قد كنت مشتاقا إليكم على البعد.

____________

(1) رمق: أطال النظر. (2) الجوى: شدة الوجد من حزن أو عشق. (3) فيما أردتم عصاكم خ ل. (4) محبوب خ ل. (5) الملمة: النازلة الشديدة من نوازل الدنيا. (6) غابت عن الوجود خ ل. و هو الموجود في المصدر. (7) أشتكى لهواكم خ ل

26

تشابه سري في هواكم و خاطري. (1)* * * فأبدي الذي أخفي و أخفي الذي أبدي.

ثم قالت بعد ذلك يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول‏

(2)

قال العباس رضي الله عنه أنا آتيكم به فنهض و سار يطلبه من الأبطح‏

(3)

فلم يجده فالتفت يمينا و شمالا فقالوا ما تريد

(4)

فقال أريد محمدا فقالوا له في جبل حرى‏

(5)

فسار إليه فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل(ع)ملتفّا ببرده و عند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروّحه بها فلمّا نظر إليه العباس قال خفت عليه من الثعبان فجذبت سيفي و هممت بالثعبان‏

(6)

فحمل الثعبان على العباس فلما رأى العباس ذلك صاح من وقته أدركني يا ابن أخي ففتح النبي(ص)عينيه فذهب الثعبان كأنه لم يكن فقال النبي(ص)ما لي أرى سيفك مسلولا قال رأيت هذا الثعبان عندك فسللت سيفي و قصدته خوفا عليك منه فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك‏

(7)

فلما فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن فتبسم النبي(ص)و قال يا عم ليس هذا بثعبان و لكنه ملك من الملائكة و لقد رأيته مرارا و خاطبته‏

(8)

جهارا و قال لي يا محمد إني ملك من عند ربي موكل بحراستك في الليل و النهار من كيد الأعداء و الأشرار قال ما ينكر فضلك يا محمد

(9)

فقال له سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها تسير

____________

(1) و ظاهرى خ ل.

(2) في المصدر: و أين محمّد حتّى نحدثه بما تريدون، و نسمع ما يقول.

(3) في الابطح خ ل.

(4) في المصدر: قال له بعض أهل مكّة: أراك يا سيدى التفت يمينا و شمالا، من تطلب؟.

(5) في المصدر: قال: كان هنا من ساعة و توجه طالب جبل حرى.

(6) في المصدر: فلما نظر إليه العباس خاف عليه من الثعبان أن يقتله فجذب سيفه و هم بالثعبان.

(7) في المصدر: بعد قوله: مسلولا: قال: رأيت ما أرعبنى، قال: و ما رأيت شيئا يشبه السحر، و ما كان أبونا يعرف السحر و لا أنت أيضا تعرفه، فأيش هذا؟ قال: رأيت عند رأسك ثعبان عظيم فخفت عليك منه، و أردت قتله فحمل على فأرعبنى فصحت بك اه قلت: و لعلّ الصحيح:

قال: و ما رأيت؟ قال: رأيت شيئا.

(8) خاطبنى خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(9) في المصدر بعد ذلك: و انى وجدت لك مكانا تعمل فيه، فتبسم النبيّ (صلى الله عليه و آله) و قال: و أين يكون هذا؟ قال عند خديجة تكون أمينا على أموالها.

27

بها حيث شئت قال أريد الشام قال ذلك إليك فسار النبي(ص)و العباس إلى بيت خديجة و كان من عادته(ص)إذا أراد زيارة قوم سبقه النور إلى بيتهم فسبقه النور إلى بيت خديجة فقالت لعبدها ميسرة كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس إلى المجلس قال لست بغافل عنها و خرج فلم يجد تغير وتد و لا طنب و نظر إلى العباس فوجده قد أقبل هو و النبي(ص)معه فرجع و قال لها يا مولاتي هذا الذي رأيته من أنوار محمد(ص)فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد فلما دخل المجلس نهض أعمامه إجلالا له و أجلسوه في أوساطهم فلما استقرّ بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام‏

(1)

فأكلوا ثم قالت خديجة يا سيدي أنست بك الديار و أضاءت بك الأقدار

(2)

و أشرقت من طلعتك الأنوار أ ترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت قال نعم رضيت ثم قال أريد الشام قالت ذلك إليك و إني قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقيّة من الذهب الأحمر و مائة وُقيّة من الفضة البيضاء و جملين و راحلتين‏

(3)

فهل أنت راض فقال أبو طالب رضي الله عنه رضي و رضينا و أنت يا خديجة محتاجة إليه لأنه من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة و إنه مكين أمين قالت خديجة تحسن يا سيدي تشدّ على الجمل و ترفع عليه الأحمال قال نعم قالت يا ميسرة ايتني ببعير حتى أنظر كيف يشدّ عليه محمد فخرج ميسرة و أتى ببعير شديد المراس قويّ البأس لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الإبل لشدّة بأسه فأدناه ليركبه فهدر و شقشق‏

(4)

و احمرّت عيناه فقال له العباس ما كان عندك أهون من هذا البعير تريد أن تمتحن به ابن أخينا فعند ذلك قال النبي(ص)دعه يا عمّ فلما سمع البعير كلام البشير النذير برك على قدمي النبي(ص)و جعل يمرغ وجهه على قدمي النبي(ص)و نطق بكلام فصيح و قال‏

____________

(1) و ما يوجب به الإكرام خ. قلت و الزيادة موجودة في المصدر.

(2) الاقطار خ ل.

(3) و راحلة خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(4) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته. شقشق: هدر و أخرج شقشقته. و الشقشقة: شي‏ء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج.

28

من مثلي و قد لمس ظهري سيد المرسلين فقلن النسوة اللاتي كنّ عند خديجة ما هذا إلا سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم قالت لهم خديجة ليس هذا سحرا و إنما هو آيات بينات و كرامات ظاهرات ثم قالت‏

نطق البعير بفضل أحمد مخبرا.* * * هذا الذي شرفت به أمّ القرى.

هذا محمد خير مبعوث أتى.* * * فهو الشفيع و خير من وطأ الثرى.

يا حاسديه تمزّقوا من غيظكم.* * * فهو الحبيب و لا سواه في الورى.

قال و خرج أولاد عبد المطلب و أخذوا في أُهبة السفر

(1)

فالتفتت خديجة إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله) و قالت يا سيدي ما معك غير هذه الثياب فليست هذه تصلح للسفر فقال لست أملك غيرها فبكت خديجة و قالت عندي يا سيدي ما يصلح للسفر غير أنهن طوال فامهل‏

(2)

حتى أقصرها لك فقال هلمّي بها و كان(ص)إذا لبس القصير يطول و إذا لبس الطويل يقصر كأنّه مفصل عليه‏

(3)

فأخرجت له ثوبين من قباطي‏

(4)

مصر و جبّة عدنيّة و بردة يمنيّة و عمامة عراقيّة و خفين من الأديم و قضيب خيزران فلبس النبي(ص)الثياب و خرج كأنه البدر في تمامه‏

(5)

فلما نظرت إليه جعلت تقول‏

أوتيت من شرف الجمال فنونا.* * * و لقد فتنت بها القلوب فتونا.

قد كونت للحسن فيك جواهر.* * * فيها دعيت الجوهر المكنونا.

يا من أعار (6)الظبي في لفتاته. (7)* * * للحسن جيدا ساميا و جفونا.

انظر إلى جسمي النحيل و كيف قد.* * * أجريت من دمع العيون عيونا.

____________

(1) الاهبة: العدة. و زاد في المصدر: و إصلاح شأنهم. (2) فتمهل خ ل. (3) قد فصل عليه خ ل. و هو الموجود في المصدر. (4) القباطى و القباطى جمع القبطية، القبطية و القبطية: ثياب من كتان منسوبة إلى القبط. و في المصدر: و بردة يمانية. و فيه: و عمامة شربية من دق العراق بحاشيتين من حرير. (5) كأنّه البدر عند التمام، إذا انجلى عنه الغمام خ ل، و هو الموجود في المصدر. (6) أغار خ. (7) في فلواته خ ل

29

أسهرت عيني في هواك صبابة.* * * و ملئت قلبي لوعة (1)و جنونا.

ثم قالت يا سيدي عندك ما تركب عليه قال إذا تعبت ركبت أي بعير أردت قالت و ما يحملني على ذلك‏

(2)

لا كانت الأموال دونك يا محمد

(3)

ثم قالت لعبدها ميسرة ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد فأتى بها ميسرة و هي تزيد على الأوصاف لا يلحقها في سيرها تعب و لا يصيبها نصب كأنها خيمة مضروبة أو قبة منصوبة ثم التفتت إلى ميسرة و ناصح و قالت لهما اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا على أموالي و إنه أمير قريش و سيدها

(4)

فلا يد على يده فإن باع لا يمنع و إن ترك لا يؤم و ليكن كلامكما له بلطف و أدب و لا يعلو كلامكما على كلامه قال عبدها ميسرة و الله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة و الآن قد تضاعف لمحبتك له ثم إن النبي(ص)ودع خديجة و ركب راحلته و خرج و ميسرة و ناصح بين يديه و عين الله ناظرة إليه فعندها قالت خديجة شعرا

قلب المحب إلى الأحباب مجذوب.* * * و جسمه بيد الأسقام منهوب.

و قائل كيف طعم الحب قلت له.* * * الحب عذب و لكن فيه تعذيب.

أقذى‏ (5) [أفذي الذين على خدي لبعدهم.* * * دمي و دمعي مسفوح و مسكوب.

ما في الخيام و قد سارت ركابهم. (6)* * * إلا محب له في القلب‏ (7) محبوب.

كأنما يوسف في كل ناحية. (8)* * * و الحز (9) في كل بيت فيه يعقوب.

____________

(1) اللوعة: الحزن و الهوى و الوجد.

(2) على تعبك خ ل.

(3) في المصدر: دونك و فداك يا محمد.

(4) في المصدر: قد ارسلت محمّدا على اموالى، فانه أمين قريش و سيدها.

(5) أفدى خ ل.

(6) جمالهم خ ل.

(7) في الركب خ ل.

(8) راحلة خ ل.

(9) و الحى خ ل، و هو الموجود في المصدر. و الحز: ألم في القلب.

30

ثم إن النبي(ص)سار مجدا للسير إلى الأبطح فوجد القوم مجتمعين و هم لقدومه منتظرون فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين و قد فاق الخلق أجمعين فرح المحب‏

(1)

و اغتم الحاسد

(2)

و ظهر الحسد و الكمد فيمن‏

(3)

سبقت له الشقاوة من المكذبين‏

(4)

و زادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول‏

يا مخجل الشمس و البدر المنير إذا.* * * تبسم الثغر لمع البرق منه أضا.

كم معجزات رأينا منك قد ظهرت.* * * يا سيدا ذكره يشفى به المرضى.

فلما نظر النبي(ص)إلى أموال خديجة على الأرض و لم يحمل منها شي‏ء زعق على العبيد و قال ما الذي منعكم عن شد رحالكم قالوا يا سيدنا لقلة عددنا و كثرة أموالنا فأبرك راحلته و نزل و لوى ذيله في دور منطقته و صار يزعق بالبعير فيقول بإذن الله تعالى فتعجب الناس من فعله فنظر العباس إلى النبي(ص)و قد احمرت وجناته من العرق فقال كيف أخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم فعمد إلى خشبة و قال لأتخذن منها حجفة

(5)

تظل‏

(6)

محمدا من حر الشمس فارتجت الأقطار و تجلى الملك الجبار و أمر الأمين جبرئيل(ع)أن يهبط

(7)

[اهبط إلى رضوان خازن الجنان و قل له يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد(ص)قبل أن أخلق آدم بألفي عام و انشرها على رأس حبيبي محمد فلما رأوها شخصت نحوها الأبصار و قال العباس إن‏

(8)

محمدا لكريم على ربه و لقد استغنى عن حجفتي‏

(9)

ثم أنشأ يقول‏

____________

(1) المحبون خ ل، و في المصدر: المحبوب.

(2) الحاسدون خ ل، و في المصدر: الحسود.

(3) ممن خ ل، و هو الموجود في المصدر.

(4) في المصدر: و كتب من المكذبين، و بعده: و كتب من المؤمنين.

(5) الحجفة: الترس من جلد بلا خشب و في المصدر المحفة.

(6) تظلل خ ل.

(7) اهبط خ ل.

(8) و اللّه إن خ ل، و هو الموجود في المصدر.

(9) في المصدر: عن محفتى.

31

وقف الهوى بي حيث كنت‏ (1)فليس لي.* * * متقدم عنكم و لا متأخر.

ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع و حطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون فقال مطعم بن عدي يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامة و الأوعار

(2)

و ليس لكم مقدم تستشيرون به و ترجعون إلى أمره و الرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا لتستندوا إلى رأيه و ترجعوا إلى أمره عن المنازع و المخالف قالوا نعم ما أشرت به فقال بنو مخزوم نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي و قال بنو عدي نحن نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي و قال بنو النضر نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن الحارث و قال بنو زهرة نحن نقدم علينا أميرنا أحيحة بن الجلاح و قال بنو لوي نحن نقدم علينا أبا سفيان صخر بن حرب و قال ميسرة و الله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن عبد الله و قال بنو هاشم و نحن أيضا نقدم علينا محمدا فقال أبو جهل لئن‏

(3)

قدمتم علينا محمدا لأضعن هذا السيف في بطني و أخرجه من ظهري فقبض حمزة على سيفه و قال يا وغد

(4)

الرجال و يا نذل الأفعال‏

(5)

و الله ما أريد إلا أن يقطع الله يديك و رجليك و يعمي عينيك فقال له النبي(ص)اغمد سيفك يا عماه و لا تستفتحوا سفركم بالشر دعوهم يسيرون أول النهار و نحن نسير آخره فإن التقدم لقريش و كان(ص)أول من تكلم بهذه الكلمة و سار أبو جهل و من يلوذ به و قد استغنم‏

(6)

من بني هاشم الفرصة و هو ينشد و يقول‏

لقد ضلت حلوم بني قصي.* * * و قد زعموا بتسييد (7)اليتيم.

____________

(1) أنت خ ل. (2) المهامه: المفازة البعيدة. البلد القفر. و الوعر: المكان الصلب. المكان المخيف الوحش. (3) و اللّه لان خ ل، و في المصدر: و اللّه و اللّه لان. (4) الوغد: الضعيف العقل. الاحمق. الدنى. (5) الفعال خ ل قلت: و هو الموجود في المصدر، قوله نذل من نذل أي كان خسيسا محتقرا.

كان ساقطا في دين أو حسب فهو نذل. (6) في المصدر: و قد استغنموا الفرصة. (7) بتسديد خ ل.

32

و راموا للخلافة (1)غير كفو.* * * فكيف يكون ذا الأمر العظيم.

و إني فيهم ليث حمي.* * * بمصقول و لي جد كريم.

فلو قصدوا عبيدة أو ظليما.* * * و صخر الحرب ذا الشرف القديم.

لكنا راضيين لهم و كنا.* * * لهم تبعا على خلف‏ (2) ذميم.

فأجابه العباس يقول‏

ألا أيها الوغد الذي رام ثلبنا.* * * أ تثلب قرنا (3)في الرجال كريم.

أ تثلب يأويك الكريم أخا التقى.* * * حبيب لرب العالمين عظيم.

و لو لا رجال قد عرفنا محلهم.* * * و هم عندنا في مجدب‏ (4) و مقيم. (5)

لدارت سيوف يفلق الهام حدها.* * * بأيدي رجال كالليوث تقيم.

حماة كماة (6) كالأسود ضراغم.* * * إذا برزوا ردوا لكل زعيم.

ثم إن القوم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة فنزلوا بواد يقال له واد الأمواه لأنه مجتمع السيول‏

(7)

و أنهار الشام و منه تنبع عيون الحجاز فنزل به القوم و حطوا رحالهم و إذا بالسحاب قد اجتمع‏

(8)

فقال النبي(ص)ما أخوفني على أهل هذا الوادي أن يدهمهم‏

(9)

السيل فيذهب بجميع أموالهم و الرأي‏

(10)

عندي أن نستند إلى هذا الجبل قال له العباس نعم ما رأيت يا ابن أخي فأمر النبي(ص)أن ينادي‏

____________

(1) للرئاسة خ ل.

(2) بلا خلف خ ل.

(3) القرن: السيّد.

(4) المجذب خ ل.

(5) و مهيم خ ل.

(6) الكماة جمع الكمى: الشجاع، أو لابس السلاح لانه يكمى نفسه أي يسترها بالدرع و البيضة.

(7) في المصدر: و سمّي بذلك لأنّه مجمع السيول.

(8) قد أقبل خ ل و هو الموجود في المصدر.

(9) أي غشيهم.

(10) و لكن الرأى خ ل.

33

في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلى نحو الجبل‏

(1)

مخافة السيل ففعلوا إلا رجلا من بني جمح‏

(2)

يقال له مصعب و كان له مال كثير فأبى أن يتغير

(3)

من مكانه و قال يا قوم ما أضعف قلوبكم تنهزمون عن شي‏ء لم تروه و لم تعاينوه فما استتم كلامه إلا و قد ترادفت السحاب و البرق و نزل السيل و امتلأ الوادي من الحافة إلى الحافة

(4)

و أصبح الجمحي و أمواله كأنه لم يكن و أقام القوم في ذلك المكان أربعة أيام و السيل يزداد فقال ميسرة يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر و لا تقطعه السفار

(5)

و إن أقمنا هاهنا أضر بنا المقام و يفرق الزاد و الرأي‏

(6)

عندي أن نرجع إلى مكة فلم يجبه النبي(ص)إلى ذلك ثم نام فرأى في منامه ملكا يقول له يا محمد لا تحزن إذا كان غداة غد مر قومك بالرحيل و قف على شفير الوادي فإذا رأيت الطير الأبيض قد خط بجناحه فاتبع الخط و أنت تقول بسم الله و بالله و أمر قومك أن يقولوا هذه الكلمة فمن قالها سلم و من حاد عنها غرق فاستيقظ النبي(ص)و هو فرح مسرور ثم أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل فرحلوا و شد ميسرة رحاله فقال الناس يا ميسرة و كيف نسير و هذا الماء لا تقطعه إلا السفن فقال أما أنا فإن محمدا أمرني و أنا لا أخالفه فقال القوم و نحن أيضا لا نخالفه فبادر القوم و تقدم النبي(ص)و وقف على شفير الوادي و إذا بالطير الأبيض قد أقبل من ذروة الجبل و خط بجناحيه خطا أبيض يلمع فشمر النبي(ص)أذياله و اقتحم الماء و هو يقول بسم الله و بالله فلم يصل الماء إلى نصف ساقه و نادى أيها الناس لا يدخل أحد منكم الماء حتى يقول هذه الكلمة فمن قالها سلم‏

____________

(1) في المصدر: لحف الجبل. قلت: هو بالكسر: أصل الجبل.

(2) في نهاية الارب 203: بنو جمح بطن من بنى هصيص من قريش من العدنانية.

(3) في المصدر: أن ينتقل.

(4) في المصدر: و البرق قد لمع، و الغيث قد نزل، و السيل قد تكاثر، و امتلاء الوادى من الفج إلى الفج.

(5) السفنخ ل و هو الموجود في المصدر.

(6) و لكن خ ل.

34

و من حاد عنها هلك فاقتحم القوم الماء و هم يقولون الكلمة

(1)

و لم يتأخر من القوم سوى رجلين أحدهما من بني جمح و الآخر من بني عدي فقال العدوي بسم الله و بالله و قال الجمحي بسم اللات و العزى فغرق الجمحي و أمواله و سلم العدوي و أمواله فقال القوم للعدوي ما بال صاحبك غرق قال إنه قد عوج لسانه و خالف قول النبي(ص)

(2)

فغرق فاغتم أبو جهل لعنه الله و قومه قالوا ما هذا إلا سحر عظيم فقال له بعض أصحابه يا ابن هشام ما هذا بسحر و لكن و الله ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أفضل من محمد فلم يرد جوابا و ساروا حتى نزلوا على بئر و كان تنزل عليه العرب في طريق الشام‏

(3)

فقال أبو جهل و الله لأجد في نفسي غبنة

(4)

عظيمة إن رد محمد من سفره هذا سالما و لقد عزمت على قتله و كيف لي بالحيلة في قتله و هو ينظر من ورائه كما ينظر من أمامه و لكن أفعل فسوف تنظرون ثم عمد إلى الرمل و الحصى و ملأ حجره و كبس‏

(5)

به البئر فقال أصحابه و لم تفعل ذلك فقال أريد دفن البئر حتى إذا جاء ركب بني هاشم و قد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم فتبادر القوم بالرمل و الحصى و لم يتركوا للبئر أثرا فقال أبو جهل لعنه الله الآن قد بلغت مرادي ثم التفت إلى عبد له اسمه فلاح و قال له خذ هذه الراحلة و هذه القربة و الزاد و اختف تحت الجبل‏

(6)

فإذا جاء ركب بني هاشم يقدمهم محمد و قد أجهدهم العطش و التعب و لم يجدوا للبئر أثرا فيموتوا فأتني بخبرهم فإذا أتيتني و بشّرتني بموتهم أعتقتك و زوجتك بمن تريد من أهل مكة فقال حبا و كرامة ثم سار أبو جهل و تأخر العبد كما أمره مولاه و إذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا له أثرا فضاقت صدورهم‏

____________

(1) في المصدر: و هم يقولون: بسم اللّه و باللّه.

(2) في المصدر: قول محمد.

(3) أضاف في المصدر: فحطوا رحالهم، و سقوا دوابهم، و أخذوا راحة.

(4) حرقة خ ل.

(5) كبس البئر: سواها و دفنها.

(6) لحف الجبل.

35

و أيقنوا بالهلاك فلاذوا بمحمد(ص)

(1)

فقال لهم هل هنا موضع يعرف بالماء قالوا نعم بئر قد ردمت‏

(2)

بالرمل و الحجارة

(3)

فمشى النبي(ص)حتى وقف على شفير البئر فرفع طرفه إلى السماء و نادى يا عظيم الأسماء يا باسط الأرض و يا رافع السماء قد أضرّ بنا الظمآء فاسقنا الماء فإذا بالحجارة و الرمل قد تصلصلت‏

(4)

و عين الماء قد نبعت و تفجّرت و جرى الماء من تحت أقدامه فسقى القوم دوابّهم و ملئوا قربهم و ساروا و سار العبد إلى مولاه و قال ما وراءك يا فلاح و قال و الله ما أفلح من عادى محمدا و حدّثهم بما عاين منه فامتلأ أبو جهل غيظا و قال للعبد غيب وجهك عني فلا أفلحت أبدا ثم سار حتى وصل واديا من أودية الشام يقال له ذبيان و كان كثير الأشجار إذ خرج من ذلك الوادي ثعبان عظيم كأنه النخلة السحوق ففتح فاه و زفر و خرج من عينيه الشرار فجفلت منه ناقة أبي جهل لعنه الله و لعبت بيديها و رجليها و رمته فكسرت أضلاعه فغشي عليه فلما أفاق قال لعبيده تأخروا

(5)

إلى جانب الطريق فإذا جاء ركب بني هاشم يتقدمهم محمد قدموه علينا حتى إذا رأت ناقته الثعبان فعسى أن ترميه إلى الأرض فيموت ففعل العبيد ما أمرهم به و إذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد فقال النبي(ص)يا ابن هشام أراكم قد نزلتم و ليس هو وقت نزولكم فقال له يا محمد و الله قد استحييت أن أتقدم عليك و أنت سيد أهل الصفا و أعلى حسبا و نسبا فتقدم فلعن الله من يبغضك ففرح العباس بذلك و أراد العباس أن يتقدم فنهاه النبي(ص)و قال ارفق يا عم فما تقديمهم لنا إلا لمكيدة لنا

(6)

ثم إنه(ص)تقدم أمامهم و دخل إلى ذلك الشعب و إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبي(ص)فزعق بها النبي(ص)و قال ويحك‏

____________

(1) في المصدر: و شكوا إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله).

(2) أي سدت.

(3) في المصدر: و الحصى. مكان و الحجارة.

(4) تصلصل: صوت.

(5) في المصدر: تنحوا.

(6) في المصدر: فما قدمونا سوددا، و انما هي مكيدة، فقف حتّى أتقدم أنا. ثم إن النبيّ. إه.

36

كيف تخافين و عليك خاتم الرسل و إمام البشر.

(1)

ثم التفت إلى الثعبان و قال له ارجع من حيث أتيت و إياك أن تتعرض لأحد من الركب‏

(2)

فنطق الثعبان بقدرة الله تعالى و قال السلام عليك يا محمد السلام عليك يا أحمد فقال النبي(ص)السلام على من اتبع الهدى و خشي عواقب الردى و أطاع الملك الأعلى فعندها قال يا محمد ما أنا من هوام الأرض و إنما أنا ملك من ملوك الجن و اسمي الهام بن الهيم و قد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل و سألته الشفاعة فقال هي لولد يظهر من نسلي يقال له محمد و وعدني‏

(3)

أن أجتمع بك في هذا المكان و قد طال بي الانتظار و قد شاهدت المسيح عيسى ابن مريم(ع)ليلة عرج به إلى السماء و هو يوصي الحواريين باتباعك و الدخول في ملتك و الآن قد جمع الله شملي بك فلا تنسني من الشفاعة يا سيد المرسلين فقال له النبي(ص)لك ذلك علي فعد من حيث جئت و لا تتعرض لأحد من الركب فغاب الثعبان فلما نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك و ازداد أعمام النبي(ص)يقينا و فرحا و ازداد الجنود

(4)

[الحسود غيظا و حسدا فأنشأ العباس يقول‏

يا قاصدا نحو الحطيم و زمزم.* * * بلغ فضائل أحمد المتكرم.

و اشرح لهم ما عاينت عيناك من.* * * فضل لأحمد و السحاب الأركم.

قل و أت بالآيات‏ (5)في السيل الذي.* * * ملأ الفجاج بسيله المتراكم.

(6) و نجا الذي لم يخط قول محمد.* * * و هو الذي أخطأ بوسط جهنم.

و البئر لما أن أضر بنا الظماء.* * * فدعا الحبيب إلى الإله المنعم.

فاضت عيونا ثم سالت أنهرا.* * * و غدا الحسود بحسرة و تغمغم.

____________

(1) خاتم النبيين و امام المرسلين خ ل و في المصدر: سيّد المرسلين و خاتم النبيين. (2) أضاف في المصدر: فانى محمّد رسول اللّه، و الا شكوتك إلى إله السماء. (3) و أوعدنى خ ل، و هو الموجود في المصدر. (4) الحسود خ ل، و هو الموجود في المصدر. (5) قد بانت الآيات خ ل. (6) المتلاطم خ ل

37

و الهام بن الهيم لما أن رأى.* * * خير البرية جاء كالمستسلم.

ناداه أحمد فاستجاب ملبيا.* * * و شكا المحبة كالحبيب‏ (1)المغرم.

من عهد إبراهيم ظل مكانه.* * * يرجو الشفاعة خوف جسر (2) جهنم.

من ذا يقاس أحمد في الفضل من.* * * كل البرية من فصيح و أعجم.

و به توسل في الخطيئة آدم.* * * فليعلم الأخبار من لم يعلم.

و لما فرغ العباس من شعره أجابه الزبير و أنشأ يقول شعرا

يا للرجال ذوي البصائر و النظر.* * * قوموا انظروا أمرا مهولا قد خطر.

(3)هذا بيان صادق في عصرنا.* * * من سيد عالي المراتب مفتخر.

آياته قد أعجزت كل الورى.* * * من ذا يقايس عدها أو يختصر.

(4) منها الغمام تظله مهما مشى.* * * أنى يسير تظله و إذا خطر.

(5) و كذلك الوادي أتى مترادفا.* * * بالسيل يسحب للحجارة و الشجر.

و نجا الذي قد طاع قول محمد.* * * و هوى المخالف مستقرا في سقر.

و أزال عنا الضيم من حر الظماء.* * * من بعد ما بان التقلقل و الضجر.

و البئر فاضت بالمياه و أقبلت.* * * تجري على الأراض‏ (6) أشباه النهر. (7)

و الهام فيه عبارة (8) و دلالة.* * * لذوي العقول ذوي‏ (9) البصائر و الفكر.

كاد الحسود يذوب مما عاينت.* * * عيناه من فضل لأحمد قد ظهر.

____________

(1) كالكئيب خ ل. (2) حر خ ل. (3) حضر خ ل. (4) ما لا يقاس بعدها أو تنحصر خ ل. (5) حضر خ ل. (6) أراض و آراض جمع الأرض. (7) على وجه الثرى شبه النهر خ ل. (8) عزة خ ل. (9) ذووا خ ل

38

يا للرجال ألا انظروا أنواره.* * * تعلو على نور الغزالة و القمر.

الله فضل أحمدا و اختاره.* * * و لقد أذل عدوه ثم احتقر.

فأجابه حمزة رضي الله عنه يقول‏

ما نالت الحساد فيك مرادهم.* * * طلبوا نقوص الحال منك فزادا.

كادوا و ما خافوا عواقب كيدهم.* * * و الكيد مرجعه على من كادا.

ما كل من طلب السعادة نالها.* * * بمكيدة أو أن يروم عنادا.

يا حاسدين محمدا يا ويلكم.* * * حسدا تمزق منكم الأكبادا.

الله فضل أحمدا و اختاره.* * * و لسوف يملكه الورى و بلادا.

(1)و ليملأن الأرض من إيمانه.* * * و ليهدين عن الغوى‏ (2) من حادا.

قال فشكرهم النبي(ص)على ذلك و ساروا جميعا و نزلوا واديا كانوا يتعاهدون فيه الماء قديما فلم يجدوا فيه شيئا من الماء فشمر النبي(ص)عن ذراعيه و غمس كفيه في الرمل و رمق السماء

(3)

و هو يحرك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تيارا

(4)

و جرى على وجه الأرض أنهارا فقال العباس أمسك يا ابن أخي حذرا من الماء أن يغرق أموالنا ثم شربوا

(5)

و ملئوا قربهم و سقوا دوابهم فقال النبي(ص)لميسرة لعل عندك شيئا من التمر فأحضره و كان يأكل التمر و يغرس النوى في الأرض‏

(6)

فقال له العباس لم تفعل ذلك يا ابن أخي قال يا عم أريد أن أغرسها نخلا قال و متى تطعم‏

(7)

____________

(1) و ليملكن جمع الورى و بلادا خ ل.

(2) من الغوى خ ل.

(3) و رمق بطرفه الى السماء خ ل.

(4) من تار الماء: هاج. و التيار: سريع الجرى. و الموج الهائج.

(5) في المصدر: امسك يا بن أخى فقد كاد الماء يغرق رحالنا، ثمّ شربوا.

(6) في المصدر: فقال النبيّ (صلى الله عليه و آله): يا عم ما عندك شي‏ء من التمر نأكل؟ قال العباس: نعم، فأتاه العباس بقليل من التمر، و كان يأكل التمر و يبل النوى بريقه ثمّ يغمسه في الثرى.

(7) في المصدر: متى يثمر و يطعم؟.

39

قال الساعة نأكل منها و نتزود إن شاء الله تعالى فقال له العباس يا ابن أخي النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنين‏

(1)

قال يا عم سوف ترى من آيات ربي الكبرى ثم ساروا حتى تواروا عن الوادي فقال يا عم‏

(2)

ارجع إلى الموضع الذي فيه النخلات و اجمع لنا ما نأكله فمضى العباس فرأى النخلات قد كبرت و تمايلت‏

(3)

أثمارها و أزهرت‏

(4)

فأوقر منها راحلة و التحق بالنبي(ص)فكان يأكل من التمر و يطعم القوم فصاروا متعجبين من ذلك فقال أبو جهل لعنه الله لا تأكلوا يا قوم مما يصنعه محمد الساحر فأجابه قومه و قالوا يا ابن هشام أقصر عن الكلام فما هذا بسحر ثم سار القوم حتى وصلوا عقبة أيلة و كان بها دير و كان مملوا رهبانا و كان فيهم راهب يرجعون إلى رأيه و عقله يقال‏

(5)

له الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب و كان يكنى أبا خبير و قد قرأ الكتب و عنده سفر فيه صفة النبي(ص)من عهد عيسى ابن مريم(ع)و كان إذا قرأ الإنجيل على الرهبان و وصل إلى صفات النبي(ص)بكى و قال يا أولادي متى تبشروني بقدوم البشير النذير الذي يبعثه الله من تهامة متوجا بتاج الكرامة تظله الغمامة يشفع في العصاة يوم القيامة

(6)

فقال له الرهبان لقد قتلت نفسك بالبكاء و الأسف على هذا الذي تذكره و عسى أن يكون قد قرب أوانه فقال إي و الله إنه قد ظهر بالبيت الحرام و دينه عند الله الإسلام فمتى تبشروني بقدومه من أرض الحجاز و هو تظله الغمامة و أنشأ يقول شعرا

لئن نظرت عيني جمال أحبتي.* * * وهبت لبشرى الوصل ما ملكت يدي.

و ملكته روحي و مالي غيرها.* * * و هذا قليل في محبة أحمد.

____________

(1) في المصدر: ثلاث سنين. (2) في المصدر: فالتفت النبيّ (صلى الله عليه و آله) الى عمه العباس فقال: يا عم. (3) في المصدر: و بسقت بالتمر، و تمايلت. (4) أزهت خ ل. (5) في المصدر: يعتمدون بقوله و يرجعون الى رأيه يقال. (6) أضاف في المصدر بعد ذلك: و دام على ذلك زمانا طويلا

40

سألت إلهي أن يمن بقربه.* * * و يجمع شملي بالنبي محمد.

قال و ما زال الراهب كلما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلى أن حال‏

(1)

منه النظر و زاد به الفكر فعند ذلك أشرف بعض الرهبان و قد أشرقت الأنوار من جبين النبي المختار فنظر الرهبان إلى الأنوار و قد تلألأت من الركب و قد أقبل من الفلا و أشرق‏

(2)

و علا تقدمهم سيد الأمم و قد نشرت على رأسه الغمامة فقالوا يا أبا الرهبان‏

(3)

هذا ركب قد أقبل من الحجاز فقال يا أولادي و كم ركب قد أقبل و أتى و أنا أعلل نفسي بلعل و عسى قالوا يا أبانا قد رأينا نورا قد علا فقال‏

(4)

الآن قد زال الشقاء و ذهب العناء ثم رفع طرفه نحو السماء و قال إلهي و سيدي و مولاي بجاه هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكري إلا ما رددت علي بصري فما استتم كلامه حتى رد الله عليه بصره فقال الراهب للرهبان كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علام الغيوب ثم أنشأ يقول‏

بدا النور من وجه النبي فأشرقا.* * * و أحيا محبا بالصبابة محرقا.

(5)و أبرأ عيونا قد عمين من البكاء.* * * و أصبح من سوء المكاره مطلقا.

ترى هل ترى عيناي طلعة وجهه.* * * و أصبح من رق الضلالة معتقا.

ثم قال يا أولادي إن كان هذا النبي المبعوث في هذا الركب ينزل‏

(6)

تحت هذه الشجرة فإنها

(7)

تخضر و تثمر فقد جلس تحتها عدة من الأنبياء و هي من عهد عيسى ابن مريم(ع)يابسة و هذه البئر لم نر فيها

(8)

ماء فإنه يأتي إليها و يشرب منها فما كان‏

____________

(1) في المصدر: خلل.

(2) و النور قد أشرق خ ل، و هو الموجود في المصدر، و فيه: و الركب قد أقبل من الفلا.

(3) في المصدر: يا أبانا.

(4) في المصدر: بعد قوله: قد علا: فقال: رأيتم النور؟ قالوا: نعم، قال.

(5) موثقا خ ل.

(6) فهو ينزل خ ل.

(7) و انها خ ل.

(8) من مدة مديدة لم نر خ ل.

41

إلا قليلا و إذا الركب قد أقبل و حول البئر قد نزلوا و حطوا الأحمال عن الجمال و كان النبي(ص)يحب الخلوة بنفسه فأقبل تحت الشجرة فاخضرت و أثمرت من وقتها و ساعتها فما استقر بهم الجلوس حتى قام النبي(ص)فمشى إلى البئر فنظر إليها و استحسن عمارتها و تفل فيها فتفجرت منها عيون كثيرة و نبع منها ماء معين فلما رأى الراهب ذلك قال يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرف بسيد بني هاشم فإنه سيد الأنام لنأخذ منه الذمة

(1)

لسائر الرهبان فبادر القوم لأمره طائعين و صنعوا الولائم و قال لهم انزلوا إلى أمير هذا القوم‏

(2)

و قولوا له إن أبانا يسلم عليك و يقول لك إنه قد عمل‏

(3)

وليمة و هو يسألك أن تجيبه و تأكل من زاده فنزل بعض الرهبان فما رأى أحسن من أبي جهل لعنه الله و لم ير رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبر أبا جهل بما قاله الراهب فنادى في العرب إن هذا الراهب قد صنع لأجلي وليمة و أريد أن تجيبوا لدعوته‏

(4)

فقال القوم من نترك عند أموالنا فقال أبو جهل اجعلوا محمدا عند أموالنا فهو الصادق الأمين و في هذا المعنى قيل شعر

و مناقب شهد العدو بفضلها.* * * و الفضل ما تشهد به الأعداء.

فسار القوم إلى النبي(ص)و سألوه أن يجلس عند متاعهم و سار القوم إلى الراهب يتقدمهم أبو جهل لعنه الله و قد أعجب بنفسه فلما دخلوا الدير أحضر

(5)

لهم الطعام و ناداهم بالرحب و الإكرام فأخذ القوم في الأكل و أخذ الراهب القلنسوة جعل ينظر فيه و يدور على القوم رجلا رجلا

(6)

و جعل ينظر فيهم رجلا رجلا فلم ير صفة النبي‏

____________

(1) الذمم خ ل.

(2) الركب خ ل.

(3) في المصدر: عمل لك. و فيه: أن تجيب عزيمته و تأكل وليمته.

(4) في المصدر: أن تجيبوا عزيمته. و تأكلوا من وليمته.

(5) أحضروا.

(6) و أخذ الواهب السفر في يده و هو ينظر فيه و يدور على القوم رجلا خ ل و هو الموجود في المصدر.

42

(صلى الله عليه و آله)

(1)

فرمى القلنسوة عن رأسه و نادى وا خيبتاه وا طول شقوتاه‏

(2)

ثم جعل يقول شعرا

يا أهل نجد تقضّى العمر في أسف.* * * منكم و قلبي لم يبلغ أمانيه.

يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به.* * * من قربكم لا و لا وعد أرجّيه.

قال ثم بعد ذلك قال يا سادات قريش هل بقي منكم أحد

(3)

فقال أبو جهل نعم بقي منا صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا فما استتم كلامه حتى قام له حمزة و ضربه ضربا وجيعا و ألقاه على قفاه و قال يا وغد الأنام لم لا قلت تأخر منا البشير النذير السراج المنير و ما تركناه عند بضائعنا و أموالنا إلا لأمانته و ما فينا أصلح منه ثم التفت حمزة إلى الراهب و قال أرني السفر و أخبرني بما فيه فقال سيدي هذا سفر فيه صفة النبي(ص)لا بالطويل الشاهق و لا بالقصير اللاصق معتدل القامة بين كتفيه علامة تظله الغمامة يبعث من تهامة شفيع العصاة يوم القيامة قال العباس يا راهب إذا رأيته تعرفه قال نعم قال سر معي إلى الشجرة فإن صاحب هذه الصفة تحتها فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتى لحق بالنبي(ص)فلما رآه نهض قائما لا متكبرا و لا متجبرا فقال مرحبا بالفيلق بعد ما قال له الراهب السلام عليك يا أبا الفتيان فقال له النبي(ص)و عليك السلام يا عالم الرهبان و يا ابن اليونان يا ابن عبد الصليب‏

(4)

فقال الراهب و ما أدراك أني الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب قال الذي أخبرك أني أبعث في آخر الزمان بالأمر العجيب فانكب الراهب على قدميه يقبلهما و هو يقول يا سيد البشر لعلك أن تجيب لوليمتنا لتحصل لنا بها

(5)

الكرامة و نفوز بمحبتك يوم القيامة فقال له النبي(ص)اعلم أن القوم‏

____________

(1) في المصدر: فلم يجد أحدا فيه الصفات التي عنده.

(2) في المصدر: و اطول تعباه.

(3) في المصدر: أحد لم يحضر.

(4) في المصدر: يا بن اليونان بن عبد الصليب، قال: و من أخبرك أنى.

(5) في المصدر: بك.

43

أودعوني في أموالهم فقال يا مولاي تصدق علينا بالمسير إن عدم لهم عقال علي ببعير فقال له النبي(ص)سر و سار معهم إلى ديرهم و كان له بابان واحد كبير و الآخر صغير و قد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير و تماثيل فإذا دخل الرجل من الباب الصغير ينحني برأسه و ذلك برسم السجود للتصاوير في الكنيسة فخطر في نفسه أنه يدخل النبي(ص)من الباب الصغير ليتلذذ بمعاجزه‏

(1)

و غرائب كراماته فلما دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبي(ص)فلما دخل النبي(ص)من الباب القصير أمر الله تعالى عضادتي الباب أن ترتفع فارتفع الباب حتى دخل النبي(ص)منتصب القامة فلما أشرف على القوم قاموا له إجلالا و أجلسوه في أوساطهم على أعلى مكان و وقف الراهب بين يديه و الرهبان حوله فقدموا بين يديه طرائف الشام‏

(2)

ثم رمق الراهب بطرفه إلى السماء فقال إلهي و سيدي و مولاي أرني خاتم النبوة فأرسل الله عز و جل جبرئيل و رفع ثيابه عن ظهره فبان خاتم النبوة بين كتفيه فسطع منه نور ساطع فلما رآه الراهب خر ساجدا هيبة من ذلك النور ثم رفع رأسه و قال هو أنت حقا ثم إن حمزة أنشأ يقول‏

أنت المظلل بالغمام و قد رأى.* * * الرهبان أنك ذاك و انكشف الخبر.

ربيت في بحبوح‏ (3)مكة بعد ما. (4)* * * وضع الخليل وفاق فخرك من فخر.

و رضعت في سعد لثدي حليمة.* * * كرما ففاض الثدي نحوك و انحدر.

قال فشكره النبي(ص)و تفرق القوم إلى رحالهم و قد كمد أبو جهل غيظا و بقي ميسرة و الراهب مع النبي(ص)فقال الراهب يا سيدي أبشر فإن الله يوطئ لك رقاب‏

____________

(1) بمعجزاته خ ل و في المصدر: لسدد معجزاته، و يشهدون غرائب كراماته إه قلت: لعله مصحف يسددون بمعجزاته.

(2) في المصدر: و الرهبان حواليه، و مدحوه بأفصح لسان، و أوعدوه بالاجلال و الإكرام، و قدموا بين يديه من ظرائف الشام.

(3) بحبوحة مكّة: وسطها.

(4) حيث ما خ ل.

44

العرب و تملك سائر البلاد و ينزل عليك القرآن و تدين لك الأنام و دينك عند الله هو الإسلام‏

(1)

و تنكس الأصنام و تمحق الأديان و تخمد النيران و تكسر الصلبان و يبقى ذكرك إلى آخر الزمان فأسألك يا سيدي أن تتصدق علينا بالذمام لسائر الرهبان لتأخذ منهم أمتك الجزية في ذلك الزمان فيا ليتني كنت معك حتى تبعث يا سيدي‏

(2)

فأعطاهم النبي(ص)الذمام و أكرمهم‏

(3)

غاية الإكرام.

و قال الراهب لميسرة يا ميسرة اقرأ مولاتك مني السلام و اعلم‏

(4)

أنها قد ظفرت بسيد الأنام و أنه سيكون لك‏

(5)

شأن من الشأن و تفضل على سائر الخاص و العام و أحذّرها أن تفوتها القرب من هذا السيد فإن الله تعالى سيجعل نسلها من نسله و تبقى ذكرها إلى آخر الزمان و يحسدها عليه كل أحد و أعلمها أنه لا يدخل الجنة إلا من يؤمن به و يصدق برسالته و أنه أشرف الأنبياء و أفضلهم و أصفاهم سريرة و احذر عليه من أعدائه اليهود في الشام حتى يعود إلى البيت الحرام ثم ودع الراهب و خرج النبي(ص)و لحق بالقوم و ساروا من وقتهم و ساعتهم إلى أن نزلوا بأرض الشام‏

(6)

و حطوا رحالهم فبادر أهل المدينة و اشتروا بضاعتهم و باعت قريش بضائعها بأغلى أثمان في أحسن بيع و أما ما كان من النبي(ص)فإنه لم يبع شيئا من بضاعته فقال أبو جهل لعنه الله و الله ما رأت خديجة سفرة أشأم من هذه لم يبع من بضاعتها شيئا

(7)

فلما أصبح الصباح نادى العرب‏

(8)

فلما أقبلت من كل جانب و مكان يريدون البضائع فلم‏

____________

(1) أضاف في المصدر هنا. و تبعث بالمعجزات و الدلائل و الآيات البينات. و فيه تنكسر الأصنام و تمحو الاوثان.

(2) يا سيد ولد عدنان خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(3) و أكرمه خ ل.

(4) و أعلمها خ ل.

(5) لها خ ل و هو الموجود في المصدر.

(6) فنزلوا بمدينة يقال لها: برا خ ل. و في المصدر: حتى وصلوا الشام و نزلوا بمدينة برا.

(7) قط خ ل.

(8) أقبلت العرب من دل خ ل.

45

يجدوا إلا بضائع خديجة فباعها النبي(ص)بأضعاف ما باعت قريش‏

(1)

فاغتم أبو جهل لذلك غما شديدا و لم يبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم فجاء رجل من اليهود يقال له سعيد بن قطمور و كان من أحبار اليهود و كهانهم و كان قد اطلع على صفة النبي(ص)فلما نظر إليه عرفه بالنور و قال هذا الذي يسفه أحلامنا

(2)

و يعطل أدياننا و يرمل نسواننا و أنا أحتال على قتله ثم دنا من النبي(ص)و قال يا سيدي بكم هذا الحمل فقال بخمس مائة درهم لا ينقص منها شي‏ء قال اشتريت بشرط أن تسير معي إلى منزلي و تأكل من طعامي حتى تحصل لنا البركة

(3)

فقال النبي(ص)نعم فأخذ اليهودي حمل الأديم و سار إلى منزله و سار النبي(ص)فلما قرب اليهودي من منزله سبق إلى زوجته و قال لها أريد منك أن تساعديني على قتل هذا الذي يعطل أدياننا قالت و كيف أصنع به قال خذي فردة

(4)

الرحى و اقعدي على باب الدار فإذا رأيتيه قبض منا ثمن حمل الأديم و خرج ارمي عليه فردة الرحى‏

(5)

حتى تقتليه و نستريح منه قال فأخذت زوجة اليهودي الرحى و طلعت على سطح الدار فلما خرج النبي(ص)همت أن تلقي عليه الرحى فأمسك الله يديها

(6)

و رجف قلبها و قد غشي‏

(7)

عليها من نور وجه رسول الله(ص)و كان لها ولدان قائمان‏

(8)

بفناء الدار فسقطت الرحى عليهما فماتا فلما نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى بأعلى صوته يا بني قريظة فأجابوه من كل جانب و مكان و قالوا له ما وراءك قال‏

(9)

اعلموا أنه قد حل‏

(10)

____________

(1) و أضاف في المصدر: و ربحت بضائعها ربحا لم يخطر ببالهم.

(2) أي عقولنا.

(3) في المصدر: حتى تصل بكم البركة لانكم سكان بيت اللّه الحرام.

(4) طبقة الرحى خ ل.

(5) طبقة الرحى خ ل.

(6) على يديها خ ل.

(7) و كان قد غشى خ ل و هو الموجود في المصدر.

(8) نائمان خ ل و هو الموجود في المصدر.

(9) فقال خ ل و هو الموجود في المصدر.

(10) في المصدر: دخل.

46

ببلدكم هذا الرجل الذي يعطل أديانكم و يسفه أحلامكم‏

(1)

و قد دخل منزلي و أكل من طعامي و قتل أولادي فلما سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم و جردوا سيوفهم و حملوا على قريش بأجمعهم فلما نظر أعمام النبي(ص)إلى اليهود لبسوا دروعهم و بيضهم‏

(2)

و ركبوا خيولهم العربية و ارتفع الصياح و شهروا الصفاح‏

(3)

و قالوا ما أبركه من صائح صاح‏

(4)

و ركب حمزة على جواده و هو أشقر مضمر حسن المنظر مليح المخبر صافي الجوهر من خيل قيصر و تقلد سيفه و اعتقل رمحه و لبس درعه و حمل على اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كل مكان و حل بهم الوبال فأجمع‏

(5)

رأيهم على أن ينفذوا منهم‏

(6)

سبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح فلما رأتهم قريش من غير سلاح قالوا ما شأنكم قالوا يا معشر العرب إن هذا الرجل الذي معكم يعنون بذلك النبي(ص)أول من يبدئ بخراب دياركم و قتل رجالكم و تكسير أصنامكم و الرأي عندنا أن تسلموه لنا حتى نقتله و نستريح منه نحن و أنتم فلما سمع حمزة الكلام قال يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلمه إليكم فهو نورنا و سراجنا و لو تلفت فيه أرواحنا فهي فداه دون أموالنا فلما سمع اليهود ذلك آيسوا

(7)

من بلوغ مرادهم و رجعوا على أعقابهم‏

(8)

فلما عاين قريش اليهود و قد انقلب بعضهم على بعض رأوها فرصة

____________

(1) أضاف في المصدر: و يخرب دياركم.

(2) في المصدر: لبسوا الدروع الداودية، و السيوف الهندية، و البيض الحلبية، و الرماح الخطية.

(3) أي سلوا سيوفهم و رفعوها.

(4) أضاف في المصدر: و اليهود ثابتون لوقع الصفاح.

(5) في المصدر: فهناك حانت الآجال، و دارت عليهم الأحوال، و طحنت رحى الحرب رءوس الابطال، و حل بهم الويل و النكال، و انهزموا اليهود، و قد علاهم الويل، و حل بهم العذاب، فاجمعوا.

(6) في المصدر: إليهم.

(7) في المصدر: و ان الأرواح فداه و الأموال، و ان أردتم قطع الرءوس و اتلاف النفوس هلموا، فلما سمع اليهود كلامهم آيسوا.

(8) في المصدر أضاف: خائبين.

47

فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم و قد غنموا أسلابا من اليهود و خيلهم و سلاحهم و قد فرحوا بالنصر و الظفر فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة ما منكم أحد يا قوم إلا و قد سافر مرة أو مرتين أو أكثر فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة و أكثر من ربحها و ما ذلك إلا ببركة محمد(ص)و هو نشأ فيكم و هو قليل المال فهل لكم أن تجمعوا له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله فقالوا له و الله لقد أصبت الرأي يا ميسرة ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء و الأشجار و الأنهار فاستخرج كل واحد منهم شيئا لطيفا و جاءوا به على سبيل الهدية و كان يحب الهدية و يكره الصدقة فلما جمعوه‏

(1)

بين يديه قالوا له خذها مباركة عليك فدفعها إلى ميسرة و لم يرد جوابا ثم إن القوم رحلوا يجدون السير و يقطعون الفيافي و الأودية إلى أن نزلوا دير الراهب و هو الوادي الذي تزودوا منه التمر ثم إنهم رحلوا حتى قربوا من مكة و نزلوا بحجفة

(2)

الوداع فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم و غنمهم قال أبو جهل لعنه الله يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه فقالوا

(3)

نعم قال و أكثرنا أرباحا محمد(ص)قال ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم و يبيع عليهم بأغلى الثمن ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم و نفذ أبو جهل و غيره‏

(4)

رسلا فأقبل ميسرة إلى النبي(ص)و قال يا قرة العين هل أرشدك إلى خير يصل إليك قال ما هو قال تسير من وقتك و ساعتك إلى مولاتي خديجة و تبشرها بسلامة أموالها فإنها تعطي من يبشرها خيرا كثيرا و أنا أحب أن يكون ذلك لك فقم الآن و سر إلى مكة و ادخل على مولاتي خديجة و بشرها بسلامة أموالها فقام النبي(ص)و قال يا ميسرة أوصيك بمالك و نفسك خيرا و ركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة و غاب عن الأبصار فبعث الله ملكا يطوي له البعيد و يهون عليه الصعب الشديد فلما أشرف على الجبال‏

____________

(1) في المصدر: جمعوها.

(2) في المصدر: بجحفة الوداع، بتقديم الجيم.

(3) في المصدر: قالوا يا سيدنا ما فينا من ربح مثل ما ربح محمد.

(4) ذكر في المصدر مكان غيره أسماء يطول ذكرهم.

48

أرسل الله عليه النوم فنام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل أن اهبط إلى جنات عدن و أخرج منها القبة التي خلقتها لصفوتي محمد(ص)قبل أن أخلق آدم(ع)بألفي عام و انشرها على رأسه‏

(1)

و كانت من الياقوت الأحمر معلقة بعلائق من اللؤلؤ الأبيض يرى باطنها من ظاهرها و ظاهرها من باطنها لها أربعة أركان و أربعة أبواب ركن من الزبرجد و ركن من الياقوت و ركن من العقيان‏

(2)

و ركن من اللؤلؤ و كذا الأبواب فنزل جبرئيل و استخرجها فتباشرت الحور العين و أشرفت من قصورها و قلن لك الحمد يا رحمان هذا الآن يبعث صاحب القبة و هبت ريح الرحمة و صفقت الأشجار و نشر جبرئيل(ع)القبة على رأس النبي(ص)و أحدقت الملائكة بأركانها ثم أعلنوا

(3)

بالتقديس و التسبيح و نشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أعلام و تطاولت الجبال و نادت الأشجار و الأطيار و الأملاك يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله(ص)هنيئا لك من عبد ما أكرمك على الله تعالى قال و كانت خديجة متكئة على موضع عال و جواريها حولها و عندها جماعة من نساء قريش و هي تطيل النظر إلى شعاب مكة إذ كشف الله تعالى عن بصرها دون غيرها و قد نظرت‏

(4)

نورا ساطعا و ضياء لامعا من جهة باب المعلى ثم إنها حققت النظر فرأت القبة و المحدقين بها ناشرين أعلامها و النبي(ص)نائم بها فحارت في أمرها فجعلت تنظر إليه فقلن لها النسوة ما لنا نراك باهتة يا بنت العم فقالت يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة فقلن نعيذك بالله بل أنت يقظانة قالت لهن انظروا

(5)

إلى باب المعلى و انظروا

(6)

إلى القبة قلن نعم رأينا قالت لهن و ما

____________

(1) أضاف في المصدر: قال صاحب الحديث.

(2) العقيان: الذهب الخالص.

(3) رفعوها خ ل، و في المصدر: ثم أعلنوا بالتسبيح و التقديس و التهليل و التكبير و الثناء على ربّ العالمين.

(4) في المصدر: فرأت.

(5) هكذا في نسخة المصنّف و المصدر، و الصحيح كما استظهر المصنّف في الهامش:

انظرن.

(6) هكذا في نسخة المصنّف و المصدر، و الصحيح كما استظهر المصنّف في الهامش:

انظرن.

49

الذي ترون‏

(1)

غير ذلك قلن نرى نورا ساطعا و ضياء لامعا قد بلغ عنان السماء قالت و ما الذي ترون‏

(2)

غير ذلك قلن لم نر شيئا قالت أ ما ترون‏

(3)

القبة و الراكب و الأطيار الخضر المحدقين بالقبة فقلن لها لم نر شيئا قالت أرى راكبا أبهى من نور الشمس في قبة خضراء

(4)

لم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا و لا شك أن الناقة هي ناقتي الصهباء و الراكب محمد(ص)فقلن يا سيدتنا و من أين لمحمد(ص)ما تقولين و ليس يقدر على هذا كسرى و لا قيصر فقالت لهن فضل محمد أعظم من ذلك ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب ثم قصدت باب المعلى ثم إن الملائكة عرجت إلى السماء و عرج جبرئيل(ع)بالقبة و الأعلام و انتبه النبي(ص)من نومه و دخل مكة و قصد منزل خديجة فوجدها و هي تقول متى يصل محمد حتى أمتع بالنظر إليه و هي تقوم و تقعد و إذا بالنبي(ص)قد قرع الباب قالت الجارية من بالباب قال أنا محمد قد جئت أبشر خديجة بقدوم أموالها و سلامتها فلما سمعت خديجة كلام رسول الله(ص)انحدرت إلى وسط الدار و وقفت بالحجاب و فتحت الجارية الباب فقال السلام عليكم يا أهل البيت فقالت خديجة هنيئا لك السلامة يا قرة عيني قال و أنت‏

(5)

يهنؤك سلامة أموالك قالت خديجة تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين فو الله أنت عندي خير من جميع الأموال و الأهل ثم قالت شعرا

جاء الحبيب الذي أهواه من سفر.* * * و الشمس قد أثرت في وجهه أثرا.

عجبت للشمس من تقبيل وجنته. (6)* * * و الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.

ثم قالت يا حبيبي أين خلفت الركب قال بالجحفة قالت و متى عهدك بهم قال ساعتي هذه فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها و قالت سألتك بالله أنك فارقتهم بالجحفة قال نعم و لكن طوى الله لي البعيد قالت و الله ما كنت أحب أن تجي‏ء هكذا وحيدا إنما كنت أحب أن تكون أول القوم و أنظر إليك و أنت مقدم‏

____________

(1) هكذا في النسخة، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: ترين.

(2) هكذا في النسخة، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: ترين.

(3) هكذا في النسخة، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: ترين.

(4) في المصدر: إنى أرى راكبا قد أنار من وجهه المشرق و المغرب في قبة خضراء.

(5) في المصدر: و اننى. قلت: فعليه فيهنئك مصحف فنهنئك.

(6) غرته خ ل.

50

الرجال و أرسل إليك جواري على رءوس الجبال‏

(1)

بأيديهم المباخر و المعازف و آمر عبيدي بالذبائح و العقائر و يكون لك يوم مشهور قال يا خديجة إني أتيت و لم يعلم بي أحد من أهل مكة فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة و تفعلين مرادك فقالت له يا سيدي أمهل قليلا ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادة

(2)

و كانت العرب تعرفه بنقائه و طيب ريحه و ملأت له قربة من ماء زمزم و قالت له ارجع أودعتك من طوى لك البعيد من الأرض فرجع النبي(ص)ثم إن خديجة رجعت إلى موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا و إذا بالقبة قد عادت و جبرئيل قد نزل و الملائكة قد أحدقوا بها كالأول ففرحت خديجة بذلك و أنشأت تقول‏

نعم لي منكم ملزم أي ملزم.* * * و وصل مدى الأيام لم يتصرم.

و لو لم يكن قلب المتيم‏ (3)فيكم.* * * جريحا لما سالت دموعي بالدم.

و لم يخل طرفي ساعة من خيالكم.* * * و من حبكم قلبي و من ذكركم فمي.

و لو جبلا حملتموه بعادكم.* * * لمال و ما زال‏ (4) جسمي و أعظمي.

أشد على كبدي يدي فيردها.* * * بما فيه من وجد (5) من الشوق مضرم.

طويت الهوى و الشوق ينشر طيه.* * * و كتمت أشجاني فلم تتكتم.

فيا رب قد طالت بنا شقة (6) النوى.* * * و أنت قدير تنظم الشمل فانظم.

قال ثم إن النبي(ص)سار قليلا و التحق بالقوم و بعضهم يقظان‏

(7)

و بعضهم رقود فلما أحس به ميسرة قال من الطارق‏

(8)

في هذا الليل العاكر

(9)

قال‏

____________

(1) في المصدر: و ارتب لك جوارى و عبيدى على رءوس الجبال.

(2) في المصدر: فى مزادته.

(3) المتيم: المحب العاشق.

(4) حال خ ل.

(5) جمر خ ل.

(6) مدة خ ل.

(7) أيقاظ خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(8) السائر خ ل. و هو الموجود في المصدر.

(9) من عكر الليل: اشتد سواده.