بحار الأنوار - ج31

- العلامة المجلسي المزيد...
363 /
5

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): لَا يَجْتَمِعُ حُبُّنَا وَ حُبُّ عَدُوِّنَا فِي جَوْفِ إِنْسَانٍ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، فَيُحِبُّ بِهَذَا وَ يُبْغِضُ بِهَذَا، فَأَمَّا مُحِبُّنَا فَيُخْلِصُ الْحُبَّ لَنَا كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ لَا كَدَرَ فِيهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ حُبَّنَا فَلْيَمْتَحِنْ قَلْبَهُ، فَإِنْ شَارَكَهُ فِي حُبِّنَا حُبَّ عَدُوِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَسْنَا مِنْهُ، وَ اللَّهُ عَدُوُّهُمْ وَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ اللَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. (1)

____________

(1) بحار الأنوار: 27- 51- حديث 1.

تفسير القمّيّ: 514 (2- 171- 172).

6

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، (عليه السلام)، قَالَ: لَيْسَ النَّاصِبُ مَنْ نَصَبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لِأَنَّكَ لَا تَجِدُ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُبْغِضُ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ، وَ لَكِنَّ النَّاصِبَ مَنْ نَصَبَ لَكُمْ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَتَوَلَّوْنَّا وَ أَنَّكُمْ مِنْ شِيعَتِنَا. (1).

____________

(1) علل الشرائع: 200 ثواب الأعمال: 200 معاني الأخبار: 104 قريب منه.

بحار الأنوار: 27- 232- 233 حديث 42.

7

تتمة كتاب المحن و الفتن‏

تتمة الباب 23

الرابع عشر: أنّه أبدع في الدين بدعا كثيرة:

منها: صلاة التراويح‏

، فإنّه كانت بدعة (1)، لما.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً بِدْعَةٌ

(2)

، وَ صَلَاةُ الضُّحَى بِدْعَةٌ، أَلَا فَلَا تَجَمَّعُوا لَيْلًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي النَّافِلَةِ، وَ لَا تُصَلُّوا صَلَاةَ الضُّحَى، فَإِنَّ قَلِيلًا فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، أَلَا وَ إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَ كُلَّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ

(3)

.

وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا فَرَأَى الْمَصَابِيحَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ (4).

وَ قَدْ رُوِيَ‏

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ‏

____________

(1) نصّ الباجي و السيوطي و السكتواري و غيرهم على أنّ أوّل من سنّ التراويح عمر بن الخطّاب، كما في محاضرات الأوائل: 149- طبع سنة 1311- و: 98- طبع سنة- 1300.

و شرح المواهب للزرقاني 7- 149.

(2) و كذا صرّح الباجيّ و السّيوطيّ و السكتواري و غيرهم بأنّ إقامة النّوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر. انظر: طرح التّثريب 3- 92.

(3) جاءت في الشّافي 4- 219، و شرح ابن أبي الحديد 12- 283. و ذيلها مستفيضة عند العامّة و ضروريّة من ضروريّات المذهب عند الخاصّة. انظر: سنن أبي داود 2- 261، و مقدّمة سنن ابن ماجة: 46، و غيرهما.

(4) ذيل الحديث أخرجه البخاريّ في صحيحه 4- 218 في صلاة التّراويح باب فضل من قام رمضان، و مالك في الموطّإ 1- 114 في الصّلاة في رمضان باب ما جاء في قيام رمضان.

و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 6- 122 حديث 4222، و القسطلاني في إرشاد السّاريّ في شرح صحيح البخاريّ 5- 4، و قال: سمّاها بدعة لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسنّ لهم الاجتماع لها، و لا كانت في زمن الصّدّيق، و لا أوّل اللّيل، و لا هذا العدد!.

8

يَنْصَبَ لَهُ‏

(1)

إِمَاماً يُصَلِّي بِهِمْ نَافِلَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، زَجَرَهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَتَرَكُوهُ وَ اجْتَمَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَ قَدَّمُوا بَعْضَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْحَسَنَ (عليه السلام)، فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ وَ مَعَهُ الدِّرَّةُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَبَادَرُوا الْأَبْوَابَ وَ صَاحُوا:

وَا عُمَرَاهْ؟!.

هذه الروايات أوردها السيّد (رحمه اللّه) في الشافي‏ (2) و حاصل الاستدلال أنّ التراويح كانت بدعة جماعتها، بل أصلها، و (3) وضعها و أمر بها عمر و كلّ بدعة حرام، أمّا الأولى فلاعترافه بكونه بدعة كما مرّ.

و روى عنه صاحب النهاية (4) و غيره‏ (5) من علمائهم.

وَ رَوَى الْبُخَارِيُ‏ (6) وَ مُسْلِمٌ‏ (7) فِي صَحِيحِهِمَا، وَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (8) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ

أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي رَمَضَانَ؟. فَقَالَتْ‏

(9)

: مَا كَانَ‏

(10)

يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَ لَا فِي غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَ طُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلَا تَسْأَلُ‏

(11)

عَنْ حُسْنِهِنَّ وَ طُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً

(12)

، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ تَنَامُ قَبْلَ أَنْ‏

____________

(1) كذا. و الظّاهر: لهم.

(2) الشافي 4- 219، و تلخيص الشافي 4- 5، و غيرهما.

(3) لا توجد الواو في (ك)، و ذكرت بعد أسطر من دون تعليم عليها: و هي بحاجة إلى الواو.

(4) النهاية 1- 106- 107.

(5) كالباجي و السيوطي و السكتواري و القسطلاني و صاحب محاضرات الأوائل و كثير قد سلف منا في أول هذا الطعن، فليراجع.

(6) صحيح البخاريّ 3- 16 كتاب التّهجّد باب كيفيّة صلاة النّبيّ (ص).

(7) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب صلاة اللّيل و عدد ركعات النّبيّ (ص)، و قد أوردها و الرّواية الآتية برقم 736 و 738 [1- 509].

(8) جامع الأصول 6- 93 ضمن حديث 4198.

(9) في المصادر قالت.

(10) في (س): كانت، و في صحيح مسلم: قالت: ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

(11) في الجامع: لا تسأل- بدون الفاء-.

(12) هنا زيادة: قالت عائشة، جاءت في المصادر.

9

تُوتِرَ؟. قَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي.

وَ رَوَى مُسْلِمٌ‏ (1) وَ صَاحِبُ الْجَامِعِ‏ (2)- أَيْضاً، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ

، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمَّةِ! أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟.

فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَ غَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ.

وَ رَوَيَا (3) رِوَايَاتٍ أُخَرَ قَرِيبَةً مِنْ ذَلِكَ.

وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (4)، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:

احْتَجَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ، قَالَ عَفَّانُ: فِي الْمَسْجِدِ، وَ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: فِي رَمَضَانَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ:

فَتَبِعَ‏

(5)

إِلَيْهِ رِجَالٌ وَ جَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ‏

(6)

فَحَضَرُوا وَ أَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَ حَصَّبُوا الْبَابَ‏

(7)

، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُغْضَباً، فَقَالَ لَهُمْ: مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَتُكْتَبُ‏

(8)

عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي‏

____________

(1) صحيح مسلم 1- 510 بنصّه، و قد تقدّم.

(2) جامع الأصول 6- 94 ضمن حديث 4198.

(3) صحيح مسلم- كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل 1- 508- 512، و جامع الأصول:

6، في صلاة الليل- الفرع الثالث: في صفتها: 77- 108.

(4) جامع الأصول 6- 118- 119 حديث 4218.

(5) في المصدر: فتتبع.

(6) في جامع الأصول نسخة: ليلة، بدلا من: إليه. و هو الظّاهر.

(7) قال في الصّحاح 1- 112: الحصباء: الحصى. و حصّبت المسجد تحصيبا: إذا فرشته بها.

أقول: إنّه قد ضمّن في هذه اللّفظة معنى الجلوس، أي حصّبوا و جلسوا في الباب، و يحتمل أن يكون المعنى: إنّهم رموا الباب بالحصى ليخرج إليهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على نحو الإعلان، و هذا- و إن كان لا يليق بالمسلم العارف بحقّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بل بمن تأدّب بآداب الإسلام- إلّا أنّ أكثرهم كانوا لا يفقهون و ينادونه (ص) من وراء الحجرات.

(8) في المصدر: سيكتب.

10

بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ.

أخرجه البخاري‏ (1) و مسلم‏ (2) و أخرج أبو داود (3) و لم يذكر: في رمضان.

وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ‏ (4):

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهَا لَيَالِيَ فَاجْتَمَعَ‏

(5)

إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فُقِدَ

(6)

صَوْتُهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا خَرَجَ لِلصُّبْحِ قَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَ لَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ

(7)

.

وَ عَنْ أَنَسٍ‏ (8)، قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي‏

(9)

فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ وَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ أَيْضاً حَتَّى كُنَّا رَهْطاً، فَلَمَّا أَحَسَّ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ

(10)

فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ‏

____________

(1) صحيح البخاريّ 10- 430 كتاب الأدب باب ما يجوز من الغضب، و جاء أيضا في كتاب الجماعة باب إذا كان بين الإمام و بين القوم حائط أو سترة، و في كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال.

(2) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب استحباب صلاة النافلة في بيته حديث 781.

(3) سنن أبي داود كتاب الصلاة باب فضل التطوّع في البيت حديث 1447.

(4) سنن النّسائيّ 3- 198 كتاب قيام اللّيل باب الحثّ على الصّلاة في البيوت. و لا زال الكلام لابن الأثير في جامع الأصول.

(5) في (ك) نسخة بدل: و اجتمع. و في الشّافي نسخة: حتّى اجتمع إليه النّاس.

(6) في جامع الأصول: فقدوا.

(7) كما جاء في جامع الأصول 6- 119 ذيل حديث 4218، و قد سلف قريبا.

(8) كما أورده مسلم في صحيحه كتاب الاعتصام باب النّهي عن الوصال في الصّوم حديث 1104.

و أخرجه أيضا ابن الأثير في جامع الأصول 6- 115- 116 حديث 4216.

(9) في المصدر: يقدم. و هو الظّاهر.

(10) جاء في حاشية (ك): تجوّز في صلاته: خفّف. ذكره الفيروزآباديّ. [منه ((رحمه اللّه))].

انظر: القاموس 2- 170.

11

فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ: قُلْنَا لَهُ حِينَ خَرَجَ‏

(1)

: أَ فَطَنْتَ بِنَا

(2)

اللَّيْلَةَ؟.

قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى مَا صَنَعْتُ.

و قد ذكر (3) أخبارا كثيرة نحوا ممّا ذكرنا تركناها لقلّة الجدوى في تكرارها.

فظهر من بعض‏ (4) أخبارهم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان يزيد في شهر رمضان شيئا من النوافل، و من بعضها أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يرض بإيقاع النافلة جماعة، فإبداع هذا العدد المخصوص في الشريعة (5) و جعلها سنّة أكيدة بدعة لم يأمر بها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يأت بها، فظهر أنّ قول بعضهم- أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أتى بها ثم تركها من غير نسخ- لا مستند له، و لو كانت سنّة مرغوبا فيها و مندوبا إليها، فلم كان يتركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يخرج إليهم مغضبا، و يقول: عليكم بالصلاة في بيوتكم؟! و لا كان يترك صلاته و يهرب منهم، و لا خلاف في أنّ الجماعة- في كلّ صلاة تجوز فيها- عبادة، و لها فضل عظيم، فلو جازت في هذه الصلاة و في غيرها من النوافل لما أغضبه الاجتماع، و لا كان يأمرهم بالصلاة في بيوتهم في غير المكتوبة.

و أمّا التعليل الوارد في رواياتهم المرويّة عن الكذّابين المشهورين فلا يخفى على عاقل أنّه من مفترياتهم، و ليس في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) شي‏ء من ذلك، فإنّ المواظبة على الخير و الاجتماع على الفعل المندوب إليه لا يصير سببا لأن يفرض على الناس، و ليس الربّ تعالى غافلا عن وجوه المصالح حتّى يتفطّن بذلك‏

____________

(1) في المصدر: فقلنا له حين أصبحنا.

(2) في جامع الأصول: لنا، بدلا من: بنا.

(3) ابن الأثير في جامع الأصول 6- 114- 125 من حديث 4215- 4226، في قيام شهر رمضان، و هو التراويح.

(4) لا توجد: بعض، في (س).

(5) قال القسطلاني في شرح البخاري 5- 4 عند قول عمر لصلاة التطوّع جماعة: بدعة و نعمت البدعة-:

لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم لم يسنّ لهم الاجتماع لها و لا كانت في زمن الصدّيق، و لا أوّل الليل، و لا هذا العدد.

12

الاجتماع، و يظهر له الجهة المحسنة لإيجاب الفعل، و كيف أمرهم (صلّى اللّه عليه و آله) مع ذلك الخوف بأن يصلوها في بيوتهم؟ و لم لم يأمرهم بترك الرواتب خشية الافتراض‏ (1) ثم المناسب لهذا التعليل أن يقول: خشيت أن يفرض عليكم الجماعة فيها، لا أن يفرض عليكم صلاة الليل، كما في بعض رواياتهم. و قد ذهبوا إلى أنّ الجماعة مستحبة في بعض النوافل كصلاة العيد و الكسوف و الاستسقاء و الجنازة، و لم يصر (2) الاجتماع فيها سببا للافتراض، و لم ينه عن الجماعة فيها لذلك، فلو صحّت الرواية لكانت محمولة على أنّ المراد النهي عن تكلّف ما لم يأمر اللّه به، و التحذير من أن يوجب عليهم صلاة الليل لارتكاب البدعة في الدين، ففيه دلالة واضحة على قبح فعلهم و أنّه مظنّة العقاب، و إذا كان كذلك فلا يجوز ارتكابه بعد ارتفاع الوحي أيضا.

و أمّا أنّ عمر ابتدعها، فلا خلاف فيه‏ (3) و أمّا أنّ كلّ بدعة ضلالة، فقد استفيض‏ (4) في أخبار الخاصّة (5) و العامّة.

____________

(1) في (ك): الإقراض.

(2) في (ك): لم يضر- بالضاد المعجمة-.

(3) و قد صرّح كلّ المخالفين: أنّها من مبدعات عمر.

انظر: تاريخ عمر بن الخطّاب لابن الجوزي: 54، تاريخ ابن سمنة حوادث سنة 23 ه، تاريخ الخلفاء للسيوطي.

و عدّها من أوليات عمر في: طبقات ابن سعد 3- 281، قال: و ذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، و جعل للناس بالمدينة قارئين، قارئا يصلّي بالرجال و قارئا يصلّي بالنساء، و تاريخ الطبريّ 5- 22، و الكامل لابن الأثير 2- 41. و قد تقدّم في أول البحث عن محاضرات الأوائل، و إرشاد الساري و غيرهما.

(4) كذا، و الظاهر: استفاض.

(5) فصّلها شيخنا المصنّف- (رحمه اللّه)- في بحار الأنوار 2- 261 و 263 و 266، 301، 309، و 32- 222 و 257، و 47- 217، و 74- 217، و 74- 203، و 77- 122، و 78- 217، و غيرها.

13

فَرَوَى مُسْلِمٌ‏ (1) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ

(2)

.

وَ رَوَى الْبُخَارِيُ‏ (3) وَ مُسْلِمٍ‏ (4)، عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ:

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي‏

(5)

.

وَ رَوَيَا (6) أَيْضاً عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَنَّهُ قَالَ:

مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْ‏ءِ أَصْنَعُهُ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ‏

(7)

بِاللَّهِ وَ أَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً

(8)

.

وَ رَوَيَا (9)- أَيْضاً- لَهُ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ:

مَنْ عَمِلَ عَمَلًا

____________

(1) صحيح مسلم 12- 37، و انظر: شرحه للنّوويّ 4- 226.

(2) و قريب منه في صحيح البخاريّ كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم، و نقله عنه ابن الأثير في جامع الأصول 1- 289 حديث 74.

(3) صحيح البخاريّ- كتاب النّكاح 6- 112 الحديث الأوّل [7- 2- دار الشّعب‏]، و انظره في شرح القسطلاني إرشاد السّاري 4- 8، و شرح العسقلانيّ فتح الباري 9- 90، و شرح العينيّ عمدة القاري 9- 354.

(4) صحيح مسلم 5- 13، و شرحه النّوويّ 5- 94.

(5) و ذكره النّسائيّ في سننه و الدّارميّ كذلك في كتاب النّكاح، و أورده أحمد بن حنبل في مسنده 2- 158، 3- 241، 259 و 285، 5- 409.

(6) صحيح البخاريّ 8- 136 [دار الشّعب 9- 120] كتاب الاعتصام، و جاء أيضا في 7- 91 كتاب الأدب. و انظر إرشاد السّاريّ 10- 378 و 9- 77، و فتح الباري 13- 235 و 10- 427، و عمدة القاريّ 11- 136 و 10- 91، و صحيح مسلم 2- 221 كتاب الفضائل، و شرحه للنووي 9- 269 باختلاف يسير.

(7) في صحيح البخاريّ: أعلمهم- بدون لام-.

(8) أقول: جاء عن عائشة- كما أورده البخاريّ في كتاب البيوع أيضا باب النّجش- معلّقا، و وصله في كتاب الصّلح 4- 298 و 5- 221، و صحيح مسلم كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة حديث 1718، و غيرهما.

(9) صحيح البخاريّ 8- 147 باب ما ذكر النّبيّ (ص) ..، و أورده القسطلاني في إرشاده 10- 411، و العسقلانيّ في فتحه 13- 267، و العينيّ في عمدته 11- 498.

و في صحيح مسلم 2- 42 كتاب الأقضية، و أورد شرحه النّوويّ في شرح صحيح مسلم 7- 335.

14

لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ

(1)

.

وَ حَكَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (2)، عَنِ التِّرْمِذِيِ‏ (3) وَ أَبِي دَاوُدَ (4)، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ:

إِيَّاكُمْ وَ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ

(5)

.

وَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي- شَرْحِ الْبُخَارِيِّ- (6): قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَصِيفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ ..: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ:

مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلُهَا.

و أخبارنا في ذلك متواترة (7)، و ما زعمه بعض فقهاء العامّة (8) من انقسام البدعة بالأقسام الخمسة لا وجه له‏ (9)، بل يظهر من عموم النصوص أنّ كلّ ما أحدث في الدين ممّا لم يرد في الشريعة خصوصا أو عموما فهو بدعة محرّمة، فكلّ ما فعل على وجه العبادة و لم يكن مستفادا من دليل شرعيّ عامّ أو خاصّ فهو بدعة و تشريع، سواء كان فعلا مستقلا أو وصفا لعبادة متلقّاة من الشارع، كفعل‏

____________

(1) و جاء- أيضا- في سنن أبي داود كتاب السّنّة باب لزوم السّنّة 2- 506، و أخرجه ابن ماجة في المقدّمة تعظيم حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برقم 14، و حكاه ابن الأثير في جامع الأصول 1- 289 290 حديث 75.

(2) جامع الأصول 1- 279 ذيل حديث 67.

(3) سنن التّرمذيّ كتاب العلم باب 16 حديث 2678.

(4) سنن أبي داود كتاب السّنّة باب لزوم السّنّة حديث 4607.

(5) و أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 4- 126- 127، و ابن ماجة في المقدّمة برقم 42 باب اتّباع سنّة الخلفاء الرّاشدين، و انظر: جامع العلوم و الحكم للحافظ ابن رجب الحنبليّ.

(6) فتح الباري 13- 214.

(7) بحار الأنوار 2- 261- 268 روايات الباب 22. و انظر: البحار 32- 221، 257، و غيرهما.

(8) كما ذكره القرافي في كتابه الفروق 4- 202- 205، و الغزالي في إحياء العلوم 1- 126.

(9) قال الشهيد الأول في القواعد و الفوائد 1- 144- 146، القاعدة [205] ما نصّه: محدثات الأمور بعد عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تنقسم أقساما لا يطلق اسم البدعة عندنا إلّا على ما هو محرّم منها .. ثم قسّم محدثات الأمور إلى الأحكام الخمسة و ذكر لكلّ منها شاهدا.

15

الواجب على وجه الندب و بالعكس، و إيجاب وصف خاصّ في عبادة مخصوصة، فلو أوجب أحد إيقاع الطواف مثلا جماعة، أو زعمه مستحبّا، أو استحبّ عددا مخصوصا في الصلاة.

و بالجملة، كلّ فعل أو وصف في فعل أتى به المكلّف على غير الوجه الذي وردت به الشريعة، و تضمّن تغيير حكم شرعيّ- و إن كان بالقصد و النية- فلا ريب في أنّه بدعة و ضلالة.

و أمّا ما دلّ عليه دليل شرعيّ سواء كان قولا أو فعلا عامّا أو خاصّا فهو من السنّة.

و قد ظهر من رواياتهم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصلّ عشرين ركعة يسمّونها: التراويح، و إنّما كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة، و لم يدلّ شي‏ء من رواياتهم التي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص فضلا عن الجماعة فيها، و الصلاة- و إن كانت خيرا موضوعا يجوز قليلها و كثيرها- إلّا أنّ القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه الخصوص بدعة و ضلالة، و لا ريب في أنّ المتّبعون لسنّة عمر يزعمونها على هذا الوجه سنّة وكيدة، بل عزيمة، و يجعلونها من شعائر دينهم.

و لو سلّمنا انقسام البدعة بالأقسام الخمسة و تخصيص كونها ضلالة بالبدعة المحرّمة، فلا ريب أنّ هذا ممّا عدّوه من البدع المحرّمة لما عرفت، و الأقسام الأخرى من البدع التي عدوها ليست من هذا القبيل، بل هي ممّا ورد في الشريعة عموما أو خصوصا فلا ينفعهم التقسيم، و اللّه الهادي إلى الصراط المستقيم.

و منها: أنّه وضع الخراج على أرض السواد

و لم يعط أرباب الخمس منها خمسهم، و جعلها موقوفة على كافة المسلمين‏ (1)، و قد اعترف بجميع ذلك‏

____________

(1) خمس أرض السواد المفتوحة عنوة للأصناف الستة التي استعرضتها آية الخمس من سورة الأنفال، و الأربعة- أخماس الأخرى- تكون للمسلمين قاطبة الفاتحين و غيرهم.

16

المخالفون، و قد صرّح بها ابن أبي الحديد (1) و غيره، و كلّ ذلك مخالف للكتاب و السنّة و بدعة في الدين.

قال العلّامة (رحمه اللّه) في كتاب منتهى المطلب‏ (2): أرض السواد هي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، و هي سواد العراق، و حده في العرض من منقطع الجبال بحلوان‏ (3) إلى طرف القادسية المتّصل بعذيب من أرض العرب، و من تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقيّ دجلة، فأمّا الغربي الذي يليه البصرة فإسلاميّ‏ (4) مثل شطّ عثمان بن أبي العاص و ما والاها كانت سباخا و مواتا فأحياها (5) ابن أبي العاص و سميت هذه الأرض:

سوادا، لأنّ الجيش لّما خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض و التفاف شجرها فسمّوها: السواد لذلك‏ (6)، و هذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاث أنفس: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميرا، و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، و فرض لهم في كلّ يوم شاة شطرها (7) مع السواقط لعمّار، و شطرها للآخرين‏ (8)،

____________

(1) في شرحه على النهج 12- 287. و قال فيه: فأمّا حديث الخراج فقد ذكره أرباب علم الخراج و الكتاب و ذكره الفقهاء أيضا في كتبهم. و انظر: سنن النسائي- كتاب الفي‏ء- و الجصّاص في كتابه أحكام القرآن و غيرهم تجد نصوص كثيرة، و نصّ عليه السيوطي في الدرّ المنثور 3- 158 و القوشجي في شرح التجريد: 108 و عدّه من مستحدثات عمر.

(2) منتهى المطلب 2- 937- 938- حجريّة-.

(3) في المصدر: متى ينقطع الحال علوان. و لعلّه سهو في هذه النسخة.

(4) في منتهى المطلب: قائما هو إسلامي، بدلا من: فإسلامي.

(5) في المصدر زيادة: عثمان.

(6) في منتهى المطلب: كذلك.

(7) في المصدر: شاط تنظرها.

(8) في (س): للآخر. و في المصدر: و شطوها للآخرين. و جاءت فيه زيادة بعدها و هي: و قال: ما أرى قرنها يوجد منها كلّ يوم شاة لا سريع في خربها. و فيه أيضا: و فتح، بدلا من: و مسح.

17

و مسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، و اختلفوا في مبلغها (1)، فقال الساجي‏ (2):

اثنان و ثلاثون ألف ألف جريب، و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف ألف جريب، ثم ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم، و على الكرم ثمانية دراهم‏ (3)، و على جريب الشجر و الرطبة ستة دراهم، و على الحنطة أربعة دراهم، و على الشعير درهمين، ثم كتب‏ (4) بذلك إلى عمر فأمضاه‏ (5).

و روي أنّ ارتفاعهما كان في عهد عمر مائة و ستين ألف ألف درهم، فلمّا كان زمن الحجّاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم‏ (6)، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أوّل سنة، و في الثانية بلغ ستين ألف ألف درهم، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى‏ (7) ما كان في أيّام عمر، فمات في‏ (8) تلك السنة، فلمّا أفضي الأمر إلى أمير المؤمنين (ع) أمضى ذلك، لأنّه لم يمكنه أن يخالف و يحكم بما يجب عنده فيه.

قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و الذي يقتضيه المذهب أنّ هذه الأراضي و غيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأرباب الخمس و أربعة الأخماس الباقية تكون للمسلمين قاطبة، الغانمون و غيرهم سواء في ذلك، و يكون للإمام النظر فيها و يقبلها و يضمنها بما شاء و يأخذ ارتفاعها (9) و يصرفه في مصالح المسلمين و ما

____________

(1) في المصدر: في مثلها.

(2) في منتهى المطلب: الساحي.

(3) لا توجد في المصدر: و على الكرم ثمانية دراهم.

(4) في منتهى المطلب: تجب. و لا معنى لها.

(5) و انظر: معجم البلدان 3- 272- 275، و مراصد الاطّلاع 2- 750- 751.

(6) لا توجد: درهم، في المصدر.

(7) في المصدر لا توجد: إلى.

(8) لا توجد في المصدر: في.

(9) في المصدر: أرباعها.

18

ينوبهم من‏ (1) سدّ الثغور و تقوية المجاهدين و بناء القناطر (2) و غير ذلك من المصالح، و ليس للغانمين في هذه الأرضين على وجه التخصيص شي‏ء، بل هم و المسلمون فيه سواء، و لا يصحّ بيع شي‏ء من‏ (3) هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تملّكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه، و لا يصحّ أن يبنى دورا و منازل و مساجد و سقايات و لا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع‏ (4) الملك، و متى فعل شي‏ء من ذلك كان التصرّف باطلا و هو باق على الأصل.

ثم قال (رحمه اللّه): و على الرواية التي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت‏ (5) بغير أمر الإمام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصّة، تكون هذه الأرضون و غيرها ممّا فتحت بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا ما فتح في أيّام أمير المؤمنين (عليه السلام) إن صحّ شي‏ء من ذلك‏ (6) للإمام خاصّة، و تكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لا يشركه فيها غيره. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.

أقول.:

فالبدعة فيه من وجوه:

أحدها:

منع أرباب الخمس حقّهم، و هو مخالف لصريح آية الخمس و للسنّة أيضا، حيث‏

-

ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7)

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَسَّمَ خَيْبَرَ وَ صَيَّرَهَا غَنِيمَةً وَ أَخْرَجَ خُمُسَهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ‏

(8)

.

____________

(1) في (ك) نسخة: في، بدل: من.

(2) في المصدر: القناطير.

(3) جاءت في (س): في، بدل: من.

(4) في المصدر: يمنع.

(5) في المصدر: عرب. و لا معنى لها.

(6) زيادة: يكون، جاءت في المصدر.

(7) ذكره في شرحه على النّهج 12- 287. و أورده المصنّف- (رحمه اللّه)- نقلا بالمعنى.

(8) و أخرج أبو داود في صحيحه في بيان مواضع قسم الخمس بسنده عن يزيد بن هرمز: أنّ نجدة الحروريّ حين حجّ في فتنة ابن الزّبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى، و يقول:

لمن تراه؟ قال ابن عبّاس: لقربى رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم قسمه لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم، و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه و أبينا أن نقبله.

و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 320، و سنن البيهقيّ 6- 344 و 345 بطريقين باختلاف في اللّفظ، و أورده البيهقيّ في سننه المجلّد السّادس باب سهم ذي القربى بسنده عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: لقيت عليّا (عليه السلام) عند أحجار الزّيت، فقلت له: بأبي و أمّي! ما فعل أبو بكر و عمر في حقّكم أهل البيت من الخمس .. إلى أن قال: إنّ عمر قال: لكم حقّ و لا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدرها ما أرى لكم، فأبينا عليه إلّا كلّه، فأبى أن يعطينا كلّه. و رواه الشّافعيّ في المسند في كتاب قسم الفي‏ء: 187، و قريب منه ما ذكره في كنز العمّال 2- 305، و قد حكاها في السّبعة من السّلف 108- 109.

19

و كان الباعث على ذلك إضعاف جانب بني هاشم، و الحذر من أن يميل الناس إليهم لنيل الحطام فينتقل إليهم الخلافة فينهدم ما أسّسوه يوم السقيفة و شيّدوه بكتابة الصحيفة.

و ثانيها:

منع الغانمين بعض حقوهم‏ (1) من أرض الخراج و جعلها موقوفة على مصالح المسلمين، و هذا إلزامي‏ (2) عليهم لما اعترفوا به من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم الأرض المفتوحة عنوة بين الغانمين‏ (3)، و به أفتى الشافعي‏ (4) و أنس بن مالك‏ (5) و الزبير و بلال كما ذكره المخالفون‏ (6)

____________

(1) نسخة بدل في (ك): حقّهم.

(2) الكلمة مشوّشة في (س).

(3) انظر: سنن أبي داود كتاب الخراج و الإمارة، باب ما جاء في حكم أرض خيبر حديث 3010، و جامع الأصول 2- 671- 678، و فيه جملة روايات، و فصّل المسألة في بداية المجتهد 1- 401، فراجع.

(4) كما جاء في كتاب الأمّ 4- 181.

(5) و ذهب في بداية المجتهد 1- 401 إلى أن قول مالك هو عدم القسمة، و لاحظ ما ذكره في الكافي:

219، و المغني و شرحه الكبير 2- 577، و غيرها.

(6) و قد تعرّض في المغني و شرحه 2- 578 إلى قول بلال و الزبير، و اعتراض الأول على الخليفة الثاني في عدم قسمة أراضي الشام، و إنكار الثاني عليه لعدم قسمته لأراضي مصر، و جاء في المغني أيضا قبل ذلك- 2- 577 إلى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم نصف خيبر، و وقف نصفها لنوائبه.

أقول: قال ابن حزم في المحلّى 7- 344: روينا من طريق أحمد ... قال أبو هريرة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أيّما قرية أتيتموها و أقمتم فيها فسهمكم فيها، و أيّما قرية عصت اللّه و رسوله. فإنّ خمسها للّه و رسوله، ثمّ هي لكم. قال: و هذا نصّ جليّ لا محيص عنه، و قد صحّ أنّ النبيّ (ص) قسّم أرض بني قريظة و خيبر، ثمّ العجب كلّه أنّ مالكا قلّد هاهنا عمر ثمّ فيما ذكرتم وقف و لم يخبر كيف يعمل في خراجها؟!.

20

و ما ذكروه من أنّه عوّض الغانمين و وقفها فهو (1) دعوى بلا ثبت، بل يظهر من كلام الأكثر خلافه، كما يستفاد من كلام ابن أبي الحديد (2) و غيره..

و ثالثها:

أنّ سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في‏ (3) الأراضي المفتوحة عنوة كانت أخذ حصّته (عليه السلام) من غلّتها دون الدراهم المعيّنة، و سيأتي‏ (4) بعض القول في ذلك في باب العلّة التي لم يغيّر (عليه السلام) بعض البدع في زمانه.

و منها: أنّه زاد الجزية عمّا قرّرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(5)

، و هو حرام على مذهب فقهائهم الأربعة إلّا أحمد في رواية (6).

و منها: تغريب نصر بن الحجّاج و أبي ذويب من غير ذنب من المدينة

، فقد روى ابن أبي الحديد في شرح النهج‏ (7)، عن محمد بن سعيد، قال: بينا عمر يطوف في بعض سكك المدينة إذا سمع امرأة تهتف من خدرها:

____________

(1) في (س): هو.

(2) لم نجد ذلك في شرحه على النهج بل نصّ فيه 12- 289 على: أنّ التعويض ذكر في الفقه في كتاب الحاوي، و في شرح المزني للطبري.

و لعلّ الاستفادة من كتابه الآخر، أو كان ذلك في النسخة التي كانت عند المصنّف، أو اشتبه كلام المنقول بكلام المختار.

(3) في (س): هي، بدلا من: في.

(4) بحار الأنوار 8- 704- 706 [طبعة كمباني، و لا زال هذا لم يطبع بعد].

(5) كما أورده ابن الأثير في جامع الأصول 2- 696 كتاب الفي‏ء و سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن جملة مصادر.

(6) جاء في كتاب المغني 1- 566 قول الشافعي و أبي حنيفة، و ذكر رواية عن أحمد قوله: إنّها مقدّرة بمقدار لا يزيد عليها و لا ينقص منه. إلى آخره. نعم جاء في الكتاب 1- 567 رواية أخرى عن أحمد بن حنبل أنّه قال: أقلّها مقدّر بدينار و أكثرها غير مقدّر، لأنّ عمر زاد .. إلى آخره.

(7) شرح نهج البلاغة 12- 28- 30 بتصرّف.

21

هل من سبيل إلى خمر فأشربها* * * أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج‏

إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل* * * سهل المحيّا كريم غير ملجاج‏

تنميه أعراق‏ (1)صدق حين تنسبه* * * أخي‏ (2) قداح عن المكروب فيّاج‏

(3) سامي النّواظر من بهر له‏ (4) قدم* * * يضي‏ء صورته في الحالك الدّاجي‏

فقال‏ (5): ألا لا أرى‏ (6) معي رجلا تهتف به العواتق في خدورهنّ! عَلَيَّ بنصر بن حجّاج، فَأُتِيَ به، و إذا هو أحسن الناس وجها و عينا و شعرا، فأمر بشعره فجزّ، فخرجت له وجنتان كأنّهما قمر، فأمره أن يعتم فأعتم، ففتن النساء (7) بعينيه، فقال عمر: لا و اللّه لا تساكنني بأرض أنا بها. فقال: و لم يا أمير المؤمنين؟!. قال: هو ما أقول لك، فسيّره إلى البصرة.

و خافت المرأة (8) التي تسمّع‏ (9) عمر منها ما سمع أن يبدر إليها منه شي‏ء،

____________

(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: الأعراق: جمع العرق- بالكسر- و هو الأصل. و رجل مقتبل الشّباب- بالفتح- لم يظهر فيه أثر كبر. المحيّا: الوجه. و الملجاج- بالكسر-: مفعال من اللّجاجة يعني الخصومة. و البهر: الإضاءة و الغلبة. و الحالك: الشّديد السّواد. الدّاجي: المظلم. [منه ((قدّس سرّه))].

انظر: لسان العرب 10- 241- 249، و 11- 545 و 2- 354، و مجمع البحرين 5- 213 و 263، و 3- 231، و 1- 134، و الصحاح 5- 1797، و 6- 2325، و 2- 598- 599، و 4- 1581، تاج العروس 10- 107، و 2- 92.

(2) في مطبوع البحار: أخو قداح.

(3) في المصدر: فراج، و هي في مطبوع البحار نسخة بدل و جعل بعدها في (ك) رمز استظهار (ظ).

قال في تاج العروس 2- 89: ناقة فيّاجة: تفيج برجليها.

(4) في شرح النهج: من بهز له.

(5) زيادة: عمر، في المصدر بعد: قال- بلا فاء-.

(6) في المصدر: لا أدري. و في (س): أرى- من دون لا-.

(7) توجد نسخة في (ك): الناس، بدلا من: النساء.

(8) ذكروا أنّ المرأة المتمنية هي الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي. كما جاء في حاشية المصدر.

(9) في شرح النهج: سمع.

22

فدسّت إليه أبياتا:

قل للأمير الذي يخشى بوادره* * * ما لي و للخمر أو نصر بن حجّاج‏

إنّي بليت أبا حفص بغيرهما* * * شرب الحليب و طرف فاتر ساجي‏

لا تجعل الظنّ حقّا أو تبيّنه* * * إنّ السّبيل سبيل الخائف الراجي‏

ما منية قلتها عرضا بضائرة* * * و النّاس من هالك قدما و من ناجي‏

إنّ الهوى رمية التقوى فقيّده* * * حفظي أقرّ بألجام و أسراجي‏

(1) فبكى عمر، و قال: الحمد للّه الذي قيّد الهوى بالتقوى.

و كان لنصر أمّ فأتى عليه حين و اشتدّ عليها غيبة ابنها، فتعرّضت لعمر بين الأذان و الإقامة، فقعدت له على الطريق، فلمّا خرج يريد الصلاة هتفت به و قالت: يا أمير المؤمنين! لأجاثينّك‏ (2) غدا بين يدي اللّه عزّ و جلّ، و لأخاصمنّك إليه، أجلست عاصما (3) و عبد اللّه إلى جانبيك و بيني و بين ابني الفيافي‏ (4) و القفار و المفاوز و الأميال‏ (5)؟!. قال: من هذه؟. قيل: أمّ نصر بن الحجّاج. فقال لها:

يا أمّ نصر! إنّ عاصما و عبد اللّه لم يهتف بهما العواتق من وراء الخدور.

قال‏ (6): و روى عبد اللّه بن يزيد (7)، قال: بينا عمر يعس ذات ليلة إذ (8) انتهى إلى باب مجاف و امرأة تغنّي بشعر:

____________

(1) جاء البيت في المصدر هكذا:

إنّ الهوى رعية التقوى تقيّده* * * حتّى أقرّ بألجام و أسراج‏

(2) قال في القاموس 4- 311: جثا- كدعا و رمى- جثّوا و جثيّا- بضمّهما-: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، و أجثاه غيره. و مثله في مجمع البحرين 1- 81.

(3) في شرح النهج: يبيت عاصم.

(4) الفيافي: الصحاري التي لا ماء فيها، كما في القاموس 3- 182، و مثله في الصحاح 4- 1413.

(5) في المصدر: الجبال، بدلا من: الأميال.

(6) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12- 27 بتصرّف يسير.

(7) في المصدر: عبد اللّه بن بريدة.

(8) لا توجد: إذ، في شرح النهج.

23

هل من سبيل إلى خمر فأشربها* * * أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج‏

.. و ذكر نحو ما مرّ.

ثم‏ (1) روى عن الأصمعي .. أنّ نصر بن الحجّاج كتب إلى عمر كتابا هذه صورته: لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من نصر بن حجّاج: سلام عليك، أمّا بعد، يا أمير المؤمنين! (2)

لعمري لئن سيّرتني أو (3)حرمتني* * * لما نلت من عرضي عليك حرام‏

أ إن‏ (4) غنّت الذلفاء (5) يوما بمنية* * * و بعض أمانيّ النّساء غرام‏

ظننت بي الظّنّ الّذي ليس بعده* * * بقاء فما لي في النّديّ كلام‏ (6)

و أصبحت منفيّا (7) على غير ريبة (8)* * * و قد كان لي بالمكّتين مقام‏

سيمنعني عمّا (9) تظنّ تكرّمي* * * و آباء صدق صالحون‏ (10) كرام‏

____________

(1) في شرح النهج 12- 27- 28 بتصرّف يسير.

(2) كذا جاء هذا البيت في المصدر. و في مطبوع البحار:

و تمنعني أمّ أتمت صلاتها* * * و حال لها في دينها و صيام.

(3) في (س): و.

(4) في مطبوع البحار: إن.

(5) الذّلف: قصر الأنف و صغره فهو أذلف و امرأة ذلفاء. و في القاموس 3- 142: .. محركة صغر الأنف و استواء الأرنبة، و قريب منه في الصحاح 4- 1362، و غيره. و في مطبوع البحار: الدلفاء بالدال المهملة- و لا مناسبة هنا لها.

(6) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قال الفيروزآبادي: أجفت الباب: رددته. و قال: الغرام: الولوع و الشّرّ الدّائم و الهلاك و العذاب. و قال: النّديّ- كغنيّ-: مجلس القوم. و الجبّ: القطع. [منه ((قدّس سرّه))].

نصّ عليها في القاموس 3- 125، و 4- 156 و 394، و 1- 43. و انظر: لسان العرب 9- 35 و 12- 436، و 10- 363 و 1- 171، و مجمع البحرين 1- 412، و 2- 21، و تاج العروس 9- 3، و 10- 363، و 1- 171.

(7) في (س): منيغا.

(8) في مطبوع البحار: ريبته. و الظاهر ما أثبتناه.

(9) في المصدر: ممّا.

(10) في شرح النهج: سالفون.

24

و يمنعها ممّا تمنّت صلاتها* * * و حال لها في دينها و صيام‏

فهاتان حالانا فهل‏ (2)أنت راجع* * * فقد جبّ‏ (3) منّي كاهل و سنام‏

فقال عمر: أما ولي إمارة (4) فلا، و أقطعه أرضا بالبصرة و دارا، فلمّا قتل عمر ركب راحلته و لحق بالمدينة.

قال‏ (5): و روى عبد اللّه بن يزيد (6): أنّ عمر خرج ليلة (7) يعس فإذا نسوة يتحدّثن، و إذا هنّ يقلن: أيّ فتيان المدينة أصبح؟. فقالت امرأة منهنّ: أبو ذؤيب و اللّه، فلمّا أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، و إذا هو ابن عمّ نصر بن حجّاج، فأتي‏ (8) إليه، فحضر، فإذا هو أجمل الناس و أملحهم، فلمّا نظر إليه قال: أنت و اللّه ذئبهنّ!- و يكرّرها (9) و يردّدها- لا و الذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت لا بدّ مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمّي نصر بن الحجّاج‏ (10)، فأمر بتسييره إلى البصرة، فأشخص إليها.

انتهى ما حكاه ابن أبي الحديد.

و قد روى قصّة نصر بن حجّاج جلّ أرباب السير (11)، و ربّما عدّ أحبّاء عمر

____________

(2) في مطبوع البحار: حالان هل.

(3) قال في الصحاح 1- 92: الجبّ: القطع .. و يعير أجبّ بين الجبب .. أي مقطوع السّنام، و نحوه في النهاية 1- 233، و القاموس 1- 43، و مجمع البحرين 2- 21.

(4) في المصدر: ولاية.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 30- 31.

(6) في المصدر: عبد اللّه بن بريدة.

(7) في شرح النهج: ليلا.

(8) جاء في المصدر: فأرسل.

(9) في شرح النهج: ذئبها يكررها.

(10) بلا ألف و لام في المصدر.

(11) انظر مثالا: طبقات ابن سعد 3- 285، تاريخ الطبريّ 4- 557، و غيرهما.

25

ذلك من حسن سياسته.

و وجه البدعة فيه ظاهر، فإنّ إخراج نصر من المدينة و تغريبه و نفيه عن وطنه بمجرّد أنّ امرأة غنّت بما يدلّ على هواها فيه و رغبتها إليه مخالف لضرورة الدين، لقوله تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏) (1)، و لا ريب في‏ (2) أنّ التغريب تعذيب عنيف و عقوبة عظيمة، و لم يجعل اللّه تعالى في دين من الأديان حسن الوجه و لا قبحه منشأ لاستحقاق العذاب لا في الدنيا و لا في الآخرة، و قد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان‏ (3) النساء به بأمر أخفّ من التغريب و إن كان بدعة أيضا، و هو أن يأمره بالحجاب و ستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتتن به أحد.

ثم ليت شعري ما الفائدة في تسيير نصر إلى البصرة، فهل كانت نساء البصرة أعفّ و أتقى من نساء المدينة، مع أنّها

- «مَهْبِطُ إِبْلِيسَ و مَغْرِسُ الْفِتْنَةِ»

(4)

.

؟!. اللّهمّ إلّا أن يقال: لما كانت المدينة يومئذ مستقرّ سلطنة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممّن نشأ في مغرس الفتنة، و قد حمل أصحابنا على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر: ما لقيك الشيطان قطّ سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك، و كأنّه المصداق لما قيل:

و كنت امرأ من جند إبليس فارتقت* * * بي الحال حتى صار إبليس من جندي‏

و هذه البدعة من فروع بدعة أخرى له عدّوها (5) من فضائله، قالوا: هو أوّل من عسّ في عمله بنفسه، و هي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى: (وَ لا

____________

(1) قد جاءت في: الأنعام: 164، و الإسراء: 15، و فاطر: 18، و الزمر: 7.

(2) لا توجد: في، في (س).

(3) في (ك): افتنان.

(4) استشهاد بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، انظر: نهج البلاغة 3- 18 لمحمّد عبدة، و صفحة، 375 في طبعة صبحي الصالح، في كتابه (عليه السلام) إلى عبد اللّه بن عبّاس و فيه: الفتن، بدلا من الفتنة.

(5) قد عدّها ابن الجوزي من مناقب عمر، و تبعه شاعر النيل حافظ إبراهيم و نظمها في قصيدته العمرية تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحقّ!.

26

تَجَسَّسُوا ...) (1).

و منها: بدعة الطلاق‏

، رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (2)، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ:

إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا

(3)

طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ صَدْراً مِنَ إِمَارَةِ عُمَرَ؟. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ‏

(4)

كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ صَدْراً مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ

(5)

، فَلَمَّا أَنْ‏

(6)

رَأَى النَّاسُ قَدْ تَتَابَعُوا عَلَيْهَا

(7)

قَالَ:

أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ‏

(8)

.

وَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ‏ (9):

إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ‏

(10)

، أَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟. فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ‏

(11)

النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ‏

____________

(1) الحجرات: 12.

(2) جامع الأصول 7- 597- 598 حديث 5757.

(3) في المصدر: كان إذا ..

(4) في المصدر: بلى، و هو الظّاهر.

(5) من قوله: قال ابن عبّاس .. إلى قوله: إمارة عمر، لا توجد في (س).

(6) لا توجد: أن، في المصدر.

(7) في جامع الأصول: قد تتايعوا فيها. أقول: التّتايع: التّهافت في الشّرّ و اللّجاج و لا يكون إلّا في الشّرّ. جاء في الصّحاح 3- 1192، و قال ابن الأثير في النّهاية 1- 202: التّتايع: الوقوع في الشّرّ من غير فكر و لا رويّة، و مثله في القاموس 3- 10، و مجمع البحرين 4- 309.

(8) و جاء في سنن أبي داود 1- 344، و سنن البيهقيّ 7- 339، و تيسير الوصول 2- 162، و الدّرّ المنثور 1- 279، و رواه قبله الدّارقطنيّ في سننه: 444.

(9) صحيح مسلم 1- 574 كتاب الطّلاق باب طلاق الثّلاث حديث 1472.

(10) هنات: خصلات شرّ كما في الصّحاح 6- 2537، كأنّه أراد خصلات شرّ كانت عنده و لو لم تكن له و منه.

(11) في جامع الأصول: تتايع. أقول: إنّ هذا و الّتي مرّت روايته ضبطها بعضهم: تتابع، كما في المتن.

27

فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ‏

(1)

.

وَ فِي رِوَايَةٍ (2) عَنْهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ:

كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ سَنَتَيْنِ مِنَ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمُ .. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ‏

(3)

.

وَ فِي أُخْرَى‏ (4):

أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَ تَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ ثَلَاثاً مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ‏

(5)

.

و أخرج أبو داود (6) أيضا، و النسائي‏ (7) هذه الرواية الأخيرة. انتهى كلام جامع الأصول‏ (8).

و وجه البدعة في جعل الواحدة ثلاثا واضح، و سيأتي تفصيل أحكام تلك‏

____________

(1) و رواه البيهقيّ في سننه 7- 336، و أوردها الدّارقطنيّ في سننه: 443 أيضا.

(2) صحيح مسلم 1- 574.

(3) و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 314، و سنن البيهقيّ 7- 336، و مستدرك الحاكم 2- 196، و تفسير القرطبيّ 3- 130، و إرشاد السّاريّ 8- 127، و الدّرّ المنثور 1- 279، و غيرها.

(4) صحيح مسلم 1- 574.

(5) و أورده الجصّاص في أحكام القرآن 1- 459، و البيهقيّ في سننه 7- 336، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 1- 279، و الطّحاويّ في شرح معاني الآثار 2- 31، و الدّارقطنيّ في سننه: 444 و 445 بطرق عديدة، و الشّافعيّ في مسنده في كتاب الطّلاق: 112، و الهنديّ في كنز العمّال 5- 162 و 163.

(6) سنن أبي داود 1- 344 كتاب الطلاق باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث حديث 2999 و 2200.

(7) سنن النسائي 6- 145 كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث المتفرّقة قبل الدخول بالزوجة.

(8) و انظر ما قاله النووي في شرح صحيح مسلم حول هذا الحديث، و ما قاله المنذري في مختصر سنن أبي داود 3- 124، و شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- بعد نقل الأخبار الواردة في هذا الموضوع ناقش مفصّلا في الغدير 6- 178- 183.

28

المسألة في كتاب الطلاق‏ (1) إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

و منها: تحويل المقام عن موضعه‏

، كما ورد في كثير من أخبارنا، و قال ابن أبي الحديد (3): قال المؤرّخون: إنّ عمر أوّل من سنّ قيام شهر (4) رمضان في جماعة و كتب به إلى البلدان، و أوّل من ضرب‏ (5) في الخمر ثمانين، و أحرق بيت رويشد الثقفي- و كان نبّاذا- و أوّل من عسّ في عمله بنفسه‏ (6)، و أوّل من حمل الدّرّة و أدّب بها-، و قيل بعده: كان درّة عمر أهيب من سيف الحجّاج-. (7)

____________

(1) بحار الأنوار 104- 136- 160.

(2) بمناسبة المقام نتعرّض مجملا إلى جهل عمر بمسألة طلاق الأمة، فقد نقل الكنجي في الكفاية:

129، عن الحافظين الدار قطني و ابن عساكر: أنّ رجلين أتيا عمر بن الخطّاب و سألاه عن طلاق الأمة، فمشى حتّى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: أيّها الأصلع! ما ترى في طلاق الأمة؟، فرفع رأسه إليه ثمّ أومى إليه بالسبابة و الوسطى، قال لهما عمر: تطليقتان. فقال أحدهما:

سبحان اللّه! جئناك و أنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتّى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك؟. فقال لهما: تدريان من هذا؟. قالا: لا. قال: هذا عليّ بن أبي طالب، أشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسمعته- و هو يقول-: إنّ السماوات السبع و الأرضين السبع لو وضعا في كفّة ثمّ وضع إيمان عليّ في كفّة لرجح إيمان عليّ بن أبي طالب. قال: هذا حسن ثابت. و رواه الخوارزمي في المناقب: 78 من طريق الزمخشري، و نقله العلّامة الأميني في الغدير 2- 299 عن الدار قطني و الزمخشري، و عن السيّد علي الهمداني في كتابه مودّة القربى.

(3) شرح ابن أبي الحديد 12- 75 [3- 113- أربعة مجلدات‏].

(4) لا توجد: شهر، في المصدر.

(5) في المصدر: و أقام الحدّ، بدلا من: و أول من ضرب. و جاء كونه أولا في هذا الإقدام في محاضرات الأوائل: 111- طبع سنة 1300 [و في طبعة أخرى: 169]، و أوليات العسكريّ، و تاريخ ابن كثير 7- 132، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 93، و تاريخ القرماني- هامش الكامل 1- 203، و قال الحلبيّ في سيرته 2- 314: و الثمانون طريقة عمر ... لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر!.

(6) جاءت في المصدر بدل هذه الجملة: و أقام في عمله بنفسه.

(7) هذه قولة مشهورة، و لها موارد كثيرة جدّا، و المضحك أنّهم يتبجّحون بها ناسين أو متناسين أنّ سيف الحجّاج ما قام إلّا ظلما و إجحافا، و درّة عمر أكثر منه .. و هي كلمة حقّ، إذ لو لا فتح باب المظالم و التعدّي من الأوائل لما أمكن الحجّاج و غيره أن يفعلوا ما فعلوا. و لنسرد لك جملة من الموارد لدرّة الخليفة، و قد سبق بعضها و سنرجع لها في خشونته و جلفيّته: منها: أنّ أحد المجاهدين المسلمين قال: إنّا لمّا فتحنا المدائن أصبنا كتابا فيه علم من علوم الفرس و كلام معجب، فدعا عمر بالدرّة فجعل يضربه بها .. إلى آخر القصّة التي أوردها المتّقي في كنز العمّال 1- 95، و ابن الجوزي في سيرة عمر: 107، و ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3- 122، و غيرهم.

و منها: ما أورده ابن الجوزية في سيرة عمر: 174 عن أبي عمرو الشيباني، قال: خبّر عمر بن الخطاب برجل يصوم الدهر، فجعل يضربه بمخفقته- أي درّته- و يقول: كل! يا دهر يا دهر.

و منها: أنّه ضرب رجلين بالدرّة لزيارتهما بيت المقدس، كما أورده في كنز العمّال 7- 157، مع ما هناك من نصوص متظافرة في أنّه لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، و منها بيت المقدس.

و منها: ضربه لعمّاله على البلاد بالدرّة، كما في قصّة والي البحرين أبي هريرة التي أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3- 113، بل قد ضرب بالدرّة بغير موجب جمع من الأصحاب و الوجهاء كلّ ذلك تنفيسا لعقده، و بسطا لهيمنته و سلطانه، و إخافة لصحبته و من حوله، فها هو يضرب ولده عبد اللّه بلا موجب و سبب، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، و ضربه للجارود العامري- سيّد ربيعة- كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 178، و شرح النهج لابن أبي الحديد 3- 112، و كنز العمّال 2- 167، و ضربه لمعاوية عليهما اللعنة و الهاوية، كما أورده ابن كثير في تاريخه 8- 125، و ابن حجر في الإصابة 3- 434، و ضربه بالجريدة للربيع بن زياد الحارثي، كما نصّ عليه في الطبقات 3- 280، و انظر جملة من قصصه هناك في صفحة: 2308 مع أبي موسى الأشعري.

و منها: ضربه لجمع لأكلهم اللحم! كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 68، و كنز العمّال 3- 111، و الفتوحات الإسلامية 2- 424، و مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5- 35.

و منها: ضربه لجمع من نسائه و نساء المهاجرين و الأنصار لبكائهم على أمواتهم، و قد فصّلنا الحديث عنه، و هذه من بطولات الخليفة التي تحدّثت بها الركبان!!.

و منها: ضربه لجمع- كتميم الداري و السائب بن يزيد و غيرهما- لصلاتهما بعد العصر، كما سيأتي مصادرها.

و منها: سأل رجل عن قوله تعالى: « (وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا)»، فجهل الخليفة و أجابه الصحابة، فأقبل عليهم بالدرّة!!. مجمع الزوائد 5- 8.

و منها: ما ذكره ابن القيّم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: 45 من أمر الخليفة بضرب غلام خاصم أمّه- و هو على حقّ- و ردعه ما حكم به يعسوب الدين و إمام المتّقين (صلوات اللّه عليه) في الواقعة، و قد فصّلها العلّامة الأميني في غديره 6- 104- 105، فلاحظ.

و منها: ما عن عبد اللّه بن عمر، قال: كان عمر يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع، و لم يكن بالمدينة مجزرة و غيرها، فيأتي معه بالدرّة، فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرّة، و قال: أ لا ضويت بطنك يومين. انظر: سيرة عمر لابن الجوزي: 68، و كنز العمّال 3- 111، و الفتوحات الإسلامية 2- 424، و ما جاء في مجمع الزوائد 5- 35.

.

29

____________

و منها: استدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر- و كانت حاملا- فلشدّة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميّتا، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شي‏ء عليك إنّما أنت مؤدّب. فقال له عليّ (عليه السلام): إن كانوا راقبوك فقد غشوك، و إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا عليك غرّة- يعني عتق رقبة- فرجع عمر و الصحابة إلى قوله، كما أخرجه ابن الجوزي في سيرة عمر: 117، و أبو عمر في العلم، و السيوطي، كما في ترتيب جمع الجوامع 7- 300، و ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1- 58 [أربع مجلدات‏].

و منها: ما رواه جمع من الحفّاظ عن بعض الصحابة قال: رأيت عمر بن الخطّاب يضرب أكفّ الرجال في صوم رجب حتّى يضعونها في الطعام، كما أورده في كنز العمّال 4- 321، و مجمع الزوائد 3- 191 و غيرهما، و ناقشه شيخنا الأميني في غديره 6- 282- 290.

و منها: ما حكي عن الشهاب في كتابه شفاء العليل فيما في لغة العرب من الدخيل عن بعض حواشي الكشّاف: أنّ عمر ضرب كاتبا كتب بين يديه: بسم اللّه الرحمن الرحيم .. و لم يبيّن السين.

.. إلى غير ذلك من الموارد الآتية و السالفة و التي تركناها خوف الإطالة.

أقول: و بعد كلّ هذا و غيره فإنّ خشونة الرجل و فضاضته و جلفه أغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر من مرّة، فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 8- 216 عن ابن عبّاس، قال: لمّا توفي ابن لصفيّة عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم، فبكت عليه و صاحت .. إلى أن قال:

فاستقبلها عمر بن الخطّاب، فقال: يا صفيّة! قد سمعت صراخك، إنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم لن تغني عنك من اللّه شيئا!، فبكت، فسمعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم- و كان يكرمها و يحبّها-، فقال: يا عمّة! أ تبكين و قد قلت لك ما قلت؟!، قالت:

ليس ذاك أبكاني يا رسول اللّه، استقبلني عمر بن الخطّاب فقال: إنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم لن تغني عنك من اللّه شيئا. قال: فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم .. إلى أن قال: فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع، كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي و نسبي، فإنّها موصولة في الدنيا و الآخرة ..

الحديث.

و أورده السيوطي في الدرّ المنثور 3- 451، ذيل قوله تعالى: « (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ» ...) قال: و أخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني .. في قصّة عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس، و كتابة أبي بكر لهما كتابا و تناول عمر له و تفله فيه و محوه إيّاه، و قولهم له مقالة سيّئة. و زاد في ذيله المتّقي الهندي في كنز العمّال 2- 189: .. فأقبلا إلى أبي بكر- و هما يتذمّران- فقالا: و اللّه ما ندري أنت الخليفة أم عمر. فقال: بل هو، و لو شاء كان. قال: أخرجه ابن أبي شيبة و البخاري في تاريخه و يعقوب بن سفيان و ابن عساكر، و ذكره العسقلاني أيضا في الإصابة 5- 56، و أورده أيضا في كنز العمّال 6- 335 باختلاف يسير.

و منها: قصّة الدرّة- التي هي أهيب من سيف الحجّاج، كما قالوا- خير شاهد على خشونته و قساوته، و قد مرّت قبلا. و هو يضرب تارة: بدرّته، و أخرى، بمخفقته، و ثالثة: بجريدته و ...

و ..

.

30

____________

و منها: ما أخرجه ابن ماجة في أبواب النكاح باب ضرب النساء، بسنده عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر، فلمّا كان في جوف الليل قام إلى امرأته يضربها، فحجزت بينهما، فلمّا أوى إلى فراشه قال لي: يا أشعث! احفظ عنّي شيئا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته ..! الحديث. و قد رواه أحمد بن حنبل في مسنده 1- 20 خاليا من حجز الأشعث بين الخليفة و زوجته.

أقول: هذه من تقوّلاته على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بلا شبهة، و لا شك بكونها تتنافى مع روح الإسلام، و ضرورة العقل و الفطرة، قال في السبعة من السلف: 110- 111: .. فالذي أحتمله قويّا- بل أجزم به- أنّه ضرب امرأته في تلك الليلة ظلما و عدوانا، و قد عرف ذلك منه الأشعث، فافترى هذا الحديث على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكي لا يعترض عليه بما ارتكبه و يعاتبه على ما لا ينبغي صدوره من قبله.

أقول: هذا حديث لا يعرف إلّا منه، كقوله: إنّ الميّت يعذّب ببكاء الحيّ .. و غيرهما كلّها شاهد صدق على مدى ما بلغ الرجل من الشدّة و الخبث، و كم ضرب نساءه- و أبناءه كما مرّ و سيأتي كضربه لزوجته عاتكة بنت زيد حتّى نغض رأسها، كما جاء في الطبقات لابن سعد 3- 308.

و منها: ما ذكره الطبريّ في تاريخه 4- 206: في سنة 17 من الهجرة: اعتمر عمر بن الخطّاب و بنى المسجد الحرام و وسّع فيه، و أقام بمكّة عشرين ليلة، و هدم على أقوام من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ... و انظر: فتوح البلدان للبلاذري: 53، و سنن البيهقيّ 6- 168، و الكامل لابن الأثير 2- 227، و تذكرة الحفّاظ للذهبي 1- 7، و الدرّ المنثور 4- 159، و وفاء الوفاء 1- 341- 349، و غيرها.

أقول: ثم إنّه قد نهى الخليفة عن البكاء على الميّت و نهى عن نهيه صاحب الرسالة و ما انتهى، و بقيت عقدة ذلك إلى أن مات، حتى اضطرّ إلى أن جعل حديثا على لسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من: أنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحيّ، و قد ناقشة بما لا مزيد عليه شيخنا الأميني في غديره 6- 156- 167، و ...

و في أكثر من رواية و بألفاظ مختلفة و في زمن صاحب الرسالة نهى عن البكاء حيث إنّ نساء المهاجرين و الأنصار لمّا بكين عند موت زينب و رقيّة بنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعل عمر يضربهنّ بالسوط، و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يده و قال: مهلا يا عمر! دعهنّ يبكين ..، كما أوردها ابن حنبل في مسنده 1- 237 و 335، و 3- 333، و 4- 408، و مستدرك الحاكم 1- 381، و 3- 191، و مسند الطيالسي: 351، و الاستيعاب- ترجمة عثمان بن مظعون 2- 482، و مجمع الزوائد 3- 17، و السنن الكبرى 4- 70، و عمدة القاري 4- 87.

.

31

____________

و قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 181 [1- 60- أربع مجلدات‏]: إنّ أوّل من ضرب عمر بالدرّة أمّ فروة بنت أبي قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه و فيهنّ أخته أمّ فروة، فنهاهنّ عمر مرارا، و هنّ يعاودن، فأخرج أمّ فروة من بينهنّ و علاها بالدرّة .. أقول: هذا لعلّه أوّل مرّة بعد تولّيه الخلافة، و إلّا كم ضرب قبلها، و حسبنا السقيفة و عند دار فاطمة (سلام اللّه عليها)، و قصّته مع خالد في واقعة مالك بن نويرة و غيرهم، و أمّا بعدها فحدّث و لا حرج.

و لعلّ أوج قساوته و غاية حدّته حدّه لابنه بعد الحدّ! ثم قتله، و هو ما رواه البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 312، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 3- 470، و الخطيب البغداديّ في تاريخه 5- 455، و ابن الجوزي في سيرة عمر: 170، و المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة 2- 32، و القسطلاني في إرشاد الساري 9- 439، و أبو عمرو في الاستيعاب 2- 394، و ابن حجر في الإصابة 2- 394 و غيرهم، و حاصل القصّة أنّ عبد الرحمن بن عمر الأوسط و هو أبو شحمة، و هو الذي ضربه عمرو بن العاص بمصر في الخمر بأمر الخليفة، ثمّ حمله إلى المدينة على قتب و حدّه، و في بعض الروايات: فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض و أنت قاتلي، فضربه الحدّ ثانيا و حبسه، ثمّ مرض فمات .. و فيها موارد للدقّة و العجب، أعرضنا عن ذكرها فصّل بعضها شيخنا الأميني في غديره 6- 316- 319.

32

و أوّل‏ (1) من قاسم العمّال و شاطرهم أموالهم، (2) و هو الذي هدم مسجد رسول اللّه‏

____________

(1) هنا قبل: و أوّل، سقط قريب نصف الصفحة جاء في المصدر.

(2) سقط سطر هنا، و هو: و كان يستعمل قوما و يدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، و قال: أكره أن أدنّس هؤلاء بالعمل! أقول: قد جاء ذكر سبق عمر في مقاسمة العمّال و مشاطرتهم أموالهم في غيره، و إليك جملة من المصادر: فتوح البلدان: 286، تاريخ الطبريّ 4- 56، العقد الفريد 1- 18- 21، معجم البلدان 2- 75، صبح الأعشى 6- 386، سيرة عمر لابن الجوزي: 44، تاريخ ابن كثير 7- 18 و 115، و 9- 113، السيرة الحلبيّة 3- 220، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، الفتوحات الإسلامية 2- 480، و غيرها كثير ..

ثمّ إنّه قد سبق ضربه بالدرّة لواليه على البحرين أبي هريرة، و كذا ما صنعه مع سعد بن أبي وقّاص، و أبي موسى الأشعري و إليه على البصرة، و عمرو بن العاص و إليه على مصر، و خالد بن الوليد و إليه على الشام و غيرهم، و قد نصّ البلاذري على عشرين منهم، و هم يزيدون على ذلك، كما في كتب السير و التاريخ.

33

(صلّى اللّه عليه و آله) و زاد فيه، و أدخل دار العباس فيما زاد (1)، و هو الذي أخّر المقام إلى موضعه اليوم و كان ملصقا بالبيت .. إلى آخر ما ذكره.

و قد أشار إلى تحويل المقام صاحب الكشّاف‏ (2)، قال: إنّ عمر سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟. قال: نعم، فأراه موضعه اليوم.

وَ رَوَى ثِقَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِي‏ (3)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَدْرَكْتَ‏

(4)

الْحُسَيْنَ (صلوات اللّه عليه)؟. قَالَ: نَعَمْ، أَذْكُرُ وَ أَنَا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ قَدْ دَخَلَ فِيهِ السَّيْلُ وَ النَّاسُ يَقُومُونَ عَلَى الْمَقَامِ يَخْرُجُ الْخَارِجُ يَقُولُ: قَدْ ذَهَبَ بِهِ‏

(5)

، وَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَارِجُ فَيَقُولُ: هُوَ مَكَانَهُ، قَالَ فَقَالَ لِي: يَا فُلَانُ! مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟. فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! يَخَافُونَ أَنْ يَكُونَ السَّيْلُ قَدْ ذَهَبَ بِالْمَقَامِ. فَقَالَ: نَادِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَماً لَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ بِهِ فَاسْتَقِرُّوا، وَ كَانَ مَوْضِعُ الْمَقَامِ الَّذِي وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) عِنْدَ جِدَارِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى حَوَّلَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَكَّةَ رَدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام)، فَلَمْ يَزَلْ‏

____________

(1) هنا أيضا سقط قدر سطرين جاء في المصدر.

(2) تفسير الكشّاف 1- 185، ذيل آية: 125 من سورة البقرة.

(3) الكافي 4- 223 حديث 2 كتاب الحجّ، باب في قوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ..».

(4) في المصدر: قد أدركت.

(5) في الكافي زيادة: السّيل.

34

هُنَاكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَ النَّاسَ: مَنْ مِنْكُمْ يَعْرِفُ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَامُ؟. فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَدْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِقْدَارَهُ بِنِسْعٍ‏

(1)

فَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: تَأْتِينِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَقَاسَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.

و منها: تغيير الجزية عن النصارى‏

، فقد رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام)(2) أَنَّهُ قَالَ:

إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ‏

(3)

أَنِفُوا وَ اسْتَنْكَفُوا مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ وَ سَأَلُوا عُمَرَ أَنْ يُعْفِيَهُمْ عَنِ الْجِزْيَةِ وَ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ مُضَاعَفاً، فَخَشِيَ أَنْ يَلْحَقُوا بِالرُّومِ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْ رُءُوسِهِمْ وَ ضَاعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ فَرَضُوا بِذَلِكَ.

وَ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَامَ نَصَارَى الْعَرَبِ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ، وَ لَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ- يَعْنُونَ الصَّدَقَةَ-. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

قَالُوا: فَزِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ، فَرَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ ضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ (4). انتهى.

فهؤلاء ليسوا بأهل ذمّة لمنع الجزية، و قد جعل اللّه الجزية على أهل الذمّة

____________

(1) قال في النّهاية 5- 48: النّسعة- بالكسر-: سير مضفور يجعل زماما للبعير و غيره، و الجمع: نسع و نسع و أنساع، و جاء أيضا في مجمع البحرين 4- 397، و القاموس 3- 88، و قال الجوهريّ في الصّحاح 3- 1290: النّسع: الحبل.

(2) وسائل الشّيعة 16- 286 حديث 22 [مؤسّسة آل البيت (ع): 24- 58- 59] و فيه: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تأكل من ذبيحة المجوسيّ، قال و قال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب فإنّهم مشركوا العرب. و انظر: التّهذيب 9- 65 حديث 275، و الاستبصار 4- 82 حديث 308.

و عن الرّضا (عليه السلام) أنّه قال: إنّ بني تغلب أنفوا من الجزية، و سألوا عمر أن يعفيهم، فخشي أن يلحقوا بالرّوم، فصالحهم على أن صرف ذلك عن رءوسهم، و ضاعف عليهم الصّدقة فعليهم ما صالحوا عليه و رضوا به إلى أن يظهر الحقّ. كما في كتاب من لا يحضره الفقيه 2- 29 باب 101 حديث 1611، و أورده الشّيخ الحرّ في وسائل الشّيعة 11- 116 باب 68 حديث 6.

(3) في (س): الغرب.

(4) شرح السّنّة للبغويّ: ....

35

ليكونوا أذلّاء صاغرين، و ليس في أحد من الزكاة صغار و ذلّ، فكان عليه أن يقاتلهم و يسبي ذراريهم لو أصرّوا على الاستنكاف و الاستكبار..

و منها

: ما روي أنّ عمر أطلق تزويج قريش في سائر العرب و العجم، و تزويج العرب في سائر العجم، و منع العرب من التزويج في قريش، و منع العجم من التزويج في العرب‏ (1) فأنزل العرب مع قريش، و العجم مع العرب منزلة اليهود و النصارى، إذ أطلق تعالى للمسلمين التزويج في أهل الكتاب، و لم يطلق تزويج أهل الكتاب في المسلمين‏ (2).

وَ قَدْ زَوَّجَ‏

(3)

رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ- وَ كَانَ مَوْلًى لِبَنِي كِنْدَةَ- ثُمَّ قَالَ: أَ تَعْلَمُونَ لِمَ زَوَّجْتُ ضُبَاعَةَ بِنْتَ عَمِّي مِنَ الْمِقْدَادِ؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: لِيَتَّضِعَ النِّكَاحُ فَيَنَالَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ، وَ لِتَعْلَمُوا

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (4)

.

، فهذه سنّة،

-

وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ‏

____________

(1) انظر لمزيد من الاطّلاع: الإيضاح: 153- 158، و المسترشد للطبري: 142، و الاستغاثة في بدع الثلاثة: 53- 54، و كتاب سليم بن قيس: 102- 104، و الكافي 5- 318 حديث 59، و غيرها.

(2) لاحظ: وسائل الشيعة 14- 46 حديث 4، و الكافي 5- 318 حديث 59.

(3) قد ذكر قصّة تزويج ضباعة في الكافي 5- 344 حديث 1، و التّهذيب 7- 395 حديث 1582، و انظر: وسائل الشّيعة 14- 45- 47 باب 26- أنّه يجوز لغير الهاشميّ تزويج الهاشميّة و الأعجميّ و العربيّ القرشيّة و القرشيّ الهاشميّة و غير ذلك، و مستدرك الوسائل 14- 183- 186.

(4) الحجرات: 13. و قد أظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملاك التفوّق في موارد متعدّدة، فمنها:

قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبته في الحجّ الأكبر: أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد و إنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم و آدم من تراب، أكرمكم عند اللّه أتقاكم، و ليس لعربيّ على عجميّ فضل إلّا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ اللّهمّ اشهد. قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب. و قد جاء في البيان و التبيين 2- 25، و العقد الفريد 2- 85، و تاريخ اليعقوبي 2- 91، و قريب منه في مجمع الزوائد 3- 266، و غيره.

36

اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي‏

(1)

.

- وَ قِيلَ‏

(2)

لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تَزَوَّجُ‏

(3)

الْمَوَالِي بِالْعَرَبِيَّاتِ؟!. فَقَالَ:

تَتَكَافَأُ دِمَاؤُكُمْ وَ لَا تَتَكَافَأُ فُرُوجُكُمْ؟!.

و قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (4)، و قال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (5).

و منها: المسح على الخفّين‏

، كما رواه الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ‏ (6)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَقَبَةَ (7) بْنِ مَصْقَلَةَ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ مِمَّنْ يُفْتِي فِي مَسْجِدِ الْعِرَاقِ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟. فَقُلْتُ: ابْنُ عَمٍّ لِصَعْصَعَةَ. فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ صَعْصَعَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟. فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَرَاهُ ثَلَاثاً لِلْمُسَافِرِ وَ يَوْماً وَ لَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وَ كَانَ أَبِي لَا يَرَاهُ فِي سَفَرٍ وَ لَا حَضَرٍ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَقُمْتُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ، فَقَالَ لِي: أَقْبِلْ يَا ابْنَ عَمِّ صَعْصَعَةَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَ‏

____________

(1) هذا من ضروريّات مذهب الخاصّة، و أورده جملة من الحفّاظ من العامّة كالبخاريّ في صحيحه 7- 2 كتاب النّكاح باب التّرغيب في النّكاح حديث 1، و مسلم في صحيحه كتاب النّكاح باب 5، و النّسائيّ في صحيحه كتاب النّكاح باب 4، و الدّارميّ في سننه كتاب النّكاح باب 3، و أحمد بن حنبل في مسنده 2- 158 و 3- 246 و 259 و 285، 5- 409 و غيرها.

(2) كما جاء في مستدرك الوسائل 14- 186. و قريب منه ما في الكافي 5- 345 حديث 5، و التّهذيب 7- 395 حديث 1583.

(3) في (ك) نسخة بدل: أ يجوز تزويج.

(4) الحجرات: 10.

(5) الحجرات: 13.

(6) التّهذيب 1- 361 في صفة الوضوء و الفرض منه حديث 1089.

(7) و في بعض النّسخ: رقيد، و في (س): لرقية، و لعلّه: رفيد بن مصقلة العبديّ الكوفيّ، و هو عامّيّ، و كان مفتي العامّة في العراق، و عدّه الشّيخ الطّوسيّ (رحمه اللّه) في رجاله من أصحاب الباقر (عليه السلام)، و لم يستبعد الوحيد، كما في معجم رجال الحديث 7- 201 اتّحاده مع: رقبة، و كون كليهما واحدا، و لم أجد لرقيد اسما في الرّجال، فلاحظ.

37

الْقَوْمَ كَانُوا يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُخْطِئُونَ وَ يُصِيبُونَ، وَ كَانَ أَبِي لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ‏

(1)

.

وَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:

سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فِيهِمْ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟. فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): قَبْلَ (الْمَائِدَةِ) أَوْ بَعْدَهَا؟. فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ، إِنَّمَا أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ

(2)

.

أقول:: لعلّ الترديد من الراوي، أو لكون ذلك ممّا اختلفوا فيه، فتردّد (عليه السلام) إلزاما على الفريقين.

و مخالفة هذه الرأي للقرآن واضح، فإنّ الخفّ ليس بالرجل الذي أمر اللّه بمسحه، كما أنّ (الكمّ) ليس باليد، و النقاب ليس بالوجه، و لو غسلهما أحد لم يكن آتيا بالمأمور به، كما أشار (عليه السلام) إليه بقوله: سبق الكتاب الخفّين.

و قد ورد المنع من المسح على الخفّين في كثير من أخبارهم.،

فَعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ:

أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ رَأَى وُضُوءَهُ عَلَى جِلْدِ غَيْرِهِ‏

(3)

.

____________

(1) التّهذيب 1- 361 حديث 1091. و انظر: جامع أحاديث الشّيعة 2- 319 باب 26 حديث 2188- 2228 عن جملة مصادر، فراجعها.

(2) و قد نصّت على ذلك روايات العامّة و أنّ المسح على الخفّ كان قبل نزول المائدة، ما جاء عن جرير بن عبد اللّه، على ما رواه البخاريّ في صحيحه 1- 415 في كتاب الصّلاة في الثّياب باب الصّلاة في الخفّ، و النّسائيّ في سننه 1- 81 كتاب الطّهارة باب المسح على الخفّين، و ذكره ابن الأثير في جامع الأصول 7- 238 ذيل حديث 5274 عن جملة مصادر.

انظر: الدّرّ المنثور 2- 464- 465 عند قوله تعالى: « (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ ..)»، و قد نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: أبى النّاس إلّا الغسل، و لا أجد في كتاب اللّه إلّا المسح، و عن أنس و الشّعبيّ: أنّ القرآن نزل بالمسح. و لاحظ تفاسير العامّة حول هذه الآية.

(3) من لا يحضره الفقيه 1- 30 حديث 96.

38

وَ رُوِيَ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ:

لَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عَيْرٍ

(1)

بِالْفَلَاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى خُفِّي‏

(2)

.

وَ عَنْهَا، قَالَتْ:

لَأَنْ يُقْطَعَ رِجْلَايَ بِالْمَوَاسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ‏

(3)

.

وَ رَوَوْا الْمَنْعُ مِنْهُ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)(4) وَ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ (5) وَ غَيْرِهِمَا، و سيأتي‏ (6) بعض القول فيه في محلّه.

و منها: نقص‏ (7) تكبير من الصلاة على الجنائز و جعلها أربعا

، قَالَ: ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمُحَلَّى‏ (8): وَ احْتَجَّ مَنْ مَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِخَبَرٍ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ:

جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَقَالُوا: كَبَّرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) سَبْعاً وَ خَمْساً وَ أَرْبَعاً، فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ‏

(9)

.

____________

(1) في (س): غير. و لا معنى له، و العير: الحمار، و غلب على الوحشيّ، كما في القاموس 2- 98، و في الصّحاح 2- 762 قال: الحمار الوحشيّ، و الأهليّ أيضا.

(2) من لا يحضره الفقيه 1- 30 حديث 97.

(3) كما في المصنّف لعبد الرّزّاق 1- 221 حديث 860، و انظر: التّفسير الكبير 11- 163، بتفاوت يسير. و جاء في المصنّف لابن أبي شيبة 1- 185 عن عائشة أنّها قالت: لأن أخرجهما بالسّكاكين أحبّ إليّ من أن أمسح عليهما، و نحوه في صفحة: 186 من ذلك المجلّد.

(4) فقد روي عنه (سلام اللّه عليه) أنّه قال: نسخ الكتاب المسح على الخفّين، كما جاء في سنن البيهقيّ 1- 272، و تفسير ابن كثير 2- 30، و جاء في التّهذيب 1- 361 حديث 1091.

(5) فقد جاء عن ابن عبّاس قوله: سبق كتاب اللّه المسح على الخفّين، كما أورده المحقّق في المعتبر:

38، و نحوه في مسند أحمد بن حنبل 1- 323، و الجعفريّات: 24، و تفسير العيّاشيّ 1- 202.

(6) بحار الأنوار 80- 300- 328.

(7) في (س): نقض.

(8) المحلّى 5- 124- المكتب التّجاريّ بيروت-.

(9) و قريب منه ما في سنن البيهقيّ 4- 37، و فتح الباري 3- 157، و إرشاد السّاري 2- 417، و عمدة القاري 4- 129. و ذكر جمع: أنّ عمر أوّل من جمع النّاس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، كما قاله العسكريّ في الأوائل، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء: 93، و القرماني في تاريخه 1- 203- هامش الكامل و غيرهم.

39

و هو خلاف ما فعله رسول اللّه (ص)

كما رواه مُسْلِمٌ فِي‏ (1) صَحِيحِهِ‏ (2)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى‏ (3)، قَالَ:

كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعاً، وَ إِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْساً، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُكَبِّرُهَا.

وَ رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (4)، عَنْ مُسْلِمٍ وَ النَّسَائِيِ‏ (5) وَ أَبِي دَاوُدَ (6) وَ التِّرْمِذِيِ‏ (7)، وَ قَالَ‏ (8): وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ:

أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْساً وَ قَالَ: كَبَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).

وَ رَوَى ابْنُ شِيرَوَيْهِ فِي الْفِرْدَوْسِ‏ (9)

أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ‏

(10)

.

فالروايات- كما ترى- صريحة في أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يكبّر خمس تكبيرات، و ظاهر (كان) الدوام، و لو سلّم أنّه قد كان يكبّر أربعا فلا ريب‏

____________

(1) لا توجد في (س): في.

(2) صحيح مسلم كتاب الجنائز باب الصّلاة على القبر حديث 957.

(3) جاء في (س): أبي عبد الرّحمن أبي ليلى. و هو غلط.

(4) جامع الأصول 6- 216 حديث 4304.

(5) سنن النّسائيّ 4- 72.

(6) سنن أبي داود كتاب الجنائز باب التّكبير على الجنائز حديث 3197.

(7) صحيح التّرمذيّ كتاب الجنائز باب ما جاء في التّكبير على الجنازة حديث 1023.

(8) ابن الأثير في جامع الأصول 6- 216.

(9) الفردوس، و لم نجد الرّواية فيه.

(10) و قريب منه ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 4- 368 و 370، و ابن حجر في الإصابة 2- 22، و الطّحاويّ في عمدة القاري 4- 129، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 4- 36، و ابن ماجة في سننه 1- 458 و غيرهم، و ما ذكره ابن القيّم الجوزيّة في زاد المعاد 1- 145، و ما في هامش شرح المواهب للزرقاني 2- 70 حريّ بالملاحظة.

40

في جواز الخمس، فالمنع من الزيادة على الأربع من أسوإ البدع.

و منها:

مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ (1) وَ حَكَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (2)، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: أَبَى عُمَرُ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَداً (3) مِنَ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَداً وُلِدَ فِي الْعَرَبِ.

قَالَ: وَ زَادَ رَزِينٌ‏ (4) وَ (5) امْرَأَةٌ جَاءَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي الْعَرَبِ فَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَ تَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. انتهى.

و مضادة هذا المنع للآيات و الأخبار، بل مخالفته لما علم ضرورة من دين الإسلام‏ (6) من ثبوت التوارث بين المسلمين ممّا لا يريب فيه أحد.

و منها: القول بالعول و التعصيب في الميراث‏

كما سيأتي، و روت الخاصّة و العامّة ذلك بأسانيد جمّة يأتي‏ (7) بعضها، و لنورد هنا خبرا واحدا

-

رواه الشَّهِيدُ الثَّانِي (رحمه اللّه)(8) وَ غَيْرُهُ‏ (9): عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَافِظِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ‏ (10)، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ‏

____________

(1) الموطّأ لمالك- إمام المالكيّة- 2- 12 [2- 520] كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل.

(2) جامع الأصول 9- 603- 604 حديث 7380.

(3) في (ك) و نسخة بدل في (س): أحد- بالرّفع-.

(4) في (س): زرين، و هو غلط.

(5) في جامع الأصول: أو.

(6) أورده أبو داود في سننه 2- 332: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، و ليس منّا من قاتل على العصبيّة، و ليس منّا من مات على عصبيّة .. و كم له من نظائر.

(7) بحار الأنوار 104- 331، و فيه: عن ابن عبّاس: أنّ أوّل من أعال الفرائض عمر.

(8) المسالك 2- 323، و أورده في الرّوضة البهيّة في شرح اللّمعة الدّمشقيّة 8- 89- 92 باختلاف في المتن و حذف للإسناد.

(9) جاء في الكافي 7- 79- 80 حديث 2، و من لا يحضره الفقيه 4- 187، و كنز العمّال 11- 19 20 حديث 121 باختلاف يسير، و كذا في أحكام القرآن للجصّاص 2- 109، و مستدرك الحاكم 4- 340، و السّنن الكبرى 6- 253 و غيرها.

(10) لا توجد: بن الحصين، في المصدر.

41

أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى‏

(1)

ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَرَى ذِكْرُ الْفَرَائِضِ وَ الْمَوَارِيثِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! أَ تَرَوْنَ‏

(2)

الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ‏

(3)

عَدَداً جَعَلَ فِي مَالٍ نِصْفَيْنِ‏

(4)

وَ ثُلُثاً وَ رُبُعاً- أَوْ قَالَ: نِصْفاً وَ نِصْفاً وَ ثُلُثاً- وَ هَذَانِ النِّصْفَانِ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ، فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟! فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ الْبَصْرِيُّ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ! فَمَنْ أَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ؟. فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ‏

(5)

، لَمَّا الْتَفَّتْ عِنْدَهُ الْفَرَائِضُ وَ دَفَعَ‏

(6)

بَعْضُهَا بَعْضاً، فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي أَيَّكُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ أَيَّكُمْ أَخَّرَ، وَ مَا أَجِدُ شَيْئاً هُوَ أَوْسَعُ إِلَّا أَنْ أَقْسِمَ عَلَيْكُمْ هَذَا الْمَالَ بِالْحِصَصِ، وَ أَدْخَلَ عَلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْلِ الْفَرِيضَةِ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ أَخَّرَ مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ

(7)

فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ: فَأَيَّهَا قَدَّمَ وَ أَيَّهَا أَخَّرَ؟. فَقَالَ: كُلُّ فَرِيضَةٍ

(8)

. لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ فَرِيضَةٍ إِلَّا إِلَى فَرِيضَةٍ، فَهَذَا مَا قَدَّمَ اللَّهُ. وَ أَمَّا مَا أَخَّرَ

____________

(1) في المسالك: إلى، بدل: على.

(2) في المصدر: أ يرون.

(3) رمل عاجل: هو ما تراكم من الرّمل و دخل بعضه في بعض، و نقل أنّ رمل عالج جبال متواصلة يتّصل أعلاها بالدّهناء، و الدّهناء بقرب يمامة، و أسفلها بنجد، و في كلام البعض: رمل عالج محيط بأكثر أرض العرب. قاله الطّريحيّ في مجمعه 2- 318. و هناك ثمّة أقوال أخر تجدها في معجم البلدان 4- 69- 70، و مراصد الاطّلاع 2- 911.

(4) في المسالك: نصف [نصفا.

(5) قد نصّ على ذلك السّيوطيّ في أوائله و تاريخه: 93، و الجصّاص في أحكام القرآن 2- 109، و الحاكم في المستدرك 4- 340، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 6- 253، و المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 6- 7، و السكتواري في محاضرات الأوائل: 152 .. و غيرهم و يعدّ أوّل من أعال الفرائض لمّا التوت عليه و دافع بعضها بعضا.

(6) في (ك): رفع.

(7) في المصدر: الفريضة- بالألف و اللّام-.

(8) في (ك) هنا زيادة: فرضها اللّه.

42

فَكُلُّ فَرِيضَةٍ إِذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا مَا بَقِيَ، فَتِلْكَ الَّتِي أَخَّرَ، وَ أَمَّا

(1)

الَّذِي قَدَّمَ، فَالزَّوْجُ لَهُ النِّصْفُ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَا يُزِيلُهُ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى الرُّبُعِ لَا يُزِيلُهُ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ، وَ الزَّوْجَةُ لَهَا الرُّبُعُ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ صَارَتْ إِلَى الثُّمُنِ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُ شَيْ‏ءٌ، وَ الْأُمُّ لَهَا الثُّلُثُ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ صَارَتْ إِلَى السُّدُسِ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُ شَيْ‏ءٌ، فَهَذِهِ الْفَرَائِضُ الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ أَمَّا الَّتِي أَخَّرَ، فَفَرِيضَةُ الْبَنَاتِ وَ الْأَخَوَاتِ لَهُنَّ النِّصْفُ وَ الثُّلُثَانِ، فَإِذَا أَزَالَتْهُنَّ الْفَرَائِضُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ إِلَّا مَا بَقِيَ، فَتِلْكَ الَّتِي أَخَّرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَ مَا أَخَّرَ

(2)

، بُدِئَ بِمَا قَدَّمَ اللَّهُ فَأُعْطِيَ حَقَّهُ كَامِلًا، فَإِنْ بَقِيَ شَيْ‏ءٌ كَانَ لِمَنْ أَخَّرَ

(3)

، وَ إِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْ‏ءٌ فَلَا شَيْ‏ءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُشِيرَ بِهَذَا الرَّأْيِ عَلَى عُمَرَ؟. فَقَالَ: هِبْتُهُ‏

(4)

، وَ اللَّهِ وَ كَانَ امْرَأً مَهِيباً، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَقَدَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِمَامَ عَدْلٍ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى الْوَرَعِ أَمْضَى أَمْراً وَ حَكَمَ بِهِ وَ أَمْضَاهُ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ اثْنَانِ‏

(5)

.

____________

(1) في (س): فأمّا. و في الرّوضة: فأمّا الّتي.

(2) في المصدر: و ما اللّه أخّر، بدلا من: اللّه تعالى و ما أخّر.

(3) زيادة: اللّه، بعد: أخّر، جاءت في المصدر.

(4) إلى هنا جاء في المصادر السّالفة باختلاف في اللّفظ.

(5) نذيل هذا المقام بذكر قضيّتين:

الأولى: ما رواها الحاكم في المستدرك 4- 339، بسنده عن معمّر عن الزّهريّ عن ابن سلمة، قال: جاء إلى ابن عبّاس رجل، فقال: رجل توفّي و ترك بنته و أخته لأبيه و أمّه؟. فقال: لابنته النّصف و ليس لأخته شي‏ء. قال الرّجل: فإنّ عمر قضى بغير ذلك، جعل للابنة و للأخت النّصف. قال ابن عبّاس: أنتم أعلم أم اللّه؟!. فلم أدر ما وجه هذا حتّى لقيت ابن طاوس، فذكرت له حديث الزّهريّ، فقال: أخبرني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال اللّه عزّ و جلّ: ( «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» ..) قال ابن عبّاس: فقلتم أنتم لها النّصف و إن كان له ولد. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين. و قد جاء أيضا فيه 2- 310 باختلاف يسير في اللّفظ، و قد رواه البيهقيّ في سننه 6- 233 أيضا. و قال السّيّد الفيروزآباديّ في السّبعة من السّلف: 92: إنّ هذا الإفتاء من عمر كان على وجه الجهل بالآية الكريمة، و إلّا فبعيد منه أنّه مع العلم بها يفتي بخلاف ما أنزل اللّه، و اللّه أعلم. و لعلّ مراده (رحمه اللّه) أن يجهر بالمخالفة، و هذا غريب منه مع صراحة آية المتعة و التّيمّم و غيرهما. الثّانية: أخرج البيهقيّ في سننه 6- 255 بعدّة طرق، و الدّارميّ في سننه 1- 154، و أبو عمر في العلم: 139، و آخرين، عن مسعود الثّقفيّ، قال: شهدت عمر بن الخطّاب أشرك الإخوة من الأب و الأمّ مع إخوة من الأمّ في الثّلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا. قال:

كيف قضيت؟. قال: جعلته للإخوة من الأمّ و لم تجعل للإخوة من الأب و الأمّ شيئا. قال: تلك على ما قضينا، و هذا على ما قضينا!.

و في لفظ: تلك على ما قضينا يومئذ و هذه على ما قضينا اليوم!.

أقول: كيف يسوغ لمثل الخليفة أن يجهل أحكام الدّين و هو القائل: ليس أبغض إلى اللّه و لا أعمّ ضرّا من جهل إمام و خرقه، كما نقله عنه ابن الجوزيّ في سيرة عمر: 100، 102، 161.

و كيف يشتغل بمنصب الإمارة قبل أن يتفقّه في دين اللّه، و هو القائل: تفقّهوا قبل أن تسودوا، ذكره البخاريّ في صحيحه في باب الاغتباط في العلم 1- 38.

43

و منها: التثويب‏

، و هو قول: الصلاة خير من النوم، في الأذان.

فقد (1) رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ‏ (2) مِمَّا رَوَاهُ عَنِ الْمُوَطَّإِ (3)، قَالَ‏ (4) عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ الْمُؤَذِّنُ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِماً، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهُمَا فِي الصُّبْحِ.

و يظهر منها أنّ ما

- رووه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بالتثويب.

من مفترياتهم، و يؤيّده أنّ رواياتهم‏ (5) في الأذان خالية عن التثويب‏ (6).

____________

(1) لا توجد: فقد، في (س).

(2) جامع الأصول 5- 286 حديث 3360.

(3) موطّأ مالك 1- 72 كتاب الصّلاة باب ما جاء في النّداء للصّلاة.

(4) خط على كلمة: قال، في (ك)، و جاءت زيادة: أنّ، بعد لفظة: بلغه، في الجامع.

(5) انظر مثالا إلى: سنن أبي داود كتاب الصلاة باب كيفيّة الأذان حديث 499 و باب بدء الأذان حديث 500- 507، و سنن الترمذي كتاب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان حديث 189، و باب ما جاء أنّ الإقامة مثنى مثنى حديث 194، و باب ما جاء في الترجيع بالصلاة في الأذان حديث 191، و مسند أحمد بن حنبل 5- 246، و صحيح مسلم كتاب الصلاة باب صفة الأذان حديث 379، و سنن النسائي 2- 4 في الأذان.

(6) أخرج الطبريّ في المستبين، و القوشجي في شرح التجريد: 879 في بحث الإمامة، و البياض في الصراط المستقيم و غيرهم، عن عمر، أنّه قال: ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا محرّمهنّ و معاقب عليهنّ: متعة الحجّ، و متعة النساء، و حيّ على خير العمل في الأذان. و هذا تصرّفه الآخر في الأذان. قال الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 6- 110: كان أحكام القضايا تدور مدار ما صدر عن رأي الخليفة سواء أصاب الشريعة أم أخطأ، و كان الخليفة له أن يحكم بما شاء و أراد و ليس هناك حكم يتّبع و قانون مطرد في الإسلام، و لعلّ هذا أفظع من التصويب المدحوض بالبرهنة القاطعة.

و من محدثات الخليفة: أن جعل معرفة البلوغ بالقياس بالأشبار، فإن وجد ستة أشبار فهو بالغ و إلّا فلا!!، كما أورده البيهقيّ في السنن الكبرى 5- 54 و 59، و أخرجه ابن أبي شيبة و عبد الرزاق و مسدّد و ابن المنذر في الأوسط، كما في كنز العمّال 3- 116.

و أمّا تلاعبه بالحدود تقليلا و زيادة فلو راجعت المسانيد و السنن لوجدت منها العجب العجاب.

و كفاك منها شاهدا ما أورده في كنز العمّال 3- 196 و ما بعدها عن جملة مصادر.

44

الخامس عشر:

أنّه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، فأعطى عائشة و حفصة عشرة آلاف درهم في كلّ سنة (1)، و حرم أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم الذي جعله اللّه لهم‏ (2)، و كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال يوم مات على سبيل القرض‏ (3)، و لم يجز شي‏ء من ذلك، أمّا الأول فلأنّ الفي‏ء و الغنائم و نحو ذلك‏

____________

(1) قد اتّفق المؤرّخون أنّ عمر مفرّق لا يقسم بالسويّة- و إن اختلفوا في كميّة و كيفيّة تفرقته في العطاء- راجع تفصيل ذلك في: أخبار عمر للطنطاوي: 122، فتوح البلدان للبلاذري: 435، و الفخري للطقطقي: 60، و طبقات ابن سعد 3- 223، و الخراج لأبي يوسف: 51، و الكامل لابن الأثير 2- 247، و شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي 12- 214 [3- 153 طبعة مصر أربع مجلدات‏]. و انظر أيضا: تاريخ الطبريّ 3- 614، و الأحكام السلطانيّة: 177، و الأموال لأبي عبيدة: 226 و غيرها.

(2) كما جاء في تفسير الكشّاف عند تفسير آية الخمس، و تفسير النسفيّ 2- 616، و تفسير المنار 1- 15، و أخبار عمر للطنطاوي: 105، و شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 214 [3- 153].

و انظر: كتاب الأموال لأبي عبيد حديث 40 و 842، و سيذكر المصنّف- (رحمه اللّه)- مصادر أخرى في المتن، فانتظر.

(3) قد نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4- 528 قول عمر لابنه: يا عبد اللّه بن عمر! انظر ما عليّ من الدين؟. فحسبوه فوجدوه ستة و ثمانين ألف درهم (أو نحوه).

و بنفس هذا المضمون رواه المتّقي في كنز العمّال 6- 362 في وفاة عمر. و أورد أصل الاقتراض الطبريّ في تاريخه 5- 22، و ابن الأثير في الكامل 3- 29، و غيرهما كثير.

45

ليست من الأموال المباحة التي يجوز لكلّ أحد التصرّف‏ (1) فيها كيف شاء، بل هي من حقوق المسلمين يجب صرفه إليهم على الوجه الذي دلّت عليه الشريعة المقدّسة، فالتصرف فيها محظور إلّا على الوجه الذي قام عليه دليل شرعيّ، و تفضيل طائفة في القسمة و إعطاؤها أكثر ممّا جرت السنّة عليه لا يمكن إلّا بمنع من استحقّ بالشرع حقّه، و هو غصب لمال الغير و صرف له في غير أهله، و قد جرت السنّة النبويّة بالاتّفاق على القسم بالتسوية.

و أوّل من فضّل قوما في العطاء هو عمر بن الخطاب كما اعترف به ابن أبي الحديد (2) و غيره‏ (3) من علمائهم.

قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4): رَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ بِمَنْ يَبْدَأُ فِي الْقَسْمِ وَ الْفَرِيضَةِ؟، فَقَالُوا: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ: بَلْ أَبْدَأُ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ ذَوِي قَرَابَتِهِ، فَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ‏

____________

(1) في (ك): التصريف.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 213.

(3) كابن سعد في الطبقات الكبرى 3- 282 و غيره، و ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه الأوائل:

114: أنّ عمر جعل لعائشة اثني عشر ألفا في كلّ سنة، و كتب أزواج النبيّ في عشرة آلاف لكلّ واحدة، و كتب بعد أزواج النبيّ عليّا (عليه السلام) في خمسة آلاف و [من‏] شهد بدرا من بني هاشم، و كتب عثمان في خمسة آلاف، و من شهد بدرا من موالي بني أميّة على سواء، ثمّ قال بمن نبدأ؟.

قالوا: بنفسك!. قال: بل نبدأ بآل أبي بكر، فكتب طلحة في خمسة آلاف، و بلالا في مثلها، ثم كتب لنفسه و من شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف .. خمسة آلاف، ثمّ كتب الأنصار في أربعة آلاف. فقالوا: قصرت بنا على إخواننا؟!. قال: أجعل الذين قال اللّه لهم: ( «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً»)- مثل من أتته الهجرة في داره؟!. قالوا: رضينا. ثم كتب لمن شهد فتح مكّة في ألفين .. إلى آخره.

(4) في شرحه على النّهج 12- 214- 215 بتصرف.

46

لَمْ يَفْرِضْ لِأَحَدٍ أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَهُ، رُوِيَ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفاً (1)، وَ رُوِيَ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، وَ هُوَ الْأَصَحُّ، ثم فرض لزوجات رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] لكلّ واحدة عشرة آلاف، و فضّل عائشة عليهنّ بألفين فأبت‏ (2)، فقال: ذلك لفضل‏ (3) منزلتك عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏]، فإذا أخذت فشأنك، و استثنى عن الزوجات جويرية و صفّية و ميمونة ففرض‏ (4) لكلّ واحدة منهنّ ستّة آلاف،

-

فقالت عائشة

: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] يعدل بيننا.

، فعدل عمر بينهنّ و ألحق هؤلاء الثلاث بسائرهنّ، ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكلّ واحد خمسة آلاف، و لمن شهدها من الأنصار لكلّ واحد أربعة آلاف.

و قد روي أنّه فرض لكلّ واحد ممّن شهد بدرا من المهاجرين أو من الأنصار أو غيرهم من القبائل خمسة آلاف، ثم فرض لمن شهد أحدا و ما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف، ثم فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد (5) رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] ألفين و خمسمائة، و ألفين، و ألفا و خمسمائة، و ألفا واحدا .. إلى مائتين .. و هم أهل هجر (6)، و مات عمر على ذلك.

-

قال ابن الجوزي‏

: و أدخل عمر في أهل بدر ممّن لم يحضر بدرا أربعة، و هم الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أبو ذرّ و سلمان، ففرض لكلّ واحد منهم خمسة

____________

(1) لا توجد من قوله: روي .. إلى هنا، في المصدر، و الظّاهر كونه سقط منه.

(2) و ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: 226 فرضه لعائشة اثني عشر ألف درهم.

(3) في شرح النهج: بفضل.

(4) في (س): فرض.

(5) في المصدر زيادة: وفاة.

(6) هجر: اسم بلد معروف بالبحرين .. و قرية من قرى المدينة، قاله ابن الأثير في نهايته 5- 247.

و هناك ثمّة أقوال أوردها في مراصد الاطّلاع 3- 1452، و معجم البلدان 5- 392- 393، فراجع.

47

آلاف‏

(1)

.

قال ابن الجوزي: فأمّا ما اعتمده في النساء فإنّه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة .. خمسمائة (2)، و نساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة ..

أربعمائة (3)، و نساء من بعد ذلك على ثلاثمائة .. ثلاثمائة (4)، و جعل نساء أهل القادسية على مائتين‏ (5)، ثم سوّى بين النساء بعد ذلك. انتهى.

-

وَ رَوَى الْبُخَارِيُ‏ (6) وَ مُسْلِمٌ‏ (7) وَ غَيْرُهُمَا (8) بِأَسَانِيدَ عَدِيدَةٍ

أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِلْأَنْصَارِ فِي مَقَامِ التَّسْلِيَةِ قَرِيباً مِنْ وَفَاتِهِ: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ.

هل يريب عاقل في أنّ هذا القول- بعد أن كان يسوّي بين المهاجرين و الأنصار مدّة حياته- إخبار بما يكون بعده‏ (9) من التفضيل، و يتضمّن عدم إباحته و عدم رضاه (صلّى اللّه عليه و آله) به.

و يؤيّد حظر التفضيل و مخالفة السنّة في القسمة

- أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أبطل سيرة عمر في ذلك، و ردّ الناس إلى السنّة و القسم بالسويّة

(10)

.

،

- و هو (عليه السلام)

____________

(1) هنا سقط يراجع المصدر.

(2) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.

(3) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.

(4) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.

(5) تكرّرت كلمة: مائتين، في المصدر.

(6) صحيح البخاريّ 7- 89 و 90 في فضائل أصحاب النّبيّ (ص)، و باب قول النّبيّ (ص) للأنصار: اصبروا، و كتاب الفتن باب قول النّبيّ (ص): سترون بعدي أمورا تنكرونها.

(7) صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الأمر بالصّبر عند ظلم الولاة حديث 1845.

(8) و التّرمذيّ في سننه كتاب الفتن، باب ما جاء في الإمرة حديث 2190، و النّسائيّ في سننه 8- 224 و 225 كتاب القضاء باب ترك استعمال من يحرّض على القضاء، و ابن الأثير في جامع الأصول 9- 168 حديث 6726.

(9) في (س): بعد- بلا ضمير-.

(10) كما جاء في خطبة له (عليه السلام): لو كان المال لي فسوّيت بينهم فكيف و المال مال اللّه .. انظر:

نهج البلاغة لمحمّد عبده 1- 260 [1- 140]، و لصبحي صالح: 183 خطبة 126.

48

يدور مع الحقّ و يدور الحقّ معه حيثما دار بنصّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)

(1)

.

، كما تضافرت‏ (2) به الروايات من طرق المخالف و المؤالف، و مع ذلك احتجّ (عليه السلام) على المهاجرين و الأنصار لّما كرهوا عدله في القسمة و أنكروه عليه، بمخالفة التفضيل للشريعة، و ألزمهم العدل في القسمة، فلم يردّه عليه أحد منهم، بل أذعنوا له و صدّقوا قوله، ثم فارقه طلحة و الزبير و من يقفو إثرهما رغبة في الدنيا و كراهة للحقّ، كما سيأتي‏ (3) في باب بيعته (عليه السلام) و غيره.

و قد قال ابن أبي الحديد (4)- في بعض كلامه-:

فإن قلت: إنّ أبا بكر قد قسم بالسويّة (5)، كما قسمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم ينكروا عليه كما أنكروا على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟.

قلت: إنّ أبا بكر قسم محتذيا بقسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏]، فلمّا ولي عمر الخلافة و فضّل قوما على قوم ألفوا ذلك و نسوا تلك القسمة الأولى، و طالت أيّام عمر، و أشربت قلوبهم حبّ المال و كثرة العطاء، و أمّا الذين اهتضموا فقنعوا و مرنّوا على القناعة، و لم يخطر لأحد من الفريقين أنّ هذه الحال تنتقض‏ (6) أو تتغيّر بوجه ما، فلمّا ولي عثمان أجرى‏ (7) الأمر على ما كان عمر يجريه، فازداد وثوق العوام بذلك، و من ألف أمرا أشقّ‏ (8) عليه فراقه و تغيير العادة فيه، فلمّا ولي‏

____________

(1) مرّت مصادر الحديث في أوّل تحقيقاتنا.

(2) توجد حاشية في (ك) و هي: المضافرة- بالضاد و الفاء-: التّألّب، و قد تضافر القوم، و تضافروا: إذا تألّبوا. و قد تألّبوا: .. أي اجتمعوا. النهاية.

انظر: النهاية لابن الأثير 3- 93 و فيه: و تظافروا- بالظاء أخت الطاء-، و 1- 59.

(3) بحار الأنوار 32- 145- 148.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 7- 42- 43، بتفاوت كثير أشرنا إلى بعضه.

(5) في المصدر: بالسواء.

(6) في (س): تنقض.

(7) في (ك): أجر.

(8) جاءت في (ك): شق.

49

أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد أن يردّ الأمر إلى ما كان في أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و أبي بكر، و قد نسي ذلك و رفض، و تخلّل بين الزمانين اثنتان و عشرون سنة، فشقّ ذلك عليهم و أكبروه‏ (1) حتى حدث ما حدث من نقض البيعة و مفارقة الطاعة، و للّه أمر هو بالغه!.

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)(2) فِي بَعْضِ احْتِجَاجِهِ عَلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ:

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ

(3)

فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَ لَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا

(4)

فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَ اللَّهُ‏

(5)

أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُمَا- وَ اللَّهِ- عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى، أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِنَا

(6)

إِلَى الْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.

و قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام‏ (7): قد (8) تكلّم (عليه السلام) في معنى النفل و (9) العطاء، فقال: إنّي عملت بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] في ذلك، و صدق (عليه السلام)، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] سوّى بين الناس في العطاء (10) و هو مذهب أبي بكر.

____________

(1) في شرح النهج: و أنكروه و أكبروه.

(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 185، صبحي الصّالح: 322 برقم 205.

(3) مصداق الأسوة هنا هو التّسوية بين المسلمين في قسمة الأموال، و كان ذلك سببا لغضبهما على ما روي.

(4) زيادة جاءت في: صبحي الصّالح: قد.

(5) لا توجد: و اللّه، في نسختي النّهج.

(6) في النّهج: قلوبنا و قلوبكم.

(7) شرح النهج للمعتزلي 11- 10.

(8) في المصدر: ثم.

(9) في المصدر: التنفيل في، بدلا من: النفل و.

(10) في الشرح: في العطاء بين الناس- بتقديم و تأخير-.

50

ثم قال‏ (1): إنّ طلحة و الزبير قد نقما عليه‏ (2) الاستبداد و ترك المشاورة، و انتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال، و أثنيا على عمر و حمدا سيرته و صوّبا رأيه، و قالا: إنّه كان يفضّل أهل السوابق .. و ضلّلا عليّا فيما رأى، و قالا: إنّه أخطأ .. و إنّه خالف سيرة عمر و هي السيرة المحمودة .. (3)،

و استنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين الذين‏ (4) كان عمر يفضّلهم و ينفلهم في القسم على غيرهم، و الناس أبناء الدنيا، و يحبّون‏ الْمالَ حُبًّا جَمًّا، فتنكّرت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بتنكّرهما قلوب كثيرة، و نغلت‏ (5) عليه نيّات كانت من قلب‏ (6) سليمة. انتهى.

و بالجملة، من راجع السير و الأخبار لم يبق له ريب في أنّ سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في القسمة هو العدل تأسّيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و اتّباعا لكتابه، و قد احتجّ (عليه السلام) على المصوّبين لسيرة عمر في تركه العدل بأنّ التفضيل مخالف للسنّة، فلم يقدر أحد على ردّه، و صرّح (عليه السلام) أنّ التفضيل جور و بذل المال في غير حقّه تبذير و إسراف كما سيأتي.

وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7)، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ (8)، قَالَ:

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ

(9)

لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَمَرْتَ لِي بِمَعُونَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ!، فَوَ اللَّهِ مَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ أَبِيعَ دَابَّتِي. فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ، مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً إِلَّا أَنْ تَأْمُرَ عَمَّكَ‏

____________

(1) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 11- 11.

(2) جاءت العبارة في المصدر هكذا: و تنقما عليه. أقول: مرجع الضمير: طلحة و الزبير.

(3) هنا سقط جاء في الشرح.

(4) لا توجد: الذين، في المصدر.

(5) في (س): نقلت. و جاء في حاشية (ك): نفلت نيّاتهم أي فسدت صحاح. انظر: الصحاح 5- 1832.

(6) خ. ل: كان من قبل. و في المصدر: كانت من قبل، و هو الأنسب.

(7) في شرح النّهج 2- 200.

(8) في (س): مبعد، و في المصدر: سعيد.

(9) زيادة: ابن أبي طالب، جاءت في الشّرح.

51

أَنْ‏

(1)

يَسْرِقَ فَيُعْطِيَكَ..

و ذكر ابن أبي الحديد (2)- أيضا- أنّ عمر أشار (3) على أبي بكر في أيّام خلافته بترك التسوية فلم يقبل، و قال: إنّ اللّه لم يفضّل أحدا على أحد، و قال: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ) (4) و لم يخصّ قوما دون قوم.

ثم لم يستند عمر فيما زعمه صوابا إلى شبهة فضلا عن حجّة، و لو أقام حجّة على ما زعمه لحكاه الناصرون له.

و قد روى ابن الأثير في الكامل‏ (5) ذلك، إلّا أنّه لم يصرّح بالمشير سترا عليه‏ (6).

و هل يرتاب عاقل في أنّه لو كان إلى جواز التفضيل و مصانعة الرؤساء

____________

(1) لا توجد في (س): أن.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 8- 111 بتصرّف.

(3) في المصدر: و قد كان أشار.

(4) التوبة: 60.

(5) الكامل 2- 290.

(6) و ها هو يأخذ الزكاة من الخيل مع عدم أخذ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا أبو بكر، و قد وردت روايات في ذلك عن طريق العامّة، كما في موطإ مالك 1- 206، و مسند أحمد 1- 14، و سنن البيهقيّ 4- 118، و مستدرك الحاكم 1- 401، و مجمع الزوائد 3- 69، بل عدّ العسكريّ في أوائله، و السيوطي في تاريخ الخلفاء: 93 و غيرهما: أنّ عمر أوّل من أخذ زكاة الخيل. و من هنا وقع الشجار بينهم و بين من اتّبع السنّة النبويّة في عدم تعلّق الزكاة بالخيل أنّ الخليفة يسنّ للأمّة ما لا أصل له في الدين كزكاة الخيل و صلاة التراويح و غيرهما، و قد ينقض السنّة الثابتة للصادع الكريم خشية ظنّ الأمّة الوجوب!.

قال الشافعي في كتاب الأم 2- 189: قد بلغنا أنّ أبا بكر و عمر كانا لا يضحّيان كراهية أن يقتدى بهما فيظنّ من رءاهما أنّها واجبة. و جاء في مختصر المزني- هامش كتاب الأمّ- 5- 210.

و في رواية أخرى: مخافة أن يستنّ بهما، كما في السنن الكبرى للبيهقيّ 9- 265، و الكبير للطبراني، و المجمع للهيثمي 4- 18 من طريق الطبراني، و قال رجاله صحيح. و ذكره السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 3- 45 نقلا عن ابن أبي الدنيا في الأضاحي، و الحاكم في الكنى، و أبي بكر عبد اللّه بن محمّد النيسابوريّ في الزيادات، ثمّ قال: قال ابن كثير: إسناده صحيح.

و قال الهندي في كنز العمّال 3- 45 نقلا عن الشعبي: أنّ أبا بكر و عمر شهدا الموسم فلم يضحّيا. و ها هو ينقض السنّة الثابتة من الصادع الكريم خشية ظنّ الأمّة الوجوب و يسنّ لها ما لا أصل له في الدين كزكاة الخيل و صلاة التراويح و غيرهما من أحداث كثيرة!!.

52

و الأشراف للمصالح سبيل لما عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى العدل و التسوية، مع ما رآه عيانا من تفرّق أصحابه عنه لذلك و ميلهم إلى معاوية بقبضه عنهم ما عوّدهم به عمر بن الخطاب كما سيأتي‏ (1)، و لم يكن يختار أمرا يوجب حدوث الفتن و إراقة الدماء، و لما كان يمنع عقيلا صاعا من برّ فيذهب إلى معاوية.

فإن قيل: فلم كان الحسنان (عليهما السلام) يقبلان التفضيل، و أبوهما (عليه السلام) لم رضي بذلك؟.

قلنا: إمّا للتقيّة كما مرّ مرارا، أو لأنّ عمر لما حرّمهم حقّهم من الخمس و الفي‏ء و الأنفال فلعلّهما أخذا ما أخذا عوضا من حقوقهم.

و يمكن أن يقال: لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ولي الأمر فلعلّ ما أخذاه صرفه (عليه السلام) في مصارفه، و كان الأخذ من قبيل الاستنقاذ من الغاصب و الاستخلاص من السارق.

ثم من غريب ما ارتكبه عمر من المناقضة في هذه القصّة أنّه نبذ سنّة (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وراء ظهره و أعرض عنه رأسا، و فضّل من شاء على غيره، ثم لمّا قالت عائشة: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعدل بيننا، عدل بين الثلاث و بين غيرهنّ سوى عائشة، و قد كان فضّل عائشة بألفين‏ (3)، فكيف كانت سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في التسوية بين ثمان من الزوجات حجّة، و لم تكن حجّة في العدل بين التسع، و لا بين المهاجرين و الأنصار و غيرهم؟.

و اعلم أنّ أكثر الفتن الحادثة في الإسلام من فروع هذه البدعة، فإنّه لو استمرّ الناس على ما عوّدهم الرسول من العدل و جرى عليه الأمر في أيّام أبي بكر

____________

(1) بحار الأنوار: في عدة موارد منها ما مرّ صفحة 44 و ما سيأتي قريبا و 40- 107 و 41- 116، و عن العامّة في إحقاق الحقّ 8- 532- 573، فراجع.

(2) لا توجد: سنة، في (س).

(3) قد مرّت المصادر في أوّل الطعن، و جاءت في طبقات ابن سعد 3- 304 أيضا.

53

لما نكث طلحة و الزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم تقم فتنة الجمل، و لم يستقرّ الأمر لمعاوية، و لا تطرّق الفتور إلى اتّباع أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنصاره، و لو كان المنازع له في أوّل خلافته معاوية لدفعه بسهولة و لم ينتقل الأمر إلى بني أميّة، و لم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة، و قتل الحسين (عليه السلام)، و شيوع سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس و ما جرى من الظلم و الجور على أهل البيت (عليهم السلام) و على سائر أهل الإسلام.

و قد كان من الدواعي على الفتن و الشرور بدعته الأخرى و هي الشورى، إذ جعل طلحة و الزبير مرشّحين للخلافة نظيرين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فشقّ عليهما طاعته و الصبر على الأسوة و العدل، و هذا في غاية الوضوح‏ (1) و قد روى ابن عبد ربّه في كتاب العقد (2)- على ما حكاه العلّامة (رحمه اللّه) عنه في كشف الحقّ‏ (3)-، قال: إنّ معاوية قال‏ (4) لابن الحصين‏ (5): أخبرني: ما الذي شتّت أمر المسلمين و جماعتهم‏ (6) و مزّق ملأهم، و خالف بينهم؟!. فقال:

قتل عثمان‏ (7). قال: ما صنعت شيئا؟. قال: فسير (8) عليّ إليك‏ (9). قال: ما صنعت شيئا (10)؟. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك،

____________

(1) ستأتي مفصّلا في الطعن الثامن عشر.

(2) العقد الفريد 4- 281 [3- 75 طبعة أخرى‏].

(3) كشف الحقّ (نهج الحقّ و كشف الصدق): 355.

(4) لا توجد: قال، في (س).

(5) هو: عمران بن حصين. و في العقد: حضين.

(6) لا توجد: و جماعتهم، في العقد.

(7) كذا في الكشف، و في العقد: قال: نعم، قتل الناس عثمان.

(8) في المصدرين: فمسير.

(9) في العقد زيادة: و قتاله إيّاك.

(10) في الكشف و العقد زيادة: قال: فمسير طلحة و الزبير و عائشة و قتال عليّ إيّاهم. قال: ما صنعت شيئا.

54

إنّه لم يشتّت بين المسلمين و لا فرّق أهواءهم إلّا الشورى التي جعلها عمر في‏ (1) ستّة .. ثم فسّر معاوية ذلك، فقال: لم يكن من الستّة رجل إلّا (2) رجاها لنفسه، و رجاها (3) لقومه، و تطلّعت إلى ذلك نفوسهم‏ (4)، و لو أنّ عمر استخلف‏ (5) كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف.

و قد حكى ابن أبي الحديد (6)- أيضا- ذلك عن معاوية و قد تمّم إثارة الفتنة بإغواء معاوية و عمرو بن العاص و إطماعهما (7) في الخلافة، و كان معاوية عامله على الشام و عمرو بن العاص أميره و عامله على مصر، فخاف أن يصير الأمر إلى عليّ (عليه السلام). فقال- لما طعن و علم بأنّه سيموت‏ (8)-: يا أصحاب محمّد! تناصحوا فإن‏ (9) لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان، روى ذلك ابن أبي الحديد (10) ثم حكى‏ (11) عن شيخنا المفيد (رحمه اللّه)، أنّه قال: كان غرض عمر بإلقاء هذه الكلمة إلى الناس أن تصل إلى عمرو بن العاص و معاوية فيتغلّبا على مصر و الشام لو أفضي الأمر إلى عليّ (عليه السلام).

و بالجملة، جميع ما كان و ما يكون في الإسلام من الشرور إلى يوم النشور

____________

(1) في العقد: إلى ستة.

(2) في العقد: لم يكن رجل منهم إلّا ..

(3) في المصدرين زيادة: له، هنا.

(4) في الكشف: أنفسهم، و في العقد: نفسه.

(5) في العقد زيادة: عليهم.

(6) في شرحه على نهج البلاغة 3- 99.

(7) في (س): إطماعها. و هو سهو.

(8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: إنّ عمر بن الخطّاب قال لما طعن ..

(9) في الشرح: فإنّكم إن ..

(10) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 3- 99.

(11) ابن أبي الحديد في شرحه 3- 99 بتصرّف و اختصار.