بحار الأنوار - ج45

- العلامة المجلسي المزيد...
413 /
1

تتمة كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع)

تتمة أبواب ما يختص بتاريخ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)

بقية الباب 37 سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (صلوات الله عليه)

2- فلما كان الغداة أمر الحسين(ع)بفسطاطه فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني و عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير أ تضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا و لا شابا و إنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعاجلهم ساعة ثم نعانق الحور العين‏

(1)

.

رَجَعْنَا إِلَى رِوَايَةِ الْمُفِيدِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِنِّي جَالِسٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ أَبِي فِي صَبِيحَتِهَا- وَ عِنْدِي عَمَّتِي زَيْنَبُ تُمَرِّضُنِي‏

(2)

إِذِ اعْتَزَلَ أَبِي فِي خِبَاءٍ لَهُ- وَ عِنْدَهُ فُلَانٌ‏

(3)

مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَ هُوَ يُعَالِجُ سَيْفَهُ وَ يُصْلِحُهُ‏

____________

(1) كتاب الملهوف(ص)84.

(2) يقال: مرضه- من باب التفعيل- اذا أحسن القيام عليه في مرضه و تكفل بمداواته، قال في اللسان: جاعت فعلت هنا للسلب و ان كانت في أكثر الامر انما تكون للاثبات.

(3) جون. خ ل. و في المصدر: جوين.

2

وَ أَبِي يَقُولُ‏

يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلٍ* * * -كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَ الْأَصِيلِ‏

مِنْ صَاحِبٍ وَ طَالِبٍ قَتِيلٍ* * * -وَ الدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ‏

وَ إِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ* * * -وَ كُلُّ حَيٍّ سَالِكٌ سَبِيلِي‏

فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً حَتَّى فَهِمْتُهَا- وَ عَلِمْتُ مَا أَرَادَ فَخَنَقَتْنِيَ الْعَبْرَةُ فَرَدَدْتُهَا وَ لَزِمْتُ السُّكُوتَ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ نَزَلَ- وَ أَمَّا عَمَّتِي فَلَمَّا سَمِعَتْ مَا سَمِعْتُ وَ هِيَ امْرَأَةٌ- وَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ الرِّقَّةُ وَ الْجَزَعُ- فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا أَنْ وَثَبَتْ تَجُرُّ ثَوْبَهَا- وَ هِيَ حَاسِرَةٌ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ وَ قَالَتْ وَا ثُكْلَاهْ- لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِيَ الْحَيَاةَ الْيَوْمَ مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ- وَ أَبِي عَلِيٌّ وَ أَخِيَ الْحَسَنُ يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِي وَ ثِمَالَ الْبَاقِي- فَنَظَرَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ(ع)وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَهْ لَا يَذْهَبَنَّ حِلْمَكِ الشَّيْطَانُ وَ تَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ- وَ قَالَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَا لَيْلًا لَنَامَ‏

(1)

- فَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهْ أَ فَتُغْتَصَبُ نَفْسُكَ اغْتِصَاباً

(2)

- فَذَلِكَ أَقْرَحُ لِقَلْبِي وَ أَشَدُّ عَلَى نَفْسِي- ثُمَّ لَطَمَتْ وَجْهَهَا وَ هَوَتْ إِلَى جَيْبِهَا- وَ شَقَّتْهُ وَ خَرَّتْ مَغْشِيَّةً عَلَيْهَا- فَقَامَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ(ع)فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهَا الْمَاءَ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ اتَّقِي اللَّهَ وَ تَعَزَّيْ بِعَزَاءِ اللَّهِ- وَ اعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ- وَ أَنَ‏

____________

(1) القطا: جمع قطاة و هي طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا. و هذا مثل. قال الميداني: نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد، فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته، و قيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج 2(ص)174 تحت الرقم 3231.

(2) لا أرى لذكر الاغتصاب وجها و الظاهر أنّه تصحيف و الصحيح: «أ فتحتسب نفسك احتسابا». يقال: احتسب ولدا له: إذا مات ولده كبيرا، و مثله احتسب نفسه: إذا عدها شهيدا في ذات اللّه، و قد مر في(ص)138 من ج 44 كلام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) «اللّهمّ إنّي احتسب نفسى عندك» فراجع.

3

كُلَّ شَيْ‏ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى- الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ يَبْعَثُ الْخَلْقَ- وَ يَعُودُونَ وَ هُوَ فَرْدٌ وَحْدَهُ وَ أَبِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ أُمِّي خَيْرٌ مِنِّي وَ أَخِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ لِي وَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَعَزَّاهَا بِهَذَا وَ نَحْوِهِ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ إِنِّي أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ فَأَبِرِّي قَسَمِي- لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْباً وَ لَا تَخْمِشِي عَلَيَّ وَجْهاً- وَ لَا تَدْعَيْ عَلَيَّ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ- ثُمَّ جَاءَ بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عِنْدِي- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ- أَنْ يَقْرِنَ بَعْضُهُمْ بُيُوتَهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ أَنْ يُدْخِلُوا الْأَطْنَابَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ- وَ أَنْ يَكُونُوا بَيْنَ الْبُيُوتِ فَيُقْبِلُوا الْقَوْمَ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ- وَ الْبُيُوتُ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ قَدْ حَفَّتْ بِهِمْ- إِلَّا الْوَجْهَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ مِنْهُ عَدُوُّهُمْ وَ رَجَعَ(ع)إِلَى مَكَانِهِ- فَقَامَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يُصَلِّي وَ يَسْتَغْفِرُ وَ يَدْعُو وَ يَتَضَرَّعُ- وَ قَامَ أَصْحَابُهُ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ وَ يَدْعُونَ وَ يَسْتَغْفِرُونَ‏

(1)

وَ قَالَ فِي الْمَنَاقِبِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ خَفَقَ الْحُسَيْنُ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ أَ تَعْلَمُونَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي السَّاعَةَ- فَقَالُوا وَ مَا الَّذِي رَأَيْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ- لِتَنْهَشَنِي وَ فِيهَا كَلْبٌ أَبْقَعُ رَأَيْتُهُ أَشَدَّهَا عَلَيَّ- وَ أَظُنُّ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ أَبْرَصُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ- ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ(ص) وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُوَ يَقُولُ لِي- يَا بُنَيَّ أَنْتَ شَهِيدُ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ قَدِ اسْتَبْشَرَ بِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى- فَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدِي اللَّيْلَةَ عَجِّلْ وَ لَا تُؤَخِّرْ- فَهَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ- لِيَأْخُذَ دَمَكَ فِي قَارُورَةٍ خَضْرَاءَ- فَهَذَا مَا رَأَيْتُ وَ قَدْ أَزِفَ الْأَمْرُ

(2)

- وَ اقْتَرَبَ الرَّحِيلُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ و قال المفيد قال الضحاك بن عبد الله: و مرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا و إن حسينا(ع)ليقرأ

وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏

____________

(1) كتاب الإرشاد(ص)215 و 216.

(2) في الأصل: و قد أنف الامر، و أظنه تصحيفا.

4

حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ (1)

فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله ابن سمير و كان مضحاكا و كان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال نحن و رب الطيبون ميزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابا.

و أصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا و قال محمد بن أبي طالب و في رواية أخرى اثنان و ثمانون راجلا و قال السيد- رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَةً وَ أَرْبَعِينَ فَارِساً وَ مِائَةَ رَاجِلٍ و كذا قال ابن نما و قال المفيد فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه و أعطى رايته العباس أخاه و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك و أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل يوم السبت فعبأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين و كان على ميمنته عمرو بن الحجاج و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن و على الخيل عروة بن قيس و على الرجالة شبث بن ربعي و أعطى الراية دريدا مولاه و قال محمد بن أبي طالب و كانوا نيفا على اثنين و عشرين ألفا و في رواية عن الصادق(ع)ثلاثين ألفا.

قَالَ الْمُفِيدُ وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَصْبَحَتِ الْخَيْلُ تُقْبِلُ عَلَى الْحُسَيْنِ(ع)رَفَعَ يَدَيْهِ- وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ وَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ- وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ- كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْهُ الْفُؤَادُ- وَ تَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ وَ يَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ- وَ يَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ أَنْزَلْتُهُ بِكَ- وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ- فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ- وَ صَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ- قَالَ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ يَجُولُونَ حَوْلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ- فَيَرَوْنَ الْخَنْدَقَ فِي ظُهُورِهِمْ‏

____________

(1) آل عمران: 178 و 179.

5

وَ النَّارُ تَضْطَرِمُ فِي الْحَطَبِ وَ الْقَصَبِ الَّذِي كَانَ أُلْقِيَ فِيهِ- فَنَادَى شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ- يَا حُسَيْنُ أَ تَعَجَّلْتَ بِالنَّارِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)مَنْ هَذَا كَأَنَّهُ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ- فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى- أَنْتَ‏

أَوْلى‏ بِها صِلِيًّا

وَ رَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ- فَمَنَعَهُ الْحُسَيْنُ(ع)مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُ دَعْنِي حَتَّى أَرْمِيَهُ- فَإِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ عُظَمَاءِ الْجَبَّارِينَ- وَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ- فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(ع)لَا تَرْمِهِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ‏

(1)

. وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ رَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ فَقُرِّبَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَرَسُهُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَ تَقَدَّمَ نَحْوَ الْقَوْمِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(ع)كَلِّمِ الْقَوْمَ فَتَقَدَّمَ بُرَيْرٌ فَقَالَ يَا قَوْمِ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ ثَقَلَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ بَنَاتُهُ وَ حَرَمُهُ فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ وَ مَا الَّذِي تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوهُ بِهِمْ فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُمَكِّنَ مِنْهُمُ الْأَمِيرَ ابْنَ زِيَادٍ فَيَرَى رَأْيَهُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُمْ بُرَيْرٌ أَ فَلَا تَقْبَلُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَ نَسِيتُمْ كُتُبَكُمْ وَ عُهُودَكُمُ الَّتِي أَعْطَيْتُمُوهَا وَ أَشْهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهَا يَا وَيْلَكُمْ أَ دَعَوْتُمْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ دُونَهُمْ حَتَّى إِذَا أَتَوْكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ وَ حَلَّأْتُمُوهُمْ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ بِئْسَ مَا خَلَّفْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَا لَكُمْ لَا سَقَاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ.

فَقَالَ لَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ يَا هَذَا مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ فَقَالَ بُرَيْرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَادَنِي فِيكُمْ بَصِيرَةً اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ فِعَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ أَلْقِ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَلْقَوْكَ وَ أَنْتَ عَلَيْهِمْ غَضْبَانُ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَرْمُونَهُ بِالسِّهَامِ فَرَجَعَ بُرَيْرٌ إِلَى وَرَائِهِ.

و تقدم الحسين(ع)حتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَ زَوَالٍ مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ فَالْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ‏

____________

(1) إرشاد المفيد(ص)217.

6

وَ الشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَ تُخَيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمِعَ فِيهَا وَ أَرَاكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطْتُمُ اللَّهَ فِيهِ عَلَيْكُمْ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْكُمْ وَ أَحَلَّ بِكُمْ نَقِمَتَهُ وَ جَنَّبَكُمْ رَحْمَتَهُ فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا وَ بِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ وَ آمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ إِنَّكُمْ زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ عِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ الْعَظِيمِ فَتَبّاً لَكُمْ وَ لِمَا تُرِيدُونَ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

هَؤُلَاءِ قَوْمٌ‏

كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ‏ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏

فَقَالَ عُمَرُ وَيْلَكُمْ كَلِّمُوهُ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَ اللَّهِ لَوْ وَقَفَ فِيكُمْ هَكَذَا يَوْماً جَدِيداً لَمَا انْقَطَعَ وَ لَمَا حُصِرَ فَكَلَّمُوهُ فَتَقَدَّمَ شِمْرٌ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَفْهِمْنَا حَتَّى نَفْهَمَ فَقَالَ أَقُولُ‏

اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ‏

وَ لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي وَ لَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِي فَإِنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ وَ لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكُمْ قَوْلُ نَبِيِّكُمْ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي بِرِوَايَةِ الْمُفِيدِ.

وَ قَالَ الْمُفِيدُ وَ دَعَا الْحُسَيْنُ(ع)بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَ جُلُّهُمْ يَسْمَعُونَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ لَكُمْ عَلَيَّ وَ حَتَّى أَعْذِرَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ أَعْطَيْتُمُونِيَ النَّصَفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ وَ إِنْ لَمْ تُعْطُونِيَ النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ‏

ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏

ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ وَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُتَكَلِّمٌ قَطُّ قَبْلَهُ وَ لَا بَعْدَهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي مَنْطِقٍ.

ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ وَ عَاتِبُوهُمْ فَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِي أَ لَسْتُ ابْنَ نَبِيِّكُمْ وَ ابْنَ وَصِيِّهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ وَ أَوَّلِ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَ وَ لَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي أَ وَ لَيْسَ جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ عَمِّي أَ وَ لَمْ‏

7

يَبْلُغْكُمْ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِي وَ لِأَخِي هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَ هُوَ الْحَقُّ وَ اللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَ إِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ اسْأَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ‏

(1)

يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِي وَ لِأَخِي أَ مَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي.

فقال له شمر بن ذي الجوشن هو

يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏

إن كان يدري ما تقوّل فقال له حبيب بن مظاهر و الله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا و أنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك. ثم قال لهم الحسين(ع)فَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا أَ فَتَشُكُّونَ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي فِيكُمْ وَ لَا فِي غَيْرِكُمْ وَيْحَكُمْ أَ تَطْلُبُونِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ أَوْ مَالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقِصَاصٍ مِنْ جِرَاحَةٍ فَأَخَذُوا لَا يُكَلِّمُونَهُ فَنَادَى يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَا حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ يَا قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ يَا يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ أَ لَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ وَ لَكِنِ انْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُرُوكَ إِلَّا مَا تُحِبُّ فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ(ع)لَا وَ اللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَ لَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ.

ثُمَّ نَادَى يَا عِبَادَ اللَّهِ‏

إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ‏

وَ أَعُوذُ

بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ‏

ثم إنه أناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان بعقلها و أقبلوا يزحفون نحوه.

(2)

____________

(1) مات جابر بن عبد اللّه سنة 74 و شهد جنازته الحجاج و الظاهر أنّه بالكوفة و أبو سعيد الخدريّ سنة 64- 74 و سهل بن سعد هو آخر من مات بالمدينة سنة احدى و تسعين و زيد بن أرقم سنة 66 بالكوفة، و أنس بن مالك آخر من مات بالبصرة سنة 71 و كان قاطنا بها.

(2) الإرشاد(ص)217 و 218.

8

-

و في المناقب روى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن عبد الله قال‏

لما عبّأ عمر بن سعد أصحابه للمحاربة الحسين بن علي(ع)و رتّبهم مراتبهم و أقام الرايات في مواضعها و عبأ أصحاب الميمنة و الميسرة فقال لأصحاب القلب اثبتوا.

و أحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج(ع)حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم وَيْلَكُمْ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلِي وَ إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ فَمَنْ أَطَاعَنِي كَانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَ مَنْ عَصَانِي كَانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَ كُلُّكُمْ عَاصٍ لِأَمْرِي غَيْرُ مُسْتَمِعٍ قَوْلِي فَقَدْ مُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ أَ لَا تُنْصِتُونَ أَ لَا تَسْمَعُونَ فَتَلَاوَمَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بَيْنَهُمْ وَ قَالُوا أَنْصِتُوا لَهُ.

فَقَامَ الْحُسَيْنُ(ع)ثُمَّ قَالَ تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَ تَرَحاً أَ فَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَلِهِينَ مُتَحَيِّرِينَ فَأَصْرَخْتُكُمْ مُؤَدِّينَ مُسْتَعِدِّينَ سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً فِي رِقَابِنَا وَ حَشَشْتُمْ عَلَيْنَا نَارَ الْفِتَنِ خَبَأَهَا عَدُوُّكُمْ وَ عَدُوُّنَا فَأَصْبَحْتُمْ أَلْباً عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ وَ يَداً عَلَيْهِمْ لِأَعْدَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ وَ لَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ إِلَّا الْحَرَامُ مِنَ الدُّنْيَا أَنَالُوكُمْ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ طَمِعْتُمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ كَانَ مِنَّا لَا رَأْيَ تَفَيَّلَ لَنَا فَهَلَّا لَكُمُ الْوَيْلَاتُ إِذْ كَرِهْتُمُونَا وَ تَرَكْتُمُونَا تَجَهَّزْتُمُوهَا وَ السَّيْفُ لَمْ يُشْهَرْ وَ الْجَأْشُ طَامِنٌ وَ الرَّأْيُ لَمْ يُسْتَحْصَفْ وَ لَكِنْ أَسْرَعْتُمْ عَلَيْنَا كَطَيْرَةِ الذُّبَابِ وَ تَدَاعَيْتُمْ كَتَدَاعِي الْفَرَاشِ فَقُبْحاً لَكُمْ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ طَوَاغِيتِ الْأُمَّةِ وَ شُذَاذِ الْأَحْزَابِ وَ نَبَذَةِ الْكِتَابِ وَ نَفَثَةِ الشَّيْطَانِ وَ عُصْبَةِ الْآثَامِ وَ مُحَرِّفِي الْكِتَابِ وَ مُطْفِئِ السُّنَنِ وَ قَتَلَةِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ و مُبِيرِي عِتْرَةِ الْأَوْصِيَاءِ وَ مُلْحِقِي الْعُهَّارِ بِالنَّسَبِ وَ مُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ و صُرَّاخِ أَئِمَّةِ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ‏

وَ أَنْتُمْ- ابْنَ حَرْبٍ وَ أَشْيَاعَهُ تَعْتَمِدُونَ وَ إِيَّانَا تُخَاذِلُونَ أَجَلْ وَ اللَّهِ الْخَذْلُ فِيكُمْ مَعْرُوفٌ وَشَجَتْ عَلَيْهِ عُرُوقُكُمْ وَ تَوَارَثَتْهُ أُصُولُكُمْ وَ فُرُوعُكُمْ وَ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ‏

9

قُلُوبُكُمْ وَ غُشِيَتْ صُدُورُكُمْ فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ شَيْ‏ءٍ سِنْخاً لِلنَّاصِبِ وَ أُكْلَةً لِلْغَاصِبِ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى النَّاكِثِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ‏

الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا

فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ هُمْ.

أَلَا إِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيَّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ القلة

(1)

[السَّلَّةِ وَ الذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مَا آخُذُ الدَّنِيَّةَ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ رَسُولُهُ وَ جُدُودٌ طَابَتْ وَ حُجُورٌ طَهُرَتْ وَ أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ لَا تُؤْثِرُ مَصَارِعَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ أَلَا قَدْ أَعْذَرْتُ وَ أَنْذَرْتُ أَلَا إِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ عَلَى قِلَّةِ الْعَتَادِ وَ خُذَلَةِ الْأَصْحَابِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ‏

فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماً* * * وَ إِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا

وَ مَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَ لَكِنْ‏* * * مَنَايَانَا وَ دَوْلَةُ آخَرِينَا (2)

أَلَا ثُمَّ لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلَّا كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ حَتَّى تَدُورَ بِكُمُ الرَّحَى عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي‏

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ‏ ثُمَّ كِيدُونِ‏

جَمِيعاً

فَلا تُنْظِرُونِ‏ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ

____________

(1) القلة: قلة العدد بالقتل. و في بعض النسخ: السلة منه (رحمه الله).

(2) قائلها فروة بن مسيك المرادى قالها في يوم الردم لهمدان من مراد. و زاد بعدهما في الملهوف:

اذا ما الموت رفع عن أناس‏* * * كلاكله أناخ بآخرينا

فأفنى ذلكم سروات قومي‏* * * كما أفنى القرون الاولينا

فلو خلد الملوك إذا خلدنا* * * و لو بقى الكرام إذا بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا* * * سيلقى الشامتون كما لقينا

و قد تروى على غير هذا اللفظ كما نقله ابن هشام في السيرة ج 2(ص)582:

مررن على لفات و هن خوص‏* * * ينازعن الاعنة ينتحينا

فان نغلب فغلابون قدما* * * و ان نغلب فغير مغلبينا

و ما ان طبنا جبن و لكن‏* * * منايانا و طعمة آخرينا

كذاك الدهر دولته سجال‏* * * تكر صروفه حينا فحينا إلخ.

10

بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَ ابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ يَسْقِيهِمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً وَ لَا يَدَعُ فِيهِمْ أَحَداً إِلَّا قَتَلَهُ قَتْلَةً بِقَتْلَةٍ وَ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ يَنْتَقِمُ لِي وَ لِأَوْلِيَائِي وَ أَهْلِ بَيْتِي وَ أَشْيَاعِي مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ غَرُّونَا وَ كَذَبُونَا وَ خَذَلُونَا وَ أَنْتَ رَبُّنَا

عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ

ثُمَّ قَالَ أَيْنَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ ادْعُوا لِي عُمَرَ فَدُعِيَ لَهُ وَ كَانَ كَارِهاً لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَالَ يَا عُمَرُ أَنْتَ تَقْتُلُنِي تَزْعُمُ أَنْ يُوَلِّيَكَ الدَّعِيُّ ابْنُ الدَّعِيِّ بِلَادَ الرَّيِّ وَ جُرْجَانَ وَ اللَّهِ لَا تَتَهَنَّأُ بِذَلِكَ أَبَداً عَهْداً مَعْهُوداً فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَإِنَّكَ لَا تَفْرَحُ بَعْدِي بِدُنْيَا وَ لَا آخِرَةٍ وَ لَكَأَنِّي بِرَأْسِكَ عَلَى قَصَبَةٍ قَدْ نُصِبَ بِالْكُوفَةِ يَتَرَامَاهُ الصِّبْيَانُ وَ يَتَّخِذُونَهُ غَرَضاً بَيْنَهُمْ.

فاغتاظ عمر من كلامه ثم صرف بوجهه عنه و نادى بأصحابه ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه و عبأ أصحابه.

أقول قد روي الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر و رواه السيد بتغيير و اختصار

(1)

و ستأتي برواية الإحتجاج أيضا.

ثم قال المفيد (رحمه الله) فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين(ع)قال لعمر بن سعد أي عمر أ مقاتل أنت هذا الرجل قال إي و الله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس و تطيح الأيدي قال أ فما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر أما لو كان الأمر إلي لفعلت و لكن أميرك قد أبى فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا و معه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال فما تريد أن تسقيه قال قرة فظننت و الله أنه يريد أن يتنحى و لا يشهد القتال فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم أسقه و أنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فو الله لو أنه‏

____________

(1) تحف العقول(ص)240 الملهوف(ص)85- 88.

11

اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين‏

(1)

. فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له مهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أ تريد أن تحمل فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل و هي الرعدة فقال له المهاجر إن أمرك لمريب و الله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا و لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أرى منك فقال له الحر إني و الله أخير نفسي بين الجنة و النار فو الله لا أختار على الجنة شيئا و لو قطعت و أحرقت.

ثم ضرب فرسه فلحق الحسين(ع)فقال له جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع و سايرتك في الطريق و جعجعت بك في هذا المكان و ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم و لا يبلغون منك هذه المنزلة و الله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما ركبت مثل الذي ركبت و أنا تائب إلى الله مما صنعت فترى لي من ذلك توبة فقال له الحسين(ع)نعم يتوب الله عليك فانزل فقال أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة و إلى النزول ما يصير آخر أمري فقال له الحسين(ع)فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.

فاستقدم أمام الحسين(ع)فقال يا أهل الكوفة لأمكم الهبل و العبر

(2)

أ دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه و زعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه و أخذتم بكلكله و أحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا و لا يدفع عنها ضرا و حلّأتموه و نساءه و صبيته و أهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود و النصارى و المجوس و تمرغ فيه خنازير السواد و كلابهم و ها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ.

____________

(1) كذب عدو اللّه، فانه قد رأى الحرّ بعد ذلك حين يقاتل ذبا عن آل رسول اللّه.

(2) الهبل: الثكل، و العبر: الموت يقال عبر القوم: ماتوا.

12

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين(ع)و نادى عمر بن سعد يا دريد أدن رايتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى و قال اشهدوا أني أول من رمى الناس‏

(1)

. و قال محمد بن أبي طالب فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين(ع)إلا أصابه من سهامهم قيل فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين(ع)و قتل في هذه الحملة خمسون رجلا و قال السيد فقال(ع)لأصحابه قُومُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ هَذِهِ السِّهَامَ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ حَمْلَةً وَ حَمْلَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ(ع)جَمَاعَةٌ قَالَ فَعِنْدَهَا ضَرَبَ الْحُسَيْنُ(ع)يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ جَعَلَ يَقُولُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ إِذْ جَعَلُوا لَهُ وَلَداً وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى النَّصَارَى إِذْ جَعَلُوهُ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى الْمَجُوسِ إِذْ عَبَدُوا الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دُونَهُ وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى قَتْلِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ أَمَا وَ اللَّهِ لَا أُجِيبُهُمْ إِلَى شَيْ‏ءٍ مَمَّا يُرِيدُونَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ أَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي.

وَ رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي(ع)يَقُولُ لَمَّا الْتَقَى الْحُسَيْنُ(ع)وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَامَتِ الْحَرْبُ- أُنْزِلَ النَّصْرُ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ(ع) ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ بَيْنَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى- فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الرَّاوِي ثُمَّ صَاحَ(ع)أَ مَا مِنْ مُغِيثٍ يُغِيثُنَا لِوَجْهِ اللَّهِ- أَ مَا مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ‏

(2)

و قال المفيد (رحمه الله) و تبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان و برز إليه عبد الله بن عمير فقال له يسار من أنت فانتسب له فقال لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر فقال عبد الله بن عمير يا ابن الفاعلة

____________

(1) كتاب الإرشاد(ص)219.

(2) الملهوف(ص)89 و 90.

13

و بك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد و إنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه ثم شد عليه فضربه حتى قتله و أقبل و قد قتلهما جميعا و هو يرتجز و يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن كلب‏* * * أنا امرؤ ذو مرة و عصب‏

و لست بالخوار عند النكب

و حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين(ع)فيمن كان معه من أهل الكوفة فلما دنا من الحسين(ع)جثوا له على الركب و أشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين(ع)بالنبل فصرعوا منهم رجالا و جرحوا منهم آخرين و جاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين(ع)فناداه القوم إلى أين ثكلتك أمك فقال إني أقدم على رب رحيم و شفيع مطاع فقال الحسين(ع)لأصحابه من هذا فقيل له هذا ابن خوزة التميمي فقال اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع و تعلقت رجله اليسرى في الركاب و ارتفعت اليمنى و شد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت و عدا به فرسه فضرب برأسه كل حجر و كل شجر حتى مات و عجل الله بروحه إلى النار و نشب القتال فقتل من الجميع جماعة

(1)

.

و قال محمد بن أبي طالب و صاحب المناقب و ابن الأثير في الكامل و رواياتهم متقاربة أن الحر أتى الحسين(ع)فقال يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك و أول من يصافح جدك غدا و إنما قال الحر لأكون أول قتيل بين يديك و المعنى يكون أول قتيل من المبارزين و إلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الأولى كما ذكر فكان أول من تقدم إلى‏

____________

(1) كتاب الإرشاد(ص)220.

14

براز القوم و جعل ينشد و يقول‏

إني أنا الحر و مأوى الضيف‏* * * أضرب في أعناقكم بالسيف‏

عن خير من حل بأرض الخيف‏* * * أضربكم و لا أرى من حيف‏

و روي أن الحر لما لحق بالحسين(ع)قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان أما و الله لو لحقته لأتبعته السنان فبينما هو يقاتل و إن فرسه لمضروب على أذنيه و حاجبيه و إن الدماء لتسيل إذ قال الحصين يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه قال نعم فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله و قتل أربعين فارسا و راجلا فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه و بقي راجلا و هو يقول‏

إني أنا الحر و نجل الحر* * * أشجع من ذي لبد هزبر

و لست بالجبان عند الكر* * * لكنني الوقاف عند الفر

ثم لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه الله) فاحتمله أصحاب الحسين(ع)حتى وضعوه بين يدي الحسين(ع)و به رمق فجعل الحسين يمسح وجهه و يقول أنت الحر كما سمتك أمك و أنت الحر في الدنيا و أنت الحر في الآخرة و رثاه رجل من أصحاب الحسين(ع)و قيل بل رثاه علي بن الحسين ع‏

لنعم الحر حر بني رياح‏* * * صبور عند مختلف الرماح‏

و نعم الحر إذ نادى حسينا* * * فجاد بنفسه عند الصياح‏

فيا ربي أضفه في جنان‏* * * و زوجه مع الحور الملاح‏

و روي أن الحر كان يقول‏

آليت لا أقتل حتى أقتلا* * * أضربهم بالسيف ضربا معضلا

لا ناقل عنهم و لا معللا* * * لا عاجز عنهم و لا مبدلا

أحمي الحسين الماجد المؤملا

قال المفيد (رحمه الله) فاشترك في قتله أيوب بن مسرح و رجل آخر من‏

15

فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه‏

(1)

.

و قال ابن شهرآشوب قتل نيفا و أربعين رجلا منهم و قال ابن نما و رويت بإسنادي أنه قال للحسين(ع)لما وجهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي أبشر يا حر بخير فالتفت فلم أر أحدا فقلت و الله ما هذه بشارة و أنا أسير إلى الحسين و ما أحدث نفسي باتباعك فقال(ع)لقد أصبت أجرا و خيرا.

ثم قالوا و كان كل من أراد الخروج ودع الحسين(ع)و قال السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه و عليك السلام و نحن خلفك و يقرأ(ع)

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر و كان من عباد الله الصالحين فبرز و هو يقول‏

أنا برير و أبي خضير* * * ليث يروع الأسد عند الزئر

يعرف فينا الخير أهل الخير* * * أضربكم و لا أرى من ضير

كذاك فعل الخير من برير

و جعل يحمل على القوم و هو يقول اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين و ذريته الباقين و كان برير أقرأ أهل زمانه فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير أشهد أنك من المضلين فقال له برير هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا و أن يقتل المحق منا المبطل فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا و ضربه برير ضربة قدت المغفر و وصلت إلى دماغه فسقط قتيلا قال فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا (رحمه الله) و كان يقال لقاتله بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب و جعل يقول‏

سلي تخبري عني و أنت ذميمة* * * غداة حسين و الرماح شوارع‏

أ لم آت أقصى ما كرهت و لم يحل‏* * * غداة الوغى و الروع ما أنا صانع‏

____________

(1) الإرشاد(ص)222

16

معي مزني لم تخنه كعوبه‏* * * و أبيض مشحوذ الغرارين قاطع‏ (1)

فجردته في عصبة ليس دينهم‏* * * كديني و إني بعد ذاك لقانع‏

و قد صبروا للطعن و الضرب حسرا (2)* * * و قد جالدوا لو أن ذلك نافع‏

فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته‏* * * بأني مطيع للخليفة سامع‏

قتلت بريرا ثم جلت لهمة* * * غداة الوغى لما دعا من يقارع‏

قال ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين و جاءه ابن عم له و قال ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا قال فندم الشقي و أنشأ يقول‏

فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم‏* * * و لا جعل النعماء عند ابن جائر

لقد كان ذا عارا علي و سبة* * * يعير بها الأبناء عند المعاشر

فيا ليت أني كنت في الرحم حيضة* * * و يوم حسين كنت ضمن المقابر

فيا سوأتا ما ذا أقول لخالقي‏* * * و ما حجتي يوم الحساب القماطر (3)

ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي و قد كانت معه أمه يومئذ فقالت قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله فقال أفعل يا أماه و لا أقصر فبرز و هو يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن الكلب‏* * * سوف تروني و ترون ضربي‏

و حملتي و صولتي في الحرب‏* * * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي‏

و أدفع الكرب أمام الكرب‏* * * ليس جهادي في الوغى باللعب‏

____________

(1) قوله «مزنى» أي رمح مزنى، و كعوب الرمح: النواشر في أطراف الانابيب و عدم خيانتها: كناية عن كثرة نفوذها و عدم كلالها، و الغراران: شفرتا السيف منه (رحمه الله).

(2) جمع حاسر: الذي لا مغفر عليه و لا درع.

(3) يقال: يوم قماطر بالضم: شديد، و هنا يحتمل أن يكون و صفا للحساب، أو و صفا لليوم.

17

ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى أمه و امرأته فوقف عليهما فقال يا أماه أ رضيت فقالت ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين(ع)فقالت امرأته بالله لا تفجعني في نفسك فقالت أمه يا بني لا تقبل قولها و ارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله فرجع قائلا

إني زعيم لك أم وهب‏* * * بالطعن فيهم تارة و الضرب‏

ضرب غلام مؤمن بالرب‏* * * حتى يذيق القوم مر الحرب‏

إني امرؤ ذو مرة و عصب‏* * * و لست بالخوار عند النكب‏

حسبي إلهي من عليم حسبي

فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا و اثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا و أقبلت نحوه و هي تقول فداك أبي و أمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه و قالت لن أعود أو أموت معك فقال الحسين جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت و جعل يقاتل حتى قتل (رضوان اللّه عليه) قال فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها و قتلها و هي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.

و رأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا فأسلم هو و أمه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة و عشرين راجلا و اثني عشر فارسا ثم أخذ أسيرا فأتي به عمر بن سعد فقال ما أشد صولتك ثم أمر فضربت عنقه و رمي برأسه إلى عسكر الحسين(ع)فأخذت أمه الرأس فقبلته ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين ارجعي يا أم وهب أنت و ابنك مع رسول الله فإن الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت و هي تقول إلهي لا تقطع رجائي فقال لها الحسين(ع)لا يقطع الله رجاك يا أم وهب.

18

ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي و هو يقول‏

إليك يا نفس إلى الرحمن‏* * * فأبشري بالروح و الريحان‏

اليوم تجزين على الإحسان‏* * * قد كان منك غابر الزمان‏

ما خط في اللوح لدى الديان‏* * * لا تجرعي فكل حي فان‏

و الصبر أحظى لك بالأماني‏* * * يا معشر الأزد بني قحطان‏

ثم قاتل حتى قتل (رحمه الله) و في المناقب ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو و هو يرتجز و يقول‏

صبرا على الموت بني قحطان‏* * * كي ما تكونوا في رضي الرحمن‏

ذي المجد و العزة و البرهان‏* * * و ذي العلى و الطول و الإحسان‏

يا أبتا قد صرت في الجنان‏* * * في قصر رب حسن البنيان‏ (1)

ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه و قال محمد بن أبي طالب ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي و هو يقول‏

صبرا على الأسياف و الأسنة* * * صبرا عليها لدخول الجنة

و حور عين ناعمات هنه‏* * * لمن يريد الفوز لا بالظنة

يا نفس للراحة فاجهدنه‏* * * و في طلاب الخير فارغبنه‏ (2)

ثم حمل و قاتل قتالا شديدا ثم قتل (رضوان اللّه عليه).

و خرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي و هو يرتجز و يقول‏

قد علمت سعد و حي مذحج‏* * * أني لدى الهيجاء ليث محرج‏

أعلو بسيفي هامة المدجج‏* * * و أترك القرن لدى التعرج‏

فريسة الضبع الأزل الأعرج

____________

(1) في مناقب آل أبي طالب: فى قصر در حسن البنيان.

(2) قوله: «هنه» الهاء للسكت، و كذا قوله «فاجهدنه» و «فارغبنه» منه (رحمه الله).

19

و لم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي و عبد الله البجلي.

ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رحمة الله و هو يرتجز

إن تسألوا عني فإني ذو لبد* * * من فرع قوم من ذري بني أسد

فمن بغانا حائد عن الرشد* * * و كافر بدين جبار صمد

ثم قاتل قتالا شديدا.

و قال المفيد و صاحب المناقب بعد ذلك و كان نافع بن هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا و يرتجز و يقول‏

أنا ابن هلال البجلي‏ (1)* * * أنا على دين علي‏

و دينه دين النبي

فبرز إليه رجل من بني قطيعة و قال المفيد هو مزاحم بن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له نافع أنت على دين الشيطان فحمل عليه نافع فقتله.

فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أ تدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر و أهل البصائر و قوما مستميتين لا يبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قتلتهم و الله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال له عمر بن سعد لعنه الله الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم و قال لو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة.

و دنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين(ع)فقال يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم و جماعتكم و لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين و خالف الإمام- فقال الحسين(ع)يَا ابْنَ الْحَجَّاجِ أَ عَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ أَ نَحْنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ وَ أَنْتُمْ ثَبَتُّمْ عَلَيْهِ وَ اللَّهِ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا الْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ وَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِصَلْيِ النَّارِ.

ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا

____________

(1) كذا في النسخ، و لكن لا يستقيم الرجز، و الظاهر أن القائل هلال بن حجاج فقال:

أنا هلال البجليّ‏أنا على دين على‏و دينه دين النبيّ‏

20

ساعة فصرع مسلم بن عوسجة و انصرف عمرو و أصحابه و انقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع و قال محمد بن أبي طالب فسقط إلى الأرض و به رمق فمشى إليه الحسين و معه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين(ع)رحمك الله يا مسلم‏

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

ثم دنا منه حبيب فقال يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم فإني أوصيك بهذا و أشار إلى الحسين(ع)فقاتل دونه حتى تموت فقال حبيب لأنعمتك عينا ثم مات (رضوان اللّه عليه).

قال و صاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم و تذلون عزكم أ تفرحون بقتل مسلم بن عوسجة أما و الذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين.

ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة فثبتوا له‏

(1)

و قاتلهم أصحاب الحسين(ع)قتالا شديدا و إنما هم اثنان و ثلاثون فارسا فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة فاقتبلوا

(2)

حتى دنوا من الحسين و أصحابه فرشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم و قاتلوهم حتى انتصف النهار و اشتد القتال و لم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم و تقارب بعضها من بعض فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم و شمائلهم ليحيطوا بهم و أخذ الثلاثة و الأربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض و ينهب فيرمونه عن‏

____________

(1) في بعض النسخ و هكذا نسخة الإرشاد زيادة و هى: و طاعنوه و حمل على الحسين (عليه السلام) و أصحابه من كل جانب و قاتلهم إلخ.

(2) في الأصل و هكذا سائر النسخ: فاقتتلوا. و هو سهو.

21

قريب فيصرعونه فيقتلونه. فقال ابن سعد أحرقوها بالنار فأضرموا فيها فقال الحسين(ع)دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم فكان كما قال(ع)و قيل أتاه شبث بن ربعي و قال أفزعنا النساء ثكلتك أمك فاستحيا و أخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد و شد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد و الاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم و يقتل من أصحاب عمر العشرة فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.

فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين(ع)يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك و لا و الله لا تقتل حتى أقتل دونك و أحب أن ألقى الله ربي و قد صليت هذه الصلاة فرفع الحسين رأسه إلى السماء و قال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي فقال الحصين بن نمير إنها لا تقبل فقال حبيب بن مظاهر لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله و تقبل منك يا ختار فحمل عليه حصين بن نمير و حمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب‏

(1)

به الفرس و وقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه فقال الحسين(ع)لزهير بن القين و سعيد بن عبد الله تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف. و روي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين(ع)يمينا و شمالا قام بين يديه فما زال يرمى به حتى سقط إلى الأرض و هو يقول اللهم العنهم لعن عاد و ثمود اللهم أبلغ نبيك السلام عني و أبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ثم مات (رضوان اللّه عليه) فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف و طعن الرماح.

____________

(1) شب الفرس شبابا- بالكسر- رفع يديه و قمص و حرن.

22

و قال ابن نما و قيل صلى الحسين(ع)و أصحابه فرادى بالإيماء ثم قالوا ثم خرج عبد الرحمن بن عبد الله اليزني و هو يقول‏

أنا ابن عبد الله من آل يزن‏* * * ديني على دين حسين و حسن‏

أضربكم ضرب فتى من اليمن‏* * * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن‏

ثم حمل فقاتل حتى قتل.

و قال السيد فخرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين(ع)فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء و بالغ في خدمة سلطان السماء حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد و جمع بين سداد و جهاد و كان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده و لا سيف إلا تلقاه بمهجته فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح فالتفت إلى الحسين و قال يا ابن رسول الله أ وفيت قال نعم أنت أمامي في الجنة فأقرئ رسول الله مني السلام و أعلمه أني في الأثر فقاتل حتى قتل (رضوان اللّه عليه).

و في المناقب أنه كان يقول‏

قد علمت كتيبة الأنصار* * * أن سوف أحمي حوزة الذمار

ضرب غلام غير نكس شاري‏* * * دون حسين مهجتي و داري‏

و قال السيد ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري و كان عبدا أسود فقال له الحسين أنت في إذن مني فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقنا فقال يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم و في الشدة أخذلكم و الله إن ريحي لمنتن و إن حسبي للئيم و لوني لأسود فتنفس علي بالجنة فتطيب ريحي و يشرف حسبي و يبيض وجهي لا و الله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم‏

(1)

.

و قال محمد بن أبي طالب ثم برز للقتال و هو ينشد و يقول‏

كيف يرى الكفار ضرب الأسود* * * بالسيف ضربا عن بني محمد

____________

(1) كتاب الملهوف(ص)94- 96

23

أذب عنهم باللسان و اليد* * * أرجو به الجنة يوم المورد

ثم قاتل حتى قتل فوقف عليه الحسين(ع)و قال اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهَهُ وَ طَيِّبْ رِيحَهُ وَ احْشُرْهُ مَعَ الْأَبْرَارِ وَ عَرِّفْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ.

وَ رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَعْرَكَةَ وَ يَدْفِنُونَ الْقَتْلَى- فَوَجَدُوا جَوْناً بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ- يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ (رضوان اللّه عليه).

و قال صاحب المناقب كان رجزه هكذا

كيف يرى الفجار ضرب الأسود* * * بالمشرفي القاطع المهند

بالسيف صلتا عن بني محمد* * * أذب عنهم باللسان و اليد

أرجو بذلك الفوز عند المورد* * * من الإله الأحد الموحد

إذ لا شفيع عنده كأحمد

و قال السيد ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسين(ع)يا أبا عبد الله قد هممت أن ألحق بأصحابي و كرهت أن أتخلف و أراك وحيدا من أهلك قتيلا فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ تَقَدَّمْ فَإِنَّا لَاحِقُونَ بِكَ عَنْ سَاعَةٍ فتقدم فقاتل حتى قتل.

قال و جاء حنظلة بن سعد الشبامي‏

(1)

فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام و الرماح و السيوف بوجهه و نحره و أخذ ينادي‏

يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ‏

يا قوم لا تقتلوا حسينا

فَيُسْحِتَكُمْ‏

الله‏

بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى‏ (2)

.

و في المناقب فقال له الحسين يَا ابْنَ سَعْدٍ إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ حِينَ رَدُّوا عَلَيْكَ مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَ نَهَضُوا إِلَيْكَ يَشْتِمُونَكَ وَ أَصْحَابَكَ فَكَيْفَ‏

____________

(1) في الأصل الشاميّ و هو سهو و الصحيح ما في الصلب كما في الطبريّ ج 6(ص)254 و الشبام بطن من همدان.

(2) الملهوف(ص)96 و 97.

24

بِهِمُ الْآنَ وَ قَدْ قَتَلُوا إِخْوَانَكَ الصَّالِحِينَ قال صدقت جعلت فداك أ فلا نروح إلى ربنا فنلحق بإخواننا فقال له رُحْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ إِلَى‏

مُلْكٍ لا يَبْلى‏

فقال السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليك و على أهل بيتك و جمع بيننا و بينك في جنته قال آمين آمين ثم استقدم فقاتل قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه (رضوان اللّه عليه).

و قال السيد فتقدم سويد بن عمرو بن أبي المطاع و كان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل و بالغ في الصبر على الخطب النازل حتى سقط بين القتلى و قد أثخن بالجراح فلم يزل كذلك و ليس به حراك حتى سمعهم يقولون قتل الحسين فتحامل و أخرج سكينا من خفه و جعل يقاتل حتى قتل‏

(1)

.

و قال صاحب المناقب فخرج يحيى بن سليم المازني و هو يرتجز و يقول‏

لأضربن القوم ضربا فيصلا* * * ضربا شديدا في العداة معجلا

لا عاجزا فيها و لا مولولا* * * و لا أخاف اليوم موتا مقبلا

لكنني كالليث أحمي أشبلا

ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله).

ثم خرج من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري و هو يرتجز و يقول‏

قد علمت حقا بنو غفار* * * و خندف بعد بني نزار

بأني الليث لدى الغيار* * * لأضربن معشر الفجار

بكل عضب ذكر بتار* * * ضربا وجيعا عن بني الأخيار

رهط النبي السادة الأبرار

قال ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله).

و خرج من بعده مالك بن أنس المالكي و هو يرتجز و يقول‏

قد علمت مالكها و الدودان‏* * * و الخندفيون و قيس عيلان‏

بأن قومي آفة الأقران‏* * * لدى الوغى و سادة الفرسان‏

____________

(1) الملهوف(ص)98

25

مباشرو الموت بطعن آن‏* * * لسنا نرى العجز عن الطعان‏

آل علي شيعة الرحمن‏* * * آل زياد شيعة الشيطان‏

ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله) و قال ابن نما اسمه أنس بن حارث الكاهلي‏

(1)

و في المناقب ثم خرج من بعده عمرو بن مطاع الجعفي هو يقول‏

أنا ابن جعف و أبي مطاع‏* * * و في يميني مرهف قطاع‏

و أسمر في رأسه لماع‏* * * يرى له من ضوئه شعاع‏

اليوم قد طاب لنا القراع‏* * * دون حسين الضرب و السطاع‏

يرجى بذاك الفوز و الدفاع‏* * * عن حر نار حين لا انتفاع‏

ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله) و قالوا ثم خرج الحجاج بن مسروق و هو مؤذن الحسين(ع)و يقول‏

أقدم حسين هاديا مهديا* * * اليوم تلقى جدك النبيا

ثم أباك ذا الندا عليا* * * ذاك الذي نعرفه وصيا

و الحسن الخير الرضي الوليا* * * و ذا الجناحين الفتى الكميا

و أسد الله الشهيد الحيا

ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله).

ثم خرج من بعده زهير بن القين رضي الله عنه و هو يرتجز و يقول‏

أنا زهير و أنا ابن القين‏* * * أذودكم بالسيف عن حسين‏

إن حسينا أحد السبطين‏* * * من عترة البر التقي الزين‏

ذاك رسول الله غير المين‏* * * أضربكم و لا أرى من شين‏

يا ليت نفسي قسمت قسمين

و قال محمد بن أبي طالب فقاتل حتى قتل مائة و عشرين رجلا فشد عليه كثير بن‏

____________

(1) قد مر في ج 44(ص)320 نقلا عن أمالي الصدوق أنّه مالك بن أنس الكاهليّ و أنّه كان يقول: «قد علمت كاهلها و دودان» و ما ذكره ابن نما هو الصحيح كما عنونه في الإصابة و قال: له و لابيه صحبة.

26

عبد الله الشعبي و مهاجر بن أوس التميمي فقتلاه فقال الحسين(ع)حين صرع زهير لا يبعدك الله يا زهير و لعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة و خنازير.

ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي و هو يرتجز

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا* * * و شيخك الحبر عليا ذا الندا

و حسنا كالبدر وافى الأسعدا* * * و عمك القوم الهمام الأرشدا

حمزة ليث الله يدعى أسدا* * * و ذا الجناحين تبوأ مقعدا

في جنة الفردوس يعلو صعدا

و قال في المناقب و قيل بل القائل لهذه الأبيات هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع قال فلم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي و هو يقول‏

أنا حبيب و أبي مظهر* * * فارس هيجاء و حرب تسعر

و أنتم عند العديد أكثر* * * و نحن أعلى حجة و أظهر

و أنتم عند الوفاء أغدر* * * و نحن أوفى منكم و أصبر

حقا و أنمى منكم و أعذر

(1)

و قاتل قتالا شديدا و قال أيضا

أقسم لو كنا لكم أعدادا* * * أو شطركم وليتم الأكتادا (2)

يا شر قوم حسبا و آدا* * * و شرهم قد علموا أندادا

ثم حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع و نزل التميمي فاجتز رأسه فهد مقتله الحسين‏

____________

(1) كذا في النسخ و الصحيح ما نقله الطبريّ عن أبي مخنف بتقديم و تاخير هكذا:

أنتم أعد عدة و أكثر* * * و نحن أوفى منكم و أصبر

و نحن اعلى حجة و أظهر* * * حقا و اتقى منكم و اعذر

(2) الكتد مثل الكتف: مجتمع الكتفين من الإنسان و الآد: القوّة كالايد. منه (رحمه الله).

27

ع فقال عند الله أحتسب نفسي و حماة أصحابي و قيل بل قتله رجل يقال له بديل بن صريم و أخذ رأسه فعلقه في عنق فرسه فلما دخل مكة

(1)

رآه ابن حبيب و هو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله و أخذ رأسه.

و قال محمد بن أبي طالب فقتل اثنين و ستين رجلا فقتله الحصين بن نمير و علق رأسه في عنق فرسه.

ثم برز هلال بن نافع البجلي و هو يقول‏

أرمي بها معلمة أفواقها* * * و النفس لا ينفعها إشفاقها

مسمومة تجري بها أخفاقها* * * ليملأن أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه ثم ضرب يده إلى سيفه فاستله و جعل يقول‏

أنا الغلام اليمني البجلي‏* * * ديني على دين حسين و علي‏

إن أقتل اليوم فهذا أملي‏* * * فذاك رأيي و ألاقي عملي‏

فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه و أخذ أسيرا فقام إليه شمر فضرب عنقه.

قال ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة و كانت أمه معه فقالت له أمه اخرج يا بني و قاتل بين يدي ابن رسول الله فخرج فقال الحسين هذا شاب قتل أبوه و لعل أمه تكره خروجه فقال الشاب أمي أمرتني بذلك فبرز و هو يقول‏

أميري حسين و نعم الأمير* * * سرور فؤاد البشير النذير

علي و فاطمة والداه‏* * * فهل تعلمون له من نظير

له طلعة مثل شمس الضحى‏* * * له غرة مثل بدر منير

____________

(1) كذا في النسخ و لا ريب انه مصحف «الكوفة» قال الطبريّ نقلا عن أبي مخنف ان بديل بن صريم أخذ رأس حبيب و أقبل به الى ابى زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب و هو يومئذ مراهق فلزمه كلما دخل دخل معه و إذا خرج خرج معه ليجد منه غرة فيقتله فلم يجد الى ذلك سبيلا حتّى إذا كان زمان مصعب فدخل عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه يوما و هو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتّى برد. انتهى باختصار.

28

و قاتل حتى قتل و جز رأسه و رمي به إلى عسكر الحسين(ع)فحملت أمه رأسه و قالت أحسنت يا بني يا سرور قلبي و يا قرة عيني ثم رمت برأس ابنها رجلا فقتلته و أخذت عمود خيمته و حملت عليهم و هي تقول‏

أنا عجوز سيدي ضعيفة* * * خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة* * * دون بني فاطمة الشريفة

و ضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين(ع)بصرفها و دعا لها.

و في المناقب ثم خرج جنادة بن الحارث الأنصاري و هو يقول‏

أنا جناد و أنا ابن الحارث‏* * * لست بخوار و لا بناكث‏

عن بيعتي حتى يرثني وارث‏* * * اليوم شلوي في الصعيد ماكث‏

قال ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه الله).

قال ثم خرج من بعده عمرو بن جنادة و هو يقول‏

أضق الخناق من ابن هند و ارمه‏* * * من عامه بفوارس الأنصار

و مهاجرين مخضبين رماحهم‏* * * تحت العجاجة من دم الكفار

خضبت على عهد النبي محمد* * * فاليوم تخضب من دم الفجار

و اليوم تخضب من دماء أراذل‏* * * رفضوا القرآن لنصرة الأشرار

طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا* * * بالمرهفات و بالقنا الخطار

و الله ربي لا أزال مضاربا* * * في الفاسقين بمرهف بتار

هذا على الأزدي حق واجب‏* * * في كل يوم تعانق و كرار

قال ثم خرج عبد الرحمن بن عروة فقال‏

قد علمت حقا بنو غفار* * * و خندف بعد بني نزار

لنضر بن معشر الفجار* * * بكل عضب ذكر بتار

يا قوم ذودوا عن بني الأخيار* * * بالمشرفي و القنا الخطار

ثم قاتل حتى قتل (رحمه الله).

و قال محمد بن أبي طالب و جاء عابس بن أبي شبيب الشاكري معه شوذب مولى‏

29

شاكر و قال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل حتى أقتل قال ذاك الظن بك فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه فإنه لا عمل بعد اليوم و إنما هو الحساب. فتقدم فسلم على الحسين(ع)و قال يا أبا عبد الله أما و الله ما أمسى على وجه الأرض قريب و لا بعيد أعز علي و لا أحب إلي منك و لو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشي‏ء أعز علي من نفسي و دمي لفعلت السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك و هدى أبيك ثم مضى بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم فلما رأيته مقبلا عرفته و قد كنت شاهدته في المغازي و كان أشجع الناس فقلت أيها الناس هذا أسد الأسود هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم فأخذ ينادي أ لا رجل أ لا رجل.

فقال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة من كل جانب فلما رأى ذلك ألقى درعه و مغفره ثم شد على الناس فو الله لقد رأيت يطرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول أنا قتلته و الآخر يقول كذلك فقال عمر بن سعد لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد حتى فرق بينهم بهذا القول.

ثم جاءه عبد الله و عبد الرحمن الغفاريان فقالا يا أبا عبد الله السلام عليك إنه جئنا لنقتل بين يديك و ندفع عنك- فقال مَرْحَباً بِكُمَا ادْنُوَا مِنِّي فَدَنَوَا مِنْهُ وَ هُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ يَا ابْنَيْ أَخِي مَا يُبْكِيكُمَا فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَا بَعْدَ سَاعَةٍ قَرِيرَيِ الْعَيْنِ فَقَالا جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاكَ وَ اللَّهِ مَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَبْكِي وَ لَكِنْ نَبْكِي عَلَيْكَ نَرَاكَ قَدْ أُحِيطَ بِكَ وَ لَا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نَنْفَعَكَ فَقَالَ جَزَاكُمَا اللَّهُ يَا ابْنَيْ أَخِي بِوُجْدِكُمَا مِنْ ذَلِكَ وَ مُوَاسَاتِكُمَا إِيَّايَ بِأَنْفُسِكُمَا أَحْسَنَ جَزَاءِ الْمُتَّقِينَ ثُمَّ اسْتَقْدَمَا وَ قَالا السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ وَ عَلَيْكُمَا السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فقاتلا حتى قتلا.

30

قال ثم خرج غلام تركي كان للحسين(ع)و كان قارئا للقرآن فجعل يقاتل و يرتجز و يقول‏

البحر من طعني و ضربي يصطلي‏* * * و الجو من سهمي و نبلي يمتلي‏

إذا حسامي في يميني ينجلي‏* * * ينشق قلب الحاسد المبجل‏

فقتل جماعة ثم سقط صريعا فجاءه الحسين(ع)فبكى و وضع خده على خده ففتح عينه فرأى الحسين(ع)فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه.

قال ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم و كان كلما رمى- قال الحسين(ع)اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَ اجْعَلْ ثَوَابَهُ الْجَنَّةَ فحملوا عليه فقتلوه.

و قال ابن نما حدث مهران مولى بني كاهل قال شهدت كربلاء مع الحسين(ع)فرأيت رجلا يقاتل قتالا شديدا شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين(ع)و يرتجز و يقول‏

أبشر هديت الرشد تلقى أحمدا* * * في جنة الفردوس تعلو صعدا

فقلت من هذا فقالوا أبو عمرو النهشلي و قيل الخثعمي فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله و اجتز رأسه و كان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة.

و خرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب و صار مع الحسين(ع)و هو يقول‏

أنا يزيد و أبي المهاجر* * * كأنني ليث بغيل خادر (1)

____________

(1) ضبطه ابن شهرآشوب في المناقب ج 4(ص)103 «يزيد بن مهاصر» و الصدوق فيما مر عن الأمالي ج 44(ص)320 «زياد بن مهاصر».

و قال الطبريّ: هو يزيد بن زياد كان مع ابن سعد، فلما ردوا الشروط على الحسين صار معه ثمّ ذكر رميته و أنّه قال بعد ما قام: لقد تبين لي انى قتلت منهم خمسة.

و الغيل: الاجمة موضع الأسد، و الخادر: الكامن.

31

يا رب إني للحسين ناصر* * * و لابن سعد تارك و هاجر

و كان يكنى أبا الشعشاء من بني بهدلة من كندة.

قال و جاء رجل فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار تردها الساعة- قال بَلْ أَبْشِرْ بِرَبٍّ رَحِيمٍ وَ شَفِيعٍ مُطَاعٍ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ كَاذِباً فَخُذْهُ إِلَى النَّارِ وَ اجْعَلْهُ الْيَوْمَ آيَةً لِأَصْحَابِهِ فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به و ثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه و وقعت مذاكيره في الأرض فو الله لقد عجبت من سرعة دعائه.

ثم جاء آخر فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار- قال أَبْشِرْ بِرَبٍّ رَحِيمٍ وَ شَفِيعٍ مُطَاعٍ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ قَالَ الْحُسَيْنُ(ع)اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَأَيْتُ كَأَنَّ كَلْباً أَبْقَعَ يَلَغُ فِي دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي وَ قَالَ الْحُسَيْنُ رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً تَنْهَشُنِي وَ كَأَنَّ فِيهَا كَلْباً أَبْقَعَ كَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيَّ وَ هُوَ أَنْتَ وَ كَانَ أَبْرَصَ.

وَ نَقَلْتُ مِنَ التِّرْمِذِيِّ قِيلَ لِلصَّادِقِ(ع)كَمْ تَتَأَخَّرُ الرُّؤْيَا- فَذَكَرَ مَنَامَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَكَانَ التَّأْوِيلُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً.

و تقدم سيف بن أبي الحارث بن سريع و مالك بن عبد الله بن سريع الجابريان بطن من همدان يقال لهم بنو جابر أمام الحسين(ع)ثم التقيا فقالا عليك السلام يا ابن رسول الله فقال عليكما السلام ثم قاتلا حتى قتلا.

ثم قال محمد بن أبي طالب و غيره و كان يأتي الحسين(ع)الرجل بعد الرجل فيقول السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين و يقول و عليك السلام و نحن خلفك ثم يقرأ

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ

حتى قتلوا عن آخرهم (رضوان اللّه عليهم) و لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته.

و هكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه و موته على حياته في سبيل الله و ينصر الحق و إن قتل قال سبحانه‏

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (1)

.

____________

(1) آل عمران: 169.

32

و لما وقف رسول الله(ص)على شهداء أحد و فيهم حمزة (رضوان اللّه عليه) و قال أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَماً فَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَ الرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.

و لما قتل أصحاب الحسين و لم يبق إلا أهل بيته و هم ولد علي و ولد جعفر و ولد عقيل و ولد الحسن و ولده(ع)اجتمعوا يودع بعضهم بعضا و عزموا على الحرب فأول من برز من أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب و هو يرتجز و يقول‏

اليوم ألقى مسلما و هو أبي‏* * * و فتية بادوا على دين النبي‏

ليسوا بقوم عرفوا بالكذب‏* * * لكن خيار و كرام النسب‏

من هاشم السادات أهل الحسب

و قال محمد بن أبي طالب فقاتل حتى قتل ثمانية و تسعين رجلا في ثلاث حملات ثم قتله عمرو بن صبيح الصيداوي و أسد بن مالك.

و قال أبو الفرج عبد الله بن مسلم أمه رقية بنت علي بن أبي طالب(ع)قتله عمرو بن صبيح فيما ذكرناه عن المدائني و عن حميد بن مسلم و ذكر أن السهم أصابه و هو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته و جبهته و محمد بن مسلم بن عقيل أمه أم ولد قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي(ع)أبو جرهم الأزدي و لقيط بن إياس الجهني‏

(1)

.

و قال محمد بن أبي طالب و غيره ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل و هو يرتجز و يقول‏

أنا الغلام الأبطحي الطالبي‏* * * من معشر في هاشم و غالب‏

و نحن حقا سادة الذوائب‏* * * هذا حسين أطيب الأطايب‏

من عترة البر التقي العاقب

____________

(1) مقاتل الطالبيين(ص)66 و 67.

33

فقتل خمسة عشر فارسا و قال ابن شهرآشوب و قيل قتل رجلين ثم قتله بشر بن سوط الهمداني‏

(1)

و قال أبو الفرج أمه أم الثغر بنت عامر العامري قتله عروة بن عبد الله الخثعمي فيما رويناه عن أبي جعفر الباقر(ع)و عن حميد بن مسلم.

و قالوا ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل و هو يقول‏

أبي عقيل فاعرفوا مكاني‏* * * من هاشم و هاشم إخواني‏

كهول صدق سادة الأقران‏* * * هذا حسين شامخ البنيان‏

و سيد الشيب مع الشبان

فقتل سبعة عشر فارسا ثم قتله عثمان بن خالد الجهني.

و قال أبو الفرج و عبد الله بن عقيل بن أبي طالب أمه أم ولد و قتله عثمان بن خالد بن أشيم الجهني و بشر بن حوط القابضي فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم و عبد الله الأكبر بن عقيل أمه أم ولد قتله فيما ذكر المدائني عثمان بن خالد الجهني و رجل من همدان و لم يذكر عبد الرحمن أصلا.

ثم قال و محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب الأحول و أمه أم ولد قتله لقيط بن ياسر الجهني رماه بسهم-

فيما رويناه عن المدائني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم‏

و ذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل و وصف أنه قد سمع أيضا من يذكر أنه قد قتل يوم الحرة.

و قال أبو الفرج ما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا و ذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أن علي بن عقيل و أمه أم ولد قتل يومئذ

(2)

.

____________

(1) راجع المناقب ج 4(ص)105، و فيه فقتل رجلين، و في قول خمسة عشر فارسا قتله بشر بن سوط الهمدانيّ، و سيجي‏ء أن الرجل بشر بن حوط القابضى، و قابض بن زيد:

بطن من همدان.

(2) مقاتل الطالبيين(ص)65- 67.

34

ثم قالوا و خرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و هو يقول‏

نشكو إلى الله من العدوان‏* * * قتال قوم في الردى عميان‏

قد تركوا معالم القرآن‏* * * و محكم التنزيل و التبيان‏

و أظهروا الكفر مع الطغيان

ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس ثم قتله عامر بن نهشل التميمي.

ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر و هو يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن جعفر* * * شهيد صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر* * * كفى بهذا شرفا في المحشر

ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس و ثمانية عشر راجلا ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي.

قال أبو الفرج بعد ذكر قتل محمد و عون و إن عونا قتله عبد الله بن قطنة التيهاني‏

(1)

و عبيد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ذكر يحيى بن الحسن فيما أخبرني به أحمد بن سعيد عنه أنه قتل مع الحسين(ع)بالطف.

ثم قال أبو الفرج و محمد بن أبي طالب و غيرهما ثم خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)و في أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن(ع)و هو غلام صغير لم يبلغ الحلم فلما نظر الحسين إليه قد برز اعتنقه و جعلا يبكيان حتى غشي عليهما ثم استأذن الحسين(ع)في المبارزة فأبى الحسين أن يأذن له فلم يزل الغلام يقبل يديه و رجليه حتى أذن له فخرج و دموعه تسيل على خديه و هو يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن الحسن‏ (2)* * * سبط النبي المصطفى و المؤتمن‏

هذا حسين كالأسير المرتهن‏* * * بين أناس لا سقوا صوب المزن‏

____________

(1) و هكذا في المناقب لابن شهرآشوب ج 4(ص)106 عبد اللّه بن قطنة الطائى و قد يقال عبد اللّه بن قطبة البتهانى، و أظنه التينانى بطن من بجيلة من القحطانية أو هو النبهانى: أبو حى.

(2) في المناقب: ان تنكرونى فأنا فرع الحسن و هو أوفق بالوزن.

35

و كان وجهه كفلقة القمر فقاتل قتالا شديدا حتى قتل على صغره خمسة و ثلاثين رجلا قال حميد كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص و إزار و نعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنه كان اليسرى فقال عمرو بن سعد الأزدي و الله لأشدن عليه فقلت سبحان الله و ما تريد بذلك و الله لو ضربني ما بسطت إليه يدي يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه قال و الله لأفعلن فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف و وقع الغلام لوجهه و نادى يا عماه.

قال فجاء الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف و شد شدة الليث الحرب فضرب عمرا قاتله بالسيف فاتقاه بيده فأطنها من المرفق فصاح ثم تنحى عنه و حملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من الحسين فاستقبلته بصدورها و جرحته بحوافرها و وطئته حتى مات الغلام‏

(1)

فانجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام و هو يفحص برجله فقال الحسين يَعَزُّ وَ اللَّهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبَكَ أَوْ يُجِيبَكَ فَلَا يُعِينَكَ أَوْ يُعِينَكَ فَلَا يُغْنِي عَنْكَ بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ.

____________

(1) قد اقتحم هاهنا لفظ [الغلام‏] و هو سهو ظاهر، يخالف نسخة المقاتل و الإرشاد و مناقب ابن شهرآشوب، و يخالف لفظ الكتاب أيضا، حيث يقول بعده «و هو يفحص برجله» فانما يفحص برجله: اي يجود بنفسه، الذي لم يمت بعد، خصوصا مع مخاطبة الحسين (عليه السلام) له بقوله: «يعزّ و اللّه على عمك» الخ. فالمائت تحت حوافر الخيل و سنابكها عدو اللّه عمرو بن سعد بن نفيل الأزديّ لا (رحمه الله)، و لكن عبارة المصنّف (رحمه الله) يفيد أنه هو القاسم بن الحسن.

أما نسخة المقاتل ففيه: فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها من لدن المرفق ثمّ تنحى عنه و حملت خيل عمر بن سعد لتستنقذه من الحسين فلما حملت الخيل استقبلته بصدورها و جالت فتوطأته فلم يرم حتّى مات لعنه اللّه و أخزاه، فلما تجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام و هو يفحص برجله و حسين يقول الخبر. و قد يظهر أن لفظ [الغلام‏] كان في نسخة المصنّف مصحفا عن كلمة [لعنه اللّه‏] التي تكتب هكذا «لعل».

راجع مقاتل الطالبيين(ص)62، الإرشاد(ص)223 و 224، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 4(ص)106 و 107.

36

ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض و قد وضع صدره على صدره فقلت في نفسي ما يصنع فجاء حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.

ثم قال اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً وَ اقْتُلْهُمْ بَدَداً وَ لَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً وَ لَا تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً صَبْراً يَا بَنِي عُمُومَتِي صَبْراً يَا أَهْلَ بَيْتِي لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَبَداً ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا و هو الأصح أنه برز بعد القاسم و هو يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن حيدرة* * * ضرغام آجام و ليث قسورة

على الأعادي مثل ريح صرصرة

فقتل أربعة عشر رجلا ثم قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي فاسود وجهه قَالَ أَبُو الْفَرَجِ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ(ع)يَذْكُرُ- أَنَّ حَرْمَلَةَ بْنَ كَاهِلٍ الْأَسَدِيَّ قَتَلَهُ و روي عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله.

ثم قال و أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب و أمه أم ولد-

ذكر المدائني في إسنادنا عنه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد

أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله-

و في حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر(ع)

أن عقبة الغنوي قتله‏

(1)

.

قالوا ثم تقدمت إخوة الحسين عازمين على أن يموتوا دونه فأول من خرج منهم أبو بكر بن علي و اسمه عبيد الله و أمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميمية فتقدم و هو يرتجز

شيخي علي ذو الفخار الأطول‏* * * من هاشم الصدق الكريم المفضل‏

هذا حسين بن النبي المرسل‏* * * عنه نحامي بالحسام المصقل‏

تفديه نفسي من أخ مبجل

فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر النخعي و قيل عبيد الله بن عقبة الغنوي قال‏

____________

(1) المصدر(ص)61.

37

أبو الفرج لا يعرف اسمه و ذكر أبو جعفر الباقر(ع)في الإسناد الذي تقدم أن رجلا من همدان قتله و ذكر المدائني أنه وجد في ساقية مقتولا لا يدرى من قتله.

قالوا ثم برز من بعده أخوه عمر بن علي و هو يقول‏

أضربكم و لا أرى فيكم زحر* * * ذاك الشقي بالنبي قد كفر

يا زحر يا زحر تدان من عمر* * * لعلك اليوم تبوأ من سقر

شر مكان في حريق و سعر* * * لأنك الجاحد يا شر البشر

ثم حمل على زحر قاتل أخيه فقتله و استقبل القوم و جعل يضرب بسيفه ضربا منكرا و هو يقول‏

خلوا عداه الله خلوا عن عمر* * * خلوا عن الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه و لا يفر* * * و ليس فيها كالجبان المنجحر

فلم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم برز من بعده أخوه عثمان بن علي و أمه أم البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب و هو يقول‏

إني أنا عثمان ذو المفاخر* * * شيخي علي ذو الفعال الظاهر

و ابن عم للنبي الطاهر* * * أخي حسين خيرة الأخاير

و سيد الكبار و الأصاغر* * * بعد الرسول و الوصي الناصر

فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جبينه فسقط عن فرسه و جز رأسه رجل من بني أبان بن حازم-

قال أبو الفرج قال يحيى بن الحسن عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن و عبد الله بن العباس قالا

قتل عثمان بن علي و هو ابن إحدى و عشرين سنة و قال الضحاك بإسناده إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأسقطه‏

(1)

و شد عليه رجل من بني أبان دارم و أخذ رأسه وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ع‏

____________

(1) في المصدر: فأوهطه، و هو الأصحّ: يقال أوهطه: أضعفه و أوهنه و أثخنه ضربا و قيل: صرعه صرعة لا يقوم منها.

38

أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَخِي عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ‏

(1)

أقول و لم يذكر أبو الفرج عمر بن علي في المقتولين يومئذ.

قالوا ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي و أمه أم البنين أيضا و هو يقول‏

إني أنا جعفر ذو المعالي‏* * * ابن علي الخير ذو النوال‏

حسبي بعمي شرفا و خالي‏* * * أحمي حسينا ذي الندى المفضال‏

ثم قاتل فرماه خولي الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينه.

ثم برز أخوه عبد الله بن علي و هو يقول‏

أنا ابن ذي النجدة و الإفضال‏* * * ذاك علي الخير ذو الفعال‏

سيف رسول الله ذو النكال‏* * * في كل قوم ظاهر الأهوال‏

فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي.

-

قال أبو الفرج حدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن و عبد الله بن العباس قالا

قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب(ع)و هو ابن خمس و عشرين سنة و لا عقب له و قتل جعفر بن علي و هو ابن تسع عشرة سنة-

حدثني أحمد بن عيسى عن حسين بن نصر عن أبيه عن عمر بن سعد عن أبي مخنف عن عبد الله بن عاصم عن ضحاك المشرقي‏ (2) قال‏

قال العباس بن علي لأخيه من أبيه و أمه عبد الله بن علي تقدم بين يدي حتى أراك و أحتسبك فإنه لا ولد لك فتقدم بين يديه و شد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله و بهذا الإسناد أن العباس بن علي قدم أخاه جعفرا بين يديه‏

(3)

فشد عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله-

وَ قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ‏

____________

(1) مقاتل الطالبيين(ص)58.

(2) قال الفيروزآبادي: و الضحّاك المشرقى تابعي أو صوابه كسر الميم و فتح الراء نسبة الى مشرق بطن من همدان، أقول: و مثله في المشتبه للذهبى(ص)485.

(3) زاد في المصدر: و هو لانه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن على ميراثه.

39

شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)

أَنَّ خَوْلِيَّ بْنَ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيَّ قَتَلَ جَعْفَرَ بْنَ عَلِيٍّ ع.

ثم قال و محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب و أمه أم ولد-

حدثني أحمد بن عيسى عن حسين بن نصر عن أبيه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر(ع)

و-

حدثني أحمد بن أبي شيبة عن أحمد بن الحارث عن المدائني‏

أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله (رضوان اللّه عليه).

قال و قد ذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب(ع)و أمه أم ولد و ما سمعت بهذا عن غيره و لا رأيت لإبراهيم في شي‏ء من كتب الأنساب ذكرا-

و ذكر يحيى بن الحسن أن أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدثه عن أبيه‏

أن عبيد الله بن علي قتل مع الحسين و هذا خطأ و إنما قتل عبيد الله يوم المذار قتله أصحاب المختار و قد رأيته بالمذار

(1)

.

و قال كان العباس بن علي يكنى أبا الفضل و أمه أم البنين أيضا و هو أكبر ولدها و هو آخر من قتل من إخوته لأبيه و أمه فحاز مواريثهم‏

(2)

ثم تقدم فقتل فورثهم و إياه عبيد الله و نازعه في ذلك عمه عمر بن علي فصولح على شي‏ء أرضي به.

و كان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهم و رجلاه يخطان في الأرض و كان يقال له قمر بني هاشم و كان لواء الحسين(ع)معه-

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ:

عَبَّأَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَصْحَابَهُ فَأَعْطَى رَايَتَهُ‏

____________

(1) المذار- كسحاب- بلد بين واسط و البصرة، و بها كانت يوم لمصعب بن الزبير على أحمر بن شميط البجليّ، راجع أيّام العرب في الإسلام للميدانى بذيل مجمع الامثال ج 2(ص)447.

(2) في المصدر: لانه كان له عقب، و لم يكن لهم؛ فقدمهم بين يديه فقتلوا جميعا فحاز مواريثهم.

40

أَخَاهُ الْعَبَّاسَ-

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى عَنْ حُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

أَنَّ زَيْدَ بْنَ رُقَادٍ وَ حَكِيمَ بْنَ الطُّفَيْلِ الطَّائِيَّ- قَتَلَا الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ(ع) وَ كَانَتْ أُمُّ الْبَنِينِ أُمَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْإِخْوَةِ الْقَتْلَى- تَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ فَتَنْدُبُ بَنِيهَا أَشْجَى نُدْبَةٍ وَ أَحْرَقَهَا- فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا- فَكَانَ مَرْوَانُ يَجِي‏ءُ فِيمَنْ يَجِي‏ءُ لِذَلِكَ- فَلَا يَزَالُ يَسْمَعُ نُدْبَتَهَا وَ يَبْكِي-

ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)(1)

.

قالوا و كان العباس السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين(ع)و هو أكبر الإخوان مضى يطلب الماء فحملوا عليه و حمل عليهم و جعل يقول‏

لا أرهب الموت إذا الموت رقا (2)* * * حتى أواري في المصاليت لقى‏

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا* * * إني أنا العباس أغدو بالسقا

و لا أخاف الشر يوم الملتقى

ففرقهم فكمن له زيد بن ورقاء

(3)

من وراء نخلة و عاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله و حمل و هو يرتجز

و الله إن قطعتم يميني‏* * * إني أحامي أبدا عن ديني‏

و عن إمام صادق اليقين‏* * * نجل النبي الطاهر الأمين‏

فقاتل حتى ضعف فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال‏

يا نفس لا تخشي من الكفار* * * و أبشري برحمة الجبار

____________

(1) مقاتل الطالبيين(ص)59. (2) في بعض النسخ «زقا» أي صاح، كانت العرب تزعم ان روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتزقو عند قبره تقول: اسقونى اسقونى، فإذا أدرك بثأره طارت. (3) هكذا في نسخة الإرشاد(ص)225 و مناقب آل أبي طالب ج 4(ص)108، و قد مر عن المقاتل أنّه زيد بن رقاد فتحرر

41

مع النبي السيد المختار* * * قد قطعوا ببغيهم يساري‏

فأصلهم يا رب حر النار

فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله فلما رآه الحسين(ع)صريعا على شاطئ الفرات بكى و أنشأ يقول‏

تعديتم يا شر قوم ببغيكم‏* * * و خالفتم دين النبي محمد

أ ما كان خير الرسل أوصاكم بنا* * * أ ما نحن من نجل النبي المسدد

أ ما كانت الزهراء أمي دونكم‏* * * أ ما كان من خير البرية أحمد

لعنتم و أخزيتم بما قد جنيتم‏* * * فسوف تلاقوا حر نار توقد

أقول و في بعض تأليفات أصحابنا أن العباس لما رأى وحدته(ع)أتى أخاه و قال يا أخي هل من رخصة فبكى الحسين(ع)بكاء شديدا ثم قال يا أَخِي أَنْتَ صَاحِبُ لِوَائِي وَ إِذَا مَضَيْتَ تَفَرَّقَ عَسْكَرِي‏

(1)

فَقَالَ الْعَبَّاسُ قَدْ ضَاقَ صَدْرِي وَ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَ أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ ثَأْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ.

فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)فَاطْلُبْ لِهَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ فذهب العباس و وعظهم و حذرهم فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الأطفال ينادون العطش العطش فركب فرسه و أخذ رمحه و القربة و قصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات و رموه بالنبال فكشفهم و قتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء.

فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين و أهل بيته فرمى الماء و ملأ القربة

(2)

و حملها على كتفه الأيمن و توجه نحو الخيمة فقطعوا عليه‏

____________

(1) هذه رواية مرسلة عن كتاب مجهول، يخالف كل المقاتل. فان أصحاب الحسين (عليه السلام) كلهم قد تفانوا دون أهل بيته، و كان العباس (عليه السلام) آخر المستشهدين مع أخيه الحسين فلم يكن هناك عسكر! حتى يقول الحسين: إذا مضيت تفرق عسكرى.

(2) و قال على ما روى:

يا نفس من بعد الحسين هونى‏* * * و بعده لا كنت ان تكونى‏

هذا الحسين وارد المنون‏* * * و تشربين بارد المعين‏

تاللّه ما هذا فعال دينى

42

الطريق و أحاطوا به من كل جانب فحاربهم حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها فحمل القربة على كتفه الأيسر فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة و أريق ماؤها ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره فانقلب عن فرسه و صاح إلى أخيه الحسين أدركني فلما أتاه رآه صريعا فبكى و حمله إلى الخيمة.

ثم قالوا و لما قتل العباس قال الحسين(ع)الْآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي وَ قَلَّتْ حِيلَتِي.

قال ابن شهرآشوب ثم برز القاسم بن الحسين‏

(1)

و هو يرتجز و يقول‏

إن تنكروني فأنا ابن حيدرة* * * ضرغام آجام و ليث قسورة

على الأعادي مثل ريح صرصرة* * * أكيلكم بالسيف كيل السندرة (2)

و ذكر هذا بعد أن ذكر القاسم بن الحسن سابقا و فيه غرابة

(3)

.

قالوا ثم تقدم علي بن الحسين(ع)و قال محمد بن أبي طالب و أبو الفرج و أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي و هو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة و قال ابن شهرآشوب و يقال ابن خمس و عشرين سنة

(4)

.

قالوا و رفع الحسين سبابته نحو السماء

(5)

و قال اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَى هَؤُلَاءِ

____________

(1) القاسم بن الحسن خ ل.

(2) قد مر في ما سبق أن هذا الرجز لعبد اللّه بن الحسن.

(3) و الظاهر أنّه أراد القاسم بن الحسن (عليه السلام) و انما كرره لاختلاف الرواية في ترتيب الشهداء، و هكذا في رجزه، قال في ج 4(ص)106: ثم برز أخوه- يعنى عبد اللّه بن الحسن- القاسم و عليه ثوب و ازار و نعلان فقط و كأنّه فلقة قمر، و أنشأ يقول:

انى أنا القاسم من نسل على‏* * * نحن و بيت اللّه أولى بالنبى‏

من شمر ذى الجوشن أو ابن الدعى

(4) مناقب آل أبي طالب ج 4(ص)109، مقاتل الطالبيين(ص)55 و 56.

(5) شيبته خ ل.

43

الْقَوْمِ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَ خُلُقاً وَ مَنْطِقاً بِرَسُولِكَ كُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَى وَجْهِهِ اللَّهُمَّ امْنَعْهُمْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ وَ فَرِّقْهُمْ تَفْرِيقاً وَ مَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً وَ اجْعَلْهُمْ طَرَائِقَ قِدَداً وَ لَا تُرْضِ الْوُلَاةَ عَنْهُمْ أَبَداً فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصُرُونَا ثُمَّ عَدَوْا عَلَيْنَا يُقَاتِلُونَنَا.

ثُمَّ صَاحَ الْحُسَيْنُ بِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ مَا لَكَ قَطَعَ اللَّهُ رَحِمَكَ وَ لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَمْرِكَ وَ سَلَّطَ عَلَيْكَ مَنْ يَذْبَحُكَ بَعْدِي عَلَى فِرَاشِكَ كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي وَ لَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)ثُمَّ رَفَعَ الْحُسَيْنُ(ع)صَوْتَهُ وَ تَلَا

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ- ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏

ثم حمل علي بن الحسين على القوم و هو يقول‏

أنا علي بن الحسين بن علي‏* * * من عصبة جد أبيهم النبي‏

و الله لا يحكم فينا ابن الدعي‏* * * أطعنكم بالرمح حتى ينثني‏

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي‏* * * ضرب غلام هاشمي علوي‏

فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم و روي أنه قتل على عطشه مائة و عشرين رجلا ثم رجع إلى أبيه و قد أصابته جراحات كثيرة فقال يا أبه العطش قد قتلني و ثقل الحديد أجهدني فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء فبكى الحسين(ع)و قال يا بني يعز على محمد و على علي بن أبي طالب و علي أن تدعوهم فلا يجيبوك و تستغيث بهم فلا يغيثوك يا بني هات لسانك فأخذ بلسانه فمصه و دفع إليه خاتمه و قال امسكه في فيك و ارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا فرجع إلى القتال و هو يقول‏

الحرب قد بانت لها الحقائق‏* * * و ظهرت من بعدها مصادق‏

و الله رب العرش لا نفارق‏* * * جموعكم أو تغمد البوارق‏

44

فلم يزل قتل تمام المائتين ثم ضربه منقذ بن مرة العبدي‏

(1)

على مفرق رأسه ضربة صرعته و ضربه الناس بأسيافهم ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إربا إربا.

فلما بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته يا أبتاه هذا جدي رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا و هو يقول العجل العجل فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة فصاح الحسين(ع)و قال قَتَلَ اللَّهُ قَوْماً قَتَلُوكَ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الرَّحْمَنِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَا.

قال حميد بن مسلم فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل و الثبور و تقول يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه فسألت عنها فقيل هي زينب بنت علي(ع)و جاءت و انكبت عليه فجاء الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط و أقبل(ع)بفتيانه و قال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.

و قال المفيد و ابن نما بعد ذلك ثم رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه و نفذ إلى جبهته فسمّرها به فلم يستطع تحريكها ثم انحنى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله.

و حمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله و حمل عامر بن نهشل التميمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله و شد عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتله‏

(2)

.

____________

(1) كذا في الأصل و نقل عن مقتل العوالم(ص)95 أيضا و لكن المشهور كما في الطبريّ ج 6(ص)625 مرة بن منقذ بن النعمان العبدى ثمّ الليثى و هكذا ابن الأثير ج 4(ص)30، الاخبار الطوال(ص)254، مقاتل الطالبيين(ص)84 و غير ذلك.

(2) الإرشاد(ص)223.

45

-

وَ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمَقَاتِلِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)

أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ وُلْدِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ الْحُسَيْنِ ابْنُهُ عَلِيٌّ-

وَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:

لَمَّا بَرَزَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنَ إِلَيْهِمْ- أَرْخَى الْحُسَيْنُ(ع)عَيْنَيْهِ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ- اللَّهُمَّ فَكُنْ أَنْتَ الشَّهِيدَ عَلَيْهِمْ- فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ الْخَلْقِ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص) فَجَعَلَ يَشُدُّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَبِيهِ فَيَقُولُ- يَا أَبَهْ الْعَطَشَ فَيَقُولُ لَهُ الْحُسَيْنُ اصْبِرْ حَبِيبِي- فَإِنَّكَ لَا تُمْسِي حَتَّى يَسْقِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ بِكَأْسِهِ- وَ جَعَلَ يَكُرُّ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ- حَتَّى رُمِيَ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ فَخَرَقَهُ- وَ أَقْبَلَ يَتَقَلَّبُ فِي دَمِهِ ثُمَّ نَادَى- يَا أَبَتَاهْ عَلَيْكَ السَّلَامُ- هَذَا جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ عَجِّلِ الْقَدُومَ عَلَيْنَا- وَ شَهَقَ شَهْقَةً فَارَقَ الدُّنْيَا

(1)

.

قال أبو الفرج علي بن الحسين هذا هو الأكبر و لا عقب له و يكنى أبا الحسن و أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي و هو أول من قتل في الوقعة و إياه عنى معاوية في الخبر الذي-

حدثني به محمد بن محمد بن سليمان عن يوسف بن موسى القطان عن جرير عن مغيرة قال‏

قال معاوية من أحق الناس بهذا الأمر قالوا أنت قال لا أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي جده رسول الله و فيه شجاعة بني هاشم و سخاء بني أمية و زهو ثقيف.

و قال يحيى بن الحسن العلوي و أصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد و أن الذي أمه ليلى هو جدهم و ولد في خلافة عثمان‏

(2)

.

ثم قالوا و خرج غلام و بيده عمود

(3)

من تلك الأبنية و في أذنيه درتان‏

____________

(1) مقاتل الطالبيين(ص)85.

(2) المصدر(ص)55 و 56.

(3) الزيادة من الطبريّ ج 6(ص)258 و البداية ج 8(ص)186.

قالا: قال هانئ بن ثبيت الحضرمى: «انى لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين.

46

و هو مذعور فجعل يلتفت يمينا و شمالا و قرطاه يتذبذبان فحمل عليه هانئ بن ثبيت فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه و لا تتكلم كالمدهوشة.

ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال و التفت عن يساره فلم ير أحدا فخرج علي بن الحسين زين العابدين(ع)و كان مريضا لا يقدر أن يقل سيفه و أم كلثوم تنادي خلفه يا بني ارجع فقال يَا عَمَّتَاهْ ذَرِينِي أُقَاتِلْ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)يَا أُمَّ كُلْثُومٍ خُذِيهِ لِئَلَّا تَبْقَى الْأَرْضُ خَالِيَةً مِنْ نَسْلِ آلِ مُحَمَّدٍ ص.

و لما فجع الحسين بأهل بيته و ولده و لم يبق غيره و غير النساء و الذراري نادى هَلْ مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ هَلْ مِنْ مُوَحِّدٍ يَخَافُ اللَّهَ فِينَا هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللَّهَ فِي إِغَاثَتِنَا وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النِّسَاءِ بِالْعَوِيلِ فَتَقَدَّمَ(ع)إِلَى بَابِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ نَاوِلُونِي عَلِيّاً ابْنِيَ الطِّفْلَ حَتَّى أُوَدِّعَهُ فَنَاوَلُوهُ الصَّبِيَّ.

و قال المفيد دعا ابنه عبد الله‏

(1)

قالوا فجعل يقبله و هو يقول وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى خَصْمَهُمْ و الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه ثم رمى به إلى السماء.

و قال السيد ثم قال هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ قَطْرَةٌ إِلَى الْأَرْضِ.

(2)

____________

اذ نظرت الى غلام من آل الحسين عليه ازار و قميص و في اذنيه درتان و بيده عمود من تلك الابنية و هو مذعور يلتفت يمينا و شمالا فأقبل رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه و علاه بالسيف و قطعه، فلما عيب عليه كنى عن نفسه».

فعدو اللّه هو الذي قتله، لكنه لم يذكر نفسه لما عيب عليه بل نسبه الى رجل لا يعرف و جعل نفسه راويا.

(1) في الإرشاد المطبوع(ص)224: ثم جلس الحسين أمام الفسطاط فأتى بابنه عبد اللّه و هو طفل إلخ.

(2) الملهوف(ص)103.

47

قالوا ثُمَّ قَالَ لَا يَكُونُ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنْ فَصِيلٍ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ حَبَسْتَ عَنَّا النَّصْرَ فَاْجَعْل ذَلِكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا.

أقول و في بعض الكتب أن الحسين لما نظر إلى اثنين و سبعين رجلا من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة و نَادَى يَا سُكَيْنَةُ يَا فَاطِمَةُ يَا زَيْنَبُ يَا أُمَّ كُلْثُومٍ عَلَيْكُنَّ مِنِّي السَّلَامُ فَنَادَتْهُ سُكَيْنَةُ يَا أَبَهْ اسْتَسْلَمْتَ لِلْمَوْتِ؟ فَقَالَ كَيْفَ لَا يَسْتَسْلِمُ مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ وَ لَا مُعِينَ فَقَالَتْ يَا أَبَهْ رُدَّنَا إِلَى حَرَمِ جَدِّنَا فَقَالَ هَيْهَاتَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَا لَنَامَ فتصارخن النساء فسكتهن الحسين و حمل على القوم.

و قال أبو الفرج و عبد الله بن الحسين و أمه الرباب بنت إمرئ القيس و هي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين‏

لعمرك إنني لأحب دارا* * * تكون بها سكينة و الرباب‏

أحبهما و أبذل جل مالي‏* * * و ليس لعاتب عندي عتاب‏

و سكينة التي ذكرها ابنته من الرباب و اسم سكينة أمينة و إنما غلب عليها سكينة و ليس باسمها و كان عبد الله يوم قتل صغيرا جاءه نشابة و هو في حجر أبيه فذبحته-

حدثني أحمد بن شبيب عن أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال‏

دعا الحسين بغلام فأقعده في حجره فرماه عقبة بن بشر فذبحه و حدثني محمد بن الحسين الأشناني بإسناده عمن شهد الحسين قال كان معه ابن له صغير فجاء سهم فوقع في نحره قال فجعل الحسين يمسح الدم من نحر لبته فيرمي به إلى السماء فما رجع منه شي‏ء و يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا يَكُونُ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنْ فَصِيلٍ.

(1)

ثُمَّ قَالُوا ثُمَّ قَامَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ رَكِبَ فَرَسَهُ وَ تَقَدَّمَ إِلَى الْقِتَالِ وَ هُوَ يَقُولُ‏

كَفَرَ الْقَوْمُ وَ قِدْماً رَغِبُوا* * * عَنْ ثَوَابِ اللَّهِ رَبِّ الثَّقَلَيْنِ‏

قَتَلُوا الْقَوْمُ عَلِيّاً وَ ابْنَهُ‏* * * حَسَنَ الْخَيْرِ كَرِيمَ الْأَبَوَيْنِ‏

حَنَقاً مِنْهُمْ وَ قَالُوا أَجْمِعُوا* * * احْشُرُوا النَّاسَ إِلَى حَرْبِ الْحُسَيْنِ‏

____________

(1) مقاتل الطالبيين(ص)63 و 64

48

يَا لَقَوْمٍ مِنْ أُنَاسٍ رُذَّلٍ‏* * * جَمَعَ الْجَمْعَ لِأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ‏

ثُمَّ سَارُوا وَ تَوَاصَوْا كُلُّهُمْ‏* * * بِاجْتِيَاحِي لِرِضَاءِ الْمُلْحِدِينَ‏ (1)

لَمْ يَخَافُوا اللَّهَ فِي سَفْكِ دَمِي‏* * * لِعُبَيْدِ اللَّهِ نَسْلِ الْكَافِرِينَ‏

وَ ابْنِ سَعْدٍ قَدْ رَمَانِي عَنْوَةً* * * بِجُنُودٍ كَوُكُوفِ الْهَاطِلِينَ‏

لَا لِشَيْ‏ءٍ كَانَ مِنِّي قَبْلَ ذَا* * * غَيْرَ فَخْرِي بِضِيَاءِ النَّيِّرَيْنِ‏

بِعَلِيِّ الْخَيْرِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِ‏* * * وَ النَّبِيِّ الْقُرَشِيِّ الْوَالِدَيْنِ‏

خِيرَةِ اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ أَبِي‏* * * ثُمَّ أُمِّي فَأَنَا ابْنُ الْخَيِّرَيْنِ‏

فِضَّةٌ قَدْ خَلَصَتْ مِنْ ذَهَبٍ‏* * * فَأَنَا الْفِضَّةُ وَ ابْنُ الذَّهَبَيْنِ‏

مَنْ لَهُ جَدٌّ كَجَدِّي فِي الْوَرَى‏* * * أَوْ كَشَيْخِي فَأَنَا ابْنُ الْعَلَمَيْنِ‏

فَاطِمُ الزَّهْرَاءُ أُمِّي وَ أَبِي‏* * * قَاصِمُ الْكُفْرِ بِبَدْرٍ وَ حُنَيْنٍ‏

عَبَدَ اللَّهَ غُلَاماً يَافِعاً* * * وَ قُرَيْشٌ يَعْبُدُونَ الْوَثَنَيْنِ‏

يَعْبُدُونَ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى مَعاً* * * وَ عَلِيٌّ كَانَ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ‏

فَأَبِي شَمْسٌ وَ أُمِّي قَمَرٌ* * * فَأَنَا الْكَوْكَبُ وَ ابْنُ الْقَمَرَيْنِ‏

وَ لَهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ وَقْعَةٌ* * * شَفَتِ الْغِلَّ بِفَضِّ الْعَسْكَرَيْنِ‏

ثُمَّ فِي الْأَحْزَابِ وَ الْفَتْحِ مَعاً* * * كَانَ فِيهَا حَتْفُ أَهْلِ الْفَيْلَقَيْنِ‏

فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا ذَا صَنَعَتْ‏* * * أُمَّةُ السَّوْءِ مَعاً بِالْعِتْرَتَيْنِ‏

عِتْرَةِ الْبَرِّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى‏* * * وَ عَلِيِّ الْوَرْدِ يَوْمَ الْجَحْفَلَيْنِ‏ (2)

ثُمَّ وَقَفَ(ع)قُبَالَةَ الْقَوْمِ وَ سَيْفُهُ مُصْلَتٌ فِي يَدِهِ آيِساً مِنَ الْحَيَاةِ عَازِماً عَلَى الْمَوْتِ‏

____________

(1) في كشف الغمّة «للرضا بالملحدين».

(2) قال في كشف الغمّة ج 2(ص)200: من كلامه المنثور قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح، و أنّه (عليه السلام) لما أحاط به جموع ابن زياد، و قتلوا من قتلوا من أصحابه و منعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله، فرمله الحسين (ع) و حفر له بسيفه و صلى عليه و دفنه و قال: ثم ذكر الاشعار، و ذكرها ابن شهرآشوب ج 4(ص)79. و فيه زيادة سينقلها المصنّف.

49

وَ هُوَ يَقُولُ‏

أَنَا ابْنُ عَلِيِّ الطُّهْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ‏* * * كَفَانِي بِهَذَا مَفْخَراً حِينَ أَفْخَرُ

وَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ أَكْرَمُ مَنْ مَضَى‏* * * وَ نَحْنُ سِرَاجُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ نَزْهَرُ

وَ فَاطِمُ أُمِّي مِنْ سُلَالَةِ أَحْمَدَ* * * وَ عَمِّي يُدْعَى ذَا الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ

وَ فِينَا كِتَابُ اللَّهِ أُنْزِلَ صَادِقاً* * * وَ فِينَا الْهُدَى وَ الْوَحْيُ بِالْخَيْرِ يُذْكَرُ

وَ نَحْنُ أَمَانُ اللَّهِ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ‏* * * نُسِرُّ بِهَذَا فِي الْأَنَامِ وَ نَجْهَرُ

وَ نَحْنُ وُلَاةُ الْحَوْضِ نَسْقِي وُلَاتَنَا* * * بِكَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَيْسَ يُنْكَرُ

وَ شِيعَتُنَا فِي النَّاسِ أَكْرَمُ شِيعَةٍ* * * وَ مُبْغِضُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْسَرُ

أقول روي في الإحتجاج أنه لما بقي فردا ليس معه إلا ابنه علي بن الحسين(ع)و ابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله أخذ الطفل ليودعه فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله فنزل عن فرسه و حفر للصبي بجفن سيفه و رمله بدمه و دفنه ثم وثب قائما و هو يقول إلى آخر الأبيات‏

(1)

.

وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ السَّلَامِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلْحُسَيْنِ(ع)مِنْ إِنْشَائِهِ وَ قَالَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهَا

فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا تُعَدُّ نَفِيسَةً* * * فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ أَعْلَى وَ أَنْبَلُ‏

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَبْدَانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ‏* * * فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ فِي اللَّهِ أَفْضَلُ‏

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَرْزَاقُ قِسْماً مُقَدَّراً* * * فَقِلَّةُ سَعْيِ الْمَرْءِ فِي الْكَسْبِ أَجْمَلُ‏

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَمْوَالُ لِلتَّرْكِ جَمْعُهَا* * * فَمَا بَالُ مَتْرُوكٍ بِهِ الْمَرْءُ يَبْخَلُ‏

ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبِرَازِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ دَنَا مِنْهُ مِنْ عُيُونِ الرِّجَالِ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً ثُمَّ حَمَلَ(ع)عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَ قَالَ‏

الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ

ثُمَّ عَلَى الْمَيْسَرَةِ وَ هُوَ يَقُولُ‏

أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍ‏* * * آلَيْتُ أَنْ لَا أَنْثَنِي‏

أَحْمِي عِيَالاتِ أَبِي‏* * * أَمْضِي عَلَى دِينِ النَّبِي‏

____________

(1) الاحتجاج(ص)154 و 155.

50

قال المفيد و السيد و ابن نما رحمهم الله و اشتد العطش بالحسين(ع)فركب المسناة يريد الفرات و العباس أخوه بين يديه فاعترضه خيل ابن سعد فرمى رجل من بني دارم الحسين(ع)بسهم فأثبته في حنكه الشريف فانتزع(ع)السهم و بسط يده تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثم رمى به و قال اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يُفْعَلُ بِابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ ثم اقتطعوا العباس عنه و أحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه و كان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي و حكيم بن الطفيل السنبسي فبكى الحسين لقتله بكاء شديدا

(1)

.

قال السيد ثم إن الحسين(ع)دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة و هو في ذلك يقول‏

الْقَتْلُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ* * * وَ الْعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ

قال بعض الرواة فو الله ما رأيت مكثورا قط

(2)

قد قتل ولده و أهل بيته و صحبه أربط جأشا منه و إن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب و لقد كان يحمل فيهم و قد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع إلى مركزه و هو يقول لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ‏

(3)

.

و قال ابن شهرآشوب و محمد بن أبي طالب و لم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل و تسعمائة رجل و خمسين رجلا سوى المجروحين فقال عمر بن سعد لقومه الويل لكم أ تدرون لمن تقاتلون هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب و كانت الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام فحالوا

____________

(1) الملهوف(ص)103- الإرشاد(ص)224.

(2) المكثور: المغلوب و هو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه، قال في التاج و في حديث مثل الحسين: «ما رأينا مكثورا أجرا مقدما منه».

(3) كتاب الملهوف(ص)105 و مثله في الطبريّ ج 6(ص)259 عن عبد اللّه بن عمار ابن [عبد] يغوث.