بحار الأنوار - ج71

- العلامة المجلسي المزيد...
429 /
1

كتاب العشرة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و الصلاة و السلام على خير خلقه و خليفته على بريته بحقه ثم على أهل بيته و عترته و آله و ذريته الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

أما بعد فهذا هو المجلد السادس عشر من جملة مجلدات بحار الأنوار تأليف المستغرق في تيار بحار رحمة الله الملك الولي مولانا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي‏ (1).

و هذا المجلد قد كان داخلا أولا في جملة أجزاء الإيمان و الكفر الذي كان هو المجلد الخامس عشر من البحار ثم جعله برأسه لكثرة مباحثه كتابا آخر و وضعه عن كتاب الإيمان و الكفر و جعله مجلدا على حدة و لذلك قد صار مجلدات بحار الأنوار ستا و عشرين كما صرح به نفسه رضي الله عنه في أول كتاب الإيمان و الكفر المذكور.

و بالجملة فهذا المجلد يشتمل على كتاب العشرة بين الآباء و الأولاد و ذوي الأرحام و الخدم و المماليك و المؤمنين و غيرهم و حقوق كل واحد منهم على صاحبه و ما يناسب ذلك من المطالب و الفوائد الجليلة.

____________

(1) انتقل المؤلّف العلامة الى تيار بحار رحمة اللّه قبل أن يخرج هذا المجلد الى البياض فاعتنى بعده تلميذه المرزا عبد اللّه أفندى بجمع المسودات و جعلها في جزءين و أخرجها الى البياض و هذا شروع في الجزء الأول من المجلد السادس عشر من بحار الأنوار فلا تغفل.

2

باب 1 جوامع الحقوق‏

1-

ل، الخصال عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيِّ عَنْ خَيْرَانَ بْنِ دَاهِرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجَبَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ:

هَذِهِ رِسَالَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ- اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْكَ حُقُوقاً- مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَهَا أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا- أَوْ حَالٍ حُلْتَهَا أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا- أَوْ جَارِحَةٍ قَلَبْتَهَا أَوْ آلَةٍ تَصَرَّفْتَ فِيهَا- فَأَكْبَرُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَ عَلَيْكَ لِنَفْسِهِ- مِنْ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ- ثُمَّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِنْ قَرْنِكَ إِلَى قَدَمِكَ- عَلَى اخْتِلَافِ جَوَارِحِكَ- فَجَعَلَ عَزَّ وَ جَلَّ لِلِسَانِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِرِجْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- فَهَذِهِ الْجَوَارِحُ السَّبْعُ الَّتِي بِهَا تَكُونُ الْأَفْعَالُ- ثُمَّ جَعَلَ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حُقُوقاً- فَجَعَلَ لِصَلَاتِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِصَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِصَدَقَتِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِهَدْيِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حُقُوقاً- ثُمَّ يُخْرِجُ الْحُقُوقَ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ عَلَيْكَ- فَأَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حُقُوقُ أَئِمَّتِكَ- ثُمَّ حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثُمَّ حُقُوقُ رَحِمِكَ- فَهَذِهِ حُقُوقٌ يَتَشَعَّبُ مِنْهَا حُقُوقٌ- فَحُقُوقُ أَئِمَّتِكَ ثَلَاثَةٌ- أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ سَائِسِكَ بِالسُّلْطَانِ- ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ-

3

وَ حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثَلَاثَةٌ- أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطَانِ- ثُمَّ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ رَعِيَّةُ الْعَالِمِ- ثُمَّ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْمِلْكِ- مِنَ الْأَزْوَاجِ وَ مَا مَلَكَتِ الْأَيْمَانُ- وَ حُقُوقُ رَحِمِكَ كَثِيرَةٌ- مُتَّصِلَةٌ بِقَدْرِ اتِّصَالِ الرَّحِمِ فِي الْقَرَابَةِ- وَ أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ أُمِّكَ ثُمَّ حَقُّ أَبِيكَ- ثُمَّ حَقُّ وُلْدِكَ ثُمَّ حَقُّ أَخِيكَ- ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَ الْأَوْلَى فَالْأَولَى- ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْجَارِيَةِ نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ ذَوِي الْمَعْرُوفِ لَدَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ مُؤَذِّنِكَ لِصَلَاتِكَ- ثُمَّ حَقُّ إِمَامِكَ فِي صَلَاتِكَ- ثُمَّ حَقُّ جَلِيسِكَ ثُمَّ حَقُّ جَارِكَ- ثُمَّ حَقُّ صَاحِبِكَ ثُمَّ حَقُّ شَرِيكِكَ- ثُمَّ حَقُّ مَالِكَ ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي تُطَالِبُهُ- ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي يُطَالِبُكَ‏

(1)

ثُمَّ حَقُّ خَلِيطِكَ ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ- ثُمَّ حَقُّ مُسْتَشِيرِكَ ثُمَّ حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ مُسْتَنْصِحِكَ ثُمَّ حَقُّ النَّاصِحِ لَكَ- ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ- ثُمَّ حَقُّ سَائِلِكَ ثُمَّ حَقُّ مَنْ سَأَلْتَهُ- ثُمَّ حَقُّ مَنْ جَرَى لَكَ عَلَى يَدَيْهِ مَسَاءَةٌ- بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَنْ تَعَمُّدٍ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ- ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَلَيْكَ ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ ذِمَّتِكَ- ثُمَّ الْحُقُوقُ الْجَارِيَةُ

(2)

بِقَدْرِ عِلَلِ الْأَحْوَالِ- وَ تَصَرُّفِ الْأَسْبَابِ- فَطُوبَى لِمَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ- وَ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ وَ سَدَّدَهُ- فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ الْأَكْبَرُ عَلَيْكَ فَأَنْ تَعْبُدَهُ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلَاصٍ- جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَتُؤَدِّيَ إِلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ- وَ إِلَى سَمْعِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى بَصَرِكَ حَقَّهُ- وَ إِلَى يَدِكَ حَقَّهَا وَ إِلَى رِجْلِكَ حَقَّهَا- وَ إِلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ وَ تَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ- وَ حَقُّ اللِّسَانِ إِكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى وَ تَعْوِيدُهُ الْخَيْرَ- وَ تَرْكُ الْفُضُولِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ

____________

(1) الغريم: الدائن، و الغريم: المديون، ضد.

(2) الحادثة خ ل.

4

فِيهَا- وَ الْبِرُّ بِالنَّاسِ وَ حُسْنُ الْقَوْلِ فِيهِمْ- وَ حَقُّ السَّمْعِ تَنْزِيهُهُ عَنْ سَمَاعِ الْغِيبَةِ- وَ سَمَاعِ مَا لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ- وَ حَقُّ الْبَصَرِ أَنْ تُغْمِضَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ- وَ تَعْتَبِرَ بِالنَّظَرِ بِهِ- وَ حَقُّ يَدِكَ أَنْ لَا تَبْسُطَهَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ- وَ حَقُّ رِجْلَيْكَ أَنْ لَا تَمْشِيَ بِهِمَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِيهِمَا- تَقِفُ عَلَى الصِّرَاطِ فَانْظُرْ أَنْ لَا تَزِلَّ بِكَ فَتَتَرَدَّى فِي النَّارِ- وَ حَقُّ بَطْنِكَ أَنْ لَا تَجْعَلَهُ وِعَاءً لِلْحَرَامِ وَ لَا تَزِيدَ عَلَى الشِّبَعِ- وَ حَقُّ فَرْجِكَ أَنْ تُحْصِنَهُ عَنِ الزِّنَاءِ- وَ تَحْفَظَهُ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ- وَ حَقُّ الصَّلَاةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا وِفَادَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَنَّكَ فِيهَا قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ قُمْتَ مَقَامَ الذَّلِيلِ الْحَقِيرِ- الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ الرَّاجِي الْخَائِفِ- الْمُسْتَكِينِ الْمُتَضَرِّعِ- الْمُعَظِّمِ لِمَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسُّكُونِ وَ الْوَقَارِ- وَ تُقْبِلَ عَلَيْهَا بِقَلْبِكَ وَ تُقِيمَهَا بِحُدُودِهَا وَ حُقُوقِهَا- وَ حَقُّ الْحَجِّ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ وِفَادَةٌ إِلَى رَبِّكَ- وَ فِرَارٌ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِكَ- وَ بِهِ قَبُولُ تَوْبَتِكَ وَ قَضَاءُ الْفَرْضِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ حَقُّ الصَّوْمِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ- ضَرَبَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِكَ وَ سَمْعِكَ وَ بَصَرِكَ وَ بَطْنِكَ وَ فَرْجِكَ- لِيَسْتُرَكَ بِهِ مِنَ النَّارِ- فَإِنْ تَرَكْتَ الصَّوْمَ خَرَقْتَ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْكَ- وَ حَقُّ الصَّدَقَةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا ذُخْرُكَ عِنْدَ رَبِّكَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ وَدِيعَتُكَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا- وَ كُنْتَ بِمَا تَسْتَوْدِعُهُ سِرّاً أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا تَسْتَوْدِعُهُ عَلَانِيَةً- وَ تَعْلَمَ أَنَّهَا تَدْفَعُ الْبَلَايَا وَ الْأَسْقَامَ عَنْكَ فِي الدُّنْيَا- وَ تَدْفَعُ- عَنْكَ النَّارَ فِي الْآخِرَةِ- وَ حَقُّ الْهَدْيِ أَنْ تُرِيدَ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا تُرِيدَ بِهِ خَلْقَهُ- وَ لَا تُرِيدَ بِهِ إِلَّا التَّعَرُّضَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ- وَ نَجَاةَ رُوحِكَ يَوْمَ تَلْقَاهُ- وَ حَقُّ السُّلْطَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ جُعِلْتَ لَهُ فِتْنَةً- وَ أَنَّهُ مُبْتَلًى فِيكَ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ عَلَيْكَ مِنَ السُّلْطَانِ- وَ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَتَعَرَّضَ لِسَخَطِهِ فَتُلْقِيَ بِيَدَيْكَ إِلَى‏

5

التَّهْلُكَةِ- وَ تَكُونَ شَرِيكاً لَهُ فِيمَا يَأْتِي إِلَيْكَ مِنْ سُوءٍ- وَ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ التَّعْظِيمُ لَهُ وَ التَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ- وَ حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ- وَ أَنْ لَا تَرْفَعَ عَلَيْهِ صَوْتَكَ- وَ لَا تُجِيبَ أَحَداً يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُجِيبُ- وَ لَا تُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِهِ أَحَداً وَ لَا تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَداً- وَ أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَكَ بِسُوءٍ- وَ أَنْ تَسْتُرَ عُيُوبَهُ‏

(1)

وَ تُظْهِرَ مَنَاقِبَهُ- وَ لَا تُجَالِسَ لَهُ عَدُوّاً وَ لَا تُعَادِيَ لَهُ وَلِيّاً- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ شَهِدَ لَكَ مَلَائِكَةُ اللَّهِ بِأَنَّكَ قَصَدْتَهُ- وَ تَعَلَّمْتَ عِلْمَهُ لِلَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لَا لِلنَّاسِ- فَأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ فَأَنْ تُطِيعَهُ وَ لَا تَعْصِيَهُ- إِلَّا فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ- وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطَانِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُمْ صَارُوا رَعِيَّتَكَ لِضَعْفِهِمْ وَ قُوَّتِكَ- فَيَجِبُ أَنْ تَعْدِلَ فِيهِمْ وَ تَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ- وَ تَغْفِرَ لَهُمْ جَهْلَهُمْ وَ لَا تُعَاجِلَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ- وَ تَشْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا آتَاكَ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ- وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا جَعَلَكَ قَيِّماً لَهُمْ- فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَ فَتَحَ لَكَ مِنْ خَزَائِنِهِ‏

(2)

فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَ لَمْ تَخْرَقْ بِهِمْ- وَ لَمْ تَضْجَرْ عَلَيْهِمْ زَادَكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ- وَ إِنْ أَنْتَ مَنَعْتَ النَّاسَ عِلْمَكَ- أَوْ خَرِقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ- كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَسْلُبَكَ الْعِلْمَ وَ بَهَاءَهُ- وَ يُسْقِطَ مِنَ الْقُلُوبِ مَحَلَّكَ- وَ أَمَّا حَقُّ الزَّوْجَةِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَهَا لَكَ سَكَناً وَ أُنْساً- فَتَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ فَتُكْرِمَهَا وَ تَرْفُقَ بِهَا- وَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ عَلَيْهَا أَوْجَبَ- فَإِنَّ لَهَا عَلَيْكَ أَنْ تَرْحَمَهَا لِأَنَّهَا أَسِيرُكَ- وَ تُطْعِمَهَا وَ تَكْسُوَهَا وَ إِذَا جَهِلَتْ عَفَوْتَ عَنْهَا- وَ أَمَّا حَقُّ مَمْلُوكِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ خَلْقُ رَبِّكَ- وَ ابْنُ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ وَ لَحْمُكَ وَ دَمُكَ تَمْلِكُهُ- لَا أَنْتَ‏

(3)

صَنَعْتَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لَا خَلَقْتَ شَيْئاً مِنْ جَوَارِحِهِ- وَ لَا أَخْرَجْتَ‏

____________

(1) عورته خ ل.

(2) خزانة الحكمة خ ل.

(3) في المطبوعة: لم تملكه لانك.

6

لَهُ رِزْقاً وَ لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَفَاكَ ذَلِكَ- ثُمَّ سَخَّرَهُ لَكَ وَ ائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ وَ اسْتَوْدَعَكَ إِيَّاهُ- لِيَحْفَظَ لَكَ مَا تَأْتِيهِ مِنْ خَيْرٍ إِلَيْهِ- فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ- وَ إِنْ كَرِهْتَهُ اسْتَبْدَلْتَ بِهِ- وَ لَمْ تُعَذِّبْ خَلْقَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أُمِّكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ أَحَدٌ أَحَداً- وَ أَعْطَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُعْطِي أَحَدٌ أَحَداً- وَ وَقَتْكَ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهَا- وَ لَمْ تُبَالِ أَنْ تَجُوعَ وَ تُطْعِمَكَ وَ تَعْطَشَ وَ تَسْقِيَكَ- وَ تَعْرَى وَ تَكْسُوَكَ وَ تَضْحَى وَ تُظِلَّكَ- وَ تَهْجُرَ النَّوْمَ لِأَجْلِكَ وَ وَقَتْكَ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ لِتَكُونَ لَهَا- فَإِنَّكَ لَا تُطِيقُ شُكْرَهَا إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ تَوْفِيقِهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أَبِيكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَصْلُكَ- وَ أَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ تَكُنْ فَمَهْمَا رَأَيْتَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ- فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ- فَاحْمَدِ اللَّهَ وَ اشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ- وَ مُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَ شَرِّهِ- وَ أَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ بِهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ- وَ الدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ- فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ- مُعَاقَبٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أَخِيكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ يَدُكَ وَ عِزُّكَ وَ قُوَّتُكَ- فَلَا تَتَّخِذْهُ سِلَاحاً عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ لَا عُدَّةَ لِلظُّلْمِ لِخَلْقِ اللَّهِ- وَ لَا تَدَعْ نُصْرَتَهُ عَلَى عَدُوِّهِ- وَ النَّصِيحَةَ لَهُ فَإِنْ أَطَاعَ اللَّهَ- وَ إِلَّا فَلْيَكُنِ اللَّهُ أَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ أَمَّا حَقُّ مَوْلَاكَ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَنْفَقَ فِيكَ مَالَهُ- وَ أَخْرَجَكَ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ وَ وَحْشَتِهِ إِلَى عِزِّ الْحُرِّيَّةِ وَ أُنْسِهَا- فَأَطْلَقَكَ مِنْ أَسْرِ الْمَلَكَةِ وَ فَكَّ عَنْكَ قَيْدَ الْعُبُودِيَّةِ- وَ أَخْرَجَكَ مِنَ السِّجْنِ وَ مَلَّكَكَ نَفْسَكَ- وَ فَرَّغَكَ لِعِبَادَةِ رَبِّكَ وَ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَوْلَى الْخَلْقِ بِكَ فِي حَيَاتِكَ وَ مَوْتِكَ- وَ أَنَّ نُصْرَتَهُ‏

(1)

عَلَيْكَ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِكَ وَ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْكَ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

____________

(1) و أن نصرتك، خ ل.

7

وَ أَمَّا حَقُّ مَوْلَاكَ الَّذِي أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- جَعَلَ عِتْقَكَ لَهُ وَسِيلَةً إِلَيْهِ وَ حِجَاباً لَكَ مِنَ النَّارِ- وَ أَنَّ ثَوَابَكَ فِي الْعَاجِلِ مِيرَاثُهُ- إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحِمٌ مُكَافَاةً بِمَا أَنْفَقْتَ مِنْ مَالِكَ- وَ فِي الْآجِلِ الْجَنَّةُ- وَ أَمَّا حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ عَلَيْكَ فَأَنْ تَشْكُرَهُ وَ تَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ- وَ تَكْسِبَهُ الْمَقَالَةَ

(1)

الْحَسَنَةَ- وَ تُخْلِصَ لَهُ الدُّعَاءَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَ عَلَانِيَةً- ثُمَّ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مُكَافَاتِهِ يَوْماً كَافَأْتَهُ- وَ حَقُّ الْمُؤَذِّنِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مُذَكِّرٌ لَكَ رَبَّكَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ دَاعٍ لَكَ إِلَى حَظِّكَ وَ عَوْنِكَ عَلَى قَضَاءِ فَرْضِ اللَّهِ عَلَيْكَ- فَاشْكُرْهُ عَلَى ذَلِكَ شُكْرَكَ لِلْمُحْسِنِ إِلَيْكَ: وَ حَقُّ إِمَامِكَ فِي صَلَاتِكَ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ تَقَلَّدَ السِّفَارَةَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ رَبِّكَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ تَكَلَّمَ عَنْكَ وَ لَمْ تَتَكَلَّمْ عَنْهُ وَ دَعَا لَكَ وَ لَمْ تَدْعُ لَهُ- وَ كَفَاكَ هَوْلَ الْمُقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَإِنْ كَانَ نَقَصَ كَانَ بِهِ دُونَكَ وَ إِنْ كَانَ تَمَاماً كُنْتَ شَرِيكَهُ- وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْكَ فَضْلٌ- فَوَقَى نَفْسَكَ بِنَفْسِهِ وَ صَلَاتَكَ بِصَلَاتِهِ فَتَشْكُرُ لَهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ- وَ أَمَّا حَقُّ جَلِيسِكَ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَانِبَكَ وَ تُنْصِفَهُ فِي مُجَارَاةِ اللَّفْظِ- وَ لَا تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ إِلَّا بِإِذْنِهِ- وَ مَنْ يَجْلِسُ إِلَيْكَ يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ عَنْكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ- وَ تَنْسَى زَلَّاتِهِ وَ تَحْفَظَ خَيْرَاتِهِ وَ لَا تُسْمِعَهُ إِلَّا خَيْراً- وَ أَمَّا حَقُّ جَارِكَ فَحِفْظُهُ غَائِباً- وَ إِكْرَامُهُ شَاهِداً وَ نُصْرَتُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً- وَ لَا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً فَإِنْ عَلِمْتَ عَلَيْهِ سُوءاً سَتَرْتَهُ عَلَيْهِ- وَ إِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَقْبَلُ نَصِيحَتَكَ نَصَحْتَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ- وَ لَا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ وَ تُقِيلُ عَثْرَتَهُ- وَ تَغْفِرُ ذَنْبَهُ وَ تُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الصَّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالتَّفَضُّلِ وَ الْإِنْصَافِ- وَ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ- وَ لَا تَدَعْهُ يَسْبِقْ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَ كَافَأْتَهُ- وَ تَوَدَّهُ كَمَا يَوَدُّكَ وَ تَزْجُرَهُ عَمَّا يَهُمُّ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ- وَ كُنْ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَ لَا تَكُنْ عَلَيْهِ عَذَاباً وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الشَّرِيكِ فَإِنْ غَابَ كَفَيْتَهُ وَ إِنْ حَضَرَ رَعَيْتَهُ- وَ لَا تَحْكُمْ دُونَ‏

____________

(1) القالة، خ ل.

8

حُكْمِهِ وَ لَا تَعْمَلْ بِرَأْيِكَ دُونَ مُنَاظَرَتِهِ- وَ تَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَ لَا تَخُونُهُ فِيمَا عَزَّ أَوْ هَانَ مِنْ أَمْرِهِ- فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى أَيْدِي الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ مَالِكَ فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ حِلِّهِ- وَ لَا تُنْفِقَهُ إِلَّا فِي وَجْهِهِ- وَ لَا تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَا يَحْمَدُكَ- فَاعْمَلْ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبِّكَ- وَ لَا تَبْخَلْ بِهِ فَتَبُوءَ بِالْحَسْرَةِ وَ النَّدَامَةِ مَعَ التَّبِعَةِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي يُطَالِبُكَ- فَإِنْ كُنْتَ مُوسِراً أَعْطَيْتَهُ وَ إِنْ كُنْتَ مُعْسِراً أَرْضَيْتَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ- وَ رَدَدْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ رَدّاً لَطِيفاً- وَ حَقُّ الْخَلِيطِ أَنْ لَا تَغُرَّهُ وَ لَا تَغُشَّهُ وَ لَا تَخْدَعَهُ- وَ تَتَّقِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ- وَ حَقُّ الْخَصْمِ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ- فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَيْكَ حَقّاً كُنْتَ شَاهِدَهُ عَلَى نَفْسِكَ- وَ لَمْ تَظْلِمْهُ وَ أَوْفَيْتَهُ حَقَّهُ- وَ إِنْ كَانَ مَا يَدَّعِي بِهِ بَاطِلًا رَفَقْتَ بِهِ- وَ لَمْ تَأْتِ فِي أَمْرِهِ غَيْرَ الرِّفْقِ وَ لَمْ تُسْخِطْ رَبَّكَ فِي أَمْرِهِ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ حَقُّ خَصْمِكَ الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ- إِنْ كُنْتَ مُحِقّاً فِي دَعْوَاكَ أَجْمَلْتَ مُقَاوَلَتَهُ وَ لَمْ تَجْحَدْ حَقَّهُ- وَ إِنْ كُنْتَ مُبْطِلًا فِي دَعْوَاكَ اتَّقَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تُبْتَ إِلَيْهِ- وَ تَرَكْتَ الدَّعْوَى- وَ حَقُّ الْمُسْتَشِيرِ إِنْ عَلِمْتَ أَنَ‏

(1)

لَهُ رَأْياً أَشَرْتَ عَلَيْهِ- وَ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَرْشَدْتَهُ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ- وَ حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ فِيمَا لَا يُوَافِقُكَ مِنْ رَأْيِهِ- وَ إِنْ وَافَقَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ حَقُّ الْمُسْتَنْصِحِ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ- وَ لْيَكُنْ مَذْهَبُكَ الرَّحْمَةَ لَهُ وَ الرِّفْقَ بِهِ- وَ حَقُّ النَّاصِحِ أَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ وَ تُصْغِيَ إِلَيْهِ بِسَمْعِكَ- فَإِنْ أَتَى بِالصَّوَابِ حَمِدْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِنْ لَمْ يُوَافِقْ رَحِمْتَهُ وَ لَمْ تَتَّهِمْهُ وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ أَخْطَأَ- وَ لَمْ تُؤَاخِذْهُ‏

____________

(1) في الأمالي: ان علمت له رأيا حسنا.

9

بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقّاً لِلتُّهَمَةِ- فَلَا تَعْبَأْ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى حَالٍ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ حَقُّ الْكَبِيرِ تَوْقِيرُهُ لِسِنِّهِ- وَ إِجْلَالُهُ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَكَ- وَ تَرْكُ مُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْخِصَامِ- وَ لَا تَسْبِقْهُ إِلَى طَرِيقٍ وَ لَا تَتَقَدَّمْهُ وَ لَا تَسْتَجْهِلْهُ- وَ إِنْ جَهِلَ عَلَيْكَ احْتَمَلْتَهُ وَ أَكْرَمْتَهُ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَ حُرْمَتِهِ- وَ حَقُّ الصَّغِيرِ رَحْمَتُهُ فِي تَعْلِيمِهِ وَ الْعَفْوُ عَنْهُ- وَ السَّتْرُ عَلَيْهِ وَ الرِّفْقُ بِهِ وَ الْمَعُونَةُ لَهُ- وَ حَقُّ السَّائِلِ إِعْطَاؤُهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ- وَ حَقُّ الْمَسْئُولِ إِنْ أَعْطَى فَاقْبَلْ مِنْهُ بِالشُّكْرِ وَ الْمَعْرِفَةِ بِفَضْلِهِ- وَ إِنْ مَنَعَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ- وَ حَقُّ مَنْ سَرَّكَ اللَّهُ تَعَالَى- بِهِ أَنْ تَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوَّلًا ثُمَّ تَشْكُرَهُ- وَ حَقُّ مَنْ سَاءَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ- وَ إِنْ عَلِمْتَ أَنَّ الْعَفْوَ يَضُرُّ انْتَصَرْتَ- قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏

وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ- فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏ (1)

- وَ حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ إِضْمَارُ السَّلَامَةِ لَهُمْ وَ الرَّحْمَةُ لَهُمْ- وَ الرِّفْقُ بِمُسِيئِهِمْ وَ تَأَلُّفُهُمْ وَ اسْتِصْلَاحُهُمْ- وَ شُكْرُ مُحْسِنِهِمْ وَ كَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ- وَ تُحِبُّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ تَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ أَنْ تَكُونَ شُيُوخُهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَبِيكَ وَ شَبَابُهُمْ بِمَنْزِلَةِ إِخْوَتِكَ- وَ عَجَائِزُهُمْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّكَ وَ الصِّغَارُ بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِكَ- وَ حَقُّ الذِّمَّةِ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا قَبِلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُمْ- وَ لَا تَظْلِمَهُمْ مَا وَفَوْا لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَهْدِهِ‏

(2)

.

لي، الأمالي للصدوق ابْنُ مُوسَى عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ:

حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ حَقُّ اللِّسَانِ إِكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى- إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ

(3)

.

____________

(1) الشورى: 40.

(2) الخصال ج 2: 126.

(3) أمالي الصدوق: 222 الرقم: 59.

10

2-

ف، تحف العقول رِسَالَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)الْمَعْرُوفَةُ بِرِسَالَةِ الْحُقُوقِ‏

اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقاً- مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ حركتها [تَحَرَّكْتَهَا أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا- أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا أَوْ جَارِحَةٍ قَلَبْتَهَا أَوْ آلَةٍ تَصَرَّفْتَ بِهَا- بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ- وَ أَكْبَرُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ حَقِّهِ- الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ وَ مِنْهُ تَفَرَّعَ- ثُمَّ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِنْ قَرْنِكَ إِلَى قَدَمِكَ عَلَى اخْتِلَافِ جَوَارِحِكَ- فَجَعَلَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِلِسَانِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِرِجْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- فَهَذِهِ الْجَوَارِحُ السَّبْعُ الَّتِي بِهَا تَكُونُ الْأَفْعَالُ- ثُمَّ جَعَلَ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَفْعَالِكَ حُقُوقاً- فَجَعَلَ لِصَلَاتِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِصَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- وَ لِصَدَقَتِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِهَدْيِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حَقّاً- ثُمَّ تَخْرُجُ الْحُقُوقُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ- مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْكَ- وَ أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقّاً أَئِمَّتُكَ ثُمَّ حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثُمَّ حُقُوقُ رَحِمِكَ- فَهَذِهِ حُقُوقٌ يَتَشَعَّبُ مِنْهَا حُقُوقٌ- فَحُقُوقُ أَئِمَّتِكَ ثَلَاثَةٌ- أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ سَائِسِكَ بِالسُّلْطَانِ ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ- ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ- وَ كُلُّ سَائِسٍ إِمَامٌ- وَ حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثَلَاثَةٌ- أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطَانِ ثُمَّ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ- فَإِنَّ الْجَاهِلَ رَعِيَّةُ الْعَالِمِ- وَ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْمِلْكِ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَ مَا مَلَكْتَ مِنَ الْأَيْمَانِ- وَ حُقُوقُ رَحِمِكَ كَثِيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَدْرِ اتِّصَالِ الرَّحِمِ فِي الْقَرَابَةِ- فَأَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ أُمِّكَ ثُمَّ حَقُّ أَبِيكَ- ثُمَّ حَقُّ وُلْدِكَ ثُمَّ حَقُّ أَخِيكَ- ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ- ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْجَارِي نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ لَدَيْكَ- ثُمَّ حَقُّ مُؤَذِّنِكَ بِالصَّلَاةِ- ثُمَّ حَقُّ إِمَامِكَ فِي صَلَاتِكَ- ثُمَّ حَقُّ جَلِيسِكَ ثُمَّ حَقُّ جَارِكَ- ثُمَّ حَقُّ صَاحِبِكَ ثُمَّ حَقُّ شَرِيكِكَ ثُمَّ حَقُّ مَالِكَ- ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي تُطَالِبُهُ ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي يُطَالِبُكَ- ثُمَّ حَقُّ خَلِيطِكَ- ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ- ثُمَّ حَقُّ مُسْتَشِيرِكَ- ثُمَّ حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ‏

11

ثُمَّ حَقُّ مُسْتَنْصِحِكَ ثُمَّ حَقُّ النَّاصِحِ لَكَ- ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ- ثُمَّ حَقُّ سَائِلِكَ ثُمَّ حَقُّ مَنْ سَأَلْتَهُ- ثُمَّ حَقُّ مَنْ جَرَى لَكَ عَلَى يَدَيْهِ مَسَاءَةٌ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ- أَوْ مَسَرَّةٌ بِذَلِكَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ- عَنْ تَعَمُّدٍ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ- ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَامَّةً ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ- ثُمَّ الْحُقُوقُ الْحَادِثَةُ بِقَدْرِ عِلَلِ الْأَحْوَالِ وَ تَصَرُّفِ الْأَسْبَابِ- فَطُوبَى لِمَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى قَضَاءِ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ- وَ وَفَّقَهُ وَ سَدَّدَهُ- فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ الْأَكْبَرُ فَأَنَّكَ تَعْبُدُهُ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلَاصٍ- جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ يَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَا- وَ أَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ- فَتُؤَدِّيَ إِلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى سَمْعِكَ حَقَّهُ- وَ إِلَى بَصَرِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى يَدِكَ حَقَّهَا- وَ إِلَى رِجْلِكَ حَقَّهَا وَ إِلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ- وَ تَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ- وَ أَمَّا حَقُّ اللِّسَانِ فَإِكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى- وَ تَعْوِيدُهُ الْخَيْرَ وَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَدَبِ- وَ إِجْمَامُهُ إِلَّا لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَ الْمَنْفَعَةِ لِلدِّينِ وَ الدُّنْيَا- وَ إِعْفَاؤُهُ عَنِ الْفُضُولِ الشَّنِعَةِ الْقَلِيلَةِ الْفَائِدَةِ- الَّتِي لَا يُؤْمَنُ ضَرَرُهَا مَعَ قِلَّةِ عَائِدَتِهَا- وَ يُعَدُّ شَاهِدُ الْعَقْلِ وَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ- وَ تَزَيُّنُ الْعَاقِلِ بِعَقْلِهِ [وَ] حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسَانِهِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- وَ أَمَّا حَقُّ السَّمْعِ فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلَى قَلْبِكَ- إِلَّا لِفُوَّهَةٍ كَرِيمَةٍ تُحْدِثُ فِي قَلْبِكَ خَيْراً أَوْ تَكْسِبُكَ خُلُقاً كَرِيماً- فَإِنَّهُ بَابُ الْكَلَامِ إِلَى الْقَلْبِ- يُؤَدِّي إِلَيْهِ ضُرُوبُ الْمَعَانِي عَلَى مَا فِيهَا- مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ بَصَرِكَ فَغَضُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ- وَ تَرْكُ ابْتِذَالِهِ إِلَّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ- تَسْتَقْبِلُ بِهَا بَصَراً أَوْ تَسْتَفِيدُ بِهَا عِلْماً- فَإِنَّ الْبَصَرَ بَابُ الِاعْتِبَارِ- وَ أَمَّا حَقُّ رِجْلَيْكَ فَأَنْ لَا تَمْشِيَ بِهِمَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ- وَ لَا تَجْعَلَهَا مَطِيَّتَكَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَخِفَّةِ بِأَهْلِهَا فِيهَا- فَإِنَّهَا حَامِلَتُكَ وَ سَالِكَةٌ بِكَ مَسْلَكَ الدِّينِ وَ السَّبْقِ لَكَ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ يَدِكَ فَأَنْ لَا تَبْسُطَهَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ- فَتَنَالَ بِمَا تَبْسُطُهَا إِلَيْهِ- مِنَ اللَّهِ الْعُقُوبَةَ

12

فِي الْآجِلِ وَ مِنَ النَّاسِ بِلِسَانِ اللَّائِمَةِ فِي الْعَاجِلِ- وَ لَا تَقْبِضَهَا مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَ لَكِنْ تُوَقِّرُهَا بِهِ- تَقْبِضُهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهَا وَ تَبْسُطُهَا بِكَثِيرٍ مِمَّا لَيْسَ عَلَيْهَا- فَإِذَا هِيَ قَدْ عُقِلَتْ وَ شُرِّفَتْ فِي الْعَاجِلِ- وَجَبَ لَهَا حُسْنُ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ فِي الْآجِلِ- وَ أَمَّا حَقُّ بَطْنِكَ- فَأَنْ لَا تَجْعَلَهُ وِعَاءً لِقَلِيلٍ مِنَ الْحَرَامِ وَ لَا لِكَثِيرٍ- وَ أَنْ تَقْتَصِدَ لَهُ فِي الْحَلَالِ- وَ لَا تُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ التَّقْوِيَةِ إِلَى حَدِّ التَّهْوِينِ وَ ذَهَابِ الْمُرُوَّةِ- فَإِنَّ الشِّبَعَ الْمُنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى التُّخَمِ مَكْسَلَةٌ وَ مَثْبَطَةٌ- وَ مَقْطَعَةٌ عَنْ كُلِّ بِرٍّ وَ كَرَمٍ- وَ إِنَّ الرأي [الرِّيَّ الْمُنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى السُّكْرِ مَسْخَفَةٌ وَ مَجْهَلَةٌ- وَ مَذْهَبَةٌ لِلْمُرُوَّةِ- وَ أَمَّا حَقُّ فَرْجِكَ فَحِفْظُهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ- وَ الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِ بِغَضِّ الْبَصَرِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْوَنِ الْأَعْوَانِ- وَ ضَبْطُهُ إِذَا هَمَّ بِالْجُوعِ وَ الظَّمَإِ- وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ التَّهَدُّدِ لِنَفْسِكَ بِاللَّهِ وَ التَّخْوِيفِ لَهَا بِهِ- وَ بِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَ التَّأْيِيدُ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ- ثُمَّ حُقُوقُ الْأَفْعَالِ- فَأَمَّا حَقُّ الصَّلَاةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا وِفَادَةٌ إِلَى اللَّهِ- وَ أَنَّكَ قَائِمٌ بِهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ- فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ كُنْتَ خَلِيقاً أَنْ تَقُومَ فِيهَا مَقَامَ الذَّلِيلِ- الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ الْخَائِفِ الرَّاجِي الْمِسْكِينِ الْمُتَضَرِّعِ- الْمُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسُّكُونِ وَ الْإِطْرَاقِ- وَ خُشُوعِ الْأَطْرَافِ وَ لِينِ الْجَنَاحِ وَ حُسْنِ الْمُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ- وَ الطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِكَ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهَا خَطِيئَتُكَ- وَ اسْتَهْلَكَتْهَا ذُنُوبُكَ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الصَّوْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ- ضَرَبَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِكَ وَ سَمْعِكَ وَ بَصَرِكَ وَ فَرْجِكَ وَ بَطْنِكَ- لِيَسْتُرَكَ بِهِ مِنَ النَّارِ- وَ هَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ- فَإِنْ سَكَنَتْ أَطْرَافُكَ فِي حَجَبَتِهَا رَجَوْتَ أَنْ تَكُونَ مَحْجُوباً- وَ إِنْ أَنْتَ تَرَكْتَهَا تَضْطَرِبُ فِي حِجَابِهَا وَ تَرْفَعُ جَنَبَاتِ الْحِجَابِ- فَتَطَّلِعُ إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا بِالنَّظْرَةِ الدَّاعِيَةِ لِلشَّهْوَةِ- وَ الْقُوَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ لِلَّهِ- لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَخْرِقَ الْحِجَابَ وَ تَخْرُجَ مِنْهُ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الصَّدَقَةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا ذُخْرُكَ عِنْدَ رَبِّكَ- وَ وَدِيعَتُكَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْإِشْهَادِ- فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ- كُنْتَ بِمَا اسْتَوْدَعْتَهُ سِرّاً أَوْثَقَ بِمَا اسْتَوْدَعْتَهُ عَلَانِيَةً- وَ كُنْتَ جَدِيراً أَنْ تَكُونَ أَسْرَرْتَ إِلَيْهِ أَمْراً أَعْلَنْتَهُ- وَ كَانَ الْأَمْرُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فِيهَا سِرّاً عَلَى كُلِ‏

13

حَالٍ- وَ لَمْ يَسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ- فِيمَا اسْتَوْدَعْتَهُ مِنْهَا إِشْهَادَ الْأَسْمَاعِ وَ الْأَبْصَارِ عَلَيْهِ بِهَا- كَأَنَّهَا أَوْثَقُ فِي نَفْسِكَ- وَ كَأَنَّكَ لَا تَثِقُ بِهِ فِي تَأْدِيَةِ وَدِيعَتِكَ إِلَيْكَ- ثُمَّ لَمْ تَمْتَنَّ بِهَا عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهَا لَكَ- فَإِذَا امْتَنَنْتَ بِهَا- لَمْ تَأْمَنْ أَنْ يكون [تَكُونَ بِهَا مِثْلَ تَهْجِينِ حَالِكَ مِنْهَا- إِلَى مَنْ مَنَنْتَ بِهَا عَلَيْهِ- لِأَنَّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّكَ لَمْ تُرِدْ نَفْسَكَ بِهَا- وَ لَوْ أَرَدْتَ نَفْسَكَ بِهَا لَمْ تَمْتَنَّ بِهَا عَلَى أَحَدٍ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْهَدْيِ فَأَنْ تُخْلِصَ بِهَا الْإِرَادَةَ إِلَى رَبِّكَ- وَ التَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَ قَبُولِهِ- وَ لَا تُرِدْ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونَهُ- فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفاً وَ لَا مُتَصَنِّعاً- وَ كُنْتَ إِنَّمَا تَقْصِدُ إِلَى اللَّهِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يُرَادُ بِالْيَسِيرِ وَ لَا يُرَادُ بِالْعَسِيرِ- كَمَا أَرَادَ بِخَلْقِهِ التَّيْسِيرَ وَ لَمْ يُرِدْ بِهِمُ التَّعْسِيرَ- وَ كَذَلِكَ التَّذَلُّلُ أَوْلَى بِكَ مِنَ التَّدَهْقُنِ- لِأَنَّ الْكُلْفَةَ وَ الْمَئُونَةَ فِي الْمُتَدَهْقِنِينَ- فَأَمَّا التَّذَلُّلُ وَ التَّمَسْكُنُ فَلَا كُلْفَةَ فِيهِمَا وَ لَا مَئُونَةَ عَلَيْهِمَا- لِأَنَّهُمَا الْخِلْقَةُ وَ هُمَا مَوْجُودَانِ فِي الطَّبِيعَةِ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- ثُمَّ حُقُوقُ الْأَئِمَّةِ- فَأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالسُّلْطَانِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ جُعِلْتَ لَهُ فِتْنَةً- وَ أَنَّهُ مُبْتَلًى فِيكَ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ عَلَيْكَ مِنَ السُّلْطَانِ- وَ أَنْ تُخْلِصَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ- وَ أَنْ لَا تُمَاحِكَهُ وَ قَدْ بُسِطَتْ يَدُهُ عَلَيْكَ- فَتَكُونَ سَبَبَ هَلَاكِ نَفْسِكَ وَ هَلَاكِهِ- وَ تَذَلَّلْ وَ تَلَطَّفْ لِإِعْطَائِهِ مِنَ الرِّضَى مَا يَكُفُّهُ عَنْكَ وَ لَا يُضِرُّ بِدِينِكَ- وَ تَسْتَعِينُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِاللَّهِ- وَ لَا تُعَازِّهِ وَ لَا تُعَانِدْهُ- فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ عَقَقْتَهُ وَ عَقَقْتَ نَفْسَكَ- فَعَرَّضْتَهَا لِمَكْرُوهِهِ وَ عَرَّضْتَهُ لِلْهَلَكَةِ فِيكَ- وَ كُنْتَ خَلِيقاً أَنْ تَكُونَ مُعِيناً لَهُ عَلَى نَفْسِكَ- وَ شَرِيكاً لَهُ فِيمَا أَتَى إِلَيْكَ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ فَالتَّعْظِيمُ لَهُ وَ التَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ- وَ حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ- وَ الْمَعُونَةُ لَهُ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا لَا غِنَى بِكَ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ- بِأَنْ تُفَرِّغَ لَهُ عَقْلَكَ وَ تُحَضِّرَهُ فَهْمَكَ وَ تُذَكِّيَ لَهُ قَلْبَكَ- وَ تُجَلِّيَ لَهُ بَصَرَكَ بِتَرْكِ اللَّذَّاتِ وَ نَقْضِ الشَّهَوَاتِ- وَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ فِيمَا أَلْقَى رَسُولُهُ إِلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ- فَلَزِمَكَ حُسْنُ التَّأْدِيَةِ عَنْهُ إِلَيْهِمْ- وَ لَا تَخُنْهُ فِي تَأْدِيَةِ رِسَالَتِهِ وَ الْقِيَامِ بِهَا عَنْهُ إِذَا تَقَلَّدْتَهَا- وَ لَا حَوْلَ‏

14

وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

: وَ أَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ فَنَحْوٌ مِنْ سَائِسِكَ بِالسُّلْطَانِ- إِلَّا أَنَّ هَذَا يَمْلِكُ مَا لَا يَمْلِكُهُ ذَاكَ- تَلْزَمُكَ طَاعَتُهُ فِيمَا دَقَّ وَ جَلَّ مِنْكَ- إِلَّا أَنْ تُخْرِجَكَ مِنْ وُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ- فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ يَحُولُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ حَقِّهِ وَ حُقُوقِ الْخَلْقِ- فَإِذَا قَضَيْتَهُ رَجَعْتَ إِلَى حَقِّهِ فَتَشَاغَلْتَ بِهِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- ثُمَّ حُقُوقُ الرَّعِيَّةِ- فَأَمَّا حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطَانِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ إِنَّمَا اسْتَرْعَيْتَهُمْ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ عَلَيْهِمْ- فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَحَلَّهُمْ مَحَلَّ الرَّعِيَّةِ لَكَ ضَعْفُهُمْ وَ ذُلُّهُمْ- فَمَا أَوْلَى مَنْ كَفَاكَهُ ضَعْفُهُ وَ ذُلُّهُ- حَتَّى صَيَّرَهُ لَكَ رَعِيَّةً وَ صَيَّرَ حُكْمَكَ عَلَيْهِ نَافِذاً- لَا يَمْتَنِعُ مِنْكَ بِعِزَّةٍ وَ لَا قُوَّةٍ- وَ لَا يَسْتَنْصِرُ فِيمَا تَعَاظَمَهُ مِنْكَ إِلَّا بِاللَّهِ- بِالرَّحْمَةِ وَ الْحِيَاطَةِ وَ الْأَنَاةِ- وَ مَا أَوْلَاكَ إِذَا عَرَفْتَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِ هَذِهِ الْعِزَّةِ وَ الْقُوَّةِ- الَّتِي قَهَرْتَ بِهَا- أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ شَاكِراً وَ مَنْ شَكَرَ اللَّهَ أَعْطَاهُ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ قَيِّماً فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ- وَ وَلَّاكَ مِنْ خِزَانَةِ الْحِكْمَةِ- فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِيمَا وَلَّاكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ- وَ قُمْتَ بِهِ لَهُمْ مَقَامَ الْخَازِنِ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ لِمَوْلَاهُ فِي عَبِيدِهِ- الصَّابِرِ الْمُحْتَسِبِ الَّذِي إِذَا رَأَى ذَا حَاجَةٍ أَخْرَجَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ- الَّتِي فِي يَدَيْهِ رَاشِداً- وَ كُنْتَ لِذَلِكَ آمِلًا مُعْتَقِداً- وَ إِلَّا كُنْتَ لَهُ خَائِناً وَ لِخَلْقِهِ ظَالِماً- وَ لِسَلَبِهِ وَ غَيْرِهِ مُتَعَرِّضاً- وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِمِلْكِ النِّكَاحِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا سَكَناً وَ مُسْتَرَاحاً وَ أُنْساً وَ وَاقِيَةً- وَ كَذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْكُمَا يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى صَاحِبِهِ- وَ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ- وَ وَجَبَ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ يُكْرِمَهَا وَ يَرْفُقَ بِهَا- وَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ عَلَيْهَا أَغْلَظَ وَ طَاعَتُكَ لَهَا أَلْزَمَ- فِيمَا أَحْبَبْتَ وَ كَرِهْتَ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً- فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحْمَةِ وَ الْمُؤَانَسَةِ- وَ مَوْضِعُ السُّكُونِ إِلَيْهَا قَضَاءُ اللَّذَّةِ- الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ ذَلِكَ عَظِيمٌ وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ خَلْقُ رَبِّكَ وَ لَحْمُكَ وَ دَمُكَ- وَ أَنَّكَ تَمْلِكُهُ لَا أَنْتَ صَنَعْتَهُ دُونَ اللَّهِ- وَ لَا خَلَقْتَ لَهُ سَمْعاً وَ لَا بَصَراً وَ لَا أَجْرَيْتَ لَهُ رِزْقاً-

15

وَ لَكِنَّ اللَّهَ كَفَاكَ ذَلِكَ بِمَنْ سَخَّرَهُ لَكَ وَ ائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ- وَ اسْتَوْدَعَكَ إِيَّاهُ لِتَحْفَظَهُ فِيهِ وَ تَسِيرَ فِيهِ بِسِيرَتِهِ- فَتُطْعِمَهُ مِمَّا تَأْكُلُ وَ تُلْبِسَهُ مِمَّا تَلْبَسُ وَ لَا تُكَلِّفَهُ مَا لَا يُطِيقُ- فَإِنْ كَرِهْتَهُ خَرَجْتَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ وَ اسْتَبْدَلْتَ بِهِ- وَ لَمْ تُعَذِّبْ خَلْقَ اللَّهِ وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الرَّحِمِ- فَحَقُّ أُمِّكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَداً- وَ أَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَداً- وَ أَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَ بَصَرِهَا وَ يَدِهَا وَ رِجْلِهَا- وَ شَعْرِهَا وَ بَشَرِهَا وَ جَمِيعِ جَوَارِحِهَا- مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرِحَةً موبلة [مُؤَمِّلَةً- مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَ ألمه و ثقله و غمه [أَلَمُهَا وَ ثِقْلُهَا وَ غَمُّهَا- حَتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ وَ أَخْرَجَتْكَ إِلَى الْأَرْضِ- فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَ تَجُوعَ هِيَ وَ تَكْسُوَكَ وَ تَعْرَى- وَ تُرْوِيَكَ وَ تَظْمَأَ وَ تُظِلَّكَ وَ تَضْحَى- وَ تُنَعِّمَكَ بِبُؤْسِهَا وَ تُلَذِّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا- وَ كَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً وَ حِجْرُهَا لَكَ حِوَاءً- وَ ثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً وَ نَفْسُهَا لَكَ وِقَاءً- تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيَا وَ بَرْدَهَا لَكَ وَ دُونَكَ- فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ- وَ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ تَوْفِيقِهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أَبِيكَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُكَ وَ أَنَّكَ فَرْعُهُ- وَ أَنَّكَ لَوْلَاهُ لَمْ تَكُنْ- فَمَهْمَا رَأَيْتَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ- فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ- وَ احْمَدِ اللَّهَ وَ اشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْكَ- وَ مُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَ شَرِّهِ- وَ أَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَ الدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ- وَ الْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَ فِي نَفْسِهِ- فَمُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ وَ مُعَاقَبٌ- فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيِّنِ بِحُسْنِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا- الْمُعَذِّرِ إِلَى رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ بِحُسْنِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ- وَ الْأَخْذِ لَهُ مِنْهُ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أَخِيكَ- فَتَعْلَمُ أَنَّهُ يَدُكَ الَّتِي تَبْسُطُهَا وَ ظَهْرُكَ الَّذِي تَلْتَجِي إِلَيْهِ- وَ عِزُّكَ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ- وَ قُوَّتُكَ الَّتِي تَصُولُ بِهَا- فَلَا تَتَّخِذْهُ سِلَاحاً عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ لَا عُدَّةً لِلظُّلْمِ بِخَلْقِ اللَّهِ- وَ لَا تَدَعْ نُصْرَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَعُونَتَهُ عَلَى عَدُوِّهِ- وَ الْحَوْلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ شَيَاطِينِهِ وَ تَأْدِيَةَ النَّصِيحَةِ إِلَيْهِ- وَ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ فِي اللَّهِ- فَإِنِ انْقَادَ لِرَبِّهِ وَ أَحْسَنَ الْإِجَابَةَ لَهُ- وَ إِلَّا فَلْيَكُنِ اللَّهُ آثَرَ عِنْدَكَ وَ أَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ-

16

وَ أَمَّا حَقُّ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ بِالْوَلَاءِ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَنْفَقَ فِيكَ مَالَهُ- وَ أَخْرَجَكَ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ وَ وَحْشَتِهِ إِلَى عِزِّ الْحُرِّيَّةِ وَ أُنْسِهَا- وَ أَطْلَقَكَ مِنْ أَسْرِ الْمَلَكَةِ وَ فَكَّ عَنْكَ حَلَقَ الْعُبُودِيَّةِ- وَ أَوْجَدَكَ رَائِحَةَ الْعِزِّ وَ أَخْرَجَكَ مِنْ سِجْنِ الْقَهْرِ- وَ دَفَعَ عَنْكَ الْعُسْرَ وَ بَسَطَ لَكَ لِسَانَ الْإِنْصَافِ- وَ أَبَاحَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا فَمَلَّكَكَ نَفْسَكَ وَ حَلَّ أَسْرَكَ- وَ فَرَّغَكَ لِعِبَادَةِ رَبِّكَ وَ احْتَمَلَ بِذَلِكَ التَّقْصِيرَ فِي مَالِهِ- فَتَعْلَمَ أَنَّهُ أَوْلَى الْخَلْقِ بِكَ- بَعْدَ أُولِي رَحِمِكَ فِي حَيَاتِكَ وَ مَوْتِكَ- وَ أَحَقُّ الْخَلْقِ بِنَصْرِكَ وَ مَعُونَتِكَ وَ مُكَانَفَتِكَ فِي ذَاتِ- اللَّهِ- فَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْهِ نَفْسَكَ مَا احْتَاجَ إِلَيْكَ أَبَداً- وَ أَمَّا حَقُّ مَوْلَاكَ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ نِعْمَتُكَ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ حَامِيَةً عَلَيْهِ- وَ وَاقِيَةً وَ نَاصِراً وَ مَعْقِلًا- وَ جَعَلَهُ لَكَ وَسِيلَةً وَ سَبَباً بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ- فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَحْجُبَكَ عَنِ النَّارِ- فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ ثَوَابُكَ مِنْهُ فِي الْآجِلِ وَ يَحْكُمَ لَكَ بِمِيرَاثِهِ فِي الْعَاجِلِ- إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحِمٌ مُكَافَاةً لِمَا أَنْفَقْتَهُ مِنْ مَالِكَ عَلَيْهِ- وَ قُمْتَ بِهِ مِنْ حَقِّهِ بَعْدَ إِنْفَاقِ مَالِكَ- فَإِنْ لَمْ تَخَفْهُ خِيفَ عَلَيْكَ أَنْ لَا يَطِيبَ لَكَ مِيرَاثُهُ وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ عَلَيْكَ فَأَنْ تَشْكُرَهُ- وَ تَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ وَ تَنْشُرَ بِهِ الْقَالَةَ الْحَسَنَةَ- وَ تُخْلِصَ لَهُ الدُّعَاءَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَ عَلَانِيَةً- ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَكَ مُكَافَاتُهُ بِالْفِعْلِ كَافَأْتَهُ- وَ إِلَّا كُنْتَ مُرْصِداً لَهُ مُوَطِّناً نَفْسَكَ عَلَيْهَا- وَ أَمَّا حَقُّ الْمُؤَذِّنِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مُذَكِّرُكَ بِرَبِّكَ- وَ دَاعِيكَ إِلَى حَظِّكَ- وَ أَفْضَلُ أَعْوَانِكَ عَلَى قَضَاءِ الْفَرِيضَةِ- الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ- فَتَشْكُرَهُ عَلَى ذَلِكَ شُكْرَكَ لِلْمُحْسِنِ إِلَيْكَ- وَ إِنْ كُنْتَ فِي بَيْتِكَ مُتَّهَماً لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ مُتَّهِماً- وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ لَا شَكَّ فِيهَا- فَأَحْسِنْ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَيْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ إِمَامِكَ فِي صَلَاتِكَ- فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ السِّفَارَةَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ- وَ الْوِفَادَةَ إِلَى رَبِّكَ- وَ تَكَلَّمَ عَنْكَ وَ لَمْ تَتَكَلَّمْ عَنْهُ وَ دَعَا لَكَ وَ لَمْ تَدْعُ لَهُ- وَ طَلَبَ فِيكَ وَ لَمْ تَطْلُبْ فِيهِ- وَ كَفَاكَ هَمَّ الْمُقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ الْمَسْأَلَةِ لَهُ فِيكَ- وَ لَمْ تَكْفِهِ ذَلِكَ- فَإِنْ كَانَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ كَانَ بِهِ دُونَكَ- وَ إِنْ كَانَ آثِماً لَمْ تَكُنْ شَرِيكَهُ فِيهِ- وَ لَمْ‏

17

يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِ فَضْلٌ- فَوَقَى نَفْسَكَ بِنَفْسِهِ وَ وَقَى صَلَاتَكَ بِصَلَاتِهِ- فَتَشْكُرُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ الْجَلِيسِ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ كَنَفَكَ- وَ تُطِيبَ لَهُ جَانِبَكَ وَ تُنْصِفَهُ فِي مجاواة [مُجَارَاةِ اللَّفْظِ- وَ لَا تُغْرِقَ فِي نَزْعِ اللَّحْظِ إِذَا لَحَظْتَ- وَ تَقْصِدَ فِي اللَّفْظِ إِلَى إِفْهَامِهِ إِذَا لَفَظْتَ- وَ إِنْ كُنْتَ الْجَلِيسَ إِلَيْهِ كُنْتَ فِي الْقِيَامِ عَنْهُ بِالْخِيَارِ- وَ إِنْ كَانَ الْجَالِسَ إِلَيْكَ كَانَ بِالْخِيَارِ وَ لَا تَقُومَ إِلَّا بِإِذْنِهِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِباً وَ كَرَامَتُهُ شَاهِداً- وَ نُصْرَتُهُ وَ مَعُونَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعاً- لَا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً وَ لَا تَبْحَثْ لَهُ عَنْ سَوْأَةٍ لِتَعْرِفَهَا- فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَ لَا تَكَلُّفٍ- كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْناً حَصِيناً وَ سِتْراً سَتِيراً- لَوْ بَحَثَتِ الْأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيراً لَمْ تَتَّصِلْ إِلَيْهِ لِانْطِوَائِهِ عَلَيْهِ- لَا تَسْتَمِعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ- لَا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ وَ لَا تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ- تُقِيلُهُ عَثْرَتَهُ وَ تَغْفِرُ زَلَّتَهُ- وَ لَا تَذْخَرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ- وَ لَا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ- تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ وَ تُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ- وَ تُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ الصَّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا- وَ إِلَّا فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْصَافِ- وَ أَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ وَ تَحْفَظَهُ كَمَا يَحْفَظُكَ- وَ لَا يَسْبِقَكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ إِلَى مَكْرُمَةٍ- فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَأْتَهُ وَ لَا تُقَصِّرَ بِهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ- تُلْزِمْ نَفْسَكَ نَصِيحَتَهُ وَ حِيَاطَتَهُ وَ مُعَاضَدَتَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ- وَ مَعُونَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا يَهُمُّ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ- ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذَاباً- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الشَّرِيكِ فَإِنْ غَابَ كَفَيْتَهُ وَ إِنْ حَضَرَ سَاوَيْتَهُ- لَا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دُونَ حُكْمِهِ- وَ لَا تَعْمَلْ بِرَأْيِكَ دُونَ مُنَاظَرَتِهِ- تَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَ تَنْفِي عَنْهُ خِيَانَتَهُ فِيمَا عَزَّ أَوْ هَانَ- فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْمَالِ فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ حِلِّهِ- وَ لَا تُنْفِقَهُ إِلَّا فِي حِلِّهِ- وَ لَا تُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَائِقِهِ- وَ لَا تَجْعَلَهُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ وَ سَبَباً إِلَى اللَّهِ- وَ لَا تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَعَلَّهُ لَا يَحْمَدُكَ- وَ بِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يُحْسِنَ خِلَافَتَكَ فِي‏

18

تَرِكَتِكَ- وَ لَا يَعْمَلَ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبِّكَ فَتَكُونَ مُعِيناً لَهُ عَلَى ذَلِكَ- أَوْ بِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ- أَحْسَنَ نَظَراً لِنَفْسِهِ فَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ رَبِّهِ- فَيَذْهَبُ بِالْغَنِيمَةِ- وَ تَبُوءُ بِالْإِثْمِ وَ الْحَسْرَةِ وَ النَّدَامَةِ مَعَ التَّبِعَةِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْغَرِيمِ الطَّالِبِ لَكَ- فَإِنْ كُنْتَ مُوسِراً أَوْفَيْتَهُ وَ كَفَيْتَهُ وَ أَغْنَيْتَهُ وَ لَمْ تَرُدَّهُ وَ تَمْطُلْهُ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَ إِنْ كُنْتَ مُعْسِراً أَرْضَيْتَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ- وَ طَلَبْتَ إِلَيْهِ طَلَباً جَمِيلًا وَ رَدَدْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ رَدّاً لَطِيفاً- وَ لَمْ تَجْمَعْ عَلَيْهِ ذَهَابَ مَالِهِ وَ سُوءَ مُعَامَلَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لُؤْمٌ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْخَلِيطِ فَأَنْ لَا تَغُرَّهُ وَ لَا تَغُشَّهُ وَ لَا تَكْذِبَهُ وَ لَا تُغْفِلَهُ وَ لَا تَخْدَعَهُ- وَ لَا تَعْمَلَ فِي انْتِقَاضِهِ عَمَلَ الْعَدُوِّ- الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى صَاحِبِهِ وَ إِنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْكَ- اسْتَقْصَيْتَ لَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلِمْتَ أَنَّ غَبْنَ الْمُسْتَرْسِلِ رِبًا- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْخَصْمِ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ- فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَيْكَ حَقّاً لَمْ تَنْفَسِخْ فِي حُجَّتِهِ- وَ لَمْ تَعْمَلْ فِي إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ- وَ كُنْتَ خَصْمَ نَفْسِكَ لَهُ وَ الْحَاكِمَ عَلَيْهَا- وَ الشَّاهِدَ لَهُ بِحَقِّهِ دُونَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ- وَ إِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ بَاطِلًا رَفَقْتَ بِهِ وَ رَوَّعْتَهُ وَ نَاشَدْتَهُ بِدِينِهِ- وَ كَسَرْتَ حِدَّتَهُ عَنْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ- وَ أَلْقَيْتَ حَشْوَ الْكَلَامِ وَ لَفْظَةَ السُّوءِ- الَّذِي لَا يَرُدُّ عَنْكَ عَادِيَةَ عَدُوِّكَ بَلْ تَبُوءُ بِإِثْمِهِ- وَ بِهِ يَشْحَذُ عَلَيْكَ سَيْفَ عَدَاوَتِهِ- لِأَنَّ لَفْظَةَ السُّوءِ تَبْعَثُ الشَّرَّ وَ الْخَيْرُ مَقْمَعَةٌ لِلشَّرِّ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ الْخَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ- فَإِنْ كَانَ مَا تَدَّعِيهِ حَقّاً أَجْمَلْتَ فِي مُقَاوَلَتِهِ بِمَخْرَجِ الدَّعْوَى- فَإِنَّ لِلدَّعْوَى غِلْظَةً فِي سَمْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ- وَ قَصَدْتَ قَصْدَ حُجَّتِكَ بِالرِّفْقِ- وَ أَمْهَلِ الْمُهْلَةِ وَ أَبْيَنِ الْبَيَانِ وَ أَلْطَفِ اللُّطْفِ- وَ لَمْ تَتَشَاغَلْ عَنْ حُجَّتِكَ بِمُنَازَعَتِهِ بِالْقِيلِ وَ الْقَالِ- فَتَذْهَبَ عَنْكَ حُجَّتُكَ وَ لَا يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ دَرَكٌ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْمُسْتَشِيرِ- فَإِنْ حَضَرَكَ لَهُ وَجْهُ رَأْيٍ جَهَدْتَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ- وَ أَشَرْتَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَكَانَهُ عَمِلْتَ بِهِ- وَ ذَلِكَ لِيَكُنْ مِنْكَ فِي رَحْمَةٍ وَ لِينٍ- فَإِنَّ اللِّينَ يُونِسُ الْوَحْشَةَ- وَ إِنَّ الْغِلَظَ يُوحِشُ مِنْ مَوْضِعِ الْأُنْسِ- وَ إِنْ لَمْ يَحْضُرْكَ لَهُ رَأْيٌ- وَ عَرَفْتَ لَهُ مَنْ تَثِقُ بِرَأْيِهِ وَ تَرْضَى بِهِ لِنَفْسِكَ- دَلَلْتَهُ عَلَيْهِ وَ أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ- فَكُنْتَ لَمْ‏

19

تَأْلُهُ خَيْراً وَ لَمْ تَدَّخِرْهُ نُصْحاً- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ أَمَّا حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ- فَلَا تَتَّهِمْهُ فِيمَا يُوَافِقُكَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ إِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ- فَإِنَّمَا هِيَ الْآرَاءُ وَ تَصَرُّفُ النَّاسِ فِيهَا وَ اخْتِلَافُهُمْ- فَكُنْ عَلَيْهِ فِي رَأْيِهِ بِالْخِيَارِ إِذَا اتَّهَمْتَ رَأْيَهُ- فَأَمَّا تُهَمَتُهُ فَلَا تَجُوزُ لَكَ إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْمُشَاوَرَةَ- وَ لَا تَدَعْ شُكْرَهُ عَلَى مَا بَدَا لَكَ مِنْ إِشْخَاصِ رَأْيِهِ- وَ حُسْنِ وَجْهِ مَشُورَتِهِ- فَإِذَا وَافَقَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ- وَ قَبِلْتَ ذَلِكَ مِنْ أَخِيكَ بِالشُّكْرِ- وَ الْإِرْصَادِ بِالْمُكَافَاةِ فِي مِثْلِهَا إِنْ فَزِعَ إِلَيْكَ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الْمُسْتَنْصِحِ- فَإِنَّ حَقَّهُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ عَلَى الْحَقِّ- الَّذِي تَرَى لَهُ أَنْ يَحْمِلَ- وَ يَخْرُجَ الْمَخْرَجَ الَّذِي يَلِينُ عَلَى مَسَامِعِهِ- وَ تُكَلِّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِمَا يُطِيقُهُ عَقْلُهُ- فَإِنَّ لِكُلِّ عَقْلٍ طيقة [طَبَقَةً مِنَ الْكَلَامِ يَعْرِفُهُ وَ يُجِيبُهُ- وَ لْيَكُنْ مَذْهَبُكَ الرَّحْمَةَ وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ النَّاصِحِ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ ثُمَّ تَشْرَئِبَّ لَهُ قَلْبَكَ- وَ تَفْتَحَ لَهُ سَمْعَكَ حَتَّى تَفْهَمَ عَنْهُ نَصِيحَتَهُ ثُمَّ تَنْظُرَ فِيهَا- فَإِنْ كَانَ وُفِّقَ فِيهَا لِلصَّوَابِ حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ- وَ قَبِلْتَ مِنْهُ وَ عَرَفْتَ لَهُ نَصِيحَتَهُ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وُفِّقَ لَهَا فِيهَا رَحِمْتَهُ وَ لَمْ تَتَّهِمْهُ- وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ نُصْحاً إِلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مُسْتَحِقّاً لِلتُّهَمَةِ- فَلَا تَعْنِي‏

(1)

بِشَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ الْكَبِيرِ فَإِنَّ حَقَّهُ تَوْقِيرُ سِنِّهِ وَ إِجْلَالُ إِسْلَامِهِ- إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَقْدِيمِهِ فِيهِ- وَ تَرْكُ مُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْخِصَامِ- لَا تَسْبِقُهُ إِلَى طَرِيقٍ وَ لَا تَؤُمُّهُ فِي طَرِيقٍ وَ لَا تَسْتَجْهِلُهُ- وَ إِنْ جَهِلَ عَلَيْكَ تَحَمَّلْتَ وَ أَكْرَمْتَهُ بِحَقِّ إِسْلَامِهِ مَعَ سِنِّهِ- فَإِنَّمَا حَقُّ السِّنِّ بِقَدْرِ الْإِسْلَامِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ الصَّغِيرِ فَرَحْمَتُهُ وَ تَثْقِيفُهُ وَ تَعْلِيمُهُ- وَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَ السَّتْرُ عَلَيْهِ- وَ الرِّفْقُ بِهِ وَ الْمَعُونَةُ لَهُ- وَ السَّتْرُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثَتِهِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ- وَ الْمُدَارَاةُ لَهُ وَ تَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى لِرُشْدِهِ‏

____________

(1) فلا تعبأ خ.

20

وَ أَمَّا حَقُّ السَّائِلِ فَإِعْطَاؤُهُ إِذَا تهبأت [تَهَيَّأَتْ صَدَقَةٌ- وَ قَدَرْتَ عَلَى سَدِّ حَاجَتِهِ وَ الدُّعَاءُ لَهُ فِيمَا نَزَلَ بِهِ- وَ الْمُعَاوَنَةُ لَهُ عَلَى طَلِبَتِهِ- وَ إِنْ شَكَكْتَ فِي صِدْقِهِ وَ سَبَقَتْ إِلَيْهِ التُّهَمَةُ لَهُ لَمْ تَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَمْ تَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ أَرَادَ أَنْ يَصُدَّكَ عَنْ حَظِّكَ- وَ يَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّكَ- وَ تَرَكْتَهُ بِسَتْرِهِ وَ رَدَدْتَهُ رَدّاً جَمِيلًا- وَ إِنْ غَلَبَتْ نَفْسُكَ فِي أَمْرِهِ وَ أَعْطَيْتَهُ عَلَى مَا عَرَضَ فِي نَفْسِكَ مِنْهُ-

فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

- وَ أَمَّا حَقُّ الْمَسْئُولِ إِنْ أَعْطَى فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا أَعْطَى بِالشُّكْرِ لَهُ- وَ الْمَعْرِفَةِ لِفَضْلِهِ- وَ اطْلُبْ وَجْهَ الْعُذْرِ فِي مَنْعِهِ وَ أَحْسِنْ بِهِ الظَّنَّ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ مَنَعَ مَالَهُ مَنَعَ وَ أَنْ لَيْسَ التَّثْرِيبُ فِي مَالِهِ- وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً فَ

إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

- وَ أَمَّا حَقُّ مَنْ سَرَّكَ اللَّهُ بِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ- فَإِنْ كَانَ تَعَمَّدَهَا لَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ أَوَّلًا- ثُمَّ شَكَرْتَهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَدْرِهِ فِي مَوْضِعِ الْجَزَاءِ- وَ كَافَأْتَهُ عَلَى فَضْلِ الِابْتِدَاءِ وَ أَرْصَدْتَ لَهُ الْمُكَافَاةَ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَهَا حَمِدْتَ اللَّهَ وَ شَكَرْتَهُ- وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْهُ تَوَحَّدَكَ بِهَا- وَ أَحْبَبْتَ هَذَا إِذْ كَانَ سَبَباً مِنْ أَسْبَابِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ- وَ تَرْجُو لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْراً- فَإِنَّ أَسْبَابَ النِّعَمِ بَرَكَةٌ حَيْثُ مَا كَانَتْ وَ إِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَمَّدْ- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ أَمَّا حَقُّ مَنْ سَاءَكَ الْقَضَاءُ عَلَى يَدَيْهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ- فَإِنْ كَانَ تَعَمَّدَهَا كَانَ الْعَفْوُ أَوْلَى بِكَ- لِمَا فِيهِ لَهُ مِنَ الْقَمْعِ وَ حُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ كَبِيرِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْخَلْقِ- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ-

وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏

- إِلَى قَوْلِهِ‏

لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (1)

- وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ- وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏ (2)

- هَذَا فِي الْعَمْدِ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمْداً لَمْ تَظْلِمْهُ بِتَعَمُّدِ الِانْتِصَارِ مِنْهُ- فَتَكُونَ قَدْ كَافَأْتَهُ فِي تَعَمُّدٍ عَلَى خَطَاءٍ- وَ رَفَقْتَ بِهِ وَ رَدَدْتَهُ بِأَلْطَفِ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ- وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

- وَ أَمَّا حَقُّ أَهْلِ بَيْتِكَ عَامَّةً فَإِضْمَارُ السَّلَامَةِ- وَ نَشْرُ جَنَاحِ الرَّحْمَةِ وَ الرِّفْقُ بِمُسِيئِهِمْ- وَ تَأَلُّفُهُمْ وَ اسْتِصْلَاحُهُمْ- وَ شُكْرُ مُحْسِنِهِمْ إِلَى نَفْسِهِ وَ إِلَيْكَ- فَإِنَّ إِحْسَانَهُ إِلَى نَفْسِهِ إِحْسَانُهُ إِلَيْكَ إِذَا كَفَّ عَنْكَ أَذَاهُ- وَ كَفَاكَ مَئُونَتَهُ وَ حَبَسَ عَنْكَ نَفْسَهُ- فَعُمَّهُمْ‏

____________

(1) الشورى: 40.

(2) النحل: 126.

21

جَمِيعاً بِدَعْوَتِكَ وَ انْصُرْهُمْ جَمِيعاً بِنُصْرَتِكَ- وَ أَنْزِلْهُمْ جَمِيعاً مِنْكَ مَنَازِلَهُمْ- كَبِيرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ وَ صَغِيرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ- وَ أَوْسَطَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ- فَمَنْ أَتَاكَ تَعَاهَدْتَهُ بِلُطْفٍ وَ رَحْمَةٍ- وَ صِلْ أَخَاكَ بِمَا يَجِبُ لِلْأَخِ عَلَى أَخِيهِ- وَ أَمَّا حَقُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَالْحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا قَبِلَ اللَّهُ- وَ تَفِيَ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ ذِمَّتِهِ وَ عَهْدِهِ- وَ تُكَلِّمَهُمْ إِلَيْهِ فِيمَا طُلِبُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أُجْبِرُوا عَلَيْهِ- وَ تَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ- فِيمَا جَرَى بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ مِنْ مُعَامَلَةٍ- وَ لْيَكُنْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ظُلْمِهِمْ مِنْ رِعَايَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ- وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَ عَهْدِ رَسُولِهِ ص حَائِلٌ- فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ- مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَداً كُنْتُ خَصْمَهُ- فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- فَهَذِهِ خَمْسُونَ حَقّاً مُحِيطَةً بِكَ- لَا تَخْرُجْ مِنْهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ- يَجِبُ عَلَيْكَ رِعَايَتُهَا وَ الْعَمَلُ فِي تَأْدِيَتِهَا- وَ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ-

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (1)

.

إنما أوردناه مكررا للاختلاف الكثير بينهما و قوة سند الأول و كثرة فوائد الثاني.

3-

ضا، فقه الرضا (عليه السلام) رُوِيَ‏

لَا تَقْطَعْ أَوِدَّاءَ أَبِيكَ فَيُطْفَى نُورُكَ وَ رُوِيَ أَنَّ الرَّحِمَ إِذَا بَعُدَتْ غُبِطَتْ وَ إِذَا تَمَاسَّتْ عَطِبَتْ وَ رُوِيَ سِرْ سَنَتَيْنِ بَرَّ وَالِدَيْكَ سِرْ سَنَةً صِلْ رَحِمَكَ- سِرْ مِيلًا عُدْ مَرِيضاً سِرْ مِيلَيْنِ شَيِّعْ جَنَازَةً- سِرْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَجِبْ دَعْوَةً سِرْ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ زُرْ أَخَاكَ فِي اللَّهِ- سِرْ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ انْصُرْ مَظْلُوماً وَ سِرْ سِتَّةَ أَمْيَالٍ أَغِثْ مَلْهُوفاً- سِرْ عَشَرَةَ أَمْيَالٍ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْمُؤْمِنِ وَ عَلَيْكَ بِالاسْتِغْفَارِ وَ نَرْوِي بَرُّوا أَبَاكُمْ يَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ- كُفُّوا عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ يعف [تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ وَ أَرْوِي الْأَخُ الْكَبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَ أَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُقَسِّمُ لَحَظَاتِهِ بَيْنَ جُلَسَائِهِ وَ مَا سُئِلَ عَنْ شَيْ‏ءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا بِأَبِي وَ أُمِّي- وَ لَا عَاتَبَ أَحَداً عَلَى ذَنْبٍ أَذْنَبَ وَ نَرْوِي مَنْ عَرَّضَ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فِي حَدِيثِهِ فَكَأَنَّمَا خَدَشَ وَجْهَهُ وَ نَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَعَنَ ثَلَاثَةً- آكِلَ زَادِهِ وَحْدَهُ وَ رَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَ النَّائِمَ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ وَ أَرْوِي أَطْرِفُوا أَهَالِيَكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَ اللَّحْمِ- حَتَّى يَفْرَحُوا بِالْجُمُعَةِ.

____________

(1) تحف العقول: 260- 278.

22

أبواب آداب العشرة بين ذوي الأرحام و المماليك و الخدم المشاركين غالبا في البيت‏

باب 2 بر الوالدين و الأولاد و حقوق بعضهم على بعض و المنع من العقوق‏

الآيات البقرة وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (1) الأنعام‏ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ‏ (2) التوبة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ (3)

____________

(1) البقرة: 83.

(2) الأنعام: 151.

(3) براءة: 23 و 24.

23

الإسراء وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً- وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً- رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (1) مريم‏ وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (2) و قال‏ وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (3) العنكبوت‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (4) لقمان‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ- وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (5) الأحقاف‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (6)

1-

كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

قَالَ وَ أَنَا عِنْدَهُ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ الْأَنْصَارِيِّ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ- فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً

- فَظَنَنَّا أَنَّهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ‏

وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً

- فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ سَأَلْتُهُ فَقَالَ هِيَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ-

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً

-

وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ‏

____________

(1) الإسراء: 25- 23.

(2) مريم: 14.

(3) مريم: 32.

(4) العنكبوت: 8.

(5) لقمان: 14 و 15.

(6) الأحقاف: 15.

24

بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما

- فَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ بِصِلَتِهِمَا وَ حَقِّهِمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ-

وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏

- فَقَالَ لَا بَلْ يَأْمُرُ بِصِلَتِهِمَا- وَ إِنْ جَاهَدَاهُ عَلَى الشِّرْكِ مَا زَادَ حَقَّهُمَا إِلَّا عِظَماً

(1)

.

بيان هذا الخبر من الأخبار العويصة الغامضة التي سلك كل فريق من الأماثل فيها واديا فلم يأتوا بعد الرجوع بما يسمن أو يغني من جوع و فيه إشكالات لفظية و معنوية.

أما الأولى فهي أن الآيات الدالة على فضل بر الوالدين كثيرة و ما يناسب المقام منها ثلاث.

الأولى الآية التي في بني إسرائيل‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الثانية الآية التي في سورة العنكبوت و هي‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما الثالثة الآية التي في لقمان و هي‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً فأما الآية الأولى فهي موافقة لما في المصاحف و الآية المنسوبة إلى لقمان لا يوافق شيئا من الآيتين المذكورتين في لقمان و العنكبوت و أيضا تصريح الراوي أولا بأن الكلام كان في قوله تعالى‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً و جوابه(ع)بما لا يوافقه مما لا يكاد يستقيم ظاهرا.

و أما الإشكالات المعنوية و سائر الإشكالات اللفظية فسيظهر لك عند ذكر التوجيهات و قد ذكر فيها وجوه نكتفي بإيراد بعضها.

الأول ما خطر في عنفوان شبابي ببالي و عرضتها على مشايخي العظام (رضوان الله عليهم) فاستحسنوها و هو أن قول الراوي‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً بناء على زعمه‏

____________

(1) الكافي ج 2: 159.

25

أن الآية التي أشار(ع)إليها هي التي في بني إسرائيل كما ذكره بعد ذلك و لم يذكر الإمام(ع)ذلك بل قال أكد الله تعالى في موضع من القرآن تأكيدا عظيما في بر الوالدين فظننا أن مراده(ع)الآية التي في بني إسرائيل أو المراد في معنى هذه العبارة و مضمونها و إن لم يذكر بهذا اللفظ و يحتمل أن يكون(ع)قرأ هذه الآية صريحا و أشار إجمالا إلى تأكيد عظيم في برهما فظن الراوي أن المبالغة العظيمة في هذه العبارة فقال(ع)لا بل أردت ما في لقمان و إنما نسب الراوي هذه العبارة إلى بني إسرائيل مع أنها قد تكررت في مواضع من القرآن المجيد منها في البقرة و منها في الأنعام و منها في النساء لأنه تعالى عقب هذه العبارة في بني إسرائيل بتفسير الإحسان و تفصيل رعاية حقهما حيث قال‏ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ إلى آخر ما مردون ما في سائر السور مع أنه يحتمل أن يكون الراوي سمع منه(ع)أن ما في سائر السور إنما هو في شأن الوالدين بحسب الإيمان و العلم أعني النبي و الوصي صلى الله عليهما و ما في الإسراء في شأن والدي النسب كما قال علي بن إبراهيم في تفسير آية الأنعام إن الوالدين رسول الله و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) (1).

و قد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك لكن الظاهر أنه من بطون الآيات و لا ينافي ظواهرها.

و أما الإشكال الثاني فيمكن أن يكون حسنا مثبتا في قراءتهم(ع)و نظيره في الأخبار كثير و قد مر بعضها و سائر الأجزاء موافق لما في المصاحف لكن قد أسقط من البين قوله‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ‏ إلى قوله‏ إِلَيَّ الْمَصِيرُ اختصارا لعدم الحاجة إليه في هذا المقام أو إحالة على ما في المصاحف كما أنه لم يذكر وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً مع شدة الحاجة إليه في هذا المقام.

أو يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الآيتين معا فذكر حُسْناً للإشارة على آية العنكبوت و عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ‏ للإشارة إلى لقمان و كأنه لذلك أسقط(ع)الفاصلة و التتمة لعدمهما في العنكبوت فقوله في لقمان للاختصار أي في لقمان و غيرها أو

____________

(1) تفسير القمّيّ: 208.

26

المراد به لقمان و ما يقرب منها بالظرفية المجازية كما يقال سجدة لقمان للمجاورة و كأنه(ع)ذكر السورتين و الآيتين معا فاختصرهما الرواة عمدا أو سهوا و مثله كثير.

فقال أي الإمام(ع)هي التي أي الآية التي أشرت إليها و ذكرت أن فيها المبالغة العظيمة في برهما أو الآية التي فسرتها لعبد الواحد التي في لقمان فقال إن ذلك هذا كلام ابن مسكان يقول قال الراوي المجهول الذي كان حاضرا عند سؤال عبد الواحد و هذا شائع في الأخبار يقول راوي الراوي قال مكان قول الراوي قلت و لا يلزم إرجاع المستتر إلى عبد الواحد و تقدير أنه كان حاضرا عند هذا السؤال أيضا ليحكم ببعده و لا يستبعد ذلك من له أدنى أنس بالأخبار و الحاصل أنه قال الراوي له(ع)إن ذلك أي الأمر الذي في بني إسرائيل أعظم أن يأمر أي بأن يأمر أو هو بدل لقوله ذلك و غرضه أن الآية التي في بني إسرائيل و الأمر بالإحسان فيها بإطلاقها شامل لجميع الأحوال حتى حال الشرك و الآية التي في لقمان استثني فيها حال الشرك فتكون الأولى أبلغ و أتم في الأمر بالإحسان فإن في قوله‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ وصلية و إن كانت في الآية شرطية.

فقال أي الإمام(ع)في جوابه لا أي ليس الأمر في الآيتين كما ذكرت فإن آية بني إسرائيل ليس فيها تصريح بعموم الأحوال بل فيها دلالة ضعيفة باعتبار الإطلاق و ليس في آية لقمان استثناء حال الشرك بل فيها تنصيص على الإحسان في تلك الحال أيضا و إنما نهي عن الإطاعة في الشرك فقط و قال بعده هو صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً فأمر بالمصاحبة بالمعروف التي هي أكمل مراتب الإحسان في تلك الحال أيضا فعلى تقدير شمول الإطلاق في الأولى لتلك الحالة التنصيص أقوى في ذلك مع أن الدعاء بالرحمة في آخر آيات الإسراء مشعر بكونهما مسلمين.

27

فقوله بل يأمر أي بل يأمر الله في آية لقمان بصلتهما و إن جاهداه على الشرك و قوله ما زاد حقهما جملة أخرى مؤكدة أي ما زاد حقهما بذلك إلا عظما برفع حقهما أو بنصبه فيكون زاد متعديا أي لم يزد ذلك حقهما إلا عظما و يحتمل أن يكون يأمر مبتدأ بتقدير أن و ما زاد خبره.

الثاني ما قال صاحب الوافي (قدّس سرّه) حيث قال إنما ظنوا أنها في بني إسرائيل لأن ذكر هذا المعنى بهذه العبارة إنما هو في بني إسرائيل دون لقمان و لعله(ع)إنما أراد ذكر المعنى أي الإحسان بالوالدين دون لفظ القرآن و قوله(ع)أن يأمر بصلتهما بدل من قوله ذلك يعني أن يأمر الله بصلتهما و حقهما على كل حال التي من جملته حال مجاهدتهما على الإشراك بالله أعظم و المراد أنه ورد الأمر بصلتهما و إحقاق حقهما في تلك الحال أيضا و إن لم تجب طاعتهما في الشرك و لما استبان له(ع)من حال المخاطب أنه لا تجب صلتهما في حال مجاهدتهما على الشرك رد عليه ذلك بقوله لا و أضرب عنه بإثبات الأمر بصلتهما حينئذ أيضا و قوله ما زاد حقهما إلا عظما تأكيد لما سبق.

الثالث ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين أيضا و إن كان مآله إلى الثاني حيث قال فلما كان بعد أي بعد انقضاء- ذلك الزمان في وقت آخر سألته عن هذا يعني قلت هل كان الكلام في هذه الآية التي في بني إسرائيل فقال هي يعني الآية التي كان كلامنا فيها هي التي في لقمان و بينها بقوله‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ من الآلهة التي يعبدها الكفرة يعني باستحقاقها الإشراك و قيل المراد بنفي العلم به نفيه‏ فَلا تُطِعْهُما و قوله حسنا ليس مذكورا في الآية لكن ذكره(ع)بيانا للمقصود و لعل هذا منشأ للظن الذي ظنه السائل و غيره قوله‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ مفصول عن قوله‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ‏ لكن ذكره(ع)هاهنا لتعلق الغرض به.

فقال يعني الصادق(ع)إن ذلك يعني الوارد في سورة لقمان أعظم دلالة على الأمر بإحسان الوالدين و أبلغ فيه من الوارد في سورة بني إسرائيل و

28

قوله(ع)أن يأمر بصلتهما و حقهما أي رعاية حقهما على كل حال‏ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ بدل من اسم الإشارة بدل الاشتمال يعني الأمر بصلتهما على جميع الأحوال و إن كانت حال المجاهدة على الكفر كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم في بيان حق الوالدين مما يستفاد من آية بني إسرائيل لعدم دلالتها على عموم الأحوال.

بيان ذلك أن المستفاد من آية بني إسرائيل الأمر بالإحسان بالوالدين و الأمر لا يدل على التكرار كما تحقق في محله فضلا عن عموم الأحوال إذ فرق بين المطلق و العام و ما في الآية من النهي عن التأفيف و الزجر الدال على العموم إنما يدل على عموم النهي عن الأذى و وجوب الكف عنه في جميع الأحوال و لا يدل على وجوب تعميم الإحسان على أن في قوله تعالى‏ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً إشعارا باختصاص الأمر بالإحسان و ما ذكر في سياقه بالمسلمين منهما للنهي عن الدعاء للكافر و إن كان أحد الأبوين‏ وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ‏ (1).

و أما دلالة آية لقمان على وجوب الإحسان بهما و إن كان في حال الكفر فلقوله تعالى‏ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما حيث قال عز شأنه‏ فَلا تُطِعْهُما و لم يقل لا تحسن إليهما بعد الأمر بالإحسان ثم قوله‏ وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً كما لا يخفى على الفطن.

فقال يعني الصادق و إنما أعاد لفظ فقال هاهنا و في السابق للتأكيد و الفصل بين كلامه(ع)و الآية لا نفيا لما عسى يتوهم في هذا المقام من أن غاية ما ثبت وجوب الإحسان بهما في حال الكفر و إن كان ناقصا بالنسبة إلى ما يجب في حال الإسلام أو مساويا بالنسبة إليه فإن المقام مظنة لهذا التوهم بناء على أن شرف الإسلام يقتضي زيادة الإحسان أو توهمه السائل و فهم الإمام(ع)ذلك فنفاه يعني ليس الأمر كما يتوهم بل الله سبحانه يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك ما زاد

____________

(1) براءة: 114.

29

حقهما إلا عظما فإن المبتلي الممتحن بالبلاء أحق بالترحم و لأن الإحسان بهما في حال الكفر يوجب ميلهما و رغبتها إلى الإسلام كما في واقعة النصراني و أمه المذكورة في الحديث الذي يلي هذا الحديث‏ (1).

و يمكن أن يقال يستفاد من الآية عظم حقهما في حال الشرك بناء على أن الراجح أن يكون قوله عز شأنه‏ وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً معطوفا على جزاء الشرط لا الجملة الشرطية لمرجح القرب كما لا يخفى على المتدبر و كذا قوله‏ وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ‏ (2).

و يحتمل أن يكون معنى قوله(ع)لا ليست الآية التي فسرتها ما في بني إسرائيل فيكون تأكيدا للنفي المفهوم في الكلام السابق و على هذا يجري في قوله بل يأمر بصلتهما الاحتمالان الآتيان في التفسير الثاني على هذا التفسير أيضا فتدبر.

و في بعض نسخ الكافي فقال إن ذلك أعظم من أن يأمر بصلتهما بزيادة لفظة من و يمكن تفسير الحديث بناء على هذه النسخة بأن يقال قوله(ع)ذلك إشارة إلى ما في بني إسرائيل و يكون الكلام مسوقا على سبيل الاستفهام الإنكاري فيكون المراد ما في سورة بني إسرائيل أعظم في إفادة المراد من أن يأمر بصلتهما على كل حال و إن كان حال الكفر كما في آية لقمان حتى يكون مقصودي ذلك.

ثم قال لا تأكيدا للنفي المستفاد من الكلام السابق فقال بل يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم فالخبر محذوف للقرينة و على هذا حقهما مرفوع على أنه فاعل زاد فيكون حاصل الكلام أن يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك كما هو المستفاد من آية لقمان ما زاد حقهما إلا عظما فيكون هذا الكلام أي المذكور في سورة لقمان‏

____________

(1) يعني تحت الرقم 11.

(2) لقمان: 15.

30

أعظم دلالة من ذلك ففي الكلام تقديران.

و على هذا الاحتمال الأخير لا يدل على زيادة حق الوالدين في حال الكفر و يمكن إجراء هذين المعنيين على النسخة الأولى.

الرابع ما ذكره بعض المشايخ الكبار مد ظله قال الذي يخطر بالبال أن فيه تقديما و تأخيرا في بعض كلماته و تحريفا في بعضها من النساخ أولا و أن قوله‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً بعد قوله‏ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ و الأصل و الله أعلم قال و أنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز و جل فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً و مثل هذا يشتبه إذا كان في آخر سطر أنه من السطر الأول أو الثاني و نحو ذلك و البعد بينهما هنا نحو سطر و حاصل المعنى أنه(ع)ذكر لعبد الواحد بر الوالدين في قول الله عز و جل و لم يبين في أي موضع فظن أن مراده(ع)أنه في بني إسرائيل و يحتمل أن يكون فقال إن ذلك فقلت إن ذلك بقرينة قوله بعد فقال لا و المعنى على هذا أني قلت له(ع)إن هذا عظيم و هو أنه كيف يأمر بصلتهما و حقهما على كل حال و إن حصلت المجاهدة منهما على الشرك و الخطاب حينئذ حكاية للفظ الآية فقال(ع)لا أي ليس بعظيم كما ظننت أن مجاهدتهما على الشرك تمنع من صلتهما و حقهما بل هو تعالى يأمر بصلتهما و إن حصلت منهما المجاهدة و حصول المجاهدة لا يسقط حقهما و صلتهما بل يزيده عظما فإن حق الوالدين إذا لم يسقط مع المجاهدة على الشرك كان أعظم منه مع عدم المجاهدة.

و الظاهر من السياق على هذا كون إن في‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ وصلية في كلام الراوي و إن كانت في الآية شرطية و في كلام الإمام(ع)يحتمل أن تكون وصلية و قوله‏ فَلا تُطِعْهُما كلام مستقل متفرع على ما قبله و أن تكون شرطية و جواب الشرط فَلا تُطِعْهُما و مع ملاحظة المحذوف من الآية لا يبعد الوصل باعتبار كون ما بينهما معترضا و إن كان الأظهر خلافه مع الذكر.

31

و لفظ حسنا إن لم يكن زائدا من النساخ أو الراوي سهوا فقد وقع مثله كثيرا في الأحاديث بما ليس في القرآن الموجود و هم(ع)أعلم بحقيقة القرآن نعم هو في آية العنكبوت و لا يمكن إرادتهما بعد قوله(ع)في سورة لقمان باعتبار الظرفية بخلاف سجدة لقمان فإن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة فأضيفت سجدة سورة السجدة إلى لقمان للقرب و عدم الفصل بسورة أو باعتبار إضافة السجدة بمعنى سورة السجدة إلى لقمان ثم توسعوا بإضافة السجدة التي في السورة إلى لقمان.

و يمكن أن يكون على هذا الآية في الواقع كما ذكره(ع)من غير الزيادة التي في لقمان و هي‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً إلخ إن ثبت هذا و تكون في محل آخر إلا أن يكون المقصود ذكر ما يتعلق بالمقام فقط مع حذف غيره و التنبيه على كون‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ وصليا للكلام الأول و لفظ يأمر الثاني يحتمل أن يكون أصله يؤمر فهو من قبيل ما تقدم من التحريف.

هذا ما يتعلق بالحديث على التقدير المذكور و على ما في الحديث من قوله فقال يحتمل وجهين.

أحدهما أن يكون ضميره راجعا إلى عبد الواحد و فيه أن عبد الواحد لم يذكر إلا في الكلام الأول.

و قوله فلما كان بعد سألته كلام أخرى فرجوعه إلى عبد الواحد يحتاج إلى تكلف تقدير حضور عبد الواحد وقت سؤال غيره في وقت آخر فإرجاع الضمير إليه مع عدم قرينة تدل على ذلك فهو كما ترى.

الثاني أن يكون معطوفا على فقال السابق و القائل حينئذ الإمام و المعنى فقال بعد ذكر الآية إن هذه الآية أمر الوالدين فيها أعظم من أمرهما في آية بني إسرائيل لفهمه(ع)ما ظنه السائل فإن في هذه الوصية و إن حصلت المجاهدة على الشرك فالمجاهدة لا تسقط حقهما بل يترتب عليها عدم الإطاعة في ذلك و هو أن يأمر تعالى بصلتهما و حقهما على كل حال حتى مع المجاهدة.

و على هذا فقوله فقال لا ضميره يحتمل أن يرجع إليه تعالى بمعنى أنه‏

32

تعالى قال بعد ما ذكر مفسرا من الإمام(ع)لا أي لا تطعهما بل هو تعالى يأمره بصلتهما و إن جاهداه على الشرك و ليس هذا تكرارا لما تقدمه فإنه يفيد أن عدم الإطاعة لهما ليس في كل شي‏ء فيه برهما بل في الشرك فقط و كل ما فيه صلة لا يترك بسبب المجاهدة على الشرك.

و يحتمل بعيدا أن تكون أن في قوله و إن جاهداه على الشرك شرطية و جواب الشرط ما زاد حقهما إلا عظما و المعنى حينئذ أن المجاهدة على الشرك لا تسقط حقهما بل تزيده عظما و الله تعالى أعلم بمقاصد أوليائه انتهى كلامه زيد فضله.

الخامس ما ذكره بعض الشارحين فاقتفى أثر الفضلاء المتقدم ذكرهم في جعل ضمير قال في الموضعين راجعا إلى الإمام(ع)إلا أنه حمل الوالدين على والدي العلم و الحكمة و قال ذلك في قوله إن ذلك أعظم إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ و أعظم فعل ماض تقول أعظمته و عظمته بالتشديد إذا جعلته عظيما و أن يأمر مفعوله بتأويل المصدر و المراد بالأمر بالصلة الأمر السابق على هذا القول و اللاحق له أعني قوله‏ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‏ و قوله‏ وَ صاحِبْهُما وَ اتَّبِعْ‏ فأفاد(ع)بعد قراءة قوله‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ أن هذا القول أعظم الأمر بصلة الوالدين و حقهما على كل حال حيث يفيد أنه تجب صلتهما و طاعتهما مع الزجر و المنع منهما فكيف بدونه و إن جاهداك إلخ.

ثم قرأ هذا القول و هو قوله تعالى‏ وَ إِنْ جاهَداكَ‏ و أفاد بقوله لا أنه ليس المراد منه ظاهره و هو مجاهدة الوالدين على الشرك و نهي الولد عن إطاعتهما عليه بل يأمر الولد بصلة الوالدين و إن منعه المانعان أي أبو بكر و عمر عنهما و ما زاد هذا القول حقهما إلا عظما و فخامة.

و استشهد لذلك برواية أصبغ المتقدمة (1) في باب أن الوالدين رسول الله ص‏

____________

(1) أخرج حديث الأصبغ في كتاب الإمامة الباب 15 تحت الرقم 22 عن الكافي ج 1: 428، و في تاريخ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) الباب 26 تحت الرقم 5 عن تفسير القمّيّ ص 495؛ و هكذا سائر الاخبار الآتية.

33

و أمير المؤمنين(ع)على أنه تأويل لبطن الآية و لا ينافي تفسير ظهرها بوجه آخر.

لكن يؤيده‏

-

مَا رَوَاهُ مُؤَلِّفُ كِتَابِ تَأْوِيلِ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ نَقْلًا مِنْ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَاهْيَارَ بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ:

شَهِدْتُ جَابِرَ الْجُعْفِيِّ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) وَ هُوَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَلِيّاً(ع)الْوَالِدَانِ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ- مِنَّا الَّذِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ الْخُمُسَ وَ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ- وَ مِنَّا الَّذِي صَدَّقَ بِهِ- وَ لَنَا الْمَوَدَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ عَلِيٌّ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلوات الله عليهما) الْوَالِدَانِ- وَ أَمَرَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُمَا بِالشُّكْرِ لَهُمَا.

وَ رُوِيَ أَيْضاً بِسَنَدٍ صَحِيحٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُخْتَارٍ قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ- فَقَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيّاً أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ- اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‏

قَالَ زُرَارَةُ فَكُنْتُ لَا أَدْرِي أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ- الَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ- قَالَ فَقَضَى لِي أَنْ حَجَجْتُ- فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَخَلَوْتُ بِهِ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَدِيثٌ جَاءَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ نَعَمْ- قُلْتُ أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ أَوِ الَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَقَالَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ‏

(1)

.

____________

(1) و قال المؤلّف العلامة (قدّس سرّه) في ذيل هذا الحديث (ج 36 ص 12) لعل منشأ شك زرارة أن الراوي لعله ألحق الآية من قبل نفسه، أو أن زرارة بعد ما علم أن المراد الآية التي في لقمان ذكرها.

و لكن فيه اشكال آخر، حيث ان قول اللّه عزّ و جلّ: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ» ليس الا في سورة لقمان، و ليس بمكرر حتّى يشك زرارة أنّها التي في بني إسرائيل؟ او غيرها؟

و الذي يظهر: أن زرارة انما شك في أن كلمة «الوالدين» التي تأولها (عليه السلام) لعبد الواحد برسول اللّه و على عليهما الصلاة و السلام هي التي في بني إسرائيل: «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» أو التي في لقمان: «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ‏ ... أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ» لا أنّه شك في قوله تعالى‏ «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» أ هي التي في بني إسرائيل أو التي في لقمان كما يوهمه خبر الكافي، و لا في قوله تعالى‏ «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ» أنها في أي السورتين هى؟ كما يوهمه خبر كنز جامع الفوائد، و بذلك يرتفع الاشكال من الحديثين فلا تغفل.

34

-

وَ رُوِيَ أَيْضاً بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ‏

- رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما).

. و يظهر من هذه الأخبار أن في رواية الكافي تصحيفا و تحريفا و أن قوله عمن رواه تصحيف عن زرارة و يرتفع بعض الإشكالات الأخر أيضا لكن تطبيقه على الآية في غاية الإشكال و قد مر منا بعض التأويلات في الباب المذكور في كتاب الإمامة (1) و إنما أطنبت الكلام في هذا الخبر لتعرف ما ذهب إليه أوهام أقوام و تختار ما هو الحق بحسب فهمك منها و الله الموفق.

2-

كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ نَافِعٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ‏

إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي- فَقَالَ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ إِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ وَ عُذِّبْتَ- إِلَّا وَ قَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ- وَ وَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُمَا وَ بَرَّهُمَا حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ- وَ إِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَ مَالِكَ فَافْعَلْ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ‏

(2)

.

بيان لا تشرك بالله شيئا أي لا بالقلب و لا باللسان أو المراد به الاعتقاد بالشريك فعلى الأول الاستثناء متصل أي إلا إذا خفت التحريق أو التعذيب فتتكلم بالشرك تقية و قلبك مطمئن بالإيمان كما قال سبحانه في قصة عمار حيث أكره على الشرك و تكلم به‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (3) و والديك فأطعهما الظاهر أن والديك منصوب بفعل مقدر يفسره الفعل المذكور

____________

(1) ذكر المؤلّف (قدّس سرّه) في كتاب الإمامة (ج 23 ص 270) حديثا عن الكافي يؤول فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) آية لقمان‏ «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ» بوالدى العلم، و بعده بيان مفصل للمصنف في توجيه ذلك فراجع.

(2) الكافي ج 2: 158.

(3) النحل: 106.

35

و الكلام يفيد الحصر و التأكيد إن قدر المحذوف بعده و التأكيد فقط إن قدر قبله.

كذا قيل و أقول يمكن أن يقدر فعل آخر أي و ارع والديك فأطعهما و برهما بصيغة الأمر من باب علم و نصر حيين كما مر و ميتين أي بطلب المغفرة لهما و قضاء الديون و العبادات عنهما و فعل الخيرات و الصدقات و كل ما يوجب حصول الثواب عنهما.

و إن أمراك أن تخرج من أهلك أي من زوجتك بطلاقها و مالك بهبته فإن ذلك من الإيمان أي من شرائطه أو من مكملاته و ظاهره وجوب طاعتهما فيما لم يكن معصية و إن كان في نفسه مرجوحا لا سيما إذا صار تركه سببا لغيظهما و حزنهما و ليس ببعيد لكنه تكليف شاق بل ربما انتهى إلى الحرج العظيم.

قال المحقق الأردبيلي (قدس الله روحه)(1) العقل و النقل يدلان على تحريم العقوق و يفهم وجوب متابعة الوالدين و طاعتهما من الآيات و الأخبار و صرح به بعض العلماء أيضا قال في مجمع البيان‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي قضى بالوالدين إحسانا أو أوصى بهما إحسانا و خص حال الكبر و إن كان الواجب طاعة الوالدين على كل حال لأن الحاجة أكثر في تلك الحال و قال الفقهاء في كتبهم للأبوين منع الولد عن الغزو و الجهاد ما لم يتعين عليه بتعيين الإمام أو بهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم و بعضهم ألحقوا الجدين بهما.

قال في شرح الشرائع و كما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الأسفار المباحة و المندوبة و في الواجبة الكفائية مع قيام من فيه الكفاية فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كإثبات الواجب تعالى و ما يجب له و يمتنع و النبوة و الإمامة و المعاد لم يفتقر إلى إذنهما و إن كان لتحصيل زائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات و إقامة البراهين المروجة للدين زيادة على الواجب كان فرضه كفاية فحكمه و حكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه أنه إن كان‏

____________

(1) زبدة البيان: 209.

36

هناك قائم بفرض الكفاية اشترط إذنهما و هذا في زماننا فرض بعيد فإن فرض الكفاية في التفقه لا يكاد يسقط مع وجود مائة مجتهد في العالم و إن كان السفر إلى غيره من العلوم المادية مع عدم وجوبها توقف على إذنهما.

هذا كله إذا لم يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه بحيث لا يجد في السفر زيادة يعتد بها لفراغ باله أو جودة أستاد بحيث يسبق إلى بلوغ الدرجة التي يجب تحصيلها سبقا معتدا به و إلا اعتبر إذنهما أيضا و منه يعلم وجوب متابعتهما حتى يجب عليه ترك الواجب الكفائي و لكن هذا مخصوص بالسفر فيحتمل أن يكون غيره كذلك إذا اشتمل على مشقة.

و الحاصل أن الذي يظهر أن أحزانهما على وجه لم يعلم جواز ذلك شرعا مثل الشهادة عليهما مع أنه قد منع قبول ذلك أيضا بعض مع صراحة الآية في وجوب الشهادة عليهما مع أن فائدته القبول لأن قبول شهادته عليهما تكذيب لهما عقوق و حرام‏ (1) كما مر في الخبر و يظهر من الآية و طاعتهما تجب و لا تجوز مخالفتهما في أمر يكون أنفع له و لا يضر (2) بحاله دينا أو دنيا أو يخرج عن زي أمثاله و ما يتعارف منه و لا يليق بحاله بحيث يذمه العقلاء و يعترفون أن الحق أن لا يكون كذلك و لا حاجة له في ذلك و لا ضرر عليه بتركه.

و يحتمل العموم للعموم إلا ما أخرجه الدليل بحيث يعلم الجواز شرعا لإجماع و نحوه مثل ترك الواجبات العينية و المندوبات غير المستثنى و ليس وجوب طاعتهما مقصورا على فعل الواجبات و ترك المعصيات للفرق بين الولد و غيره فإن ذلك واجب و الظاهر عموم ذلك في الولد و الوالدين.

قال الشهيد قدس الله سره في قواعده قاعدة تتعلق بحقوق الوالدين لا ريب أن كل ما يحرم أو يجب للأجانب يحرم أو يجب للأبوين و ينفردان بأمور.

الأول تحريم السفر المباح بغير إذنهما و كذا السفر المندوب و قيل بجواز

____________

(1) قوله «عقوق و حرام» خبر قوله: ان احزانهما إلخ.

(2) في المصدر المطبوع و نسخة مخطوطة: يضر.

37

سفر التجارة و طلب العلم إذا لم يمكن استيفاء التجارة و العلم في بلدهما كما ذكرناه فيما مر.

الثاني قال بعضهم تجب عليه طاعتهما في كل فعل و إن كان شبهة فلو أمراه بالأكل معهما في مال يعتقده شبهة أكل لأن طاعتهما واجبة و ترك الشبهة مستحب.

الثالث لو دعواه إلى فعل و قد حضرت الصلاة فليتأخر الصلاة و ليطعهما لما قلناه.

الرابع هل لهما منعه من الصلاة جماعة الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقا بل في بعض الأحيان لما يشق عليهما مخالفته كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء و الصبح.

الخامس لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين‏

لِمَا صَحَ‏

أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَ الْجِهَادِ- فَقَالَ هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ قَالَ نَعَمْ كِلَاهُمَا- قَالَ أَ تَبْغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ- قَالَ فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا.

. السادس الأقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية إذا علم قيام الغير أو ظن لأنه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه.

السابع قال بعض العلماء لو دعواه في صلاة النافلة قطعها

لِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص

أَنَّ امْرَأَةً نَادَتِ ابْنَهَا وَ هُوَ فِي صَلَاتِهِ- قَالَتْ يَا جُرَيْحُ قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَ صَلَاتِي- قَالَتْ يَا جُرَيْحُ فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَ صَلَاتِي- فَقَالَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ- الْحَدِيثَ‏

(1)

.

____________

(1) كان جريح عابدا في بني إسرائيل، و كان له أم فكان يصلّي فإذا اشتاقت إليه تقول:

يا جريح، و يقول؛ يا أماه الصلاة، فاشتاقت أيضا مرة أخرى و قالت: يا جريح فقال:

يا أماه الصلاة، فقالت: اللّهمّ لا تمته حتّى تريه المومسات- يعنى الزانيات-.

و كانت زانية في بني إسرائيل آوت الى صومعة جريح فضربها و شتمها و أخرجها من صومعته، فمكنت نفسها من راع حتّى حبلت و أتت بولده على رءوس الاشهاد و قالت: هذا.

38

-

وَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ ص قَالَ:

لَوْ كَانَ جُرَيْحٌ فَقِيهاً لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَةَ أُمِّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ.

و هذا الحديث يدل على قطع النافلة لأجلها و يدل بطريق أولى على تحريم السفر لأن غيبة الوجه فيه أكثر و أعظم و هي كانت تريد منه النظر إليها و الإقبال عليها.

الثامن كف الأذى عنهما و إن كان قليلا بحيث لا يوصله الولد إليهما و يمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.

التاسع ترك الصوم ندبا إلا بإذن الأب و لم أقف على نص في الأم.

العاشر ترك اليمين و العهد إلا بإذنه أيضا ما لم يكن في فعل واجب أو ترك محرم و لم أقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلا بإذنه.

تنبيه بر الوالدين لا يتوقف على الإسلام لقوله تعالى‏ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً (1) وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (2) و هو نص و فيه دلالة على مخالفتهما في الأمر بالمعصية و هو كقوله(ع)لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى‏ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ‏ (3) و هو يشمل الأب هذا منع من النكاح فلا يكون طاعته واجبة فيه أو منع من‏

____________

من جريح. فاجتمع القوم عليه و على صومعته فهدموها و قلعوا آثارها.

فجاء القوم بجريح الى الملك الذي كان لهم و الصبى. فقال جريح للصبى: كلمنى باذن اللّه تعالى، من والدك؟ و ممن أنت؟ فقال الطفل أنا من فلان الراعي و ذكر القصة فأقبل القوم و الملك بالاعتذار إليه و بنو صومعته من فضة و ذهب و أقاموا الرجم عليها.

(1) العنكبوت: 8. و بعده: «وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» و الظاهر أن الآية اختلطت عليه.

(2) لقمان: 14.

(3) البقرة: 232.

39

المستحب فلا يجب طاعته في ترك المستحب.

قلت الآية في الأزواج و لو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الإعفاف و التصون و دفع ضرر مدافعة الشهوة و الخوف من الوقوع في الحرام و قطع وسيلة الشيطان، عنهم بالنكاح و أداء الحقوق واجب على الآباء للأبناء كما وجب العكس و في الجملة النكاح مستحب و في تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي و مثل هذا لا يجب طاعة الأبوين فيه انتهى كلام الشهيد (رحمه الله).

ثم قال المحقق و يمكن اختصاص الدعاء بالرحمة بغير الكافرين إلا أن يراد من الدعاء بالرحمة في حياتهما بأن يوفق لهما الله ما يوجب ذلك من الإيمان فتأمل.

و الظاهر أن ليس الأذى الحاصل لهما بحق شرعي من العقوق مثل الشهادة عليهما لقوله تعالى‏ أَوِ الْوالِدَيْنِ‏ (1) فتقبل شهادته عليهما و في القول بوجوبها عليهما مع عدم القبول لأن في القبول تكذيبا لهما بعد واضح و إن قال به بعض.

و أما السفر المباح بل المستحب فلا يجوز بدون إذنهما لصدق العقوق و لهذا قاله الفقهاء.

و أما فعل المندوب فالظاهر عدم الاشتراط إلا في الصوم و النذر على ما ذكروه و تحقيقه في الفقه انتهى‏ (2).

3-

كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى وَ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (3)

مَا هَذَا الْإِحْسَانُ- فَقَالَ الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا- وَ

____________

(1) النساء 135 و الآية هكذا: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ».

(2) انتهى ما في زبدة البيان للاردبيلى.

(3) البقرة: 83: النساء: 36، الانعام: 151، أسرى: 23.

40

أَنْ لَا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلَاكَ شَيْئاً مِمَّا- يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَ إِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ- أَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ (1)

- قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما- فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما (2)

- قَالَ إِنْ أَضْجَرَاكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ- وَ لَا تَنْهَرْهُمَا إِنْ ضَرَبَاكَ- قَالَ‏

وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً

- قَالَ إِنْ ضَرَبَاكَ فَقُلْ لَهُمَا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمَا- فَذَلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَرِيمٌ- قَالَ‏

وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ

- قَالَ لَا تَمْلَ‏

(3)

عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَ رِقَّةٍ- وَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا- وَ لَا يَدَكَ فَوْقَ أَيْدِيهِمَا وَ لَا تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا

(4)

.

بيان‏ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي و أحسنوا بهما إحسانا أن تحسن صحبتهما أي بالملاطفة و حسن البشر و طلاقة الوجه و التواضع و الترحم و غيرها مما يوجب سرورهما و في إلحاق الأجداد و الجدات بهما نظر و إن كانا مستغنيين أي يمكنهما تحصيل ما احتاجا إليه بما لهما.

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ظاهر الخبر أن المراد بالبر في الآية بر الوالدين و يمكن أن يكون المراد أعم منه و يكون إيرادها لشمولها بعمومها له و على التقديرين الاستشهاد إما لأصل البر أو لأن إطلاق الآية شامل للإنفاق قبل السؤال و حال الغنى لعدم التقييد فيها بالفقر و السؤال فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الأفاضل حيث قال كان الاستشهاد بالآية الكريمة أنه على تقدير استغنائهما عنه لا ضرورة داعية إلى قضاء حاجتهما كما أنه لا ضرورة داعية إلى الإنفاق من المحبوب إذ بالإنفاق من غير المحبوب أيضا يحصل المطلوب إلا أن ذلك لما كان شاقا على النفس‏

____________

(1) آل عمران: 92.

(2) أسرى: 23.

(3) لا تملا خ ظ.

(4) الكافي ج 2: 157.

41

فلا ينال البر إلا به فكذلك لا ينال بر الوالدين إلا بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما قبل أن يسألاه و إن استغنيا عنه فإنه أشق على النفس لاستلزامه التفقد الدائم.

و وجه آخر و هو أن سرور الوالدين بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما أكثر منه بقضائها بعد الطلب كما أن سرور المنفق عليه بإنفاق المحبوب أكثر منه بإنفاق غيره انتهى.

و أقول سيأتي برواية الكليني و العياشي أن في قراءة أهل البيت(ع)مَا تُنْفِقُونَ بدون من فالإطلاق بل العموم أظهر و يمكن أن يقال على تقدير تعميم البر كما هو المشهور أنه استفيد من الآية أن الرجل لا يبلغ درجة الأبرار إلا إذا أنفق جميع ما يحب و لم يذكر الله المنفق عليهم و قد ثبت أن الوالدين ممن تجب نفقته فلا بد من إنفاق كل محبوب عليهم سألوا أم لم يسألوا.

قال الطبرسي ره‏ (1) البر أصله من السعة و منه البر خلاف البحر و الفرق بين البر و الخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد على ذلك و الخير يكون خيرا و إن وقع عن سهو و ضد البر العقوق و ضد الخير الشر أي لن تدركوا بر الله لأهل الطاعة.

و اختلف في البر هنا فقيل هو الجنة عن ابن عباس و غيره و قيل هو الثواب في الجنة و قيل هو الطاعة و التقوى و قيل معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ أي حتى تنفقوا المال.

و إنما كني بهذا اللفظ عن المال لأن جميع الناس يحبون المال و قيل معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون رذالها كقوله سبحانه‏ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ‏ (2) و قيل هو الزكاة الواجبة و ما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس و قيل هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات.

و قال بعضهم دلهم سبحانه بهذه الآية على الفتوة فقال لن تنالوا بري‏

____________

(1) مجمع البيان ج 2: 473 و 474.

(2) البقرة: 268.

42

بكم إلا ببركم إخوانكم و الإنفاق عليهم من مالكم و جاهكم و ما تحبون فإذا فعلتم ذلك نالكم بري و عطفي.

وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ‏ فيه وجهان أحدهما أن تقديره و ما تنفقوا من شي‏ء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شي‏ء منه و الآخر أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها.

فإن قيل كيف قال سبحانه ذلك و الفقير ينال الجنة و إن لم ينفق قيل الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق و هو مقيد بالإمكان و إنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب و الأولى أن يكون المراد لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ الكامل الواقع على أشرف الوجوه‏ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ انتهى.

قال إن أضجراك قال كلام الراوي و فاعله الإمام أو كلام الإمام و فاعله هو الله تعالى و كذا قال و قل و قال إن ضرباك و ما بعدهما يحتملهما و قيل قال في قال إن أضجراك كلام الراوي و جواب أما إن أضجراك بتقدير فقال فيه إن أضجراك إذ لا يجوز حذف الفاء في جواب أما.

و قيل الأف في الأصل وسخ الأظفار ثم استعمل فيما يستقذر ثم في الضجر و قيل معناه الاحتقار.

و قال الطبرسي ره‏ (1)

-

رُوِيَ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

لَوْ عَلِمَ اللَّهُ لَفْظَةً أَوْجَزَ فِي تَرْكِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أُفٍّ- لَأَتَى بِهِ.

-

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ(ع)قَالَ:

أَدْنَى الْعُقُوقِ أُفٍّ- وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئاً أَيْسَرَ مِنْهُ وَ أَهْوَنَ مِنْهُ لَنَهَى عَنْهُ.

. فالمعنى لا تؤذهما بقليل و لا كثير وَ لا تَنْهَرْهُما أي لا تزجرهما بإغلاظ و صياح و قيل معناه تمتنع من شي‏ء أراداه منك كما قال‏ وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (2).

____________

(1) مجمع البيان ج 6 ص 409.

(2) الضحى: 9.

43

وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً و خاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو و القبيح يكون فيه كرامة لهما وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أي و بالغ في التواضع و الخضوع لهما قولا و فعلا برا بهما و شفقة لهما و المراد بالذل هاهنا اللين و التواضع دون الهوان من خفض الطائر جناحه إذا ضم فرخه إليه فكأنه سبحانه قال ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك و أنت صغير و إذا وصفت العرب إنسانا بالسهولة و ترك الإباء قالوا هو خافض الجناح انتهى.

و قال البيضاوي‏ وَ اخْفِضْ لَهُما أي تذلل لهما و تواضع فيهما جعل للذل جناحا و أمر بخفضها مبالغة و أراد جناحه كقوله‏ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1) و إضافته إلى الذل للبيان و المبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود و المعنى و اخفض لهما جناحك الذليل و قرئ الذل بالكسر و هو الانقياد انتهى.

و الضجر و التضجر التبرم قوله لا تمل الظاهر لا تملأ بالهمز كما في مجمع البيان و تفسير العياشي و أما على نسخ الكتاب فلعله أبدلت الهمزة حرف علة ثم حذفت بالجازم فهو بفتح اللام المخففة و لعل الاستثناء في قوله إلا برحمة منقطع و المراد بمل‏ء العينين حدة النظر و الرقة رقة القلب و عدم رفع الصوت نوع من الأدب كما قال تعالى‏ لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ (2).

و لا يدك فوق أيديهما الظاهر أن المراد أن عند التكلم معهما لا ترفع يدك فوق أيديهما كما هو الشائع عند العرب أنه عند التكلم يبسطون أيديهم و يحركونها.

و قال الوالد (قدس الله روحه) المراد أنه إذا أنلتهما شيئا فلا تجعل يدك فوق أيديهما و تضع شيئا في يدهما بل ابسط يدك حتى يأخذا منها فإنه أقرب إلى الأدب و قيل المعنى لا تأخذ أيديهما إذا أرادا ضربك.

و لا تقدم قدامهما أي في المشي أو في المجالس أيضا.

ثم اعلم أنه لا ريب في أن رعاية تلك الأمور من الآداب الراجحة لكن‏

____________

(1) الحجر: 88.

(2) الحجرات: 10.

44

الكلام في أنها هل هي واجبة أو مستحبة و على الأول هل تركها موجب للعقوق أم لا بحيث إذا قال لهما أف خرج من العدالة و استحق العقاب فالظاهر أنه بمحض إيقاع هذه الأمور نادرا لا يسمى عاقا ما لم يستمر زمان ترك برهما و لم يكونا راضيين عنه لسوء أفعاله و قلة احترامه لهما بل لا يبعد القول بأن هذه الأمور إذا لم يصر سببا لحزنهما و لم يكن الباعث عليها قلة اعتنائه بشأنهما و استخفافهما لم تكن حراما بل هي من الآداب المستحبة و إذا صارت سبب غيظهما و استمر على ذلك يكون عاقا و إذا رجع قريبا و تداركهما بالإحسان و أرضاهما لم تكن في حد العقوق و لا تعد من الكبائر: و يؤيده‏

مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي الصَّحِيحِ‏ (1) قَالَ:

سَأَلَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ إِمَامٍ لَا بَأْسَ بِهِ- فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ عَارِفٍ- غَيْرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ أَبَوَيْهِ الْكَلَامَ الْغَلِيظَ الَّذِي يَغِيظُهُمَا- أَقْرَأُ خَلْفَهُ- قَالَ لَا، تَقْرَأُ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَاقّاً قَاطِعاً.

و الأحوط ترك الجميع و سيأتي الأخبار في ذلك إن شاء الله.

4-

كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَيْ‏ءٌ مِثْلُ الْكَبَّةِ فَيَدْفَعُ فِي ظَهْرِ الْمُؤْمِنِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ- فَيُقَالُ هَذَا الْبِرُّ

(2)

.

بيان: مثل الكبة أي الدفعة و الصدمة أو مثل كبة الغزل في الصغر أو مثل البعير في الكبر قال الفيروزآبادي‏ (3) الكبة الدفعة في القتال و الجري و الحملة في الحرب و الزحام و الصدمة بين الجبلين‏ (4) و من الشتاء شدته و دفعته و الرمي في الهوة و بالضم الجماعة و الجروهق من الغزل و الإبل العظيمة و الثقل.

____________

(1) فقيه من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 248، (ط- النجف- تحت الرقم 24 من باب الجماعة و فضلها.

(2) الكافي ج 2: 158.

(3) القاموس ج 1: 121.

(4) بين الخيلين، هو الصحيح.

45

و قال الجزري الكبة بالضم الجماعة من الناس و غيرهم‏ (1) فيه و إياكم و كبة السوق أي جماعة السوق و الكبة بالفتح شدة الشي‏ء و معظمه و كبة النار صدمتها و كأن فيه تصحيفا و لم أجده في غير الكتاب و البر يحتمل الأعم من بر الوالدين.

5-

كا، الكافي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

قُلْتُ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا- وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

(2)

.

بيان: لوقتها أي لوقت فضلها.

6-

كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)قَالَ:

سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّه ص مَا حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ- قَالَ لَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَ لَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ لَا يَجْلِسُ قَبْلَهُ وَ لَا يَسْتَسِبُّ لَهُ‏

(3)

.

تبيان أن لا يسميه باسمه لما فيه من التحقير و ترك التعظيم و التوقير عرفا بل يسميه بالكنية لما فيها من التعظيم عند العرب أو الألقاب المشتملة على التعظيم أو اللطف و الإكرام كقوله يا أبة و قال أبي أو والدي و نحو ذلك و لا يجلس قبله أي زمانا أو رتبة و الأول أظهر و يحتمل التعميم و إن كان بعيدا.

و لا يستسب له أي لا يفعل ما يصير سببا لسب الناس له كأن يسبهم أو آباءهم و قد يسب الناس والد من يفعل فعلا شنيعا قبيحا.

وَ فِي رَوْضَةِ الْكَافِي‏ (4) فِي حَدِيثِ عَرْضِ الْخَيْلِ‏

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَعَنَ جَمَاعَةً- إِلَى أَنْ قَالَ وَ مَنْ لَعَنَ أَبَوَيْهِ- فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ يُوجَدُ رَجُلٌ‏

____________

(1) في المصدر ج 4 ص 3: و منه حديث ابن مسعود: أنه رأى جماعة ذهبت فرجعت فقال. إيّاكم و كبة السوق، فانها كبة الشيطان أي جماعة السوق.

(2) الكافي ج 2: 158.

(3) المصدر نفسه.

(4) الكافي ج 8: 71.

46

يَلْعَنُ أَبَوَيْهِ- فَقَالَ نَعَمْ يَلْعَنُ آبَاءَ الرِّجَالِ وَ أُمَّهَاتِهِمْ فَيَلْعَنُونَ أَبَوَيْهِ.

و هذان الحديثان مرويان في طرق العامة أيضا

-

قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

لَا تَمْشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ وَ لَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ وَ لَا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ وَ لَا تَسْتَسِبَّ لَهُ.

أي لا تعرضه للسب و تجره إليه بأن تسب أبا غيرك فيسب أباك مجازاة لك و قد جاء مفسرا

فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ

أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ وَ كَيْفَ يَسُبُّ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلَ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ انْتَهَى‏

(1)

.

. و أقول مع قطع النظر عن هذا الخبر العامي هل يمكن الحكم بأن من فعل ذلك فعل كبيرة باعتبار أن سب الأب كبيرة الظاهر العدم لأن سب الغير إذا لم ينته إلى الفحش لا يعلم كونه كبيرة و ليس هذا سب الأب حقيقة بل الظاهر أن الإسناد على المبالغة و المجاز و فعل السبب ليس حكمه حكم المسبب إلا إذا كان السبب بحيث لا يتخلف عنه المسبب كضرب العنق بالنسبة إلى القتل مع أن الرواية ضعيفة يشكل الاستدلال بها على مثل هذا الحكم و كذا خبر الروضة ضعيفة على المشهور مع أن الاستدلال باللعن على كونه كبيرة مشكل نعم ظاهره التحريم و إن ورد في المكروهات أيضا.

7-

كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

مَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ حَيَّيْنِ أَوْ مَيِّتَيْنِ- يُصَلِّي عَنْهُمَا وَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُمَا- وَ يَحُجُّ عَنْهُمَا وَ يَصُومُ عَنْهُمَا- فَيَكُونَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمَا- وَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ- فَيَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِبِرِّهِ وَ صَلَاتِهِ‏

(2)

خَيْراً كَثِيراً

(3)

.

إيضاح يصلي عنهما بيان للبر بعد الوفاة فكأنه قيل كيف يبرهما بعد موتهما قال يصلي عنهما قضاء أو نافلة و كذا الحج و الصوم و يمكن‏

____________

(1) النهاية ج 2 ص 140، و راجع سنن ابى داود ج 2: 629.

(2) صلته، خ ل.

(3) الكافي ج 2: 159.

47

شموله لاستيجارها من مال الميت أو من ماله فيجب قضاء الصلاة و الصوم على أكبر الأولاد و ستأتي تفاصيل ذلك إن شاء الله في محله.

و يدل على أن ثواب هذه الأعمال و غيرها يصل إلى الميت و هو مذهب علمائنا و أما العامة فقد اتفقوا على أن ثواب الصدقة يصل إليه و اختلفوا في عمل الأبدان فقيل يصل قياسا على الصدقة و قيل لا يصل لقوله تعالى‏ وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ (1) إلا الحج لأن فيه شائبة عمل البدن و إنفاق المال فغلب المال.

قوله فيزيده الله أي يعطى ثوابان ثواب لأصل العمل و ثواب آخر كثير للبر في الدنيا و الآخرة.

8-

كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع) أَدْعُو لِوَالِدَيَّ إِذَا كَانَا لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ- قَالَ ادْعُ لَهُمَا وَ تَصَدَّقْ عَنْهُمَا- وَ إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ فَدَارِهِمَا- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِالرَّحْمَةِ لَا بِالْعُقُوقِ‏

(2)

.

تبيين يدل على جواز الدعاء و التصدق للوالدين المخالفين للحق بعد موتهما و المداراة معهما في حياتهما و الثاني قد مر الكلام فيه و أما الأول فيمكن انتفاعهما بتخفيف عذابهما.

و قد ورد الحج عن الوالد إن كان ناصبا و عمل به أكثر الأصحاب بحمل الناصب على المخالف و أنكر ابن إدريس النيابة عن الأب أيضا و يمكن حمل الخبر على المستضعف لأن الناصب المعلن لعداوة أهل البيت(ع)كافر بلا ريب و المخالف غير المستضعف أيضا مخلد في النار أطلق عليه الكافر و المشرك في الأخبار المستفيضة و اسم النفاق في كثير منها و قد قال سبحانه في شأن المنافقين‏ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ‏ (3) و قال المفسرون‏

____________

(1) النجم: 39.

(2) الكافي ج 2: 159.

(3) براءة: 84.

48

وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ‏ أي لا تقف على قبره للدعاء و قال في شأن المشركين‏ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ- وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ‏ (1) فإن التعليل بقوله‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ‏ يدل على عدم جواز الاستغفار لمن علم أنه من أهل النار و إن لم يطلق عليهم المشرك و كون المخالفين من أهل النار معلوم بتواتر الأخبار و كذا قوله‏ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ‏ يدل على عدم جواز الاستغفار لهم لأنه لا شك أنهم أعداء الله.

فإن قيل استغفار إبراهيم لأبيه يدل على استثناء الأب قلت المشهور بين المفسرين أن استغفار إبراهيم(ع)كان بشرط الإيمان لأنه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر و تبين عداوته لله‏ تَبَرَّأَ مِنْهُ‏ و قيل الموعدة كان من إبراهيم لأبيه قال له إني لأستغفر لك ما دمت حيا و كان يستغفر له مقيدا بشرط الإيمان فلما أيس من إيمانه تبرأ منه.

و أما قوله(ع)في سورة مريم‏ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‏ (2) فقال الطبرسي ره سلام توديع و هجر على ألطف الوجوه و هو سلام متاركة و مباعدة منه و قيل سلام إكرام و بر تأدية لحق الأبوة و قال في‏ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ‏ فيه أقوال أحدها أنه إنما وعده الاستغفار على مقتضى العقل و لم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين و ثانيها أنه قال‏ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ‏ على ما يصح و يجوز من تركك عبادة الأوثان و إخلاص العبادة لله و ثالثها أن معناه أدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا انتهى‏ (3).

و أقول لو تمت دلالة الآية لدلت على جواز الاستغفار و الدعاء لغير الأب أيضا من الأقارب لأنه على المشهور بين الإمامية لم يكن آزر أباه(ع)بل كان عمه و

____________

(1) براءة: 113.

(2) مريم: 47.

(3) مجمع البيان ج 6: 517.

49

الأخبار تدل على ذلك ثم إن من جوز الصلاة (1) على المخالف من أصحابنا صرح بأنه يلعنه في الرابعة أو يترك و لم يذكروا الدعاء للوالدين.

و قال الصدوق رضي الله عنه إن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية لرواية الحلبي عن الصادق(ع)و في مرسل ابن فضال عنه الترحم على جهة الولاية و الشفاعة كذا قال في الذكرى.

و أقول هذا يؤيد الحمل على المستضعف و أما الاستدلال بالآية المتقدمة على جواز السلام على الأب إذا كان مشركا فلا يخفى ما فيه أما أولا فلما عرفت أنه لم يكن أبا إلا أن يستدل بالطريق الأولى فيدل على الأعم من الولدين و أما ثانيا فلما عرفت من أن بعضهم بل أكثرهم حملوه على سلام المتاركة و المهاجرة نعم يمكن إدخاله في المصاحبة بالمعروف مع ورود تجويز السلام على الكافر مطلقا كما سيأتي في بابه إن شاء الله.

9-

كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبَاكَ‏

(2)

.

تبيان استدل به على أن للأم ثلاثة أرباع البر و قيل لا يفهم منه إلا المبالغة في بر الأم و لا يظهر منه مقدار الفضل و وجه الفضل ظاهر لكثرة مشقتها و زيادة تعبها و آيات لقمان أيضا تشعر بذلك كما عرفت.

و اختلف العامة في ذلك فالمشهور عن مالك أن الأم و الأب سواء في ذلك و قال بعضهم تفضيل الأم مجمع عليه و قال بعضهم للأم ثلثا البر لما

رَوَاهُ مُسْلِمٌ‏

أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ.

و قال بعضهم ثلاثة أرباع البر لما

رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضاً

أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ‏

____________

(1) يعني صلاة الجنازة.

(2) الكافي ج 2: 159.

50

قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبُوكَ.

. و قال الشهيد طيب الله رمسه بعد إيراد مضمون الروايتين فقال بعض العلماء هذا يدل على أن للأم إما ثلثي الأب على الرواية الأولى أو ثلاثة أرباعه على الثانية و للأب إما الثلث أو الربع فاعترض بعض المستطيعين بأن هنا سؤالات الأول أن السؤال بأحق عن أعلى رتب البر فعرف الرتبة العالية ثم سأل عن الرتبة التي تليها بصيغة ثم التي هي للتراخي الدالة على نقص رتبة الفريق الثاني عن الفريق الأول في البر فلا بد أن تكون رتبة الثانية أخفض من الأولى و كذا الثالثة أخفض من الثانية فلا تكون رتبة الأب مشتملة على ثلث البر و إلا لكانت الرتب مستوية و قد ثبت أنها مختلفة فتصيب الأب أقل من الثلث قطعا أو أقل من الربع قطعا فلا يكون ذلك الحكم صوابا.

الثاني أن حرف العطف تقتضي المغايرة لامتناع عطف الشي‏ء على نفسه و قد عطف الأم على الأم: الثالث أن السائل إنما سأل ثانيا عن غير الأم فكيف يجاب بالأم و الجواب يشترط فيه المطابقة.

و أجاب (رحمه الله) عن هذين بأن العطف هنا محمول على المعنى كأنه لما أجيب أولا بالأم قال فلمن أتوجه ببري بعد فراغي منها فقيل له للأم و هي مرتبة ثانية دون الأولى كما ذكرنا أولا فالأم المذكورة ثانيا هي المذكورة أولا بحسب الذات و إن كانت غيرها بحسب الغرض و هو كونها في الرتبة الثانية من البر فإذا تغايرت الاعتبارات جاز العطف مثل زيد أخوك و صاحبك و معلمك و أعرض عن الأول كأنه يرى أن لا يجاب عنه ثم يحتج به.

قلت قوله السؤال بأحق ليس عن أكثر الناس استحقاقا بحسن الصحابة بل عن أعلى رتب الصحابة فالعلو منسوب إلى المبرور على تفسيره حسن الصحابة بالبر لا إلى نفس البر مع أن قوله بنقص الفريق الثاني عن الفريق الأول مناف لكلامه الأول إن أراد بالفريق المبرورين و إن أراد بالفريق المبر ورد عليه‏