بحار الأنوار - ج74

- العلامة المجلسي المزيد...
445 /
1

كتاب الروضة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و الصلاة و السلام على خير خلقه و خليفته في خليقته محمد و آله الطاهرين أما بعد فهذا هو المجلد السابع عشر من كتاب بحار الأنوار تأليف المولى الأستاد الاستناد مولانا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (قدس الله روحهما و نور ضريحهما) (1) و هذا هو كتاب الروضة منه و هو يحتوي على المواعظ و الحكم و الخطب و أمثالها المأثورة عن الله تعالى و الرسول ص و السادة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين و عن أتباعهم(ع)و ما شاكل ذلك.

أبواب المواعظ و الحكم‏

باب 1 مواعظ الله عز و جل في القرآن المجيد

الآيات النساء وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا

____________

(1) قال المولى المتبحر النحرير الحاجّ الميرزا حسين النوريّ نور اللّه ضريحه: ان المجلد السابع عشر من كتاب بحار الأنوار من المجلدات التي لم تخرج في حياة مصنفها (العلّامة المجلسيّ) الى البياض و انما أخرجه بعد وفاته تلميذه العالم الأجل و النحرير الأكمل الميرزا عبد اللّه الافندى (رحمه الله).

2

النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً- مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (1) الأنعام‏ قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏ (2) و قال سبحانه‏ وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ- إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ (3) الأعراف‏ وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ (4)- فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «إِنْ تَكْفُرُوا» أى تجحدوا وصيته. و قوله: «حَمِيداً» أى مستوجبا للحمد. قوله‏ «يُذْهِبْكُمْ» أى يهلككم. أصله ان يشأ اذهابكم يذهبكم. قوله: «عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً»، يعنى قادرا على الافناء و الايجاد.

(2) قوله تعالى: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» لبست عليه الامر إذا خلطت بعضه ببعض أي يخلطكم فرقا مختلفين. و قوله: «يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» أى يقتل بعضكم بعضا حتّى يفنى الكل. قوله: «نُصَرِّفُ الْآياتِ» أى نظهر الآيات و نكررها مرة بعد اخرى حتّى يزول الشبه لكى يعلموا الحق.

(3) قوله: «وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» أى لستم بمعجزين اللّه عن الإتيان بالبعث و العقاب.

و قوله: «عَلى‏ مَكانَتِكُمْ» أى على قدر منزلتكم و تمكنكم من الدنيا و معناه اثبتوا على الكفر.

و قوله: «مَنْ تَكُونُ» مفعول «تعلمون» و قرأ حمزة و الكسائى «يكون» بالباء لان تأنيث العاقبة ليس بحقيقي.

(4) قوله تعالى‏ «بَياتاً» أى بائتين في الليل و هو مصدر وقع موقع الحال و قوله:

«أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ عطف على‏ «بَياتاً» أى وقت القيلولة و هي نصف النهار. و حذفت واو الحال استثقالا لاجتماع الواوين. و قوله: «دَعْواهُمْ» أى دعاؤهم او استغاثتهم.

3

التوبة وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (1) يونس‏ وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ- ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما يَفْعَلُونَ- وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ- أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‏ إلى قوله‏ وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (2) و قال تعالى‏ وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ‏ هود ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ- وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ ما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ- وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ- وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ- يَوْمَ‏

____________

(1) قوله تعالى: «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أى فيخبركم بما فعلتم و يجازيكم عليه.

(2) قوله تعالى: «إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ» أى تدخلون فيه و الإفاضة الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه. و العزوب الذهاب عن المعلوم و ضده حضور المعنى للنفس و المعنى ما تغيب عن علم ربك من مثقال ذرة أي وزن نملة صغيرة.

4

يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ- فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ- خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ- وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ إلى قوله تعالى‏ وَ إِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1) الرعد قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى‏ وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ

____________

(1) قوله تعالى‏ «مِنْها قائِمٌ» أى باق كالزرع المحصود عافى الاثر. و قوله‏ «تَتْبِيبٍ» أى غير تخسير و قوله‏ «وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ» أى و ما نؤخر اليوم الا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف و إرادة مدة التأجيل كلها بالاجل لا منتهاها فانه غير معدود.

قوله: «زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ» الزفير اخراج النفس و الشهيق رده و المراد شدة حالهم و كربهم و تشبيه صراخهم بصوت الحمير. لان الزفير و الشهيق أول نهاقه و آخره.

قوله: «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» ليس المراد السماء و الأرض بعينها بل المراد التبعيد فان للعرب الفاظا للتبعيد في معنى التأييد يقولون لافعل ذلك ما اختلف الليل و النهار و ما دامت السموات و الأرض و ما تنبت النبت ظنا منهم أن هذه الأشياء لا يتغير و يريدون بذلك التأييد، فخاطبهم سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم. و قوله‏ «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» أى غير مقطوع و لا ممنوع.

5

الْحِسابِ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ- أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (1) إبراهيم‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ و قال تعالى‏ قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ و قال تعالى‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ- مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ- وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ‏ (2)

____________

(1) قوله تعالى: «رابِياً» أن طافيا عاليا فوق الماء. و قوله، «جُفاءً» أى يجفى به أي يرمى به السيل و الفلز المذاب.

(2) قوله تعالى: «تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ» أى تفتح و لا تغمض. و قوله: «مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ» أى مسرعين رافعى رءوسهم. و الاهطاع الاسراع، و الاقناع رفع الرأس. و قوله:

«لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ» أى لا يرجع اليهم أعينهم و لا يطبقونها و لا يغمضونها. قوله‏ «هَواءٌ» أى خالية من العقل لفزعهم. قوله: «وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أى مكروا بالأنبياء قبلك ما امكنهم من المكر كما مكروا بك فعصمهم اللّه من مكرهم كما عصمك. «وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أى جزاء مكرهم بحذف المضاف. و قوله: «مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ»أصله مخلف رسله وعده تقدم المفعول الثاني ايذانا بان اللّه لا يخلف الوعد أصلا، و إذا لم يخلف رسله وعده أحدا كيف يخلف رسله.

6

النحل‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ و قال تعالى‏ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (1) الأسرى‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا (2) مريم‏ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا- وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً إلى قوله تعالى‏ وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (3) الأنبياء وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ- لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ- قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ- أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ- بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ‏

____________

(1) قوله: «فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ» عبر باليوم عن زمان الدنيا أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية كما قاله البيضاوى.

(2) الشاكلة الطبيعة و الخلقة أو الطريقة و المذهب أي كل واحد من المؤمن و الكافر يعمل على طبيعته و خلقته التي تخلق بها. و قيل على طريقته و سنته التي اعتادها.

(3) قوله تعالى: «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ» أى هل تشعر باحد منهم و تراه. و قوله:

«رِكْزاً» الركز الصوت الخفى و أصل التركيب هو الخفاء و منه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض و الركاز المال المدفون.

7

الْغالِبُونَ‏ (1) الحج‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ- هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ- يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ- كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ- إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ‏

____________

(1) قوله تعالى: «وَ كَمْ قَصَمْنا» أى كم أهلكنا. و القصم- بالفتح-: الكسر، يقال: هو قاصم الجبابرة. و قال البيضاوى هذه الآية واردة عن غضب عظيم لان القصم كسر يبين تلائم الاجزاء بخلاف الفصم فانه كسر بلا ابانة و قوله تعالى: «يَرْكُضُونَ» أى يهربون سراعا و الركض العدو بشدة الوطى. و قوله‏ «لا تَرْكُضُوا» على إرادة القول أي قيل لهم استهزاء لا تركضوا و قوله: «ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ» الترفة النعمة و الترف النعم. و قوله: «حَصِيداً خامِدِينَ» أى مثل الحصيد و هو البنت المحصود و لذلك لم يجمع. و «خامِدِينَ» اى ميتين من خمدت النار.

قوله: «وَ حاقَ بِهِمْ»* اى حال بهم وبال استهزائهم و سخريتهم و الفرق بين السخرية و الهزء أن في السخرية معنى طلب الذلة لان التسخير التذليل، و اما الهزء فيقتضى طلب صغر القدر بما يظهر في القول. قوله: «مَنْ يَكْلَؤُكُمْ» اى يحفظكم و الكلاءة الحفظ.

و قوله: «مِنَ الرَّحْمنِ» اى من بأس الرحمن. و قوله: «مُعْرِضُونَ» اى لا يخطرون ببالهم فضلا ان يخافوا بأسه حتّى إذا كلئوا منه عرفوا الكالئ و صلحوا للسؤال. و قوله: «وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ» قال ابن قتيبة اي لا يجيرهم منا أحد لان المجير صاحب الجار. تقول صحبك اللّه اي حفظك اللّه و اجارك.

8

أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ- وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ و قال تعالى‏ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى‏ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ إلى قوله تعالى‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (1) المؤمنون‏ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ- لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ- فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ- فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏

____________

(1) قوله تعالى: «تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ» اى تنسأ و الذهول الذهاب عن الشي‏ء دهشا و حيرة. و قوله: «تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها» اى لو كان ثمّ مرضعة لذهلت او حامل لوضعت و ان لم يكن هناك حامل و لا مرضعة و المراد شدة هول القيامة. و قوله: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» اى فوجان مختصمان و الخصم يستوى فيه المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع و لذلك قال: «اخْتَصَمُوا» لانهما جمعان و ليسا برجلين. قوله: «قُطِّعَتْ» اى قدرت على مقادير جثتهم ثياب. و قوله: «يُصْهَرُ بِهِ» الصهر الاذابة اي يذاب و ينضج بذلك الحميم ما في بطونهم من الاحشاء و يذاب به الجلود. قوله: «وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ» جمع مقمع اي سياط يجلدون بها.

و قوله‏ «ذُوقُوا» أى قيل لهم ذوقوا بحذف القول. قوله‏ «مِنْ أَساوِرَ» جمع اسورة و هي جمع سوار. و هو صفة مفعول محذوف. قوله‏ «فَأَمْلَيْتُ» اى فأمهلت يقال: أملى اللّه لفلان في العمر اذا أخر عنه أجله. قوله‏ «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» أى انكارى عليهم بتغيير النعمة محنة و الحياة هلاكا و العمارة خرابا. قوله‏ «خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها» أى ساقطة حيطانها على سقوفها بان تعطلت بنيانها فخرت سقوفها ثمّ تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقف. «خاوِيَةٌ» بمعنى خالية أى خالية مع بقاء عروشها و سلامتها فيكون الجار متعلقة بخاوية.

9

فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ‏ (1) النور أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2) النمل‏ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ- وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ القصص‏ وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏ بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ إلى قوله‏ وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (3) الروم‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ- فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ- مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ إلى‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «وَ مِنْ وَرائِهِمْ» الوراء هنا بمعنى الامام كقوله تعالى‏ «وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ» و قوله‏ «بَرْزَخٌ» البرزخ الحاجز بين الشيئين. قوله‏ «فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ» اى لا يتواصلون بالأنساب و لا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا.

(2) قوله‏ «ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» أى من الخيرات و المعاصى و الايمان و النفاق. و «يوم» منصوب بالعطف على محذوف هو ظرف زمان و التقدير ما أنتم تثبتون عليه الآن و يوم يرجعون، خرج من الخطاب الى الغيبة.

(3) قوله تعالى‏ «بَصائِرَ لِلنَّاسِ» البصائر الحجج و البراهين للناس و العبر يبصرون بها و هي بدل من التوراة. و البصائر جمع البصيرة و هي نور القلب. قوله‏ «فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» العمر بضمتين: الحياة كما في القاموس اي فطال عليهم مدة انقطاع الوحى فاندرست الشرائع فأوحينا اليك خبر موسى و غيره. فالمستدرك الوحى إليه فحذف و اقيم سببه مقامه.

10

قوله‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (1) التنزيل‏ أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ‏ (2) سبأ أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ و قال تعالى‏ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ- كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ‏ (3) فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ إلى قوله‏ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (4) يس‏ يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ- وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى‏ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ‏

____________

(1) قوله‏ «فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا- الآية» أي فانتقمنا من المذنبين و دفعنا العذاب عن المؤمنين و كان واجبا علينا نصرهم.

(2) قوله تعالى‏ «يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ» يعنى يمرون أهل مكّة في متاجرهم على ديارهم و قوله‏ «أَ فَلا يَسْمَعُونَ» أى سماع تدبر.

(3) قوله تعالى‏ «كِسَفاً» الكسفة: القطعة من الشي‏ء. قوله «منيب» أي راجع الى ربه فانه يكون كثير التأمل في أمره و قوله‏ «فِي شَكٍّ مُرِيبٍ» اى في شك مشكك كما قالوا عجب عجيب.

(4) قوله‏ «لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أى لم يكن اللّه يفوته شي‏ء قوله‏ «مِنْ شَيْ‏ءٍ» فاعل ليعجزه و «من» مزيدة.

11

وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى‏ مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ‏ (1) الزمر قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ- قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي- فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ- لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ- وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ- لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ و قال تعالى‏ أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ- كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ- وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (2) المؤمن‏ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ‏

____________

(1) قوله‏ «وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا» ان مخففة من الثقلية و اللام هي الفارقة. و «ما» مزيدة للتأكيد و «كل» أصله كلهم. و معناه ان الأمم كلهم يوم القيامة يحضرون فيقفون على ما عملوه في الدنيا.

و قوله‏ «لَطَمَسْنا» الطمس محو الشي‏ء حتّى يذهب أثره. قوله‏ «فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ» انتصاب الصراط بنزع الخافض أي الى الطريق. قوله‏ «مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ» أى لم يقدروا على ذهاب و لا مجى‏ء.

(2) قوله تعالى‏ «إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» «الذين» خبر «ان» و قوله‏ «لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ» الظلل جمع الظلة و هي السترة العالية و هذا شرح لخسرانهم. و الانقاذ: الانجاء.

12

اللَّهِ مِنْ واقٍ- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ و قال تعالى‏ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ- تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ- لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ- فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ‏ (1) حم عسق‏ وَ تَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى‏ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ- وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ- وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ- اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (2) الزخرف‏ وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ- وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ‏ إلى قوله‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ» بدل أو بيان فيه تعليل و الدعاء كالهداية في التعدية بالى و اللام. و قوله‏ «ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ» أى بربوبيته علم و المراد نفى المعلوم و الاشعار بأن الالوهية لا بدّ لها من برهان.

(2) قوله تعالى‏ «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ» أى من يخليه اللّه و ضلاله ليس له معين من بعد خذلان اللّه. و قوله‏ «هَلْ إِلى‏ مَرَدٍّ» أى رجوع و ردّ الى الدنيا. و قوله‏ «وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها» أى على النار و يدلّ عليها العذاب. و قوله‏ «مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» أى ضعيف النظر مسارقة و «من» ابتدائية أو بمعنى الباء. و ذلك لما عليهم من الهوان يسارقون النظر الى النار خوفا منها.

13

تعالى‏ وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ- قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى‏ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ- فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏ (1) الدخان‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ- وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ- كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ- فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ‏ (2) الأحقاف‏ وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى‏ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (3) ق‏ وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ (4)

____________

(1) قوله تعالى‏ «أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ» البطش الاخذ الشديد و «مضى» أى و سلف في القرآن قصصهم العجيبة. و قوله‏ «مُتْرَفُوها» هم المتنعمون الذين آثروا الترفة على طلب الحجة يريد الرؤساء، و تخسيس المترفين اشعار بان التنعم و حبّ البطالة صرفهم عن النظر الى التقليد.

(2) قوله تعالى‏ «وَ نَعْمَةٍ» قال في القاموس النعمة بالكسر الدعة و المال و الاسم النعمة بالفتح. و قوله‏ «مُنْظَرِينَ» أى مهملين الى وقت آخر.

(3) قوله تعالى‏ «وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ» «ان» نافية بمعنى «ما» النافية، و هو أى «ان» فى النفي مع «ما» الموصولة بمعنى الذي أحسن في اللفظ من «ما» النافية.

(4) قوله تعالى‏ «بَطْشاً» أى قوة. و قوله‏ «فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ» أى فتحوا المسالك في البلاد لشدة بطشهم. و قوله‏ «هَلْ مِنْ مَحِيصٍ» أى هل وجدوا مفرا من الموت. و في القاموس محص منى أي هرب. و قوله: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» أى عقل يتفكر و يتدبر. و قوله: «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» أى أصغى لاستماعه. و قوله‏ «هُوَ شَهِيدٌ» أى شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره و ينزجر بزواجره.

14

الواقعة نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1) التغابن‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (2) الطلاق‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً- فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً- أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ (3) الملك‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ- قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ‏

____________

(1) قوله تعالى: «وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» أى لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو لا يسبقنا أحد منكم على ما قدرنا له من الموت حتّى يزيد في مقدار حياته، أو لا يسبقنا خالق و لا مقدر في الخلق و التقدير و فعلنا ما فعلنا و لم يكن لما فعلناه مثال و انا لقادرون. و قوله: «عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ» أى لسنا بعاجزين على خلقكم و بعثكم ثانيا، او على ان نبدل منكم اشباهكم فنخلق بدلكم. و قوله: «نُنْشِئَكُمْ» أى نوجدكم بعد أن نفنيكم و قوله‏ «فِي ما لا تَعْلَمُونَ» أى في نشأة لا تعلمون كيفيتها.

(2) قوله تعالى‏ «فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ» أى ضرر كفرهم في الدنيا و أصل الوبال الثقل.

و النكر هو عذاب الاستيصال. و قوله: «فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً» أى بالاستقصاء و المناقشة.

(3) قوله تعالى: «عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها» أى عتوا على اللّه و رسله و جاوزوا الحد في المخالفة.

15

مُبِينٍ- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (1) المعارج‏ أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ- كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ- فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ- عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ- فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ- يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ‏ (2) القيامة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ- إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ- كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ- وَ قِيلَ مَنْ راقٍ- وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ- وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ- إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ- فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى- وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى- ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى- أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏- ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً- أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏- ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى- فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (3)

____________

(1) قوله تعالى‏ «سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» أى بان عليها الكأبة و الحزن و ساءتها رؤية العذاب. و قوله: «تَدَّعُونَ» أى تطلبون و تستعجلون به، تفتعلون من الدعاء. أو به تدعون، أو بسببه تدعون أن لا بعث فهو من الدعوى. قوله: «غَوْراً» بمعنى غائرا مصدر وصف به و قوله: «بِماءٍ مَعِينٍ» أى جار، أو ظاهر سهل التناول.

(2) قوله تعالى‏ «فَلا أُقْسِمُ» «لا» مزيدة للتأكيد و المراد بالمشارق: قيل للشمش ثلاثمائة و ستون مشرقا و ثلاثمائة و ستون مغربا، في كل يوم له مشرق و مغرب. و قوله: «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا» أى اتركهم في باطلهم. قوله: «مِنَ الْأَجْداثِ» أى من القبور. قوله: «سِراعاً» أى مسرعين. قوله‏ «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ» أى الى منصوبات للعبادة او أعلام. «يوفضون» أي يسرعون. قوله: «تَرْهَقُهُمْ» أى تغشاهم.

(3) قوله تعالى: «ناضِرَةٌ» أى حسنة مضيئة مشرقة «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» أى ينتظر ثواب ربها. ورد في الحديث «ينتهى اولياء اللّه بعد ما يفرغ من الحساب الى نهر يسمى الحيوان.

16

المرسلات‏ أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ- ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ- كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (1) النبأ إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً- يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (2) عبس‏ فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ- يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ- وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ- لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ- تَرْهَقُها قَتَرَةٌ- أُولئِكَ هُمُ‏

____________

فيغتسلون فيه و يشربون منه فتبيض وجوههم اشراقا فيذهب عنهم كل قذى و وعث ثمّ يؤمرون بدخول الجنة فمن هذا المقام ينظرون الى ربهم كيف يثيبهم قال فذلك قوله تعالى‏ «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» و انما يعنى بالنظر إليه النظر الى ثوابه تبارك و تعالى و قال: و الناظرة في بعض اللغة هى المنتظرة أ لم تسمع الى قوله: «فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» أى منتظرة.

و قوله: «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ» أى كالحة شديدة العبوس. «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» أى تتوقع أرباب تلك الوجوه أو توقن أن يفعل بها داهية عظيمة تكسر قفار الظهر. و قوله:

«إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ» أى إذا بلغت النفس الترقوة (گلوگاه). و قوله: «وَ قِيلَ مَنْ راقٍ» أى يقال له:

من يرقيك ممّا بك؟ يعنى هل من طبيب؟

و قوله: «وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» أى أيقن أن الذي نزل به فراق الدنيا و محابها و علم بمفارقة الاحبة. قوله: «وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» أى التوت شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة، أو التوت احدى ساقيه بالاخرى عند الموت. و المساق المصير. و قوله: «يَتَمَطَّى» أى يتبختر افتخارا في مشيته اعجابا بنفسه. قوله: «أَوْلى‏ لَكَ» كلمة وعيد و تهديد أي بعدا لك من خير الدنيا و بعدا لك من خير الآخرة. و قيل معناه: الذم أولى لك من تركه.

و قوله: «سُدىً» أى مهملا لا يحاسب و لا يسأل و لا يعاقب.

(1) قوله تعالى: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الويل في الأصل مصدر منصوب باضمار فعله عدل به الى الرفع للدلالة على ثبات الهلاك للمدعو عليه و «يومئذ» ظرفه أو صفته.

(2) قوله: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» أى في الدنيا فلم أخلق و لم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أبعث لم و انشر.

17

الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (1) الإنفطار إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ- وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ- يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ‏ (2) المطففين‏ أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ- لِيَوْمٍ عَظِيمٍ- يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ الغاشية هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ- عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً- تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ- لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ- لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ- لِسَعْيِها راضِيَةٌ- فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ- لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً- فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ- فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ- وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ- وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (3)

____________

(1) قوله تعالى‏ «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» أى النفحة وصفت بها مجازا لان الناس يصخون لها. و قوله: «شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أى يشغله عن غيره. قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» أى مضيئة بما ترى من النعم. و «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ» أى عليها غبار و كدورة و «تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» أى يغشيها سواد و ظلمة.

(2) قوله تعالى: «يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ» أى يدخلونها و يقاسون حرها و يلزمونها بكونهم فيها. و يوم الدين اي يوم الجزاء و الحساب.

(3) قوله تعالى: «الْغاشِيَةِ» يعنى القيامة لأنّها تغشى الخلائق باهوالها. قوله:

«ناصِبَةٌ» اى عملت و نصبت في اعمال لا يعنيها او نصب و تعب بالسلاسل و الاغلال. قوله:

«آنِيَةٍ» اى شديدة الحرارة بلغت إناها في الحر، قوله‏ «حامِيَةً» اى متناهية في الحر.

«الضريع» هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه، أمرّ من الصبر و أنتن من الجيفة و أشد حرا من النار، سماه اللّه تعالى الضريع كما في الرواية. قوله‏ «ناعِمَةٌ» اى ذاب بهجة او متنعمة. و قوله: «لاغِيَةً» أى الهزل و الكذب. و قوله: «وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ» أى وسائد مرتبة بعضها بجنب بعض يستند إليها. و «أَكْوابٌ» جمع كوب أي اقداح لا عرى لها. قوله: «وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ» أى بسط فاخرة مبسوطة لها خمل.

18

باب 2 مواعظ الله عز و جل في سائر الكتب السماوي و في الحديث القدسي و في مواعظ جبرئيل ع‏

1 ن‏ (1)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏

أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ- إِذَا أَصْبَحْتَ فَأَوَّلُ شَيْ‏ءٍ يَسْتَقْبِلُكَ فَكُلْهُ- وَ الثَّانِي فَاكْتُمْهُ وَ الثَّالِثُ فَاقْبَلْهُ- وَ الرَّابِعُ فَلَا تُؤْيِسْهُ وَ الْخَامِسُ فَاهْرَبْ مِنْهُ- قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ مَضَى فَاسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ أَسْوَدُ عَظِيمٌ- فَوَقَفَ وَ قَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ آكُلَ هَذَا وَ بَقِيَ مُتَحَيِّراً- ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ- فَقَالَ رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ لَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِمَا أُطِيقُ- فَمَشَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ- فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ صَغُرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ- فَوَجَدَهُ لُقْمَةً فَأَكَلَهَا فَوَجَدَهَا أَطْيَبَ شَيْ‏ءٍ أَكَلَهُ- ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ طَسْتاً مِنْ ذَهَبٍ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكْتُمَ هَذَا- فَحَفَرَ لَهُ حُفْرَةً وَ جَعَلَهُ فِيهِ وَ أَلْقَى عَلَيْهِ التُّرَابَ- ثُمَّ مَضَى فَالْتَفَتَ فَإِذَا الطَّسْتُ قَدْ ظَهَرَ- فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِطَيْرٍ وَ خَلْفَهُ بَازِيٌّ فَطَافَ الطَّيْرُ حَوْلَهُ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَقْبَلَ هَذَا فَفَتَحَ كُمَّهُ فَدَخَلَ الطَّيْرُ فِيهِ- فَقَالَ لَهُ الْبَازِي أَخَذْتَ صَيْدِي وَ أَنَا خَلْفَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ- فَقَالَ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ لَا أُويِسَ هَذَا- فَقَطَعَ مِنْ فَخِذِهِ قِطْعَةً فَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ ثُمَّ مَضَى- فَلَمَّا مَضَى فَإِذَا هُوَ بِلَحْمِ مَيْتَةٍ مُنْتِنٍ مَدُودٍ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَهْرُبَ مِنْ هَذَا- فَهَرَبَ مِنْهُ وَ رَجَعَ وَ رَأَى فِي الْمَنَامِ- كَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهُ إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَهَلْ تَدْرِي مَا ذَا كَانَ- قَالَ لَا قِيلَ لَهُ أَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ الْغَضَبُ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ وَ جَهِلَ قَدْرَهُ مِنْ عِظَمِ الْغَضَبِ- فَإِذَا حَفِظَ نَفْسَهُ وَ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ سَكَنَ غَضَبُهُ- كَانَتْ عَاقِبَتُهُ كَاللُّقْمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَكَلَهَا

____________

(1) عيون أخبار الرضا «ع» ص 152.

19

وَ أَمَّا الطَّسْتُ فَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ إِذَا كَتَمَهُ الْعَبْدُ وَ أَخْفَاهُ- أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَهُ لِيُزَيِّنَهُ بِهِ- مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَ أَمَّا الطَّيْرُ- فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِيكَ بِنَصِيحَةٍ فَاقْبَلْهُ وَ اقْبَلْ نَصِيحَتَهُ وَ أَمَّا الْبَازِي فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِيكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا تُؤْيِسْهُ وَ أَمَّا اللَّحْمُ الْمُنْتِنُ فَهِيَ الْغِيبَةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا.

2 ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ (1) عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّ أَبَاهُ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ مَا تُنْصِفُنِي- أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَ تَتَمَقَّتُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي- خَيْرِي عَلَيْكَ مُنْزَلٌ وَ شَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ- وَ لَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ- يَأْتِينِي عَنْكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ- يَا ابْنَ آدَمَ- لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ مَنِ الْمَوْصُوفُ- لَسَارَعْتَ إِلَى مَقْتِهِ.

-

ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْرَوَيْهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص

مِثْلَهُ وَ فِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ‏

.

3-

مع، معاني الأخبار ل، الخصال لي‏ (3)، الأمالي للصدوق مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَسَدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ عُرْوَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَهْبِيِ‏ (4) جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ زَافِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

جَاءَ جَبْرَئِيلُ(ع)إِلَى النَّبِيِّ ص يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ- وَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ‏

____________

(1) العيون ص 197 و راجع في بيان المراد بالأسانيد الثلاثة المجلد الأول ص 51 باب تلخيص المصادر.

(2) الأمالي ج 1 ص 126 و 281 و ج 2 ص 183.

(3) معاني الأخبار ص 178. الخصال ج 1 ص 7. الأمالي المجلس الحادي و الأربعون ص 141.

(4) في بعض النسخ «الدهنى».

20

وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ‏

(1)

- وَ اعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ- وَ عِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ.

4-

مع‏ (2)، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ:

جَاءَ جَبْرَئِيلُ(ع)إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ بِهَدِيَّةٍ- لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً قَبْلَكَ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قُلْتُ وَ مَا هِيَ قَالَ الصَّبْرُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الرِّضَا وَ أَحْسَنُ مِنْهُ قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الزُّهْدُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الْإِخْلَاصُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الْيَقِينُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ- قَالَ جَبْرَئِيلُ إِنَّ مَدْرَجَةَ ذَلِكَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقُلْتُ وَ مَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَضُرُّ- وَ لَا يَنْفَعُ وَ لَا يُعْطِي وَ لَا يَمْنَعُ- وَ اسْتِعْمَالُ الْيَأْسِ مِنَ الْخَلْقِ- فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ لِأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ- وَ لَمْ يَرْجُ وَ لَمْ يَخَفْ سِوَى اللَّهِ- وَ لَمْ يَطْمَعْ فِي أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ قَالَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الصَّبْرِ- قَالَ تَصْبِرُ فِي الضَّرَّاءِ كَمَا تَصْبِرُ فِي السَّرَّاءِ- وَ فِي الْفَاقَةِ كَمَا تَصْبِرُ فِي الْغِنَى وَ فِي الْبَلَاءِ كَمَا تَصْبِرُ فِي الْعَافِيَةِ- فَلَا يَشْكُو حَالَهُ عِنْدَ الْخَلْقِ بِمَا يُصِيبُ مِنَ الْبَلَاءِ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الْقَنَاعَةِ قَالَ يَقْنَعُ بِمَا يُصِيبُ مِنَ الدُّنْيَا- يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ وَ يَشْكُرُ الْيَسِيرَ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الرِّضَا- قَالَ الرَّاضِي لَا يَسْخَطُ عَلَى سَيِّدِهِ أَصَابَ الدُّنْيَا أَمْ لَا- وَ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الزُّهْدِ- قَالَ الزَّاهِدُ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ خَالِقَهُ وَ يُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُ خَالِقَهُ- وَ يَتَحَرَّجُ‏

(3)

مِنْ حَلَالِ الدُّنْيَا وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى حَرَامِهَا- فَإِنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ وَ حَرَامَهَا عِقَابٌ- وَ يَرْحَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ- وَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْكَلَامِ‏

____________

(1) إلى هنا رواه الشيخ في أماليه ج 2 ص 203 من حديث جعفر بن محمّد عن آبائه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

(2) معاني الأخبار ص 260.

(3) التحرج، التجنب.

21

كَمَا يَتَحَرَّجُ مِنَ الْمَيْتَةِ الَّتِي قَدِ اشْتَدَّ نَتْنُهَا- وَ يَتَحَرَّجُ عَنْ حُطَامِ الدُّنْيَا

(1)

وَ زِينَتِهَا كَمَا يَتَجَنَّبُ النَّارَ أَنْ تَغْشَاهُ- وَ يَقْصُرُ أَمَلَهُ وَ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَجَلُهُ- قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الْإِخْلَاصِ- قَالَ الْمُخْلِصُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئاً حَتَّى يَجِدَ- وَ إِذَا وَجَدَ رَضِيَ وَ إِذَا بَقِيَ عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ أَعْطَاهُ فِي اللَّهِ- فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الْمَخْلُوقَ فَقَدْ أَقَرَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْعُبُودِيَّةِ- وَ إِذَا وَجَدَ فَرَضِيَ فَهُوَ عَنِ اللَّهِ رَاضٍ- وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْهُ رَاضٍ- وَ إِذَا أَعْطَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَهُوَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ بِرَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الْيَقِينِ- قَالَ الْمُوقِنُ يَعْمَلُ لِلَّهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ- وَ أَنْ يَعْلَمَ يَقِيناً أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِيهِ- وَ أَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ- وَ هَذَا كُلُّهُ أَغْصَانُ التَّوَكُّلِ وَ مَدْرَجَةُ الزُّهْدِ.

5-

ل‏ (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْكُمَيْدَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِجَبْرَئِيلَ(ع)عِظْنِي- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ- وَ أَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ- شَرَفُ الْمُؤْمِنِ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ وَ عِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ.

6-

عَنْ كِتَابِ إِرْشَادِ الْقُلُوبِ لِلدَّيْلَمِيِ‏ (3)، رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

أَنَّ النَّبِيَّ ص سَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ- فَقَالَ يَا رَبِّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لَيْسَ شَيْ‏ءٌ عِنْدِي أَفْضَلَ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيَّ وَ الرِّضَا بِمَا قَسَمْتُ يَا مُحَمَّدُ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَعَاطِفِينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيَّ- وَ لَيْسَ لِمَحَبَّتِي عَلَمٌ‏

(4)

وَ لَا غَايَةٌ وَ لَا نِهَايَةٌ- وَ كُلَّمَا رَفَعْتُ لَهُمْ عَلَماً وَضَعْتُ لَهُمْ عَلَماً- أُولَئِكَ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى‏

____________

(1) الحطام الفتاة و ما يحطم من عيدان الزرع إذا يبس. و المال القليل.

(2) الخصال ج 1 ص 7.

(3) الباب الرابع و الخمسون هكذا بدون ذكر السند.

(4) بفتحتين كناية عن عدم المحدودية.

22

الْمَخْلُوقِينَ بِنَظَرِي إِلَيْهِمْ- وَ لَا يَرْفَعُوا الْحَوَائِجَ إِلَى الْخَلْقِ- بُطُونُهُمْ خَفِيفَةٌ مِنْ أَكْلِ الْحَلَالِ- نَعِيمُهُمْ فِي الدُّنْيَا ذِكْرِي وَ مَحَبَّتِي وَ رِضَايَ عَنْهُمْ- يَا أَحْمَدُ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَكُونَ أَوْرَعَ النَّاسِ- فَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا وَ ارْغَبْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ يَا إِلَهِي كَيْفَ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَ أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ- قَالَ خُذْ مِنَ الدُّنْيَا خِفّاً

(1)

مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ اللِّبَاسِ- وَ لَا تَدَّخِرْ لِغَدٍ وَ دُمْ عَلَى ذِكْرِي- فَقَالَ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ أَدُومُ عَلَى ذِكْرِكَ- فَقَالَ بِالْخَلْوَةِ عَنِ النَّاسِ وَ بُغْضِكَ الْحُلْوَ وَ الْحَامِضَ- وَ فَرَاغِ بَطْنِكَ وَ بَيْتِكَ مِنَ الدُّنْيَا- يَا أَحْمَدُ فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الصَّبِيِّ- إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأَخْضَرِ وَ الْأَصْفَرِ أَحَبَّهُ وَ إِذَا أُعْطِيَ شَيْئاً مِنَ الْحُلْوِ وَ الْحَامِضِ اغْتَرَّ بِهِ- فَقَالَ يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ- قَالَ اجْعَلْ لَيْلَكَ نَهَاراً وَ نَهَارَكَ لَيْلًا- قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ اجْعَلْ نَوْمَكَ صَلَاةً وَ طَعَامَكَ الْجُوعَ- يَا أَحْمَدُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ- ضَمِنَ لِي بِأَرْبَعِ خِصَالٍ إِلَّا أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ يَطْوِي لِسَانَهُ فَلَا يَفْتَحُهُ إِلَّا بِمَا يَعْنِيهِ- وَ يَحْفَظُ قَلْبَهُ مِنَ الْوَسْوَاسِ- وَ يَحْفَظُ عِلْمِي وَ نَظَرِي إِلَيْهِ وَ تَكُونُ قُرَّةُ عَيْنِهِ الْجُوعَ- يَا أَحْمَدُ- لَوْ

(2)

ذُقْتَ حَلَاوَةَ الْجُوعِ وَ الصَّمْتِ وَ الْخَلْوَةِ وَ مَا وَرِثُوا مِنْهَا- قَالَ يَا رَبِّ مَا مِيرَاثُ الْجُوعِ قَالَ الحِكْمَةُ وَ حِفْظُ الْقَلْبِ- وَ التَّقَرُّبُ إِلَيَّ وَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ- وَ خِفَّةُ الْمَئُونَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَ قَوْلُ الْحَقِّ- وَ لَا يُبَالِي عَاشَ بِيُسْرٍ أَوْ بِعُسْرٍ- يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي بِأَيِّ وَقْتٍ يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ- قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ إِذَا كَانَ جَائِعاً أَوْ سَاجِداً- يَا أَحْمَدُ عَجِبْتُ مِنْ ثَلَاثَةِ عَبِيدٍ- عَبْدٌ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ- وَ هُوَ يَعْلَمُ إِلَى مَنْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَ قُدَّامَ مَنْ هُوَ وَ هُوَ يَنْعُسُ‏

(3)

- وَ عَجِبْتُ مِنْ عَبْدٍ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ مِنَ الْحَشِيشِ أَوْ غَيْرِهِ وَ هُوَ يَهْتَمُّ لِغَدٍ- وَ عَجِبْتُ مِنْ عَبْدٍ لَا يَدْرِي أَنِّي رَاضٍ عَنْهُ أَمْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ وَ هُوَ يَضْحَكُ‏

____________

(1) بكسر الخاء من الخفيف.

(2) للتمنى.

(3) النعاس أول النوم و هو الحالة التي يحتاج الإنسان فيها الى النوم.

23

يَا أَحْمَدُ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْراً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ فَوْقَ لُؤْلُؤَةٍ- وَ دُرَّةٍ فَوْقَ دُرَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَصْمٌ وَ لَا وَصْلٌ فِيهَا الْخَوَاصُّ- أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وَ أُكَلِّمُهُمْ- كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ أَزِيدُ فِي مُلْكِهِمْ سَبْعِينَ ضِعْفاً- وَ إِذَا تَلَذَّذَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِالطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ تَلَذَّذُوا بِكَلَامِي وَ ذِكْرِي وَ حَدِيثِي- قَالَ يَا رَبِّ مَا عَلَامَاتُ أُولَئِكَ قَالَ هُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْجُونُونَ- قَدْ سَجَنُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَ بُطُونَهُمْ مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ الْمَحَبَّةَ لِلَّهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ لِلْفُقَرَاءِ وَ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِمْ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنِ الْفُقَرَاءُ- قَالَ الَّذِينَ رَضُوا بِالْقَلِيلِ وَ صَبَرُوا عَلَى الْجُوعِ- وَ شَكَرُوا عَلَى الرَّخَاءِ وَ لَمْ يَشْكُوا جُوعَهُمْ وَ لَا ظَمَأَهُمْ- وَ لَمْ يَكْذِبُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ يَغْضَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَ لَمْ يَغْتَمُّوا عَلَى مَا فَاتَهُمْ وَ لَمْ يَفْرَحُوا بِمَا آتَاهُمْ- يَا أَحْمَدُ مَحَبَّتِي مَحَبَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ- فَادْنُ الْفُقَرَاءَ وَ قَرِّبْ مَجْلِسَهُمْ مِنْكَ- وَ بَعِّدِ الْأَغْنِيَاءَ وَ بَعِّدْ مَجْلِسَهُمْ مِنْكَ- فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ أَحِبَّائِي- يَا أَحْمَدُ لَا تَتَزَيَّنُ بِلِينِ اللِّبَاسِ- وَ طِيبِ الطَّعَامِ وَ لَينِ الْوَطَاءِ- فَإِنَّ النَّفْسَ مَأْوَى كُلِّ شَرٍّ وَ هِيَ رَفِيقُ كُلِّ سُوءٍ- تَجُرُّهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ تَجُرُّكَ إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَ تُخَالِفُكَ فِي طَاعَتِهِ وَ تُطِيعُكَ فِيمَا تَكْرَهُ- وَ تَطْغَى إِذَا شَبِعَتْ وَ تَشْكُو إِذَا جَاعَتْ- وَ تَغْضَبُ إِذَا افْتَقَرَتْ وَ تَتَكَبَّرُ إِذَا اسْتَغْنَتْ- وَ تَنْسَى إِذَا كَبِرَتْ وَ تَغْفُلُ إِذَا أَمِنَتْ وَ هِيَ قَرِينَةُ الشَّيْطَانِ- وَ مَثَلُ النَّفْسِ كَمَثَلِ النَّعَامَةِ تَأْكُلُ الْكَثِيرَ- وَ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهَا لَا تَطِيرُ- وَ مَثَلُ الدِّفْلَى‏

(1)

لَوْنُهُ حَسَنٌ وَ طَعْمُهُ مُرٌّ- يَا أَحْمَدُ أَبْغِضِ الدُّنْيَا وَ أَهْلَهَا وَ أَحِبَّ الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنْ أَهْلُ الدُّنْيَا وَ مَنْ أَهْلُ الْآخِرَةِ- قَالَ أَهْلُ الدُّنْيَا مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ وَ ضِحْكُهُ وَ نَوْمُهُ وَ غَضَبُهُ قَلِيلُ الرِّضَا لَا يَعْتَذِرُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ- وَ لَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ- كَسْلَانُ عِنْدَ الطَّاعَةِ شُجَاعٌ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ- أَمَلُهُ بَعِيدٌ وَ أَجَلُهُ قَرِيبٌ لَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ- قَلِيلُ الْمَنْفَعَةِ كَثِيرُ الْكَلَامِ قَلِيلُ الْخَوْفِ- كَثِيرُ الْفَرَحِ عِنْدَ الطَّعَامِ- وَ إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا

____________

(1) بكسر الدال و سكون الفاء و الف مقصورة نبت زهره كالورد الأحمر. يقال له بالفارسية (خرزهرة) ورقها كورق الخلاف مر الطعم محلل نافع من الحكة و الجرب.

24

لَا يَشْكُرُونَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ لَا يَصْبِرُونَ عِنْدَ الْبَلَاءِ- كَثِيرُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ قَلِيلٌ- يَحْمَدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ وَ يَدْعُونَ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ- وَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَتَمَنَّوْنَ وَ يَذْكُرُونَ مَسَاوِيَ النَّاسِ- وَ يُخْفُونَ حَسَنَاتِهِمْ قَالَ يَا رَبِّ هَلْ يَكُونُ سِوَى هَذَا الْعَيْبِ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا- قَالَ يَا أَحْمَدُ إِنَّ عَيْبَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَثِيرٌ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَ الْحُمْقُ- لَا يَتَوَاضَعُونَ لِمَنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَ هُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ عُقَلَاءُ وَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ حَمْقَاءُ: يَا أَحْمَدُ إِنَّ أَهْلَ الْخَيْرِ وَ أَهْلَ الْآخِرَةِ رَقِيقَةٌ وُجُوهُهُمْ- كَثِيرٌ حَيَاؤُهُمْ قَلِيلٌ حُمْقُهُمْ- كَثِيرٌ نَفْعُهُمْ قَلِيلٌ مَكْرُهُمْ- النَّاسُ مِنْهُمْ فِي رَاحَةٍ وَ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي تَعَبٍ كَلَامُهُمْ مَوْزُونٌ مُحَاسِبِينَ لِأَنْفُسِهِمْ مُتْعِبِينَ لَهَا- تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَ لَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ ذَاكِرَةٌ- إِذَا كُتِبَ النَّاسُ مِنَ الْغَافِلِينَ كُتِبُوا مِنَ الذَّاكِرِينَ فِي أَوَّلِ النِّعْمَةِ يَحْمَدُونَ وَ فِي آخِرِهَا يَشْكُرُونَ- دُعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَرْفُوعٌ وَ كَلَامُهُمْ مَسْمُوعٌ- تَفْرَحُ الْمَلَائِكَةُ بِهِمْ يَدُورُ دُعَاؤُهُمْ تَحْتَ الْحُجُبِ- يُحِبُّ الرَّبُّ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ كَمَا تُحِبُّ الْوَالِدَةُ وَلَدَهَا- وَ لَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ لَا يُرِيدُونَ كَثْرَةَ الطَّعَامِ- وَ لَا كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَ لَا كَثْرَةَ اللِّبَاسِ- النَّاسُ عِنْدَهُمْ مَوْتَى وَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ حَيٌّ قَيُّومٌ كَرِيمٌ- يَدْعُونَ الْمُدْبِرِينَ كَرَماً وَ يُرِيدُونَ الْمُقْبِلِينَ تَلَطُّفاً قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةً- يَمُوتُ النَّاسُ مَرَّةً وَ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً- مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُمْ- وَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يَجْرِي فِي عُرُوقِهِمْ- وَ لَوْ تَحَرَّكَتْ رِيحٌ لَزَعْزَعَتْهُمْ- وَ إِنْ قَامُوا بَيْنَ يَدَيَ‏

كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏ (1)

- لَا أَرَى فِي قَلْبِهِمْ شُغُلًا لِمَخْلُوقٍ- فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُحْيِيَنَّهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً- إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ جَسَدِهِمْ- لَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَلَكَ الْمَوْتِ وَ لَا يَلِي قَبْضَ رُوحِهِمْ غَيْرِي- وَ لَأَفْتَحَنَّ لِرُوحِهِمْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ كُلَّهَا- وَ لَأَرْفَعَنَّ الْحُجُبَ كُلَّهَا دُونِي- وَ لَآمُرَنَّ الْجِنَانَ فَلْتُزَيَّنَنَّ وَ الْحُورَ الْعِينَ فَلْتُزَفَّنَ‏

(2)

- وَ الْمَلَائِكَةَ فَلْتُصَلِّيَنَ‏

____________

(1) أي مزلق بعضه الى بعض ثابت، من الرص و هو اتصال بعض البناء ببعض.

(2) زففت العروس الى زوجها أزف- بالضم- زفا و زفافا، و أزففتها أي أهديتها الى زوجها.

25

وَ الْأَشْجَارَ فَلْتُثْمِرَنَّ- وَ ثِمَارَ الْجَنَّةِ فَلْتُدْلِيَنَ‏

(1)

- وَ لَآمُرَنَّ رِيحاً مِنَ الرِّيَاحِ الَّتِي تَحْتَ الْعَرْشِ- فَلْتَحْمِلَنَّ جِبَالًا مِنَ الْكَافُورِ وَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ- فَلْتَصِيرَنَّ وَقُوداً مِنْ غَيْرِ النَّارِ فَلْتَدْخُلَنَّ بِهِ- وَ لَا يَكُونُ بَيْنِي وَ بَيْنَ رُوحِهِ سِتْرٌ- فَأَقُولُ لَهُ عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ مَرْحَباً وَ أَهْلًا بِقُدُومِكَ عَلَيَّ- اصْعَدْ بِالْكَرَامَةِ وَ الْبُشْرَى وَ الرَّحْمَةِ وَ الرِّضْوَانِ-

وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏

- فَلَوْ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ كَيْفَ يَأْخُذُ بِهَا وَاحِدٌ وَ يُعْطِيهَا الْآخَرُ- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ أَهْلَ الْآخِرَةِ لَا يَهْنَؤُهُمُ الطَّعَامُ مُنْذُ عَرَفُوا رَبَّهُمْ- وَ لَا يَشْغَلُهُمْ مُصِيبَةٌ مُنْذُ عَرَفُوا سَيِّئَاتِهِمْ- يَبْكُونَ عَلَى خَطَايَاهُمْ يَتْعَبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ لَا يُرِيحُونَهَا- وَ إِنَّ رَاحَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْمَوْتِ وَ الْآخِرَةُ مُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ- مُونِسُهُمْ دُمُوعُهُمُ الَّتِي تَفِيضُ عَلَى خُدُودِهِمْ- وَ جُلُوسُهُمْ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ- وَ مُنَاجَاتُهُمْ مَعَ الْجَلِيلِ الَّذِي فَوْقَ عَرْشِهِ- وَ إِنَّ أَهْلَ الْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ فِي أَجْوَافِهِمْ قَدْ قَرِحَتْ‏

(2)

يَقُولُونَ مَتَى نَسْتَرِيحُ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ- يَا أَحْمَدُ- هَلْ تَعْرِفُ مَا لِلزَّاهِدِينَ عِنْدِي فِي الْآخِرَةِ قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ يُبْعَثُ الْخَلْقُ وَ يُنَاقَشُونَ بِالْحِسَابِ وَ هُمْ مِنْ ذَلِكَ آمِنُونَ- إِنَّ أَدْنَى مَا أُعْطِي لِلزَّاهِدِينَ فِي الْآخِرَةِ- أَنْ أُعْطِيَهُمْ مَفَاتِيحَ الْجِنَانِ كُلَّهَا- حَتَّى يَفْتَحُوا أَيَّ بَابٍ شَاءُوا وَ لَا أَحْجُبُ عَنْهُمْ وَجْهِي- وَ لَأُنْعِمَنَّهُمْ بِأَلْوَانِ التَّلَذُّذِ مِنْ كَلَامِي- وَ لَأُجْلِسَنَّهُمْ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ- وَ أُذَكِّرَنَّهُمْ مَا صَنَعُوا وَ تَعِبُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا- وَ أَفْتَحُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ- بَابٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْهَدَايَا مِنْهُ بُكْرَةً وَ عَشِيّاً مِنْ عِنْدِي- وَ بَابٌ يَنْظُرُونَ مِنْهُ إِلَيَّ كَيْفَ شَاءُوا بِلَا صُعُوبَةٍ- وَ بَابٌ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ إِلَى النَّارِ- فَيَنْظُرُونَ مِنْهُ إِلَى الظَّالِمِينَ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ وَ بَابٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ الْوَصَائِفُ‏

(3)

وَ الْحُورُ الْعِينُ- قَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ الزَّاهِدُونَ الَّذِينَ وَصَفْتَهُمْ- قَالَ الزَّاهِدُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَخْرَبُ فَيَغْتَمَّ بِخَرَابِهِ- وَ لَا لَهُ‏

____________

(1) أي فلترسلن و تنزلن.

(2) أي جرحت من الحزن و الهم بالآخرة.

(3) الوصائف جمع الوصيفة و هي الخادمة.

26

وَلَدٌ يَمُوتُ فَيَحْزَنَ لِمَوْتِهِ- وَ لَا لَهُ شَيْ‏ءٌ يَذْهَبُ فَيَحْزَنَ لِذَهَابِهِ- وَ لَا يَعْرِفُهُ إِنْسَانٌ لِيَشْغَلَهُ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ لَا لَهُ فَضْلُ طَعَامٍ لِيُسْأَلَ عَنْهُ وَ لَا لَهُ ثَوْبٌ لَيِّنٌ- يَا أَحْمَدُ وُجُوهُ الزَّاهِدِينَ مُصْفَرَّةٌ مِنْ تَعَبِ اللَّيْلِ وَ صَوْمِ النَّهَارِ- وَ أَلْسِنَتُهُمْ كِلَالٌ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى- قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهُمْ مَطْعُونَةٌ مِنْ كَثْرَةِ مَا يُخَالِفُونَ أَهْوَاءَهُمْ قَدْ ضَمَّرُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ صَمْتِهِمْ‏

(1)

- قَدْ أُعْطُوا الْمَجْهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ- لَا مِنْ خَوْفِ نَارٍ وَ لَا مِنْ شَوْقِ جَنَّةٍ- وَ لَكِنْ يَنْظُرُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- فَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ- كَأَنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ فَوْقَهَا- قَالَ يَا رَبِّ هَلْ تُعْطِي لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي هَذَا- قَالَ يَا أَحْمَدُ هَذِهِ دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أُمَّتِكَ وَ أُمَّةِ غَيْرِكَ وَ أَقْوَامٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ- قَالَ يَا رَبِّ أَيُّ الزُّهَّادِ أَكْثَرُ- زُهَّادُ أُمَّتِي أَمْ زُهَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ- قَالَ إِنَّ زُهَّادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زُهَّادِ أُمَّتِكَ- كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي بَقَرَةٍ بَيْضَاءَ- فَقَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرُ مِنْ أُمَّتِي- قَالَ لِأَنَّهُمْ شَكُّوا بَعْدَ الْيَقِينِ وَ جَحَدُوا بَعْدَ الْإِقْرَارِ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَحَمِدْتُ اللَّهَ لِلزَّاهِدِينَ كَثِيراً وَ شَكَرْتُهُ- وَ دَعَوْتُ لَهُمْ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ وَ ارْحَمْهُمْ- وَ احْفَظْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَيْتَ لَهُمْ- اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَكٌّ وَ زَيْغٌ- وَ وَرَعاً لَيْسَ بَعْدَهُ رَغْبَةٌ وَ خَوْفاً لَيْسَ بَعْدَهُ غَفْلَةٌ- وَ عِلْماً لَيْسَ بَعْدَهُ جَهْلٌ وَ عَقْلًا لَيْسَ بَعْدَهُ حُمْقٌ وَ قُرْباً لَيْسَ بَعْدَهُ بُعْدٌ وَ خُشُوعاً لَيْسَ بَعْدَهُ قَسَاوَةٌ- وَ ذِكْراً لَيْسَ بَعْدَهُ نِسْيَانٌ وَ كَرَماً لَيْسَ بَعْدَهُ هَوَانٌ- وَ صَبْراً لَيْسَ بَعْدَهُ ضَجَرٌ وَ حِلْماً لَيْسَ بَعْدَهُ عَجَلَةٌ- وَ امْلَأْ قُلُوبَهُمْ حَيَاءً مِنْكَ حَتَّى يَسْتَحْيُوا مِنْكَ كُلَّ وَقْتٍ- وَ تُبَصِّرُهُمْ بِآفَاتِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ- فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالْوَرَعِ فَإِنَّ الْوَرَعَ رَأْسُ الدِّينِ وَ وَسَطُ الدِّينِ وَ آخِرُ الدِّينِ إِنَّ الْوَرَعَ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- يَا أَحْمَدُ إِنَّ الْوَرَعَ كَالشُّنُوفِ‏

(2)

بَيْنَ الْحُلِيِّ وَ الْخُبْزِ بَيْنَ الطَّعَامِ- إِنَّ الْوَرَعَ‏

____________

(1) ضمر: هزل و دق و قل لحمه.

(2) جمع الشنف: ما علق في الاذن او اعلاها من الحلى.

27

رَأْسُ الْإِيمَانِ وَ عِمَادُ الدِّينِ- إِنَّ الْوَرَعَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّفِينَةِ- كَمَا أَنَّ فِي الْبَحْرِ لَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ كَانَ فِيهَا كَذَلِكَ لَا يَنْجُو الزَّاهِدُونَ إِلَّا بِالْوَرَعِ- يَا أَحْمَدُ مَا عَرَفَنِي عَبْدٌ وَ خَشَعَ لِي إِلَّا وَ خَشَعْتُ لَهُ- يَا أَحْمَدُ الْوَرَعُ يَفْتَحُ عَلَى الْعَبْدِ أَبْوَابَ الْعِبَادَةِ- فَتَكَرَّمَ بِهِ عِنْدَ الْخَلْقِ وَ يَصِلُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ- فَإِنَّ أَعْمَرَ الْقُلُوبِ قُلُوبُ الصَّالِحِينَ وَ الصَّامِتِينَ- وَ إِنَّ أَخْرَبَ الْقُلُوبِ قُلُوبُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِمَا لَا يَعْنِيهِمْ- يَا أَحْمَدُ إِنَّ الْعِبَادَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا طَلَبُ الْحَلَالِ- فَإِذَا طَيَّبْتَ مَطْعَمَكَ وَ مَشْرَبَكَ فَأَنْتَ فِي حِفْظِي وَ كَنَفِي- قَالَ يَا رَبِّ مَا أَوَّلُ الْعِبَادَةِ- قَالَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ الصَّمْتُ وَ الصَّوْمُ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا مِيرَاثُ الصَّوْمِ- قَالَ الصَّوْمُ يُورِثُ الحِكْمَةَ وَ الحِكْمَةُ تُورِثُ الْمَعْرِفَةَ وَ الْمَعْرِفَةُ تُورِثُ الْيَقِينَ- فَإِذَا اسْتَيْقَنَ الْعَبْدُ لَا يُبَالِي كَيْفَ أَصْبَحَ بِعُسْرٍ أَمْ بِيُسْرٍ- وَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَائِكَةٌ بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ كَأْسٌ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ وَ كَأْسٌ مِنَ الْخَمْرِ- يَسْقُونَ رُوحَهُ حَتَّى تَذْهَبَ سَكْرَتُهُ وَ مَرَارَتُهُ- وَ يُبَشِّرُونَهُ بِالْبِشَارَةِ الْعُظْمَى وَ يَقُولُونَ لَهُ طِبْتَ وَ طَابَ مَثْوَاكَ‏

(1)

- إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْحَبِيبِ الْقَرِيبِ- فَتَطِيرُ الرُّوحُ مِنْ أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ- فَتَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَ لَا يَبْقَى حِجَابٌ وَ لَا سِتْرٌ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهَا مُشْتَاقٌ- وَ تَجْلِسُ عَلَى عَيْنٍ عِنْدَ الْعَرْشِ- ثُمَّ يُقَالُ لَهَا كَيْفَ تَرَكْتِ الدُّنْيَا- فَتَقُولُ إِلَهِي وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَا عِلْمَ لِي بِالدُّنْيَا- أَنَا مُنْذُ خَلَقْتَنِي خَائِفَةٌ مِنْكَ- فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى صَدَقْتَ عَبْدِي- كُنْتَ بِجَسَدِكَ فِي الدُّنْيَا وَ رُوحُكَ مَعِي- فَأَنْتَ بِعَيْنِي سِرُّكَ وَ عَلَانِيَتُكَ- سَلْ أُعْطِكَ وَ تَمَنَّ عَلَيَّ فَأُكْرِمْكَ- هَذِهِ جَنَّتِي فَتَجَنَّحْ فِيهَا وَ هَذَا جِوَارِي فَاسْكُنْهُ- فَتَقُولُ الرُّوحُ إِلَهِي عَرَّفْتَنِي نَفْسَكَ- فَاسْتَغْنَيْتُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَوْ كَانَ رِضَاكَ فِي أَنْ أُقْطَعَ إِرْباً إِرْباً- وَ أُقْتَلَ سَبْعِينَ قَتْلَةً بِأَشَدِّ مَا يُقْتَلُ بِهِ النَّاسُ- لَكَانَ رِضَاكَ أَحَبَّ إِلَيَّ- إِلَهِي كَيْفَ أُعْجَبُ بِنَفْسِي وَ أَنَا ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ‏

____________

(1) المثوى: المنزل و المكان.

28

تُكْرِمْنِي- وَ أَنَا مَغْلُوبٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي وَ أَنَا ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي- وَ أَنَا مَيِّتٌ إِنْ لَمْ تُحْيِنِي بِذِكْرِكَ- وَ لَوْ لَا سَتْرُكَ لَافْتَضَحْتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَصَيْتُكَ- إِلَهِي كَيْفَ لَا أَطْلُبُ رِضَاكَ وَ قَدْ أَكْمَلْتَ عَقْلِي- حَتَّى عَرَفْتُكَ وَ عَرَفْتُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ الْأَمْرَ مِنَ النَّهْيِ وَ الْعِلْمَ مِنَ الْجَهْلِ وَ النُّورَ مِنَ الظُّلْمَةِ- فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَحْجُبُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ- كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَحِبَّائِي- يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي أَيُّ عَيْشٍ أَهْنَأُ وَ أَيُّ حَيَاةٍ أَبْقَى- قَالَ اللَّهُمَّ لَا- قَالَ أَمَّا الْعَيْشُ الْهَنِي‏ءُ

(1)

فَهُوَ الَّذِي لَا يَفْتُرُ صَاحِبُهُ‏

(2)

عَنْ ذِكْرِي- وَ لَا يَنْسَى نِعْمَتِي وَ لَا يَجْهَلُ حَقِّي- يَطْلُبُ رِضَايَ فِي لَيْلِهِ وَ نَهَارِهِ- وَ أَمَّا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ الَّتِي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ حَتَّى تَهُونَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ تَصْغُرَ فِي عَيْنِهِ وَ تَعْظُمَ الْآخِرَةُ عِنْدَهُ- وَ يُؤْثِرَ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ وَ يَبْتَغِيَ مَرْضَاتِي- وَ يُعَظِّمَ حَقَّ عَظَمَتِي وَ يَذْكُرَ عِلْمِي بِهِ- وَ يُرَاقِبَنِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ عِنْدَ كُلِّ سَيِّئَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ- وَ يُنَقِّيَ قَلْبَهُ عَنْ كُلِّ مَا أَكْرَهُ- وَ يُبْغِضَ الشَّيْطَانَ وَ وَسَاوِسَهُ وَ لَا يَجْعَلَ لِإِبْلِيسَ عَلَى قَلْبِهِ سُلْطَاناً وَ سَبِيلًا- فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَسْكَنْتُ قَلْبَهُ حُبّاً- حَتَّى أَجْعَلَ قَلْبَهُ لِي وَ فَرَاغَهُ وَ اشْتِغَالَهُ وَ هَمَّهُ وَ حَدِيثَهُ- مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمْتُ بِهَا عَلَى أَهْلِ مَحَبَّتِي مِنْ خَلْقِي- وَ أَفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ وَ سَمْعِهِ- حَتَّى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ وَ يَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إِلَى جَلَالِي وَ عَظَمَتِي- وَ أُضِيقُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ أُبْغِضُ الدُّنْيَا وَ أُبْغِضُ إِلَيْهِ مَا فِيهَا مِنَ اللَّذَّاتِ- وَ أُحَذِّرُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا- كَمَا يُحَذِّرُ الرَّاعِي غَنَمَهُ مِنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ- فَإِذَا كَانَ هَكَذَا يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ فِرَاراً- وَ يَنْقُلُ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ- وَ مِنْ دَارِ الشَّيْطَانِ إِلَى دَارِ الرَّحْمَنِ- يَا أَحْمَدُ وَ لَأُزَيِّنَنَّهُ بِالْهَيْبَةِ وَ الْعَظَمَةِ- فَهَذَا هُوَ الْعَيْشُ الْهَنِي‏ءُ وَ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ وَ هَذَا مَقَامُ الرَّاضِينَ- فَمَنْ عَمِلَ بِرِضَايَ أُلْزِمُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ- أُعَرِّفُهُ شُكْراً لَا يُخَالِطُهُ الْجَهْلُ وَ ذِكْراً لَا يُخَالِطُهُ النِّسْيَانُ- وَ مَحَبَّةً لَا يُؤْثِرُ عَلَى مَحَبَّتِي مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِينَ فَإِذَا أَحَبَّنِي أَحْبَبْتُهُ وَ أَفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ إِلَى جَلَالِي- وَ لَا أُخْفِي عَلَيْهِ خَاصَّةَ خَلْقِي‏

____________

(1) الهني‏ء: السائغ و ما أتاك بلا مشقة.

(2) أي لا يمل و لا يكسل و لا يضعف.

29

وَ أُنَاجِيهِ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ وَ نُورِ النَّهَارِ- حَتَّى يَنْقَطِعَ حَدِيثُهُ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ‏

(1)

وَ مُجَالَسَتُهُ مَعَهُمْ- وَ أُسْمِعُهُ كَلَامِي وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِي- وَ أُعَرِّفُهُ السِّرَّ الَّذِي سَتَرْتُهُ عَنْ خَلْقِي- وَ أُلْبِسُهُ الْحَيَاءَ حَتَّى يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ- وَ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَغْفُوراً لَهُ- وَ أَجْعَلُ قَلْبَهُ وَاعِياً وَ بَصِيراً- وَ لَا أُخْفِي عَلَيْهِ شَيْئاً مِنْ جَنَّةٍ وَ لَا نَارٍ- وَ أُعَرِّفُهُ مَا يَمُرُّ عَلَى النَّاسِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ- مِنَ الْهَوْلِ وَ الشِّدَّةِ- وَ مَا أُحَاسِبُ الْأَغْنِيَاءَ وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْجُهَّالَ وَ الْعُلَمَاءَ وَ أُنَوِّمُهُ فِي قَبْرِهِ وَ أُنْزِلُ عَلَيْهِ مُنْكَراً وَ نَكِيراً حَتَّى يَسْأَلَاهُ- وَ لَا يَرَى غَمْرَةَ الْمَوْتِ وَ ظُلْمَةَ الْقَبْرِ وَ اللَّحْدِ وَ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ‏

(2)

- ثُمَّ أَنْصِبُ لَهُ مِيزَانَهُ وَ أَنْشُرُ دِيوَانَهُ- ثُمَّ أَضَعُ كِتَابَهُ فِي يَمِينِهِ فَيَقْرَؤُهُ مَنْشُوراً- ثُمَّ لَا أَجْعَلُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ تَرْجُمَاناً فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُحِبِّينَ- يَا أَحْمَدُ اجْعَلْ هَمَّكَ هَمّاً وَاحِداً فَاجْعَلْ لِسَانَكَ لِسَاناً وَاحِداً- وَ اجْعَلْ بَدَنَكَ حَيّاً لَا تَغْفُلُ عَنِّي- مَنْ يَغْفُلُ عَنِّي لَا أُبَالِي بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ- يَا أَحْمَدُ اسْتَعْمِلْ عَقْلَكَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ- فَمَنِ اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ لَا يُخْطِئُ وَ لَا يَطْغَى- يَا أَحْمَدُ أَ لَمْ تَدْرِ لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ فَضَّلْتُكَ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ- قَالَ اللَّهُمَّ لَا قَالَ بِالْيَقِينِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَ سَخَاوَةِ النَّفْسِ وَ رَحْمَةِ الْخَلْقِ- وَ كَذَلِكَ أَوْتَادُ الْأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا أَوْتَاداً إِلَّا بِهَذَا- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَجَاعَ بَطْنَهُ وَ حَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ- وَ إِنْ كَانَ كَافِراً تَكُونُ حِكْمَتُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَ وَبَالًا- وَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً تَكُونُ حِكْمَتُهُ لَهُ نُوراً وَ بُرْهَاناً وَ شِفَاءً وَ رَحْمَةً- فَيَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَ يُبْصِرُ مَا لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُ- فَأَوَّلُ مَا أُبَصِّرُهُ عُيُوبُ نَفْسِهِ حَتَّى يَشْتَغِلَ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ- وَ أُبَصِّرُهُ دَقَائِقَ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ- يَا أَحْمَدُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْعِبَادَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الصَّمْتِ وَ الصَّوْمِ- فَمَنْ صَامَ وَ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ- كَانَ كَمَنْ قَامَ وَ لَمْ يَقْرَأْ فِي صَلَاتِهِ- فَأُعْطِيهِ أَجْرَ الْقِيَامِ وَ لَمْ أُعْطِهِ أَجْرَ الْعَابِدِينَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «من المخلوقين».

(2) المطلع بشد الطاء المهملة و فتح اللام: المكان المشرف الذي يطلع منه.

30

يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي مَتَى تَكُونُ الْعَبْدُ عَابِداً قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ سَبْعُ خِصَالٍ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَ صَمْتٌ يَكُفُّهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ- وَ خَوْفٌ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بُكَائِهِ- وَ حَيَاءٌ يَسْتَحْيِي مِنِّي فِي الْخَلَاءِ وَ أَكْلُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ يُبْغِضُ الدُّنْيَا لِبُغْضِي لَهَا وَ يُحِبُّ الْأَخْيَارَ لِحُبِّي إِيَّاهُمْ- يَا أَحْمَدُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ أُحِبُّ اللَّهَ أَحَبَّنِي حَتَّى يَأْخُذَ قُوتاً- وَ يَلْبَسَ دُوناً وَ يَنَامَ سُجُوداً وَ يُطِيلَ قِيَاماً وَ يَلْزَمَ صَمْتاً- وَ يَتَوَكَّلَ عَلَيَّ وَ يَبْكِيَ كَثِيراً وَ يُقِلَّ ضِحْكاً وَ يُخَالِفَ هَوَاهُ- وَ يَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ بَيْتاً وَ الْعِلْمَ صَاحِباً وَ الزُّهْدَ جَلِيساً- وَ الْعُلَمَاءَ أَحِبَّاءَ وَ الْفُقَرَاءَ رُفَقَاءَ- وَ يَطْلُبَ رِضَايَ وَ يَفِرَّ مِنَ الْعَاصِينَ فِرَاراً- وَ يَشْغَلَ بِذِكْرِي اشْتِغَالًا وَ يُكْثِرَ التَّسْبِيحَ دَائِماً- وَ يَكُونَ بِالْوَعْدِ صَادِقاً وَ بِالْعَهْدِ وَافِياً- وَ يَكُونَ قَلْبُهُ طَاهِراً وَ فِي الصَّلَاةِ زَاكِياً- وَ فِي الْفَرَائِضِ مُجْتَهِداً وَ فِيمَا عِنْدِي فِي الثَّوَابِ رَاغِباً- وَ مِنْ عَذَابِي رَاهِباً وَ لِأَحِبَّائِي قَرِيناً وَ جَلِيساً- يَا أَحْمَدُ لَوْ صَلَّى الْعَبْدُ صَلَاةَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- وَ يَصُومُ صِيَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- وَ يَطْوِي مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَ لَبِسَ لِبَاسَ الْعَارِي- ثُمَّ أَرَى فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ذَرَّةً- أَوْ سَعَتِهَا أَوْ رِئَاسَتِهَا أَوْ حُلِيِّهَا أَوْ زِينَتِهَا- لَا يُجَاوِرُنِي فِي دَارِي وَ لَأَنْزِعَنَّ مِنْ قَلْبِهِ مَحَبَّتِي- وَ عَلَيْكَ سَلَامِي وَ رَحْمَتِي‏

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

أقول و رأيت في بعض الكتب لهذا الحديث سندا هكذا قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي البلخي عن أحمد بن إسماعيل الجوهري عن أبي محمد علي بن مظفر بن إلياس العبدي عن أبي نصر أحمد بن عبد الله الواعظ عن أبي الغنائم عن أبي الحسن عبد الله بن الواحد بن محمد بن عقيل عن أبي إسحاق إبراهيم بن حاتم الزاهد بالشام عن إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عبد الحميد بن أحمد بن سعيد عن أبي بشر عن الحسن بن علي المقري عن أبي مسلم محمد بن الحسن المقري عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(ع)قال‏ هذا ما سئل رسول الله ص ربه ليلة المعراج- و ذكر نحوه إلى آخر الخبر

31

- و وجدت في نسخة قديمة أخرى‏ (1) قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن محمد البلخي أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسماعيل الجوهري قال حدثنا أبو علي المطر بن إلياس بن سعد بن سليمان‏ (2) قال أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله بن إسحاق الواعظ قال أخبرنا أبو الغنائم الحسن بن حماد المقري قراءة بأهواز في آخر شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة قال أخبرنا أبو مسلم محمد بن الحسن المقري قراءة عليه من أصله قال حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عقيل قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن حاتم الزاهد بالشام قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن أحمد قال حدثنا إسحاق بن بشر عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(ع)و ذكر نحوه.

7-

كا (3)، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى رَفَعَهُ قَالَ:

إِنَّ مُوسَى(ع)نَاجَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فَقَالَ لَهُ فِي مُنَاجَاتِهِ يَا مُوسَى- لَا يَطُولُ فِي الدُّنْيَا أَمَلُكَ فَيَقْسُوَ لِذَلِكَ قَلْبُكَ- وَ قَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ- يَا مُوسَى كُنْ كَمَسَرَّتِي فِيكَ‏

(4)

فَإِنَّ مَسَرَّتِي أَنْ أُطَاعَ فَلَا أُعْصَى- وَ أَمِتْ قَلْبَكَ بِالْخَشْيَةِ- وَ كُنْ خَلَقَ الثِّيَابِ‏

(5)

جَدِيدَ الْقَلْبِ تُخْفَى عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ تُعْرَفُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ- حِلْسَ الْبُيُوتِ‏

(6)

مِصْبَاحَ اللَّيْلِ وَ اقْنُتْ بَيْنَ يَدَيَّ قُنُوتَ الصَّابِرِينَ- وَ صِحْ إِلَيَّ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ صِيَاحَ الْمُذْنِبِ الْهَارِبِ مِنْ عَدُوِّهِ- وَ اسْتَعِنْ بِي عَلَى ذَلِكَ فَإِنِّي نِعْمَ الْعَوْنُ وَ نِعْمَ الْمُسْتَعَانُ‏

____________

(1) طبعت هذه الرسالة مع تحف العقول سنة 1297 ه. و السندان فيهما تصحيف و تحريف و لا يسعنى تصحيحهما.

(2) كذا.

(3) روضة الكافي ص 42.

(4) هذا تشبيه للمبالغة و حاصله كن على حال اكون مسرورا بفعالك فكانك تكون مسرورا.

(5) الخلق- ككتف- البالى.

(6) الحلس: بساط يبسط في البيت.

32

يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ فَوْقَ الْعِبَادِ- وَ الْعِبَادُ دُونِي وَ كُلٌّ لِي دَاخِرُونَ‏

(1)

- فَاتَّهِمْ نَفْسَكَ عَلَى نَفْسِكَ- وَ لَا تَأْتَمِنْ وَلَدَكَ عَلَى دِينِكَ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُكَ مِثْلَكَ يُحِبُّ الصَّالِحِينَ- يَا مُوسَى اغْسِلْ وَ اغْتَسِلْ وَ اقْتَرِبْ مِنْ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ- يَا مُوسَى كُنْ إِمَامَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَ إِمَامَهُمْ فِيمَا يَتَشَاجَرُونَ‏

(2)

- وَ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ- فَقَدْ أَنْزَلْتُهُ حُكْماً بَيِّناً وَ بُرْهَاناً نَيِّراً- وَ نُوراً يَنْطِقُ بِمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ- وَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي الْآخِرِينَ- أُوصِيكَ يَا مُوسَى وَصِيَّةَ الشَّفِيقِ- الْمُشْفِقِ بِابْنِ الْبَتُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ- صَاحِبِ الْأَتَانِ وَ الْبُرْنُسِ وَ الزَّيْتِ وَ الزَّيْتُونِ وَ الْمِحْرَابِ‏

(3)

- وَ مِنْ بَعْدِهِ بِصَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ- فَمَثَلُهُ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُهَيْمِنٌ عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا

(4)

- وَ أَنَّهُ رَاكِعٌ سَاجِدٌ رَاغِبٌ رَاهِبٌ- إِخْوَانُهُ الْمَسَاكِينُ وَ أَنْصَارُهُ قَوْمٌ آخَرُونَ‏

(5)

- وَ يَكُونُ فِي زَمَانِهِ أَزْلٌ وَ زِلْزَالٌ‏

(6)

وَ قَتْلٌ وَ قِلَّةٌ مِنَ الْمَالِ- اسْمُهُ أَحْمَدُ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ مِنَ الْبَاقِينَ- مِنْ ثُلَّةِ الْأَوَّلِينَ الْمَاضِينَ‏

(7)

- يُؤْمِنُ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا

____________

(1) ساغرون عاجزون.

(2) التشاجر: التنازع و التخاصم.

(3) الاتان- بالفتح- الحمارة. و البرنس- بضم الباء و النون-: قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. و المراد بالزيتون و الزيت: الثمرة المعروفة و دهنها لانه «ص» كان يأكلهما. او نزلتا له في المائدة من السماء، أو المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادي اي اعطاه اللّه بلاد الشام. و بالزيت الدهن الذي روى انه كان في بني إسرائيل و كان غليانها من علامات النبوّة و المحراب لزومه و كثرة العبادة فيه (كما في المرآة).

(4) المهيمن هنا المشاهد و المؤتمن.

(5) أي ليسوا من قومه و عشيرته.

(6) الثلة الجماعة من الناس اي انه من سلالة اشارف الأنبياء.

(7) الازل- بشد اللام-: الضيق و الشدة.

33

وَ يُصَدِّقُ جَمِيعَ الْمُرْسَلِينَ وَ يَشْهَدُ بِالْإِخْلَاصِ لِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ- أُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ مُبَارَكَةٌ مَا بَقُوا فِي الدِّينِ عَلَى حَقَائِقِهِ- لَهُمْ سَاعَاتٌ مُوَقَّتَاتٌ- يُؤَدُّونَ فِيهَا الصَّلَوَاتِ أَدَاءَ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدِهِ نَافِلَتَهُ- فَبِهِ فَصَدِّقْ وَ مَنَاهِجَهُ فَاتَّبِعْ فَإِنَّهُ أَخُوكَ- يَا مُوسَى إِنَّهُ أُمِّيٌّ وَ هُوَ عَبْدٌ صِدْقٌ- مُبَارَكٌ لَهُ فِيمَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَ يُبَارَكُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَانَ فِي عِلْمِي وَ كَذَلِكَ خَلَقْتُهُ- بِهِ أَفْتَحُ‏

(1)

السَّاعَةَ وَ بِأُمَّتِهِ أَخْتِمُ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا- فَمُرْ ظَلَمَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يَدْرُسُوا اسْمَهُ- وَ لَا يَخْذُلُوهُ وَ إِنَّهُمْ لَفَاعِلُونَ- وَ حُبُّهُ لِي حَسَنَةٌ- فَأَنَا مَعَهُ وَ أَنَا مِنْ حِزْبِهِ‏

(2)

وَ هُوَ مِنْ حِزْبِي وَ حِزْبُهُمُ الْغَالِبُونَ- فَتَمَّتْ كَلِمَاتِي لَأُظْهِرَنَّ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا- وَ لَأُعْبَدَنَّ بِكُلِّ مَكَانٍ- وَ لَأُنْزِلَنَّ عَلَيْهِ قُرْآناً فُرْقَاناً-

شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ

مِنْ نَفْثِ الشَّيْطَانِ- فَصَلِّ عَلَيْهِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ فَإِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ وَ مَلَائِكَتِي- يَا مُوسَى أَنْتَ عَبْدِي وَ أَنَا إِلَهُكَ- لَا تَسْتَذِلَّ الْحَقِيرَ الْفَقِيرَ وَ لَا تَغْبِطِ الْغَنِيَّ بِشَيْ‏ءٍ يَسِيرٍ- وَ كُنْ عِنْدَ ذِكْرِي خَاشِعاً وَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ بِرَحْمَتِي طَامِعاً- وَ أَسْمِعْنِي لَذَاذَةَ التَّوْرَاةِ بِصَوْتٍ خَاشِعٍ حَزِينٍ- اطْمَئِنَّ عِنْدَ ذِكْرِي وَ ذَكِّرْ بِي مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيَّ- وَ اعْبُدْنِي وَ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً- وَ تَحَرَّ مَسَرَّتِي‏

(3)

إِنِّي أَنَا السَّيِّدُ الْكَبِيرُ- إِنِّي خَلَقْتُكَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ-

(4)

مِنْ طِينَةٍ أَخْرَجْتُهَا مِنْ أَرْضٍ ذَلِيلَةٍ مَمْشُوجَةٍ-

(5)

فَكَانَتْ بَشَراً فَأَنَا صَانِعُهَا خَلْقاً- فَتَبَارَكَ وَجْهِي وَ تَقَدَّسَ صُنْعِي‏

(6)

لَيْسَ كَمِثْلِي شَيْ‏ءٌ

____________

(1) الباء للملابسة و الغرض اتصال امته و دولته و نبوّته بقيام الساعة.

(2) أي انصره و اعينه.

(3) التحرّي: الطلب اي اطلب ما يوجب رضاى عنك.

(4) المهين: الحقير و القليل و الضعيف.

(5) أي مخطوطة من أنواع، و المراد انى خلقتك من نطفة و أصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الأرض و هو آدم (عليه السلام) و اخذت طينته من جميع وجه الأرض المشتملة على الوان و أنواع مختلفة (كذا في المرآة).

(6) في بعض النسخ من المصدر «صنيعى».

34

وَ أَنَا الْحَيُّ الدَّائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ- يَا مُوسَى كُنْ إِذَا دَعَوْتَنِي خَائِفاً مُشْفِقاً وَجِلًا- عَفِّرْ وَجْهَكَ لِي فِي التُّرَابِ وَ اسْجُدْ لِي بِمَكَارِمِ بَدَنِكَ- وَ اقْنُتْ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْقِيَامِ- وَ نَاجِنِي حِينَ تُنَاجِينِي بِخَشْيَةٍ مِنْ قَلْبٍ وَجِلٍ- وَ أَحْيِ بِتَوْرَاتِي أَيَّامَ الْحَيَاةِ- وَ عَلِّمِ الْجُهَّالَ مَحَامِدِي وَ ذَكِّرْهُمْ آلَائِي وَ نِعْمَتِي- وَ قُلْ لَهُمْ لَا يَتَمَادَوْنَ فِي غَيِّ مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ أَخْذِي أَلِيمٌ شَدِيدٌ- يَا مُوسَى إِذَا انْقَطَعَ حَبْلُكَ مِنِّي لَمْ يَتَّصِلْ بِحَبْلِ غَيْرِي- فَاعْبُدْنِي وَ قُمْ بَيْنَ يَدَيَّ مَقَامَ الْعَبْدِ الْحَقِيرِ الْفَقِيرِ- ذُمَّ نَفْسَكَ فَهِيَ أَوْلَى بِالذَّمِّ- وَ لَا تَتَطَاوَلْ بِكِتَابِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَكَفَى بِهَذَا وَاعِظاً لِقَلْبِكَ وَ مُنِيراً- وَ هُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَ تَعَالَى- يَا مُوسَى مَتَى مَا دَعَوْتَنِي وَ رَجَوْتَنِي- وَ إِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ- السَّمَاءُ تُسَبِّحُ لِي وَجَلًا وَ الْمَلَائِكَةُ مِنْ مَخَافَتِي مُشْفِقُونَ- وَ الْأَرْضُ تُسَبِّحُ لِي طَمَعاً وَ كُلُّ الْخَلْقِ يُسَبِّحُونَ لِي دَاخِرِينَ‏

(1)

- ثُمَّ عَلَيْكَ بِالصَّلَاةِ الصَّلَاةِ- فَإِنَّهَا مِنِّي بِمَكَانٍ وَ لَهَا عِنْدِي عَهْدٌ وَثِيقٌ- وَ أَلْحِقْ بِهَا مَا هُوَ مِنْهَا زَكَاةَ الْقُرْبَانِ- مِنْ طَيِّبِ الْمَالِ وَ الطَّعَامِ- فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ- يُرَادُ بِهِ وَجْهِي- وَ اقْرُنْ مَعَ ذَلِكَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ- فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ- وَ الرَّحِمُ أَنَا خَلَقْتُهَا فَضْلًا مِنْ رَحْمَتِي لِيَتَعَاطَفَ بِهَا الْعِبَادُ- وَ لَهَا عِنْدِي سُلْطَانٌ فِي مَعَادِ الْآخِرَةِ- وَ أَنَا قَاطِعُ مَنْ قَطَعَهَا وَ وَاصِلُ مَنْ وَصَلَهَا- وَ كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِمَنْ ضَيَّعَ أَمْرِي- يَا مُوسَى أَكْرِمِ السَّائِلَ إِذَا أَتَاكَ بِرَدٍّ جَمِيلٍ أَوْ إِعْطَاءٍ يَسِيرٍ- فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مَنْ لَيْسَ بِإِنْسٍ وَ لَا جَانٍّ- مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ يَبْلُونَكَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيمَا أَوْلَيْتُكَ وَ كَيْفَ مُوَاسَاتُكَ فِيمَا خَوَّلْتُكَ‏

(2)

- وَ اخْشَعْ لِي بِالتَّضَرُّعِ وَ اهْتِفْ لِي بِوَلْوَلَةِ الْكِتَابِ‏

(3)

- وَ اعْلَمْ أَنِّي أَدْعُوكَ دُعَاءَ السَّيِّدِ مَمْلُوكَهُ- لِيَبْلُغَ بِهِ شَرَفَ الْمَنَازِلِ- وَ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِي عَلَيْكَ وَ عَلَى آبَائِكَ الْأَوَّلِينَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «داخرين» و هو حال عن الضمير في «يسبحون».

(2) التخويل: التمليك.

(3) الولولة: صوت متتابع بالويل و الاستغاثة.

35

يَا مُوسَى لَا تَنْسَنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ لَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ- فَإِنَّ نِسْيَانِي يُقْسِي الْقُلُوبَ وَ مَعَ كَثْرَةِ الْمَالِ كَثْرَةُ الذُّنُوبِ- الْأَرْضُ مُطِيعَةٌ وَ السَّمَاءُ مُطِيعَةٌ وَ الْبِحَارُ مُطِيعَةٌ- وَ عِصْيَانِي شَقَاءُ الثَّقَلَيْنِ- وَ أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحْمَانُ كُلِّ زَمَانٍ آتِي بِالشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّخَاءِ وَ بِالرَّخَاءِ بَعْدَ الشِّدَّةِ- وَ بِالْمُلُوكِ بَعْدَ الْمُلُوكِ- وَ مُلْكِي قَائِمٌ دَائِمٌ لَا يَزُولُ- وَ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ- وَ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيَّ مَا مِنِّي مُبْتَدَؤُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ هَمُّكَ فِيمَا عِنْدِي وَ إِلَيَّ تَرْجِعُ لَا مَحَالَةَ- يَا مُوسَى اجْعَلْنِي حِرْزَكَ- وَ ضَعْ عِنْدِي كَنْزَكَ مِنَ الصَّالِحَاتِ- وَ خَفْنِي وَ لَا تَخَفْ غَيْرِي إِلَيَّ الْمَصِيرُ- يَا مُوسَى ارْحَمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكَ فِي الْخَلْقِ- وَ لَا تَحْسُدْ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ- فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- يَا مُوسَى إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ تَوَاضَعَا فِي مَنْزِلَةٍ- لِيَنَالا بِهَا مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَقَرَّبَا قُرْبَاناً وَ لَا أَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُتَّقِينَ- فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَدْ عَلِمْتَ- فَكَيْفَ تَثِقُ بِالصَّاحِبِ بَعْدَ الْأَخِ وَ الْوَزِيرِ- يَا مُوسَى ضَعِ الْكِبْرَ وَ دَعِ الْفَخْرَ- وَ اذْكُرْ أَنَّكَ سَاكِنُ الْقَبْرِ فَلْيَمْنَعْكَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهَوَاتِ- يَا مُوسَى عَجِّلِ التَّوْبَةَ وَ أَخِّرِ الذَّنْبَ- وَ تَأَنَّ فِي الْمَكْثِ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الصَّلَاةِ وَ لَا تَرْجُ غَيْرِي- اتَّخِذْنِي جُنَّةً لِلشَّدَائِدِ وَ حِصْناً لِمُلِمَّاتِ الْأُمُورِ- يَا مُوسَى كَيْفَ تَخْشَعُ لِي خَلِيقَةً لَا تَعْرِفُ فَضْلِي عَلَيْهَا- وَ كَيْفَ تَعْرِفُ فَضْلِي عَلَيْهَا وَ هِيَ لَا تَنْظُرُ فِيهِ- وَ كَيْفَ تَنْظُرُ فِيهِ وَ هِيَ لَا تُؤْمِنُ بِهِ- وَ كَيْفَ تُؤْمِنُ بِهِ وَ هِيَ لَا تَرْجُو ثَوَاباً- وَ كَيْفَ تَرْجُو ثَوَاباً وَ هِيَ قَدْ قَنِعَتْ بِالدُّنْيَا وَ اتَّخَذَتْهَا مَأْوًى- وَ رَكَنَتْ إِلَيْهَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ-

(1)

____________

(1) حاصله الركون الى الدنيا و الميل إليها و اتخاذها وطنا و مأوى ينافى الخشوع للّه اذ الركون ملزوم بعدم رجاء الآخرة لان من يرجو لقاء اللّه يحقر الدنيا في عينه و من يؤمن باللّه يرجو لقاءه.

36

يَا مُوسَى نَافِسْ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ‏

(1)

فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ- وَ دَعِ الشَّرَّ لِكُلِّ مَفْتُونٍ- يَا مُوسَى اجْعَلْ لِسَانَكَ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِكَ تَسْلَمْ-

(2)

وَ أَكْثِرْ ذِكْرِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ تَغْنَمْ- وَ لَا تَتَّبِعِ الْخَطَايَا فَتَنْدَمَ فَإِنَّ الْخَطَايَا مَوْعِدُهَا النَّارُ- يَا مُوسَى أَطِبِ الْكَلَامَ لِأَهْلِ التَّرْكِ لِلذُّنُوبِ وَ كُنْ لَهُمْ جَلِيساً- وَ اتَّخِذْهُمْ لِغَيْبِكَ إِخْوَاناً وَ جِدَّ مَعَهُمْ يَجِدُّونَ مَعَكَ‏

(3)

- يَا مُوسَى الْمَوْتُ لَاقِيكَ لَا مَحَالَةَ- فَتَزَوَّدْ زَادَ مَنْ هُوَ عَلَى مَا يَتَزَوَّدُ وَارِدٌ- يَا مُوسَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي فَكَثِيرٌ قَلِيلُهُ- وَ مَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرِي فَقَلِيلٌ كَثِيرُهُ وَ إِنَّ أَصْلَحَ أَيَّامِكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ- فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ فَأَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ- فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ بِهِ وَ مَسْئُولٌ- وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وَ أَهْلِهِ- فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلُهُ قَصِيرٌ وَ قَصِيرُهُ طَوِيلٌ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَانٍ- فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ- لِكَيْ يَكُونَ أَطْمَعَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ لَا مَحَالَةَ- فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا وَلَّى مِنْهَا- وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَ مِثَالٍ- فَكُنْ مُرْتَاداً لِنَفْسِكَ‏

(4)

يَا ابْنَ عِمْرَانَ- لَعَلَّكَ تَفُوزُ غَداً يَوْمَ السُّؤَالِ- فَهُنَالِكَ‏

يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏

- يَا مُوسَى- أَلْقِ كَفَّيْكَ ذُلًّا بَيْنَ يَدَيَّ كَفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُسْتَصْرِخِ إِلَى سَيِّدِهِ- فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ رُحِمْتَ وَ أَنَا أَكْرَمُ الْقَادِرِينَ- يَا مُوسَى سَلْنِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَإِنَّهُمَا بِيَدِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي- وَ انْظُرْ حِينَ تَسْأَلُنِي كَيْفَ رَغْبَتُكَ فِيمَا عِنْدِي- لِكُلِّ عَامِلٍ جَزَاءٌ وَ قَدْ يُجْزَى الْكَفُورُ بِمَا سَعَى- يَا مُوسَى طِبْ نَفْساً عَنِ الدُّنْيَا وَ انْطَوِ

(5)

عَنْهَا- فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ وَ لَسْتَ لَهَا مَا لَكَ وَ لِدَارِ الظَّالِمِينَ إِلَّا الْعَامِلَ فِيهَا بِالْخَيْرِ- فَإِنَّهَا لَهُ نِعْمَ الدَّارُ

____________

(1) أي بالغ في الخير و زد عليه.

(2) يعني إذا أردت الكلام فابدأ باستعمال قلبك و عقلك.

(3) في بعض النسخ «وجد معهم يجودون معك».

(4) الارتياد: الطلب.

(5) يعني اتركها و ارغب عنها.

37

يَا مُوسَى مَا آمُرُكَ بِهِ فَاسْمَعْ وَ مَهْمَا أَرَاهُ فَاصْنَعْ‏

(1)

- خُذْ حَقَائِقَ التَّوْرَاةِ إِلَى صَدْرِكَ- وَ تَيَقَّظْ بِهَا فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ لَا تُمَكِّنْ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِنْ صَدْرِكَ- فَيَجْعَلُونَهُ وَكْراً كَوَكْرِ الطَّيْرِ

(2)

- يَا مُوسَى أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَ أَهْلُهَا فِتَنٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- فَكُلٌّ مُزَيَّنٌ لَهُ مَا هُوَ فِيهِ- وَ الْمُؤْمِنُ مَنْ زُيِّنَتْ لَهُ الْآخِرَةُ- فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا يَفْتُرُ- قَدْ حَالَتْ شَهْوَتُهَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ لَذَّةِ الْعَيْشِ- فَادَّلَجَتْهُ بِالْأَسْحَارِ

(3)

كَفِعْلِ الرَّاكِبِ السَّائِقِ إِلَى غَايَتِهِ- يَظَلُّ كَئِيباً وَ يُمْسِي حَزِيناً

(4)

- وَ طُوبَى لَهُ لَوْ قَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ذَا يُعَايِنُ مِنَ السُّرُورِ- يَا مُوسَى الدُّنْيَا نُطْفَةٌ

(5)

لَيْسَتْ بِثَوَابٍ لِلْمُؤْمِنِ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْ فَاجِرٍ- فَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ بَاعَ ثَوَابَ مَعَادِهِ بِلَعْقَةٍ لَمْ تَبْقَ- وَ بِلَعْسَةٍ لَمْ تَدُمْ‏

(6)

- وَ كَذَلِكَ فَكُنْ‏

____________

(1) أي كل وقت أرى و اعلم ما آمرك حسنا فافعل فيه أي افعل الاوامر في أوقاتها التي أمرتك بادائها فيها.

(2) الوكر و الوكرة: عش الطائر.

(3) قال المصنّف في المرآة: الادلاج: السير بالليل و ظاهر العبارة أنّه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل و لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة قال الفيروزآبادي: الدلج- محركة- و الدلجة- بالضم و الفتح-: السير من اول الليل و قد ادلجوا، فان ساروا من آخره فادلجوا- بالتشديد. انتهى. و يمكن أن يكون على الحذف و الايصال اي ادلجت الشهوة معه و سيرته بالاسحار كالراكب الذي سائق قرينه الى الغاية التي يتسابقان إليها و الغاية هنا الجنة و الفوز بالكرامة و القرب و الحب و الوصال او الموت و هو اظهر.

(4) الكأبة: الغم و سوء الحال و الانكسار من الحزن و المعنى انه يكون في نهاره مغموما و في ليله محزونا لطلب الآخرة و لكن لو كشف الغطاء حتّى يرى ما له في الآخرة يحصل له السرور و ما لا يخفى.

(5) النطفة: ما يبقى في الدلو أو القربة من الماء كنى بها عن قلتها.

(6) اللعقة القليل ممّا يلعق. و اللعس- بالفتح-: العض و المراد هنا ما يقطعه باسنانه و في بعض نسخ المصدر «بلعقة لم تبق و بلعبة لم تدم».

38

كَمَا أَمَرْتُكَ وَ كُلُّ أَمْرِي رَشَادٌ- يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ إِلَى عُقُوبَتِهِ- وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ- وَ لَا تَكُنْ جَبَّاراً ظَلُوماً وَ لَا تَكُنْ لِلظَّالِمِينَ قَرِيناً- يَا مُوسَى مَا عُمُرٌ وَ إِنْ طَالَ يُذَمُّ آخِرُهُ- وَ مَا ضَرَّكَ مَا زُوِيَ عَنْكَ إِذَا حُمِدَتْ مَغَبَّتُهُ‏

(1)

- يَا مُوسَى صَرَخَ الْكِتَابُ إِلَيْكَ صُرَاخاً

(2)

بِمَا أَنْتَ إِلَيْهِ صَائِرٌ- فَكَيْفَ تَرْقُدُ عَلَى هَذَا الْعُيُونُ- أَمْ كَيْفَ يَجِدُ قَوْمٌ لَذَّةَ الْعَيْشِ لَوْ لَا التَّمَادِي فِي الْغَفْلَةِ- وَ الِاتِّبَاعُ لِلشِّقْوَةِ وَ التَّتَابُعُ لِلشَّهْوَةِ- وَ مِنْ دُونِ هَذَا يَجْزَعُ الصِّدِّيقُونَ- يَا مُوسَى مُرْ عِبَادِي يَدْعُونِي عَلَى مَا كَانَ- بَعْدَ أَنْ يُقِرُّوا لِي أَنِّي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ مُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ- وَ أُبَدِّلُ الزَّمَانَ وَ آتِي بِالرَّخَاءِ- وَ أَشْكُرُ الْيَسِيرَ وَ أُثِيبُ الْكَثِيرَ وَ أُغْنِي الْفَقِيرَ- وَ أَنَا الدَّائِمُ الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ- فَمَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ وَ انْضَوَى‏

(3)

إِلَيْكَ مِنَ الْخَاطِئِينَ- فَقُلْ أَهْلًا وَ سَهْلًا يَا رَحْبَ الْفِنَاءِ

(4)

بِفِنَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ كُنْ لَهُمْ كَأَحَدِهِمْ- وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ فَضْلَهُ- وَ قُلْ لَهُمْ فَلْيَسْأَلُونِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ أَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- طُوبَى لَكَ يَا

____________

(1) زوى عنك أي بعد عنك. و المغبة: العاقبة.

(2) في بعض نسخ المصدر «صرح الكتاب صراحا» و ما في المتن أصوب.

(3) انضوى إليه: انضم، و في بعض النسخ «و انطوى».

(4) الرحب- بالضم-: السعة. و بالفتح-: الواسع. قيل: لعل المراد ان من لجأ اليك يا موسى من عبادى الخاطئين لتستغفر له و تدخل باستشفاعك في زمرة الساكنين في جوار قبولى فلا ترد مسألته فان رحمتى قد سبقت غضبى، فقل له: أهلا و سهلا و مرحبا، فانك رحب الفناء بسبب كونك في فناء قبولى و رحمتى الواسعة، فآمنه من سخطى و اسكنه باستغفارك و شفاعتك المقبولة في فناء فضلى و مغفرتى. كذا وجدته في هامش بعض النسخ المخطوطة من الكافي و قد يقرأ في بعض نسخ الحديث «يا رحب الفناء نزلت بفناء» و الظاهر هو الأصحّ.

39

مُوسَى كَهْفُ الْخَاطِئِينَ- وَ جَلِيسُ الْمُضْطَرِّينَ وَ مُسْتَغْفَرٌ لِلْمُذْنِبِينَ- إِنَّكَ مِنِّي بِالْمَكَانِ الرَّضِيِّ- فَادْعُنِي بِالْقَلْبِ النَّقِيِّ وَ اللِّسَانِ الصَّادِقِ- وَ كُنْ كَمَا أَمَرْتُكَ أَطِعْ أَمْرِي وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى عِبَادِي بِمَا لَيْسَ مِنْكَ مُبْتَدَؤُهُ- وَ تَقَرَّبْ إِلَيَّ فَإِنِّي مِنْكَ قَرِيبٌ- فَإِنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ مَا يُؤْذِيكَ ثِقَلُهُ وَ لَا حَمْلُهُ- إِنَّمَا سَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَنِي فَأُجِيبَكَ وَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَأُعْطِيَكَ- وَ أَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِمَا مِنِّي أَخَذْتَ تَأْوِيلَهُ وَ عَلَيَّ تَمَامُ تَنْزِيلِهِ- يَا مُوسَى انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهَا عَنْ قَرِيبٍ قَبْرُكَ- وَ ارْفَعْ عَيْنَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ فَوْقَكَ فِيهَا مَلِكاً عَظِيماً- وَ ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ مَا دُمْتَ فِي الدُّنْيَا- وَ تَخَوَّفِ الْعَطَبَ‏

(1)

وَ الْمَهَالِكَ- وَ لَا تَغُرَّنَّكَ زِينَةُ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتُهَا- وَ لَا تَرْضَ بِالظُّلْمِ وَ لَا تَكُنْ ظَالِماً- فَإِنِّي لِلظَّالِمِ رَصِيدٌ حَتَّى أُدِيلَ مِنْهُ الْمَظْلُومَ- يَا مُوسَى- إِنَّ الْحَسَنَةَ عَشَرَةُ أَضْعَافٍ وَ مِنَ السَّيِّئَةِ الْوَاحِدَةِ الْهَلَاكُ- وَ لَا تُشْرِكْ بِي لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُشْرِكَ بِي- قَارِبْ وَ سَدِّدْ

(2)

وَ ادْعُ دُعَاءَ الطَّامِعِ الرَّاغِبِ فِيمَا عِنْدِي- النَّادِمِ عَلَى مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ- فَإِنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ- وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَمْحُوهَا الْحَسَنَةُ- وَ عَشْوَةُ اللَّيْلِ‏

(3)

تَأْتِي عَلَى ضَوْءِ النَّهَارِ- وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَأْتِي عَلَى الْحَسَنَةِ الْجَلِيلَةِ فَتُسَوِّدُهَا.

8-

قَالَ السَّيِّدُ (4) (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ (5)

رَأَيْتُ فِي الزَّبُورِ فِي السُّورَةِ الثَّالِثَةِ وَ الثَّلَاثِينَ- ثِيَابُ الْعَاصِي ثِقَالٌ عَلَى الْأَبْدَانِ وَ وَسَخٌ عَلَى الْوَجْهِ- وَ وَسَخُ الْأَبْدَانِ يَنْقَطِعُ بِالْمَاءِ- وَ وَسَخُ الذُّنُوبِ لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِالْمَغْفِرَةِ- طُوبَى لِلَّذِينَ كَانَ بَاطِنُهُمْ أَحْسَنَ مِنْ ظَاهِرِهِمْ- وَ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَدَائِعُ فَرِحَ بِهَا يَوْمَ الْآزِفَةِ- وَ مَنْ عَمِلَ‏

____________

(1) العطب- بالتحريك-: الهلاك.

(2) قال في النهاية و فيه «قاربوا و سددوا» أي اقتصدوا في الأمور كلها و اتركوا العلو فيها و التقصير. يقال قارب فلان في الأمور إذا اقتصد، و قال في السين و الدال:

قاربوا و سددوا أي اطلبوا باعمالكم السداد و الاستقامة و هو القصد في الامر و العدل فيه.

(3) عشوة الليل: ظلمته.

(4) يعني ابن طاوس.

(5) المصدر ص 50.

40

بِالْمَعَاصِي وَ أَسَرَّهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ- لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِسْرَارِهَا مِنِّي- قَدْ أَوْفَيْتُكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ وَ نَبَاتِ الْبَرِّ وَ طَيْرِ السَّمَاءِ وَ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَاتِ- وَ رَزَقْتُكُمْ مَا لَمْ تَحْتَسِبُوا- وَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الذُّنُوبِ- مَعْشَرَ الصُّوَّامِ بَشِّرِ الصَّائِمِينَ بِمَرْتِبَةِ الْفَائِزِينَ- وَ قَدْ أَنْزَلْتُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ دَاوُدُ- سَوْفَ تُحَرَّفُ كُتُبِي وَ يُفْتَرَى عَلَيَّ كَذِباً- فَمَنْ صَدَّقَ بِكُتُبِي وَ رُسُلِي فَقَدْ أَنْجَحَ وَ أَفْلَحَ- وَ أَنَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي السُّورَةِ السَّابِعَةِ وَ السِّتِّينَ- ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَكُمُ الدُّنْيَا دَلَائِلَ عَلَى الْآخِرَةِ وَ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ- فَيَطْلُبُ حِسَابَهُ فَتُرْعَدُ فَرَائِصُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَ لَيْسَ يَخَافُ عُقُوبَةَ النَّارِ- وَ أَنْتُمْ مُكْثِرُونَ التَّمَرُّدَ وَ تَجْعَلُونَ الْمَعَاصِيَ فِي الظُّلَمِ الدُّجَى إِنَّ الظَّلَامَ لَا يَسْتُرُكُمْ عَلَيَّ- بَلِ اسْتَخْفَيْتُمْ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَ تَهَاوَنْتُمْ بِي- وَ لَوْ أَمَرْتُ فَطَرَاتِ الْأَرْضِ تَبْتَلِعُكُمْ فَتَجْعَلُكُمْ نَكَالًا

(1)

- وَ لَكِنْ جُدْتُ عَلَيْكُمْ بِالْإِحْسَانِ- فَإِنِ اسْتَغْفَرْتُمُونِي تَجِدُونِي غَفَّاراً- فَإِنْ تَعْصُونِي اتِّكَالًا عَلَى رَحْمَتِي- فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى مَنْ يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ وَ فِي الثَّامِنَةِ وَ السِّتِّينَ- ابْنَ آدَمَ لَمَّا رَزَقْتُكُمُ اللِّسَانَ- وَ أَطْلَقْتُ لَكُمُ الْأَوْصَالَ‏

(2)

وَ رَزَقْتُكُمُ الْأَمْوَالَ- جَعَلْتُمُ الْأَوْصَالَ كُلَّهَا عَوْناً عَلَى الْمَعَاصِي- كَأَنَّكُمْ بِي تَغْتَرُّونَ وَ بِعُقُوبَتِي تَتَلَاعَبُونَ- وَ مَنْ أَجْرَمَ الذُّنُوبَ وَ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُ- فَلْيَنْظُرِ الْأَرْضَ كَيْفَ لَعِبَتْ بِالْوُجُوهِ فِي الْقُبُورِ- وَ تَجْعَلُهَا رَمِيماً- إِنَّمَا الْجَمَالُ جَمَالُ مَنْ عُوفِيَ مِنَ النَّارِ- وَ إِذَا فَرَغْتُمْ مِنَ الْمَعَاصِي رَجَعْتُمْ إِلَيَّ أَ حَسِبْتُمْ أَنِّي خَلَقْتُكُمْ عَبَثاً- إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الدُّنْيَا رَدِيفَ الْآخِرَةِ- فَسَدِّدُوا وَ قَارِبُوا- وَ اذْكُرُوا رَحْلَةَ الدُّنْيَا وَ ارْجُوا ثَوَابِي وَ خَافُوا عِقَابِي- وَ اذْكُرُوا صَوْلَةَ الزَّبَانِيَةِ وَ ضِيقَ الْمَسْلَكِ فِي النَّارِ- وَ غَمَّ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ- ازْجُرُوا أَنْفُسَكُمْ حَتَّى تَنْزَجِرَ- وَ أَرْضُوهَا بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ

____________

(1) الفطر: الشق. و النكال العذاب و اسم ما يجعل عبرة للغير.

(2) الاوصال: الأعضاء.

41

وَ فِي الْحَادِيَةِ وَ السَّبْعِينَ- طَلَبُ الثَّوَابِ بِالْمُخَادَعَةِ يُورِثُ الْحِرْمَانَ- وَ حُسْنُ الْعَمَلِ يُقَرِّبُ مِنِّي- أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْضَرَ سَيْفاً لَا نَصْلَ لَهُ- أَوْ قَوْساً لَا سَهْمَ لَهُ أَ كَانَ يَرْدَعُ عَدُوَّهُ- وَ كَذَلِكَ التَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعَمَلِ- وَ إِطْعَامِ الطَّعَامِ لِرِضَايَ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي الرَّابِعَةِ وَ الثَّمَانِينَ- مُولِجُ اللَّيْلِ فِي النَّهَارِ وَ مُغَيِّبُ النُّورِ فِي الظُّلْمَةِ- وَ مُذِلُّ الْعَزِيزِ وَ مُعِزُّ الذَّلِيلِ- وَ أَنَا الْمَلِكُ الْأَعْلَى- مَعْشَرَ الصِّدِّيقِينَ كَيْفَ مُسَاعَدَتُكُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى الضَّحِكِ- وَ أَيَّامُكُمْ تَفْنَى وَ الْمَوْتُ بِكُمْ نَازِلٌ- وَ تَمُوتُونَ وَ تَرْعَى الدُّودُ فِي أَجْسَادِكُمْ وَ تَنْسَاكُمُ الْأَهْلُونَ وَ الْأَقْرِبَاءُ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي الْمِائَةِ- مَنْ فَزَّعَ نَفْسَهُ بِالْمَوْتِ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا- وَ مَنْ أَكْثَرَ الْهَمَّ وَ الْأَبَاطِيلَ اقْتَحَمَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَدَعُ شَابّاً لِشَبَابِهِ وَ لَا شَيْخاً لِكِبَرِهِ- إِذَا قَرُبَتْ آجَالُكُمْ تَوَفَّتْكُمْ رُسُلِي‏

وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ‏

- فَالْوَيْلُ لِمَنْ تَوَفَّتْهُ رُسُلِي وَ هُوَ عَلَى الْفَوَاحِشِ لَمْ يَدَعْهَا- وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ الْمَخْلُوقِينَ- وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ كَانَ لِأَحَدٍ قِبَلَهُ تَبِعَةُ خَرْدَلَةٍ- حَتَّى يُؤَدِّيَهَا مِنْ حَسَنَاتِهِ- وَ اللَّيْلِ إِذَا أَظْلَمَ وَ الصُّبْحِ إِذَا اسْتَنَارَ

(1)

- وَ السَّمَاءِ الرَّفِيعَةِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ- لَيُخْرَجَنَّ الْمَظَالِمُ وَ لَتُؤَدَّى كَائِنَةً مَا كَانَتْ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ- أَوْ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ تُجْعَلُ عَلَى سَيِّئَاتِكُمْ وَ السَّعِيدُ مَنْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ- وَ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ مُضِي‏ءَ الْوَجْهِ- وَ الشَّقِيُّ مَنْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ- وَ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ بَاسِرَ الْوَجْهِ بَسْراً- قَدْ شَحَبَ لَوْنُهُ وَ وَرِمَتْ قَدَمَاهُ- وَ خَرَجَ لِسَانُهُ دَالِعاً عَلَى صَدْرِهِ‏

(2)

وَ غَلُظَ شَعْرُهُ- فَصَارَ فِي النَّارِ

____________

(1) في المصدر «و النهار إذا أبار» بدل «و الصبح إذا استنار».

(2) بسر يبسر بسرا و بسورا من باب قعد اي عبس وجهه فهو باسر و منه قوله تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ» و قوله‏ «ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ» و شحب لونه أي تغير من جوع أو مرض و نحوهما و دلع لسانه أي خرج من فمه. و قوله «دالعا لسانه على صدره» أي خارجا لسانه متدليا على صدره.

42

مَحْسُوراً مُبَعَّداً مَدْحُوراً

(1)

- وَ صَارَتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَ سُوءُ الْحِسَابِ- وَ أَنَا الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الَّذِي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ أَعْلَمُ‏

خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ

- وَ أَنَا

السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

9-

مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ (رحمه الله)

قِيلَ فِي التَّوْرَاةِ- قُلْ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَالِهِ وَ غِنَاهُ- فَإِنِ اغْتَرَّ فَلْيُطْعِمِ الْخَلْقَ غَدَاءً وَ عِشَاءً- وَ قُلْ لِصَاحِبِ الْعِلْمِ لَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ- فَإِنِ اغْتَرَّ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى يَمُوتُ- وَ قُلْ لِصَاحِبِ الْعَضُدِ الْقَوِيِّ لَا يَغْتَرَّ بِقُوَّتِهِ فَإِنِ اغْتَرَّ بِقُوَّتِهِ فَلْيَدْفَعِ الْمَوْتَ عَنْ نَفْسِهِ.

10 عُدَّةُ الدَّاعِي‏ (2)، رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ:

أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ(ع) يَا دَاوُدُ مَنْ أَحَبَّ حَبِيباً صَدَّقَ قَوْلَهُ- وَ مَنْ رَضِيَ بِحَبِيبٍ رَضِيَ فِعْلَهُ- وَ مَنْ وَثِقَ بِحَبِيبٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ- وَ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى حَبِيبٍ جَدَّ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ- يَا دَاوُدُ ذِكْرِي لِلذَّاكِرِينَ وَ جَنَّتِي لِلْمُطِيعِينَ- وَ حُبِّي لِلْمُشْتَاقِينَ وَ أَنَا خَاصَّةً لِلْمُحِبِّينَ- وَ قَالَ سُبْحَانَهُ أَهْلُ طَاعَتِي فِي ضِيَافَتِي- وَ أَهْلُ شُكْرِي فِي زِيَادَتِي وَ أَهْلُ ذِكْرِي فِي نِعْمَتِي- وَ أَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُويِسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي- إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَ إِنْ دَعَوْا فَأَنَا مُجِيبُهُمْ- وَ إِنْ مَرِضُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ- أُدَاوِيهِمْ بِالْمِحَنِ وَ الْمَصَائِبِ- لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَايِبِ.

أعلام الدين، للديلمي‏ مثله.

11-

وَ فِيهِ‏ (3)، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ

مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ يَا مُوسَى مَنْ أَحَبَّنِي لَمْ يَنْسَنِي- وَ مَنْ رَجَا مَعْرُوفِي أَلَحَّ فِي مَسْأَلَتِي- يَا مُوسَى إِنِّي لَسْتُ بِغَافِلٍ عَنْ خَلْقِي- وَ لَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ مَلَائِكَتِي ضَجِيجَ الدُّعَاءِ مِنْ عِبَادِي- وَ تَرَى حَفَظَتِي تَقَرُّبَ بَنِي آدَمَ إِلَيَّ- بِمَا أَنَا مُقَوِّيهِمْ عَلَيْهِ وَ مُسَبِّبُهُ لَهُمْ- يَا مُوسَى- قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تُبْطِرَنَّكُمُ النِّعْمَةُ

(4)

فَيُعَاجِلَكُمُ السَّلْبُ- وَ لَا تَغْفُلُوا عَنِ الشُّكْرِ فَيُقَارِعَكُمُ الذُّلُّ- وَ أَلِحُّوا

____________

(1) المحسور الممنوع يعنى درمانده و افسوس خورده. و المدحور المطرود:

رانده‏شده.

(2) المصدر ص 186.

(3) المصدر ص 143.

(4) البطر: الدهش عند هجوم النعمة.

43

فِي الدُّعَاءِ تَشْمَلْكُمُ الرَّحْمَةُ بِالْإِجَابَةِ- وَ تَهْنِئْكُمُ الْعَافِيَةُ.

12-

وَ رُوِيَ‏ (1) فِي زَبُورِ دَاوُدَ

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ابْنَ آدَمَ تَسْأَلُنِي فَأَمْنَعُكَ لِعِلْمِي بِمَا يَنْفَعُكَ- ثُمَّ تُلِحُّ عَلَيَّ بِالْمَسْأَلَةِ فَأُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ- فَتَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِي- فَأَهُمُّ بِهَتْكِ سِتْرِكَ فَتَدْعُونِي فَأَسْتُرُ عَلَيْكَ- فَكَمْ مِنْ جَمِيلٍ أَصْنَعُ مَعَكَ وَ كَمْ قُبْحٍ تَصْنَعُ مَعِي- يُوشِكُ أَنْ أَغْضَبَ عَلَيْكَ غَضْبَةً لَا أَرْضَى بَعْدَهَا أَبَداً- وَ مِنَ الْإِنْجِيلِ ألا [لَا تَدِينُوا وَ أَنْتُمْ خطاء [خُطَاةٌ- فَيُدَانَ مِنْكُمْ بِالْعَذَابِ- لَا تَحْكُمُوا بِالْجَوْرِ فَيُحْكَمَ عَلَيْكُمْ بِالْعَذَابِ- بِالْمِكْيَالِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ- وَ بِالْحُكْمِ الَّذِي تَحْكُمُونَ يُحْكَمُ عَلَيْكُمْ- وَ مِنَ الْإِنْجِيلِ أَيْضاً- احْذَرُوا الْكَذَّابَةَ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِلِبَاسِ الْحُمْلَانِ- فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ‏

(2)

- لَا يُمْكِنُ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَاراً رَدِيَّةً- وَ لَا الشَّجَرَةَ الرَّدِيَّةَ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَاراً صَالِحَةً.

13-

ختص‏ (3)، الإختصاص عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعٌ مَكْتُوبَاتٌ وَ أَرْبَعٌ إِلَى جَانِبِهِنَّ- مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً أَصْبَحَ عَلَى رَبِّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ- وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَضَعْضَعَ لَهُ لِشَيْ‏ءٍ يُصِيبُهُ مِنْهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- وَ مَنْ دَخَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّارَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ- هُوَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ

آياتِ اللَّهِ هُزُواً

- وَ الْأَرْبَعَةُ إِلَى جَانِبِهِنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ- وَ مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَمْ- وَ الْفَقْرُ هُوَ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.

14-

ين‏ (4)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ‏

____________

(1) عدّة الداعي ص 152.

(2) كذا.

(3) الاختصاص ص 226. و سيأتي في باب مواعظ الصادق (عليه السلام) عن أمالي الشيخ ج 1 ص 233 بإسناده عن رفاعة مثله.

(4) هذا رمز الى كتابى الحسين بن سعيد الأهوازى أو كتابه و النوادر و كلها مخطوط و الخبر رواه الصدوق- (رحمه الله)- في المجلس التاسع و الثمانين من اماليه و في معافى الاخبار و علل الشرائع و من لا يحضره الفقيه. و رواه البرقي أيضا في المحاسن.

44

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى آدَمَ- أَنِّي جَامِعٌ لَكَ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي أَرْبَعِ كَلِمٍ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا هُنَّ- فَقَالَ وَاحِدَةٌ لِي وَ وَاحِدَةٌ لَكَ- وَ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ- وَ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ- قَالَ يَا رَبِّ بَيِّنْهُنَّ لِي حَتَّى أَعْمَلَ بِهِنَّ- قَالَ أَمَّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً- وَ أَمَّا الَّتِي لَكَ فَأَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ- وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَ عَلَيَّ الْإِجَابَةُ وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ فَتَرْضَى لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ.

15 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ‏ (1)، رُوِيَ‏

أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ- فِي كُلِّ يَوْمٍ يُؤْتَى رِزْقُكَ وَ أَنْتَ تَحْزَنُ- وَ يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَحْزَنُ- تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ وَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِيكَ.

باب 3 ما أوصى رسول الله ص إلى أمير المؤمنين ع‏

1-

ل‏ (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَرَّارٍ (3) عَنْ يُونُسَ يَرْفَعُهُ‏

إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

كَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً(ع)

يَا عَلِيُّ أَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ عِظَامٍ- الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكَذِبِ‏

يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مُوَاسَاتُكَ الْأَخَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ ذِكْرُكَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ‏

____________

(1) المصدر ص 140.

(2) الخصال ج 1 ص 62.

(3) يعني إسماعيل بن مرار.

45

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا- لِقَاءُ الْإِخْوَانِ وَ الْإِفْطَارُ مِنَ الصِّيَامِ وَ التَّهَجُّدُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَمَلٌ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ وَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ- الْإِنْفَاقُ فِي الْإِقْتَارِ

(1)

- وَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وَ بَذْلُ الْعِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ- تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ.

2-

ل‏ (2)، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْخَالِدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الصَّالِحِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص

أَنَّهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ‏

يَا عَلِيُّ- ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِهِنَّ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ- مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- وَ مَنْ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ- وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُطِيقُهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ- الْمُوَاسَاةُ لِلْأَخِ فِي مَالِهِ وَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ لَيْسَ هُوَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ- وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ- وَ لَكِنْ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ- خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَهُ وَ تَرَكَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يُتَخَوَّفُ مِنْهُنَّ الْجُنُونُ- التَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ وَ الْمَشْيُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ- وَ الرَّجُلُ يَنَامُ وَحْدَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مُجَالَسَتُهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ- مُجَالَسَةُ الْأَنْذَالِ‏

(3)

وَ مُجَالَسَةُ الْأَغْنِيَاءِ

____________

(1) الاقتار الضيق في المعيشة.

(2) الخصال ج 2 ص 62.

(3) الانذال جمع نذل بسكون الذال المعجمة و هو الساقط في الدين او الحسب و من كان خسيسا. و في بعض النسخ «الارذال».

46

وَ الْحَدِيثُ مَعَ النِّسَاءِ

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يَزِدْنَ فِي الْحِفْظِ وَ يُذْهِبْنَ السُّقْمَ- اللُّبَانُ‏

(1)

وَ السِّوَاكُ وَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَسْوَاسِ- أَكْلُ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ

يَا عَلِيُّ أَنْهَاكَ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ- الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكِبْرِيَاءِ

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يُقْسِينَ الْقَلْبَ- اسْتِمَاعُ اللَّهْوِ وَ طَلَبُ الصَّيْدِ وَ إِتْيَانُ بَابِ السُّلْطَانِ‏

يَا عَلِيُّ الْعَيْشُ فِي ثَلَاثَةٍ- دَارٍ قَوْرَاءَ

(2)

وَ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ وَ فَرَسٍ قَبَّاءَ.

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه‏ (3) الفرس القباء الضامر البطن يقال فرس أقب و قباء لأن الفرس يذكر و يؤنث و يقال للأنثى قباء لا غير.

3-

مكا (4)، مكارم الأخلاق عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع‏

عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ:

يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا- فَلَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا حَفِظْتَ وَصِيَّتِي-

يَا عَلِيُّ مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ- أَعْقَبَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْناً وَ إِيمَاناً يَجِدُ طَعْمَهُ‏

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ وَصِيَّتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ نَقْصاً فِي مُرُوَّتِهِ- وَ لَمْ يَمْلِكِ الشَّفَاعَةَ-

يَا عَلِيُّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهُمُّ بِظُلْمِ أَحَدٍ-

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسَانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ

يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ‏

يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ- وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ‏

____________

(1) هو ما يقال له بالفارسية (كندر).

(2) بفتح القاف ممدودا كحمراء: الواسعة.

(3) يعني الصدوق نفسه.

(4) مكارم الأخلاق: ص 500.

47

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْعُذْرَ مِنْ مُتَنَصِّلٍ‏

(1)

صَادِقاً كَانَ أَوْ كَاذِباً- لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي‏

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّ الْكَذِبَ فِي الصَّلَاحِ- وَ أَبْغَضَ الصِّدْقَ فِي الْفَسَادِ

يَا عَلِيُّ مَنْ تَرَكَ الْخَيْرَ لِغَيْرِ اللَّهِ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ- فَقَالَ عَلِيٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ- مَنْ تَرَكَهَا صِيَانَةً لِنَفْسِهِ يَشْكُرُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ-

يَا عَلِيُّ شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ-

يَا عَلِيُّ شَارِبُ الْخَمْرِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً- فَإِنْ مَاتَ فِي الْأَرْبَعِينَ مَاتَ كَافِراً

يَا عَلِيُّ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ- وَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَالْجُرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ‏

يَا عَلِيُّ جُعِلَتِ الذُّنُوبُ كُلُّهَا فِي بَيْتٍ- وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهَا شُرْبَ الْخَمْرِ

يَا عَلِيُّ تَأْتِي عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ سَاعَةٌ لَا يَعْرِفُ فِيهَا رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ إِزَالَةَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي أَهْوَنُ- مِنْ إِزَالَةِ مُلْكٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ تنقص [تَنْقَضِ أَيَّامُهُ-

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي مُجَالَسَتِهِ- وَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَكَ فَلَا تُوجِبْ لَهُ وَ لَا كَرَامَةَ

(2)

-

يَا عَلِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمُؤْمِنِ ثَمَانُ خِصَالٍ- وَقَارٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ

(3)

وَ صَبْرٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ- وَ شُكْرٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ قُنُوعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَامَلُ عَلَى الْأَصْدِقَاءِ

(4)

- بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ- إِمَامٌ عَادِلٌ وَ وَالِدٌ لِوَلَدِهِ- وَ الرَّجُلُ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَ الْمَظْلُومُ- يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ-

يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ إِنْ أُهِينُوا فَلَا يَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ- الذَّاهِبُ إِلَى مَائِدَةٍ لَمْ‏

____________

(1) تنصل الى فلان من الجناية خرج و تبرأ عنده منها. و تنصل من كذا: خرج و تنصل الشي‏ء: أخرجه و تنصل فلان من ذنبه تبرأ منه.

(2) أوجب لفلان حقه: راعاه.

(3) الهزاهز: الفتن التي تهز الناس من الشدائد و الحروب.

(4) تحامل على فلان: جار و لم يعدل و كلفه ما لا يطيق. و الاصدقاء جمع صديق.

48

يُدْعَ إِلَيْهَا- وَ الْمُتَأَمِّرُ

(1)

عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ- وَ طَالِبُ الْخَيْرِ مِنْ أَعْدَائِهِ- وَ طَالِبُ الْفَضْلِ مِنَ اللِّئَامِ- وَ الدَّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سِرٍّ لَمْ يُدْخِلَاهُ فِيهِ- وَ الْمُسْتَخِفُّ بِالسُّلْطَانِ- وَ الْجَالِسُ فِي مَجْلِسٍ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ- وَ الْمُقْبِلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ-

يَا عَلِيُّ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيٍ‏

(2)

- لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ لَا مَا قِيلَ لَهُ-

يَا عَلِيُّ طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ‏

يَا عَلِيُّ لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ وَ لَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ نُورُكَ- وَ إِيَّاكَ وَ خَصْلَتَيْنِ الضَّجْرَةَ وَ الْكَسَلَ- فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ وَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً

يَا عَلِيُّ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ إِلَّا سُوءَ الْخُلُقِ- فَإِنَّ صَاحِبَهُ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْ ذَنْبٍ دَخَلَ فِي ذَنْبٍ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ عُقُوبَةً- رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكَافَأَكَ بِالْإِحْسَانِ إِسَاءَةً وَ رَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَ هُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ- وَ رَجُلٌ عَاهَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَوَفَيْتَ لَهُ وَ غَدَرَ بِكَ وَ رَجُلٌ وَصَلَ قَرَابَتَهُ فَقَطَعُوهُ‏

يَا عَلِيُّ مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الضَّجَرُ رَحَلَتْ عَنْهُ الرَّاحَةُ-

يَا عَلِيُّ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً- يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا عَلَى الْمَائِدَةِ- أَرْبَعٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا سُنَّةٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا أَدَبٌ- فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَالْمَعْرِفَةُ بِمَا يَأْكُلُ وَ التَّسْمِيَةُ وَ الشُّكْرُ وَ الرِّضَا- وَ أَمَّا السُّنَّةُ فَالْجُلُوسُ عَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى- وَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ وَ مَصُّ الْأَصَابِعِ- وَ أَمَّا الْأَدَبُ فَتَصْغِيرُ اللُّقْمَةِ وَ الْمَضْغُ الشَّدِيدُ- وَ قِلَّةُ النَّظَرِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ-

يَا عَلِيُّ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْجَنَّةَ مِنْ لَبِنَتَيْنِ- لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ جَعَلَ حِيطَانَهَا الْيَاقُوتَ وَ سَقْفَهَا الزَّبَرْجَدَ- وَ حَصَاهَا اللُّؤْلُؤَ وَ تُرَابَهَا الزَّعْفَرَانَ وَ الْمِسْكَ الْأَذْفَرَ

(3)

- ثُمَّ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ‏

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏

- قَدْ

____________

(1) تأمر عليه: تسلط و تحكم عليه.

(2) البذى على فعيل: الكلام القبيح. و الذي تكلم بالفحش.

(3) ذفر المسك- من باب علم- ظهر رائحته و اشتدت فهو أذفر.

49

سَعِدَ مَنْ يَدْخُلُنِي- قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ

(1)

وَ لَا نَمَّامٌ وَ لَا شُرْطِيُ‏

(2)

- وَ لَا مُخَنَّثٌ وَ لَا نَبَّاشٌ- وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِيٌّ-

يَا عَلِيُّ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ- الْقَتَّاتُ‏

(3)

وَ السَّاحِرُ وَ الدَّيُّوثُ- وَ نَاكِحُ الْمَرْأَةِ حَرَاماً فِي دُبُرِهَا- وَ نَاكِحُ الْبَهِيمَةِ وَ مَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ- وَ السَّاعِي فِي الْفِتْنَةِ وَ بَائِعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ- وَ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَ مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَمَاتَ وَ لَمْ يَحُجَّ-

يَا عَلِيُّ لَا وَلِيمَةَ إِلَّا فِي خَمْسٍ- فِي عُرْسٍ أَوْ خُرْسٍ أَوْ عِذَارٍ أَوْ وِكَارٍ أَوْ رِكَازٍ

(4)

- فَالْعُرْسُ التَّزْوِيجُ وَ الْخُرْسُ النِّفَاسُ بِالْوَلَدِ- وَ الْعِذَارُ الْخِتَانُ وَ الْوِكَارُ فِي شِرَى الدَّارِ- وَ الرِّكَازُ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مِنْ مَكَّةَ

يَا عَلِيُّ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِناً

(5)

إِلَّا فِي ثَلَاثٍ- مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَ تَحْلُمَ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْكَ-

يَا عَلِيُّ بَادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعٍ- شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ‏

____________

(1) أدمن الخمر أي أدام شربها. و مدمن الخمر المداوم شربها.

(2) الشرطى: منسوب الى الشرطة- كغرفة-: عون السلطان و الوالى. و قيل الطائفة من خيار أعوان الولاة و رؤساء الضابطة و رجالها، سموا بذلك لانهم اعلموا انفسهم بعلامات يعرفون بها. و انما لم يدخلوا الجنة لجورهم على الناس و ظلمهم غالبا.

(3) القتات: النمام. و في المصدر «القتال» و هو تصحيف.

(4) الخرس- بالضم- و الخراس- بالكسر- طعام الولادة. و الخرسة- بالضم طعام النفساء نفسها. و العذار- بالكسر- طعام الختان او البناء، و عذر الغلام عذرا- من باب ضرب- ختنه. و الوكار: الذي يدعى إليه الناس عند بناء الدار أو شرائها، و الوكرة طعام يعمل عند الفراق من البناء. كذا في كتب اللغة و الركاز: الغنيمة.

(5) أي راحلا.

50

وَ غِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ-

يَا عَلِيُّ كَرِهَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأُمَّتِي الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ- وَ الْمَنَّ فِي الصَّدَقَةِ وَ إِتْيَانَ الْمَسَاجِدِ جُنُباً- وَ الضَّحِكَ بَيْنَ الْقُبُورِ وَ التَّطَلُّعَ فِي الدُّورِ- وَ النَّظَرَ إِلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى- وَ كَرِهَ الْكَلَامَ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْخَرَسَ وَ كَرِهَ النَّوْمَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ يَحْرِمُ الرِّزْقَ- وَ كَرِهَ الْغُسْلَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- وَ كَرِهَ دُخُولَ الْأَنْهَارِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- فَإِنَّ فِيهَا سُكَّاناً مِنَ الْمَلَائِكَةِ- وَ كَرِهَ دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- وَ كَرِهَ الْكَلَامَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَ كَرِهَ رُكُوبَ الْبَحْرِ فِي وَقْتِ هَيَجَانِهِ- وَ كَرِهَ النَّوْمَ فَوْقَ سَطْحٍ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ- وَ قَالَ مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ- فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ- وَ كَرِهَ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ- وَ كَرِهَ أَنْ يَغْشَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَ هِيَ حَائِضٌ- فَإِنْ فَعَلَ وَ خَرَجَ الْوَلَدُ مَجْذُوماً أَوْ بِهِ بَرَصٌ- فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ- وَ كَرِهَ أَنْ يُكَلِّمَ الرَّجُلُ مَجْذُوماً- إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ قَدْرُ ذِرَاعٍ- وَ قَالَ(ع)فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَ كَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَ قَدِ احْتَلَمَ- حَتَّى يَغْتَسِلَ مِنَ الِاحْتِلَامِ- فَإِنْ فَعَلَ وَ خَرَجَ الْوَلَدُ مَجْنُوناً فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ- وَ كَرِهَ الْبَوْلَ عَلَى شَطِّ نَهَرٍ جَارٍ

(1)

- وَ كَرِهَ أَنْ يُحْدِثَ الرَّجُلُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَوْ نَخْلَةٍ قَدْ أَثْمَرَتْ- وَ كَرِهَ أَنْ يَتَنَعَّلَ الرَّجُلُ وَ هُوَ قَائِمٌ- وَ كَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بَيْتاً مُظْلِماً إِلَّا مَعَ السِّرَاجِ-

يَا عَلِيُّ آفَةُ الْحَسَبِ الِافْتِخَارُ

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَافَ مِنْهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ- وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ-

يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ الصَّلَاةُ- الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ وَ النَّاشِزُ وَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ- وَ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَ تَارِكُ الْوُضُوءِ- وَ الْجَارِيَةُ الْمُدْرِكَةُ تُصَلِّي بِغَيْرِ خِمَارٍ- وَ إِمَامُ قَوْمٍ يُصَلِّي بِهِمْ وَ هُمْ لَهُ كَارِهُونَ- وَ السَّكْرَانُ وَ الزِّبِّينُ‏

(2)

____________

(1) أي جانبه حال جريانه.

(2) الزبين- كسكين- مدافع الاخبثين أي البول و الغائط او ممسكهما على كره.