بحار الأنوار - ج86

- العلامة المجلسي المزيد...
391 /
1

تتمة كتاب الصلاة

أبواب القصر و أسبابه و أحكامه‏

باب 1 وجوب قصر الصلاة في السفر و علله و شرائطه و أحكامه‏

الآيات النساء وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (1)

____________

(1) النساء: 101، و قد كان على المؤلّف العلامة أن ينقل الآيتين بعدها، لما فيهما من التعليق التام بالمقام، فلا بأس أن ننقلهما و نبحث عن مفاد الآيات الكريمة فنقول و من اللّه أسأل العصمة و الرشاد: قال اللّه عزّ و جلّ تفريعا على الآية الأولى في بيان حكم صلاة القصر و صلاة الخوف:

«وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى‏ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً

مُهِيناً» (النساء: 102).

ثمّ قال: عزّ و جلّ تماما لحكم صلاة الخوف و تعليقا على الآية الأولى:

«فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ

الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» فالمراد بالضرب في الأرض هو السفر كناية، و ذلك لان المسافة التي كانت تقطع في يوم واحد، هى مرحلة واحدة ثمان فراسخ، و لم يكن يمكنهم طى هذه المسافة على المعتاد المتعارف الا بضرب الراحلة و الجد في المشى بضرب الاقدام.

و أمّا قوله عزّ و جلّ: «ف لا جُناحَ عَلَيْكُمْ» فسيأتي الكلام فيه مستوفى إنشاء اللّه تبارك و تعالى.

و أمّا قوله عزّ و جلّ: «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» فلما كان القصر متعديا بنفسه، كان تعديته بمن مفيدا لتضمينه معنى القطع و الافراز، و لما كان لفظ الصلاة في اطلاق القرآن العزيز ينصرف الى الركعتين الاولتين المفروضتين، كما مرت الإشارة إليه مرارا، كان قصر الصلاة بتنصيف الصلاة و اتيان ركعة واحدة، كما هو واضح، و ينص على ذلك روايات أهل البيت (عليهم السلام)، على ما سيجي‏ء في باب صلاة الخوف.

و أمّا قوله عزّ و جلّ: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ» الخ فهو نص في الاشتراط ثانيا، أي اذا سافرتم و كنتم مع ذلك خائفين من أن يهجم عليكم الذين كفروا، فصلوا ركعة واحدة مكان ركعتين.

و لكن يظهر من سياق الآيات أن هذا الحكم انما هو إذا كان المؤمنون منفردين في السفر من دون امام يجمع شملهم، فحينئذ يصلى كل واحد منهم ركعة واحدة بالانفراد، ثمّ يشتغل عوض الركعة المتروكة بذكر اللّه عزّ و جلّ كما سيأتي في شرح الآية الثالثة، و اما إذا كانوا مع امام يجمع شملهم و كانوا ذوى عدة، فعليهم أن يحتالوا في رفع الخوف من هجومهم و مباغتتهم كما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بحكم الآية الثانية.

فتبيّن كون فرض الآية و مفادها أن الصلاة في السفر انما فرضت ركعتين، و إذا كان معه الخوف من فتنة الاعداء يكون الصلاة ركعة واحدة الا أن الأول على الأصل بالمفهوم الضمنى، و الثاني بالمنطوق صريحا.

و أمّا قوله عزّ و جلّ: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ» الآية، فالظاهر من تحويل السياق أنّها بصدد بيان حكم خاصّ يتفرع على المسألة قبلها، و المعنى أنّه إذا كان المؤمنون مسافرين و هم مع ذلك خائفون من العدو و هجومهم، و كنت أنت فيهم تجمع شملهم، فأردت أن تقيم لهم الصلاة ركعتين، فاحتل لرفع الخوف من بادرتهم بأن تفرق المؤمنين فرقتين:

فرقة تقوم بازاء العدو ترصدهم و الطائفة الأخرى يصلون معك ركعة جماعة و ركعة أخرى تمام صلاتهم بالانفراد، ثمّ تقوم هذه الطائفة حذاء العدو ترصدهم و لتأت الطائفة الأخرى لم يصلوا فليصلوا معك ركعة جماعة و ركعة اخرى منفردين، فتكونوا جميعا قد صليتم ركعتين في السفر، لارتفاع الشرط الثاني و هو المخافة.

.

2

تفسير وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ‏ أي سافرتم فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ‏ أي حرج و إثم في‏ أَنْ تَقْصُرُوا قال في الكشاف في محل النصب بنزع الخافض و قيل‏

____________

فعلى هذا لا ريب في أن فرض هذه الآية هو صلاة السفر من دون المخافة من العدو، و لو احتيالا في رفعها، و يستنتج من هذا الفرع أن صلاة السفر، اذا لم يكن هناك خوف أبدا، لا بد و أن تكون ركعتين بطريق أولى، و هو واضح بحمد اللّه.

و لا يذهب عليك أن نزول هذه الآية كان في غزوة ذات الرقاع سنة أربع أو خمس.

على ما سيجي‏ء في باب صلاة الخوف، لقوله عزّ و جلّ فيها: «وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً» فانه اخبار عن واقعة خارجية الا أن حكم الآية عام لكل امام يخاف مباغتة الخصم يأمره بأن يحتال في رفع المخافة كما بين اللّه عز و جل لنبيه ص وجه الحيلة في ذلك.

و ممّا ينص على أن حكم الآية عام ذيل الآية الكريمة: «وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ» الآية حيث يخاطب الأمة بذلك، و يبين حكم الفروع المحتملة الطارئة، و لو كان الحكم مختصا بالنبى ص في قضية خاصّة لم يكن لذلك وجه، كما هو واضح.

و أمّا قوله عزّ و جلّ: «فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ» الآية فهو حكم متمم لصلاة الخوف يفرض على الذين صلوا ركعة واحدة بالانفراد خوفا من بادرة العدو، أن يذكروا اللّه عزّ و جلّ بعد قضاء صلاتهم تلك ما يوازى الركعة المتروكة.

و انما أخص الحكم بصلاة الخوف فقط، لما عرفت قبلا من أن الآية الثانية انما تتكفل لبيان فرع من فروع المسألة، فتكون الآية الثانية كالمعترضة واقعة بين الآية الأولى و الثالثة.

و ممّا ينص على اتصال هذه الآية بالاولى اتّحاد سياقهما من حيث الخطاب و تحليله الى كل فرد فرد، و ورود قوله تعالى: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» في هذه الآية ناظرا الى قوله تعالى، «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ» في الآية الأولى.

و المعنى أن حكم صلاة الخوف و ايجاب الذكر بدلا عن الركعة الثانية انما هو ما دام الخوف باقيا، و أمّا إذا اطمأننتم بأن ارتفع الخوف رأسا اما بمهادنة أو عدم حضور الكفّار حولكم، فالفرض عليكم أن تقيموا الصلاة تماما ركعتين فمفاد ذيل هذه الآية من حيث فرض الطمأنينة من العدو، و وجوب تمام الصلاة ركعتين مفاد الآية الثانية من حيث الاحتيال في رفع مخافة العدو، و وجوب تمام الصلاة ركعتين، و لذلك عبر فيهما عن الصلاة ركعتين بإقامة الصلاة، كما كان يعبر عنها في سائر الموارد التي يأمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو المؤمنين بإقامة الصلاة.

3

في موضع جر على تقدير حرف الجر لأن الحرف حذف لطول الكلام و ما حذف لذلك فهو في حكم الثابت و قرئ في الشواذ تُقْصِرُوا من الإقصار و تُقَصِّرُوا من التقصير مِنَ الصَّلاةِ من زائدة و قال سيبويه صفة موصوف محذوف أي شيئا من الصلاة.

4

إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع نصب على المفعول به و قيل مفعول له أي كراهية أن يفتنكم و في قراءة أبي بن كعب بغير إِنْ خِفْتُمْ‏ فقيل المعنى أن لا يفتنكم أو كراهة أن يفتنكم كقوله تعالى‏ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (1)

____________

(1) النساء: 176.

5

إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً أي ظاهر العداوة (1) قال في الكافرين عدوا لأن لفظة فعول تقع على الواحد و الجماعة.

ثم الضرب في الأرض معتبر في القصر بنص الكتاب و قد أجمع علماؤنا على أن المسافة شرط و سيأتي حدها و حد الترخص و إن كان خلاف ظاهر الآية إذ ظاهرها أنه يكفي الخروج من البيت كما قيل.

و نفي الجناح‏ (2) و إن كان يصح في الواجب و المستحب و المباح بل في‏

____________

(1) و على ما مر في ج 79 ص 180- 181 «كان» فى هذه الموارد شأنية و المعنى أن الكافرين شأنهم أن يكونوا لكم عدوا مبينا، فلا تطمئنوا اليهم و احذروا منهم أن يفتنوكم أبدا.

(2) انما عبر بنفى الجناح، لئلا تصير حكم القصر من الصلاة فرضا تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا و جهلا، كما عبر عن السعى بين الصفا و المروة كذلك لذلك، و أما أن نفى الحرج يوجب حكم القصر في حال العلم و الذكر، فلان ذلك منة من اللّه عزّ و جلّ امتن بها على عباده فرخص لهم القصر من الصلاة، و الرخصة و المنة من الكريم تعالى يجب الاخذ بهما أدبا، كما أخذ بهما النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و سيأتي في الاخبار من طرق الفريقين ما ينص على ذلك.

و لا يذهب عليك أن نفى الجناح انما كان بالنسبة الى صلاة الخوف في السفر بالاقتصار على ركعة واحدة و تبديل الركعة الثانية بالذكر، فلو جهل أحد من المسلمين هذا الحكم أو سها و صلى ركعتين فصلاته ماضية.

و أمّا صلاة السفر حال الطمأنينة من العدو، فالفرض فيها ركعتان على حدّ صلاة الحضر الا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) زاد في ركعات الحضر سبعا و تركها في السفر بحالها لم يضف إليها شيئا الا ما يوترها و هي ثالثة المغرب، كما أنه ص وضع نوافل هذه الصلوات المقصورة الا نافلة المغرب.

و لعله ص امتثل في ذلك قوله تعالى: «إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا» فصلى الركعات المسنونة- داخل الفرض و خارجها- في الحضر سبحة، و اكتفى عند السفر عن هذه السبحة بالسبحة في الأرض.

فاذا كان وضع ركعات السنة عن صلاة السفر بالسنة، كانت الصلاة أربعا في صورة الجهل و السهو ماضية على حدّ سائر السنن التي لا تبطل الصلاة بالاخلال بها سهوا و جهلا و نسيانا و سيأتي في روايات أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما ينص على ذلك.

6

المرجوح أيضا لكن الرواية المتواترة من طرق الخاصة و العامة توجب الحمل على الوجوب و التعبير بهذا الوجه لنفي توهم أنه ينقص من ثوابهم شي‏ء أو يوجب نقصا في صلاتهم قال في الكشاف كأنهم ألفوا الإتمام فكان مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فنفى الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر و يطمئنوا إليه و سيأتي في رواية زرارة و محمد بن مسلم إيماء إليه و إطلاق السفر يعم ما كان معصية و لكن رفع الجناح عن القصر إرفاقا يناسب التخصيص بالمباح كما هو مقتضى الأخبار و الإجماع.

و قال في مجمع البيان‏ (1) إن في المراد من قصر الصلاة هنا أقوالا الأول أن معناه أن يقصروا الرباعيات ركعتين ركعتين عن مجاهد و جماعة من المفسرين و هو قول الفقهاء و مذهب أهل البيت ع.

الثاني و ذهب إليه جماعة من الصحابة و التابعين منهم جابر بن عبد الله و حذيفة بن اليمان و زيد بن ثابت و ابن عباس و أبو هريرة و كعب و ابن عمر و ابن جبير و السدي أن المعنى قصر صلاة الخوف من صلاة السفر لا من صلاة الإقامة لأن صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر قال فهنا قصران قصر الأمن من أربع إلى ركعتين و قصر الخوف من ركعتين إلى ركعة واحدة و قد رواه أصحابنا أيضا.

الثالث أن المراد القصر من حدود الصلاة عن ابن عباس و طاوس و هو الذي‏

____________

(1) مجمع البيان ج 3 ص 101 باختلاف.

7

رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف و إنما يصلي إيماء و السجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن ركعة.

الرابع أن المراد به الجمع بين الصلاتين قال و الصحيح الأول.

ثم لا يخفى أن ظاهر الآية أن الخوف أيضا شرط للقصر فلا يقصر مع الأمن لمفهوم الشرط لكن قد علم جواز القصر ببيان النبي ص فنقول المفهوم و إن كان حجة لكن بشرط عدم ظهور فائدة للتقييد سوى المفهوم و يحتمل أن يكون ذكر الخوف في الآية لوجود الخوف عند نزولها أو يكون قد خرج مخرج الأعم الأغلب عليهم في أسفارهم فإنهم كانوا يخافون الأعداء في غايتها كما قيل و مثله في القرآن كثير مثل‏ وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (1) و ربما يدعى لزوم الخوف للسفر غالبا و يؤيد ذلك القراءة بترك‏ إِنْ خِفْتُمْ‏ على أن المفهوم إنما يعتبر إذا لم يعارضه أقوى منه و المعارض هنا من الإجماع و منطوق الأخبار من الخاصة و العامة أقوى.

قال البيضاوي و قد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الأمن فترك المفهوم بالمنطوق و إن كان المفهوم حجة لأنه أقوى.

و قيل قوله‏ إِنْ خِفْتُمْ‏ منفصل عما قبله روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال نزلت إلى قوله‏ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم بعد حول سألوا رسول الله ص‏

____________

(1) النور: 33: و عندي أن الآية على ظاهرها، و المراد بالبغاء تكليف الإماء بالبراز الى الأسواق و التشاغل بالمكاسب ليؤدين ما حصل من ذلك الى ساداتهن اما مضاربة أو مكاتبة على ما كان معمولا عندهم.

و انما عبر عن ذلك بالبغاء فان الأمة المسكينة إذا أجبرت على تأدية مال معين في اليوم أو الشهر مضاربة أو مكاتبة آل أمرها الى تأدية ذلك من مكسب هو أسهل عليها و أوفر و هو الكسب بالفرج حراما، و لذلك قال عزّ و جلّ: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً في البيت و خدمة في البيوت، راجع مشروح ذلك ج 79 ص 17- 18.

8

عن صلاة الخوف فنزل‏ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية هو في الظاهر كالمتصل به و هو منفصل عنه. (1)

____________

(1) و أخرج ابن جرير عن عليّ (عليه السلام) (على ما في الدّر المنثور ج 2 ص 209) قال: سأل قوم من التجار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: يا رسول اللّه انا نضرب في الأرض فكيف نصلى؟ فأنزل اللّه: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» ثمّ انقطع الوحى.

فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمّد و أصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم! فقال قائل منهم: ان لهم مثلها اخرى في أثرها، فأنزل اللّه بين الصلاتين: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» الى قوله‏ «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» فنزلت صلاة الخوف.

أقول: قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عليه روايات الفريقين متواترة، و قد كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول اللّه ص ، حتى إذا جاء التابعون و ظهر أصحاب الرأى و الفتيا، توهموا أن حكم القصر في الصلاة انما ثبت بالآية الكريمة: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» فجعلوه رخصة لا عزيمة.

و لكنهم مع ذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الاعداء ليس بشرط في قصر الصلاة، و انما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة، و لذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الآية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة.

فذهب بعضهم الى أن حكم القصر في الاسفار، انما يثبت بالسنة، و ان كانت الآية بظاهرها تدلّ على أن القصر يثبت بشرطين: السفر و المخافة معا، فحكم الآية بوجوب القصر مع الشرطين، لا ينافى حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد.

و بعضهم كأبى بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا و كتب في مصحفه: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» الآية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من اللّه عزّ و جلّ خوفا منه على الأمة أن بفتنهم الذين كفروا، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أو لم يخافوا كما في قوله تعالى‏ «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» أى مخافة منه أن تضلوا.

لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» يصرح بأن حكم القصر انما كان في ظرف المخافة و عدم الطمأنينة، فلا يفيد انكاره نزول‏ «إِنْ خِفْتُمْ» كما أن قوله تعالى: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ» الآية انما ينظر الى سفرهم و خوفهم من الاعداء، و هو واضح.

ثمّ انه قد أتى بعضهم الآخر ببدع و اختلق حديثا نسبه الى عظماء الاصحاب بأن صدر الآية نزلت قبل ثمّ انقطع الوحى، ثمّ نزل تتمه الآية بعد سنة، و هو كما ترى لا يدفع الاشكال، بل يثبته.

و ذلك لان الشرط: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ» اذا لحق بصدر الآية و فيها حكم القصر، صار مقيدا لاطلاقه، و لزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الاعداء و جاء الاشكال برمته بعد سنة، و إذا لم يلحق بصدر هذه الآية- و هو خلاف ظاهر الكتاب و السنة- صار ذيل الآية: «إِنْ خِفْتُمْ» الخ لغوا من القول تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

9

و على هذا فيجوز أن يكون التقدير اقصروا من الصلاة إِنْ خِفْتُمْ‏ أو لا جناح عليكم‏ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ‏ بقرينة السؤال و وقوعه في المصحف بعد ذلك.

قيل و على هذا يتوجه القول الثاني أو الثالث في القصر بالنسبة إلى الخوف مع الأول بالنسبة إلى السفر و يتوجه أيضا قول أصحابنا إن كلا من السفر و الخوف موجب للقصر كما يتوجه على قراءة ترك‏ إِنْ خِفْتُمْ‏ على أن الإجماع و الأخبار تكفي في ذلك كما تقدم و ربما أمكن فهم‏

10

القصر مع الخوف وحده من الآية الآتية أيضا كما سيأتي بيانه.

قوله تعالى‏ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قيل أي في الصلاة و قيل في أنفسكم أو دينكم و الفتنة قيل القتل و قيل العذاب و الأظهر أنه هنا التعريض للمكروه.

1-

الْكَشِّيُّ فِي الرِّجَالِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ:

التَّقْصِيرُ يَجِبُ فِي بَرِيدَيْنِ‏

(1)

.

2-

تُحَفُ الْعُقُولِ، عَنِ الرِّضَا(ع)

فِي كِتَابِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ قَالَ وَ التَّقْصِيرُ فِي أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ- بَرِيدٌ ذَاهِباً وَ بَرِيدٌ جَائِياً اثْنَا عَشَرَ مِيلًا- وَ إِذَا قَصَّرْتَ أَفْطَرْتَ‏

(2)

.

3-

الْمُقْنِعَةُ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)

وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَاتٍ- أَ مَا يَخَافُونَ اللَّهَ- فَقِيلَ لَهُ وَ هُوَ سَفَرٌ قَالَ وَ أَيُّ سَفَرٍ أَشَدُّ مِنْهُ‏

(3)

.

- 4-

الْمُقْنِعُ،

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ رَجُلٍ أَتَى سُوقاً يَتَسَوَّقُ بِهَا- وَ هِيَ مِنْ مَنْزِلِهِ عَلَى أَرْبَعِ فَرَاسِخَ- فَإِنْ هُوَ أَتَاهَا عَلَى الدَّابَّةِ أَتَاهَا فِي بَعْضِ يَوْمٍ وَ إِنْ رَكِبَ السُّفُنَ لَمْ يَأْتِهَا فِي يَوْمٍ- قَالَ يُتِمُّ الرَّاكِبُ الَّذِي يَرْجِعُ مِنْ يَوْمِهِ صَوْماً- وَ يُقَصِّرُ صَاحِبُ السُّفُنِ‏

(4)

.

بيان: اعلم أنه أجمع العلماء كافة على أن المسافة شرط في القصر و إنما اختلفوا في تقديرها فذهب علماؤنا أجمع إلى أن القصر يجب في مسيرة يوم هي بريدان ثمانية فراسخ أربعة و عشرون ميلا و تدل عليه روايات كثيرة.

____________

(1) رجال الكشّيّ في حديث طويل تحت الرقم 279 ط المصطفوى.

(2) تحف العقول: 440 ط الإسلامية.

(3) المقنعة: 71.

(4) المقنع: 63 ط الإسلامية، و فيه على سبع فراسخ.

11

و اختلف الأصحاب في مسيرة أربعة فراسخ فذهب جماعة من الأصحاب منهم المرتضى و ابن إدريس و كثير من المتأخرين إلى أنه يجب عليه التقصير إذا أراد الرجوع من يومه و المنع منه إن لم يرد ذلك.

و قال الصدوق في الفقيه و إذا كان سفره أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب و إن كان سفره أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم و إن شاء قصر و نحوه قال المفيد و الشيخ في النهاية إلا أنه منع من التقصير في الصوم فيما إذا لم يرد الرجوع من يومه.

و قال الشيخ في كتابي الأخبار إن المسافر إذا أراد الرجوع من يومه فقد وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ ثم قال على أن الذي نقوله في ذلك أنه إنما يجب عليه التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ و إذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك إن شاء أتم و إن شاء قصر.

و ظاهر هذا الكلام العدول إلى القول بالتخيير و إن أراد الرجوع ليومه و لهذا نقل الشهيد في الذكرى عن الشيخ في التهذيب القول بالتخيير في تلك الصورة و نقل ذلك عن المبسوط و عن ابن بابويه في كتابه الكبير و قواه.

أقول النقل من المبسوط لعله اشتباه إذ فيما عندنا من نسخه هكذا و حد المسافة التي يجب فيها التقصير ثمانية فراسخ أربعة و عشرون ميلا فإن كانت أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه وجب أيضا التقصير و إن لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير و الإتمام انتهى و الكتاب الكبير للصدوق لم نظفر عليه نعم ظاهر كتابي الأخبار ذلك و إن كانا قابلين للتأويل.

و قال ابن أبي عقيل كل سفر كان مبلغه بريدين و هو ثمانية فراسخ و بريد ذاهبا و بريد جائيا و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و غاب عنه منها صوت الأذان أن يصلي صلاة السفر ركعتين و نقل في المختلف‏ (1) عن سلار أنه إن كانت المسافة

____________

(1) المختلف: 162.

12

أربعة فراسخ و كان راجعا من يومه قصر واجبا و إن كان من غده فهو مخير بين القصر و الإتمام و نقله عن ابن بابويه.

فمرادهم بالغد إن كان معناه الحقيقي كان قولا آخر و إن كان المراد به ما عدا اليوم كان بعينه قول المفيد و حد المسافة ابن الجنيد بمسير يوم للماشي و راكب السفينة.

و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار ففي كثير منها إناطة التقصير بثمانية فراسخ و في كثير منها بأربعة فراسخ و اختلفوا في الجمع بينها فحمل الشيخ في أحد وجهيه و جماعة أخبار الأربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه.

6

وَ احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِصَحِيحَةِ زُرَارَةَ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ التَّقْصِيرِ فَقَالَ بَرِيدٌ ذَاهِبٌ وَ بَرِيدٌ جَاءٍ- وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا أَتَى ذُبَاباً قَصَّرَ

(1)

وَ ذُبَابٌ عَلَى بَرِيدٍ- وَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدَيْنِ- ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ.

و أمثالها و لا دلالة فيها على رجوع اليوم بوجه بل تدل على أن الذهاب و المجي‏ء محسوبان معا في مسافة البريدين.

مع أن الروايات المتضمنة لتوبيخ أهل عرفات على عدم التقصير تأبى عن هذا الحمل إذ الظاهر أن خروجهم للحج بل بعضها صريح في ذلك و لا يتحقق معه رجوع اليوم نعم في فقه الرضا ما يدل على هذا الوجه و لعل الصدوق أخذه منه و تبعه القوم.

و جمع الشيخ و غيره بينها بوجه آخر و هو تنزيل أخبار الثمانية على الوجوب و الأربعة على الجواز و حمل الشهيد الثاني أخبار الأربعة على الاستحباب و له وجه فإنه أنسب بالتوبيخ على الترك و الأمر بالفعل و إن كان بعيدا أيضا إذ التهديد بالويل و التخويف بالعذاب لا يناسب ترك المستحب إلا أن يقال التوبيخ و التهديد لاعتقادهم تعين الإتمام و إيقاعهم ذلك على وجه التعيين و اللزوم.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 287 و الظاهر انتهاء الخبر هنا.

13

و الأظهر في الجمع بينها أن يقال المعتبر في السفر الموجب للتقصير أن تكون المسافة التي أرادها المسافر ثمانية فراسخ و إن كان بحسب الذهاب و العود معا فلو أراد السفر أربعة فراسخ و أراد الرجوع إلى المحل الذي سافر منه من غير أن ينقطع سفره بالوصول إلى منزله أو إقامة عشرة فيما بين ذلك كان عليه التقصير و إن لم يرد الرجوع من يومه لقصد المسافة التي هي ثمانية فراسخ.

و به تتطابق الأخبار و تتصالح من غير منافرة

وَ يُؤَيِّدُهُ مُرْسَلَةُ صَفْوَانَ‏ (1) قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ- يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ رَجُلًا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ- فَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُ حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَوَانَ- وَ هِيَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ مِنْ بَغْدَادَ- أَ يُفْطِرُ إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ وَ يُقَصِّرُ قَالَ لَا يُقَصِّرُ وَ لَا يُفْطِرُ- لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ لَيْسَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ- إِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ صَاحِبَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ- فَتَمَادَى بِهِ الْمَسِيرُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَهُ- وَ لَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ النَّهْرَوَانَ ذَاهِباً وَ جَائِياً- لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ سَفَراً وَ الْإِفْطَارَ- فَإِنْ هُوَ أَصْبَحَ وَ لَمْ يَنْوِ السَّفَرَ- فَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدُ أَنْ يُصْبِحَ فِي السَّفَرِ قَصَّرَ وَ لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذَلِكَ.

و أما ما ذكره ابن أبي عقيل (رحمه الله) فإن كان مراده ما ذكرنا فنسبته إلى آل الرسول ص حسن لأنه الظاهر من أخبارهم و إلا فلا وجه لتخصيص العشرة أيضا إذ يمكن أن يرجع بعد عشرين يوما مثلا و لم يقطع سفره بقصد إقامة العشرة في موضع.

و يؤيد الأربعة أن أحدا من المخالفين لم يقل به و منهم من قال بالثمانية فالتعبير عن الأربعة بالثمانية يمكن أن يكون لنوع من التقية أو لمن يريد الرجوع كما عرفت.

و أما المخالفون فالأوزاعي قال هي ثمانية فراسخ و قال الشافعي ستة عشر

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 225 ط نجف ج 1 ص 416 ط حجر، و فيه قال: سألت الرضا (عليه السلام).

14

فرسخا (1) و منهم من قال ستة و أربعون ميلا و قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري‏

____________

(1) في نسخة الكمبانيّ تبعا لنسخة الأصل ستة و عشرون فرسخا، و هو سهو ظاهر من طغيان القلم، و الشافعى انما قال: حد المسافة ستة عشر فرسخا ثمانية و أربعون ميلا و به قال مالك و أحمد.

قال في مشكاة المصابيح ص 119: و عن مالك بلغه أن ابن عبّاس كان يقصر الصلاة في مثل ما يكون بين مكّة و الطائف (على ثلاث مراحل من مكّة أربعة و عشرون فرسخا) و في مثل ما بين مكّة و عسفان (على مرحلتين من مكّة سنة عشر فرسخا) و في مثل ما بين مكّة و جدة (على مرحلتين شاقتين) و قال مالك: و ذلك أربعة برد، و رواه في الموطأ.

أقول: لكن يبقى عليه أن يثبت أن ابن عبّاس كان يتم فيما دون ذلك، و لم يرد عنه خبر ينص على ذلك، و لعله كان يقصر فيما دون ذلك حتّى ثمان فراسخ: بريدين.

نعم ظاهر الشافعى في باب متعة الحجّ، أنه تعلق في تعيين مسافة القصر بقوله تعالى:

«ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» توهما منه أن اللّه عزّ و جلّ جعل وجوب الهدى أو الصيام (حيث قال‏ «ذلِكَ» اشارة الى الهدى أو بدله الصيام) لمن كان مسافرا عند حضوره في مكّة، فان الحضر مقابل السفر، و لما كان الحكم مقصورا على من كان دون عسفان و ذات عرق بالسنة، لزم كون المسافة مثل ما بين عسفان و مكّة، و هو من مكّة على بعد مرحلتين: ستة عشر فرسخا، لتتطابق الفرض و السنة.

لكنه غفل عن أن المراد بالمسجد الحرام هو الحرم كله، على ما عرفت في ج 84 ص 40 باب القبلة (بل و قد استفاض هذا القول عن ابن عبّاس أيضا كما أخرجه السيوطي في الدّر المنثور ج 1 ص 217) و غفل عن أن الحرم من جانب عسفان يمتد الى أرض الحديبية و بين عسفان و ما دونها و بين الحديبية (أعنى أرض الحرم منها) أقل من ثمان فراسخ، فيكون الذي أراد الحجّ من عسفان و ما دونها، وظيفته حج القران او الافراد، لا حج التمتع لان أهله يعد من حاضرى المسجد الحرام، و هو واضح.

فعلى هذا يجب أن نراعى هذه الدقيقة في كتاب الحجّ عند تعيين المسافة التي يجب فيما وراءها حج التمتع، فان زوايا الحرم بعضها أقرب الى مكّة من بعض، كما أن الحرم من جانب العرفات انما يمتد من مكّة الى ثلاث فراسخ، و بعض العرفات داخل الحرم و أكثرها خارج الحرم، و الذي يكون بينه و بين عرفات (اعنى أرضها الحرم) ثمانية فراسخ عليه حج التمتع مع أنّه على احدى عشرة فرسخا من مكّة لا ستة عشر فرسخا و لك أن تحمل حديث حريز و فيه (ثمانية عشر ميلا- ستة فراسخ) على ما بعد الحرم.

15

أربعة و عشرون فرسخا و قال داود يلحق الحكم بالسفر القصير كالطويل لما

رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَ‏

ص كَانَ إِذَا سَافَرَ فَرْسَخاً قَصَّرَ الصَّلَاةَ.

و

عَنْ أَنَسٍ‏

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

و قال الحسين بن مسعود في شرح السنة ذهب قوم إلى إباحة القصر في السفر القصير

رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)

أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النُّخَيْلَةِ فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ.

قال عمرو بن دينار قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة و أما عامة الفقهاء فلا يجوزون القصر في السفر القصير و اختلفوا في حده قال الأوزاعي عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام و بهذا نأخذ.

قلت و روى سالم أن عبد الله بن عمر كان يقصر في مسيرة اليوم التام و قال محمد بن إسماعيل سمى النبي ص يوما و ليلة سفرا

-

وَ أَرَادَ بِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ:

لَا تَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ.

ثم نقل سائر الأخبار المتقدمة.

و أما حديث المقنع‏ (1) ففيه دلالة على أن من سافر أربعة فراسخ لا يفطر إن رجع من يومه و إلا فيقصر و يمكن حمله على أن الراكب يمكنه أن يرجع قبل الزوال فيصوم بخلاف راكب السفينة و سيأتي الكلام فيه في كتاب الصوم‏

____________

(1) في طبعة الكمبانيّ: و أمّا حديث المقنع ففيه ايماء الى أن من سافر أربعة فراسخ يفطر ان رجع من يومه، و إلا فلا يفطر، و لعله مستند الشيخ في الفرق بين الصلاة و الصوم» و قد كان هكذا في نسخة الأصل، الا أن المؤلّف العلامة (رضوان اللّه عليه) ضرب عليه بعدا و أصلحه كما جعلناه في الصلب فلا تغفل.

16

إن شاء الله تعالى.

ثم اعلم أنه ورد في كثير من الروايات مسيرة يوم و اعتبره المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما و قيدوه بسير الإبل السير العام فيجوز التعويل على كل منهما في القصر و لو اعتبرت المسافة بهما و اختلفا فمنهم من اكتفى ببلوغ أحدهما و احتمل الشهيد الثاني ره تقديم السير و ربما لاح من الذكرى تقديم التقدير و لعله أقوى لأنه تحقيق و الآخر تقريب و إن كان الأول لا يخلو من قوة و الأحوط حينئذ فيما به الاختلاف الجمع.

ثم إنه نقل جماعة من الأصحاب اتفاق العلماء على أن الفرسخ ثلاثة أميال و هو مروي في الأخبار

-

وَ أَمَّا الْمِيلُ فَقَدْ رَوَى الصَّدُوقُ‏ (1) مُرْسَلًا عَنِ الصَّادِقِ(ع)

أَنَّهُ أَلْفٌ وَ خَمْسُ مِائَةِ ذِرَاعٍ.

و هو متروك و الظاهر أنه سقط من النساخ شي‏ء و يرشد إليه‏

أَنَّ فِي الْكَافِي‏ (2) رُوِيَ‏

أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَ خَمْسُ مِائَةٍ.

فالظاهر سقوط الثلاثة من الفقيه و يؤيده أيضا أنه قال في المعتبر و في بعض أخبار أهل البيت ثلاثة آلاف و خمس مائة ذراع و قد قطع الأصحاب بأن قدره أربعة آلاف ذراع.

و في الشرائع الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة و عشرون إصبعا تعويلا على المشهور بين الناس أو مد البصر من الأرض و فيه إشعار بنوع تردد في التفسير المشهور و في السرائر أسند ذلك إلى المسعودي في مروج الذهب‏ (3) و في القاموس الميل قدر مد البصر و منار يبنى للمسافر أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين انتهى و منه يظهر وجه جمع بين المشهور و بين ما وقع في رواية الكليني بأن يكون‏

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 286.

(2) الكافي ج 3 ص 432.

(3) ما بين العلامتين ساقط من الكمبانيّ.

17

الاختلاف مبنيا على اختلاف الأذرع.

و قال أحمد بن محمد المقري في المصباح المنير الميل بالكسر في كلام العرب مقدار مدى البصر من الأرض قاله الأزهري و الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع و الخلاف لفظي فإنهم اتفقوا على أن مقداره ستة و تسعون ألف إصبع و الإصبع ست شعيرات بطن كل واحد إلى ظهر الأخرى و لكن القدماء يقولون الذراع اثنتان و ثلاثون إصبعا و المحدثون أربع و عشرون إصبعا فإذا قسم الميل على رأي القدماء كل ذراع اثنتين و ثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع و إن قسم على رأي المحدثين أربعا و عشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع و الفرسخ عند الكل ثلاثة أميال انتهى.

و قدر الأكثر الشعير بسبع شعرات من شعر البرذون و ضبط مد البصر في الأرض بأنه ما يميز به الفارس من الراجل للمبصر المتوسط في الأرض المستوية و بالجملة الجمع بين هذه التقديرات و العلم بحصول كل منها في المسافات لا تخلو من عسر و إشكال و الأولى رعاية الاحتياط فيما اشتبه من ذلك بالجمع بين القصر و التمام.

ثم اعلم أنه ذكر غير واحد من الأصحاب أن مبدأ التقدير من آخر خطة البلد في المعتدل و آخر محلته في المتسع عرفا و لم نطلع على دليله و قيل مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر و قالوا البحر كالبر و إن قطع المسافة في ساعة واحدة لأن التقدير بالأذرع كاف في ثبوت الترخص قال في المنتهى لا نعرف في ذلك خلافا.

و لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ ذاهبا و جائيا فإن بلغ في الرجوع إلى موضع الأذان و مشاهدة الجدران فالظاهر أنه لا خلاف في عدم القصر و إن لم يبلغ فالمقطوع به في كلام الأصحاب أنه لم يجز القصر و خالف فيه العلامة في التحرير.

و الأول لعله أقوى إذ الظاهر من أخبار المسافة كون ذلك في جهة واحدة

18

و إنما اعتبرنا في خصوص الأربعة الإياب مع الذهاب للأخبار الكثيرة الدالة عليه فلا يتعدى عنه و إن أمكن أن يقال إذا ظهر بتلك الأخبار كون الإياب محسوبا مع الذهاب فهو كاف في ذلك.

و لو كان لبلد طريقان أحدهما يبلغ المسافة فإن سلك الأبعد لا لعلة الترخص قصر إجماعا و إن كان للترخص لا غير فالمشهور أنه يقصر أيضا و قال ابن البراج يتم لأنه كاللاهي بصيده و هو كما ترى.

و لو شك في بلوغ المسافة القدر المعتبر في القصر فالمقطوع به في كلام الأصحاب أنه يتم و هو قريب و هل يجب الاعتبار مع الجهل بالبلوغ فيه وجهان و العدم أقوى.

5-

تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

سِتَّةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ- الْجُبَاةُ الَّذِينَ يَدُورُونَ فِي جِبَايَتِهِمْ- وَ التَّاجِرُ الَّذِي يَدُورُ فِي تِجَارَتِهِ مِنْ سُوقٍ إِلَى سُوقٍ- وَ الْأَمِيرُ الَّذِي يَدُورُ فِي إِمَارَتِهِ- وَ الرَّاعِي الَّذِي يَطْلُبُ مَوَاضِعَ الْقَطْرِ وَ مَنْبِتَ الشَّجَرِ- وَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ يُرِيدُ لَهْوَ الدُّنْيَا- وَ الْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ‏

(1)

.

مقصد الراغب، عنه(ع)مرسلا مثله.

6-

الْخِصَالُ، جَعْفَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ:

سَبْعَةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ الْجَابِي الَّذِي يَدُورُ فِي جِبَايَتِهِ- ثُمَّ ذَكَرَ نَحْواً مِمَّا مَرَّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ- وَ الرَّاعِي وَ الْبَدَوِيُّ الَّذِي يَطْلُبُ- وَ الرَّجُلُ الَّذِي يَطْلُبُ الصَّيْدَ يُرِيدُ بِهِ- وَ فِي آخِرِهِ يَقْطَعُ السُّبُلَ‏

(2)

.

وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيِ‏

____________

(1) تفسير القمّيّ: 137.

(2) الخصال ج 1 ص 37.

19

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

خَمْسَةٌ يُتِمُّونَ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ فِي حَضَرٍ الْمُكَارِي وَ الْكَرِيُّ- وَ الْأَشْتَقَانُ وَ هُوَ الْبَرِيدُ وَ الرَّاعِي وَ الْمَلَّاحُ لِأَنَّهُ عَمَلُهُمْ‏

(1)

.

وَ مِنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْكُمُنْدَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

أَرْبَعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّمَامُ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ فِي حَضَرٍ- الْمُكَارِي وَ الْكَرِيُّ وَ الْأَشْتَقَانُ وَ الرَّاعِي لِأَنَّهُ عَمَلُهُمْ- قَالَ الصَّدُوقُ ره الْأَشْتَقَانُ الْبَرِيدُ

(2)

.

تفصيل و تبيين‏

اعلم أن المشهور بين الأصحاب وجوب الإتمام على المسافر الذي سفره أكثر من حضره و هذا التعبير شائع في ألسنة الفقهاء و لم يرد في الأخبار هذا اللفظ بل إنما ورد فيها وجوب الإتمام على جماعة مخصوصة عملهم و صناعتهم السفر (3) و لذا

____________

(1) الخصال ج 1 ص 145.

(2) الخصال ج 1 ص 120.

(3) ظاهر قوله عزّ و جلّ: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» أن المراد هو المسافر الذي يكون له مقصد وراء المسافة يجد و يجهد و يضرب حتّى يصل الى مقصده ذلك من متجر او ضياع او صلة رحم او غير ذلك كما قال عزّ و جلّ: «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ‏ و آخَرُونَ (يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ)، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ فاذا كان المقصد وراء المسافة، يدخل المسافر تحت الآية الكريمة فيوضع عنه الركعات المسنونة، سواء كانت داخل الفرض أو خارجه، على ما عرفت من قوله تعالى: «إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا» لئلا يجتمع على المسافر مشقة سبحتين، و أمّا إذا كان المقصد مع المسافر لا يزال عنه، لم يدخل تحت الآية الكريمة حتّى يسقط عنه الركعات المسنونة.

و هذا كالذى اختار السفر لاجل التنزّه أو السياحة او الصيد الحلال، يكون نفس السفر مقصدا له لا يفرق عنده ما وراء المسافة ممّا هو دونها، فليس له جد في الذهاب في الأرض و لا الاسراع في المسير لا بضرب الاقدام و لا بضرب الآباط بل يطلب المواضع النزهة كلما وجد بغيته أقام فيها يوما أو يومين أو ساعة و ساعتين على قدر نشاطه و فرحه، و كلما رأى صيدا تبعه و تعاقبه ليدركه سواء أنجد أو أغار، شرق أو غرب، ذهب أمامه أو رجع خلفه و ان كان من أول السياحة عازما على الذهاب في أكثر من المسافة الشرعية.

نعم إذا كان غرضه من التفرج و الصيد مباحا أو مندوبا و كان الموضع الذي يريده للتنزّه أو الصيد ما وراء المسافة الشرعية، دخل في القسم الأوّل و شمله حكم الآية الكريمة و سنتها، لانه قصد المسافة لمقصد هو ما وراءها، فيقصر في المسافة و يتم في البساتين و المتنزهات و النخجيرات و أماكن السياحة.

و من القسم الثاني الاعراب و الاكراد الذين بيوتهم معهم لم يختاروا لتعيشهم موطنا بعد، فلا يتفاوت لهم بلد من بلد آخر. بل كل بلد موطن لهم، و كل منزل أناخوا فيه رحالهم كان منزلهم، فمقصدهم معهم لا ينفك عنهم، الا الذين لهم طول السنة سفرتان فقط سفرة الى القر و سفرة الى الصر، يتمون في القر و الصر و يقصرون ما بينهما.

و من القسم الثاني التاجر الذي يطوف و تجارته معه لم يختر سوقا معينا لتجارته، بل يدور من سوق الى سوق و من قرية الى اخرى فمقصده معه لا يزول عنه، و ان كان مجموع أسواقه يبلغ حدّ المسافة، الا إذا كان بين سوق و سوق مسافة كاملة يقصر فيها و اذا بلغ منزله أعنى سوق تجارته أتم.

و من القسم الثاني الراعي الذي يرعى مواشيه يطلب منابع الشيح و مواضع القطر كلما رأى نبتا حصل في مقصده و أقام حتّى يستوفيه، فهو قاصد لنفس السفر ليس له مقصد ما وراءها يطلبه و يجد في طلبه، يتم صلواته، الا إذا ابتلى بمفازة لا نبت فيها و طول المسافة يبلغ المسافة الشرعية، يقصر طى سفره هذا حتّى يجوز المفازة و يبلغ منبتا آخر يرعى فيه.

و من القسم الثاني الجمال و الملاح و البريد و المكارى و أمثالهم، حيث كان نفس السفر و طى المسافة مقصدا لهم ليس لهم بعد تمام المسافة مقصد: و بعد ما بلغ المسافرون مقصدهم و اشتغلوا بما أهمهم، فرغ هؤلاء من مقصدهم و ما أهمهم، فهم طول المسافة في تجارتهم و كسبهم بل و منازلهم، كأنهم استوطنوا المسالك و اختاروها سوقا لهم يدورون من سوق الى سوق و كل سوق فيه مقصدهم و تجارتهم، الا إذا جد بهم السير خوفا من لص أو طوفان أو سبع أو سيل فحينئذ يشملهم الآية الكريمة، «إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» على ما عرفت من ظاهر معناها، فيقصرون حين جدهم بين المنزلين لئلا يجتمع عليهم سبحتان.

و من القسم الثاني المالكون للضياع و العقار أو البساتين أو النخلات يطوفون بينها لاصلاحها و مرمة معاشهم، فإذا كان بين نخلة و نخلة أو بستان و آخر، أو ضيعة و اخرى مسافة شرعية كان مقصدهم في السفر و الضرب في الأرض ما وراء المسافة فيقصرون، و إذا كانت متقاربة ليس بينها مسافة شرعية، كان مقصدهم دون المسافة و خرجوا عن الآية الكريمة و أتموا، و ان بلغت مجموع ذهابهم ذلك حدّ المسافة الشرعية، فانهم كلما حصلوا في واحد من تلك الضياع و العقار أو النخلات كانوا في منزلهم و مقصدهم، و لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم.

20

أول جماعة كلامهم بهذا المعنى و الظاهر قصر الحكم على الجماعة المذكورين في تلك الأخبار و ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوب التقصير على كل مسافر و الأول أقوى لما مضى من الأخبار و غيرها.

و الكري فسره أكثر اللغويين بالمكاري و يحتمل تخصيص الكري بالجمال‏

21

و المكاري بغيره أو تعميم المكاري و تفسير الكري بمن يكري نفسه للسفر كالبريد قال في الذكرى المراد بالكري في الرواية المكتري و قال بعض أهل اللغة قد يقال الكري على المكاري و الحمل على المغايرة أولى بالرواية لتكثر الفائدة و لأصالة عدم الترادف انتهى. و لعل مراده بالمكتري من يكري نفسه و قيل الذي يأخذ الكري من المكاري‏

22

أو من صاحب المتاع و يكون دائما مع المكاري ملازما له.

و الأشتقان سمعنا من مشايخنا أنه معرب دشتبان أي أمين البيادر يذهب من بيدر إلى بيدر و لا يقيم مكانا واحدا و فسره الصدوق بالبريد قال في المنتهى الأشتقان هو أمين البيدر ذكره أهل اللغة و قيل البريد.

و قال في النهاية في الحديث إني لا أحبس البرد قال الزمخشري البرد يعني ساكنا جمع بريد و هو الرسول و البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل و أصلها بريدة دم أي محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت و خففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا و المسافة التي بين السكتين بريدا.

و السكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط و كان يرتب في كل سكة بغال و كان بعد ما بين السكتين فرسخا و قيل أربعة و منه الحديث لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد و هي ستة عشر فرسخا و الفرسخ ثلاثة أميال و الميل أربعة آلاف ذراع انتهى.

و يستفاد من تعليل رواية ابن أبي عمير (1) أن كل من كان السفر عمله و صنعته يجب عليه الإتمام‏

16

وَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ (2) قَالَ:

سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَلَّاحِينَ وَ الْأَعْرَابِ هَلْ عَلَيْهِمْ تَقْصِيرٌ- قَالَ لَا بُيُوتُهُمْ مَعَهُمْ.

فيستفاد منها أن كل من شأنه أن يتحرك مع بيته و رحله فعليه التمام.

فالظاهر أن المرجع في هذا الباب إلى صدق اسم المكاري و الملاح و أمثالهم عرفا و كذا صدق كون السفر عمله كاف في وجوب الإتمام و بهذا قطع العلامة و الشهيد لكنه قال في الذكرى و ذلك إنما يحصل بالسفرة الثالثة التي لم يتخلل قبلها إقامة تلك العشرة أي العشرة المنوية في غير بلده و مطلقا في بلده و اعتبر ذلك‏

____________

(1) يعني خبر الخصال المتقدم تحت الرقم 6.

(2) التهذيب ج 1 ص 122.

23

جماعة من الأصحاب و اعتبر ابن إدريس في غير صاحب الصنعة ثلاث دفعات و قال إن صاحب الصنعة من المكارين و الملاحين يجب عليهم الإتمام بنفس خروجهم إلى السفر لأن صنعتهم تقوم مقام من لا صنعة له ممن سفره أكثر من حضره و استقرب في المختلف الإتمام في الثانية إذا لم يقيموا بعد الأولى مطلقا و ليس لهذه التعليلات مستند يصح التعويل عليه غير ادعاء دلالة العرف عليه.

و إذ قد عرفت أن الحكم في الأخبار ليس معلقا على الكثرة بل على مثل المكاري و الجمال و من اتخذ السفر عمله أو من كان بيته معه وجب أن تراعى هذه الأسماء عرفا فلو فرض عدم صدق الاسم بمرات كثيرة لم يتعلق حكم الإتمام.

ثم اعلم أن أكثر الأصحاب قطعوا بأنه يشترط في إتمام هؤلاء أن لا يقيموا في بلدهم عشرة أيام‏

وَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ‏ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

الْمُكَارِي إِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَنْزِلِهِ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَ أَقَلَّ- قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ بِالنَّهَارِ وَ أَتَمَّ بِاللَّيْلِ وَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ- وَ إِنْ كَانَ لَهُ مُقَامٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ- عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَ أَكْثَرَ قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ وَ أَفْطَرَ.

و هذه الرواية في سندها جهالة (2) و ما تضمن من الاكتفاء في التقصير نهارا بأقل من خمسة أيام متروك بين الأصحاب و مقتضاها إقامة العشرة في البلد الذي يذهب إليه و هو غير ما اعتبروه من الإقامة في بلدهم و مع ذلك فالحكم فيه مختص بالمكاري و لذا احتمل المحقق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكاري و نقل في الشرائع قولا بذلك هو مجهول القائل.

و عبارة الحديث تحتمل احتمالا آخر و هو أن يكون المراد إن كان له إرادة المقام في البلد الذي يذهب إليه قصر في سفره إلى ذلك البلد بل هو أظهر (3) و هو

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 315.

(2) يريد اهمال إسماعيل بن مرار، و قد عرفت أن الاهمال غير الجهالة.

(3) و لعلّ المراد أن المكارى قد يكون مع كريه قاصدا للمسافة لغيرها، كالذى له حاجة ببعض البلدان فيكرى دوابه الى هذا البلد ليفوز بالحسنيين كالحاج الذي يبتغى في سفره فضل اللّه عزّ و جلّ.

و ذلك بعد حمل المقام في الرواية على المقام لمقصد خاصّ أو رفع حاجة تخصه، و لذلك يقيم أكثر من خمسة أيّام كالمقام عشرة لزيارة، فيقصر في سفره ذلك، لانه كأحد المسافرين، و أمّا إذا لم يستقر في المنزل و المقصد الا ثلاثة أيّام يريد بذلك راحة جماله و رفع التعب عنها و اشتراء علوفتها، فالظاهر أنّه قصد المسافة تجارة، فيتم صلاته و يصوم شهر رمضان، و هكذا نقول فيما سيأتي من الروايات.

24

خلاف مقصودهم و هذه الرواية أوردها الصدوق بطريق صحيح عن ابن سنان‏ (1) و متنه مغاير لما أورده الشيخ فإنه قال المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر قصر في سفره و أفطر.

و الظاهر أن في رواية الشيخ سقطت هذه الفقرة و مقتضى هذه الرواية اعتبار إقامة العشرة في المنزل الذي يذهب إليه أيضا و القول به غير معروف بين الأصحاب إلا أن العمل بمقتضى هذه الرواية الصحيحة غير بعيد.

و استوجه ذلك بعض أفاضل المتأخرين و لم يعتن بمخالفة المشهور

وَ مُرْسَلَةُ يُونُسَ‏ (2) أَيْضاً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ(ع)

أَيُّمَا مُكَارٍ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ- أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- فَعَلَيْهِ التَّقْصِيرُ.

لكنها تدل على الاكتفاء بأحدهما و يمكن حمل الخبر الأول عليه و المسألة محل إشكال و قل مكار لا يقيم في بلده‏

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 281.

(2) التهذيب ج 1 ص 414، و لفظه: «أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيّام وجب عليه الصيام و التمام أبدا، و ان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير و الإفطار».

25

أو في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام.

و قال في المدارك ظاهر الأصحاب الاتفاق على أن إقامة العشرة أيام في البلدة قاطعة لكثرة السفر و موجبة للقصر و الظاهر أنه محل للاحتياط و ألحق الفاضلان و من تأخر عنهما بإقامة العشرة في البلد العشرة المنوية في غير بلده و هو حسن بحمل العشرة في رواية يونس على المنوية للإجماع المنقول على عدم تأثير غير المنوية و ألحق الشهيد العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين و في التردد ثلاثين خلاف و الأقرب عدم الإلحاق كما اختاره الشهيدان.

و متى وجب القصر على كثير السفر بإقامة العشرة ثم سافر مرة ثانية بدون إقامة فالأظهر وجوب الإتمام عليه مع بقاء الاسم كما صرح به ابن إدريس و غيره و اعتبر في الذكرى المرة الثالثة و هو ضعيف.

و أما إقامة الخمسة فذهب الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة إلى أنه يتم صلاة الليل خاصة للرواية المتقدمة و المشهور أنه لا تأثير لذلك أصلا و أجيب عن الرواية بأنها متروكة الظاهر فإنها تتضمن المساواة بين الخمسة و الأقل منها و الأقل يصدق على يوم و بعض يوم و لا قائل به مع أنها معارضة بقوله في صحيحة معاوية بن وهب‏ (1) هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت.

و مال بعض أفاضل المتأخرين إلى العمل به و أول الخبر بأن المراد إثبات الحكم المذكور لمن أقام خمسة أحيانا و أقل منه أحيانا أو بأن المراد بالأقل ما قارب الخمسة و ظاهر الصدوق العمل به و عدم الاشتهار بين المتأخرين غير ضائر.

و ربما يحمل الخبر على التقية لأن الشافعي و جماعة كثيرة من العامة ذهبوا إلى الاكتفاء للإتمام بإقامة أربعة أيام سوى يوم القدوم و الخروج و ذهب جماعة منهم إلى احتساب اليومين و فيه تأمل و المسألة مشكلة و لعل الاحتياط

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 280.

26

في الجمع.

7-

الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)(1)

فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ مُسَافِراً- قَالَ يُقَصِّرُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْبُيُوتِ‏

(2)

.

وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ حَمَّادٍ (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

الْمُسَافِرُ يُقَصِّرُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمِصْرَ

(4)

.

وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْهُ(ع)قَالَ:

إِذَا سُمِعَ الْأَذَانُ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ

(5)

.

8-

قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ قَالَ:

سَمِعْتُ بَعْضَ الزُّرَارِيِّينَ يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ- وَ لَهُ بِالْكُوفَةِ دَارٌ وَ عِيَالٌ- فَيَخْرُجُ وَ يَمُرُّ بِالْكُوفَةِ يُرِيدُ مَكَّةَ لِيَتَجَهَّزَ مِنْهَا- وَ لَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ- قَالَ يُقِيمُ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَ يُقَصِّرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ جَهَازِهِ- وَ إِنْ هُوَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ

(6)

.

6

وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ- وَ لَهُ بِهَا دَارٌ وَ أَهْلٌ وَ مَنْزِلٌ وَ يَمُرُّ بِهَا- وَ إِنَّمَا هُوَ يَخْتَلِفُ لَا يُرِيدُ الْمُقَامَ- وَ لَا يَدْرِي مَا يَتَجَهَّزُ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ- قَالَ يُقِيمُ فِي جَانِبِهَا وَ يُقَصِّرُ- قَالَ قُلْتُ لَهُ فَإِنْ دَخَلَ أَهْلَهُ قَالَ عَلَيْهِ التَّمَامُ‏

(7)

.

____________

(1) في المطبوع من المصدر: عن أبي جعفر (عليه السلام).

(2) المحاسن: 370.

(3) ما بين العلامتين ساقط من ط الكمبانيّ موجود في نسخة الأصل.

(4) المحاسن: 371.

(5) المحاسن: 371.

(6) قرب الإسناد: 100 ط نجف.

(7) قرب الإسناد: 105 ط نجف.

27

وَ مِنْهُ عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَزَّازِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)كَانَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِراً- لَمْ يُقَصِّرْ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنِ احْتِلَامِ الْبُيُوتِ- وَ إِذَا رَجَعَ لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ احْتِلَامَ الْبُيُوتِ‏

(1)

.

تبيين‏

اعلم أن الأصحاب اختلفوا في أنه هل يعتبر في قصر المسافر حد يصل إليه ذهابا و عودا أم لا فقال الشيخ علي بن بابويه إذا خرجت من منزلك فقصر حتى تعود إليه و ذهب المرتضى و الشيخ في الخلاف و العلامة و جماعة من المتأخرين إلى اشتراط خفاء الجدران و الأذان و ذهب الأكثر إلى أن المعتبر أحد الأمرين المذكورين و نسبه الشهيد الثاني إلى أكثر القدماء و قال ابن إدريس الاعتماد عندي على الأذان المتوسط و الصدوق في المقنع اعتبر خفاء الحيطان و القائلون بالجمع جمعوا بين الأخبار بذلك و القائلون بالتخيير جمعوا بينها بالحمل على أن كلا منهما كاف لذلك و هو أصوب.

ثم المشهور اتحاد حكم الذهاب و العود و ذهب المرتضى و ابن الجنيد إلى أنه يجب عليه التقصير في العود حتى يبلغ منزله. (2)

____________

(1) قرب الإسناد ص 89 ط نجف.

(2) و هذا هو الصحيح، فان ملاك القصر ليس هو نية المسافة و إرادة السفر فقط، بل اللازم فيه التلبس بالسير ليصدق عليه الضرب في الأرض، و ليس يصدق عليه ذلك عند أهل البيت (عليهم السلام) الا بعد الخروج عن البلد و الابتعاد منه حتّى يخفى الجدران المتعارفة، و إذا كانت البلد رفيعة البنيان، فحتى يخفى الصوت الرفيع منه بالاذان، و اما عند المراجعة الى البيت فلا يلزم مراعاة ذلك، فان عنوان السفر و الضرب في الأرض بعد ما تحقّق، لا يرتفع الا بالوصول الى المقصد، و المقصد هو بيته أو بيت تجارته، أيهما دخل أتم الصلاة.

و هكذا إذا كان له دار أو ضيعة أو نخلة يمر عليها في سفره، انما يكون الدخول فيها قاطعا لحكم السفر، اذا كان احدى هذه التي ذكرناها مقصدا له، و أمّا إذا لم يكن من قصده الدخول الى تلك الدار أو الضيعة أو النخلة، بل كان قصده السير الى ما وراءها و انما وصل إليها لاتحاد الطريق، فله أن ينزل خارج الدار و الضيعة و يقصر صلاته.

28

و اعلم أن الظاهر من أخبار التواري تواري المسافر عن البيوت أي أهلها لا تواري البيوت عنه و هو أقرب إلى خفاء الأذان و لا يبعد العمل به و حينئذ هل يكفي التواري بالحائل بحيث لا تضر الرؤية بعده أم لا وجهان و لعل العمل باعتبار الأذان أضبط و أولى و أما خفاء الجدران فإن اعتبر خفاء شبحها فلا تحصل في فراسخ و لذا اعتبروا خفاء صورتها و عدم تميز خصوصياتها لتقارب العلامة الأخرى.

و ذكر الشهيدان أن البلد لو كان في علو مفرط أو وهدة اعتبر فيها الاستواء تقديرا و يحتمل الاكتفاء بالتواري في المنخفضة كيف كان لإطلاق الخبر.

و قالوا لا عبرة بأعلام البلد كالمنارة و القلاع و لا عبرة بسماع الأذان المفرط في العلو كما أنه لا عبرة بخفاء الأذان المفرط في الانخفاض فتكون الرواية مبنية على الغالب.

و قالوا المراد جدران آخر البلد الصغير و القرية و إلا فالمحلة و كذا أذان مسجد البلد و المحلة و يحتمل البيت و نهاية البلد و ظاهر بعض الروايات خفاء جميع بيوت البلد و أذانه و يحتمل البيوت المتقاربة من بيته و كذا أذانها.

-

وَ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُرْتَضَى وَ ابْنِ الْجُنَيْدِ فِي الْعَوْدِ صَحِيحَةُ الْعِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ‏ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

لَا يَزَالُ الْمُسَافِرُ مُقَصِّراً حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ.

وَ فِي مُوَثَّقَةِ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ (2)

حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلَهُ.

و حملوهما على أن المراد الوصول إلى موضع يسمع فيه الأذان و يشاهد الجدران و هو بعيد جدا.

و يمكن القول بالتخيير بعد الوصول إلى سماع الأذان بين القصر و الإتمام جمعا بين الأخبار كما اختاره بعض المحققين من المتأخرين و ربما يحمل أخبار عدم اشتراط حد الترخص في الذهاب و العود على التقية إذ عامة فقهائهم على عدم‏

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 317.

(2) التهذيب ج 1 ص 317.

29

اشتراط ذلك.

و أقول يمكن حمل الأخبار الأخر أيضا على التقية لأن فقهاءهم الأربعة يشترطون الخروج من سور البلد و إن كان داخل السور مزارع أو مواضع خربة و ذهب بعضهم إلى أنه إذا كان خارج السور دور و مقابر فلا بد من مجاوزتها و لا يشترط عندهم مجاوزة المزارع و البساتين المتصلة بالبلد إلا إذا كانت فيها دور و قصور يسكن فيها.

و أما الأخبار التي قدمناها فالخبر الأول من المحاسن ظاهره الخروج من البيوت و لا يوافق شيئا من مذاهب الأصحاب إلا بالتكلف و هو بما ذكرنا من أقوال العامة أنسب و كذا الثاني.

و أما الثالث فيوافق القول باعتبار الأذان و هو يشمل ظاهر الذهاب و العود معا و الخبر الرابع من قرب الإسناد يدل آخره على أن المعتبر في العود دخول المنزل و أوله على أنه لا يتوسط البلد إن حمل الجانب على الداخل أو لا يدخل البلد إن حمل على الخارج فيمكن حمل هذا الجزء على التقية و يمكن حمل المنزل على البلد مجازا.

أو يكون محمولا على أنه لما كانت الكوفة من البلاد الوسيعة تعتبر فيها المحلة فإذا لم يدخل البلد يكون غالبا بينه و بين محلته حد الترخص فيحمل على ما إذا لم تكن محلته في آخر البلد من تلك الجهة و يمكن حمل الجزء الأول على الاستحباب و كذا الكلام في الخبر الخامس لكن الأهل فيه أوسع من المنزل و أقبل للتأويل.

و بالجملة يشكل الاستدلال بالخبرين على شي‏ء من المذاهب و الخبر الأخير لعل فيه تصحيفا و لا أعرف لاحتلام البيوت معنا مناسبا في المقام إلا أن يكون كناية عن غيبة شبحها فإنها بمنزلة الخيال و المنام أو يكون بالجيم بمعنى القطع و البيوت تحتمل بيوت البلد و المحلة و بالجملة ظاهره عدم الاكتفاء بالخروج من المنزل‏

30

و الدخول فيه و أما تعيين ما يعتبر فيه على أحد المذاهب فلا يستفاد منه.

9-

كِتَابُ الْمَسَائِلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى(ع)قَالَ:

سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُكَارِينَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إِلَى النِّيلِ- هَلْ عَلَيْهِمْ تَمَامُ الصَّلَاةِ- قَالَ إِذَا كَانَ مُخْتَلَفَهُمْ فَلْيَصُومُوا وَ لْيُتِمُّوا الصَّلَاةَ- إِلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِمُ السَّيْرُ فَلْيُفْطِرُوا وَ لْيُقَصِّرُوا

(1)

.

بيان: قال في القاموس النيل بالكسر نهر مصر و قرية بالكوفة و آخر بيزد و بلد بين بغداد و واسط انتهى.

قوله(ع)إذا كان مختلفهم أي يختلفون اختلافهم المعهود بالكراء أو من غير جد.

و اعلم أن هذا و صحيحة محمد بن مسلم‏ (2) و صحيحة الفضل بن عبد الملك‏ (3) تدل على أن المكاري و الجمال إذا جد بهما السير يقصران و ظاهر الجد في السير زيادته عن القدر المعتاد في أسفارهما غالبا و الحكمة فيه واضحة فيمكن تخصيص الأخبار السابقة بهذه الأخبار أو القول بالتخيير في صورة الجد في السير و لعل الأول أقوى.

و اختلف كلام الأصحاب في تنزيل هاتين الروايتين فقال الشيخ في التهذيب الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمد بن يعقوب الكليني ره‏ (4) قال هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلا فيقصر في الطريق خاصة و يتم في المنزل.

-

وَ اسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا (5) يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

الْجَمَّالُ وَ الْمُكَارِي إِذَا جَدَّ بِهِمَا السَّيْرُ- فَلْيُقَصِّرَا بَيْنَ الْمَنْزِلَيْنِ وَ لْيُتِمَّا فِي الْمَنْزِلِ.

و هذه الرواية مع عدم قوة سندها غير دالة على ما ذكره لجواز

____________

(1) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 254.

(2) التهذيب ج 1 ص 315.

(3) التهذيب ج 1 ص 315.

(4) الكافي: ج 3 ص 437.

(5) التهذيب ج 1 ص 315، و تراه في الفقيه ج 1 ص 282.

31

أن يكون المراد بالمنزلين المنزل الذي يبتدئ منه سفره و الذي ينتهي إليه.

و قال في المختلف الأقرب عندي حمل الحديثين على أنهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا و حملهما في الذكرى على ما إذا أنشأ المكاري و الجمال سفرا غير صنعتهما قال و يكون المراد بجد السير أن يكون مسيرهما مسيرا متصلا كالحج و الأسفار التي لا يصدق عليها صنعته.

و احتمل أيضا أن يكون المراد أن المكارين يتمون ما داموا يترددون في أقل من المسافة أو في مسافة غير مقصودة فإذا قصدوا مسافة قصروا قال و لكن هذا لا يختص المكاري و الجمال به بل كل مسافر قيل و لعل ذلك مستند ابن أبي عقيل حيث عمم وجوب القصر.

و حملهما الشهيد الثاني على ما إذا قصد المكاري و الجمال المسافة قبل تحقق الكثرة و ربما يحمل و يتم في المنزل على أن المعنى يتم إذا سافر منزلا منزلا و لا يخفى بعد هذه الوجوه و الأظهر ما ذكرنا أولا نعم يمكن تخصيص جد السير بما ذكره الكليني لأنه من أرباب النصوص مع أنه غير بعيد عن الإطلاق العرفي.

10-

الْمَحَاسِنُ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الرَّجُلِ- يَتَصَيَّدُ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ- أَ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ يُشَيِّعَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فِي الدِّينِ- وَ إِنَّ الْمُتَصَيِّدَ لَهْواً بَاطِلٌ لَا يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ فِيهِ‏

(1)

- وَ قَالَ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ إِذَا شَيَّعَ أَخَاهُ‏

(2)

.

بيان: في التهذيب‏ (3) و الكافي‏ (4) و إن التصيد مسير باطل‏

____________

(1) المحاسن: 371.

(2) المحاسن: 371.

(3) التهذيب ج 1 ص 316.

(4) الكافي ج 3 ص 437.

32

و اعلم أنه لا خلاف بين الأصحاب في أن جواز السفر شرط في جواز التقصير سواء كان السفر واجبا كحجة الإسلام أو مندوبا كزيارة النبي ص و الأئمة(ع)أو مباحا كأسفار التجارات و لو كان معصية لم يقصر كاتباع الجائر و صيد اللهو و السفر لضرر المسلمين و الفساد في الأرض و قد حكى اتفاق الأصحاب على ذلك جماعة منهم الفاضلان و تدل عليه أخبار كثيرة.

و يدل التعليل الوارد في هذا الخبر و غيره من الأخبار على عموم الحكم بالنسبة إلى كل سفر حرام‏ (1) سواء كانت غايته معصية كقاصد قطع الطريق أو قتل مسلم أو كان نفس سفره معصية كالفأر من الزحف و تارك الجمعة بعد وجوبها و السالك طريقا يغلب على الظن الهلاك فيه و إن كان لغاية حسنة كالحج و الزيارات و كذا إطلاقات كلام الأصحاب يقتضي التعميم.

و لا خلاف ظاهرا في أنه إذا رجع المسافر العاصي عن نية المعصية في أثناء السفر يقصر إن كان الباقي مسافة و لو قصد المعصية في أثناء السفر المباح انقطع ترخصه و لو عاد إلى الطاعة قصر و هل يعتبر حينئذ كون الباقي مسافة قيل نعم كما حكم به في القواعد لبطلان المسافة الأولى بقصد المعصية و قيل لا و هو ظاهر المنتهى و المعتبر و المقطوع به في الذكرى‏

-

وَ هُوَ قَوِيٌّ لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ‏ (2) عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَالَ:

خَرَجَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع- أَنَّ صَاحِبَ الصَّيْدِ يُقَصِّرُ مَا دَامَ عَلَى الْجَادَّةِ- فَإِذَا عَدَلَ أَتَمَّ فَإِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا قَصَّرَ.

. ثم إن هذا كله في صيد اللهو و لا خلاف في أن الصائد لقوته و قوت عياله يقصر و أما الصائد للتجارة فقد اختلف الأصحاب فيه فذهب المرتضى (رحمه الله) و جماعة منهم الفاضلان إلى أنه يقصر في الصلاة و الصوم و ذهب الشيخ في النهاية

____________

(1) و وجهه واضح، حيث ان المسافر حراما مبغوض سفره عند اللّه عزّ و جلّ، فلا معنى لان يكون سفره هذا موجبا للمنة عليه و الرخصة في تقصير الصلوات.

(2) التهذيب ج 1 ص 316.

33

و المبسوط و جماعة إلى أنه يتم صلاته دون صومه كما يدل عليه ما سيأتي في فقه الرضا ع.

و قال ابن إدريس إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت روى أصحابنا بأجمعهم أنه يتم الصلاة و يفطر الصوم و كل سفر أوجب التقصير في الصلاة أوجب التقصير في الصوم و كل سفر أوجب التقصير في الصوم أوجب التقصير في الصلاة إلا هذه المسألة فحسب للإجماع عليها انتهى و هو غريب و مع ذلك فلعل الأول أقوى و الأحوط الجمع في الصلاة.

11-

الْمُقْنِعُ،

رُوِيَ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الصَّيْدِ تَقْصِيرٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ- فَإِذَا جَازَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَيْهِ التَّقْصِيرُ

(1)

.

بيان: هذا الخبر رواه الشيخ بسند (2) فيه إرسال عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)و قال فالوجه في هذا الخبر من كان صيده لقوته و قوت عياله فأما من كان صيده للهو فلا يجوز له التقصير انتهى و رواه الصدوق في الفقيه‏ (3) بطريق حسن أو موثق عن أبي بصير ثم قال يعني الصيد للفضول.

أقول ما ذكره الشيخ أصوب و لعله محمول على أن الغالب في صاحب الصيد أنه لا يبلغ مسافة القصر قبل ثلاثة أيام فإنه يتأنى في الحركة و يذهب يمينا و شمالا لا لطلب الصيد فلذا حكم بأنه لا يقصر قبلها.

وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ‏ (4) فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَيَّدُ- فَقَالَ إِنْ كَانَ يَدُورُ حَوْلَهُ فَلَا يُقَصِّرُ- وَ إِنْ كَانَ تَجَاوَزَ الْوَقْتَ‏

____________

(1) المقنع: 38 ط الإسلامية.

(2) التهذيب ج 1 ص 316.

(3) الفقيه ج 1 ص 288.

(4) التهذيب ج 1 ص 316.

34

فَلْيُقَصِّرْ- وَ رَوَاهُ الصَّدُوقُ أَيْضاً فِي الصَّحِيحِ‏

(1)

عَنْ عِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ع.

فإن الظاهر أن المراد بتجاوز الوقت بلوغ حد التقصير و المراد به أيضا غير صيد اللهو و حمله على صيد اللهو و حمل الوقت على وقت الصيد بعيد جدا.

و أما ما ذكره الصدوق في الحديث الأول فلعله حمله على أن الغالب أنه لا يشتغل بالصيد أكثر من ثلاثة أيام فعبر عن ترك الصيد بتجاوز الثلاثة أو مراده بالفضول فضول الرزق للتجارة.

و قال العلامة في المختلف قال ابن الجنيد و المتصيد شيئا إذا كان دائرا حول المدينة غير متجاوز حد التقصير لم يقصر يومين فإن تجاوز الحد و استمر به دورانه ثلاثة أيام قصر بعدها و لم يعتبر علماؤنا ذلك بل أوجبوا القصر مع قصد المسافة و الإباحة لنا أنه مسافر فوجب عليه التقصير احتج برواية أبي بصير و الجواب أنه مرسل و لا يعول عليه انتهى.

أقول لعل كلام ابن الجنيد أيضا مؤول بما وجهنا به الخبر و الخبر في الفقيه غير مرسل بل سنده معتبر و إن لم يكن صحيحا على مصطلح القوم.

12-

قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ:

سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الضَّيْعَةِ- فَيُقِيمُ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ يُتِمُّ أَوْ يُقَصِّرُ- قَالَ يُتِمُّ فِيهَا

(2)

.

وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ:

سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنِ الرَّجُلِ- يُرِيدُ السَّفَرَ إِلَى ضِيَاعِهِ فِي كَمْ يُقَصِّرُ قَالَ [فِي ثَلَاثَةٍ

(3)

.

بيان: لعل الثلاثة محمول على ما إذا لم يبلغ حد مسافة التقصير قبلها فإن من يخرج إلى ضيعته للتنزه يسير متأنيا و متدرجا و يمكن حمله على التقية

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 288.

(2) قرب الإسناد ص 214 ط نجف.

(3) قرب الإسناد ص 226 ط نجف.

35

فإنه قريب من مذهب أبي حنيفة و أصحابه و يمكن حمله على إقامة ثلاثة في الضيعة فإنه ذهب جماعة من العامة إلى أنه إن نوى الإقامة ثلاثة أيام قصر و إن زاد عليها أتم.

ثم اعلم أن المشهور بين المتأخرين أن المسافر إذا دخل بلدا و قرية له في أحدهما منزل استوطنه ستة أشهر يتم و إن كان عازما على السفر قبل انقضاء العشرة و الأكثر لم يفرقوا في الملك بين المنزل و غيره حتى صرحوا بالاكتفاء في ذلك بالشجرة الواحدة و بعضهم اعتبر المنزل خاصة.

و قال الشيخ في النهاية و من خرج إلى ضيعة له و كان له فيها موضع ينزله و يستوطنه وجب عليه التمام فإن لم يكن له فيها مسكن يجب عليه التقصير و ظاهره اعتبار المنزل و عدم اعتبار ستة أشهر بل الاستيطان و قريب منه عبارة ابن البراج في الكامل.

و قال أبو الصلاح و إن دخل مصرا له فيه وطن و نزل فيه فعليه التمام و لو صلاة واحدة و الظاهر منه المنزل الذي يستوطنه سواء كان ملكا له أم لا و قال ابن البراج أيضا من مر في طريقه على مال له أو ضيعة يملكها أو كان له في طريقه أهل أو من جرى مجراهم و نزل عليهم و لم ينو المقام عندهم عشرة أيام كان عليه التقصير و هو نفي للقول المشهور مطلقا كما حكي عنه.

و قال في المبسوط و إذا سافر فمر في طريقه بضيعة له أو على مال له أو كانت له أصهار أو زوجة فنزل عليهم و لم ينو المقام عشرة أيام قصر و قد روي أن عليه التمام و قد بينا الجمع بينهما و هو أن ما روي أنه إذا كان منزله أو ضيعته مما قد استوطنه بستة أشهر فصاعدا تمم و إن لم يكن استوطن ذلك قصر انتهى.

و أجرى ابن الجنيد منزل الزوجة و الأب و الابن و الأخ مع كونهم لا يزعجونه مجرى منزله و بالجملة فالأقوال في هذه المسألة مختلفة و كذا الروايات في ذلك في غاية الاختلاف.

36

فَمِنْهَا صَحِيحَةُ ابْنِ بَزِيعٍ‏ (1) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُقَصِّرُ فِي ضَيْعَتِهِ- فَقَالَ لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَنْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مَنْزِلٌ يَسْتَوْطِنُهُ- فَقُلْتُ مَا الِاسْتِيطَانُ- فَقَالَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْزِلٌ يُقِيمُ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.

-

وَ مِنْهَا مُوَثَّقَةُ عَمَّارٍ (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ فَيَمُرُّ بِقَرْيَةٍ لَهُ أَوْ دَارٍ فَيَنْزِلُ فِيهَا- قَالَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ- وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يُقَصِّرُ- وَ لْيَصُمْ إِذَا حَضَرَهُ الصَّوْمُ وَ هُوَ فِيهَا.

. و مستند المشهور هذان الخبران استدلوا بالثاني على مطلق الملك و بالأول على استيطان ستة أشهر و يرد على الأول أنه مع عدم قوة سنده معارض بأخبار كثيرة دالة على أن المعتبر في الإتمام أن يكون له منزل يستوطنه لا مطلق الملك و على الثاني أن ظاهر الخبر اعتبار إقامة ستة أشهر في كل سنة.

وَ بِهَذَا صَرَّحَ الصَّدُوقُ فِي الْفَقِيهِ‏ (3) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ إِيرَادِ صَحِيحَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الرَّجُلِ سَافَرَ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ- وَ إِنَّمَا نَزَلَ قُرَاهُ وَ ضَيْعَتَهُ- قَالَ إِذَا نَزَلْتَ قُرَاكَ وَ ضَيْعَتَكَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ- وَ إِذَا كُنْتَ فِي غَيْرِ أَرْضِكَ فَقَصِّرْ.

. يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه و أرضه عشرة أيام و من لم يرد المقام بها عشرة أيام قصر إلا أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر فإن كان كذلك أتم متى دخلها و تصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع و أورد الخبر الأول.

و صحيحة ابن الفضل المتقدمة تدل على الإتمام في مطلق الملك و الضيعة و صحيحة البزنطي التي أخرجناها من قرب الإسناد أيضا تدل على ذلك.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 315، الفقيه ج 1 ص 288.

(2) التهذيب ج 1 ص 314.

(3) الفقيه ج 1 ص 287 و 288.

37

وَ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الِاسْتِيطَانِ كَصَحِيحَةِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ‏ (1) قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ فَيَمُرُّ بِهِ- أَ يُتِمُّ أَوْ يُقَصِّرُ قَالَ كُلُّ مَنْزِلٍ لَا تَسْتَوْطِنُهُ- فَلَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ وَ لَيْسَ لَكَ أَنْ تُتِمَّ فِيهِ.

وَ صَحِيحَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍ‏ (2) قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْأَوَّلَ(ع)عَنْ رَجُلٍ- يَمُرُّ بِبَعْضِ الْأَمْصَارِ وَ لَهُ بِالْمِصْرِ دَارٌ وَ لَيْسَ الْمِصْرُ وَطَنَهُ- أَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ أَمْ يُقَصِّرُ قَالَ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ- وَ الضِّيَاعُ مِثْلُ ذَلِكَ إِذَا مَرَّ بِهَا.

. و الذي يقتضي الجمع بين الأخبار القول بأن الوصول إلى بلد أو قرية أو ضيعة له فيها منزل يستوطنه بحيث يصدق الاستيطان عرفا أو ولد و نشأ بها بحيث يصدق عرفا أنه وطنه و بلده كاف في الإتمام و أخبار الضيعة و الملك المطلق محمولة على ذلك أو على التقية لأنه قول جماعة من العامة.

قال في شرح السنة ذهب ابن عباس إلى أن المسافر إذا قدم على أهل أو ماشيته أتم الصلاة و به قال أحمد و هو أحد قولي الشافعي إن المسافر إذا دخل بلدا له به أهل و إن كان مجتازا انقطعت رخصة السفر في حقه انتهى.

و الأحوط فيما إذا وصل بلدة أو قرية أو ضيعة استوطنها ستة أشهر أن يحتاط بالجمع بين الصلاتين رعاية للمشهور.

ثم إن جماعة من القائلين بالملك كالشهيدين اعتبروا سبق الملك على الاستيطان و بقاء الملك و اشترط جماعة في الستة أن يكون مقيما فيها و أن يكون إتمام الصلاة عليه فيها للإقامة فلا يكفي مطلق الإقامة كما لو أقام ثلاثين ثم أتم من غير نية الإقامة و لا التمام بسبب كثرة السفر أو المعصية أو شرف البقعة نعم لا يضر مجامعتها لها.

و المشهور أنه لا يشترط التوالي و لا السكنى في ملكه بل يكفي الاستيطان في البلد أو القرية و لا يبعد أن يكفي في ذلك عدم الخروج على حد الخفاء و لا

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 314 ط حجر ج 3 ص 213 ط نجف.

(2) التهذيب ج 1 ص 314 ط حجر ج 3 ص 213 ط نجف.

38

يكفي استيطان الوقوف العامة كالمدارس و ذهب جماعة إلى الاكتفاء بالخاص و اشترط الشهيد ملك الرقبة فلا تجزي الإجارة و فيه تأمل و ألحق العلامة و من تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار مقام على الدوام و لا بأس به.

و هل يشترط استيطان الستة أشهر قال في الذكرى الأقرب ذلك و هو غير بعيد و الأصل ما ذكرنا من شهادة العرف بأنها وطنه أو مسكنه ليدخل تحت الأخبار الواردة في ذلك و أما ما شك في دخوله فيها فالاحتياط فيه سبيل النجاة.

13-

السَّرَائِرُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَ رَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلَدَهُ- مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَ مَتَى يَنْبَغِي أَنْ يُتِمَّ- قَالَ إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَّ لَكَ فِيهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ- فَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ وَ بَعْدَ غَدٍ- فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ- فَإِذَا تَمَّ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ- وَ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ فَأَتِمَ‏

(1)

.

____________

(1) السرائر: 472، و يستفاد هذا الحكم من كتاب اللّه عزّ و جلّ بمعونة السنة أما الكتاب فحيث يقول عزّ و جلّ: «وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» و المراد بالعاكف المقيم قطعا كما في قوله عزّ و جلّ: «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ» و أمّا السنة فحيث امتثل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دعوة الآية الكريمة، و اعتكف في مسجده عشرة، حتى أنّه لم يعتكف في سنة فقضاها في السنة بعدها عشرين: عشرة أداء و عشرة قضاء، فصارت الاعتكاف في محل عشرة من تمام الإقامة.

بل و يدلّ على ذلك بوجه أجمع قوله تعالى: «وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» أى كان يواعده كل ليلة أنّه إذا تمّ ميقاته و اعتكافه بالصوم و الصلاة أنزل عليك التوراة، و هو (عليه السلام) ينتظر في كل ثلاثة أيّام نزول التوراة لما كان بحسبانه أن اعتكافه بالصوم و الصلاة انما يتم في ثلاث، على ما أمرهم اللّه عزّ و جلّ بالصيام ثلاثة أيام- أيام العشر: العاشر و الحادي عشر و الثاني عشر من كل شهر كما مرّ في ج 83 ص 91.

لكنه (عليه السلام) لما كان مسافرا و لم يقصد الإقامة عشرا، كان ميقاته و اعتكافه غير تامّة حتى مضى ثلاثون تمام الشهر، و انقطع حكم السفر و صار اعتكافه و ميقاته في العشرة بعدها تاما واقعا في محله و نزل عليه التوراة فيها حكم اللّه عزّ و جلّ.

و هذا معنى قوله عزّ و جلّ: «وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، وفقا لقوله عزّ و جلّ: «وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» أى كنا نواعده أربعين ليلة: كل ليلة نقول: إذا تمّ الاعتكاف و الميقات نزل عليك التوراة، و لم يتم الا بعد الأربعين: لم يتم في ثلاث لان أقل الإقامة عشرة، و لم يتم في العشرات الأول لكونه مسافرا.

و ذلك لان اللّه عزّ و جلّ واعدهم جميعا جانب الطور الايمن، لكن موسى (عليه السلام) استبطأهم لمسيرهم بالاثقال و الاطفال و خلف فيهم أخاه هارون و تعجل الى الميقات بنفسه، ليتم ميقاته و اعتكافه مدى سيرهم الى الطور، فيتوافق نزوله من الطور مع وصول قومه، فقد كان بخلده (عليه السلام) رقى قومه و هدايتهم الى أرض القدس بنفسه، و اللّه عزّ و جلّ بالرصد من افتتانهم بعد ايمانهم‏ «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ»

39

بيان: لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا نوى المقصر في بلد عشرة أيام أتم و يدل عليه هذا الخبر و أخبار كثيرة و المشهور عدم الإتمام بنية الإقامة دون العشرة بل قال في المنتهى إنه قول علمائنا أجمع.

و نقل في المختلف عن ابن الجنيد (رحمه الله) أنه اكتفى في وجوب الإتمام بنية خمسة أيام‏

وَ لَعَلَّ مُسْتَنَدَهَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ فِي الْحَسَنِ‏ (1) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ:

سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الْمُسَافِرِ- إِنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِإِقَامَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- قَالَ‏

____________

(1) الكافي ج 3 ص 436، التهذيب ج 1 ص 316.

40

فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ- فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا يُقِيمُ يَوْماً أَوْ أَكْثَرَ فَلْيَعُدَّ ثَلَاثِينَ يَوْماً- ثُمَّ لْيُتِمَّ وَ إِنْ أَقَامَ يَوْماً أَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً- فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ خَمْساً- قَالَ قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ- قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقُلْتُ أَنَا جُعِلْتُ فِدَاكَ- يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ لَا.

. و أجيب عنه بأنه غير دال على نية إقامة الخمسة صريحا لاحتمال عود الإشارة إلى الكلام السابق و هو الإتمام مع العشرة و لا يخلو من بعد و أوله الشيخ بوجهين أحدهما

أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ لِلْحَسَنِ كَالصَّحِيحِ‏ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ:

سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ يَقْدَمُ الْأَرْضَ- فَقَالَ إِنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يُقِيمَ عَشْراً فَلْيُتِمَّ- وَ إِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ أَوْ غَداً أَخْرُجُ وَ لَا يَدْرِي- فَلْيُقَصِّرْ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ شَهْرٍ- فَإِنْ مَضَى شَهْرٌ فَلْيُتِمَّ- وَ لَا يُتِمَّ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَّا بِمَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ- وَ إِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ خَمْساً فَلْيُتِمَّ.

. و ثانيهما استحباب الإتمام لنأوي المقام خمسة أيام و لا يخلو من وجه و المناقشة بأن القصر عند الشيخ عزيمة فكيف يصير رخصة ضعيف لأنه سد لباب القول بالتخيير بين الإتمام و القصر مطلقا مع ثبوت ذلك في مواضع لا يمكن إنكارها.

و الأظهر عندي حمله على التقية لأن الشافعي و جماعة منهم قائلون بإقامة الأربعة و لا يحسبون يوم الدخول و يوم الرحيل فيتحصل خمسة ملفقة و سياق الخبر أيضا يدل عليها كما لا يخفى على الخبير.

و هل يشترط في العشرة التوالي بحيث لا يخرج بينها إلى محل الترخص أم لا فيه وجهان و قطع بالاشتراط الشهيد في البيان‏ (2) و الشهيد الثاني في جملة من كتبه‏

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 316.

(2) لا اعتبار بذلك أبدا، و ذلك لان الشارع الاقدس جعل اقامة العشرة بمنزلة الإقامة الدائمية وضعا، و لازمه تسوية الحكم بين المقيمين و المتواطنين مطلقا في الظعن و الإقامة، فكما أن المتوطن في بلدة إذا حصل في رحله لا يضر باقامته الخروج الى ما دون المسافة، و إذا خرج الى المسافة ثمّ رجع الى رحله أتم من حين دخوله الرحل، فهكذا المقيم للعشرة ما دام لم يخرج الى المسافة، فهو على اقامته، و إذا خرج الى المسافة ثمّ رجع الى محل اقامته و رحله أتم قضاء لحق الإقامة.

ينص على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه اتمام الصلاة، و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، و عليه اتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتّى ينفر.

فموضع النصّ هو قوله (عليه السلام): «و هو بمنزلة أهل مكّة» و ذلك لان حكم الاتمام و الإقامة، يثبت بقصد الإقامة، لا بعد الإقامة عشرة، و انما شرط (عليه السلام) القدوم الى مكّة بعشرة أيّام قبل التروية ليتحقّق منه قصد الإقامة و هو واضح.

و قوله (عليه السلام) بعد ذلك «فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الثاني أعنى إنشاء سفر جديد، فانهم إذا خرجوا الى منى عازما لعرفات، فعليهم التقصير لخروجه عن حدّ الترخص، و إذا جاءوا لزيارة البيت و دخلوا رحالهم (على ما ستعرف الوجه في ذلك دراية و رواية) انقطع حكم السفر و كان على جميعهم الاتمام أما أهل مكّة فانها وطنهم و اما قاصد الإقامة لاتحاد حكمه مع المتوطنين.

و قوله (عليه السلام): «و عليه اتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتّى ينفر» شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الأول أعنى الخروج الى ما دون المسافة و أنّه لا يضر بقصد الإقامة، فانهم بعد ما رجعوا الى منى لرمى الجمرات، كانوا خارجين من مكّة الى ما دون المسافة و كان عليهم الاتمام، فان أنشئوا السير الى بلادهم من منى حين النفر، قصروا سواء مروا في سيرهم ذلك الى مكّة أو لم يمروا بها و إذا رجعوا الى مكّة ثمّ خرجوا منها الى بلادهم قصروا منها، و هو واضح، و سيجي‏ء تمام الكلام في هذا الحديث في الباب الآتي تحت الرقم 10 إنشاء اللّه تعالى.

و من فروع هذه القاعدة (اتّحاد حكم المقيمين بالحكم الوضعى مع المتواطنين) الإقامة بعد ثلاثين مترددا، فانها بمنزلة الإقامة الدائمية، كقصد العشرة من دون اختلاف فاذا عرض له حاجة الى سفر لكنه لم يرتفع بعد حاجته عن محل اقامته تلك و لم يحصل على مراده من قصد البلدة هذه، فأبقى رحله في البلدة و أنشأ سفرا الى بريدين ثمّ رجع الى محل اقامته تلك قصر ايابا و ذهابا و أتم في محل الإقامة كسائر المقيمين.

ينص على ذلك ما رواه الشيخ بإسناده عن صفوان عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكّة إذا زاروا، عليهم اتمام الصلاة؟ قال: المقيم بمكّة الى شهر بمنزلتهم.

41

و قال في بعض فوائده بعد أن صرح باعتبار ذلك و ما يوجد في بعض القيود من أن الخروج إلى خارج الحدود مع العود إلى‏

42

موضع الإقامة كيوم أو ليلة لا يؤثر في نية الإقامة و إن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة لا حقيقة له و لم نقف عليه مستندا إلى أحد من المعتبرين الذين يعتبر فتواهم فيجب الحكم بإطراحه حتى لو كان ذلك في نيته من أول الإقامة لكان باقيا على القصر لعدم الجزم بإقامة العشرة فإن الخروج إلى ما يوجب الخفاء يقطعها و نيته في ابتدائه يبطلها انتهى.

و قيل المعتبر صدق إقامة العشرة في البلد عرفا و الظاهر أن عدم التوالي في أكثر الأحيان يقدح في صدق المعنى المذكور عرفا و لا يقدح فيه أحيانا كما إذا خرج يوما أو بعض يوم إلى بعض البساتين و المزارع المقاربة في البلد و إن كان في حد الخفاء و لا بأس به و المسألة مشكلة و هي من مواقع الاحتياط.

و الظاهر أن بعض اليوم لا يحسب بيوم كامل بل يلفق فلو نوى المقام عند الزوال كان منتهاه زوال اليوم الحادي عشر.

و هل يشترط عشر غير يومي الدخول و الخروج فلا يكفي التلفيق فيه وجهان و استشكل العلامة في النهاية و التذكرة احتسابهما من العددين حيث إنهما من نهاية

43

السفر و بدايته لاشتغاله في الأول بأسباب الإقامة و في الأخير بالسفر و من صدق الإقامة في اليومين و احتمل التلفيق و لعل التلفيق أظهر.

و لا فرق في وجوب الإتمام بنية الإقامة بين أن يكون ذلك في بلد أو قرية لعموم بعض الأخبار كما في صحيحة زرارة إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقاما و الظاهر أنه لا خلاف فيه.

و لو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية و لم يعزم على إقامة العشرة في واحدة منها لم يبطل حكم سفره لأنه لم ينو الإقامة في بلد بعينه فكان كالمنتقل في سفره من منزل إلى منزل قاله العلامة في المنتهى و غيره.

و لو قصد الإقامة في بلد ثم خرج بقصد المسافة إلى حد خفاء الأذان ثم رجع إلى محل الإقامة لغرض مع بقاء نية السفر فالظاهر بقاؤه على حكم التقصير بخلاف ما لو كان الرجوع إلى بلده و لو رجع عن نية السفر أتم في الموضعين كما ذكره الأصحاب.

و لو صلى بتقصير ثم نوى الإقامة في أثنائها يتم و نقل في التذكرة الاتفاق عليه.

و هذا كله يتعلق بالحكم الأول من الخبر و أما الحكم الثاني و هو أن من تردد في الإقامة يقصر إلى شهر ثم يتم فلا أعلم فيه خلافا بين الأصحاب و نقل بعض المتأخرين عليه الإجماع و تدل عليه أخبار لكن بعضها بلفظ الشهر و بعضها بلفظ الثلاثين يوما.

فهل يجوز الاكتفاء بالشهر الهلالي إذا حصل التردد في أوله يحتمل ذلك لصدق الشهر عليه و هو مقتضى إطلاق كلام أكثر الأصحاب و حينئذ فالثلاثين محمول على الغالب من عدم كون مبدإ التردد مبدأ الشهر.

و اعتبر في التذكرة الثلاثين و لم يعتبر الشهر الهلالي و له وجه‏ (1) و الأحوط

____________

(1) قد عرفت أن الملاك هو مضى الثلاثين تاما لقوله عزّ و جلّ: «وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً»

44

في يوم الثلاثين الجمع.

14-

فِقْهُ الرِّضَا، قَالَ(ع)

إِنْ نَوَيْتَ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَ صَلَّيْتَ صَلَاةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ- ثُمَّ بَدَا لَكَ فِي الْمُقَامِ وَ أَرَدْتَ الْخُرُوجَ- فَأَتِمَّ وَ إِنْ بَدَا لَكَ فِي الْمُقَامِ بَعْدَ مَا نَوَيْتَ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ- وَ تَمَمْتَ الصَّلَاةَ وَ الصَّوْمَ‏

(1)

.

بيان: إن في قوله و إن بدا لك وصلية و لا خلاف ظاهرا بين الأصحاب في أنه لو نوى قاصد الإقامة عشرا السفر قبل أن يصلي صلاة بتمام يرجع إلى التقصير و لو صلى صلاة بتمام يتم إلى أن يخرج إلى المسافة (2) و ظاهر الأصحاب أنه لا يشترط في الرجوع إلى القصر في صورة العدول عن نية الإقامة من غير صلاة كون الباقي مسافة و قواه الشهيد الثاني (رحمه الله) و احتمل الاشتراط و إطلاق هذه الرواية و غيرها يؤيد المشهور.

ثم إنهم اختلفوا في أنه هل يلحق بالصلاة الفريضة الصوم الواجب فيثبت حكم الإقامة بالشروع فيه مطلقا أو إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نية الإقامة أم لا فيه أوجه و الثالث أشهر و أقوى و إن كان ظاهر عبارة الفقه كون إتمام الصوم في حكم إتمام الصلاة إن حملنا الواو في قوله و الصوم بمعنى أو و يمكن أن يكون ذكر الصوم استطرادا و لا دخل له في الحكم.

ثم الظاهر أن المعتبر إتمام الصلاة الفريضة فقط كما صرح به في صحيحة أبي ولاد (3) فإلحاق نافلة لا يؤتى بها في السفر بالفريضة كما فعله العلامة في‏

____________

(1) فقه الرضا ص 16 باب صلاة المسافر و المريض.

(2) و ذلك لان الذي قصد الإقامة في قرية كأنّه يعرض بنفسه أن يكتب عنوانه في جمع المقيمين المتوطنين وضعا، فما لم يمض قصده ذلك عملا، كان له البداء، و أمّا إذا مضى على قصده عملا و صلى صلاة واحدة على التمام وجبت الصفقة، و تحقّق عنوان المقيم موضوعا و سجله الكرام الكاتبون في ديوان المتوطنين، فلا يخرج عن جمعهم الا بالخروج الموضوعى كأن يسافر جديدا على حدّ سائر المواطنين.

(3) التهذيب ج 1 ص 317.

45

النهاية و قواه الشهيد الثاني (رحمه الله) لا وجه له و الظاهر أن الحكم معلق على فعل الفريضة فلا يكفي دخول وقتها و لا فوت وقت الصلاة مع تركها سواء كان الترك عمدا أو سهوا و قطع العلامة في التذكرة بكون الترك كالصلاة نظرا إلى استقرارها في الذمة تماما و استشكله في النهاية و كذا الشهيد في الذكرى.

و لو كان الترك لعذر مسقط للقضاء كالجنون و الحيض فهو كمن لم يصل قولا واحدا و هل يشترط كون التمام بنية الإقامة فلا يكفي التمام سهوا قبل الإقامة فيه وجهان و ظاهر الخبر الاشتراط.

و لو نوى الإقامة ثم صلى تماما لشرف البقعة ذاهلا عن نية الإقامة ثم رجع عن الإقامة فالظاهر الكفاية لعموم الرواية و لو نوى الإقامة في أثناء الصلاة المقصورة فأتمها ففي الاجتزاء بها وجهان و لعل الاجتزاء أقوى.

ثم ظاهر الرواية إتمام الصلاة فلو شرع في الصلاة بنية الإقامة ثم رجع عن الإقامة في أثنائها لم يكف و إن كان بعد الركوع في الثالثة و هو ظاهر المنتهى و تردد في المعتبر و فصل في التذكرة و المختلف بمجاوزة محل القصر و عدمه.

15-

فِقْهُ الرِّضَا، قَالَ(ع)

فَإِنْ فَاتَتْكَ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ فَذَكَرْتَهَا فِي الْحَضَرِ- فَاقْضِ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فَاتَتْكَ- وَ إِنْ فَاتَتْكَ فِي الْحَضَرِ فَذَكَرْتَهَا فِي السَّفَرِ- فَاقْضِهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَلَاةَ الْحَضَرِ كَمَا فَاتَتْكَ- وَ إِنْ خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلَاةِ- وَ لَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجْتَ فَعَلَيْكَ التَّقْصِيرُ- وَ إِنْ دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ أَنْتَ فِي السَّفَرِ- وَ لَمْ تُصَلِّ حَتَّى تَدْخُلَ أَهْلَكَ فَعَلَيْكَ التَّمَامُ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَكَ الْوَقْتُ- فَتُصَلِّيَ مَا فَاتَكَ مِنْ صَلَاةِ الْحَضَرِ فِي السَّفَرِ- وَ صَلَاةِ السَّفَرِ فِي الْحَضَرِ

(1)

.

بيان: لا ريب في أن الاعتبار في القضاء بحال الفوات لا بحال الفعل فما فات قصرا يقضي قصرا و إن قضاه في الحضر و كذا العكس و لو حصل الفوات في أماكن التخيير

____________

(1) فقه الرضا ص 16.

46

ففي ثبوت التخيير في القضاء أو تحتم القصر وجهان أحوطهما الثاني.

و لو سافر بعد دخول الوقت قبل أن يصلي فالأصحاب فيه على أقوال شتى ذهب ابن أبي عقيل و الصدوق في المقنع و العلامة إلى أنه يجب عليه الإتمام و ذهب المفيد إلى أنه يجب عليه التقصير و اختاره ابن إدريس و نقله عن المرتضى في المصباح و هو اختيار علي بن بابويه و المحقق و جماعة.

و ذهب الشيخ في الخلاف إلى التخيير و استحباب الإتمام و ذهب (رحمه الله) في النهاية و كتابي الأخبار إلى أنه يتم إن بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام فإن تضيق الوقت قصر و به قال في موضع من المبسوط و به قال ابن البراج و هو اختيار الصدوق في الفقيه.

و كذا الخلاف فيما إذا دخل محل التمام بعد دخول الوقت فذهب المفيد و علي بن بابويه و ابن إدريس و الفاضلان إلى أنه يتم و هو المشهور بين المتأخرين و نقل عن ابن الجنيد و الشيخ القول بالتخيير و ذهب الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار إلى أنه يتم مع السعة و يقصر مع الضيق و حكى الشهيدان أن في المسألة قولا بالتقصير مطلقا.

و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار (1)

فَفِي صَحِيحَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ:

____________

(1) بل لا اختلاف في الاخبار، كما مرت الإشارة إليه في باب اوقات الصلوات، و باب تقديم الفائتة على الحاضرة، و انما توهموا الاختلاف فيها، لقولهم باشتراك وقت الظهرين من الزوال الى المغرب مطلقا و اشتراك وقت العشاءين من المغرب الى ثلث الليل أو نصفه أو آخره على اختلاف في ذلك، مع أن كل صلاة لها وقت محدود مختص بها بعضها بحكم السنة و بعضها بحكم الفرض، على ما مر تفصيلها في باب أوقات الصلوات.

فمن توجه الى ذلك حقّ التوجه و رجع الى روايات الباب لم يجد فيها اختلافا الا ما يتراءى من بعضها و سيأتي بيانها و حملها على وجوه قريبة أقرب ممّا حملوها عليه عادة و حينئذ يتظافر أخبار الباب مع ما سبق في باب تقديم الفائتة على الحاضرة و باب أوقات الصلوات، و يثبت الأوقات الخمسة بالتواتر القطعى، و للّه الحمد.

47

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- يَدْخُلُ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ أَنَا فِي السَّفَرِ- فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَدْخُلَ أَهْلِي- فَقَالَ صَلِّ وَ أَتِمَّ الصَّلَاةَ- قُلْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ أَنَا فِي أَهْلِي أُرِيدُ السَّفَرَ- فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَخْرُجَ- فَقَالَ صَلِّ وَ قَصِّرْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَالَفْتَ وَ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ ص

(1)

.

وَ فِي صَحِيحَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ‏ (2) قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الرَّجُلِ- يَدْخُلُ مِنْ سَفَرِهِ وَ قَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ هُوَ فِي الطَّرِيقِ- فَقَالَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ- وَ إِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرِهِ وَ قَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً.

وَ فِي مُوَثَّقَةِ عَمَّارٍ (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ- ثُمَّ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ- قَالَ يَبْدَأُ بِالزَّوَالِ فَيُصَلِّيهَا- ثُمَّ يُصَلِّي الْأُولَى بِتَقْصِيرِ رَكْعَتَيْنِ- لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْأُولَى- وَ سُئِلَ فَإِنْ خَرَجَ‏

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 283، التهذيب ج 1 ص 137 و 301 و 317، و وجه الحديث أنه دخل عليه وقت صلاة الظهر مثلا حين بلوغ الظل الى قدم و هو في السفر و دخل الى أهله و لم يدخل وقت صلاة العصر بعد، و هكذا العكس.

(2) التهذيب ج 1 ص 317، الفقيه ج 1 ص 284، و هو محمول على ما إذا دخل على أهله و قد فات وقت الظهر و دخل وقت العصر، و هكذا العكس.

(3) التهذيب ج 1 ص 138، و صدر الحديث نص فيما قلنا، فان صلاة الزوال ثابت عليه لان وقتها حين زوال الشمس فلا يسقط هذه النافلة لادراك وقتها و لو خفيفة في الحضر و قال (عليه السلام): «ثم يصلى الأولى بتقصير ركعتين» مع أنّه أدرك أول وقت الزوال في الحضر و ذلك لعدم العبرة بالزوال، بل العبرة بالوقت المسنون و لذلك قال بعده «لانه خرج من منزله قبل أن يحضر الأولى».

و اما ذيل الخبر فليحمل على أنّه خرج بعد ما حضرت الأولى و حينما غاب و توارى عن البيوت و أراد الصلاة فات وقتها المسنون و حضر وقت الثانية.

48

بَعْدَ مَا حَضَرَتِ الْأُولَى- قَالَ يُصَلِّي الْأُولَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ- ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدُ النَّوَافِلَ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ- لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بَعْدَ مَا حَضَرَتِ الْأُولَى.

وَ عَنْ بَشِيرٍ النَّبَّالِ‏ (1) قَالَ:

خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)حَتَّى أَتَيْنَا الشَّجَرَةَ- فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا نَبَّالُ فَقُلْتُ لَبَّيْكَ- قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ- أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعاً غَيْرِي وَ غَيْرَكَ- وَ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ.

. و ربما يحمل صحيحة محمد بن مسلم على أن المراد أن الركعتين يؤتى بهما في السفر و الأربع في الحضر بأن يكون المراد بقوله يدخل من سفره إرادة الدخول أو الإشراف عليه و كان في الإيراد بصيغة المضارع إعانة على هذا المعنى و كذا قوله خرج يحمل على أحد الوجهين و كذا خبر بشير يحمل على أنه(ع)صلى قبل أن يخرج أو على أن المراد وجب علينا التمام و بعد السفر انقلب الحكم و إن كانا بعيدين مع أن سنده غير نقي على المشهور.

و القائل بالتخيير جمع به بين الروايات‏

-

وَ يُؤَيِّدُهُ فِي الرُّجُوعِ صَحِيحَةُ مَنْصُورِ (2)

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 317 و 301، الكافي ج 3 ص 434، و الظاهر أنّه أراد مسجد الشجرة، و هو على رأس فرسخين من المدينة، و معلوم أن من خرج بعد دخول وقت الصلاة و سار حتى أتى الشجرة يفوته وقت الأولى، و لو أسرع، و أمّا أفراد العسكر، فلما خرجوا قبل دخول وقت الصلاة كان عليهم التقصير، و هو واضح.

(2) التهذيب ج 1 ص 317، و المراد أنّه ان شاء صلى في السفر أول الوقت عند القدم، و ان شاء سار و دخل على أهله و صلى أربعا آخر الوقت عند القدمين، و الثاني أولى، اذا كان يمكنه الاسراع و ادراك آخر الوقت المسنون.

و هذا الاحتمال أقوى من غيره لاعتضاده بالاخبار المتكثرة المروية في هذا الباب و غيره كما عرفت و لقوله (عليه السلام) «فسار حتّى يدخل أهله» حيث أتى بصيغة المضارع، كأنّه يقول: «فسار و أسرع حتّى يدخل أهله» أي يدخل أهله و وقت السنة باق و لذلك قال (عليه السلام)، و الاتمام أحبّ الى.

49

بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏

إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلَهُ- فَسَارَ حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلَهُ فَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ وَ إِنْ شَاءَ أَتَمَّ- وَ الْإِتْمَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ.

و حمله على التقصير قبل الدخول و الإتمام بعده بعيد جدا.

و الشيخ جمع بينها بالسعة و الضيق‏

-

وَ أَيَّدَهُ بِمَا رَوَاهُ فِي الْمُوَثَّقِ‏ (1) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)

يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ- فَقَالَ إِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ فَلْيُتِمَّ- وَ إِنْ كَانَ يَخَافُ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَلْيُقَصِّرْ.

. و روي هذا المضمون بسند (2) مرسل عن أبي عبد الله(ع)أيضا و هما يدلان على التفصيل في القدوم و يمكن حملهما على أنه إن كان لا يخاف فوت الوقت يؤخر حتى يدخل أهله و يتم و إن كان يخاف الفوت إذا دخل أهله يصلي قصرا قبل الدخول.

و أقول يمكن الجمع بينها بوجهين آخرين أحدهما حمل ما دل على الاعتبار بحال الوجوب على ما إذا مضى زمان من أول الوقت يمكنه تحصيل الشرائط المفقودة و إتمام الصلاة فيه و ما دل على الاعتبار بحال الأداء على ما إذا خرج عن حد الترخص أو دخل فيه و لم يمض هذا المقدار من الزمان كما أشار إليه العلامة في المنتهى و الشيخ في الخلاف قيد الحكم بذلك حيث قال إذا خرج إلى السفر و قد دخل الوقت إلا أنه مضى مقدار ما يصلي فيه الفرض أربع ركعات جاز له التقصير و كذا قال العلامة و أكثر الأصحاب و الفرق أيضا ظاهر

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 317، و المراد فوات وقت الأولى مثلا بدخول وقت الثانية عند القدمين، بحيث إذا صلى الظهر أربعا وقع نصفه في وقت الظهر و نصفه في وقت العصر فيفوت عليه بذلك أول وقت الثانية مع أنّه حاضر.

(2) الفقيه ج 1 ص 284، رواه عن كتاب الحكم بن مسكين، و رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 317 عن الحكم عن رجل.

50

إذ بعد مضي هذا الزمان يستقر الفرض في ذمته.

و ثانيهما أن يقال إنه إذا خرج بعد دخول وقت الفضيلة يعني إذا صار الفي‏ء قدمين أو انقضى مقدار النافلة للمتنفل يتم الصلاة و إذا خرج قبل دخول وقت الفضيلة و إن كان بعد دخول وقت الإجزاء يقصر.

فالمراد بالوقت في بعض الأخبار الفضيلة و في بعضها الإجزاء و يشهد لهذا التأويل موثقة عمار لكن لا أعرف قائلا به و كذا الكلام في العود لاختلاف الأخبار فيه أيضا و المسألة في غاية الإشكال و إن كان القول بالتخيير لا يخلو من قوة و الاحتياط في الجمع.

16-

السَّرَائِرُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)

أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ مُسَافِرٍ- نَسِيَ الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ فِي السَّفَرِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلَهُ- قَالَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ‏

(1)

- وَ قَالَ لِمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ وَ هُوَ مُقِيمٌ حَتَّى يَخْرُجَ- قَالَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَفَرِهِ‏

(2)

- وَ قَالَ إِذَا دَخَلَ عَلَى الرَّجُلِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَ هُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ- صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا عَلَيْهِ وَ هُوَ مُقِيمٌ- أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَفَرِهِ‏

(3)

.

بيان: أقول يمكن أن يكون قوله(ع)و إذا دخل على الرجل بعد قوله لمن نسي صلاة الظهر تعميما بعد التخصيص أو يكونا حديثين سمعهما في مقامين أو يكون الأول للقضاء و الثاني للأداء أو يكون الأخير محمولا على العمد كما أن الأول كان للنسيان و قوله أولا في رجل مسافر يحتمل الأداء و القضاء و الأعم و ظاهر الخبر الإتمام في الدخول و الخروج معا كما هو مختار العلامة إن لم نحمل أحدهما على القضاء.

ثم اعلم أنهم اختلفوا في القضاء أيضا أي إذا دخل وقت الصلاة في السفر و دخل بلده ثم فاتته الصلاة و كذا العكس هل يعتبر بحال الوجوب أي أول الوقت أو بحال‏

____________

(1) السرائر: 468.

(2) السرائر: 468.

(3) السرائر: 468.