دلائل الإمامة

- محمد بن جرير الطبري‏ الصغير المزيد...
663 /
7

تقديم‏

الحمد للّه الذي خلق الإنسان و علّمه البيان، و الصلاة و السلام على الحبيب المصطفى المختار، و الأئمّة من آله المعصومين الأطهار.

و بعد، قال (سبحانه و تعالى): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (1).

في هذه الآية الكريمة ثلاث فقرات تنتهي إلى ثلاثة من أصول ديننا الإسلامي الحنيف:

فقوله (تعالى): أَطِيعُوا اللَّهَ‏ ينتهي إلى التوحيد.

و قوله: وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ ينتهي إلى النبوّة.

و قوله: وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ ينتهي إلى الإمامة.

و لكلّ واحد منها أدلّته و براهينه.

فالتوحيد، الذي هو الكلمة الأولى على شفاه الأنبياء، و اللّبنة الأولى في أسّ الديانات، و الأصل الأوّل في أصول العقيدة، قد تلقّى من أفواه الشكّاك، و تيه الزنادقة سيولا من الشّبهات، و المزاعم الواهيات على مرّ العصور، و لا يزال، غير أنّ النصر حليفه على الدوام، فله الحجّة الأقوى، و حجّتهم داحضة، و له البرهان الثابت و ليس لهم سوى زبد يطفو ثمّ ينجلي و يزول، و قد انتصر للتوحيد كثيرون، و لكنّ التوحيد

____________

(1) النساء 4: 59.

8

منتصر بذاته، فالكون كلّه شاهد عليه، و حتّى خصومه‏ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ (1). و كم هو جميل قول الشاعر:

فيا عجبا كيف يعصى الإل* * * ه أم كيف يجحده الجاحد

و في كلّ شي له آية* * * تدلّ على أنّه واحد

و أمّا النبوّة،

فقد تسالم عليها أهل الديانات قاطبة، فهي مصدرهم و موردهم و شرعتهم و منهلهم، و لكن لم يصف لهم الأمر على هذه الحال، فقد نازعتهم طوائف من سكّان الأرض جحدت النبوّة و لم تعتقد ضرورتها، ثمّ إنّ أهل الأديان تنازعوا فيما بينهم، و اختلفوا، فمنهم من توقّف على نبيّ و أنكر غيره، و منهم من تعدّاه إلى الذي بعده ثمّ توقّف، و منهم من آمن بصحّة نبوّة جميع الأنبياء، و أنّها ختمت بالخاتم المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فكان لزاما إذن أن تقام الأدلّة و البراهين على إثباتها لتكون راسخة في النفوس رسوخا تطمئنّ له القلوب بعد إذعان العقول. و من تلك الدلالات ما تكفّل به المولى (جلّ جلاله)، باعث الأنبياء و ناصرهم، و خالق العباد و هاديهم، و منها ما هو من تكليف العباد أنفسهم في الفكر و إعمال النظر، و لعلّ أظهر تلك الدلائل:

1- الوحي:

و هو واسطة اتّصال الأنبياء بالسماء، و إمدادهم الدائم بمادّة النبوّة، و الوحي على أشكاله المختلفة- من رؤيا صادقة، أو نداء من وراء حجاب، أو نزول الملك- له آثاره الظاهرة التي لا تخفى على العقلاء و إن جحدها غيرهم، إذ سيجد الناس من النبيّ تشريعا جديدا و نبأ جديدا لم يعرفوه من قبل، و لم يسمعوا بمثله عن نبيّهم رغم معيشتهم معه و مخالطتهم إيّاه‏ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (2).

ثم إنّ في نزول الوحي دلالة أخرى يجدها الناس ظاهرة على النبيّ أثناء تلقّيه الوحي، إذ تمتلكه حالة لم تعرف في غيره على الإطلاق، و لم يعهدها هو نفسه إلّا في هذه الأثناء. فممّا صحّ عن نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه كانت تأخذه الغشية عند هبوط

____________

(1) فصّلت 41: 53.

(2) يونس 10: 16.

9

جبرئيل (عليه السلام) (1).

و في الحديث المقبول أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوحي إليه و هو على ناقته فبركت و وضعت جرانها (2).

و روي أنّه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه و إنّ جبينه ليتفصّد عرقا (3).

و كثرت مشاهداتهم لمثل هذا حتّى قال سفهاء المشركين أنّه ينتابه تابع من الجنّ! فبلغ قولهم هذا طبيبا شهيرا عندهم يسمّى: ضماد بن ثعلبة، فقال: لو رأيت هذا الرجل لعلّ اللّه يشفيه على يدي! فلقيه، فقال: يا محمّد، إني أرقي من هذه الريح، فهل لك؟

فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الحمد للّه، نحمده و نستعينه، من يهده اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله: أمّا بعد» ثمّ كلّمه عن الوحي و النبوّة، فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهنّ عليه، فقال: أعدها عليّ، فأعادهنّ ثالثة، فقال ضماد: و اللّه لقد سمعت قول الكهنة، و سمعت قول السحرة، و سمعت قول الشعراء، فما سمعت مثل هذه الكلمات، و اللّه لقد بلغت قاعوس‏ (4) البحر، فمد يدك أبايعك على الإسلام‏ (5).

2- المعجزة:

لا بدّ للنبيّ أن يقيم شاهدا على صدق دعواه، و أمانته في تبليغه، و لا بدّ أن يكون هذا الشاهد ممّا يعجز غيره عن الإتيان بمثله، أي أنّه لا بدّ أن يكون أمرا خارقا للعادة و لقوانين الطبيعة المألوفة، و هذا هو المعجز.

و المعجز بهذا المعنى لا يتحقّق لأحد إلّا بتقدير اللّه (تعالى) و عنايته، و المتتبّع لحياة الأنبياء يجدها مليئة بهذه الشواهد، فقد اقترنت العصا بموسى (عليه السلام)، و اقترن إحياء

____________

(1) بحار الأنوار 18: 260.

(2) المصدر 18: 263، و جران البعير: مقدّم عنقه.

(3) مناقب ابن شهرآشوب 1: 43، و أفصم: أي أقلع.

(4) أي قعره الأقصى.

(5) أسد الغابة 3: 42، دلائل النبوّة 2: 223.

10

الموتى بعيسى (عليه السلام)، و نظائرها كثيرة، و إذا كانت نبوّة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد عزّزت بالمعجزة الخالدة الكبرى، القرآن الكريم، الذي تحدّى و لا يزال و يبقى يتحدّى الإنس و الجنّ أن يأتوا بسورة من مثله‏ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ‏ (1) إذا كان كذلك فليس هو المعجزة الوحيدة له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل إنّ المعاجز قد رافقت حياته الشريفة على امتدادها، فكم حدّثتنا الأخبار الصحاح عن نبوع الماء من بين أصابعه المباركة حتّى يستقي منه الجيش الكبير و رواحله‏ (2)، و كم وضع يده الكريمة على طعام قليل فأشبع الجمع الكثير (3)، و حادثة الهجرة الشهيرة و خروجه من بين رجال العصابة التي أحاطت بداره عازمة على قتله، و نثره التراب على رءوسهم و هم لا يبصرون و لا يشعرون به حتّى طلع عليهم الصبح‏ (4)، و أشياء كثيرة امتلأت بها كتب السيرة النبويّة المفصّلة، فكانت المعاجز ترافقه شواهد و دلائل على نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

3- الاستقامة و سلامة النشأة:

لمّا كان النبيّ مصدر الهداية، فلا بدّ أن يكون موضع الطمأنينة التامّة، و لا يكون كذلك إلّا إذا تميّز بالاستقامة و الطّهر مدّة حياته و منذ نشأته الأولى، فلا يخالطه نقص، و لا يشوب سيرته ذمّ أو لوم، و لا يدنو منه عمل مشوم و لا قول ملوم، مجبول على النزاهة و سلامة النفس و براءة العرض من الرجس و الدّنس، و كأنّ الصفات الدنيئة تخالف طبعه و تغايره بالكلّيّة، فهو مجبول على الفضيلة و مكارم الأخلاق و معالي الهمم، مسدّد في خطاه، متّزن في قوله و فعله، و هذه هي العصمة التي تلطّف بها اللّه (تعالى) على صفوته من خلقه، فاصطنعهم لنفسه، و أحاطهم بعنايته، فنشئوا بعينه و رعايته، مثلا أعلى يجتمع فيه كلّ محمود من الخصال، و لا يدانيه ما يخدش في علوّ منزلته.

____________

(1) هود 11: 14.

(2) دلائل النبوّة 6: 7.

(3) مناقب ابن شهرآشوب 1: 120- 132، دلائل النبوّة 6: 101- 149.

(4) دلائل النبوة 2: 470.

11

روي عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في سفره مع عمّه أبي طالب إلى الشام و كان يومها صبيّا، أنّه لقيه بحيرا الراهب و قد تفرّس فيه علامات النبوّة، فأراد أن يسأله عن أشياء، فقال له: أسألك باللّات و العزّى إلّا ما أخبرتني عمّا أسألك، قال بحيرا هذا مجاراة لقريش في أيمانهم.

فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تسألني باللّات و العزّى، فو اللّه ما أبغضت كبغضهما شيئا قطّ (1).

و هكذا نشأ النبي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نشأة لا تعرف إلّا الكمال، متنزّها عن كلّ ما كان يخوض فيه ذلك المجتمع من عادات و ممارسات و اعتقادات تافهة، بل إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد تنزّه حتّى عن مباحات الأطعمة التي لا تلائم عظيم منزلته، فقد كان لا يأكل الثوم و البصل كراهة أن توجد رائحتهما في فيه الشريف. فهو إذن (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عمّا هو أشدّ كراهة منها أشدّ بعدا، حتّى عرف في مجتمع قريش، و في عنفوان شبابه، بالصادق الأمين، و هذه درجة لا تنال بالتكلّف و التمنّي، و لا تنال إلّا بسمو لا يضاهى، يشهد له الكبير و الصغير كما يشهدون للشمس ارتفاعها في رائعة النهار. و قد كان لهذه النشأة بعدان:

الأوّل: أنّها الداعي لميل الناس إليه، و توجّههم نحوه هاديا و أسوة و مثلا أعلى.

و الثاني: أنّها كانت شاهدا لا غنى عنه على صدقه و أمانته، فكانت دليلا ساطعا على نبوّته.

4- السبق في العلم و الحكمة:

إذ لا يصحّ أن يلتفّ الناس حول رجل، و يسلمون إليه قيادهم و هم يجدون من هو أعلم منه، أو أرجح فهما و حكمة و معرفة في شئون الدين و الدنيا، و هذه الناحية تكاد تكون بديهيّة لازمت جميع الأنبياء بين أقوامهم، و هي أشدّ ما تكون بروزا و ظهورا في حياة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

5- رسالاتهم و آثارهم:

أي مضمون و فحوى الرسالة التي يأتي بها النبيّ و يدعو إليها، ثمّ ما يؤثر عنه من قول و فعل. و هذه قضية لا بدّ من إعمال الفكر فيها،

____________

(1) إعلام الورى: 18.

12

لتطمئنّ النفس من خلال النظر في رسالة النبيّ و أحاديثه و أمره و نهيه أنّه نبيّ حقّا لا ينطق عن الهوى، و لأجل بلوغ هذه المعرفة لا بدّ من معرفة مسبقة بمعنى النبوّة و الغرض منها.

فمن كان له معرفة في الفقه مثلا، ثمّ يرى آثار الشيخ الطوسي، فسوف لا يخفى عليه أنّه كان فقيها بارعا. و من عرف معنى الكلام، و رأى آثار الشريف المرتضى، أذعن له و أقرّ بأنّه متكلّم من الطّراز الأوّل. و من عرف الشعر، و سمع شيئا من شعر المتنبيّ، أدرك أنّه الشاعر الفحل الذي لا يجارى.

و على هذا النحو آمن كثيرون بنبوّة الأنبياء، و فيه مع نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شواهد كثيرة، منها ما كان من قصّة النجاشي ملك الحبشة العادل بعد ما سمع من جعفر بن أبي طالب (رضي اللّه عنهما) شيئا عن رسالة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أنّه قد استمع قبله إلى صديقه القديم عمرو بن العاص و هو يملي عليه التصوّر الجاهلي الجاحد لنبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فدعا بالمهاجرين من المسلمين ليمثلوا أمامه، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟

فتكلّم جعفر، فقال: أيّها الملك كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، و نأكل الميتة، و نأتي الفواحش، و نقطع الأرحام، و نسي‏ء الجوار، و يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحّده و نعبده، و نخلع ما كنّا نعبد من الحجارة و الأوثان، و أمرنا بصدق الحديث، و أداء الأمانة، و صلة الرّحم، و حسن الجوار، و الكفّ عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش، و قول الزور، و أكل مال اليتيم، و قذف المحصنات، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام. فصدّقناه، و آمنّا به و اتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا، و حرّمنا ما حرّم علينا، و أحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا و فتنونا عن ديننا ...

فقال له النجاشي: هل معك ممّا جاء به نبيّكم شي‏ء؟

قال: نعم.

قال: فاقرأ عليّ، فقرأ عليه صدر سورة مريم. قالت أمّ سلمة (رضي اللّه عنها) و هي‏

13

تروي الحديث: فبكى- و اللّه- النجاشي حتّى اخضلّت لحيته، و بكت أساقفته حتّى اخضلّت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، فقال النجاشي: إنّ هذا، و الذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة (1).

و لم تنحصر هذه الشواهد بذلك العهد، بل هي مستمرّة متّصلة إلى يومنا هذا، و نحن نشهد كلّ حين إيمان العلماء و الحكماء من أقطار الدنيا بهذا الدين الحنيف بمجرّد أن يقفوا عليه وقفة الناظر المتدبّر المنصف.

6- نصّ النبيّ السابق:

و هذا الشاهد و إن لم يتّضح لنا كونه ظاهرة ملازمة لكلّ النبوّات، غير أنّه عند ما يتوفّر يكون دليلا قويا و حجّة قاطعة على نبوّة النبيّ اللاحق. و من هنا احتجّ القرآن الكريم لنبوّة نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ببشائر الأنبياء السابقين و نصوص كتبهم عليه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ‏ (2). و حكاية عن عيسى (عليه السلام):

وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (3).

و كان هذا دليلا كافيا لإسلام أسقف الروم الأعظم، و ذلك لمّا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل قيصر الروم، فاستمع هرقل إلى الكتاب، فقال لدحية: إنّي لأعلم أنّ صاحبك نبيّ مرسل، و لكنّي أخاف الروم على نفسي، و لو لا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى (ضغاطر) الأسقف الأعظم في الروم، و اذكر له أمر صاحبك و انظر ما ذا يقول.

فجاءه دحية و أخبره بما جاء به من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال له ضغاطر: و اللّه إنّ صاحبك نبيّ مرسل نعرفه بصفته، و نجده في كتابنا، ثمّ أخذ عصاه و خرج على الروم و هم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا إلى اللّه، و إنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. قال: فوثبوا

____________

(1) إعلام الورى: 44، الكامل في التاريخ 2: 80.

(2) الأعراف 7: 157.

(3) الصفّ 61: 6.

14

عليه فقتلوه (رحمه اللّه) فرجع دحية إلى هرقل و أخبره الخبر، فقال: قد قلت إنّا نخافهم على أنفسنا (1).

7- النسب الرفيع:

لم يجعل اللّه النبوّة إلّا في رجل ذي شرف و منعة في قومه هي في الذّروة، ليكون ذلك داعية لتقبّل الناس لشخصه و دعوته و زعامته، و قد جاء في قصّة هرقل بعد أن بلغه كتاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه بعث إلى جماعة من أهل مكّة كانوا في تجارة لهم في الشام، و فيهم أبو سفيان، فأجلسه و أجلسهم من خلفه و قال لهم؛ إنّي سائله فإن كذب فكذّبوه. قال أبو سفيان: لو لا أن يؤثر عنّي الكذب لكذبت، فسأله عن النبيّ، قال: فصغّرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي، و قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو أوسطنا نسبا. قال هرقل: و كذلك الأنبياء (2).

و هكذا نجد معنى قوله (تعالى): اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ (3) مجسّدا في خصال نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سائر الأنبياء (عليهم السلام).

و هكذا أحيطت النبوّة بهذه الدلائل و غيرها، حتّى صارت عقيدة ثابتة راسخة في قلب كلّ من آمن بالتوحيد، لا يشكّ فيها و لا يرتاب.

و أمّا الإمامة، فقد بقيت عرضة للآراء و الأقاويل و التكذيب و التشكيك، فلأجل هذا كانت الكتابة في دلائل الإمامة في غاية الأهميّة، إن لم نقل إنّها تتقدّم في أهميّتها على أيّ بحث آخر، إذ إنّ من الواجب أن يدرك المسلمون حقيقة الإمامة و أبعادها، و لو أنّهم أدركوا ذلك لأيقنوا أنّها من صلب العقيدة، و أنّها ضرورة تماما كالنبوّة.

قال (تعالى): وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (4) قال المفسّرون: المراد و لنجعلنّ من أمّتك أئمّة يهدون بأمرنا (5).

____________

(1) الكامل في التاريخ 2: 211.

(2) المصدر 2: 211- 212.

(3) الأنعام 6: 124.

(4) السجدة 32: 24.

(5) الزمخشري 3: 516، الرازي 25: 186، المراغي 21: 118، اسماعيل حقّي البروسوي 7: 126.

15

و قال (تعالى): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ* وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ (1).

و قال (تعالى): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2).

فالإمامة إذن هي الامتداد الصحيح و الضروري للنبوّة، و هي حصن الدين و سوره و دعامته التي لا يستقيم إلّا بها، و هي زعامة عظمى في أمور الدين و الدنيا، و ولاية عامّة، على كافّة الأمّة القيام بأمورها و النهوض بأعبائها، و قد أجمعت الامّة على وجوب عقدها في كلّ زمان.

قال الماوردي: عقد الإمامة لمن يقوم بها واجب بالإجماع، و إن شذّ عنه الأصمّ‏ (3).

و قال أبو الحسن الأشعري: قال الناس كلّهم- إلّا الأصم-: لا بدّ من إمام.

و قال الأصمّ: لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام‏ (4).

و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا بدّ للناس من أمير»: هذا نصّ صريح منه (عليه السلام) بأنّ الإمامة واجبة، و قد اختلف الناس في هذه المسألة فقال المتكلّمون: الإمامة واجبة، إلّا ما يحكى عن أبي بكر الأصمّ من قدماء أصحابنا- المعتزلة- أنّها غير واجبة إذا تناصفت الأمّة و لم تتظالم. و قال المتأخرون من أصحابنا: إنّ هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمّة، لأنّه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الرئاسة على كلّ حال‏ (5).

____________

(1) المائدة 5: 55 و 56.

(2) النساء 4: 59.

(3) مآثر الإنافة 1: 29، و الأصمّ: هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصمّ، من قدامى المعتزلة.

(4) مقالات الإسلاميين 2: 133.

(5) شرح نهج البلاغة 2: 307- 308.

16

و قال الأسفرائيني: اتّفق جمهور أهل السنّة و الجماعة على أصول من أركان الدين، كلّ ركن منها يجب على كلّ عاقل بالغ معرفة حقيقته، ثمّ ذكر الأركان إلى أن قال: و الركن الثاني عشر: إنّ الإمامة فرض واجب على الامّة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة و الأمناء، و يضبط ثغورهم، و يغزي جيوشهم، و يقسم الفي‏ء بينهم، و ينتصف لمظلومهم من ظالمهم‏ (1).

و قالت الإمامية: ليس في الإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، و إنّ الإمام لطف من اللّه يجب نصبه تحصيلا للغرض‏ (2).

و من هذا يثبت أنّ إجماعهم على وجوب الإمامة ممّا لا ريب فيه، و لكن بعد أن تحقّق هذا الإجماع افترقوا فيها على فرقتين:

قالت إحداهما: إن الإمامة تثبت بالاتّفاق و الاختيار.

و قالت الأخرى: إنّها تثبت بالنصّ و التعيين.

فمن قال بالقول الأوّل فقد ذهب إلى القول بإمامة كلّ من صارت إليه الإمامة و لو باتّفاق جزء من الأمّة، إمّا مطلقا و إمّا بشرط أن يكون قرشيّا، فقالوا بإمامة معاوية و أولاده، و بعدهم مروان و أولاده ثم بني العباس‏ (3).

و أمّا أصحاب القول الثاني، فقد ذهبوا إلى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد نصّ على عليّ (عليه السلام) بالإمامة من بعده، ثمّ على أحد عشر من ولده، آخرهم الإمام المهديّ المنتظر، (عليهم السلام) أجمعين).

و بعد هذا الاختلاف، و اختلافات أخرى تشعّبت عن الفريقين، صارت الإمامة محلّ النزاع الأكبر في هذه الأمّة حتّى قيل: إنّه ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة كما سلّ على الإمامة في كلّ زمان.

فمن هنا أصبح حريّا أن تقام عليها الدلائل و تنصب البراهين، فكان ذلك حقّا

____________

(1) الفرق بين الفرق: 323، 349.

(2) المقالات و الفرق: 139، تجريد الاعتقاد: 221. و معنى اللطف: هو ما يقرّب المكلّف إلى الطاعة و يبعّده عن المعصية.

(3) الملل و النحل 1: 33- 34.

17

على قدر يوازي قدرها، فأقيمت البراهين و أنشئت الدلائل، و من هذه الدلائل ما جاء مشتركا بين الفريقين، و منها ما تميّز به كلّ منهما عن الآخر بحسب ما بينهما من اختلاف.

و لكن حتّى هذا القدر المشترك الذي قال به الجميع لا تجده ينطبق على الخلفاء الذين قال الفريق الأوّل بإمامتهم، فلا يخفى أنّ الكثير من أولئك الخلفاء قد توصّل إلى الخلافة بقوّة السيف رغم مخالفة أغلب أبناء هذه الأمّة، فلا هو أتى باتفاق الأمة و اختيارها و لا باتّفاق أصحاب الحلّ و العقد، و لا بتعيين مباشر بنصّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كما أنّ منهم من كان مجاهرا بالفسوق، منتهكا لحدود اللّه، ميّالا إلى المعاصي، محاربا لأولياء اللّه، و هذه صفات لا ينكرها أحد في خلفاء بني أميّة و بني العبّاس، و قليل منها متى وجد في أحدهم فهو كاف لسلب الأهلية عنه، و بطلان خلافته، و هذا قدر لا يختلف عليه المسلمون، إلّا من قال بصحة إمامة الفاجر للمؤمن، و هذا قول غريب لا يستقيم مع معنى الإسلام و أهدافه، و لا مع الغرض من بعثة الأنبياء و تبليغهم رسالات ربّهم (تعالى).

من هنا إذن حقّ لنا أن نقتصر على ذكر ما يعتدّ به من دلائل الإمامة و ما يلائم أهداف الشريعة و طبيعتها و بعثة الأنبياء و أهدافها، تاركين الشاذّ الغريب لضعفه- أوّلا- و بغية الاختصار- ثانيا- لأنّ الذي بين أيدينا هو مقدّمة كتاب و ليس كتاب.

دلائل الإمامة:

بعد ما ثبت أنّ الإمامة هي رئاسة عامّة في امور الدين و الدنيا، و انّها امتداد للوجود النبويّ المقدّس و حفظ لعهده و حماية لأمانته و قيام برسالته، يمكننا أن نقول إنّ كلّ ما صحّ أن يكون دليلا على النبوة صحّ أن يكون دليلا على الإمامة، فبه تعرف، و به يقوم الشاهد عليها، فدلائل النبوّة هي نفسها دلائل الإمامة ما خلا نزول الوحي الذي هو من شأن الأنبياء وحدهم، و لا وحي بعد خاتم الأنبياء، بالإجماع.

و لكن عند ما يختفي هذا الدليل هنا يحلّ محلّه دليل آخر، هو من الوحي أيضا، و لكنّه وحي إلى النبيّ يحمل إليه أهم دلائل الإمامة و أوّل شروطها، و بهذا تكون دلائل‏

18

الإمامة كما يلي:

1- النصّ:

إنّ الإمامة منصب إلهي مقدّس لا يتحقّق لأحد إلّا بنصّ من اللّه (تعالى)، أو من نبيّه المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏.

و ما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي بعث رحمة للعالمين، و ليرفع من بين الناس أسباب الخلاف و الفرقة، و يزرع بينهم كلّ ما من شأنه أن يؤلّف بينهم، و ينظم أمرهم، و يحفظ فيهم العدل و الإنصاف، فلا يمكن أن يفارق أمّته و يتركها هملا، تتحكّم فيها الآراء و الاجتهادات المتباينة، فيعود أمرها فوضى، و كأنّ نبيّا لم يبعث فيها أو كأنّ اللّه (تعالى) لم يرسل إليهم شريعة واحدة تجمعهم و تنظم أمرهم.

بل إنّ النبيّ، الرحمة المهداة، هو أرحم بأمّته من أن يتركها هكذا، و هو أحرص على رسالته من أن يدعها تحت رحمة آراء شتّى و اجتهادات متضاربة، بل قد يعدّ أمر كهذا إخلال بالأمانة التي كلّف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأدائها، و تقصير بحقّ الرسالة التي بعث لتبليغها، و كلّ هذا بعيد عن ساحة النبوّة كلّ بعد، فأيّ مسلم لا يؤمن بأنّ نبينا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أدّى أمانة ربّه أحسن الأداء، و بلّغ رسالته أتمّ تبليغ؟

و أيّ معنى سيبقى لأداء الأمانة ما لم يستأمن عليها رجلا كفؤا يتولّى حمايتها و إقامة حدودها و تنفيذ أحكامها؟!

و لقد أتمّ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أداء لأمانته، فنصّ على وصيّه و خليفته من بعده، و سمّاه باسمه في غير موضع و مناسبة، و من ذلك:

أ- الحديث المتواتر في خطبة الغدير الشهيرة، حيث أوقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مائة ألف من المسلمين حجّوا معه حجّة الوداع و عادوا معه، فلمّا بلغوا غدير خمّ حيث مفترق طرقهم إلى مواطنهم، نادى مناديه أن يردّ المتقدّم، و ينتظر المتأخّر حتى يلحق، ثمّ قام فيهم خطيبا و هو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

فقال: «أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى. قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» (1).

____________

(1) سنن الترمذي 5: 633/ 3713، سنن ابن ماجة 1: 43/ 116 و 45/ 121، مسند أحمد 1: 84، 119، 152،-

19

ب- قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ (عليه السلام) في الحديث المتّفق عليه: «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» (1).

و تكرّر منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التصريح باسم عليّ (عليه السلام) لخلافته، و أنّه أولى الناس بالنبيّ و بالدين و الدولة من بعده، بما فيه الكفاية لمن أراد الاستدلال‏ (2).

و قبل الحديث النبويّ الشريف كانت آيات الكتاب المجيد التي تفيد هذا المعنى بشكل واضح لا غبار عليه، و أوّلها: قوله (تعالى): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (3) و نزولها في عليّ أمر أجمع عليه أهل التفسير (4).

ثمّ جاءت النصوص النبويّة الشريفة المتّفق على صحّتها بحصر عدد الأئمّة بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باثني عشر إماما، حدّا فاصلا و بيانا هاديا لا يترك منفذا لاختلاف الآراء و تدخّل الاجتهادات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخلفاء بعدي اثنا عشر، كلّهم من قريش» (5).

إذن فقد اجتمعت الأمّة على وجوب الإمامة، ثمّ اجتمعت على أنّ الخلفاء بعد

____________

- 331 و 4: 281، 368، 370، 372 و 5: 347، 366، الخصائص للنسائي: ح 78- 83، المستدرك على الصحيحين 3: 110، 134، 371، مصابيح السنّة 4: 172/ 4767، السيرة الحلبيّة 3: 274، تاريخ اليعقوبي 2: 112، تذكرة الحفاظ 1: 10، البداية و النهاية 5: 183- 188 و 7: 359، اسد الغابة 4: 28، الاستيعاب- بهامش الإصابة- 3: 36.

(1) صحيح البخاري 5: 90/ 202، صحيح مسلم 4: 1870/ 30- 32، سنن الترمذي 5: 638/ 3724، سنن ابن ماجة 1: 43/ 115، مسند أحمد 1: 173، 175، 182، 184، 331 و 3: 338، تذكرة الحفّاظ 1: 10.

(2) لتتبع المزيد من النصوص راجع: نهج الحقّ للعلّامة الحلّي، و الغدير للأميني، و الخصائص للنسائي، و سائر كتب مناقبه (عليه السلام) و هي كثيرة.

(3) المائدة 5: 55.

(4) انظر: أسباب النزول: 113، تفسير الطبري 6: 186، تفسير الرازي 12: 26، جامع الأصول 9:

478/ 6503، البداية و النهاية 7: 371. و غيرها.

(5) صحيح البخاري 9: 147/ 79- كتاب الاحكام، باب الاستخلاف، صحيح مسلم 3: 1452/ 5- 10، إعلام الورى: 381- 386.

20

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اثني عشر خليفة كلّهم من قريش، ثمّ اتّفقوا على تسمية عليّ (عليه السلام) في نصوص عديدة، و إنّ تأوّلها بعضهم على خلاف ظاهرها، ثمّ اتّفقوا أخيرا على النصّ النبويّ الصريح الذي ختم على الأمر كلّه، و زاده ظهورا و تحديدا لم يدع فيه مجالا للشكّ و التردّد، ألا و هو حديث الثقلين الذي نصّه: «ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، و أنا تارك فيكم الثقلين- ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي- أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». و زاد في رواية مسلم و غيره: «أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي» (1).

أمّا الصحاح الواردة من طرق الإماميّة في ذكر الأئمّة الاثني عشر بعدّتهم و أسمائهم فهي كثيرة (2).

2- الاستقامة و سلامة النشأة:

إنّ ضرورة الاستقامة و الطّهر و سلامة النشأة في الإمام هي تماما كضرورتها في النبيّ بلا فارق، فالإمام هو القائم مقام النبيّ، الشاغل لفراغه، المؤتمن على رسالته، و المؤدّي لدوره في حماية الشريعة و إقامة حدودها، فلا بدّ أن يكون له من النزاهة و الطّهر ما كان للنبيّ ليكون مؤهّلا لخلافته.

و لا خلاف في أنّ ذلك كان لعليّ (عليه السلام) دون سائر الصحابة، فهو الناشئ في حجر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، الملازم له ملازمة الظلّ لصاحبه، فلا هو فارق النبيّ، و لا خلاله فارقت خلاله. و تلك منزلة لم يشاركه فيها أحد حتّى ولد الحسنان (عليهما السلام) فكان حظّهما حظّ أبيهما، حتّى خصّهم اللّه (تعالى) بآية التطهير، فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ‏

____________

(1) صحيح مسلم 4: 1873/ 36، 37- (2408)، سنن الترمذي 5: 662/ 3786، 3788، مسند أحمد 3: 14، 17 و 4: 367 و 5: 182، 189، المستدرك على الصحيحين 3: 148، مصابيح السنّة 4: 190/ 4816، تفسير الرازي 8: 163، تفسير ابن كثير 4: 122، السيرة الحلبية 3: 274، تاريخ اليعقوبي 2: 111.

(2) انظر إعلام الورى: الركن الرابع- الفصل الثاني: 386- 392، و كتاب كفاية الأثر لأبي القاسم الخزّاز القمّي، و مقتضب الأثر لابن عياش، و غيرها كثير.

21

لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1). و اتّفق المسلمون على أنّه مع نزول هذه الآية الكريمة دعا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين، و جلّل عليهم بكساء، ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهلي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» (2).

و مثل هذا يقال مع أولادهم الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، فلا أحد يشكّ في أنّهم الأطهر مولدا، و الأصح نشأة، و الأقوم خلقا، تفرّدوا بالمنزلة الأعلى، و المقام الأسنى، فلا يدانيهم فيه سواهم، و لا زعم أحد منازعتهم عليه، و الشهادة لهم بذلك قائمة مرّ العصور حتّى على ألسنة خصومهم، فهم إذن المؤهّلون للإمامة دون سواهم.

قال الإمام عليّ (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من هذه الأمّة أحد، و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، و عماد اليقين، إليهم يفي‏ء الغالي، و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حقّ الولاية، و فيهم الوصيّة و الوراثة» (3).

و قال (عليه السلام): «إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، و لا تصلح الولاة من غيرهم» (4).

3- السبق في العلم و الحكمة:

هذه أيضا ضرورة لازمة في الإمام لأجل أن يكون أهلا لهذه المنزلة، و كفؤا لهذه المسئوليّة، و قطبا تلتفّ حوله الناس و تطمئنّ إلى سبقه في العلم و الحكمة و المعرفة، و قدرته الفائقة في مواجهة ما تبتلى به الأمّة و الدولة، فلا يحتاج إلى غيره ممّن هم محتاجون إلى إمام يهديهم و يثبّتهم.

و هذه خصلة أشدّ ما تكون ظهورا في عليّ و أولاده المعصومين (عليهم السلام)، فكما كان هو (عليه السلام) مرجعا لأهل زمانه من خلفاء و غيرهم، يرجعون إليه في كلّ معضلة،

____________

(1) سورة الأحزاب 33: 33.

(2) صحيح مسلم 4: 1883/ 61- (2424)، سنن الترمذي 5: 351/ 3205 و 663/ 3787، مسند أحمد 1: 330 و 6: 292، أسباب النزول: 200- 201، تفسير ابن كثير 3: 493، الصواعق المحرقة: 143.

(3) نهج البلاغة- صبحي الصالح خ 2 ص 47.

(4) المصدر: خ 144 ص 201.

22

و يلجئون إليه في كلّ مأزق، و أمرهم في ذلك مشتهر، و قد تكرّر قول عمر بن الخطّاب:

لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن. و قوله: لو لا عليّ لهلك عمر (1). و لم يكن فضله على عمر بأكثر منه على الآخرين، و ليس عمر بأوّل من أقرّ له بفضله، فقد أقرّ له الجميع في غير موضع و مناسبة (2)، و أجمل كلّ ذلك قول ابن عبّاس: «و اللّه لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و ايم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر» (3).

ذلك واحد الناس، فلم تعرف الناس أحدا غيره قال: «سلوني، فو اللّه لا تسألوني عن شي‏ء إلّا أخبرتكم» (4).

و هكذا كان شأن الأئمّة من ولده (عليهم السلام) أعلم أهل زمانهم و أرجحهم كفّة بلا خلاف، فقد علموا بدقائق ما كان عند الناس، و زادوا عليهم بخصائص علمهم الموروث من جدّهم المصطفى و أبيهم المرتضى. و قد شاع قول أبي حنيفة في الإمام الصادق (عليه السلام): لم أر أفقه من جعفر بن محمّد الصادق، و إنّه لأعلم الناس باختلاف الناس‏ (5).

و لم يكن الإمام الصادق بأعلم من أبيه (عليهما السلام) بل علمه علم أبيه، و علم الأئمّة من بنيه علمه.

قال أبو حنيفة: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد اللّه الصادق فسلّمت عليه، و خرجت من عنده فرأيت ابنه موسى في دهليز و هو صغير السنّ، فقلت له: أين يحدث الغريب إذا كان عندكم و أراد ذلك؟ فنظر إليّ ثمّ قال: يتجنّب شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية الدور و الطرق النافذة، و المساجد، و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها و يرفع و يضع بعد ذلك حيث شاء.

قال: فلمّا سمعت هذا القول منه نبل في عيني، و عظم في قلبي، فقلت له: جعلت‏

____________

(1) الاستيعاب- بهامش الإصابة- 3: 39، الإصابة 2: 509، أسد الغابة 4: 23.

(2) انظر الاستيعاب 3: 38- 47.

(3) الاستيعاب 3: 40، أسد الغابة 4: 22.

(4) الاستيعاب 3: 43، الإصابة 2: 509.

(5) تهذيب الكمال 5: 79، سير أعلام النبلاء 6: 257- 258.

23

فداك، ممّن المعصية؟ فنظر إليّ ثمّ قال: اجلس حتّى أخبرك. فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربّه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من اللّه (تعالى) فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده و يأخذه بما لم يفعله.

و إن كانت منهما فهو شريكه، و القويّ أولى بإنصاف عبده الضعيف.

و إن كانت من العبد فعليه وقع الأمر، و إليه توجّه النهي، و له حقّ الثواب و العقاب، و وجبت الجنّة و النار.

قال أبو حنيفة: فلمّا سمعت ذلك قلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1). و قد نظم كلامه (عليه السلام) هذا شعرا، فقيل:

لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ لها* * * إحدى ثلاث خلال حين نأتيها

إمّا تفرّد بارينا بصنعتها* * * فيسقط اللوم عنّا حين ننشيها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه‏* * * ما سوف يلحقنا من لائم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها* * * ذنب، فما الذنب إلّا ذنب جانيها

سيعلمون إذا الميزان شال بهم‏* * * أهم جنوها، أم الرحمن جانيها؟ (2)

و هكذا كانوا (عليهم السلام)، لم يعرف عن أحدهم أنّه تلكّأ يوما في مسألة، أو أفحمه أحد في حجّة، بل كان سبقهم نوعا من الإعجاز، و أظهر ما يكون ذلك مع الإمام محمّد الجواد الذي أوتي العلم و الحكمة صبيّا، و سبق علماء عصره و متكلّميهم و شهدوا له بالفضل و التقدّم و العلوّ و تأدّبوا في مجلسه و لم يبلغ التاسعة من العمر.

قال الشيخ المفيد: عن المعلّى بن محمد، قال: خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه، فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا، فقعد، ثمّ قال: يا معلّى، إنّ اللّه (تعالى) احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة، فقال: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (3).

____________

(1) أمالي المرتضى 1: 151- 152، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 4: 314، بحار الأنوار 48: 106، و الآية من سورة آل عمران 3: 34.

(2) أمالي المرتضى 1: 152.

(3) الإرشاد: 325، إعلام الورى: 349- 350، و الآية من سورة مريم 19: 12.

24

4- أحاديثهم و آثارهم:

إن الاستدلال على الإمام من حديثه و آثاره استدلال صحيح، فسلوك المدّعي و حديثه خير شاهد على حقيقة دعواه و جوهرها، و هو شاهد أيضا على صدق دعواه عند ما ترافقه القرائن و الدلائل الأخرى، و إلّا فلا تعدّ وحدها دليلا كافيا على إمامته.

و من أراد معرفة ذلك عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) فإنّه يجده ظاهرا ظهور النهار في أحاديثهم الشريفة، معدن الهداية، و سبل النجاة، دعاة إلى الحق هداة إليه بالقول و العمل.

فما على الباحث إلّا أن يتوخّى ما صحّ عنهم من الحديث و الأثر ليجد ذلك بيّنا بلا عناء. و لا بدّ من الإشارة هنا إلى مسألة هي في غاية الأهميّة، فقد قلنا إنّ على الباحث أن يتوخّى ما صحّ عنهم (عليهم السلام)، و نؤكّد هذا الكلام و نقول: إنّ عليه أن يحذر ما اختلط بحديثهم من أباطيل الوضّاعين، فقد كثرت الكذّابة عليهم كما كثرت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد فصّل الإمام الرضا (عليه السلام) القول في ذلك أجمل تفصيل و أدقّه، و هو يقول: «إنّ مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا و جعلوها على أقسام ثلاثة: أحدها: الغلوّ، و ثانيها: التقصير في أمرنا، و ثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا. فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا و نسبوهم إلى القول بربوبيّتنا. و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، و قد قال اللّه (عزّ و جلّ): لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‏ (1).

5- نصّ الإمام السابق:

تقدّم أنّ نصّ النبيّ كان خير شاهد على نبوّة النبيّ اللاحق له، و مثل هذا يقال مع الإمام، بل هو واضح مع الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، ملازم لهم جميعا، فقد ثبت النصّ من كلّ إمام إلى الإمام اللاحق بالطرق الصحيحة و الكثيرة التي كانت سببا في اطمئنان أتباعهم و أشياعهم‏ (2).

و هنا ينبغي التنبيه إلى أنّ هذه النصوص لا بدّ أن تكون منسجمة مع نصوص‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 304/ 63، و الآية من سورة الانعام 6: 108.

(2) راجع في ذلك تراجم الأئمّة (عليهم السلام) في: الإرشاد، و إعلام الورى.

25

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في موضوع الإمامة، من قبيل: حديث الثقلين- «كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي»-، و حديث: «الخلفاء بعدي اثنا عشر، كلّهم من قريش». فما جاء مخالفا لهذا فهو مردود لمخالفته نصّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و من هنا صحّت النصوص عنهم (عليهم السلام)، و بطلت عن غيرهم، فلا اعتبار لما عرف بولاية العهد التي يعهد بها الخليفة إلى ابنه أو أخيه كما هو شأن الخلفاء الأمويّين و العباسيين لمخالفتها لنصوص النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المتقدّمة و غيرها، أضف إلى ذلك أنّ أحدا منهم لم يصل إلى الخلافة بالطريق المشروع الذي يقرّه الإسلام ليكون من حقّه أن يوصي لمن بعده، فولاية العهد تلك إنّما هي من قبيل تبادل الشي‏ء المغصوب، فلا أثر لهذا التبادل يرجى منه رفع الغصبية، بل على العكس، فهو تكريس لها و إصرار عليها.

هذه هي أهم الفوارق بين عهود الأئمّة (عليهم السلام) و عهود الملوك، بغض النظر عن كون الأئمّة (عليهم السلام) إنّما يعهدون بعهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا من عند أنفسهم.

6- النسب الرفيع:

إنّ الإمامة- مقام النبوّة- لا يصلح لها إلّا ذو نسب و شرف رفيع كالنبيّ بلا فارق. و هذه مزيّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) دون سواهم، بلا خلاف و لا نزاع، بل لا يدانيهم فيه حتّى بني عمومتهم.

روى الخطيب في تاريخه: أنّ هارون الرشيد حجّ مرّة و معه الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فأتى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حوله قريش و شيوخ القبائل، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه يا ابن عمّي. افتخارا على من حوله، فدنا موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه يا أبت. فتغيّر وجه هارون، و قال: هذا الفخر- يا أبا الحسن- حقّا (1).

7- المعجزة:

لقد أخّرنا هذه النقطة- التي كانت ثاني دلائل النبوّة- إلى هذا المحلّ لاتّصالها بموضوع هذا الكتاب. فالمعجزة التي كانت تظهر على أيدي الأنبياء تصديقا لهم، هي ضروريّة أيضا لتصديق دعوى الإمام. كيف لا و قد أظهر اللّه‏

____________

(1) تاريخ بغداد 13: 31.

26

المعجزات لمن هو أدنى من الإمام تصديقا لدعواه المرضيّة عند اللّه؟ و مثال ذلك ما ظهر لمريم العذراء (عليها السلام) تبرئة لساحتها، و ما كان لأصحاب الكهف، و كلّ ذلك في القرآن مسطور.

و خلاصة القول في المعجزات يمكن إيجازه بما يلي:

أ- إذا كان يصعب التصديق بالمعجزات، أو بعضها فلأنّ أصل المعجزة هو كونها خارقة للعادة مخالفة للمألوف، و إنّما يشترط في قبولها شهرتها أو صحّة إسنادها، فمتى ثبتت نسبتها إليهم (عليهم السلام) بالطرق المعتبرة و الموثّقة فليس هناك ما يمنع قبولها، و لم يبق مبرّر للشكّ فيها بعد أن عرفنا عظيم منزلتهم، و صحّة نسبة الخبر إليهم.

كيف و نحن نرى و نصدّق الكثير من خوارق العادات التي تظهر لعباد صالحين هم أدنى بكثير من مراتب الإمامة؟!

ب- إنّ الإيمان بإمامة الأئمة لا يصحّ أن ينحصر في النظر إلى معجزاتهم و كراماتهم، كما لا يصح إثبات نبوّة موسى (عليه السلام) بقلب العصا ثعبانا، أو نبوّة عيسى (عليه السلام) بخلق الطير من الطين، ما لم تجتمع القرائن الأخرى التي تجعل ظهور المعجزة زيادة في ظهور صدقه ليس إلّا. و إلّا فإنّ خوارق العادات قد تجري على أيدي الكثيرين من طرق و فنون و حيل كثيرة، و لكن ما أن تعرض أصحابها على تلك الشرائط و القرائن و الدلائل المتقدّمة حتّى تجد حظوظهم منها حظوظ الفقراء إن لم يكونوا عراة منها على الإطلاق.

ج- ليس المطلوب منّا عند الإيمان بمعجزاتهم أن نجعلها كلّ شي‏ء في اعتقادنا و سلوكنا و ثقافتنا، إنّما المطلوب هو الإيمان بهم و بحقيقة إمامتهم لأجل اتّباعهم و الاقتداء بهم و الاهتداء بهديهم، و لم تأت المعاجز التي أتحفهم بها اللّه (تعالى) إلّا خدمة لذلك الغرض، فهي ليست غاية في ذاتها، و إنّما هي شاهد واحد فقط يقوّي الدوافع إلى اتّباعهم في نفوس الناس.

د- إنّ الغرض من المعجزة هو أن تتمّ بها الحجّة، و يتوقّف عليها التصديق، و أمّا ما خرج عن هذا فلا يجب على اللّه إظهاره، و لا تجب على النبي أو الإمام الإجابة إليه و لو كان على سبيل التحدّي.

27

ه- إنّ إقامة المعجزة ليست أمرا اختياريّا للنبيّ أو الإمام، و إنّما ذلك بيد اللّه يظهره متى شاء و اقتضت حكمته‏ (1).

فهذه كلّها مبادئ أوّليّة ينبغي إدراكها قبل الدخول في قراءة كتاب غرضه جمع المعجزات و إحصائها، ككتابنا هذا (دلائل الإمامة).

و أخيرا، فالذي ينبغي الإشارة إليه هو أنّ محتوى هذا الكتاب إنّما يشكّل عنصرا واحدا من عناصر موضوع دلائل الإمامة، و يدور حول ركن واحد من أركانها، و أمّا الموضوع بشموله فيبقى متّسعا لمزيد من الدرس و البحث، آملين أن يتصدّى له من هو أهل له من علمائنا و أساتذتنا المخلصين، بحثا و درسا و تفصيلا، حفظا لهذا الدين الحنيف، و خدمة للمسلمين الأعزّاء، و وفاء لعهد الحبيب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أداء لحقّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام). و اللّه وليّ التوفيق.

____________

(1) لمزيد من التفصيل راجع البيان في تفسير القرآن: 80- 119.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

ترجمة المؤلف‏

اسمه و كنيته‏

هو أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي‏ (1) الصغير (2).

المشتركون معه في التسمية:

1- أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري العامّي، صاحب التاريخ و التفسير، و المتوفّى سنة (310 ه).

2- أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، و الذي كان معاصرا لمحمّد بن جرير الطبري العامّي، و قد ترجم له الشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460 ه) في (الفهرست) (3) و الشيخ النجاشي صاحب الرجال المتوفّى سنة (450 ه)، و روى عنه الأخير كتبه بواسطتين‏ (4)، و روى النجاشي أيضا عن ثقة الإسلام‏

____________

(1) هكذا نسب في المصادر التي نقلت عن مصنّفاته، إلّا أنّ السيد ابن طاوس في كشف المحجّة: 35، و الأمان: 66، و فرج المهموم: 102، نسبه هكذا: أبو جعفر محمد بن رستم بن جرير الطبري الإمامي، و لعلّه نسبه للجدّ مباشرة، أو إنّه من وهم النسّاخ، بدليل نقل السيد ابن طاوس عنه بعنوان محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي في الموارد التي ستأتي في وصف الكتاب كافّة، و كذا وصف من قبل المتأخرين الذين نقلوا عنه كالعلّامة المجلسي في (بحار الأنوار) و السيّد البحراني في (مدينة المعاجز) و الحرّ العاملي في (إثبات الهداة) و غيرهم.

(2) وصف الشيخ الطوسي سمّي صاحب الدلائل المعاصر للشيخ الكليني ب (الكبير) و لعلّ ذلك الوصف كان دليلا على تمييزه عن صاحب الدلائل الذي يشترك معه في التسمية و التكنية و المعاصر للشيخ الطوسي كما سيأتي.

(3) الفهرست: 158/ 697.

(4) رجال النجاشي 376/ 1024.

30

الكليني بواسطتين‏ (1)، و لهذا يمكن القول إنّ محمد بن جرير الطبري الكبير كان معاصرا للشيخ الكليني المتوفّى سنة (329 ه)، و له من المصنّفات (المسترشد في الإمامة) (2) و (الإيضاح) (3) و (الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام)) (4) و غيرها.

3- محمّد بن جرير، من رواة الحديث، متقدّم الطبقة، إذ يروي عنه محمّد بن جرير الطبري الكبير بثلاث وسائط، و هو يروي عن ثقيف البكّاء عن الإمام الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، كما في الحديث (8) من دلائل الإمام الحسن بن عليّ المجتبى (عليهما السلام).

عصره و طبقته‏

لم نعثر في المصادر المتوفّرة لدينا على تاريخ دقيق لولادته و وفاته، و لكن من مجموع القرائن المتوفّرة في هذا الكتاب يمكن تحديد عصره و طبقته.

أمّا من حيث عصره فيمكن القول إنّه كان من أعلام النصف الثاني من القرن الرابع و أوائل القرن الخامس، يدلّ على ذلك تاريخ وفيات شيوخه كما سيأتي، و جملة نصوص نقلناها من الكتاب كما يلي:

1- في دلائل الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الحديث (24) قال: «و أخبرني أخي (رضي اللّه عنه)، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن علي المعروف بابن البغدادي و مولده بسوراء (5)، في يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة».

____________

(1) رجال النجاشي: 377/ 1026.

(2) الذريعة 21: 9/ 3690.

(3) المصدر 2: 489/ 1924.

(4) المصدر 11: 256/ 1564.

(5) سوراء، بالمدّ: موضع يقال هو إلى جنب بغداد، و قيل هو بغداد نفسها، و سورى، بالقصر: موضع بالعراق قرب بابل.

31

2- في دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) الحديث (92) قال: «حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطلّب الشيباني سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة».

3- و في دلائله (عليه السلام) أيضا الحديث (96) قال: «و أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الثعالبي قراءة في يوم الجمعة مستهل رجب سنة سبعين و ثلاثمائة».

4- و في دلائله (عليه السلام) أيضا الحديث (128) قال: «نقلت هذا الخبر من أصل بخطّ شيخنا أبي عبد اللّه الحسين الغضائري (رحمه اللّه)». و الغضائري توفّي سنة (411 ه).

أمّا عن طبقته فقد قال الشيخ الطهراني في أعلام الشيعة في القرن الخامس:

«و يروي في الكتاب غالبا عن جماعة هم يروون عن أبي محمّد هارون بن موسى التّلّعكبري الذي توفّى سنة (385 ه) و هم: ولده أبو الحسين محمّد بن هارون، و أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي، كما أنّ الطوسي يروي عن جماعة عن التّلّعكبري، منهم: ولده الحسين بن هارون بن موسى، و كذلك النجاشي يروي عنه بواسطة ولده محمّد بن هارون، إلى أن قال: و يروي أيضا عن الصدوق المتوفّى سنة (381 ه) بواسطة تلاميذه، منهم: أبو الحسن عليّ بن هبة اللّه بن عثمان بن الرائقة الموصلي صاحب كتاب (المتمسّك بحبل آل الرسول (عليهم السلام)) كما أنّ الطوسي و النجاشي يرويان عن الصدوق بواسطة واحدة» (1).

و خرج الشيخ الطهراني من هذا إلى الاستنتاج بأن صاحب الدلائل كان معاصرا للشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460 ه) و للشيخ النجاشي المتوفّى سنة (450 ه) و هو ما يبدو من مجمل القرائن التي ذكرها، و يبدو لنا أيضا بأنّه كان مقدّما على الشيخ الطوسي و النجاشي قليلا مع معاصرته لهما، و ذلك من خلال القرائن التالية:

1- يروي الشيخ الطوسي عن أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف تلميذ محمّد

____________

(1) النابس في القرن الخامس: 155.

32

ابن جرير الطبري العامّي بواسطتين‏ (1)، و صاحب الدلائل يروي عنه بواسطة واحدة، كما في الحديث (49) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

2- يروي الشيخ الطوسي عن أبي المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب الشيباني بواسطة جماعة (2)، أمّا صاحب الدلائل فإنّ أبا المفضّل الشيباني من شيوخه الذين يروي عنهم بلا واسطة بقوله: حدّثنا و أخبرنا.

3- يروي الشيخ الطوسي عن ثقة الإسلام الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني بواسطتين‏ (3)، و كذا الشيخ النجاشي‏ (4)، أمّا صاحب الدلائل فيروي عنه في أحد طرقه إليه بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

فصاحب الدلائل كان معاصرا للشيخ الطوسي و النجاشي إلّا أنّه كان متقدّما عليهما قليلا لما ذكرناه، و دليل المعاصرة أيضا اشتراك المشايخ بين الثلاثة، فصاحب الدلائل يروي عن أبي المفضّل الشيباني، و أبي محمّد الحسن بن أحمد العلوي المحمّدي، و القاضي أبي إسحاق بن مخلد بن جعفر الباقرحي، و أبي أحمد عبد السلام ابن الحسين بن محمّد البصري، و عبّر عن الشيخ الغضائري بشيخنا في الحديث (128) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، و كلّ هؤلاء من مشايخ النجاشي، و روى أيضا عن أبي عبد اللّه الحسين بن إبراهيم بن عليّ المعروف بابن الخيّاط القمّي و هو من مشايخ الطوسي.

____________

(1) الفهرست: 150/ 640.

(2) المصدر: 140/ 600.

(3) المصدر: 135/ 591.

(4) رجال النجاشي: 377/ 1026.

33

مصنّفاته‏

1- دلائل الإمامة: و هو هذا الكتاب، يتعرّض فيه المؤلف لدلائل و معجزات و تواريخ و أحوال الأئمّة الهداة (سلام اللّه عليهم)، و فضائل و معجزات فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و نسخته غير تامّة، حيث سقط قسم من أوّله، و سنأتي إلى دليل السقط في وصف الكتاب.

و قد نقل عنه السيّد عليّ بن موسى بن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) في كتاب (اليقين) و (فرج المهموم) و (الأمان من أخطار الأسفار و الأزمان) و (اللهوف في قتلى الطفوف) و (إقبال الأعمال) و غيرها، كما نقل عنه السيّد هاشم البحراني المتوفّى سنة (1107 ه) صاحب كتاب (البرهان في تفسير القرآن) في (مدينة المعاجز) و (المحجّة في ما نزل في القائم الحجّة)، و العلّامة المجلسي المتوفّى سنة (1110 ه) في (بحار الأنوار) و غيرهم من المتأخّرين.

2- نوادر المعجزات: جمع فيه طرفا من فضائل و كرامات الأئمّة الأطهار (سلام اللّه عليهم) و فاطمة الزهراء (عليها السلام) دون أن يتطرّق إلى ذكر أحوالهم و تواريخهم (عليهم السلام) كما فعل في الدلائل، و الكتاب مطبوع بتحقيق مؤسّسة الإمام المهدي (عليه السلام).

مشايخه و أسلوب روايته‏

الروايات التي أثبتها المصنّف في هذا الكتاب يرويها بثلاثة أساليب:

الأول: ما يرويه عن مشايخه الذين تحمّل عنهم رواية الحديث إجازة أو قراءة أو سماعا، و صحّ له أن يقول: حدّثنا و أخبرنا و حدّثني و أخبرني ... و من هؤلاء المشايخ الذين ذكرهم في كتابه هذا:

1- القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الطبري المقرئ (324- 373 ه).

34

2- إبراهيم بن محمّد بن الفرج الرّخّجي.

3- القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرحي، المتوفّى سنة (410 ه).

4- أبو الحسن أحمد بن الفرج بن منصور بن محمّد بن الحجّاج الفارسي الورّاق (312- 392 ه).

5- النقيب أبو محمّد الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمّدي.

6- أبو عليّ الحسن بن الحسين بن العبّاس البرداني (346- 431 ه).

7- الحسين بن إبراهيم بن علي بن عيسى، المعروف بابن الخيّاط القمّي.

8- الحسين بن أحمد بن محمّد بن حبيب.

9- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي.

10- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه البزّاز.

11- أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن إبراهيم البغدادي الغضائري، المتوفّى سنة (411 ه).

12- أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز.

13- أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمّد البصري، المتوفّى سنة (405 ه).

14- أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن.

15- ابو الحسن عليّ بن هبة اللّه بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم بن رائقة الموصلي.

16- القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حمّاد الجريري.

17- أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عبيد اللّه الشيباني (297- 387 ه).

18- أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى بن أحمد بن موسى التّلّعكبري.

19- أخوه الذي يروي عن أحمد بن عليّ المعروف بابن البغدادي، و قد نقل‏

35

عنه في هذا الكتاب بعد وفاته حيث إنّه ترضّى عليه عند النقل عنه، كما في الحديث (24) من دلائل الإمام زين العابدين (عليه السلام).

الثاني: أن يرفع الحديث إلى رجل متقدّم عليه، و أمثلة ذلك كثيرة في هذا الكتاب، و طريقته هنا أن يسبق الرواية بقوله «روى» و يحتمل أنّه وجد الرواية في كتبهم أو وصلت الرواية إليه مسندة و أرسلها هو اختصارا، و من الرواة الذين رفع الحديث إليهم في هذا الكتاب:

1- إبراهيم بن هاشم.

2- أحمد بن إبراهيم.

3- أحمد بن محمّد.

4- أيّوب بن نوح.

5- جميل بن درّاج.

6- أبو حامد السندي.

7- الحسن بن أبي حمزة.

8- الحسن بن أحمد بن سلمة.

9- الحسن بن عليّ الوشّاء.

10- الحسين بن أبي العلاء.

11- أبو أسامة زيد الشّحّام.

12- سليمان بن خالد.

13- عبّاد بن سليمان.

14- العبّاس بن معروف.

15- عبد اللّه بن حمّاد.

16- عبد اللّه بن محمّد.

17- عليّ بن أبي حمزة.

18- أبو القاسم عليّ بن الحسن بن القاسم بن الطبّال.

19- عمّار الساباطي.

36

20- عمرو بن شمر.

21- فضالة بن أيّوب.

22- مالك الجهني.

23- محمّد بن أحمد.

24- محمّد بن الحسن.

25- محمّد بن سعيد.

26- محمّد بن عبد الجبّار.

27- محمّد بن عبد اللّه العطّار.

28- المعلّى بن محمّد البصري.

29- هارون بن خارجة.

30- الهيثم النهدي.

31- أبو الحسين يحيى بن الحسن.

32- يعقوب بن يزيد.

الثالث: أن يروي الرواية عن رجل متقدّم عليه بعنوان «قال» و ذلك عن الرجال الذين لم يلقهم، و منهم:

1- الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسن بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة (381 ه).

2- أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الصفواني.

3- أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري الكبير.

و صاحب الدلائل يروي عن الشيخ الصدوق بواسطة أبي الحسن عليّ بن هبة اللّه، كما في الحديث (14) من دلائل الإمام الباقر (عليه السلام) و الحديث (15) من دلائل الإمام الصادق (عليه السلام) و الحديث (31) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

و يروي عنه أيضا بواسطة أبي الحسين محمّد بن هارون بن موسى التّلّعكبري، كما في الحديث (59) و الحديث (66) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و يروي عنه أيضا بواسطة النقيب أبي محمد الحسن بن أحمد العلوي‏

37

المحمدي، كما في الحديث (19) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

أمّا أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الصفواني فيروي عنه بواسطة النقيب أبي محمّد الحسن بن أحمد العلوي المحمّدي كما في الأحاديث (62) و (63) و (64) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و أمّا أبو جعفر محمّد بن جعفر الطبري الكبير فيروي عنه صاحب الدلائل بواسطة أبي الحسين محمّد بن هارون بن موسى التّلّعكبري عن أبيه هارون بن موسى، كما في الحديث (74) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و رواية صاحب الدلائل عن سميه الكبير بواسطتين دليل آخر على معاصرة الكبير للشيخ الكليني، و لا يقدح في هذه المعاصرة كون صاحب الدلائل يروي عن الشيخ الكليني مرّة بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و أخرى بثلاث وسائط كما في الحديث (31) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و ذلك جائز بحسب عمر الراوي و المروي عنه، أو بحسب بعده أو قربه عنه.

عنوان الكتاب‏

من خلال استعراض المصادر التي نقلت عن هذا الكتاب يمكن الوقوف على خمسة عناوين مختلفة له، و هي:

1- الإمامة: كذا عنونه السيّد هاشم البحراني المتوفّى سنة (1107 ه) و قد أكثر النقل عنه في (مدينة المعاجز) بهذا العنوان، فقال في أوّل الكتاب عند ذكر مصادره: «كتاب الإمامة لأبي جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي» (1) و عند أوائل النقل عنه في المعجزة السابعة للإمام الحسن بن عليّ المجتبى (عليهما السلام) قال:

«أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في كتاب الإمامة و كلّ ما في هذا عنه فهو منه» (2).

____________

(1) مدينة المعاجز: 4.

(2) المصدر: 203.

38

2- دلائل الأئمّة: كذا عنونه الشيخ الطهراني و قال: «ينقل عنه كذلك في (الدمعة الساكبة) و غيره، و يأتي بعنوان (دلائل الإمامة)» (1).

3- دلائل الإمامة: كذا عبّر عنه السيّد عليّ بن موسى بن طاوس في (اليقين) (2) و (فرج المهموم) (3) و (الأمان) (4) و (اللهوف) (5) و (إقبال الأعمال) (6)، و كذلك عنونه العلّامة المجلسي في (بحار الأنوار) (7) و الشيخ الطهراني في (الذريعة) (8).

4- مسند فاطمة: نقل عنه السيّد هاشم البحراني عدّة أحاديث تحت هذا العنوان في (المحجّة فيما نزل في القائم الحجّة) (9) و الأحاديث التي نقلها تتّفق سندا و متنا مع دلائل الإمامة (10).

و في (الذريعة) للشيخ الطهراني، قال: استظهر سيّدنا أبو محمّد صدر الدين أنّه كتاب الدلائل لابن جرير الإمامي‏ (11).

و يبدو أنّ السبب في هذه التسمية هو أنّ الأحاديث الستّة عشر التي يبدأ بها القسم المتبقّي من هذا الكتاب تنتهي جميعا بالإسناد إلى فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و بما أنّ أسلوب المؤلّف في هذا الكتاب هو إفراد عنوان تندرج تحته مجموعة من الأحاديث، فلعلّه أدرج هذه الأحاديث الستّة عشر تحت عنوان (مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام)) فصار كأنّه عنوان الكتاب بعد أن سقط عنوانه و القسم الأوّل منه‏

____________

(1) الذريعة 8: 239.

(2) اليقين 50/ الباب 65، 66، 67.

(3) فرج المهموم: 102 و 223- 245.

(4) الأمان: 66، 135.

(5) اللهوف: 26.

(6) إقبال الأعمال: 6.

(7) بحار الأنوار 1: 20.

(8) الذريعة 8: 241/ 1018.

(9) المحجّة: 28- 48.

(10) انظر دلائل الإمام الحجّة (عجّل اللّه فرجه)- الحديث (130) و (131) و (132).

(11) الذريعة 21: 28/ 3790.

39

و الذي يشتمل على مقدّمة المصنّف و دلائل نبوّة الرسول الأكرم و إمامته (صلوات اللّه عليه و على آله) و دلائل إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قسم من أوائل دلائل فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و يبدو هذا جليّا من خلال السقط في إسناد الحديث الأوّل من هذا الكتاب، و من وجود نسخة تامّة لهذا الكتاب عند السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) كما يتبيّن من مصنّفاته التي نقل فيها عن (دلائل الإمامة) و سيأتي بيانه.

5- مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام): ذكر الحرّ العاملي المتوفّى سنة (1104 ه) هذا الكتاب ضمن المصادر التي اعتمدها في كتابه (إثبات الهداة) (1) و التي كانت لديه و نسبه لمحمّد بن جرير الطبري، و الحقّ أنّه كتاب الدلائل الذي بين أيدينا، يؤيّد ذلك أنّ كلّ ما نقله عن (مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام)) في إثبات الهداة يتّحد بالسند و المتن مع هذا الكتاب، و يؤيّد ذلك أيضا أنّ ما نقله السيّد هاشم البحراني في (مدينة المعاجز) الباب الأول من معاجز أمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث (106) (2) من كتاب (مناقب فاطمة (عليها السلام)) متّحد مع الحديث (51) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و نعتقد أنّ هذه التسمية لحقت الكتاب بعد ضياع نسخته التامّة، أي بعد عصر السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) و بعد بقاء النسخة الناقصة التي تحتوي على مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام).

و قد رجّحنا التسمية الثالثة (دلائل الإمامة) لتصريح السيد ابن طاوس بها، و لأنّه كان مطّلعا على نسخة الكتاب التامّة، و التي يحتمل أن يكون المصنّف قد سمّى كتابه في ديباجته.

____________

(1) إثبات الهداة 1: 58.

(2) مدينة المعاجز: 53، و انظر الذريعة 22: 332/ 7322.

40

هذا الكتاب‏

يتعرّض فيه مصنّفه لدلائل و معجزات و تواريخ الأئمّة الهداة (عليهم السلام) و فضائل و معجزات سيّدة النساء فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و الفرق بين هذا الكتاب و بين (نوادر المعجزات) لنفس المؤلّف هو أنّ الدلائل يشمل تواريخ و أحوال الأئمّة (عليهم السلام) إضافة إلى دلائلهم و كراماتهم بشكل مفصّل، أمّا (نوادر المعجزات) فقد أفرده- كما يدلّ عليه عنوانه- للنادر من معاجزهم (عليهم السلام) دون ذكر تواريخهم و أحوالهم المختلفة، و الذي ذكره المصنّف في مقدّمة (نوادر المعجزات) يوضّح ذلك بشكل جليّ، قال: «حاولت أن أؤلّف ممّا أظهروه من المعجزات، و أقاموه من الدلائل و البراهين، ممّا سمعته و قرأته، في كتاب مقصور على ذكر المعجزات و البراهين»

أمّا عن تاريخ تأليف هذا الكتاب فلم يصرّح مؤلّفه بذلك، و على العموم يمكن القول إنّه فرغ منه بعد سنة (411 ه) حيث قال في الحديث (128) من دلائل الإمام الحجّة (عجّل اللّه فرجه): «نقلت هذا الخبر من أصل بخطّ شيخنا أبي عبد اللّه الحسين الغضائري (رحمه اللّه)» و توفّي الغضائري سنة (411 ه) ممّا يدلّ على أنّ النقل عن الشيخ الغضائري بعد سنة (411 ه) و أنّ المصنّف لمّا يتمّ كتابه هذا إلّا بعد هذا التاريخ.

ذكرنا في تسمية الكتاب أنّ هذه النسخة من (دلائل الإمامة) ناقصة، و كانت النسخة التامّة منه عند السيّد عليّ بن موسى بن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) و بعد عصر السيّد ابن طاوس ضاعت تلك النسخة التامّة، كما ضاع عنّا كثير من الكتب التي كانت مصادر لمصنّفات السيّد ابن طاوس، و النسخة التي نقل عنها العلّامة المجلسي في (بحار الأنوار) و كذا السيّد البحراني في (مدينة المعاجز) و غيرهم من المتأخّرين هي عين النسخة الناقصة التي وصلتنا، و يدلّ على هذا النقص ما يلي:

1- من المشايخ الذين يروي صاحب الدلائل عنهم هو أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن كما في الحديث (25) من دلائل الإمام زين العابدين (عليه السلام) و الحديث (32) من دلائل الإمام القائم (عليه السلام)، و يروي أبو طاهر في كلا الموضعين عن أبي بكر محمّد بن عمر بن سالم القاضي الجعابي المتوفّى سنة (355 ه) بينما يبدأ القسم‏

41

الذي بين أيدينا من الدلائل بقوله:

«أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي» و الجعابي لم يكن من شيوخ صاحب الدلائل إذ لم يرو عنه في هذا الكتاب إلّا بواسطة أبي طاهر، فبقرينة السندين المذكورين في الحديث (25) و الحديث (32) يكون السند هكذا «حدثني أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي» فيظهر أنّ رواية صاحب الدلائل عن الجعابي بالواسطة في الموضعين المتقدّمين دليل على سقوط أوّل السند فيما وصل إلينا منه.

2- إنّ النسخة التامّة التي كانت عند السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) تحتوي على جملة مواضيع ليست في الكتاب الذي بين أيدينا ممّا يدلّ على سقوطها منه.

ففي (إقبال الأعمال) قال ابن طاوس: «و رأيت في المجلد الأوّل من دلائل الإمامة لمحمّد بن جرير بن رستم الطبري عند ذكره للإسراء بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما هذا لفظه: و لكن أخبركم بعلامات الساعة يشيخ الزمان و يكثر الذهب و تشحّ الأنفس و تعقم الأرحام و تقطع الأهلّة عن كثير من الناس» (1) و هذا يدلّ على أنّ الطبري قد ذكر دلائل نبوّة و إمامة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الكتاب بدلالة قول ابن طاوس: «عند ذكره للإسراء بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)».

و في الباب الخامس و الستين و السادس و الستين و السابع و الستين من كتاب (اليقين) قال ابن طاوس: «فيما نذكره من المجلّد الأوّل من كتاب الدلائل تأليف الشيخ الثقة أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري بتقديم تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) بأمير المؤمنين ...» (2).

و قال أيضا في الحديث الثالث و العشرين من (فرج المهموم): «في احتجاج من قوله حجّة في العلوم على صحّة علم النجوم، و هو ما رويناه بإسنادنا عن الشيخ‏

____________

(1) إقبال الأعمال: 6.

(2) اليقين: 50- 51.

42

السعيد محمّد بن رستم بن جرير (1) الطبري الإمامي (رضوان اللّه عليه) في الجزء الثاني‏ (2) من كتاب دلائل الإمامة ...» (3).

و ما في (اليقين) و (فرج المهموم) يدلّ على أنّ في النسخة التامّة من الكتاب قد تعرّض المؤلف لدلائل و معجزات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و هي من القسم الذي سقط من الكتاب، و قد ألحقناها في أوّل الكتاب كمستدرك له، كما سقط من الكتاب مقدّمته و طرفا من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و ممّا يزيد الاطمئنان إلى أنّ الذي أضفناه في أوّل الكتاب من نقول السيد ابن طاوس هو من عين هذا الكتاب إضافة إلى تصريحه باسم الكتاب و المؤلف، فإنّ السيّد ابن طاوس نقل في كتبه أيضا عن القسم المتبقّي منه، و جميعه يتّحد سندا و متنا مع ما موجود في الدلائل الذي بين أيدينا، و إليك أمثلة من ذلك:

أولا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عن دلائل الإمامة لأبي جعفر محمّد بن رستم‏ (4)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (20).

ثانيا: نقل في (اللهوف) ما يتعلق بدلائل سيّد الشهداء الحسين بن عليّ (عليه السلام) (5)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (3)، و كذا في (فرج المهموم) (6) نقل من دلائله (عليه السلام) ما هو موجود في هذه النسخة الحديث‏ (6).

ثالثا: نقل في (الأمان) من دلائل الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) (7)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (25)، و كذا في (فرج‏

____________

(1) سبقت الإشارة إلى مردّ هذا الاختلاف في اسم المؤلف و كنيته.

(2) مراده الكراس الثاني، لأنّ الذي أورده هنا هو من القسم الأول من الكتاب الذي لم يصلنا.

(3) فرج المهموم: 102.

(4) فرج المهموم: 223.

(5) اللهوف: 26.

(6) فرج المهموم: 227.

(7) الأمان: 135.

43

المهموم) (1) نقل من دلائله (عليه السلام) ما هو موجود في هذه النسخة الحديث (20).

رابعا: نقل في (الأمان) من دلائل الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) (2)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (26).

خامسا: نقل في (فرج المهموم) ما يتعلّق بدلائل الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) (3)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (20).

سادسا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) (4)، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (26) و الحديث (42).

سابعا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) (5)، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (11).

ثامنا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي جعفر الثاني (عليه السلام) (6)، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (7).

تاسعا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي الحسن الثالث (عليه السلام) (7)، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (15).

عاشرا: نقل في (إقبال الأعمال) تاريخ وفاة الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) (8)، و هو موجود في أوّل دلائله (عليه السلام) من هذا الكتاب.

حادي عشر: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) (9)، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (129).

____________

(1) فرج المهموم: 228.

(2) الأمان: 66.

(3) فرج المهموم: 229.

(4) فرج المهموم: 230- 231.

(5) المصدر: 231.

(6) المصدر: 232.

(7) المصدر: 233.

(8) إقبال الأعمال: 598.

(9) فرج المهموم: 245.

44

فكلّ هذا يدلّ على أنّ الذي نقله السيّد ابن طاوس من أواسط الكتاب و أواخره يتّحد مع ما موجود في (دلائل الإمامة) الذي بين أيدينا سندا و متنا، و بالنتيجة فإنّ الذي نقله عنه من أوائله قد سقط من النسخة المتداولة في عصرنا (1).

منهج التحقيق‏

أ- النسخ المعتمدة: اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسختين مخطوطتين و على مطبوعة له، و هي كما يلي:

1- النسخة المودعة في المكتبة الرضوية بمشهد المقدّسة، رقمها (7655)، مجهولة التاريخ، أوّلها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي». و آخرها: «فذكر أصحاب القائم (عليه السلام)، فقال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و كلّ واحد يرى نفسه في ثلاثمائة» و رمزنا لها ب «م».

2- النسخة المودعة في مكتبة السيّد المرعشي (رحمه اللّه) بقمّ المشرّفة، رقمها (2974)، و كتبت بتاريخ 12 ربيع الثاني سنة 1319 ه على نسخة مكتوبة في شهر صفر من سنة 1092 ه، أوّلها: «القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي». و آخرها: «تمّ المسند بعون اللّه (تعالى) و حسن توفيقه في سلخ شهر صفر المظفّر من شهور سنة 1092.

وجدت هذه النسخة الشريفة في خزانة كتب الحضرة المشرفة الغروية، و هي نسخة عتيقة جدّا بخطّ ضعيف سقيم. أحقر الكتّاب محمّد تقي البروجردي الحائري وفّق اللّه له. في مؤرّخة اثنا و عشر (2) من شهر ربيع الثاني سنة 1319» و رمزنا لها ب «ع».

3- الكتاب المطبوع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة 1369 ه، و رمزنا له ب «ط».

____________

(1) للتوسّع في الاطلاع على المصنّف و الكتاب ينظر النابس في القرن الخامس: 153- 157، نوابغ الرواة في رابعة المنات 250- 253، الذريعة 8: 241- 247، أعيان الشيعة 9: 199.

(2) كذا.

45

ب- عملنا في الكتاب: تمّ العمل بهذا الكتاب وفق المراحل و الخطوات التالية:

1- مقابلة الكتاب المطبوع من النسختين المخطوطتين و إثبات الصحيح في المتن مع الإشارة لاختلافات النسخ في الهامش، على أنّا قد أهملنا ذكر بعض الاختلافات لاعتقادنا بعدم أهميّتها.

2- تخريج الأحاديث و الآثار من المصادر التي سبقت المؤلّف أو على الأقلّ المعاصرة له، و قد حرصنا على ذلك إلّا في الموارد التي تعذّر علينا إيجادها إلّا في المصادر التي نقلت عن المصنّف (رحمه اللّه).

3- ترجمة الأعلام الواردة في الكتاب ترجمة موجزة جامعة باعتماد أهمّ المصادر المعتبرة في هذا الباب.

4- تقويم نصّ الكتاب و ذلك بتخليصه ممّا ورد فيه من أخطاء النّسخ و الطباعة و هي كثيرة جدا إذا قيست بكتاب آخر، و المتصفّح للكتاب بعد تحقيقه يلمس ذلك بوضوح، و كذلك ضبط مفرداته و شرح ألفاظه الصعبة باعتماد أهمّ المعاجم اللغوية، مضافا إلى تصحيح أسانيده و رجاله بالاعتماد على ما تقدّم و يأتي من أسانيد نفس الكتاب، و المعاجم الرجالية المعتبرة.

5- إلحاق المستدركات التي عثرنا عليها في كتب السيّد ابن طاوس في المحلّ المناسب لها من الكتاب، أي في أوّله، و قد أشرنا إلى تفصيل ذلك في وصف الكتاب من المقدّمة.

6- إلحاق فهارس لمطالب الكتاب المختلفة تسهّل على الباحث الاستفادة منه.

شكر و تقدير

يسرّ قسم الدراسات الإسلامية لمؤسسة البعثة بعد الانتهاء من تحقيق الكتاب أن ينوّه بالثناء الجميل و الشكر الجزيل للإخوة الأفاضل العاملين في هذا القسم و الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب محقّقا، و نخصّ بالذكر منهم: الأخ علي موسى الكعبي، و الأخ صائب عبد الحميد، و الأخ شاكر شبع، و الأخ عصام البدري، و الأخ‏

46

كريم راضي الواسطي، و الشيخ أحمد الأهري، و السيّد عبد الحميد الرضوي، و السيد إسماعيل الموسوي، و الأخ عبد اللّه الخزاعي.

سائلين المولى القدير أن يمنّ بالتوفيق و السّداد على العاملين في خدمة تراث أهل البيت (عليهم السلام).

قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة

47

صورة الصفحة الأولى من نسخة «م»

48

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «م»

49

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ع»

50

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ع»

51

المستدرك‏

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

في تسميته بأمير المؤمنين‏

1- (اليقين لابن طاوس): فيما نذكره من المجلّد الأوّل من كتاب (الدلائل) تأليف الشيخ الثقة أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، بتقديم تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) بأمير المؤمنين، فقال ما هذا لفظه:

و أخبرني أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ ابن محمّد بن احمد بن لؤلؤ البزّاز، قال: حدّثنا أبو سهل احمد بن عبد اللّه بن زياد، قال:

حدّثني أبو العبّاس عيسى بن إسحاق، قال: سألت إبراهيم بن هراسة، عن عمرو ابن شمر (1)، عن جابر الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام): لو علم الناس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا ولايته.

قلت: رحمك اللّه، متّى سمّي عليّ أمير المؤمنين؟

قال: كان ربّك (عزّ و جلّ) حيث أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربّكم‏ (2) و محمّد رسولي و عليّ أمير المؤمنين. (3)

____________

(1) في المصدر: عمرو بن سمرة، تصحيف صحيحه ما أثبتناه من البحار، و عمرو بن شمر من أصحاب الصادق (عليه السلام)، روى عنه و عن جابر الجعفي. انظر معجم رجال الحديث 13: 108.

(2) تضمين من سورة الأعراف 7: 172.

(3) اليقين: 50، الباب الخامس و الستون، البحار 37: 306/ 35.

54

2- و عنه أيضا: فيما نذكره من كتاب (الدلائل) من الجزء الأوّل برواية أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، بما يقتضي أنّ عليّا (عليه السلام) كان يسمّى في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين نذكره بلفظه لتعلموا أنّه رواية من رجالهم.

حدّثني القاضي أبو الفرج المعافى، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن زكريّا المحاربي، قال: حدّثنا القاسم بن هشام بن يونس النّهشلي، قال‏ (1): قال الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء (2) بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عامر (3)، في‏ (4) قول اللّه (عزّ و جلّ): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (5).

قال: اجتاز عبد اللّه بن سلّام و رهط معه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالوا: يا رسول اللّه، بيوتنا قاصية (6) و لا نجد متحدّثا دون المسجد، إنّ قومنا لمّا رأونا قد صدّقنا اللّه و رسوله و تركنا دينهم أظهروا لنا العداوة و البغضاء و أقسموا أن لا يخالطونا و لا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا.

فبينا هم يشكون إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذ نزلت هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ فلمّا قرأها عليهم قالوا: قد رضينا بما رضي اللّه و رسوله، و رضينا باللّه و رسوله و بالمؤمنين.

و أذّن بلال العصر، و خرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فدخل و الناس يصلّون ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد، و إذا مسكين يسأله‏ (7)، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): هل أعطاك‏

____________

(1) (قال) أثبتناها من البحار.

(2) في المصدر: عطارء، تصحيف، و ما أثبتناه من البحار.

(3) في البحار: ابن عباس.

(4) في المصدر: عن، و ما أثبتناه من البحار.

(5) المائدة 5: 55.

(6) أي بعيدة.

(7) في البحار: يسأل.

55

أحد شيئا؟

فقال: نعم.

قال‏ (1): ما ذا؟

قال: خاتم فضّة.

قال: من أعطاك؟

قال: ذاك الرّجل القائم.

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): على أيّ حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه و هو راكع، فنظرنا فإذا هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). (2)

3- و عنه أيضا: فيما نذكره من كتاب (الدلائل) لمحمّد بن جرير الطبري، في تسمية جبرئيل (عليه السلام) لمولانا عليّ (عليه السلام) في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين. فقال ما هذا لفظه:

حدّثنا أبو المفضّل‏ (3) محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمران بن محسن بن محمّد ابن عمران بن طاوس مولى الصادق (عليه السلام)، قال: حدّثنا يونس بن زياد الحنّاط الكفربوتي‏ (4) قال: حدّثنا الربيع بن كامل ابن عمّ الفضل بن الربيع، عن الفضل ابن الربيع: أنّ المنصور كان قبل الدولة كالمنقطع إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)، قال:

سألت جعفر بن محمّد بن عليّ (عليهم السلام) على عهد مروان الحمار عن سجدة الشكر التي سجدها أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، ما كان سببها؟

فحدّثني عن أبيه محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، عن أبيه‏

____________

(1) (قال) أثبتناها من البحار.

(2) اليقين: 51، الباب السادس و الستون، البحار 35: 186/ 6.

(3) في المصدر: أبو الفضل، و هو أبو المفضّل محمد بن عبد اللّه بن محمد الشيباني من شيوخ صاحب الدلائل، و مرّ بيانه في المقدّمة.

(4) كذا في المصدر و الظاهر أنّه تصحيف (الكفرتوثي) نسبة إلى كفرتوثا: قرية من أعمال الجزيرة، و قرية من قرى فلسطين. أنظر أنساب السمعاني 5: 82، مراصد الاطلاع 3: 1169.

56

الحسين، عن ابيه‏ (1) عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام): أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وجّهه في أمر من أموره فحسن فيه بلاؤه و عظم عناؤه، فلمّا قدم من وجهه ذلك أقبل إلى المسجد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد خرج يصلّي الصلاة، فصلّى معه، فلمّا انصرف من الصلاة أقبل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فاعتنقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ سأله عن مسيره ذلك و ما صنع فيه، فجعل عليّ (عليه السلام) يحدّثه و أسارير (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تلمع سرورا بما حدّثه.

فلمّا أتى (صلوات اللّه عليه) على حديثه. قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ لا أبشّرك يا أبا الحسن؟

قال: فداك أبي و أمّي، فكم من خير بشّرت به.

قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) هبط عليّ في وقت الزوال فقال لي: يا محمّد، هذا ابن عمّك عليّ وارد عليك، و إنّ اللّه (عزّ و جلّ) أبلى المسلمين به بلاء حسنا، و إنّه كان من صنعه كذا و كذا، فحدّثني بما أنبأتني به، فقال لي:

يا محمّد، إنّه نجا من ذريّة آدم من تولّى شيت‏ (3) بن آدم وصيّ أبيه آدم بشيت، و نجا شيت بأبيه آدم، و نجا آدم باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى سام بن نوح وصيّ أبيه نوح بسام، و نجا سام بنوح، و نجا نوح باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن وصيّ أبيه إبراهيم بإسماعيل، و نجا إسماعيل بإبراهيم، و نجا إبراهيم باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى يوشع بن نون وصيّ موسى بيوشع، و نجا يوشع بموسى، و نجا موسى باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى شمعون الصفا وصيّ عيسى بشمعون، و نجا شمعون‏

____________

(1) (الحسين عن أبيه). أثبتناه من البحار.

(2) الأسارير: محاسن الوجه، و تطلق على الخدّين و الوجنتين.

(3) في البحار: شيث، في كلّ المواضع.