دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - ج4

- أبو بكر البيهقي المزيد...
412 /
3

(1) السفر الرابع من دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة

تكملة أبواب جمّاع الغزوات‏

غزوة بني المصطلق حديث الإفك جمّاع أبواب عمرة الحديبية جماع أبواب غزوة خيبر جماع أبواب السرايا جماع أبواب عمرة القضاء.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

(1)

باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة

[ (1)] و محاصرته إيّاهم و ما ظهر في رؤية من رأى من الصحابة جبريل (عليه السلام) في صورة دحية بن خليفة الكلبي ثم في قذف الرعب في قلوب بني قريظة و إنزالهم من حصونهم من آثار النبوة أخبرنا أبو عمرو البسطامي، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيليّ، قال:

حدثنا، الفاريابيّ، و عمران بن موسى، قالا: حدّثنا عثمان (ح).

قال الإسماعيليّ: و أخبرنا، الحسن بن سفيان، قال: حدثنا، أبو بكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الخندق و وضع السلاح و اغتسل أتاه جبريل- (عليه السلام)- و قال: قد وضعت السلاح، و اللّه ما وضعناه، فاخرج إليهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فأين؟ قال: ها هنا، و أشار إلى بني قريظة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم.

____________

[ (1)] انظر في أخبار هذه الغزوة: مغازي الواقدي (2: 496)، سيرة ابن هشام (3: 187)، طبقات ابن سعد (2: 74)، انساب الأشراف (1: 167)، صحيح البخاري (5: 111)، تاريخ الطبري (2: 581)، ابن حزم (191)، البداية و النهاية (4: 116)، عيون الأثر (2: 94)، نهاية الأرب للنويري (17: 186)، السيرة الحلبية (2: 427)، و السيرة الشامية (5: 7)، و شرح المواهب (2: 126).

6

(1) رواه البخاري و مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة [ (2)].

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسن: أحمد بن محمد ابن عبدوس، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارميّ قال: حدثنا موسى بن إسماعيل: أن جرير بن حازم حدثهم، قال: حدثنا، حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا من سكة بني غنم موكب جبريل (عليه السلام)، حين سار إلى بني قريظة.

رواه البخاري في الصحيح، عن موسى بن إسماعيل [ (3)].

أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو جعفر الرزاز، قال:

أخبرنا أحمد بن ملاعب، قال حدثنا أبو غسان: مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا جويرية بن أسماء عن، نافع عن ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نادى فيهم يوم انصرف عنهم الأحزاب: ألّا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فأبطأ ناس، فتخوّفوا فوت وقت الصلاة، يعني: فصلوا، و قال: آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فما عنّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين.

أخرجاه في الصحيح [ (4)].

أخبرنا أبو عمرو الأديب. قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي قال: أخبرنا

____________

[ (2)] رواه البخاري في: 64- كتاب المغازي (30) باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب ... فتح الباري (7: 407).

و أخرجه مسلم في: 32- كتاب الجهاد و السير، (22) باب جواز إخراج من نقض العهد، الحديث (65)، ص (1389).

[ (3)] البخاري، عن موسى بن إسماعيل في: 64- كتاب المغازي، (30) باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب، الحديث (4118)، فتح الباري (7: 407).

[ (4)] أخرجه البخاري في المغازي (30) باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب، الحديث (4119)، فتح الباري (7: 407- 408)، و مسلم في: 32- كتاب الجهاد و السير، (23) باب المبادرة بالغزو، الحديث (69) ص (1391).

7

(1) أبو يعلى، قال: حدثنا عبد اللّه، يعني ابن محمد بن أسماء قال: حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد اللّه، قال: نادى، فينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم انصرف من الأحزاب: ألا يصليّن أحد الظهر إلّا في بني قريظة، قال: فتخوّف ناس فوت الوقت، فصلّوا دون قريظة، و قال: الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن فاتنا الوقت، فما عنّف واحدا من الفريقين.

قال الإسماعيلي: كذا في كتابي «الظهر» قلت: رواه مسلم في الصحيح عن عبد اللّه بن محمد بن أسماء، هكذا رواه البخاري عنه [ (5)].

و قال: العصر بدل الظهر، و كذلك قال أهل المغازي: موسى بن عقبة، و محمد بن إسحاق بن يسار، و غيرهما.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، و أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا:

حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا، محمد بن خالد بن خلّيّ، قال: حدثنا بشر بن شعيب، عن أبيه، قال: حدثنا الزهري، قال:

أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه [ (6)] بن كعب بن مالك، أنّ عمّه: عبد [ (7)] اللّه بن كعب أخبره أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة و اغتسل، و استجمر [ (8)] فتبدّى له جبريل- (عليه السلام)- فقال: عذيرك [ (9)] من محارب ألا أراك قد وضعت اللّامة [ (10)] و ما وضعناها بعد، قال: فوثب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فزعا، فعزم على الناس ألّا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا بني قريظة.

____________

[ (5)] انظر الحاشية السابقة.

[ (6)] (ص): «عبيد»، و هو تصحيف.

[ (7)] (أ): «عبد» و هو تصحيف.

[ (8)] (استجمر): «تبخر».

[ (9)] (عذيرك) أي: هات من يعذرك. فعيل بمعنى فاعل.

[ (10)] (اللأمة) «الدرع»، و قيل: السلاح، و لأمة الحرب: آلته.

8

(1) قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس. فقال بعضهم: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عزم علينا أن لا نصلّي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فليس علينا إثم، و صلّى طائفة من الناس احتسابا، و تركت [ (11)] طائفة منهم الصلاة، حتى غربت الشمس، فصلّوها حين جاءوا بني قريظة، احتسابا فلم يعنّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين [ (12)].

و حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه إملاء قال: أخبرنا أحمد بن كامل أبو بكر القاضي قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري، قال: حدثنا محمد بن إسحاق: أبو عبد اللّه المسيّيّ، قال: حدثنا عبد اللّه بن نافع، قال:

حدثنا عبد اللّه بن عمر، عن أخيه: عبيد اللّه بن عمر، عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان عندها فسلّم علينا رجل و نحن في البيت، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فزعا، فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي. فقال: هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، فقال: قد وضعتم السلاح، لكنّا لم نضع طلبنا المشركين، حتى بلغنا حمراء الأسد، و ذلك حين رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الخندق، فقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فزعا فقال لأصحابه: عزمت عليكم ألّا تصلوا صلاة العصر، حتى تأتوا بني قريظة. فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلوا. و قالت طائفة: و اللّه إنّا

____________

[ (11)] في (ص): «و ترك».

[ (12)] بهذا الإسناد عن عبيد اللّه بن كعب بن مالك نقله ابن كثير عن البيهقي في التاريخ (4: 117)، و قد أخرجه الإمام أحمد و الشيخان مختصرا، و الحاكم مطوّلا عن عائشة، و من طريق جابر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، و الطبري عن عبد اللّه بن أبي اوفى.

9

(1) لفي عزيمة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما علينا من إثم، فصلّت طائفة إيمانا و احتسابا، و تركت طائفة أيمانا و احتسابا، و لم يعب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين [ (13)].

و خرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمرّ بمجالس بينه و بين بني قريظة، فقال: هل مرّ بكم من أحد؟ قالوا: مرّ علينا دحية الكلبي [ (14)] على بغلة شهباء، تحته قطيفة [ (15)] ديباج [ (16)]، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ليس ذلك بدحية، و لكنه جبريل (عليه السلام) أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، و يقذف في قلوبهم الرعب، فحاصرهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و امر أصحابه أن يستروا بالجحف، حتى يسمعهم كلامه، فناداهم يا إخوة القردة و الخنازير،

____________

[ (13)] نقله ابن كثير عن المصنف في «البداية و النهاية» (4: 117- 118)، و عقب عليه بقوله:

و قد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور و معذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا، قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: و علم اللّه أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بني قريظة و لو بعد أيام.

و هذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الأخذ بالظاهر. و قالت طائفة اخرى من العلماء:

بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم و هم في مسيرهم هم المصيبون لأنهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بني قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، و لهذا لم يعنفهم و لم يأمرهم باعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، و أما أولئك الذين أخرّوا فعذروا بحسب ما فهموا، و أكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء و قد فعلوه. و أما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البحتري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخرّ و لا على من قدم ايضا و اللّه اعلم.

[ (14)] هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة من الخزرج صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي أتاه جبريل على صورته.

[ (15)] (القطيفة) كساء له خمل.

[ (16)] (الديباج) فارسي معرب.

10

(1) قالوا: يا أبا القاسم لم تك فحاشا. فحاصرهم، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، و كانوا حلفاءه فحكم فيهم، أن يقتل مقاتلتهم، و تسبى ذراريهم و نساؤهم [ (17)].

أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو الحسن: عليّ بن محمد المقرئ [ (18)] قال حدثنا مقدام بن داود، قال: حدثنا عمّي سعيد بن عيسى.

قال: حدثنا عبد الرحمن بن أشرس الأنصاري، قال: أخبرني عبد اللّه بن عمر، عن أخيه عبيد اللّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سمع صوت وثبة شديدة، فخرج إليه فاتبعته، أنظر، فإذا هو متّكئ على عرف برزونه، و إذا هو دحية الكلبيّ- فيما كنت أرى- و إذا هو معتمّ، مرخ من عمامته بين كتفيه، فلما دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قلت: لقد وثبت وثبة شديدة، ثم خرجت، فذهبت أنظر فإذا هو دحية الكلبيّ، قال: أو رأيته؟

قلت: نعم. قال: ذاك جبريل، أمرني أن أخرج إلى بني قريظة.

قال عبد اللّه بن عمر: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، مثله.

و رواه خالد بن مخلد، عن عبد اللّه بن عمر، عن أخيه يحيى بن سعيد [ (19)]، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.

____________

[ (17)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية و النهاية» (4: 118)، و قال: «لهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة و غيرها»، و قد أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3: 34- 35)، و قال: «صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه».

و أخرجه ابو نعيم في دلائل النبوة (437)، و الصالحي في السيرة الشامية: (5: 9)

[ (18)] في (أ) و (ح): «المصري».

[ (19)] كذا في الأصل، و في هامش (أ): «صوابه: و يحيى»، و في حاشية (ح): «لعله: و يحيى».

11

(1) و شاهد هذا الحديث في رؤية عائشة جبريل (عليه السلام)، و قولها: فكأني أنظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يمسح الغبار عن وجه جبريل. فقلت: هذا دحية يا رسول اللّه. فقال: هذا جبريل.

في مغازي يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سمّاك بن حرب، عن عكرمة، و في رؤية نفر من أصحابه، مرّ بهم فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): هل مرّ عليكم أحد؟ فقالوا: نعم مرّ علينا دحية. [بن خليفة] [ (20)] الكلبيّ على بغلة بيضاء، عليها رحاله عليها قطيفة ديباج. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ذاك جبريل، بعثه اللّه عز و جل إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، و يقذف الرعب في قلوبهم.

في مغازي يونس، عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الزهري أخبرنا بهما أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار. قال: حدثنا يونس فذكرهما [ (21)].

قال ابن إسحاق ثم قدّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليّ بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- إلى بني قريظة، معه رايته، و ابتدرها الناس [ (22)].

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل ابن محمد، قال: حدثنا جدّي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال:

حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب.

(ح) و أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، و اللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد

____________

[ (20)] ليست في (ص).

[ (21)] راجع الحاشية (17).

[ (22)] سيرة ابن هشام (3: 188).

12

(1) ابن عبد اللّه بن أحمد بن عتّاب العبدي. قال: حدثنا القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس. قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه: موسى بن عقبة. قال:

فبينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما يزعمون في المغتسل يرجل [ (23)] رأسه قد رجّل أحد شقّيه، أتاه جبريل (عليه السلام) على فارس عليه لأمته، حتى وقف بباب المسجد، عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له جبريل: غفر اللّه لك. أقد وضعت السلاح؟ قال: نعم. قال جبريل: لكن نحن لم نضعه منذ نزل بك العدوّ، و ما زلت في طلبهم. فقد هزمهم اللّه، و يقولون: أن على وجه جبريل (عليه السلام) لأثر الغبار، فقال له جبريل: إن اللّه قد أمرك بقتال بني قريظة، و أنا عامد لهم بمن معي من الملائكة (صلوات اللّه عليهم) لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس.

فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أثر جبريل، فمرّ على مجلس بني غنم و هم ينتظرون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسألهم: مرّ عليكم فارس آنفا؟ فقالوا: مرّ علينا دحية الكلبيّ، على فرس أبيض، تحته نمط أو قطيفة من ديباج، عليه اللأمة فذكروا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: ذاك جبريل.

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يشبّه دحية الكلبي بجبريل (عليه السلام)، فقال:

الحقوني ببني قريظة، فصلوا فيهم العصر، فقام و من شاء اللّه عز و جل منهم، فانطلقوا إلى بني قريظة فحانت العصر، و هم في الطريق، فذكروا الصلاة، فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة! و قال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم، و أخرت طائفة منهم الصلاة، حتى صلوها ببني قريظة، بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول اللّه‏

____________

[ (23)] (يرجل رأسه): يسرحه.

13

(1) (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عجّل منهم الصلاة، و من أخّرها، فذكروا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يعنّف أحدا من الطائفتين.

قال: و لما رأى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقبلا، تلقاه، و قال: ارجع يا رسول اللّه، فإنّ اللّه كافيك اليهود، و كان عليّ سمع منهم قولا سيّئا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أزواجه فكره عليّ أن يسمع ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لم تأمرني بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم، فقال: أظنّك سمعت لي منهم أذى، فامض فإن أعداء اللّه لو قد رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت.

فلما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحصنهم، و كانوا في أعلاه، نادى بأعلا صوته نفرا من أشرافها، حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود: يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي اللّه، فحاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ اللّه عز و جل حييّ بن أخطب، حتى دخل حصن بني قريظة، و قذف اللّه عز و جل في قلوبهم الرعب و اشتد، عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر [ (24)] و كانوا حلفاء للأنصار. فقال أبو لبابة: لا آتيهم، حتى يأذن لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أذنت لك فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه و قالوا:

يا أبا لبابة ما ذا ترى؟ و ما ذا تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، و أمرّ عليه أصابعه يريهم، إنما يراد بكم القتل، فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، و رأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: و اللّه لا أنظر في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أحدث للّه عز و جل توبة نصوحا يعلمها اللّه عز و جل من نفسي، فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد، فزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما ذكر حين راث عليه أبو

____________

[ (24)] هو أبو لبابة الانصاري أحد النقباء، كان مناصحا لهم لأن ماله و ولده و عياله في بني قريظة.

14

(1) لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول اللّه، قد و اللّه انصرف من عند الحصن، و ما ندري أين سلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد حدث لأبي لبابة أمر، ما كان عليه، فأقبل رجل من عند المسجد فقال: يا رسول اللّه قد رأيت [ (25)] أبا لبابة، ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لقد أصابته بعدي فتنة، و لو جاءني لاستغفرت له. فإذا فعل هذا فلن أحركه من مكانه، حتى يقضي اللّه فيه ما يشاء [ (26)].

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد. قال: حدثنا أبي. قال: حدثنا ابن لهيعة. قال: قال أبو الأسود. قال: عروة فبينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يرجّل رأسه، قد رجّل أحد جانبيه، أتاه أمر اللّه عزّ و جل، فأقبل جبريل (عليه السلام) على فرس، عليه لأمته، فذكر هذه القصة، بمعنى ما ذكر موسى بن عقبة، إلّا أنّه زاد عنه قوله: فاخرج بالناس. قال فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلبس لأمته و أذن بالخروج، و أمرهم أن يأخذوا السلاح، ففزع الناس للحرب، فبعث عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه على المقدمة، و دفع إليه اللواء و أمر أن ينطلق حتى يقف بهم، إلى حصن بني قريظة، ففعل و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على آثارهم، فمرّ على مجلس من الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فزعموا أنّه قال: مرّ بكم الفارس آنفا. قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي على فرس، تحته قطيفة حمراء، عليه لامة. فزعموا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: ذاك جبريل (عليه السلام). و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يشبّه دحية الكلبي بجبريل (عليه السلام)، ثم ذكر باقي القصة بنحوه، إلا أنّه لم يقل: بضع عشرة ليلة [ (27)].

____________

[ (25)] في (ص): «رأيت».

[ (26)] نقلها عن موسى بن عقبة ابن كثير في التاريخ (4: 118- 119).

[ (27)] أشار هذه الرواية ابن كثير في التاريخ (4: 119).

15

(1) و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: فحدثني [ (28)] والدي: إسحاق بن يسار، عن معبد بن كعب بن مالك السّلمي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حاصرهم خمسا و عشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، و قذف اللّه عز و جل الرعب في قلوبهم و كان حييّ بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش و غطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير منصرف. حتى يناجزهم، قال: كعب بن أسد: يا معشر يهود! إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، و إني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم، فقالوا: ما هو [ (29)]؟ قال نبايع هذا الرجل و نصدقه، فو اللّه لقد تبين لكم انه نبي مرسل، و انه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم، و أموالكم و نسائكم فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، و لا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم عليّ هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا، و نساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين السيوف [ (30)] لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا، حتى يحكم اللّه بيننا و بين محمد، فإن نهلك، نهلك، و لم نترك وراءنا نسلا، يهمّنا نخاف عليه، و إن نظهر فلعمري لنجدنّ النساء، و الأبناء، فقالوا:

نقتل هؤلاء المساكين!! فما خير العيش بعدهم؟ فقال: فإذا أبيتم هذه عليّ، فإن الليلة ليلة السبت، و عسى أن يكون محمد و أصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا، فلعلنا نصيب منهم غرّة فقالوا: نفسد سبتنا، و نحدث فيه ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت، من المسخ، فقال: ما بات رجل منكم ليلة واحدة، منذ ولد حازما.

____________

[ (28)] في (ص): «حدثني».

[ (29)] في (ص): «ما هن»، و في ابن هشام «ما هي».

[ (30)] (مصلتين السيوف): مجردين لها، و قد أخرجناها من أغمادها.

16

(1) ثم بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، و كانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم فلما رأوه، قام إليه الرجال، و جهش اليه النساء، و الصبيان، يبكون في وجهه، فرّق لهم و قالوا له: يا أبا لبابة أ ترى أن تنزل على حكم محمد. فقال: نعم، و أشار بيده إلى حلقه: أنّه الذبح.

قال أبو لبابة: فو اللّه، ما زالت قدماي ترجفان، حين عرفت أني قد خنت اللّه و رسوله.

ثم انطلق أبو لبابة على وجهه و لم يأت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده. و قال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب اللّه عليّ، مما صنعت و عاهد اللّه أن لا يطأ بني قريظة أبدا، و لا يراني في بلد خنت اللّه و رسوله فيه،

فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبره، و كان قد استبطأه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له. فأما إذ فعل الذي فعل، ما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب اللّه عليه‏

[ (31)].

هكذا قال ابن إسحاق بإسناده، و زعم سعيد بن المسيب، أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك، حين أعرض عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك فيمن تخلف، و اللّه اعلم.

و في رواية علي بن أبي طلحة، و عطية بن سعد عن ابن عباس في ارتباطه، حين تخلف عن غزوة تبوك، ما يؤكد قول ابن المسيب.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب.

____________

[ (31)] الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (3: 188- 190).

17

(1) قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق. قال: حدثنا يزيد بن عبد اللّه بن قسيط، أنّ توبة أبي لبابة نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو في بيت أم سلمة، فقالت:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من السحر و هو يضحك، فقلت ما يضحكك؟- أضحك اللّه سنك- فقال: تيب على أبي لبابة فقلت ألا أبشّره يا رسول اللّه بذاك؟ فقال بلى إن شئت،

فقمت على باب حجرتي فقلت:- و ذلك قبل ان يضرب علينا الحجاب- يا أبا لبابة! أبشر، فقد تاب اللّه عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا و اللّه حتى يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو الذي يطلقني بيده، فلما مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه [ (32)].

____________

[ (32)] أخرجه ابن هشام في السيرة (3: 191).

18

(1)

باب نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه، و ما جرى في قتلهم، و سبي نسائهم و ذراريهم‏

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (رحمه اللّه) قال: حدثنا عبد اللّه ابن جعفر الأصبهاني، قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود.

قال: حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم.

و

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ. قال: أخبرنا أحمد بن سلمان. قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا شعبة، قال:

أخبرنا سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف، يحدث، عن أبي سعيد الخدري قال:

نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سعد، فأتاه على حمار، فلمّا دنا قريبا من المسجد. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): قوموا إلى سيّدكم، أو إلى خيركم. فقال: إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك. فقال: تقتل مقاتلتهم، و تسبى ذريتهم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

لقد حكمت عليهم بحكم اللّه، و ربما قال: بحكم الملك.

لفظ حديث عفان، أخرجاه في الصحيح من حديث شعبة [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في: 56- كتاب الجهاد، (168) باب إذا نزل العدو على حكم رجل، و أخرجه مسلم في (32) كتاب الجهاد، (22) باب جواز قتال من نقض العهد.

19

(1)

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب.

(ح) و أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، و اللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر ابن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: و قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا،

اختاروا من شئتم، من أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،

فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسلاحهم، فجعل في قبّته، و أمر بهم فكتفوا، و أوثقوا، و جعلوا في دار أسامة، و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سعد بن معاذ، فأقبل على حمار أعرابي، يزعمون أنّ وطأة برذعته من ليف [ (2)]، و اتّبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه، و يعظّم حقّ بني قريظة. و يذكر حلفهم، و الذي أبلوه يوم بعاث، و يقول: اختاروك على من سواك من قومك رجاء رحمتك، و عطفك، و تحنّنك عليهم، فاستبقهم فإنهم لك جمال، و عدد.

قال: فأكثر ذلك الرجل، و لا يرجع إليه سعد شيئا، حتى دنوا، فقال الرجل: ألا ترجع إليّ فيما أكلمك فيه. فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في اللّه لومة لائم، ففارقه الرجل فأتى قومه. فقالوا: ما وراءك فأخبرهم أنّه غير مستبقيهم، و أخبرهم بالذي كلمه به، و الذي رجع سعد إليه، فحكم فيهم ان تقتل مقاتلتهم، و تسبى ذراريهم و نساؤهم، و تقسم أموالهم.

فذكروا

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم اللّه عز و جل.

____________

[ (2)] في «البداية و النهاية»: «على حمار قد وطئوا له بوسادة من آدم».

20

(1) فقتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقاتلتهم، و كانوا زعموا ستمائة مقاتل، قتلوا عند دار أبي جهل التي بالبلاط، و لم تكن يومئذ بلاط، فزعموا أنّ دماءهم بلغت أحجار الزيت، التي كانت بالسوق، و سبى نساءهم و ذراريهم، و قسم أموالهم بين من حضر من المسلمين.

و كانت جميع الخيل التي كانت للمسلمين ستة و ثلاثين فرسا، فقسم لها لكل فرس سهمين.

و

أخرج حيي بن أخطب. فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): هل أخزاك اللّه. قال له: لقد ظهرت عليّ و ما ألوم إلّا نفسي في جهادك، و الشدة عليك، فأمر به فضربت عنقه. و كل ذلك بعين سعد بن معاذ، و كان عمرو بن سعد اليهودي في الأسرى، فلما قدّموا إليه ليقتلوه فقدوه، فقال ابن عمرو: قالوا: و اللّه ما نراه، و إن هذه لرمته التي كان فيها. فما ندري كيف انفلت! فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفلتنا بما علم اللّه في نفسه.

و أقبل ثابت بن قيس بن شماس، أخو بني الحارث بن الخزرج، إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: هب لي الزبير، و امرأته فوهبهما، فرجع ثابت إلى الزبير، فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ و كان الزبير يومئذ كبيرا، أعمى، قال هل ينكر الرجل أخاه! قال ثابت: أردت أجزيك اليوم بتلك قال افعل فإن الكريم يجزي الكريم. قال قد فعلت. قد سألتك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوهبك لي، فأطلق عنك الإسار، قال الزبير: ليس لي قائد، و قد أخذتم امرأتي، و بنيّ فرجع ثابت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسأله ذرّية الزبير و امرأته فوهبهما له، فرجع ثابت إلى الزبير، فقال: قد ردّ إليك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) امرأتك و بنيك، قال الزبير:

فحائط لي فيه اغدق‏* * * ليس لي و لأهلي عيش إلّا به‏

فرجع ثابت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسأله حائط الزبير، فوهبه له، فرجع‏

21

(1) ثابت إلى الزبير فقال قد ردّ إليك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهلك و مالك، فأسلم تسلم.

قال: ما فعل المجلسان، فذكر رجالا من قومه بأسمائهم، فقال ثابت: قد قتلوا و فرغ منهم، و لعلّ اللّه أن يهديك و أن يكون أبقاك لخير قال الزبير أسألك باللّه، و بيدي عندك أ لا ما ألحقتني بهم. فما في العيش خير بعدهم، فذكر ذلك ثابت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأمر بالزبير فقتل [ (3)].

فلما قضى اللّه عز و جل قضاءه من بني قريظة، و رفع اللّه عن المؤمنين بلاء تلك المواطن، نزل القرآن يعرّف اللّه فيه المؤمنين نعمة اللّه تبارك و تعالى، التي أنعم عليهم بها، حين أرسل على عدوهم الريح و جنودا لم تروها، على الجنود التي جاءتهم من فوقهم، و من أسفل منهم، و إذ زاغت الأبصار، و بلغت القلوب الحناجر، و يظنون باللّه الظنونا حين نزل البلاء، و الشدة بأحاديث المنافقين، فإنه قالت طائفة منهم: ما وعدنا اللّه و رسوله إلا غرورا، و وقعت طائفة منهم يفرقون عن نصر اللّه، و رسوله، و يدعون إخوانهم، و يأمرون بترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذكر حدّة ألسنتهم، و ضعفهم عن البأس ثم ذكر المسلمين و تصديقهم عند البلاء، و ذكر أنّ منهم‏ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ... ثم ذكر أنّه رد الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ (4)].

ثم ذكر بني قريظة و مظاهرتهم عدوّ اللّه، و رسوله. فقال: وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ، وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏ [ (5)].

____________

[ (3)] عن موسى بن عقبة ذكره ابن عبد البر في «الدرر» (180- 182) مختصرا، و الخبر أخرجه ايضا ابن هشام في السيرة (3: 196) و ستأتي رواية ابن إسحاق لها بعد قليل.

[ (4)] [الأحزاب- 25].

[ (5)] [الأحزاب- 26].

22

(1) و ما سلّط المسلمون عليهم من قتلهم و سبائهم و ما أورثهم [ (6)] من أرضهم و ديارهم و أموالهم‏ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

و أنزل في القرآن قرآنا إذا قرأته عرفته، تسعا و عشرين آية، فاتحها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ (7)].

و

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال:

حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال:

حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال:

و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بني قريظة، حتى سألوه أن يجعل بينهم و بينه حكما، ينزلون على حكمه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اختاروا من أصحابي من أردتم.

و ذكر القصة. بمعنى موسى بن عقبة، إلّا أنه زاد في قوله: و أرضا لم تطؤوها. فيزعمون أنها خيبر، و لا أحسبها إلا كلّ أرض فتحها اللّه عز و جل على المسلمين، أو هو فاتحها إلى يوم القيامة.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال:

حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، فذكر قصة نزولهم على حكم سعد بن معاذ، و ما قيل لسعد و ما قال سعد قال ابن إسحاق:

ثم استنزلوا، فحبسهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة، في دار زينب بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى موضع خنادق،

____________

[ (6)] في التلاوة: و أورثكم أرضهم- [الأحزاب- 27].

[ (7)] [الأحزاب- 9].

23

(1) سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق فيها، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم، في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه إرسالا [ (8)] و فيهم عدو اللّه حييّ بن أخطب، و كعب بن أسيد، و هو رأس القوم، و هم ثمان مائة أو تسع مائة، و المكثّر لهم يقول: ما بين الثمانمائة و التسعمائة و قد قالوا لكعب بن أسد، و هو يذهب بهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع؟ فقال: في كل موطن لا تعقلون. ألا ترون الداعي لا ينزع. و أنّه من ذهب به منكم لا يرجع.

هو و اللّه القتل. فلم يزل ذلك الدأب، حتى فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهم فأتى بحييّ بن أخطب عليه حلّة فقّاحيّة [ (9)]، قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الانملة لكيلا يستلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: أما و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك و لكنه من يخذل اللّه يخذل.

ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! إنه لا بأس بأمر اللّه: كتاب، و قدر، و ملحمة كتبها اللّه على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. فقال جبل بن جوال الثّعلبي [ (10)]

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه‏* * * و لكنّه من يخذل اللّه يخذل‏

يجاهد، حتى أبلغ النفس جهدها* * * و قلقل يبغي العزّ كل مقلقل‏

و بعض الناس، يقول: حييّ بن أخطب قالها.

قال ابن إسحاق حدثني الزهريّ أنّ الزبير بن باطا القرظي، و كان يكنى بأبي عبد الرحمن، كان قد مرّ على ثابت بن قيس بن الشمّاس، فذكر قصته بمعنى موسى بن عقبة، و أتمّ منه، و ذكر فيمن سأل عنه ثابتا، كعب بن أسد،

____________

[ (8)] (أرسالا) طوائق.

[ (9)] (فقّاحية) أي تضرب إلى الحمرة نسبة الى الفقاح و هو الزهر إذا انشقت أكمته، و تفتقت براعيمه‏

[ (10)] جبل بن جوال الثعلبي من بني ثعلبة، قال الدار قطني: «له ججبه» و قال ابو عبيد: «كان يهوديا فأسلم».

24

(1) وحييّ بن أخطب و غيرهما، ثم قال: فإني أسألك يا ثابت. بيدي عندك ألا ألحقتني بالقوم! فو اللّه ما في العيش بعد هؤلاء من خير. فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضرب عنقه. فلما بلغ أبا بكر رضي اللّه عنه قوله ألقى الأحبة، قال: يلقاهم و اللّه في نار جهنم خالدا مخلّدا، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أمر بقتل كل من أنبت منهم [ (11)].

قال ابن إسحاق: ثم قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أموال بني قريظة، و نساءهم و أبناءهم على المسلمين.

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: لم تقع القسمة و لا السهم، إلا في غزاة بني قريظة، كانت الخيل يومئذ ست و ثلاثين فرسا، ففيها أعلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سهمان الخيل، و سهمان الرجال، فعلى سنتها جرت المقاسم، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يومئذ للفارس و فرسه ثلاثة أسهم. له سهم و لفرسه سهمان، و للراجل سهما.

قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سعد بن زيد أخا بني عبد الأشهل، بسبايا بني قريظة، إلى نجد فابتاع له بهم خيلا، و سلاحا، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد اصطفى، لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، و كانت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى توفّي و هي في ملكه، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرض عليها أن يتزوّجها و يضرب عليها الحجاب. قالت: يا رسول اللّه بل تتركني في مالك فهو أخفّ عليك و عليّ، فتركها و قد كانت حين سباها تعصّت بالإسلام، و أبت إلّا اليهوديّة، فعزلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و وجد في نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو في مجلس مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه. فقال إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام‏

____________

[ (11)] أي نبت شعره.

25

(1) ريحانة فقال يا رسول اللّه قد أسلمت ريحانة، فسرّه ذلك [ (12)].

أخبرنا أبو بكر بن فورك ((رحمه اللّه)) قال: أخبرنا عبد اللّه بن جعفر.

قال: حدثنا يونس بن حبيب. قال: أخبرنا أبو داود قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: كنت في سبي بني قريظة فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمن أنبت أن يقتل، فكنت فيمن لم ينبت فتركت‏

[ (13)].

____________

[ (12)] سيرة ابن هشام (3: 196- 198)، و تاريخ ابن كثير (4: 125- 126).

[ (13)] رواه ابن هشام في السيرة (3: 197).

26

(1)

باب دعاء سعد بن معاذ رضي اللّه عنه في جراحته و إجابة اللّه تعالى إياه في دعوته و ما ظهر في ذلك من كرامته‏

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال:

حدّثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا محمد بن رافع، و الحسين بن منصور، قالا: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت:

أصيب سعد يوم الخندق: رماه رجل من قريش. يقال له حبّان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيمة في المسجد، ليعوده من قريب [ (1)].

فلما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الخندق، و وضع السلاح و اغتسل، فأتاه جبريل و هو ينفض رأسه من الغبار، قال: قد وضعت السلاح! و اللّه ما وضعناها. اخرج إليهم، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فأين؟ قال: ها هنا، و أشار إلى بني قريظة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزلوا على حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فردّ الحكم فيه إلى سعد. قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، و تسبى الذّريّة، و تقسم أموالهم. قال أبي فأخبرت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). قال: لقد

____________

[ (1)] الحديث تقدم في الباب السابق، و قد أخرجه البخاري في الصلاة مقطعا، و في المغازي، و مسلم في المغازي، و أبو داود في الجنائز حديث (3101)، ص (3: 186).

27

(1) حكمت فيهم بحكم اللّه [ (2)].

قال: و حدثنا هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة، أن سعدا تحجّر كلمه [ (3)] للبرء، فقال: اللهم إنك تعلم أنّه ليس أحد أحبّ إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذّبوا رسولك (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخرجوه، اللهمّ فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا و بينهم، فإن كان بقي من حرب قريش، فأبقني لهم حيّ، أجاهدهم فيك. و إن كنت قد وضعت الحرب بيننا و بينهم، فافجرها و اجعل موتي فيها.

قال: فانفجر من ليّته فلم ترعهم، و معهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار- الا الدم يسيل إليهم. فقال يا أهل الخيمة. ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو، فمات منها.

رواه البخاري في الصحيح عن زكريا بن يحيى، عن عبد اللّه بن نمير [ (4)].

و رواه مسلم عن أبي كريب، عن عبد اللّه [ (5)].

و رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة، و قال في دعائه: و إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم، فاجعله لي شهادة و لا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة كما مضى [ (6)].

و أخبرنا أبو علي: الحسن بن محمد الروذباريّ. قال: أخبرنا الحسين ابن الحسن بن أيوب الطوسي، قال: حدثنا ابن أبي مسرة، قال حدثنا

____________

[ (2)] البخاري في: 64- كتاب المغازي، (30) باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب، و مسلم في:

32- كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد، الحديث (65)، ص (1389).

[ (3)] (تحجّر كلمه) أي يبس جرحه.

[ (4)] أخرجه البخاري في: 64- كتاب المغازي، (30) باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب.

[ (5)] أخرجه مسلم في: 32- كتاب الجهاد و السير، الحديث (67)، ص (3: 1390).

[ (6)] سيرة ابن هشام (3: 203).

28

(1) المقرئ، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال‏

: رمي سعد بن معاذ يوم الأحزاب، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالنار، فانتفخت يده فتركه فنزف الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحكم أن تقتل رجالهم، و تسبى نساؤهم، و ذراريهم، يستعين بهم المسلمون. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسعد أصبت حكم اللّه فيهم و كانوا أربع مائة فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه،

فمات- (رحمه اللّه)- [ (6)].

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن علي بن معاوية العطار النيسابوري، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد بن بالويه العفصيّ، قال: حدثنا أحمد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عمرو بن محمد القرشي قال: حدثنا ابن إدريس، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

إن هذا الذي تحرّك له العرش، يعني سعد بن معاذ، و شيّع جنازته سبعون ألف ملك، لقد ضمّ ضمة، ثم فرّج عنه [ (7)].

قال: و حدثنا أحمد بن سلمة. قال: حدثنا إسحاق. قال: أخبرنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، قال: اهتزّ له عرش الرحمن فرحا بروحه [ (8)].

____________

[ (6)] أخرجه الترمذي في كتاب السير، (29) باب ما جاء في النزول على الحكم، الحديث (1582)، ص (4: 144- 145)، و قال: «حسن صحيح»، و الإمام أحمد في مسنده (3: 350).

[ (7)] نقله ابن كثير في التاريخ (4: 128) بإسناده عن ابن عمر، و عزاه للبزار.

[ (8)] فيه انقطاع، و له ذكر عند ابن هشام (3: 203).

29

(1)

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدثنا أبي، و شعيب بن الليث، قالا: أخبرنا الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر بن عبد اللّه، قال‏

: جاء جبريل (عليه السلام) إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

من هذا العبد الصالح الذي مات، ففتحت له أبواب السماء، و تحرك له العرش. قال: فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإذا سعد بن معاذ، قال: فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قبره و هو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال: سبحان اللّه مرتين، فسبّح القوم ثم قال اللّه أكبر اللّه أكبر، فكبّر القوم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عجبت لهذا العبد الصالح شدّد عليه في قبره، حتى كان هذا حين فرّج له [ (9)].

و

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا معاذ بن رفاعة بن رافع الزّرقي، قال: أخبرني من شئت من رجال قومي،

أن جبريل أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في جوف الليل، معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء؟ و اهتزّ له العرش؟ فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجرّ ثوبه، مبادرا إلى سعد بن معاذ فوجده قد قبض [ (10)].

و أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس الأصمّ، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار. قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا معاذ بن رفاعة بن رافع، قال: أخبرنا محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد اللّه، قال:

لما وضع سعد بن‏

____________

[ (9)] مسند أحمد (3: 327)، و معاذ به رفاعة أخرج له البخاري، و صنفه ابن معين.

[ (10)] سيرة ابن هشام (3: 203)، البداية و النهاية (4: 129).

30

(1) معاذ في حفرته، سبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سبّح الناس معه، ثم كبّر و كبّر القوم، معه قالوا: يا رسول اللّه بم سبحت. فقال: هذا العبد الصالح. لقد تضايق عليه قبره حتى فرّجه اللّه عنه [ (11)].

و

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد. قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق. قال: حدثنا أمية بن عبد اللّه،

أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذا؟ فقالوا ذكر لنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سئل عن ذلك، فقال: كان يقصّر في بعض الطهور من البول.

____________

[ (11)] الخبر في سيرة ابن هشام (3: 203).

31

(1)

باب إسلام ثعلبة و أسيد ابني سعية، و أسد بن عبيد و ما في ذلك من آثار النبوّة

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ الاسفرائني بها، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي. قال:

أخبرنا نصر بن علي، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا عاصم بن عمر، عن شيخ من بني قريظة، قال: قدم علينا من الشام رجل يهوديّ، يقال له ابن الهيّبان، و اللّه ما رأينا رجلا قط، خيرا منه، فأقام بين أظهرنا، فكنا نقول له إذا احتبس المطر:

استسق لنا، فيقول: لا و اللّه، حتى تخرجوا أمام مخرجكم صدقة، فيقولون:

ما ذا فيقول: صاع من تمر. أو مد من شعير، فنفعل، فيخرج بنا إلى ظاهر حرّينا، فو اللّه ما يبرح مجلسه، حتى تمرّ بنا الشعاب. تسيل، قد فعل ذلك غير مرة، و لا مرتين، فلما حضرته الوفاة. قال: يا معشر يهود أما ترونه أخرجني من أرض الخمر و الخمير، إلى أرض البؤس و الجوع! قلنا أنت أعلم، قال: أخرجني نبيّ أتوقعه يبعث الآن فهذه البلدة، مهاجرة و أنه يبعث بسفك الدماء، و سبي الذريّة فلا يمنعنكم ذلك منه و لا تسبقنّ إليه ثم مات.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن‏

32

(1) إسحاق، قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة، أنه قال: هل تدري عمّا كان إسلام ثعلبة و أسيد ابني سعية و أسد بن عبيد نفر من هزل، لم يكونوا من بني قريظة، و لا نضير كانوا فوق ذلك، فقلت: لا، قال:

فإنه قدم علينا رجل، من الشام من يهود، يقال له ابن الهيّبان، فذكر القصة بمعنى رواية جرير، و زاد: قال: فلما كانت تلك الليلة التي افتتحت فيها قريظة، قال: أوليك الفتية الثلاثة، و كانوا شبابا أحداثا، يا معشر يهود هذا الذي كان ذكر لكم ابن الهيّبان. قالوا ما هو؟ قال: بلى. و اللّه إنّه لهو يا معشر يهود. إنه و اللّه لهو بصفته، ثم نزلوا فأسلموا و خلّوا أموالهم و أولادهم و أهاليهم.

قالوا: و كانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح ردّ ذلك عليهم.

و خرج في تلك الليلة- فيما زعم- ابن إسحاق عمرو بن سعدى القرظيّ، فمرّ بحرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه. قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى. و كان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال لا أغدر بمحمد أبدا. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام. ثم خلّى سبيله فخرج، حتى بات في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين ذهب من الأرض إلى يومه هذا،

فذكر شأنه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال ذاك رجل نجاه اللّه بوفائه،

و بعض الناس يزعم أنه كان أوثق فيمن أوثق، من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأصبحت رمّته ملقاة و لا يدرى أين ذهب فأنزل اللّه عز و جل في أمر الخندق و أمر بني قريظة القرآن في سورة الأحزاب. يذكر فيها ما نزل من البلاء و نعمته عليهم، و كفايته إياهم، إذ فرّج ذلك عنهم بعد سوء الظّن، و قول من قال من أهل النفاق، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً ... الآية [ (1)].

____________

[ (1)] ذكر ابن إسحاق قصة إسلامهما في سياق غزوة بني قريظة، و لهما ترجمة في الاصابة (1: 33) و نقل ما ذكره ابن إسحاق، و قال: رواه الطبري و ابن مندة من طريق أخرى عن ابن إسحاق.

33

(1)

باب قتل أبي رافع عبد اللّه بن أبي الحقيق، و يقال: سلام بن أبي الحقيق قال ابن إسحاق: كان بخيبر، و يقال: في حصن له بأرض الحجاز و ما ظهر في قصته من الآثار.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: فلمّا انقضى أمر [ (1)] الخندق، و أمر بني قريظة، و كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق ممن كان حزّب الأحزاب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قتل سلّام بن أبي الحقيق، و كان بخيبر، فأذن لهم فيه [ (2)].

قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك.

قال: كان مما صنع اللّه لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أن هذين الحيّين من الأنصار: الأوس و الخزرج، كانا يتصاولان [ (3)] معه تصاول الفحلين، لا يصنع أحدهما شيئا إلا

____________

[ (1)] في سيرة ابن هشام (3: 231): «شأن».

[ (2)] الخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (3: 231)، و نقله الحافظ ابن كثير في «البداية و النهاية» (4: 137)، مختصرا.

[ (3)] (يتصاولان) يقال: تصاول الفحلان إذا دفع هذا على هذا، و هذا على هذا، و أراد ان كل واحد من الحيين كان يدفع عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئا فعل الآخر مثله.

34

(1) صنع الآخر مثله، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف، تذكرت الخزرج رجلا، هو في العداوة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مثله، فذكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قتله، فأذن لهم فخرج إليه عبد اللّه بن عتيك، و أبو قتادة، و عبد اللّه بن أنس، و مسعود بن سنان، و الأسود بن خزاعيّ، حليف من أسلم.

قال ابن إسحاق: و حسبت أن فيهم فلان بن سلمة، فخرجوا إليه، فلما جاءوه، صعدوا إليه في عليّة له فنوّهت بهم امرأته، فصيّحت، و كان قد نهاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين بعثهم عن قتل النساء، و الولدان، فجعل الرجل يحمل عليها السيف ثم يذكر نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن قتل النساء، فيمسك يده، قال:

فابتدروه بأسيافهم، و تحامل عليه عبد اللّه بن أنيس في بطنه بالسّيف حتى قتله [ (4)].

و روى ذلك عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن أمّه، عن عبد اللّه بن أنيس، أنه قتله ابن عتيك و ابن أنيس ذفّف عليه، و قيل فيه أنه قتله ابن عتيك و ذفف عليه.

و الصحيح ما أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد اللّه الأديب. قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان. قال:

أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال:

بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رهطا من الأنصار إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد اللّه ابن عتيك بيته ليلا، فقتله و هو نائم.

____________

[ (4)] سيرة ابن هشام (3: 232)، البداية و النهاية (4: 137).

35

(1) و رواه [ (5)] البخاري في الصحيح عن إسحاق بن نصر، و غيره، عن يحيى ابن آدم [ (6)].

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو أحمد الحافظ، قال:

أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ، قال: حدثنا شريح بن مسلمة، قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف ابن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت، البراء، قال:

بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أبي رافع: عبد اللّه بن عتيك، و عبد اللّه بن عتبة في أناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد اللّه بن عتيك: امكثوا أنتم حتّى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطّفت أن أدخل الحصن، قال: ففقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه، قال: فخشيت أن أعرف، فغطّيت رأسي، و جلست كأني أقضي حاجة قال: فنادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل ان أغلقه، قال: فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، قال: فتعشّوا عند أبي رافع، و تحدثوا حتّى ذهب ساعة من اللّيل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات و لا أسمع حركة خرجت، قال: و رأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن، في كوة فأخذت، ففتحت به باب الحصن.

قال: قلت: إن نذر بي القوم، انطلقت على مهلي، قال: ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلّم، فإذا البيت مظلم، قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا

____________

[ (5)] في (ح): «رواه».

[ (6)] البخاري عن إسحاق بن نصر في: 64- كتاب المغازي، (16) باب قتل ابي رافع، الحديث (4038)، فتح الباري (7: 34).

36

(1) رافع. قال: من هذا. قال: فعمدت إلى الصّوت فأصبته، قال: فصاح فلم يغن شيئا.

قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع؟ و غيّرت صوتي، [قال‏] [ (7)] ألا أعجبك، لأمّك الويل، دخل عليّ رجل فضربني بالسّيف، قال: فعمدت له أيضا، فأضربه أخرى، فلم تغن شيئا. فصاح و قام أهله.

قال: ثم جئت و غيرت صوتي كهيئة المغيث، و إذا هو مستلقى على ظهره. قال فأضع السّيف في بطنه، ثم اتّكئ عليه، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا، حتى أتيت السّلم أريد أنزل، فأسقط منه فانخلعت [ (8)] رجلي، فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل. فقلت: انطلقوا فبشروا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية.

قال: فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال: أنعي أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبشرته.

رواه البخاري في الصحيح عن أحمد بن عثمان [ (9)].

أخبرنا أبو عمرو البسطامي، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال:

أخبرني الحسن، هو ابن سفيان، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال:

أخبرنا عبيد اللّه بن موسى، قال الإسماعيليّ: و أخبرني المنيعيّ، و الحسن، قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، قال:

____________

[ (7)] الزيادة من (ح).

[ (8)] في (ح) و (أ): «فاختلفت» و أثبتّ ما في (ص) و هو موافق للبخاري.

[ (9)] البخاري في الصحيح عن أحمد بن عثمان في: 64- كتاب المغازي، (16) باب قتل أبي رافع، الحديث (4040)، فتح الباري (7: 341).

37

(1) أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء. قال:

بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أبي رافع اليهوديّ رجالا من الأنصار، و أمّر عليهم عبد اللّه بن فلان [ (10)]، و كان أبو رافع يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يعين عليه، و كان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه و قد غربت الشمس، و راح الناس بسرحهم، قال عبد اللّه لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق فمتلطف للبواب [ (11)]، فلعلي أدخل. قال: فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنّع بثوبه كأنه يقضي حاجته، و قد دخل الناس، فهتف به البواب، يا عبد اللّه. إن كنت تريد أن تدخل. فادخل، فإني أريد أن اغلق الباب. فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علّق الأقاليد على ودّ. قال: فقمت إلى الأقاليد ففتحت الباب، و كان أبو رافع يسمر عنده، و كان في علاليّ فلمّا أن ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه فجعلت كلّما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخل. قلت:

إنّ القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ، حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم، وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت. قلت: يا أبا رافع! قال: من هذا فأهويت نحو الصّوت، فأضربه ضربة بالسيف و أنا دهش. فما أغنى شيئا، فصاح. قال: فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه. فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع. قال: لأمّك الويل. إنّ رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فاضربه ضربة أثخنته. و لم أقتله، ثم وضعت صدر السيف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعلمت أني قد قتلته. فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا. حتى انتهيت إلى درجه، فوضعت رجلي و أنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة معمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة [ (12)]، ثم‏

____________

[ (10)] في صحيح البخاري: «عبد اللّه بن عنيك».

[ (11)] كذا في (أ) و (ح) و في (ص): «بالبواب»، و في صحيح البخاري: «و متلطف للبواب».

[ (12)] كذا في (أ) و (ح) و صحيح البخاري، و في (ص): «بعمامتي».

38

(1) انطلقت حتى جلست عند الباب، فقلت لا أبرح الليلة حتى أعلم: أ قتلته؟

فلما صاح الديك، قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء النجاء فقد قتل اللّه أبا رافع‏

فانتهينا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حدّثناه. فقال: ابسط رجلك فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشكها قط.

رواه البخاري في الصحيح عن يوسف بن موسى، عن عبيد اللّه بن موسى [ (13)].

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال:

حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة قال: و كان سلّام بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان، و من حوله من مشركي العرب، يدعوهم إلى قتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يجعل لهم الجعل العظيم، فاجتمعت معهم غطفان، و حييّ بن أخطب بمكة قد استغوى أهل مكة، حدّثهم أن عشيرتهم يترددون بتلك البلاد، ينتظرون المدد و الأموال، و أطاعت لهم غطفان، و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ابن أبي الحقيق عبد اللّه بن عتيك بن قيس بن الأسود، و أبا قتادة بن ربعي، و أسود الخزاعي، و أمّر عليهم عبد اللّه بن عتيك فبيتوه ليلا فقتلوه [ (14)].

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة، قال:

حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن موسى بن عقبة، قال:

____________

[ (13)] البخاري عن يوسف بن موسى في الموضع السابق. فتح الباري (7: 340).

[ (14)] «الدرر» لابن عبد البر (183).

39

(1) بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد اللّه بن عتيك، و عبد اللّه بن أنيس، و مسعود بن سنان بن الأسود، و أبا قتادة بن ربعي بن بلدمة، من بني سلمة، و أسود بن خزاعي حليفا، لهم و يقال: نجدة، في غير هذا الكتاب، و أسعد بن حرام و هو أحد البرك حليف لبني سواد، فأمّر عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): عبد اللّه بن عتيك، فطرقوا أبا رافع بن أبي الحقيق اليهوديّ بخيبر فقتلوه في بيته.

قال موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: قال ابن كعب:

فقدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو على المنبر، فقال: أفلحت الوجوه قالوا: أفلح وجهك يا رسول اللّه، قال: أ قتلتموه؟ قالوا: نعم. قال: ناولوني السيف، فسلّه.

فقال: أجل هذا طعامه في ذباب السيف [ (15)].

____________

[ (15)] رواية موسى بن عقبة ذكرها ابن عبد البر في «الدرر» (186) باختصار، و نقلها الحافظ بن كثير في البداية و النهاية (4: 139).

و انظر اخبارا اخرى في قتله في صحيح البخاري فتح الباري (6: 154- 155)، و سيرة ابن هشام (3: 232)، و طبقات ابن سعد (2: 91)، و تاريخ الطبري (2: 493)، و ابن حزم (198)، و تاريخ ابن كثير (4: 137)، و نهاية الأرب (17: 197).

40

(1)

باب قتل ابن نبيح الهذليّ، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة بوجود الصدق في خبره‏

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة، قال:

حدثنا أبو الأسود، عن عروة، قال بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد اللّه بن أنيس [ (1)] السّلميّ إلى سفيان بن خالد الهذليّ، ثم اللّحيانيّ ليقتله و هو بعرنة [ (2)] وادي مكة.

و أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب. قال: حدثنا القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي‏

____________

[ (1)] هو عبد اللّه بن أنيس بن أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم شهد بدرا و أحدا و ما بعدهما و له ترجمة في أسد الغابة (3: 119)، و قال ابن حجر في الإصابة (2: 278): «بعثه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الى ابن نبيح العتري وحده فقتله، و دخل مصر، و خرج الى افريقية».

و قال الجاحظ في البيان و التبيين (3: 11): «و مما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة:

حديث عبد اللّه بن أنيس ذي المخصرة، و هو صاحب ليلة الجهني و كان النبي- (عليه السلام)- أعطاه مخصرة، و قال: تلقاني في الجنة.»

[ (2)] (عرنة): موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، و انظر معجم ما استعجم (3: 935) مادة عرنة، و (4: 119) مادة محسر.

41

(1) أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، قال: و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد اللّه بن أنيس السّلميّ، إلى سفيان بن عبد اللّه ابن نبيح الهذلي، ثم اللحيانيّ و هو بعرنة من وراء مكة، أو بعرفة، قد اجتمع إليه الناس ليغزو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهم، و أمره أن يقتله.

قال عبد اللّه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما نحوه يا رسول اللّه [انعته لي‏] قال إذا رأيته هبته. و فرقت منه. قال عبد اللّه فما فرقت من شي‏ء قط.

فانطلق عبد اللّه يتوصّل بالناس، و يعتزى إلى خزاعة، و يخبر من لقي إنما يريد سفيان ليكون معه، فلقي سفيان و هو يمشي ببطن عرنة و وراءه الأحابيش [ (3)] من حاضرة مكة قال عبد اللّه فلما رأيته، هبته و فرقت منه فقلت: صدق اللّه و رسوله ثم كمنت له، حتى إذا هدأ الناس، اغررته [ (4)] فقتلته.

فيزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبر بقتله قبل قدوم عبد اللّه بن أنيس.

قال موسى: و ذكروا، و اللّه أعلم‏

، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطاه عصا [ (5)] فقال: تخصّر بها، أو أمسكها. فكانت عنده حتى زعموا [ (6)] حتى أمر بها فجعلت في كفنه، بين جلده و ثيابه.

و لا ندري من أين بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابن أنيس إلى ابن نبيح أمن المدينة أم من غيرها.

هذا لفظ حديث موسى بن عقبة، و ليس في رواية عروة قصة العصا [ (7)].

____________

[ (3)] الأحابيش: أحياء من القارة انصحوا إلى بني ليث في محاربتهم قرينا و التحبش: التجمع.

[ (4)] (اغتررته) أخذته في غفلة.

[ (5)] رسمت في (أ) و (ح): «عصى».

[ (6)] في (ص): «فكانت عنده حتى زعموا».

[ (7)] أشار إلى رواية موسى بن عقبة: ابن سيد الناس في عيون الأثر (2: 55)، و ابن كثير في التاريخ (4: 141)، و الصالحي (5: 57)، و أبو نعيم في الدلائل (451).

42

(1)

أخبرنا أبو نصر بن قتادة قال: أخبرنا عبد اللّه بن أحمد بن سعد الحافظ.

قال: حدثنا ابن إبراهيم العبدي قال: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عبد اللّه، يعني ابن عبد اللّه بن أنيس، عن أبيه عبد اللّه بن أنيس،

قال:

دعاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنه بلغني أنّ ابن نبيح الهذلي يجمع الناس ليغزوني، و هو بنخله [ (8)]، أو بعرنة فأتيه فاقتله.

قلت: يا رسول اللّه. انعته لي، حتى أعرفه. قال: آية ما بينك و بينه.

أنك إذا رأيته، وجدت له قشعريّرة [ (9)]. قال فخرجت متوشحا بسيفي، حتى دفعت إليه في ظعن يرتاد بهنّ منزلا، حين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما وصف لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من القشعريرة، فأقبلت نحوه، و خشيت أن تكون بيني و بينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت و أنا أمشي نحوه، أومئ برأسي إيماء، فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب، سمع بك و بجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك، قال: أجل، نحن في ذلك، قال:

فمشيت معه شيئا، حتى إذا أمكنني، حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت و تركت ظعائنه مكبّات عليه، فلما قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: أفلح الوجه، قلت: قد قتلته يا رسول اللّه. قال: صدقت. ثم قام بي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدخل بي بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد اللّه بن أنيس! فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا معك يا عبد اللّه بن أنيس؟

قلت: أعطانيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أمرني أن أمسكها عندي. قالوا: أ فلا ترجع إليه فتسأله عن ذلك. قال: فرجعت إليه فقلت يا رسول اللّه لم أعطيتني هذه‏

____________

[ (8)] (نخلة): «اسم مكان».

[ (9)] (القشعريرة) انقباض الجلد و اجتماعه.

43

(1) العصا؟ قال: آية بيني و بينك يوم القيامة. إنّ أقلّ الناس المتخصرون [ (10)] يومئذ.

قال: فقرنها عبد اللّه بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمّت معه في كفنه، فدفنا جميعا [ (11)].

رواه عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن إسحاق بن يسار، و قال: إلى خالد بن سفيان الهذليّ [ (12)]

____________

[ (10)] (المتخصرون) المتكئون على المخاصر و هي العصي، واحدتها: مخصرة.

[ (11)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (3: 496).

[ (12)] رواه أبو داود عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن ابن إسحاق .. و انظر في سيرة ابن هشام (4: 228).

44

(1)

باب غزوة بني المصطلق [ (1)] و هي غزوة المريسيع، و ما ظهر فيها من آثار النبوّة [ (2)]

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد اللّه بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: و بنو المصطلق و لحيان في شعبان من سنة خمس [ (3)].

____________

[ (1)] المصطلق- بضم الميم و سكون الصاد و فتح الطاء المهملتين و كسر اللام بعدها قاف- مفتعل من الصلق و هو رفع الصوت، و هو لقب و اسمه جذيمة- بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة- ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة: بطن من بني خزاعة.

و المريسيع- بضم الميم و فتح الراء و سكون التحتانيتين سين مهملة مكسورة و آخره عين مهملة- و هو ماء لبني خزاعة بينه و بين الفرع مسيرة يوم، مأخوذ من قولهم: رسعت عن الرجل إذا دمعت من فساد.

[ (2)] انظر في هذه الغزوة: طبقات ابن سعد (2: 63)، سيرة ابن هشام (3: 247)، مغازي الواقدي ص (1: 404)، صحيح البخاري (5: 115)، تاريخ الطبري (2: 604)، انساب الأشراف (1: 64)، ابن حزم (203)، دلائل النبوة لأبي نعيم (447)، تاريخ ابن كثير (4: 156)، نهاية الأرب (17: 164)، عيون الأثر (2: 122)، السيرة الحلبية (2: 364)، السيرة الشامية (4: 486).

[ (3)] اختلف في زمن هذه الغزوة، فقال ابن إسحاق: في شعبان سنة ست، و به جزم خليفة بن خياط و الطبري.

45

(1) أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد، قال: أخبرنا أبو عمرو بن السمّاك. قال: حدثنا حنبل بن إسحاق. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الخراميّ. قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، في ذكر مغازي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: ثم قاتل بني المصطلق و بني لحّيان في شعبان من سنة خمس.

و روينا، عن قتادة أنه قال: كانت المريسيع سنة خمس من هجرته.

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الأصبهاني، قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، قال: [ (4)] و غزوة المريسيع في سنة خمس. خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم‏

____________

[ ()] و قال قتادة، و عروة: كانت في شعبان سنة خمس.

و وقع في صحيح البخاري نقلا عن ابن عقبة انها كانت في سنة أربع. قال الحافظ: و كأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. و الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم و أبو سعد النيسابوري و البيهقي في الدلائل و غيرهم: سنة خمس.

و لفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بني المصطلق و بني لحيان في شعبان سنة خمس. و يؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بني المصطلق.

و قال الحاكم في الإكليل: قول عروة و غيره انها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق.

قال الحافظ: و يؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو و سعد بن عبادة في أصحاب الإفك، أي المذكور في الحوادث، فلو كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست، مع أن الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأن سعد بن معاذ مات ايام قريظة و كانت سنة خمس على الصحيح، كما سيأتي تقريره، و إن كانت سنة اربع فهو أسد، فظهر أن غزوة بني المصطلق كانت سنة خمس في شعبان، فتكون وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع. و رمى بعد ذلك بسهم في الخندق، و مات من جراحته بعد أن حكم في بني قريظة.

[ (4)] الخبر في المغازي (1: 404).

46

(1) الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان، و قدم المدينة لهلال رمضان، و استخلف على المدينة زيد بن حارثة.

قال الواقدي: فحدثني شعيب بن عبّاد عن المسور بن رفاعة. قال خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سبع مائة.

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثم غزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ستّ [ (5)].

كذا قال ابن إسحاق حدثنا محمد بن يحيى بن حبّان، و عاصم بن عمر بن قتادة، و عبد اللّه بن أبي بكر، كلّ قد حدث ببعض الحديث، فأجمع حديثهم. قالوا: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بلغه أنّ بني المصطلق يجمعون له، و قائدهم: الحارث بن أبي ضرار، أبو جويريّة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى نزل بالمريسيع، ماء من مياه بني المصطلق، فأعدّوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فتزاحف النّاس، فاقتتلوا، فهزم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بني المصطلق، فقتل من قتل منهم، و نفّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبناءهم و أموالهم و نساءهم [فأفاءهم‏] [ (6)]، و أقام عليه من ناحية قديد و الساحل [ (7)].

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الأصبهاني، قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، عن محمّد بن عبد اللّه، ابن أخي الزهري، و معمر بن راشد في‏

____________

[ (5)] سيرة ابن هشام (3: 247).

[ (6)] الزيادة من (ص) فقط، و ثابتة في السيرة لابن هشام.

[ (7)] الخبر أورده ابن هشام في السيرة (3: 248).

47

(1) آخرين [ (8)]، قالوا: إن بني المصطلق من خزاعة، كانوا ينزلون ناحية الفرع، و هم حلفاء بني مدلج، و كان رأسهم الحارث بن أبي ضرار، و كان قد صار في قومه و من قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ابتاعوا خيلا و سلاحا و تهيئوا للمسير إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جعلت الركبان تقدم من ناحيتهم، فيخبرون بسيرهم، فبلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبعث بريدة الاسلمي فعلم علم ذلك، فرجع، و أخبره خبر القوم، فندب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الناس فأسرعوا الخروج [ (9)].

قال الواقدي: حدثنا سعيد بن عبد اللّه بن أبي الأبيض، عن أبيه، عن جدّته، و هي مولاة جويريّة، قالت: سمعت جويرية بنت الحارث، تقول:

أتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: و كنت أرى من الناس و الخيل، و السلاح، ما لا أصف من الكثرة.

فلما أن أسلمت و تزوجني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رجعنا، جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنّه رعب من اللّه عزّ و جل يلقيه في قلوب المشركين، و كان رجل منهم قد أسلم فحسن إسلامه، يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا، على خيول بلق، ما كنا نراهم قبل و لا بعد [ (10)].

قال الواقدي: ثم انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المريسيع، و هو الماء، فنزل و ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبّة له من أدم، و معه من نسائه: عائشة، و أم سلمة، و قد اجتمعوا على الماء، و أعدّوا و تهيّئوا للقتال، و صفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

____________

[ (8)] الواقدي (1: 404) عن «محمد بن عبد اللّه»، و عبد اللّه بن جعفر، و ابن أبي سبرة، و محمد بن صالح و عبد الحميد بن جعفر، و ابن ابي حبيبة، و هشام بن سعد، و معمر بن راشد، و أبو معشر، و خالد بن إلياس، و عائذ بن يحيى، و عمر بن عثمان المخزومي، و عبد اللّه بن يزيد بن قسيط، و عبد اللّه بن يزيد الهذلي، كل هؤلاء حدثوه بطائفة، و غير هؤلاء قد حدّثه قالوا ...».

[ (9)] الخبر في مغازي الواقدي (1: 404- 405).

[ (10)] الخبر في مغازي الواقدي (1: 408- 409).

48

(1) أصحابه، و دفع راية المهاجرين، إلى أبي بكر، و راية الأنصار إلى سعد بن عبادة، و يقال: كانت مع عمار بن ياسر راية المهاجرين، ثم أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمر بن الخطاب، فنادى في الناس قولوا لا إله إلا اللّه تمنعوا بها أنفسكم، و أموالكم، ففعل عمر، فأبوا فكان أول من رمى رجل منهم بسهم. فرمى المسلمون ساعة بالنبل، ثم إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم انسان، و قتل عشرة منهم، و أسر سائرهم، و سبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الرجال، و النساء، و الذّرّية و النعم، و الشّاء، و ما قتل أحد من المسلمين إلّا رجل واحد. و كان أبو قتادة يحدّث قال: حمل لواء المشركين صفوان ذو الشفرة، فلم تكن لي ناهية حتى شددت عليه، فقتلته و كان الفتح و كان شعارهم. يا منصور أمت [ (11)].

أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه السعدي قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بني المصطلق، و هم غارّون و أنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم، و سبى سبيهم، فأصاب يومئذ احسبه قال: جويرية بنت الحارث، قال نافع:

و حدثني عبد اللّه بن عمر- يعني بذلك- و كان في ذلك الجيش.

أخرجاه في الصحيح. من حديث عبد اللّه بن عون [ (12)].

____________

[ (11)] الخبر في مغازي الواقدي (1: 407)، و (يا منصور أمت) معناه: أمر بالموت، و المراد به:

التفاؤل بالنصر، بعد الإماته، مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل.

[ (12)] أخرجه البخاري في: 49- كتاب العتق،، (13) باب من ملك من العرب رقيقا فوهب و باع و جامع و فدى و سبى الذرية، الحديث (2541)، فتح الباري (5: 170)، و أخرجه مسلم في:

49

(1)

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ. قال: أخبرنا الحسن بن محمد ابن إسحاق قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا أبو الربيع، قال:

حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن محيرز، أنه قال‏

: دخلنا أنا و أبو صرمة على أبي سعيد الخدري، فسأله أبو صرمة، فقال: يا أبا سعيد! هل سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يذكر العزل؟ فقال: نعم، غزونا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غزوة بني المصطلق فسبينا كرام العرب، فطالت علينا العزبة، و رغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع، و نعزل [ (13)]، فقلنا نفعل و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أظهرنا لا نسأله! فسألنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا [ (14)] ما كتب اللّه عز و جل خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون.

رواه البخاري و مسلم [ (15)] في الصحيح، عن قتيبة، عن إسماعيل.

أخبرنا أبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس:

محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، قالت‏

: لما قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عمّ له،

____________

[ (32-)] كتاب الجهاد و السير (1) باب جواز الإغارة على الكفار، الحديث (1)، ص (1356) و أخرجه ابو داود في الجهاد عن سعيد بن منصور.

[ (13)] (العزل) هو نزع الذكر من الفرج وقت الإنزال، خوفا من الإنجاب.

[ (14)] (لا عليكم أن لا تفعلوا) معناه ما عليكم ضرر في ترك العزل، لأن كل نفس قدّر اللّه خلقها لا بد ان يخلقها سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم.

[ (15)] أخرجه البخاري في: 34- كتاب البيوع (109) باب بيع الرقيق، فتح الباري (4: 420)، و مسلم في: 16- كتاب النكاح، (22) باب حكم العزل، الحديث (125)، ص (1061).

50

(1) فكاتبته على نفسها، و كانت امرأة حلوة ملّاحة، لا يراها أحد إلّا أخذت بنفسه، فأتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فو اللّه ما هو إلّا أن رأيتها فكرهتها، و قلت سيرى منها مثل ما رأيت، فلما دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت: يا رسول اللّه! أنا جويرية بنت الحارث سيّد قومه، و قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، و قد كاتبت على نفسي فأعنّي على كتابتي. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو خير من ذلك أؤدّي عنك كتابتك و أتزوجك، فقالت: نعم، ففعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبلغ الناس أنّه قد تزوّجها، فقالوا: أصهار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها [ (16)].

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه بن بطّة، قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، قال: فحدثني حزام بن هشام، عن أبيه، قال: قالت جويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بثلاث ليال، كأنّ القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحدا، من الناس حتى قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما سبينا رجوت الرؤيا، قالت: فأعتقني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تزوّجني و اللّه ما كلمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، و ما شعرت إلا بجارية من بنات عمّي تخبرني الخبر، فحمدت اللّه عزّ و جل.

قال الواقدي: و يقال أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، و يقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها [ (17)].

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا

____________

[ (16)] الخبر في سيرة ابن هشام (3: 252)، و نقله ابن كثير في التاريخ (4: 159).

[ (17)] أخرجه الواقدي في مغازيه (1: 411- 412).

51

(1) القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، في غزوة بني المصطلق بالمريسيع، قال: فهزمهم اللّه، و سبى في غزوته تلك جويرية بنت الحارث، ابن أبي ضرار، فقسم لها فكانت من نسائه، و زعم بعض بني المصطلق، أن أباها طلبها فافتداها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم خطبها، فزوجها إياه [ (18)].

____________

[ (18)] أشار ابن كثير إلى رواية موسى بن عقبة في البداية و النهاية (4: 159).

52

(1)

باب ما ظهر في هذه الغزوة من نفاق عبد اللّه بن أبيّ بن سلول‏

أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن حبّان و عبد اللّه بن أبي بكر و عاصم ابن عمر بن قتادة، في قصة بني المصطلق فبينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقيم هناك، إذا اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، و كان أجيرا لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و سنان بن زيد.

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان، قال‏

: ازدحما على الماء، فاقتتلا، فقال سنان، يا معشر الأنصار، و قال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، و زيد بن أرقم و نفر من الأنصار عند عبد اللّه بن أبيّ، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، و اللّه ما عزّنا و جلابيب قريش هذه، إلّا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك [ (1)]، و اللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ثم أقبل على من عنده من قومه، فقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم أموالكم، أما و اللّه لو كففتم عنهم، لتحوّلوا

____________

[ (1)] هذا مثل من أمثال العرب، و في ضده تقول العرب «جوع كلبك يتبعك».