رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - ج1

- السيد نعمة الله الجزائري المزيد...
347 /
11

[مقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ و به ثقتي‏

الحمد للّه الذي جعل أهل البيت (عليهم السّلام) كسفينة نوح من ركب فيه نجى و الصلاة على نبيّه و عترته سادات الورى، و بعد فإنّ المذنب الفاني نعمة اللّه الموسوي الحسيني وفّقه اللّه تعالى لمراضيه و جعل مستقبل أحواله خيرا من ماضيه يقول: هذا هو المجلّد [التالي‏] من كتابنا رياض الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار و هذه الأبواب في مناقب البتول بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المعصومة المؤيّدة و المنصورة المسدّدة الانسية الحوراء فاطمة الزهراء صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها و في مناقب ولديها سيّدي شباب أهل الجنّة أبي محمّد الحسن و أبي عبد اللّه الحسين و في معجزات الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين و ابنه الإمام باقر العلوم و أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق و الإمام موسى بن جعفر الكاظم و عليّ بن موسى الرضا و محمّد الجواد و عليّ الهادي و الحسن العسكري سلام من الرحمن نحو جنابهم فإنّ سلامي لا يليق ببابهم.

12

أحوال فاطمة الزهراء

أمّا أحوال فاطمة الزهراء ففيه أبواب:

الباب الأوّل في ولادة فاطمة و أسمائها و بعض معجزاتها و مكارم أخلاقها و مجمل أحوالها

في كتاب الأمالي مسند إلى الصادق قال: إنّ خديجة (عليها السّلام) لمّا تزوّج بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هجرتها نسوة مكّة فكنّ لا يتركن امرأة تدخل إليها فاستوحشت خديجة، فلمّا حملت بفاطمة (عليها السّلام) كانت تحدّثها من بطنها و تصبّرها فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما فقال: يا خديجة من تحدّثين؟

قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني و يؤنسني.

قال: هذا جبرئيل يخبرني أنّها انثى و أنّ اللّه تعالى سيجعل نسلي منها و يجعل من نسلها أئمّة خلفاء في أرضه، فلمّا حضرت ولادتها وجّهت إلى النساء قريش لما تليه النساء فأرسلن:

أنت عصيتنا و تزوّجت يتيم أبي طالب فلسنا نجي‏ء، فاغتمّت لذلك، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهنّ من بني هاشم ففزعت منهنّ فقالت إحداهنّ: لا تخرجي يا خديجة فإنّا رسل ربّك إليك و نحن أخواتك أنا سارة و هذه آسية و هي رفيقتك في الجنّة و هذه مريم بنت عمران و هذه كلثوم بنت موسى بن عمران بعثنا اللّه إليك لنأمنك ممّا على النساء من النساء، فجلسن حولها، فوضعت فاطمة طاهرة مطهّرة فلمّا سقت إلى الأرض أشرق منها النور حتّى دخل بيوتات مكّة و لم يبق في الدّنيا موضع إلّا أشرق فيه ذلك النور و دخل عشرة من الحور العين مع كلّ واحدة طشت و ابريق من الجنّة، و في الإبريق ماء من الكوثر فغسّلتها بماء الكوثر و لفّتها واحدة من النساء الأربع بخرقة بيضاء و قنّعتها باخرى ثمّ استنطقتها فنطقت فاطمة بالشهادتين و قالت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ أبي سيّد الأنبياء و أنّ بعلي سيّد الأوصياء

13

و ولدي سيّد الأسباط، ثمّ سلّمت عليهنّ و سمّت كلّ واحدة باسمها و تضاحكن معها و بشّر أهل السماء بعضهم بعضا بولادة فاطمة و حدث في السماء نور ظاهر لم تره الملائكة قبل ذلك و قالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهّرة زكية ميمونة فتناولتها فألقمتها ثديها فكانت فاطمة (عليها السّلام) تنمى في اليوم كما ينمى الصبي في الشهر، [و تنمى في الشهر] كما ينمى الصبي في السنة (1).

و في عيون الأخبار بإسناده إلى الهروي عن الرضا (عليه السّلام) قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا عرّج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة فناولني من بطنها فأكلته فتحوّل ذلك نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة (عليها السّلام) حوراء إنسية فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة.

و في كتاب معاني الأخبار بإسناده إلى الصيرفي عن الصادق (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): خلق نور فاطمة (عليها السّلام) قبل أن يخلق الأرض و السماء و هي حوراء إنسيّة خلقها من نورها قبل أن يخلق آدم و كانت في حقّة تحت ساق العرش طعامها التسبيح، فلمّا أخرجني من صلب آدم جعلها تفّاحة في الجنّة فأتاني بها جبرئيل قال: يا محمّد كلها ففلقتها فرأيت نورا ساطعا فقال: هذا النور لفاطمة لأنّها فطمت شيعتها من النار و ظلم أعداؤها عن حبّها، انتهى ملخّصا (2).

و في كتاب العلل بإسناده إلى جابر قيل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّك تلثم فاطمة، فقال: إنّ جبرئيل أتاني بتفّاحة من تفّاح الجنّة فأكلتها فتحوّلت ماء في صلبي، فواقعت خديجة و حملت (عليها السّلام) فأنا أشمّ منها رائحة الجنّة (3).

و في ذلك الكتاب أيضا عن ابن عبّاس أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أكلت رطبة من الجنّة فتحوّلت نطفة في صلبي فواقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا اشتقت إلى الجنّة شممت رائحتها (4).

____________

(1)- الأمالي: 692 ح 1، و شجرة طوبى: 2/ 248.

(2)- معاني الأخبار: 2/ 107، و أمالي الصدوق: 546 ح 7.

(3)- علل الشرائع: 1/ 183 ح 1، و البحار: 43/ 5 ح 4.

(4)- علل الشرائع: 1/ 184 ح 2، و أمالي الصدوق: 546 ح 7.

14

و في كتاب المناقب عن جابر قال: ما رأيت فاطمة تمشي إلّا ذكرت رسول اللّه، تميل على جانبها الأيمن مرّة و على جانبها الأيسر مرّة، ولدت بعد النبوّة بخمسين سنين و بعد الإسراء بثلاث سنين في العشرين من جمادى الاخرى و أقامت بمكّة [مع‏] أبيها ثماني سنين و هاجرت معه إلى المدينة فزوّجها من عليّ (عليه السّلام) بعد مقدمها المدينة بسنتين أوّل يوم من ذي حجّة و روي يوم السادس، و قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لها ثمانية عشر سنة و سبعة أشهر و ولدت الحسن (عليه السّلام) و لها اثنا عشر سنة (1).

أقول: و روي غير هذا أيضا ممّا يقاربه و روي أنّ نقش خاتمها (عليها السّلام): أنا من المتوكّلين.

و في كتاب الأمالي عن الصادق (عليه السّلام) قال: لفاطمة عند اللّه عزّ و جلّ تسعة أسماء فاطمة و الصدّيقة و المباركة و الطاهرة و الزكية و الراضية و المرضية و المحدّثة و الزهراء، و سمّيت فاطمة لأنها فطمت من الشرّ و لو لا أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) تزوّجها لما كان لها كفؤ إلى يوم القيامة على وجه الأرض آدم فمن دونه‏ (2).

أقول: فيه دلالة على أنّ عليّا و الزهراء (عليها السّلام) أشرف من اولي العزم غير أبيها (صلّى اللّه عليه و آله). و أمّا قدح الناصبي الرازي بأنّ نوح و إبراهيم من آبائها فلا نكاح هناك، فلم يكن فيه دلالة على أشرفيّتها عليهما.

فالجواب عنه ظاهر أمّا أولا، فبأنّ المراد الكفوية مع قطع النظر عن الأبوية كما يدلّ عليه ذكر آدم.

و أمّا ثانيا فلعدم الفصل بين نوح و إبراهيم و غيرهما من أولي العزم.

و في كتاب العلل عن الصادق (عليه السّلام): سمّيت الزهراء لأنّها تزهر لأمير المؤمنين (عليه السّلام) بالنور في اليوم ثلاث مرّات كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة و الناس في فرشهم فيدخل بياض ذلك النور حجراتهم فتبيضّ حيطانهم فيعجبون من ذلك فيأتون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فسألون فيرسلون إلى منزل فاطمة فيرونها قاعدة في محرابها تصلّي و النور سلع من محرابها من وجهها فيعلمونه أنّه من فاطمة فإذا انتصف النهار فتصفرّ ثيابهم و ألوانهم فيسألون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيرسلهم‏

____________

(1)- المناقب: 3/ 132، و روضة الواعظين: 143.

(2)- امالي الصدوق: 688 ح 18، و روضة الواعطين: 148.

15

إلى منزل فاطمة (عليها السّلام) فيرونها قائمة في محرابها و قد زهر نور وجهها بالصفرة فيعلمون أنّها منها فإذا كان آخر النهار و غربت أحمرّ وجهها (عليها السّلام) فأشرقت وجهها بالحمرة فرحا و شكرا للّه عزّ و جلّ فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم و تحمرّ حيطانهم فيسألونه فيرسلهم إلى منزل فاطمة (عليها السّلام) فيرونها جالسة تسبّح اللّه و تمجّده و نور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون أنّ ذلك النور منها فلم يزل ذلك النور في وجهها حتّى ولدت الحسين (عليه السّلام)، فهو ينقلب في وجوهها إلى يوم القيامة منّا أهل البيت إمام بعد إمام‏ (1).

أقول: لعلّ النور الأوّل نور المعرفة و اليقين و الثاني نور الخوف و الثالث نور الحياء و وجه المناسبة ظاهر.

و في ذلك الكتاب عنه (عليها السّلام) سمّيت الزهراء، لأنّ اللّه عزّ و جلّ خلقها من نور عظمته، فلمّا أشرقت أضاءت السماوات و الأرض بنورها و غشيت أبصار الملائكة و خرّت الملائكة للّه ساجدين، و قالوا: إلهنا و سيّدنا ما هذا النور؟

فأوحى اللّه إليهم: هذا نور من نوري أسكنته في سمائي خلقته من نور عظمتي أخرجه من صلب نبيّ من أنبيائي أفضّله على جميع الأنبياء، و أخرج من ذلك النور أئمّة يقومون بأمري و هم خلفائي في أرضي‏ (2). و فيه أيضا عن أبي الحسن (عليه السّلام): سمّيت فاطمة لأنّ اللّه تبارك و تعالى علم ما كان قبل كونه فعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتزوّج في الأحياء و أنّهم يطمعون في وراثة هذا الأمر من قبله.

فلمّا ولدت فاطمة سمّاها اللّه عزّ و جلّ فاطمة لما [اخرج منها] و جعل في ولدها ففطمهم عمّا طمعوا، فبهذا سمّيت فاطمة لأنّها فطحت طمعهم إلى قطعته‏ (3).

و عنه (عليه السّلام): إنّها فطمت بالعلم و فطمت عن الطمث‏ (4).

و عن أبي جعفر: إنّ لفاطمة وقفة على باب جهنّم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني‏

____________

(1)- علل الشرائع: 1/ 180 ح 2، و بحار الانوار: 43/ 11 ح 2.

(2)- علل الشرائع: 1/ 180 ح 1، و الامامة و التبصرة: 133.

(3)- علل الشرائع: 1/ 187 ح 2، و اللمعة البيضاء: 95.

(4)- عوالي اللئالي: 1/ 333.

16

كلّ رجل مؤمن أو كافر فيوم بمحب كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبّا فتقول:

إلهي سمّيت فاطمة و فطمت من تولّاني من النار و وعدك الحقّ فيقول: صدقت يا فاطمة و وعدي الحقّ، و إنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك و ليظهر لملائكتي و أنبيائي مكانك عندي، فمن قرأت بين عينيه محبّا [فخذي‏] بيده إلى الجنّة (1).

و عنه (عليه السّلام): فاطمة البتول لأنّها لم تر حمرة لأنّه مكروه في بنات الأنبياء.

و في كتاب المناقب عن الصادق (عليه السّلام): سمّيت الزهراء لأنّ لها في الجنّة قبّة من ياقوت حمراء ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة معلّقة بقدر الجبار لها مائة ألف باب من الملائكة يراها أهل الجنّة كما يرى أحدكم الكواكب الدريّ الزهراء في افق السماء فيقولون هذه الزهراء لفاطمة (عليها السّلام)(2).

و في إرشاد القلوب مرفوعا إلى سلمان الفارسي رضي اللّه عنه قال: كنت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فدخل عليه العبّاس فقال: يا رسول اللّه بما فضّل علينا عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و المعادن واحدة؟

فقال: إنّ اللّه خلقني و خلق عليّا، و لا سماء و لا أرض و لا جنّة و لا نار و لا لوح و لا قلم، فلمّا أراد خلقنا تكلّم بكلمة و كانت نورا ثمّ تكلّم كلمة ثانية فصارت روحا فمزج فيما بينهما فخلقني و خلق عليّا منهما، ثمّ فتق من نوري نور العرش و فتق من نور عليّ نور السماوات و من نور الحسن نور الشمس و من نور الحسين نور القمر فنحن أجلّ منها و كانت الملائكة تسبّح اللّه، فلمّا أراد أن يبلوهم أرسل عليهم سحابا من ظلمة فكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها فقالت الملائكة: نسألك بحقّ هذه الأنوار إلّا ما كشفت عنّا، فخلق نور الزهراء كالقنديل و علّقه في فرطي العرش فزهرت السماوات السبع و الأرضون السبع فمن أجل ذلك سمّيت فاطمة الزهراء و كانت الملائكة تسبّح للّه و تقدّسه فقال اللّه: و عزّتي و جلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحك إلي لمحبّي هذه المرأة و أبيها و بعلها و بنيها، فخرج العبّاس و ضمّ عليّا على صدره و قال: ما أكرمكم على اللّه. (3)

____________

(1)- علل الشرائع: 1/ 189 ح 142، و المختصر: 132.

(2)- المناقب: 3/ 111، و بحار الانوار: 43/ 16 ح 14.

(3)- بحار الانوار: 43/ 17 ح 16، و اللمعة البيضاء: 107.

17

و عن أبي عبد اللّه إنّ فاطمة (عليها السّلام) كانت تكنّى أمّ أبيها (1).

و عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه اختار من النساء أربعا مريم و آسية و خديجة و فاطمة (2).

و في عيون الأخبار و غيره عن أئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) بالأسانيد المتواترة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّ اللّه يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها. و في لفظ آخر فمن آذاها فقد آذاني‏ (3).

يقول مؤلّف هذا الكتاب أيّده اللّه تعالى: إنّ في صحيح البخاري هذا الحديث بعينه و روى بعده بأوراق قليلة إنّ فاطمة خرجت من الدّنيا و هي غاضبة عليهما أعني الشيخين فتحيّروا في وجه الجمع بين الخبرين لصحتها و لم يقعوا عليه.

و في كتاب الأمالي عن عليّ (عليه السّلام) قال: قالت فاطمة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف و يوم الأهوال؟

قال: عند باب الجنّة مع لواء الحمد أشفع لأمّتي إلى ربّي، قالت: يا أبتاه فإن لم ألقك هناك؟

قال: القني على الحوض و أنا أسقي امّتي، قالت: يا أبتاه إن لم ألقك هناك؟

قال: ألقني على الصراط و أنا قائم أقول: ربّ سلّم أمّتي.

قالت: فإن لم ألقك هناك؟

قال: ألقني [عند] (4) شفير جهنّم أمنع شررها و لهبها عن أمّتي فاستبشرت فاطمة بذلك صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها (5).

و فيه أيضا عنه (عليه السّلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل على ابنته فاطمة (عليها السّلام) و إذا في عنقها قلادة فأعرض عنها فقطعتها و رمتها و أعطتها سائلا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أنت منّي يا فاطمة (6).

و في الخرائج عن سلمان أنّ فاطمة (عليها السّلام) كان قدّامها رحى تطحن بها الشعير و على‏

____________

(1)- بحار الانوار: 43/ 19 ح 19، و الاصابة: 8/ 262.

(2)- بحار الانوار: 14/ 201 ح 11، و تفسير العياشي: 3/ 215.

(3)- عيون الاخبار: 1/ 29 ح 6، و أمالي الصدوق: 467 ح 1.

(4)- في المصدر: عند.

(5)- الامالي: أمالي الصدوق: 350، و بحار الانوار: 8/ 35 ح 6.

(6)- الامالي: 552، و المناقب: 3/ 221.

18

عمود الرحى دم سائل و الحسين في ناحية الدار يتضوّر من الجوع، فقلت: يا بنت رسول اللّه دبّرت كفاك و هذا فضة، فقالت: أوصاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تكون الخدمة لها يوما فكان أمس يوم خدمتها.

قال سلمان: إنّي مولا عتاقت، أمّا أنا أطحن الشعير أو أسكت الحسين لك، فقالت: أنا بتسكينه أرفق و أنت تطحن الشعير، فطحنت شيئا من الشعير و إذا أنا بالإقامة فمضيت و صلّيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا فرغت قلت لعليّ: ما رأيت، فبكى و خرج ثمّ عاد فتبسّم فسأله عن ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: دخلت على فاطمة و هي مستلقية لقفاها و الحسين نائم على صدرها و قدّامها رحى تدور من غير يد فقال: يا علي أما علمت أنّ للّه ملائكة سيّارة في الأرض يخدمون محمّد و آل محمّد إلى أن تقوم الساعة (1).

و فيه أيضا أنّ عليّا (عليه السّلام) استقرض من يهودي شعيرا فدفع إليه إزار فاطمة (عليها السّلام) رهنا و كانت من الصوف فوضعها اليهودي في بيت و دخلت امرأته بالليل إلى ذلك البيت فرأت نورا ساطعا فأخبرت زوجها فتعجّب و دخل البيت فرأى الإزار كأنّه يشتعل من بدر منير فأسرع إلى أقاربه و أسرعت إلى أقاربها و كانوا ثمانين من اليهود فرأوا النور فأسلموا كلّهم‏ (2).

و في كتاب الخرائج أنّ اليهود كان لهم عرس فقالوا للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لنا معك حقّ الجوار فأرسل ابنتك إلى دارنا حتّى يزداد عرسنا بها، فقال: إنّها زوجة عليّ بن أبي طالب و هي بحكمه و سألوه أن يشفع إلى علي في ذلك، و قد جمع اليهود الأموال و الحلي و الحلل و ظنّوا أنّ فاطمة (عليها السّلام) تدخل من غير ثياب حسنة و أرادوا استهانة بها فجاء جبرئيل بثياب من الجنّة و حلي و حلل فلبستها فاطمة و تحلّت بها، فلمّا دخلت دار اليهود سجد لها نساؤهم يقبّلن الأرض بين يديها و أسلم بسببها خلقا كثيرا من اليهود (3).

و في تفسير الثقة العيّاشي عن أبي جعفر قال: إنّ فاطمة (عليها السّلام) ضمنت لعليّ (عليه السّلام) عمل البيت و العجين و الخبز و قمّ البيت، و ضمن لها عليّ (عليه السّلام) ما كان خلف الباب و نقل الحطب و أن‏

____________

(1)- الخرائج و الجرائح: 2/ 531، و بحار الانوار: 43/ 28.

(2)- الخرائج و الجرائح: 2/ 537، و بحار الانوار: 43/ 30.

(3)- الخرائج و الجرائح: 2/ 538، و بحار الانوار: 43/ 30.

19

يجيئ بالطعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شي‏ء؟

قالت: لا، قال: أفلا أخبرتني؟

قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهاني أن أسألك شيئا، قال: لا تسألي ابن عمّك شيئا إن جاءك بشي‏ء و إلّا فلا تسأليه، فاستقرض من رجل دينارا فلقي المقداد فقال للمقداد: ما أخرجك بهذه الساعة؟

قال: الجوع، فقال (عليه السّلام): و هو الذي أخرجني و سأوثرك بهذا الدينار فدفعه إليه فأقبل فوجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالسا و فاطمة تصلّي و بينهما شي‏ء مقطى، فلمّا فرغت اجترت ذلك الشي‏ء فإذا جفنة من خبز و لحم، و قال: يا فاطمة أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه [يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ألا أحدثك بمثلك و مثلها؟

قالت: بلى. قال:] مثلك و مثلها مثل زكريا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا قال: يا مريم أنّا لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فأكلوا منها شهرا و هي الجفنة التي يأكل منها القائم و هي عندنا (1).

و في كتاب المناقب عن الصادق (عليه السّلام) في قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ قال عليّ (عليه السّلام) و فاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه بينهما برزخ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ الحسن و الحسين رأس البكّائين ثمانية آدم و نوح و يعقوب و يوسف و شعيب و داود و فاطمة و زين العابدين (عليهم السّلام). أمّا فاطمة بكت على رسول اللّه حتّى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها: لقد آذيتنا بكثرة بكاءك إمّا أن تبكي بالليل و إمّا أن تبكي بالنهار، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي، فقال (عليه السّلام): إنّ اللّه اختار من النساء أربعا مريم و عاصية و خديجة و فاطمة و انّها أفضلهنّ و إنّهنّ يمشين أمامها كالحجاب إلى الجنّة و إنّما فضلتهن فاطمة لأنّها ورثت رسول اللّه و نسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منها (2).

____________

(1)- تفسير العياشي: 1/ 172، و بحار الانوار: 19814/ ح 4.

(2)- المناقب: 3/ 101، و بحار الانوار: 43:/ 32.

20

و روي عن عائشة [أن فاطمة] كانت إذا دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قام لها من مجلسه و قبّل رأسها و أجلسها مجلسه و إذا جاء إليها لقيته و قبّل كلّ واحد منهما صاحبه و جلسا معا (1).

و قال عبد اللّه بن الحسين: دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على فاطمة فقدّمت إليه كسرة يابسة من خبز شعير فأفطر عليها ثمّ قال: يا بنيّة هذا أوّل خبز أكل أبوك منذ ثلاثة أيّام فجعلت فاطمة (عليها السّلام) تبكي و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يمسح وجهها بيده.

و في كتاب المناقب عن جابر أنّه افتخر عليّ و فاطمة (عليهما السّلام) بفضائلهما فأخبر جبرائيل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّهما أطال الخصومة في محبّتك فاحكم بينهما فدخل و قصّ عليهما مقالتهما، ثمّ أقبل على فاطمة فقال: لك حلاوة الولد و له عزّ الرّجال و هو أحبّ إليّ منك، فقالت فاطمة: [و الذي اصطفاك و اجتباك و هداك و هدى بك الأمة] لا زلت مقرّة له ما عشت.

أقول: و في خبر آخر: هي أحبّ إليّ منك و أنت أعزّ عليّ منها (2).

و فيه أيضا: أنّه دخل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على فاطمة فرآها منزعجة، فقال لها: ما بك؟

قالت: الحميراء: افتخرت على أمّي أنّها لم تعرف رجلا قبلك و إنّ امّي عرفتها مسنّة، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ بطن أمّك كان للإمامة وعاء (3).

و فيه إنّه سئل الصادق (عليه السّلام) عن معنى (حي على خير العمل)، قال: خير العمل برّ فاطمة و ولدها (4).

و في خبر آخر: الولاية.

يقول مؤلّف الكتاب أيّده اللّه تبارك و تعالى الذي يسمّى الثاني زمن خلافته إلى إسقاط هذا الفضل من الأذان هو سماعه لهذا الحديث، فموّه على الناس بأنّ سماعهم حي على خير العمل يوجب ترك الجهاد و الإقبال على الصلاة فقبله العامّة منه.

____________

(1)- المناقب: 3/ 113، و بحار الانوار: 43/ 40.

(2)- مناقب آل أبي طالب: 2/ 187، و كشف الغمة: 1/ 384.

(3)- البحار: 43/ 43.

(4)- التوحيد: 241 ح 2، و البحار: 43/ 44 ح 44.

21

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لمّا خلق اللّه الجنّة خلقها من نور وجهه، ثمّ قذف ذلك النور فأصابني ثلث النور و أصاب فاطمة (عليها السّلام) ثلث النور و أصاب عليّا و أهل بيته ثلث النور فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلى ولاية محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(1).

أقول: ظهر من هذا الحديث و غيره أنّ نور فاطمة يعادل نور الجنّة و كذلك نور عليّ و الأئمّة من ولده (عليهم السّلام)، فإن قيل: إنّ النور الذي يعادل نور الجنّة بل يزيد عليه ينبغي أن يرى فيهم على هيئته، قلنا في الجواب: قد ورد في صحيح البخاري أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته ما كان يظهرون للناس من صفاتهم و حالاتهم إلّا ما كانوا يحتملونه، و لو رأوا أنوار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته الحسيّة لما أطاقوا النظر إليه و لخيف عليهم العمى و كذلك في درجات العلوم و مراتب الألحان و الأصوات في تلاوة القرآن في الصلاة و غيرها (2).

____________

(1)- مناقب آل أبي طالب: 3/ 106، و البحار: 43/ 44.

(2)- سبب اخفاء النبي للعلم الربّاني:

آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا يخفون كثيرا من علومهم، حتى أخبروا أنفسهم بالعلّة و هي عدم الكتمان، فعن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «و اللّه لو أن على أفواههم أوكية لأخبرت كل رجل منهم ما لا يستوحش إلى شي‏ء، ولكن فيكم الإذاعة، و اللّه بالغ أمره» بحار الأنوار: 26/ 141 ح 13 باب انه لا يحجب عنهم شي‏ء.

و عن الإمام الباقر (عليه السّلام): «لو كان لألسنتكم أوعية لحدثت كل امرى‏ء بما له و عليه» بحار الأنوار:

26/ 149 ح 34 باب أنه لا يحجب عنهم شي‏ء.

و قال الإمام زين العابدين (عليه السّلام):

إني لأكتم من علمي جواهره‏* * * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن‏* * * إلى الحسين و وصى قبله الحسنا

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به‏* * * لقيل لي: أنت ممّن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي‏* * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا

الأصول الأصيلة: 167، و غرر البهاء الضوي: 318، و مشارق انوار اليقين: 17، و جامع الأسرار: 35 ح 66 و قال الإمام الصادق (عليه السّلام) لمن سأله عن سبب رفع النبي عليّا (عليه السّلام) على كتفه؟

فقال: «ليعرف الناس مقامه و رفعته.

فقال: زدني؟

فقال (عليه السّلام): «ليعلم الناس أنّه أحق بمقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال: زدني؟

22

____________

- فقال: «ليعلم الناس أنه إمام بعده و العلم المرفوع.

فقال: زدني؟

فقال: «هيهات، و اللّه لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عنّي و أنت تقول ان جعفر ابن محمد كاذب في قوله أو مجنون» مشارق انوار اليقين: 17.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «خالطوا الناس بما يعرفون، و دعوهم مما ينكرون، و لا تحملوا على أنفسكم و علينا؛ إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان. الأصول الأصيلة: 169.

و قال (عليه السّلام): «لا تذيعوا سرّنا و لا تحدّثوا به عند غير أهله فان المذيع سرّنا أشدّ علينا من عدوّنا».

الخرايج و الجرايح: 267 باب 7.

و قد بيّن الإمام العسكري (عليه السّلام) علّة عدم اخبارهم بالامور الغيبية بقوله لموسى الجوهري: «ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب، فنخرج ما علمنا منه إليكم، فيسمعه من لا يطيقه إستماعه فيكفر». الهداية الكبرى: 334 باب 13.

على أن الظروف التي كان يعيشها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك بعض الأئمّة كانت مختلفة فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان في بداية الدعوة الإسلامية و قريب عهد بالجاهلية.

بينما أمير المؤمنين (عليه السّلام) جاء بعده بسنوات، و هكذا الأئمة واحدا بعد واحد.

و إذا أردنا أن نبرم هذا الكلام فلا بأس بنقل كلام لسماحة الشيخ محمد الحسين المظفر الذي يصلح أن يكون جوابا عن هذا المطلب: قال بعد أن ذكر توقف الرسالة على علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بكل الأشياء:

فعلم الرسول بالعالم و إحاطته بما يحدث فيه و قدرته على تعميم الاصلاح للداني و القاصي و الحاضر و الباد؛ من أسس تلك الرسالة العامة و قاعدة لزومية لتطبيق تلك الشريعة الشاملة.

غير ان الظروف لم تسمح لصاحب هذه الرسالة (صلّى اللّه عليه و آله) أن يظهر للامّة تلك القوى القدسية و العلم الربّاني الفيّاض. و كيف يعلن بتلك المواهب و الإسلام غضّ جديد، و الناس لم تتعرّف تعاليم الإسلام الفرعية بعد؟!

فكيف تقبل أن يتظاهر بتلك الموهبة العظمى و تطمئن إلى الإيمان بذلك العلم. بل و لم يكن كل قومه الذين انضووا تحت لوائه من ذوي الإيمان الراسخ، و ما خضع البعض منهم للسلطة النبوية إلّا بعد اللتيا و التي و بعد الترهيب و الترغيب». علم الإمام: 9- 10.

أقول: عدم افصاح النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) عن كنه علمه كان بالنسبة لعامّة الناس.

و إلّا فقد أفصح لخاصة أصحابه عن كنه حقيقته و حقيقة علمه، بل و في بعض الأحيان كان يفصح للكثير من الصحابة عن بعض الأمور الغيبية أو الغامضة الجديدة، كما تقدّم في كثير من الأحاديث‏

23

و قد روي إنّ ابنة المأمون زوجة الجواد (عليه السّلام) كانت تراه الأحيان على هيئة من الحسن تعلو وجهه الأنوار منه إلى عنان السماء و ربّما جاءها الحيض ذلك الوقت و كانت تظنّ أنّه ساحر لاختلاف رؤيتها له، و رأته مرّة و أمّها جالسة معها فغشي عليها فحاضت فخرج (عليه السّلام) و هو يقرأ: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ‏ (1).

قوله: أكبرنه أي حضن، و أمّا أمّها فإنّها رأته على الهيئة المعروفة منه، و كذلك خواصّهم كانوا بعض الأحيان يرونهم على تلك الهيئة الخاصّة كسلمان و أبي ذرّ و عمّار و المقداد و زرارة و محمّد بن مسلم و ليث المرادي و نحوهم و لا يرون إلّا ما يطيقون تحمّله.

و روي أنّ الصادق (عليه السّلام) حدّث الجعفي ستّين ألف حديث من الأسرار لم يحدّث غيره بها و نهاه عن الإذاعة فلم يطق تحمّلها فقال له (عليه السّلام): امض إلى الصحراء و احفر حفيرة وضع رأسك فيها و قل حدّثني جعفر بن محمّد حتّى يخلو قلبك ممّا فيه و الأرض تحتمل علومنا، ففعل ما أمره و هان عليه ما كان فيه‏ (2).

و من هذا يظهر لك السبب فيما ورد أنّ الرضا (عليه السّلام) كان أسمر اللون، و ذلك أنّ عامّة الناس كانت تراه على ذلك الحال لمصالح و حكم لا نعرفها.

و روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كان يسمع أصحابه في قراءة الصلاة من الصوت إلّا ما كانت تحمّله عقولهم‏ (3).

و هذا أصل من الاصول ألقيناه إليك من كلامهم (عليهم السّلام) في اختلاف خواص أحوالهم و صفاتهم و هيئاتهم فاحمل ما لا تعرفه من حالاتهم على هذا الأصل.

و روي متواترا عن الصادق عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و رواه العامّة متواترا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ اللّه‏

____________

- حول عالم الأنوار، و انّه كان حول العرش هو و آله، و انه كان نبيا و آدم بين الطين و الماء.

إضافة إلى أحاديث أمير المؤمنين (عليه السّلام) في وصف النبيّ الأعظم و علمه و انّه علّمه ألف باب من العلم يفتح منه ما أراد، و الذي يشعر بأنّه ليس تعليما كسبيا، بل إشارة إلى المنحة الربّانية التي أفاضها النبي على آل محمد (عليهم السّلام).

(1)- سورة يوسف: 31.

(2)- كشف الخفاء: 1/ 196.

(3)- أمالي الصدوق: 467، و عيون أخبار الرضا: 1/ 29 ح 6.

24

ليغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها (1). و قد تقدّم.

و فيه دلالة على أنّها معصومة لأنّ غير المعصوم إذا فعل ذنبا لا يرضى اللّه لرضاه و لو غضب غضبا لا يوافق قانون الشريعة لا يغضب اللّه لغضبه.

و فيه أيضا من كتاب ابن مردويه بالإسناد إلى الأوسي قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حدّثني جبرئيل (عليه السّلام) إنّ اللّه تعالى لمّا زوّج عليّا (عليه السّلام) أمر شجرة طوبى فحملت رقاعا لمحبّي آل بيت محمّد ثمّ أمطرها ملائكة من نور بعدد تيك الرقاع فأخذ تلك الملائكة الرقاع، فإذا كان يوم القيامة و استوت بأهلها أهبط اللّه الملائكة بتلك الرقاع، فإذا لقي ملك من تلك الملائكة رجلا من آل بيت محمّد دفع إليه رقعة براءة من النار (2).

و قال ابن عبّاس: بينا أهل الجنّة في الجنّة رأوا نورا أضاء الجنّة فيقولون: يا ربّ إنّك قلت في كتابك‏ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً (3) فينادي مناد: ليس هذا نور الشمس و لا نور القمر و إنّ عليّا و فاطمة تعجّبا من شي‏ء فضحكا فأشرقت الجنان من نورهما.

و فيه عن عليّ بن معمر قال: خرجت امّ أيمن إلى مكّة لمّا توفيت فاطمة (عليها السّلام) و قالت:

لا أرى المدينة بعدها فأصابها عطش شديد في الجحفة حتّى خافت على نفسها، فنظرت إلى السماء و قالت: يا رب أتعطشني و أنا خادمة بنت نبيّك فنزل إليها دلو من ماء الجنّة فشربت و لم تجع و لم تطعم سنين‏ (4).

و عن مالك بن دينار قال: رأيت في طريق الحجّ امرأة ضعيفة على دابّة نحيفة تقول: لا في بيتي تركتني و لا إلى بيتك حملتني فو عزّتك و جلالك لو فعل بي هذا غيرك لما شكوته إلّا إليك، فإذا شخص أتاها و في يده زمان ناقة فقال لها: اركبي فركبت و سارت الناقة كالبرق الخاطف، فلمّا بلغت المطاف رأيتها تطوف فحلّفتها من أنت؟

____________

(1)- المناقب: 3/ 109، و بحار الأنوار: 43/ 45.

(2)- المناقب: 3/ 109، و بحار الأنوار: 43/ 45.

(3)- سورة الإنسان: 13.

(4)- المناقب: 3/ 117، و بحار الأنوار: 43/ 46 ح 45.

25

فقالت: أنا شهرة بنت مسكة بنت فضّة خادمة الزهراء (عليها السّلام)(1).

و فيه أيضا أنّ فاطمة (عليها السّلام) سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاتما فقال: إذا صلّيت صلاة الليل فاطلبي من اللّه خاتما ففعلت فإذا بهاتف يقول: يا فاطمة الذي طلبتي تحت المصلّى فإذا الخاتم ياقوت لا قيمة له فجعلته في اصبعها و فرحت، فلمّا نامت من ليلتها رأت كأنّها في الجنّة فرأت ثلاثة قصور لم تر في الجنّة مثلها قالت: لمن هذه القصور؟

قالوا: لفاطمة بنت محمّد فكأنّها دخلت قصرا من ذلك فرأت سريرا قد مال على ثلاث قوائم فقالت: ما لهذا السرير قد مال على ثلاث؟

قالوا: لأنّ صاحبته طلبت من اللّه خاتما فنزع أحد القوائم و صيغ لها خاتما و بقي السرير على ثلاث قوائم، فلمّا أصبحت دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قصّت القصّة فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): معاشر آل عبد المطّلب ليس لكم الدّنيا إنّما لكم الآخرة و ميعادكم الجنّة و الدّنيا زائلة غرّارة، فأمرها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن تردّ الخاتم تحت المصلّى فردّت، ثمّ نامت على المصلّى فرأت في المنام أنّها دخلت الجنّة فدخلت ذلك القصر فرأت السرير على أربع قوائم فسألت على حاله فقالوا: ردّت الخاتم و رجع السرير إلى هيئته‏ (2).

و فيه أيضا عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه إنّه لمّا استخرج أمير المؤمنين (عليه السّلام) من منزله خرجت فاطمة حتّى انتهت إلى القبر فقالت: خلّوا عن ابن عمّي فو الذي بعث محمّدا بالحقّ، لأن لم تخلوا عنه لأنشرنّ شعري و لأضعنّ قميص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على رأسي و لأصرخنّ إلى اللّه فما ناقة صالح بأكرم على اللّه من ولدي.

قال سلمان: فرأيت و اللّه أساس حيطان المسجد تقلعت من أسفلها حتّى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها ينفذ فدنوت منها فقلت: يا سيّدتي و مولاتي إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت الحيطان حتّى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا (3).

____________

(1)- المناقب: 3/ 117، و بحار الأنوار: 43/ 46 ح 46.

(2)- المناقب: 3/ 118.

(3)- المناقب: 3/ 118، و بحار الأنوار: 28/ 206.

26

و في كتاب الفضائل قال: دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على عليّ (عليه السّلام) و هو و فاطمة (عليهما السّلام) يطحنان في الجاروش فقال: أيّكما أعيا؟

فقال عليّ: فاطمة، فقال لها: قومي يا بنيّة فقامت و جلس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) موضعها مع عليّ (عليه السّلام) فواساه في طحن الحبّ‏ (1).

و في كتاب الآل عن العسكري (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لمّا خلق اللّه آدم و حوّاء [جعلا] يتبخترا في الجنّة فقال آدم لحوّاء: ما خلق اللّه خلقا هو أحسن منّا، فأوحى اللّه إلى جبرئيل ائت بعبديّ الفردوس الأعلى، فلمّا دخلا الفردوس الأعلى نظرا إلى جارية على درنوك من درانيك الجنّة و على رأسها تاج من نور و في اذنيها قرطان من نور و قد أشرقت الجنان من حسن وجهها فقال آدم: حبيبي جبرئيل من هذه الجارية التي أشرقت الجنان من حسن وجهها؟

فقال: هذه فاطمة بنت محمّد نبيّ من ولدك يكون في آخر الزمان، قال: فما هذا التاج الذي على رأسها؟

قال؛ بعلها عليّ بن أبي طالب، قال: فما القرطان في اذنيها؟

قال: ولداها الحسن و الحسين، قال آدم: يا جبرئيل أخلقوا قبلي؟

قال: هم موجودون في غامض علم اللّه قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة (2).

يقول مؤلّف الكتاب أيّده اللّه تعالى: ورد في صحيح الأخبار أنّ النبيّ و أهل بيته (عليهم السّلام) خلق اللّه سبحانه لهم أجساما مثالية من نور محسوسة تدرك بالأبصار قبل أن يصيروا إلى هذه الأبدان في هذا العالم و كانت أرواحهم في تلك الأجساد النوريّة، فلمّا صاروا إلى هذا العالم خلق لهم أجسادا مثل أجسادهم تدبر كلّ روح من أرواحهم تلك الأجساد الكثيرة.

كما روي أنّ أربعين من الصحابة أضافوا عليّا (عليه السّلام) في ليلة واحدة و أنّه كان عند كلّ واحد منهم في وقت واحد.

و عليه يحمل ما ورد في الحديث الصحيح من أنّه (عليه السّلام) يحضر عند الأموات وقت‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 43/ 51 ح 47.

(2)- بحار الأنوار: 25/ 6 ح 8، و كشف الغمة: 2/ 84.

27

الاحتضار البرّ و الفاجر كما قال (عليه السّلام) للحارث الهمداني، شعر:

يا حار همدان من يمت يرني‏* * * من مؤمن أو منافق قبلا (1)

و ربما كان لهم أجساد غير هذه الأجساد كما روي في واقعة الطفوف لمّا قتل ابنه الحسين (عليه السّلام) و كان يأتي (عليه السّلام) إلى الأجساد الملقاة على التراب بصورة الأسد فرآه رجل يقبّل جسد الحسين (عليه السّلام) و يتمرّغ بدمه فسأل الجنّ- الذي كانوا ينوحون على الحسين (عليه السّلام) و لا يرى إلّا أصواتهم- من هذا الأسد؟

فقالوا: أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام)(2).

مع أنّه يجوز أن يكون اللّه سبحانه أقدرهم على التشكّل بما يريدون من الصور النورانية و الأبدان الجسمانيّة كما أقدر الملائكة على ذلك و هم أجلّ شأنا من الملائكة، و التحقيق السابق دالّ على ذلك‏ (3).

____________

(1)- رسائل المرتضى: 3/ 133، و وسائل الشيعة: 2/ 159.

(2)- نور البراهين: 1/ 316.

(3)- يمكن أن يستدل على ذلك بأمور:

حضور آل محمد عند كل ميت:

قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «إذا بلغت نفس أحدكم هذه قيل له: أمّا ما كنت تحزن من هم الدنيا و حزنها فقد أمنت منه و يقال له: أمامك رسول اللّه و علي و فاطمة (عليهم السّلام)»- بحار الأنوار: 6/ 184 ح 17 باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت، و الكافي: 3/ 134 ح 10.

و عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و الذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمر الجنة أو من شجر الزقوم، و حتى يرى ملك الموت ويراني و يرى عليا و فاطمة و الحسن و الحسين ..» أهل البيت لتوفيق أبو علم: 68- 69 الباب الثاني، و بشارة المصطفى: 6 ح 7 مع تفاوت بسيط.

و في قصة السيد الحميري و رؤيته لامير المؤمنين (عليه السّلام) عند موته ما يؤيد ذلك و انشد في ذلك شعرا:

كذب الزاعمون أن عليا* * * لن ينجي محبه من هنات‏

قد و ربي دخلت جنة عدن‏* * * و عفا لي الاله عن سيئاتي‏

فابشروا اليوم أولياء علي‏* * * و تولوا علي حتى الممات‏

ثم من بعده تولوا بنيه‏* * * واحدا بعد واحد بالصفات‏

كشف الغمة: 2/ 39- 40 مناقب أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و البحار: 6/ 192 ح 42 باب ما يعاني المؤمن‏

28

____________

- و الكافر عند الموت.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «و يمثل له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ذريتهم (عليهم السّلام)» بحار الأنوار: 6/ 196 ح 49.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنه لا يموت ميت حتى يشاهده (عليه السّلام) حاضرا عنده و أنشد للحارث الهمداني:

يا حار همدان من يمت يرني‏* * * من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه و اعرفه‏* * * بعينه و اسمه و ما فعلا

أقول للنار و هي توقد لل* * * عرض ذريه لا تقربي الرّجلا

ذريه لا تقربيه إن له‏* * * حبلا بحبل الوصي متصلا

و أنت يا حار إن تمت ترني‏* * * فلا تخف عثرة و لا زللا

اسقيك من بارد على ظمأ* * * تخاله في الحلاوة العسلا

شرح النهج لابن أبي الحديد: 1/ 299 الخطبة 20، و رسائل الشريف المرتضى: 3/ 133.

و الروايات في ذلك كثير. و هي تثبت حضور أصحاب الكساء عند كل ميت في آن واحد و في أكثر من مكان، و أيضا في إمكان رؤيتهم بروحهم و جسدهم و بمثاله.

و قد جوز ابن العربي رؤية النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بجسمه و روحه و بمثاله الآن الحاوي للفتاوى: 2/ 450.

و قال تاج الدين السبكي لمن سأله عن رؤية القطب في اكثر من مكان: الرجل الكبير (القطب) يملأ الكون و انشد بعضهم:

كالشمس في كبد السماء* * * و ضوؤها يغشى البلاد مشارقا و مغاربا

الحاوي للفتاوي: 2/ 454.

و صرح السيوطي بإمكان رؤية الأنبياء يقظة الرسائل العشرة: 18، و شرح الشمائل المحمدية: 2/ 246.

و قال في الذخائر المحمدية: إنّ رؤيا النبي صلّى اللّه عليه و سلم ممكن لعامة أهل الأرض في ليلة واحدة الذخائر المحمدية: 146.

و أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال له في آن واحد من اقطار متباعدة مع أن رؤيته (صلّى اللّه عليه و آله) حق: بأنه (صلّى اللّه عليه و آله) سراج و نور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها، و كما أن الشمس يراها من في المشرق و المغرب في ساعة واحدة و بصفات مختلفة، فكذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله). و للّه در القائل:

كالبدر من أي النواحي جئته‏* * * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

المواهب اللدنية: 2/ 297 خصائص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و استدل عليه الحافظ البرسي في مشارقه ببعض الآيات القرآنية فلتراجع مشارق أنوار اليقين: 142.

29

____________

هذا، و تواتر حديث: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل مكاني- لا يستطيع أن يتمثل بي- لا يتكون في صورتي- لا يتشبه بي» المواهب اللدنية: 2/ 293 إلى 301 ذكر خصائصه و ذكر جملة من المصادر، و كشف الغمة: 2/ 269.

و قال العلماء في معناه: هو في الدنيا قطعا و لو عند الموت لمن وفق لذلك الذخائر المحمدية: 147.

و روى الإمام الرضا (عليه السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي و لا في صورة أحد من أوصيائي» كشف الغمة: 3/ 120 فضائل الرضا، و الأنوار النعمانية: 4/ 54.

و قال القاضي أبو بكر ابن العربي: رؤيته (صلّى اللّه عليه و آله) بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، و رؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، و يكون ادراك الذات الكريمة حقيقة، و إدراك الصفات إدراك المثال المواهب اللدنية: 2/ 294 خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ارشاد الساري:

14/ 502.

و قال القسطلاني: فإن قلت: كثيرا يرى على خلاف صورته المعروفة و يراه شخصان في حالة واحدة في مكانين و الجسم الواحد لا يكون إلّا في مكان واحد.

أجيب: بأنه في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته عليه الصلاة و السلام مرئية، و صفاته متخيلة غير مرئية، فالادراك لا يشترط فيه تحديق الابصار و لا قرب المسافة، فلا يكون المرئي مدفونا في الأرض و لا ظاهرا عليها، و إنما يشترط كونه موجودا ارشاد الساري: 14/ 503.

و من حال كثير من العلماء و قصصهم يعلم امكان رؤية النبي و أهل بيته (عليهم السّلام)، و كما ذكر ذلك في محله راجع المواهب اللدنية: 2/ 297- 301، و ينابيع المودة: 2/ 551- 554، و كشف الغمة: 1/ 239- 383، و إلزام الناصب:/ 340 إلى 427، و دلائل الامامة: 273 إلى 288 و 294 إلى 320.

قال الشيخ المرسي: لو حجب عني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين. المواهب اللدنية: 2/ 300 خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و يؤيد ذلك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن للشمس وجهين وجه يلي أهل السماء و وجه يلي أهل الأرض، فالإمام مع الخلق كلهم لا يغيب عنهم و لا يحجبون عنه» مشارق انوار اليقين: 139.

و عن الإمام الصادق (عليه السّلام): «الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق» كمال الدين: 1/ 221 باب 22 ح 5، و الانسان الكامل: 87.

و عن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) قال لمن سأله أن يدعو له: «أولست افعل؟ و اللّه إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم و ليلة» أصول الكافي: 1/ 219 عرض الاعمال على النبي ح 4.

و أخرج عبد الرزاق عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «انتم تعرضون علي باسمائكم و سيمائكم» المصنف: 2/

30

و من كتاب مولد فاطمة لابن بابويه عن عليّ (عليه السّلام) قال: كنّا جلوسا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: أخبروني أيّ شي‏ء خير للنساء؟

فعيينا بذلك كلّنا حتّى تفرّقنا، فرجعت إلى فاطمة (عليها السّلام) فأخبرتها فقالت: خير للنساء أن‏

____________

- 214 ح 3111 عن مجاهد.

و اخرج البخاري في الادب المفرد عن أبي ذر أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«عرضت علي أعمال أمتي- حسنها و سيئها- فوجدت محاسن اعمالهم» الادب المفرد: 80 ح 231 باب إمامة الأذى (116).

و اخرج الحارث و البزار عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «حياتي خير لكم تحدثون و نحدث لكم و موتي خير لكم تعرض علي أعمالكم» المطالب العالية: 4/ 22 ح 3853.

و يؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) عند ما قال: «سلوني قبل أن تفقدوني، اسألوني عن طرق السموات، فإنّي أعرف بها مني بطرق الأرض».

فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين اين جبرائيل هذا الوقت؟

فقال: «دعني انظر، فنظر إلى فوق و إلى الأرض يمنة و يسرة، فقال (عليه السّلام): «أنت جبرائيل».

فطار من بين القوم شق سقف المسجد بجناحه، فكبر الناس و قالوا: اللّه أكبر يا أمير المؤمنين من أين علمت أن هذا جبرائيل.

فقال: «إني لما نظرت إلى السماء بلغ نظري ما فوق العرش و الحجب، و لما نظرت إلى الأرض خرق بصري طبقات الأرض إلى الثرى، و لما نظرت يمنة و يسرة رأيت ما خلق و لم أر جبرائيل في هذه المخلوقات، فعلمت انه هو» الأنوار النعمانية: 1/ 32.

و هذا يدل على إمكان إحاطة الأمير بالكون بأجمعه في لحظة واحدة.

و قال الإمام الصادق في حق الإمام الكاظم (عليهما السّلام): «بلغ ما بلغه ذو القرنين و جازه بأضعاف مضاعفة، فشاهد كل مؤمن و مؤمنة» الهداية الكبرى للخصيبي: 270 باب 9.

و بذلك يتضح إمكان رؤية آل محمد: الآن و في كل مكان، و تقدم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، بلحمهم و جسدهم و روحهم.

و هذا يدلّ أن الإمام حاضر عند كل انسان لا يغيب عنه شخص من الأشخاص، لذا ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن للشمس وجهين وجه يلي أهل السماء و وجه يلي أهل الأرض، فالإمام مع الخلق كلهم لا يغيب عنهم و لا يحجبون عنه» (بحار الأنوار: 27/ 9 ح 21 و مشارق أنوار اليقين: 139).

و عن الإمام الصادق (عليه السّلام): «الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق» (كمال الدين: 1/ 221 باب 22 ح 5، و الإنسان الكامل: 87).

31

لا يرين الرّجال و لا يراهن الرّجال، فرجعت و أخبرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قلت: أخبرتني فاطمة بذلك، فأعجب ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: إنّ فاطمة بضعة منّي، انتهى ملخّصا (1).

و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا ينام حتّى يقبّل وجه فاطمة أو بين ثدييها.

و سألت فاطمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت: أهل الدّنيا يوم القيامة عراة؟

فقال: نعم يا بنيّة، [فقالت: و أنا عريانة؟

قال: نعم‏] و أنت عريانة و لا يلتفت فيه أحد فقالت: وا سؤتاه من اللّه يومئذ فما خرجت حتّى قال لي هبط عليّ الروح الأمين فقال: يا محمّد اقرأ فاطمة السلام و اعلمها أنّها استحت من اللّه فاستحى اللّه منها فوعدها أن يكسوها يوم القيامة حلّتين من نور.

قال عليّ: فقلت لها فهلّا سألته عن ابن عمّك؟

فقالت: فعلت، فقال: إنّ عليّا أكرم على اللّه عزّ و جلّ من أن يعريه يوم القيامة (2).

يقول مؤلّف الكتاب أيّده اللّه تعالى: إنّ الأخبار جاءت في كيفيّة المحشر على وجوه:

منها؛ ما روي من قوله (عليه السّلام): تنوقوا بأكفانكم فإنّها زينتكم يوم القيامة (3).

و منها: ما روي من قوله (عليه السّلام): يحشر الناس حفاة عراة عزلا و الأعزل الأغلف.

و منها؛ ما روي أنّ المؤمن يحشر و عليه ثياب و الكافر يحشر عريانا و لهذا يجمع بين الأخبار أو بالحمل على المواقف المتعدّدة فإنّ الناس يوم القيامة تختلف أحوالهم باختلاف المواقف كما نطقت به الأخبار.

و في ذلك الكتاب عن جابر الأنصاري قال: أقبل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيخ من العرب عليه سمل‏ (4) فقال: يا نبيّ اللّه أنا جائع الكبد و عاري الجسد و فقير، فقال: ما أجد لك شيئا ولكنّ الدالّ على الخير كفاعله انطلق إلى حجرة فاطمة، فانطلق الأعرابي مع بلال، فلمّا وقف على باب فاطمة نادى: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، فقالت فاطمة: و عليك السلام فمن أنت؟

____________

(1)- وسائل الشيعة: 20. و بحار الأنوار: 43/ 54.

(2)- بحار الأنوار: 43/ 55، و كشف الغمة: 2/ 118.

(3)- التفسير الصافي: 2/ 140، و مجمع البحرين: 4/ 394.

(4)- السمل: الخلق.

32

قال: شيخ من العرب عاري الجسد جائع الكبد، و كان لفاطمة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثلاثا ما طعموا، فعمدت فاطمة إلى جلد كبش كان ينام عليه الحسن و الحسين (عليهما السّلام) فقالت: خذ هذا فقال: أنا جائع فعمدت إلى عقد كان في عنقها فقطعته و نبذته إلى الأعرابي فانطلق به إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: يا رسول اللّه أعطتني فاطمة و قالت بعه فعسى اللّه أن يصنع لك فبكى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: كيف لا يصنع اللّه لك و قد أعطتك فاطمة بنت محمّد سيّدة بنات آدم، فقال عمّار: أتأذن لي يا رسول اللّه بشراء هذا؟

فقال: اشتره يا عمّار فلو اشترك فيه الثقلان ما عذّبهم اللّه بالنار فقال عمّار: بكم العقد يا أعرابي؟

قال: بشبعة من الخبز و اللحم و بردة يمانية أستر بها عورتي و دينار يبلغني إلى أهلي، فقال: لك عشرون دينارا و مائتا درهم و بردة يمانية و راحلتي و شبعك من الخبز و اللحم فوفاه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فاجز فاطمة بصنيعها.

فقال الأعرابي: اللّهم إنّك إله ما استحدثناك و لا إله لنا نعبده سواك و أنت رازقنا على كلّ الجهات، اللّهم اعط فاطمة ما لا عين رأت و لا اذن سمعت، فأمّن النبيّ على دعائه فعمد عمّار إلى العقد فطيّبه بالمسك و لفّه في بردة يمانية و دفع العقد إلى مملوكه فقال: خذ هذا العقد و ادفعه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنت له، فأتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبره فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العقد و أنت لها، فجاء و أخبرها فأخذت العقد و أعتقت المملوك، فقال الغلام: ما رأيت أعظم بركة من هذا العقد أشبع جائعا و كسى عريانا و أغنى فقيرا و أعتق عبدا و رجع إلى ربّه‏ (1)، انتهى ملخّصا.

أقول: و في ذلك الحديث أنّ فاطمة (عليها السّلام) تسأل في قبرها عن ربّها و نبيّها و إمامها.

و روى الحسين بن سعيد معنعنا عن جعفر عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ بنت حبيب اللّه إلى قصرها فاطمة (عليها السّلام) و حواليها سبعون ألف حوراء، فإذا بلغت إلى باب قصرها وجدت الحسن قائما و الحسين قائما مقطوع الرأس، فتقول للحسن: من هذا؟

____________

(1)- أي سيّده و صاحبه.

33

فيقول: هذا أخي إنّ أمّة أبيك قتلوه و قطعوا رأسه، فيأتي النداء من عند اللّه يا بنت حبيب اللّه إنّي إنّما أريتك ما فعلت به أمّة أبيك لأنّي ادّخرت لك عندي تعزية بمحبتك فيه لي جعلت تعزيتك اليوم أن لا أنظر في محاسبة العباد حتّى تدخلي الجنّة أنت و ذرّيتك و شيعتك و من أولاكم معروفا ممّن ليس هو من شيعتك قبل أن أنظر في محاسبة العباد، فيدخل الجنّة كلّهم فهو قول اللّه عزّ و جلّ: لا يحزنهم الفزع الأكبر، قال: هول يوم القيامة و هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، هي و اللّه فاطمة و ذرّيتها و شيعتها و من أولاهم معروفا ممّن هو ليس من شيعتها (1).

أقول: أولادها (عليها السّلام) من السّادة داخلون في ذرّيتها و شيعتها، و قوله: ممّن هو ليس من شيعتها.

يحتمل أن يراد من الشيعة الكاملون في المتابعة العالمون بالشرائع النبويّة فيكون المراد من ليس من شيعتها فسّاق الشيعة و عوامهم، و يجوز أن يراد من قوله: ممّن هو من شيعتها، محبّوها و محبّوا شيعتها من المستضعفين من أهل الأديان فإنّ بعض مشايخنا من المعاصرين ذهب إلى أنّهم ممّن يرجى لهم النجاة.

و في بعض الأخبار دلالة عليه.

و في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لفاطمة: قومي يا فاطمة فاخرجي تلك الصفحة، فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد و لحم يفور فأكل منه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) ثلاثة عشر يوما ثمّ إنّ امّ أيمن رأت الحسين (عليه السّلام) معه شي‏ء فقالت: من أين لك هذا؟

قال: إنّا نأكله منذ أيّام، فقال؛ يا فاطمة إذا كان عند امّ أيمن شي‏ء فإنّما هو لفاطمة و لولدها و إذا كان عند فاطمة شي‏ء فليس لامّ أيمن شي‏ء فأخرجت لها منه و أكلت و نفذت الصحفة فقال لها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أمّا لولا إنّك أطعمتيها لأكلت منها أنت و ذرّيتك إلى أن تقوم الساعة، ثمّ قال (عليه السّلام)؛ و الصحفة عندنا يخرج بها قائمنا (عليه السّلام) في زمانه‏ (2).

____________

(1)- بحار الأنوار: 7/ 336 ح 21، و اللمعة البيضاء: 56.

(2)- الكافي: 1/ 460 ح 7، و بحار الأنوار: 43/ 63 ح 55.

34

و روى جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) إنّه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا أهل الجمع غضّوا الأبصار فإنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة، فبعث اللّه سبحانه إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتّى يصيّروها على باب الجنّة فإذا صارت على باب الجنّة تلتفت فيقول اللّه: يا بنت حبيبي ما التفاتك؟

فيقول: يا ربّ أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم، فيقول: ارجعي و انظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذرّيتك خذي بيده و ادخليه الجنّة، فتأتي و تلتقط شيعتها و محبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الحبّ الردي‏ء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلتفتوا فيقول اللّه للشيعة: ما التفاتكم؟ فيقولون [يا رب‏] أحببنا أن نعرف قدرنا في هذا اليوم، فيقول [اللّه‏]: انظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة أو أطعمكم أو كساكم لحبّها أو سقاكم شربة من ماء أو ردّ عنكم غيبة فادخلوه الجنّة، فلا يبقى في النّاس إلّا شاكّ أو كافر أو منافق، انتهى ملخّصا. و فيه دلالة على ما قلناه.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنّه قال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قال: الليلة فاطمة و القدر اللّه فمن عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر و إنّما سمّيت فاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها.

و في كتاب المهج بإسناده إلى عبد اللّه بن سلمان الفارسي عن أبيه قال: خرجت من منزلي بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلقيني عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال: يا سلمان جفوتنا بعد رسول اللّه، فقلت: يا أبا الحسن إنّ حزني على رسول اللّه طال فهو الذي منعني من زيارتكم، فقال: ائت منزل فاطمة تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنّة.

قال سلمان: فهرولت إلى منزل فاطمة، فإذا هي جالسة و عليها قطعة عباة إذا خمرت رأسها انجلى ساقها و إذا غطّت ساقها انكشفت رأسها، فلمّا نظرت إليّ اعتجرت قالت:

يا سلمان إنّي كنت بالأمس جالسة و أنا أتفكّر في انقطاع الوحي عنّا فإذا قد دخل عليّ ثلاث جوار لم أر مثلهنّ فسألتهنّ عن أحوالهنّ فقلن: نحن جوار من الحور العين أرسلنا ربّ العزّة إليك يا بنت محمّد فقلت للذي أظنّ أنّها أكبرهنّ سنّا ما اسمك؟

قالت: اسمي مقدودة خلقت للمقداد بن الأسود، و قلت للثانية: ما اسمك قالت: ذرّة

35

خلقت لأبي ذرّ الغفاري، فقلت للثالثة: ما اسمك؟

قالت: سلمى أنا لسلمان الفارسي، ثمّ أخرجت لي رطبا أبيض من الثلج و أطيب ريحا من المسك، فقالت: يا سلمان أفطر عليه عشيّتك.

ثمّ قالت: يا سلمان هذا نخل غرسه اللّه في دار السلام بكلام علمنيه أبي كنت أقوله غدوة و عشية و إن سرّك أن لا تمسّك الحمى ما عشت فواظب عليه و هو: بسم اللّه النور بسم اللّه نور النور بسم اللّه نور على نور بسم اللّه هو مدبّر الامور بسم اللّه الذي خلق النور من النور، الحمد للّه الذي خلق النور من النور و أنزل النور من النور على الطور في كتاب مسطور في رقّ منشور بقدر مقدور على نبيّ محبور، الحمد للّه الذي هو بالعزّ مذكور و بالفخر مشهور و على السرّاء و الضرّاء مشكور و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

قال سلمان: فو اللّه لقد علمتهن أكثر من ألف نفس من أهل المدينة و مكّة ممّن بهم الحمى، فكلّ برئ من مرضه بإذن اللّه تعالى‏ (1).

و في كتاب المناقب مسندا إلى ابن عبّاس قال: خرج أعرابي من بني سليم إلى البريّة فاصطاد ضبّا و جعله في مكّة و أقبل نحو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوقف و نادى: يا محمّد يا محمّد و كان من أخلاق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا قيل له يا محمّد قال يا محمّد و إذا قيل له: يا أحمد، قال: يا أحمد، و إذا قيل له: يا أبا القاسم، قال: يا أبا القاسم، و إذا قيل له: يا رسول اللّه، قال: لبّيك و سعديك، و يتهلّل وجهه، فلمّا أن ناداه الأعرابي يا محمّد أجابه يا محمّد فقال له: أنت الساحر الكذّاب الذي ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء من ذي الهجة هو أكذب منك أنت الذي تزعم أنّ لك في هذه الخضراء إلها بعث بك إلى الأبيض و الأسود، و اللّات و العزّى لولا انّي أخاف أنّ قومي يسمّونني العجول لقتلتك، فوثب إليه عمر ليبطش به فقال له: اجلس يا أبا حفص فقد كاد الحليم أن يكون نبيّا.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أخا بني سليم هكذا تفعل العرب يتهجّمون علينا في مجالسنا إنّ أهل السماء يسمّونني أحمد الصادق، يا أعربي أسلم تسلم من النار، فغضب الأعرابي و قال:

و اللّات و العزّى لا أؤمن بك أو يؤمن هذا الضبّ ثمّ رمى بالضبّ عن كمّه فولّى هاربا فناداه‏

____________

(1)- بحار الأنوار:/ 43/ 67 ح 59، و اللمعة البيضاء: 58.

36

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أيّها الضبّ أقبل إليّ فأقبل فقال: من أنا؟ فنطق و قال: أنت محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من تعبد؟

قال: أعبد الذي فلق الحبّة و برأ النسمة و اتّخذ إبراهيم خليلا و اصطفاك يا محمّد حبيبا و أنشد فيه أشعارا، فلمّا نظر الأعرابي إلى ذلك قال: و اعجبا ضبّ اصطدته من البريّة لا يفقه و لا يعقل يكلّم محمّدا و يشهد له بهذه الشهادة أنا لا أطلب أثرا بعد عين مدّ يمينك فأسلم.

قال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هل لك شي‏ء من المال؟

فقال: إنّا أربعة آلاف رجل من بني سليم ما فيهم أفقر منّي، فقال لأصحابه: من يحمل الأعرابي على ناقة أضمن له ناقة من نوق الجنّة فأعطاه سعد بن عبادة فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

أصف لك ناقتك في الجنّة بدلا من ناقة الأعرابي؛ ناقة من ذهب أحمر و قوائمها من العنبر و وبرها من الزعفران و عيناها من ياقوتة حمراء و عنقها من الزبرجد الأخضر و سامها من الكافور الأشهب و ذقنها من الدرّ و خطامها من اللؤلؤ الرطب عليها قبّة من درّة بيضاء يرى باطنها من ظاهرها و ظاهرها من باطنها تطير بك في الجنّة، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من يتوج الأعرابي أضمن له على اللّه تاج التّقى فنزع عليّ (عليه السّلام) عمامته فعمّمه بها الاعرابي ثمّ قال: من يزوّد الأعرابي أضمن له زاد التقوى فوثب إليه سليمان فقال: و ما زاد التقوى؟

قال: يا سلمان إذا كان آخر يوم من الدّنيا لقّنك اللّه عزّ و جلّ قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، فإن أنت قلتها لقيتني و لقيتك و إن أنت لم تقلها لم تلقني و لم ألقك أبدا فمضى سلمان إلى حجرة فاطمة يطلب شيئا و قصّ عليها قصّة الأعرابي و الضبّ فقالت: يا سلمان أنّ لنا ثلاثا ما طمعنا و أنّ الحسن و الحسين قد اضطربا عليّ من شدّة الجوع، ولكن خذ درعي هذا و امض إلى شمعون اليهودي و قل له: تقول فاطمة بنت محمّد: خذ هذا و اقرضني عليه صاعا من تمر و صاعا من شعير أرده إليك إن شاء اللّه، فمضى به إلى شمعون ثمّ جعل يقلّبه في كفّه و عيناه تذرفان بالدموع و هو يقول: يا سلمان هذا هو الزّهد في الدّنيا هذا الذي أخبرنا به موسى بن عمران في التوراة، فأسلم اليهودي و دفع إلى سلمان صاعا من تمر و صاعا من شعير فطحنته و اختبزته فقالت: امض به يا سلمان إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا فاطمة خذي منه قرصا للحسن و الحسين فقالت: يا سلمان هذا شي‏ء أمضيناه للّه لسنا نأخذ منه شيئا، فجاء

37

به سلمان فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من أين لك هذا؟

قال: من منزل فاطمة، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يطعم طعاما منذ ثلاث فأتى إلى منزل فاطمة فرأى صفار وجهها و تغيّر حدقتيها فسألها فقالت: يا أبه لنا ثلاثا ما طعمنا طعاما، فجلس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أخذ الحسن على فخذه الأيمن و الحسين على الأيسر و فاطمة بين يديه و عليّ وراءه و رفع طرفه نحو السماء و قال: إلهي و مولاي هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و دخلت فاطمة إلى المخدع و صلّت ركعتين و قالت: اللّهمّ انزل علينا مائدة فإذا هي بصحفة يفور قتارها فأتت بها إلى النبيّ و علي و الحسن و الحسين فقال لها عليّ: من أين لك هذا؟

فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كل و لا تسأل، الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى رزقني ولدا مثلها مثل مريم بنت عمران، كلّما دخل عليها زكريا بالمحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند اللّه.

فأكلوا و تزوّد الأعرابي و ركب راحلته إلى بني سليم و هم أربعة آلاف رجل فناداهم قولوا: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه، فقالوا له: صبوت إلى دين محمّد الساحر الكذّاب فشرح لهم قصّة الضبّ مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنشدهم أشعاره فأسلموا كلّهم و هم أصحاب الرايات الخضر حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(1).

و روى في ذلك الكتاب أنّ الحسن و الحسين (عليهما السّلام) كان عليهما ثياب خلق و قد قرب العيد فقالا لامّهما: إنّ بني فلان خيطت لهما الثياب الفاخرة أفلا تخيطين لنا ثيابا للعيد يا امّاه، فقالت: يخاط لكما إن شاء اللّه [فلما إن جاء العيد] جاء جبرئيل (عليه السّلام) بقميصين من حلل الجنّة و أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقول فاطمة للحسن و الحسين ثمّ قال جبرئيل: قال اللّه تعالى لمّا سمع قولها لا نستحسن أن نكذّب فاطمة بقولها: يخاط لكما إن شاء اللّه‏ (2).

و روى الديلمي عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بينما أهل الجنّة في الجنّة يتنعّمون إذ بدا لهم نور ساطع فيقول بعضهم لبعض: ما هذا النور لعلّ ربّ العزّة اطّلع فنظر

____________

(1)- بحار الأنوار: 43/ 73.

(2)- بحار الأنوار: 43/ 75، و كلمات الإمام الحسين: 21.

38

إلينا، فيقول لهم رضوان: لا و لكن عليّ (عليه السّلام) مازح فاطمة (عليها السّلام) فتبسّمت فأضاء ذلك النور من ثناياها (1).

في كتاب الفردوس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال؛ فاطمة سيّدة نساء العالمين ما خلا مريم بنت عمران‏ (2).

أقول: نطقت الأخبار الصحيحة بأنّ الزهراء (عليها السّلام) أفضل نساء العالمين مريم و غيرها و جاء مثل هذا الحديث في أخبار العامّة، فإن صحّ يمكن تأويله بأنّه لا يشارك فاطمة في سيادة النساء إلّا مريم لأنّها سيّدة نساء عالمها و لا يلزم منه أن لا تكون فاطمة (عليها السّلام) أفضل منها.

و في بصائر الدرجات عن الصادق (عليه السّلام) قال: الجفر جلد ثور مملوّ علما و الجامعة صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها ما يحتاج إليه الناس حتّى أرش الخدش، و أمّا مصحف فاطمة، فإنّها مكثت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خمسة و سبعون يوما و قد دخلها حزن شديد على أبيها و كان جبرئيل (عليه السّلام) يأتيها فيحسن عزاها على أبيها و يطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و ما يكون بعدها في ذرّيتها و قال لها أمير المؤمنين (عليه السّلام): إذا سمعت صوته فاعلميني فأعلمته، فجعل يكتب كلّما سمع حتّى أثبت من ذلك مصحفا أمّا إنّه ليس من الحلال و الحرام و لكن فيه علم ما يكون‏ (3).

و في كتاب الدلائل مسندا إلى الحسين (عليه السّلام) قال: حدّتثني امّي فاطمة (عليها السّلام) قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ألا أبشّرك إذا أراد اللّه أن يتحف زوجة وليّه في الجنّة بعث إليك، تبعثين [لها] من حليك‏ (4).

و في حديث آخر عن الحسن (عليه السّلام) إنّها كانت (عليها السّلام) تدعو ليال الجمع للمؤمنين و المؤمنات فقال لها: يا امّاه لم لا تدعين لنفسك؟

____________

(1)- اللمعة البيضاء: 44.

(2)- بحار الأنوار: 43/ 76، و اللمعة البيضاء: 181.

(3)- بصائر الدرجات: 180.

(4)- دلائل الإمامة: 67 ح 3، و بحار الأنوار: 43/ 80.

39

فقالت: يا بنيّ الجار ثمّ الدار (1).

و في علل الشرائع مسندا إلى عليّ (عليه السّلام) قال: إنّ فاطمة (عليها السّلام) كانت عندي و استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها و طحنت بالرّحى حتّى مجلت يداها و كسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها و أوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل فأتت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوجدت عنده جماعة يتحدّثون فاستحت فانصرفت قال: فعلم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّها جاءت لحاجة قال:

فعدا علينا و نحن في لحافنا فقال: السلام عليكم فسكتنا و استحيينا لمكاننا ثمّ قال: السلام عليكم فسكتنا ثمّ قال: السلام عليكم.

فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، و قد كان يفعل ذلك يسلّم ثلاثا فإن أذن له و إلّا انصرف فقلت: و عليك السلام يا رسول اللّه أدخل، فجلس عند رؤوسنا فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟

قال: فخشيت إن لم نجبه أن يقوم.

قال: فأخرجت رأسها و حكت له حالها و سؤالها الخادم، قال: أفلا أعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثا و ثلاثين و احمدا ثلاثا و ثلاثين و كبّرا أربعا و ثلاثين، فأخرجت (عليها السّلام) رأسها فقالت: رضيت عن اللّه و رسوله ثلاثا (2).

أقول: هذا الترتيب خلاف المشهور فيحمل هذا الترتيب الخاصّ إمّا على حالة النوم و الترتيب المشهور على ما إذا كان بعد الصلوات و غيرها، و إمّا على أنّ «الواو» لا تفيد الترتيب فيرجع إلى المشهور.

و عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا أراد السفر يكون آخر زمن يسلّم عليه فاطمة فيكون وجهه إلى سفره من بيتها و إذا رجع بدأ بها فسافر مرّة و قد أصاب عليّ شيئا من غنيمة فدفعه إلى فاطمة فأخذت سوارين من فضّة و علّقت على بابها سترا، فلمّا قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من سفره نظر إليها و خرج فبكت و قالت: ما فعل هذا بي إلّا للسوارين‏

____________

(1)- علل الشرائع: 1/ 182 ح 1، و بحار الأنوار: 43/ 82 ح 3.

(2)- علل الشرائع: 2/ 366، و بحار الأنوار: 43/ 83.

40

و الستر فدفعتهما إلى الحسن و الحسين و قالت: قولا له ما أحدثنا من بعدك إلّا هذا فقبّلهما ثمّ أمر بذينك السوارين فكسرا فجعلهما قطعا ثمّ دعى أهل الصفة قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل و لا أموال فقسّمنه بينهم قطعا، ثمّ جعل يدعو الرجل العاري فيستره و كان ذلك الستر طويلا ليس له عرض فجعل يؤزر الرجال و كانوا من صفر ازارهم إذا ركعوا و سجدوا بدت عورتهم من خلفهم، ثمّ جرت به السنّة أن لا يرفع النساء رؤوسهنّ من الركوع و السجود حتّى يرفع الرجال، الحديث‏ (1).

أقول: هذا الحديث يكشف عن معنى قوله (عليه السّلام) في حديث آخر: أنّه أمر أن لا يرفعن النساء رؤوسهنّ من السجود قبل الرجال لضيق الازر يعني ازر الرجال لا أزر النساء كما فهم جماعة.

و روى أبو القاسم القشيري في كتابه قال بعضهم: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة فقلت لها: من أنت؟

قالت: و قل سلام فسوف تعلمون، فسلّمت عليها فقلت لها: ما تصنعين؟

قالت: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ‏، فقلت: أمن الجنّ أم من الإنس؟

قالت: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ‏

فقلت: من أين أقبلت؟

قالت: يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.

فقلت: أين تقصدين؟

قالت: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏، فقلت: متى انقطعت؟

قالت: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏، فقلت: تشتهين طعاما؟

فقالت: وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ‏، فأطعمتها ثمّ قلت: هرولي و لا تعجلي، فقالت: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

فقلت: أردفك، قالت؛ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، فنزلت فأركبتها.

فقالت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، فلمّا أدركنا القافلة قلت: هل لك أحد فيها؟

____________

(1)- مكارم الأخلاق: 94، و بحار الأنوار: 43/ 83 ح 6.

41

قالت: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ‏، يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ‏، يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ‏ فصحت بهذه الأسماء فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين إليها فقلت: من هؤلاء منك؟

قالت: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، فلمّا أتوها قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏، فكافؤني بأشياء.

فقالت: وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ فزادوا عليّ، فسألتهم عنها فقالوا: هذه امّنا فضّة جارية الزهراء (عليها السّلام) ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن‏ (1).

و من كتاب زهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي جعفر القمّي لمّا نزلت‏ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏ بكى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بكت أصحابه لبكائه و لم يدروا ما نزل، و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا رأى فاطمة فرح فانطلق سلمان إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيرا تطحنه و تقول: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ فأخبرها ببكاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فالتفّت بشملة لها خلقة قد خيطت اثنى عشر مكانا بسعف النخل، فلمّا خرجت نظر سلمان إلى الشملة و بكى و قال: و ا حزناه انّ قيصر و كسرى لفي السندس و الحرير و ابنة محمّد عليها هذه الشملة، فلمّا دخلت على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قالت: إنّ سلمان يعجب من لباسي، و الذي بعثك بالحقّ مالي و لعلي منذ خمس سنين إلّا مسك كبش نعلف عليه بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه و إنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا سلمان إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق، ثمّ قالت: يا أبه فديتك ما الّذي أبكاك، فذكّرها ما نزل به جبرئيل من الآيتين فسقطت على وجهها و هي تقول: الويل ثمّ الويل لمن دخل النار فسمعها سلمان فقال: يا ليتني كنت كبشا لأهلي فأكلوا لحمي و مزّقوا و لم أسمع بذكر النّار. و قال أبو ذرّ: يا ليت امّي كانت عاقرا و لم تلدني و لم أسمع بذكر النّار. و قال عمّار: يا ليتني كنت طائرا في القفار و لم يكن عليّ حساب و لا عقاب.

و قال عليّ (عليه السّلام): يا ليت السباع مزّقت لحمي و ليت امّي لم تلدني. ثمّ وضع عليّ (عليه السّلام) يده على رأسه و جعل يبكي و يقول: وا بعد سفراه وا قلّة زاداه في سفر القيامة [يذهبون في النار

____________

(1)- بحار الأنوار: 43/ 87 ح 8، و مجمع النورين: 32.

42

و يتخطفون‏] (1) مرضى لا يعاد سقيمهم و جرحى لا يداوى جرائحهم و أسرى لا يفكّ [أسيرهم‏] (2) من النار يأكلون و منها يشربون و بين طبقاتها يتقلّبون و بعد لبس القطن مقطعات النار يلبسون و بعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرنون‏ (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى‏ مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً.

روى مسندا إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان سبب نزول هذه الآية أنّ فاطمة (عليها السّلام) رأت في منامها أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) همّ أن يخرج هو و فاطمة و عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) من المدينة فخرجوا حتّى جاوزوا من حيطان المدينة فتعرّض لهم طريقان، فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذات اليمين حتّى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل و ماء فاشترى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شاة في أحد اذنيها نقط فأمر بذبحها، فلمّا أكلوا ماتوا في مكانهم، فانتبهت فاطمة باكية، فلمّا أصبحت جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بحمار فأركب عليه فاطمة و أمر أن يخرج أمير المؤمنين و الحسن و الحسين من المدينة كما رأت فاطمة من نومها، فلمّا خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان فأخذ ذات اليمين حتّى انتهوا إلى موضع فيه نخل و ماء فاشترى شاة و ذبحت و شويت، فلمّا أرادوا أكلها تنحّت فاطمة تبكي مخافة أن يموتوا، قال: ما شأنك يا بنيّة؟

قالت: رأيت كذا و كذا في نومي فتنحّيت لئلّا أراكم تموتون فناجى ربّه فنزل جبرئيل و قال: يا محمّد هذا شيطان يقال له الدّهار أرى فاطمة هذه الرؤيا و هو يؤذي المؤمنين في نومهم، فجاء به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فبزق عليه ثلاث بزقات و شجّه في ثلاث مواضع ثمّ قال جبرئيل: قل يا محمّد إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه أو رأى أحد من المؤمنين: أعوذ بما عاذت به ملائكة اللّه المقرّبون و أنبياء اللّه المرسلون و عباده الصالحون من شرّ ما رأيت و من رؤياي، و يقرأ الحمد و المعوّذتين و قل هو اللّه أحد و يتفل عن يساره ثلاث تفلات فإنّه لا يضرّه‏

____________

(1)- زيادة من المصدر.

(2)- في المصدر: أسيرهم.

(3)- بحار الأنوار:/ 8843، و بيت الأحزان: 45.

43

ما رأى‏ (1).

و في تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: رأت فاطمة في منامها كأنّ الحسن و الحسين ذبحا أو قتلا فأحزنها ذلك فأخبرت به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رؤيا فتمثّلت بين يديه قال: أنت أريت فاطمة هذا البلاء؟

قالت: لا، فقال: يا أضغاث أنت أريت فاطمة هذا البلاء؟

قالت: نعم يا رسول اللّه.

قال: فما أردت بذلك؟

قالت: أردت أن أحزنها، فقال: يا فاطمة اسمعي ليس هذا بشي‏ء (2).

و في نوادر الراوندي قال: استأذن أعمى على فاطمة فحجبته فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لم حجبتيه و هو لا يراك؟

فقالت: إن لم يكن يراني فأنا أراه و هو يشمّ الريح، فقال: أشهد أنّك بضعة منّي‏ (3).

و في الكافي عن الصادق (عليه السّلام) قال: ليس على وجه الأرض بقلة أنفع من [الفرقح‏] (4) و هو بقلة فاطمة (صلوات اللّه عليها)، لعن اللّه بني اميّة سمّوها بقلة الحمقى بغضا لنا و عداوة لفاطمة (عليها السّلام)(5).

و عنه (عليه السّلام): بقلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الهندباء و بقلة أمير المؤمنين (عليه السّلام) الباذروج و بقلة فاطمة (عليها السّلام) [الفرفح‏] (6) (7).

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 356، و بحار الأنوار: 73/ 199.

(2)- تفسير العياشي: 2/ 179 ح 31، و بحار الأنوار: 43/ 91 ح 15.

(3)- كتاب النوادر: 119، و بحار الأنوار: 43/ 91.

(4)- في المصدر: الفرفح.

(5)- الكافي: 6/ 367 ح 1، و بحار الأنوار: 43/ 89 ح 11.

(6)- ظاهر المخطوط: الفرفخ، و هو نبت الفرفحين.

(7)- الكافي: 6/ 364 ح 10، و كفاية الأثر: 242.

44

الباب الثاني في تزويج فاطمة (صلوات اللّه عليها)

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في كتاب الحدائق ليلة إحدى و عشرين من المحرّم و كانت ليلة خميس سنة ثلاث من الهجرة: كان زفاف فاطمة (عليها السّلام) يستحبّ صومه شكرا للّه تعالى لما وفّق من جمع حجّته و صفوته‏ (1).

و في كتاب الأمالي عن عليّ (عليه السّلام) قال: أتاني أبو بكر و عمر فقالوا: لو أتيت رسول اللّه فذكرت فاطمة، فأتيته، فلمّا رآني ضحك قال: ما جاء بك يا أبا الحسن؟ فذكرت له قرابتي و نصرتي و جهادي فقال: يا عليّ صدقت، فقلت: زوّجني فاطمة، فقال: إنّه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها فرأيت الكراهة في وجهها و لكن اجلس حتّى أخرج إليك و دخل عليها فقال: يا فاطمة إنّ عليّ بن أبي طالب ممّن عرفت قرابته و إنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه و أحبّهم إليه و قد ذكر من أمرك شيئا، فسكتت و لم تول وجهها فقام و هو يقول: سكوتها إقرارها فأتاه جبرئيل و قال: يا رسول اللّه زوّجها عليّ بن أبي طالب، فزوّجني رسول اللّه ثمّ أتاني فأخذ بيدي فأقعدني عندها و دعى لنا (2).

و فيه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا زوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا فاطمة دخل عليها و هي تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فو اللّه لو كان في أهل بيتي خير منه زوّجتك، و ما أنا زوّجتك و لكنّ اللّه زوّجك و أصدق عنك الخمس ما دامت السماوات و الأرض.

قال عليّ (عليه السّلام): قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قم فبع الدّرع، فبعته و أخذ الدراهم فقبض قبضة أعطاها بلال و قال: ابتع لفاطمة طيبا ثمّ قبض قبض بكلتا يديه و قال لأبي بكر و أردفه بعمّار و جماعة و قال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب و أثاث البيت، و كان ممّا اشتروه قميص‏

____________

(1)- مسار الشيعة للمفيد: 36، و بحار الأنوار: 95/ 345.

(2)- الأمالي: 40، و بحار الأنوار: 43/ 93.

45

بسبعة دراهم و خمار بأربعة دراهم و قطيفة سوداء و سرير حباله من خوص النخل و فراشين فرش أحدهما ليف و حشو الآخر صوف و أربع مرافق من أديم الطائف حشوها أذخر و ستر من صوف و حصير و رحى لليد و مركن من نحاس و سقا من أدم وقعب للبن و شن للماء و مطهرة مزفته و جرّة خضراء و كيزان خزف، فحمل أبو بكر و من معه المتاع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فجعل يقلّبه بيده و يقول: بارك اللّه لأهل البيت، قال عليّ: فأقمت بعد ذلك شهرا لا أقول شيئا، ثمّ قلن أزواج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ألا نطلب لك من رسول اللّه دخول فاطمة عليك فقلت:

أفعلن؟

فقالت له امّ أيمن: لو أنّ خديجة باقية لقرّت عينها بزفاف فاطمة، و أنّ عليّا يريد أهله فقرّ عيوننا بذلك، فقال: فما بال عليّ لا يطلب منّي زوجته فقد كنّا نتوقّع ذلك منه، فقال عليّ: الحياء يمنعني يا رسول اللّه، فقال لأزواجه: هيّئوا لها حجرة امّ سلمة من حجره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمر أن تزيّن و يصلحن من شأنها.

قالت امّ سلمة: فسألت فاطمة هل عندك طيب اذخرتيه؟

فقالت: نعم، فأتت بقارورة فشممت منها رائحة ما شممت مثلها فقلت: ما هذا؟

قالت: كان دحية الكلبي يدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيقول لي: يا فاطمة هاتي الوسادة فاطرحيها لعمّك فأطرح الوسادة فيجلس عليها فإذا نهض سقط من بين ثيابه شي‏ء فيأمرني بجمعه، فسأل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ذلك فقال: هو عبير يسقط من أجنحة جبرئيل (عليه السّلام)، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا عليّ اصنع لأهلك طعاما فاضلا من عندنا اللحم و الخبز و عليك التمر و السمن، فاشتريت تمرا و سمنا فحسر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ذراعه و جعل يشدخ التمر في السمن حتّى اتّحد حيا و بعث إلينا كبشا سمينا فذبح و خبز لنا خبز كثير ثمّ قال: ادع من أحببت، فأتيت المسجد و هو غاصّ بأهله فعلوت ربوة و ناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة فجاء الناس فأكلوا عن آخرهم و دعوا لي بالبركة و هم أكثر من أربعة آلاف رجل و لم ينقص من الطعام شي‏ء.

ثمّ دعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالصحاف فملئت و وجّه بها إلى منازل أزواجه واحدة صحفة و جعل فيها طعاما و قال: هذا لفاطمة و بعلها حتّى إذا غربت الشمس قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أمّ‏

46

سلمة هلمي فاطمة، فأتت بها و هي تسحب أذيالها و قد تصبّبت عرقا حياء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [فعثرت‏] (1) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أقالك اللّه العثرة في الدّنيا و الآخرة، فلمّا وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتّى رآها عليّ (عليه السّلام) ثمّ أخذ يدها فوضعها في يد عليّ (عليه السّلام) و قال: بارك اللّه لك في ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انطلقا إلى منزلكما و لا تحدثا أمرا حتّى آتيكما فانطلقت بها حتّى جلست في جانب الصفة و جلست في جانبها و هي مطرقة إلى الأرض حياء منّي و أنا مطرق حياء منها، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجلس فاطمة من جانبه ثمّ قال: يا فاطمة آتيني بماء فأتته به فأخذ جرعة فتمضمض بها ثمّ مجّها في القعب و صبّ منها على رأسها و نضح بين ثدييها و كتفيها و دعى لهما ثمّ قال: ادخل بأهلك [بارك اللّه بأهلك‏] بارك اللّه لك‏ (2).

و في كتاب الأمالي: أنّها دخل بها لأيّام خلت من شوّال، و روي أنّه دخل بها يوم الثلاثاء لست خلون من ذي الحجّة (3).

أقول: فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هذا لعليّ (عليه السّلام) لعلل و أسباب منها: جريان السنّة بين الأمة فإنّ العرب و إلى الآن كانت تستنكف منه و منها إفراطه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في محبّة ابن عمّه و منها أنّه لم يكن لعليّ (عليه السّلام) أحد من أهله يتولّى ذلك له. و أمّا قول جبرئيل (عليه السّلام): اطرحيها لعمّك، فقد ورد تفسيره في حديث آخر و هو أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جبرئيل خلقا من النور فهما اخوان، و أيضا أنّ جبرئيل أخا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه دخلت امّ أيمن على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و في مكحفتها شي‏ء، فقال: ما هذا؟

قالت: إنّ فلانة أملكوها فنثروا عليها فأخذت من نثارها ثمّ بكت امّ أيمن و قالت:

يا رسول اللّه فاطمة زوّجتها و لم تنثر عليها فقال: يا امّ أيمن إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا زوّجت فاطمة عليّا أمر أشجار الجنّة أن تنثر عليهم من حليّها و حللها و ياقوتها و درّها و زمردها

____________

(1)- في المصدر: فتعثرت.

(2)- أمالي الطوسي: 43 ح 14، و بحار الأنوار: 43/ 96.

(3)- أمالى الطوسي: 43 ح 16، و وسائل الشيعة: 20/ 240.

47

و استبرقها فأخذوا منها ما لا يعلمون، و لقد نحل اللّه طوبى في مهر فاطمة (عليها السّلام) فجعلها في منزل عليّ (عليه السّلام)(1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم قال: كانت فاطمة (عليها السّلام) لا يذكرها أحد لرسول اللّه إلّا أعرض عنه حتّى أيس الناس منها، فلمّا أراد أن يزوّجها من عليّ أسرّ إليهم فقالت: يا رسول اللّه أنت أولى بما ترى غير أنّ نساء قريش تحدّثني عنه إنّه رجل دحداح و هو القصير السمين عظيم البطن طويل الذراعين أنزع عظيم العينين ضاحك السنّ لا مال له، فقال: يا فاطمة أما علمت أنّ اللّه أشرف على الدّنيا فاختارني على رجال العالمين ثمّ اطلع فاختار عليّا على رجال العالمين ثمّ أطلع فاختارك على نساء العالمين، و إنّه لمّا اسري بي إلى السماء وجدت مكتوبا بأعلى صخرة بيت المقدس: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه أيّدته بوزيره و نصرته بوزيره فقلت لجبرئيل: و من وزيره؟

قال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا وحدي محمّد صفوتي من خلقي أيّدته بوزيره و نصرته بوزيره عليّ بن أبي طالب، و رأيت مكتوبا على قائمة من قوائم العرش: لا إله إلّا أنا محمّد حبيبي أيّدته بوزيره عليّ بن أبي طالب، فلمّا دخلت الجنّة رأيت شجرة طوبى أصلها في دار علي و لا في الجنّة قصر و لا منزل إلّا و فيه غصن منها و أعلاها اسفاط حلل من سندس و استبرق يكون للعبد المؤمن ألف ألف سفط في كلّ سفط مائة ألف حلّة على ألوان مختلفة وسطها ظلّ ممدود يسير الراكب في ذلك الظلّ مائة عام فلا يقطعه، و أسفلها ثمار أهل الجنّة و طعامهم متدل في بيوتهم يكون في القضيب منها مائة لون من الفاكهة ممّا رأيتم في دار الدّنيا و ما لم تروه و كلّما يقطع منها شي‏ء ينبت مكانه و يجري نهر في أصل تلك الشجرة تنفجر منها الأنهار، أنهار من ماء غير آسن و أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، و أنهار من خمر لذّة للشاربين، و أنهار من عسل مصفّى.

و أمّا قولك: إنّه بطين، فإنّه مملوّ من العلم الذي خصّه اللّه، و أمّا إنّه عظيم العينين فإنّ اللّه خلقه بصفة آدم (عليه السّلام)، و أمّا طول يديه فإنّ اللّه طوّلها يقتل بها أعداء اللّه و أعداء رسول اللّه‏

____________

(1)- حياة أمير المؤمنين: 1/ 96 ح 8.

48

و به يفتح اللّه الفتوح و يقاتل المشركين على تنزيل القرآن و المنافقين من أهل البغي و النكث و الفسوق على تأويله، و يخرج اللّه من صلبه سيّدي شباب أهل الجنّة و يزيّن بهما عرشه.

[يا فاطمة ما بعث اللّه نبيا إلّا جعل له ذرية من صلبه و جعل ذريتي من صلب علي، و لو لا علي ما كان لي ذرية].

فقالت فاطمة: ما أختار عليه أحدا (1).

أقول: في هذا الحديث إشعار بأنّه يجوز للبنت إظهار ما يعتقد عيبا في الزوج لوليها، و يجوز للولي أن يمتنع عن تزويجها للكفؤ مع وجود جميع تلك الصفات في الزوج أو بعضها و إن لم يكن من العيوب الشرعية.

و في الأمالي عن عليّ (عليه السّلام) في حديث قال فيه: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد ما ضحك: إنّ اللّه كفاني ما قد كان أهمّني من أمر تزويجك، قلت: و كيف ذلك؟

قال: أتاني جبرئيل و معه من سنبل الجنّة و قرنفلها فشممتها فقال: إنّ اللّه تعالى أمر سكّان الجنان من الملائكة و من فيها أن يزيّنوا الجنان كلّها بمغارسها و أشجارها و أثمارها و قصورها، و أمر ريحها فهبّت بأنواع العطر و الطيب و أمر حور عينها بقراءة سورة طه و طواسين و يس و حمعسق، ثمّ نادى مناد من تحت العرش: ألا إنّ اليوم يوم وليمة عليّ بن أبي طالب ألا أنّي أشهدكم إنّي قد زوّجت فاطمة من عليّ بن أبي طالب رضى منّي، ثمّ بعث اللّه سحابة بيضاء فقطرت عليهم من لؤلؤها و زبرجدها و يواقيتها و قامت الملائكة فنثرت من سنبل الجنّة و قرنفلها و هذا ممّا نثرت، ثمّ أمر اللّه ملكا يقال له راحيل و ليس في الملائكة أبلغ منه فقال له:

اخطب، فخطب بخطبة لم يسمع مثلها أهل السماء و لا أهل الأرض ثمّ نادى مناد: ألا يا ملائكتي باركوا على عليّ بن أبي طالب و فاطمة ألا إنّي قد زوّجت أحبّ النساء إليّ من أحبّ الرّجال إليّ .. الحديث‏ (2).

و في كتاب المناقب عن الصادق (عليه السّلام) قال: كان فراش عليّ و فاطمة (عليهما السّلام) اهاب كبش إذا أرادا أن يناما عليه قلباه فناما عليه.

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 338، و بحار الأنوار: 43/ 101.

(2)- الأمالي: 654، و بحار الأنوار: 43/ 102.

49

و عن جابر الأنصاري قال: لمّا زوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاطمة من عليّ أتاه اناس من قريش فقالوا: إنّك زوّجت عليّا بمهر خسيس فقال: ما أنا زوّجت عليّا ولكن اللّه زوّجه ليلة اسري بي عند سدرة المنتهى، فأوحى اللّه إلى السدرة أن انثري ما عليك فنثرت الدرّ و الجوهر و المرجان فالتقطنه حور العين، فهنّ يتهادينه و يتفاخرن و يقلن: هذا من نثار فاطمة، فلمّا كانت ليلة الزفاف أتى ببغلة شهباء و ثنى عليها قطيفة و أركبها و أمر سلمان أن يقودها و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يسوقها فبينما هو في بعض الطريق إذ سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوت الملائكة فقال: ما أهبطكم إلى الأرض؟

قالوا: جئنا نزف فاطمة إلى عليّ بن أبي طالب، فكبّر جبرئيل و كبّر ميكائيل و كبّرت الملائكة و كبّر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوقع التكبير على العرايس من تلك الليلة.

يقول مؤلّف الكتاب أيّده اللّه تعالى: إنّ نثار سدرة المنتهى كان مقدّما على الأملاك و الزفاف هو مقدّمات الأملاك أعني الخطبة إلى الولي، و يقال له بالفارسية: نام زد، و على هذا يحمل ما ورد من اختلاف الأخبار في يوم التزويج و شهره بأن تحمل بعض تلك الأخبار على بعضها و بعضها على يوم الأملاك و بعضها على يوم أمر أن يشترى فيه الأثاث لها و بعضها على يوم الزفاف، فترجع الأخبار كلّها متوافقة غير متنافية.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى أمهر فاطمة ربع الدّنيا، فربعها لها و أمهرها الجنّة و النار تدخل أعداءها النار و تدخل أولياءها الجنّة، و على معرفتها دارت القرون الأولى.

أقول: المراد برفعها الربع الذي يسكنه أهلها و هو الربع المعمور منها فتكون الأرض المعمورة كلّها لفاطمة (عليها السّلام) فمن سكن الأرض من غير شيعتها سكن في المكان المغصوب، و نكح و صلّى و صام في الأرض المغصوبة كما نطقت به الأخبار.

و عنه (عليه السّلام) أنّ رسول اللّه زوّج عليّا فاطمة على درع له حطمية تسوى ثلاثين درهما (1).

و في تزويج الجواد (عليه السّلام) ابنة المأمون ذكر أنّه تزوّجها و بذل لها من الصداق مهر جدّته‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 43/ 105، و اللمعة البيضاء: 255.

50

فاطمة و هي خمسمائة درهم جياد (1).

أقول: يمكن الجمع بحمل قوله: تسوى ثلاثين على أنّها قيمتها في الواقع لكنّها بيعت بخمسمائة درهم لرغبة الناس فيها.

و في كتاب الخرائج حديث في ليلة الزفاف قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لامّ سلمة:

املأي القعب ماء فقال: يا عليّ اشرب نصفه [و] (2) قال لفاطمة: اشربي و أبقي، فأخذ الباقي و صبّه على وجههما و نحرهما، و يستفاد منه استحباب أن يفعل هذا في العرايس مع ما تقدّم من صبّ الماء بين كتفيها، و لم يذكره الفقهاء في كتب الفقهيّة (3).

قال المفضّل: العاقد بين فاطمة و بين عليّ هو اللّه تعالى و القابل جبرئيل و الخاطب راحيل و الشهود حملة العرش و صاحب النثار رضوان و طبق النثار شجرة طوبى، و النثار الدرّ و الياقوت و المرجان، و الرّسول هو المشاطر و وليد هذا النكاح الأئمّة (عليهم السّلام).

و روي أنّ جبرائيل (عليه السّلام) أتى بحلّة قيمتها الدّنيا، فلمّا لبستها فاطمة [تحيّر] (4) نسوة قريش منها و قلن: من أين لك هذا؟

قالت: هذا من عند اللّه‏ (5).

أقول: اختلفت الأحاديث بين العامّة و الخاصّة في المهر. فروي أنّه أربعمائة و ثمانين درهما. و روي أربعمائة مثقال فضّة. و روي أنّه برد حبرة و اهاب شاة. و الصحيح أنّه كان خمسمائة درهم.

و روى ابن مردويه أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعليّ: تكلّم خطيبا لنفسك، فقال: الحمد للّه الذي قرب من حامديه و دنا من سائليه و وعد الجنّة و وعد الجنّة من يتّقه و أنذر بالنار من يعصيه نحمده على قديم إحسانه و أياديه حمد من يعلم أنّه خالقه و باريه و مميته و محييه و مسائله‏

____________

(1)- الحدائق الناظرة: 18/ 353، و روضة الواعظين: 239.

(2)- في المصدر: ثم.

(3)- الخرائج و الجرائح: 2/ 535، و بحار الأنوار: 43/ 106 ح 21.

(4)- في المصدر: تحيرت.

(5)- المناقب: 3/ 130، و بحار الأنوار: 43/ 115.

51

عن مساويه و نستعينه و نستهديه و نؤمن به و نستكفيه و نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة تبلغه و ترضيه و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلاة تزلفه و تخطيه و ترفعه و تصطفيه، و النكاح ممّا أمر اللّه به و يرضيه و اجتماعنا ممّا قدّره اللّه و أذن فيه‏ (1).

أقول: يستحبّ قراءة هذه الخطبة قبل العقد في جميع العقود.

و روي أنّه كان عند زفافها النبيّ (عليه السّلام) و حمزة و عقيل و جعفر و أهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم و نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قدّامها يرتجزن فأنشأت امّ سلمة شعر:

سرن بعون اللّه جاراتي‏* * * و اشكرنه في كلّ حالات‏

و اذكرن ما أنعم ربّ العلى‏* * * من كشف مكروه و آفات‏

فقد هدانا بعد كفر و قد* * * أنعشنا ربّ السماوات‏

و سرن مع خير نساء الورى‏* * * تفدى بعمّات و خالات‏

يا بنت من فضّله ذو العلى‏* * * بالوحي منه و الرسالات‏

ثمّ ارتجزت عائشة و حفصة و غيرهنّ من النساء (2).

و روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا زفّت فاطمة قال: مرحبا ببحرين يلتقيان و نجمين يقترنان. و باتت عندها أسماء بنت عميس اسبوعا بوصية خديجة إليها ثمّ أتاهما (صلّى اللّه عليه و آله) في صبيحتهما و قال:

السلام عليكم أدخل رحمكما اللّه، ففتحت أسماء الباب و كانا نائمين تحت كساء [فقال: على حالكما] فأدخل رجليه بين أرجلهما فسأل عليّا كيف وجدت أهلك؟

قال: نعم العون على طاعة اللّه، و سأل فاطمة فقالت: خير بعل، فقال: اللّهمّ اجمع شملهما و ألّف بين قلوبهما ثمّ أمر بخروج أسماء، ثمّ خلا بها بإشارة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(3).

و روي أنّه كان صبيحة عرس فاطمة جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعس فيه لبن فقال لفاطمة:

اشربي فداك أبوك، و قال لعليّ: اشرب فداك ابن عمّك‏ (4).

____________

(1)- المناقب: 3/ 127، و بحار الأنوار: 43/ 112.

(2)- المناقب: 3/ 130، و بحار الأنوار: 43/ 115.

(3)- المناقب: 3/ 131، و بحار الأنوار: 43/ 117.

(4)- المناقب: 3/ 132، و بحار الأنوار: 43/ 117 ح 24.

52

و في رواية أنّه بعد أن خطب عليّ (عليه السّلام) الخطبة المتقدّمة أمر (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بطبق بسر و أمر بنهبه و دخل حجرة النساء و أمر بضرب الدفّ‏ (1).

[في‏] كشف اليقين عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت سيّدتي فاطمة (عليها السّلام) تقول ليلة دخل بي عليّ بن أبي طالب: أفزعني لأنّ الأرض كانت تحدّثه و يحدّثها فأصبحت و أخبرت والدي فسجد سجدة طويلة ثمّ رفع رأسه و قال: أبشري بطيب النسل [و إنّ اللّه‏] (2) أمر الأرض أن تحدّثه بأخبارها و ما يجري على وجهها من شرق الأرض إلى غربها (3).

و فيه أيضا عن بلال بن حمامة قال: طلع علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وجهه مشرق كالقمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما هذا النور؟

قال: بشارة من ربّي أتتني في أخي و ابن عمّي و ابنتي، و أنّ اللّه زوّج عليّا من فاطمة و أمر رضوان خادم الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقا يعني صكاكا بعدد محبّي أهل بيتي و أنشأ من تحتها ملائكة من نور و دفع إلى كلّ ملك صكّا فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محبّ لأهل البيت إلّا دفعت إليه صكّا فيه فكاكة من النار بأخي و ابن عمّي و ابنتي فكاك رقاب رجال و نساء من امّتي من النار (4).

و في رواية: أنّه يكون في الصكوك براءة من العليّ الجبّار لشيعة عليّ و فاطمة من النار (5).

و في كتاب المناقب عن امّ سلمة و سلمان و عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) قالوا: لمّا أدركت فاطمة بنت رسول اللّه مدرك النساء خطبها أكابر قريش، فأعرض عنهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لقد خطبها أبو بكر ثمّ عمر فقال: أمرها إلى ربّها فقال أبو بكر و عمر و سعد بن معاذ: إنّ عليّ بن أبي طالب لم يخطبها و لا يمنعه من ذلك إلّا قلّة اليد، فقاموا إلى عليّ و كان ينضح ببعيره على‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 43/ 112، و شجرة طوبى:/ 2522.

(2)- في المصدر: فإنّ اللّه فضّل بعلك على سائر خلقه، و.

(3)- كشف الغمة: 1/ 289، و بحار الأنوار: 41/ 272 ح 26.

(4)- بحار الأنوار: 27/ 117، و المناقب: 181.

(5)- المناقب: 3/ 123، و بحار الأنوار: 43/ 124 ح 31.

53

نخل رجل من الأنصار باجرة فلمّا رآهم قال: ما حاجتكم؟

قال أبو بكر: يا أبا الحسن لم يبق خصلة من خصال الخير إلّا و لك فيها سابقة و أنت من رسول اللّه بالمكان الذي عرفت و قد خطب الأشراف ابنته فاطمة فردّهم فما يمنعك أن تذكرها لرسول اللّه، فإنّي أرجو أن يكون اللّه و رسوله إنّما يحبسانها عليك فتغرغرت عينا عليّ بالدموع و قال: قد هيّجت منّي ساكنا و اللّه ما يمنعني إلّا قلّة ذات اليد، فقال: إنّ الدّنيا عند اللّه و رسوله كهباء منثور، ثمّ حلّ ناضحه و أقبل إلى رسول اللّه و كان في بيت امّ سلمة فدق الباب فقالت امّ سلمة: من بالباب؟

فقال لها رسول اللّه: قومي و افتحي، فهذا رجل يحبّه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله هذا أخي و ابن عمّي ففتحت فإذا هو عليّ بن أبي طالب فما دخل حتّى علم أنّي رجعت إلى خدري فقال: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته.

فقال: و عليك السلام يا أبا الحسن اجلس، فجلس و جعل ينظر الأرض كأنّ له حاجة يستحي من إظهارها فقال له: يا أبا الحسن أتيت لحاجة فكلّ حاجة لك مقضيّة فقال عليّ:

فداك أبي و أمّي إنّك أخذتني من عمّك أبي طالب و فاطمة بنت أسد و أنا صبيّ لا عقل لي فغذّيتني بغذائك و أدبتني بأدبك و أنت ذخري في الدّنيا و الآخرة، فقد أحببت أن يكون لي بيت و زوجة أسكن إليها و قد أتيتك خاطبا لفاطمة، فهل أنت مزوّجني؟

فتبسّم في وجه عليّ فقال: و هل معك شي‏ء أزوّجك به؟

قال: ما يخفى عليك من أمري شي‏ء أملك سيفي و درعي و ناضحي فقال: أمّا سيفك فتجاهد به في سبيل اللّه و ناضحك تنضح به على نخلك و تحمل عليه رحلك في سفرك، ولكنّي قد زوّجتك بالدرع، و أبشرك يا عليّ أنّ اللّه تعالى قد زوّجكها من السماء و لقد هبط عليّ ملك قبل أن تأتيني له وجوه شتّى لم أر مثله فبشّرني باجتماع الشمل و طهارة النسل اسمه سيطائيل موكّل بإحدى قوائم العرش، قال: سألت ربّي أن يأذن لي في بشارتك و هذا جبرئيل في أثري يخبرك بكرامة اللّه لك، فما استتمّ كلامه حتّى نزل جبرئيل فسلّم عليّ و وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنّة و فيها سطران مكتوبان بالنور فقلت: ما هذه الحريرة و الخطوط فقال: يا محمّد إنّ اللّه اختارك للرسالة و جعل لك أخا و وزيرا فزوّجه ابنتك فاطمة

54

و هو أخوك في الدّنيا و ابن عمّك في النسب عليّ بن أبي طالب، و أنّ اللّه أوحى إلى الجنان فتزخرفت و إلى شجرة طوبى احملي الحلل و الحلي و تزيّنت الحور العين و أمر اللّه الملائكة أن تجتمع في السماء الرابعة عند خطب عليه آدم يوم عرض الأسماء على الملائكة و هو منبر من نور، فأوحى إلى ملك من ملائكة حجبه يقال له راحيل أن يعلو ذلك المنبر و أن يحمده بمحامده و يمجّده و أن يثني عليه بما هو أهله و ليس في الملائكة أحسن منطقا منه، فعلا المنبر و أثنى عليه بما هو أهله فارتجّت السماوات فرحا و سرورا.

قال جبرائيل: ثمّ أوحى إليّ أن اعقد عقدة النكاح و أشهدت على ذلك الملائكة أجمعين و كتبت شهادتهم في هذه الحريرة، و أمرني ربّي أن أعرضها عليك و أن أدفعها إلى رضوان، و لمّا أشهد اللّه سبحانه الملائكة على التزويج أمر شجرة طوبى أن تنثر حملها من الحليّ و الحلل فنثرت ما فيها فالتقطه الملائكة و الحور العين و أمرني أن آمرك أن تزوّج عليّا في الأرض و تبشّرهما بغلامين زكيّين ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ ما عرج الملك من عندي حتّى دققت الباب و أنا منفذ ما أمرني ربّي امض أمامي، فأنا خارج إلى المسجد و مزوّجك على رؤوس الناس و ذاكر من فضلك ما تقرّ به عينك و عين محبّيك فخرجت مسرورا فلقيني أبو بكر فقلت:

زوّجني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ابنته و أخبرني أنّ اللّه زوّجنيها من السماء و هذا رسول اللّه في اثري، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: يا بلال اجمع لي المهاجرين و الأنصار فجمعهم، ثمّ رقى درجة من المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:

معاشر المسلمين إنّ جبرئيل أخبرني أنّ اللّه زوّج أمته فاطمة من عبده عليّ بن أبي طالب و أمرني أن أزوّجه في الأرض و اشهدكم على ذلك، ثمّ جلس و قال لعلي: اخطب لنفسك ثمّ قام و خطب ثمّ عقد لنفسه ثمّ قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من عليّ الدرع و انصرف إلى أزواجه و أمرهن بضرب الدفوف، فقال: يا أبا الحسن انطلق فبع درعك و ائتني بثمنه فبعته من عثمان بأربعمائة درهم سود، فلمّا قبضت الدراهم وهبني الدرع فطرحت الدرع و الدراهم بين يديه فأمر أبو بكر و جماعة بشراء ما يصلحنا من الثياب و أثاث البيت و مكثت بعد ذلك شهرا لا اعاوده في أمر فاطمة استحياء غير أنّي كنت إذا خلوت برسول اللّه يقول: يا أبا الحسن ما أحسن زوجتك و أجملها أبشر يا أبا الحسن، فلمّا مضى شهر كلّمت امّ أيمن مولاته بحضور

55

نسائه، فأمر بإحضاره و خلّى به فقال: أتحبّ أن تدخل عليك زوجتك؟

فقلت: نعم فداك أبي و أمّي، فأمر أزواجه أن يزينّ فاطمة و يفرشن لها بيتا ففعلن ذلك، ثمّ أمر بالوليمة و زفّت فاطمة إليّ و مكث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد ذلك ثلاثا لا يدخل علينا فدخل علينا في الرابع فصادف في حجرتنا أسماء بنت عميس فقال: ما يقفك و في الحجرة رجل؟

فقالت: جعلت فداك إنّ الفتاة إذا زفّت إلى زوجها تحتاج إلى امرأة تتعاهدها و تقوم بحوائجها و إنّ امّها خديجة أوصتني بذلك، فدعى لها بخير.

قال عليّ: و كانت غداة قرّة و كنت أنا و فاطمة تحت الهبا، فلمّا سمعنا الكلام أردنا أن نقوم فقال؛ بحقّي عليكما لا تفترقا حتّى أدخل عليكما، فرجعنا إلى حالنا و جلس عند رؤوسنا و أدخل رجليه فيما بيننا فأخذت رجله اليمنى و ضممتها إلى صدري و أخذت فاطمة رجله اليسرى فضمّتها إلى صدرها و جعلنا ندفئ رجليه من البرد.

ثمّ ذكر في الحديث ما تقدّم من رشّه الماء عليها بعد شربها منه ثمّ قال: قالت فاطمة: يا أبه لا طاقة لي بخدمة البيت فأخدمني خادما، فقال: أفلا تريدين خيرا من الخادم؟

فقالت: بلى.

قال: تسبّحين اللّه عزّ و جلّ في كلّ يوم ثلاثا و ثلاثين مرّة و تحمدينه ثلاثا و ثلاثين مرّة و تكبرينه أربعا و ثلاثين مرّة فذاك مائة في اللسان و ألف حسنة في الميزان، و إذا قلت في صبيحة كلّ يوم كفاك اللّه ما أهمّك من أمر الدّنيا و الآخرة.

أقول: قال صاحب المناقب نقلا عن محمد بن يوسف ذكر أسماء بنت عميس في هذا الحديث غير صحيح، لأنّ أسماء هذه امرأة جعفر بن أبي طالب تزوّجها بعده أبو بكر فولدت له محمّد، فلمّا مات أبو بكر تزوّجها عليّ بن أبي طالب، و إنّ أسماء التي حضرت في عرس فاطمة إنّما هي أسماء بنت يزيد الأنصاري و أنّ أسماء بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بالحبشة قدم بها يوم فتح خيبر سنة سبع و كان زواج فاطمة (عليها السّلام) بعد وقعة بدر بأيّام يسيرة.

و لأسماء بنت يزيد أخبار كثيرة روتها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا أنّ الأخبار الدالّة على أنّها بنت عميس كثيرة و بعضها لا يقبل التأويل كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أسماء امّا إنّك تزوّجين بهذا الغلام‏

56

و تلدين له غلاما.

و روى أنّه لمّا زفّت فاطمة (عليه السّلام) نزل جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و معهم سبعون ألف ملك و قدمت بغلة رسول اللّه الدلدل و عليها فاطمة (عليها السّلام) مشتملة بكساء و أمسك جبرئيل باللجام و أمسك إسرافيل بالركاب، و أمسك ميكائيل [بالثفر] (1) و رسول اللّه من يسوي عليها الثياب، فكبر جبرائيل و كبر إسرافيل و كبّر ميكائيل و كبّرت الملائكة و جرت السنّة بالتكبير إلى يوم القيامة.

و في كتاب العلل و المناقب و البشائر مسندا إلى أبي ذرّ قال: كنت أنا و جعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلمّا قدمنا المدينة أهداها لعليّ (عليه السّلام) تخدمه فجعلها في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة يوما فنظرت إلى رأس عليّ (عليه السّلام) في حجر الجارية فقالت: يا أبا الحسن فعلتها، فقال: لا و اللّه يا بنت محمّد ما فعلت شيئا فما الذي تريدين؟

قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي، فأذن لها فتجلّلت و تبرقعت و أرادت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهبط جبرئيل فقال: يا محمّد إنّ اللّه يقرئك السلام و يقول لك: إنّ هذه فاطمة قد أقبلت تشكو عليّا فلا تقبل منها في عليّ شيئا، فدخلت فاطمة فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

جئت تشكي عليّا؟

قالت: إي و ربّ الكعبة، فقال لها: ارجعي إليه فقولي له: رغم أنفي لرضاك، فرجعت إلى عليّ (عليه السّلام) فقالت له: يا أبا الحسن رغم أنفي لرضاك، تقولها ثلاثا.

فقال لها عليّ: شكوتيني إلى خليلي و حبيبي رسول اللّه وا سؤتاه من رسول اللّه أشهد اللّه يا فاطمة أنّ الجارية حرّة لوجه اللّه و انّ الأربعمائة درهم التي فضلت من عطائي صدقة على فقراء أهل المدينة.

ثمّ أراد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهبط جبرئيل فقال: يا محمّد إنّ اللّه يقرئك السلام و يقول لك: قل لعليّ قد أعطيتك الجنّة بعتقك الجارية في رضا فاطمة و النار بالأربعمائة درهم التي تصدّقت بها، فادخل الجنّة من شئت برحمتي و اخرج من النار من شئت بعفوي فعندها قال عليّ (عليه السّلام):

____________

(1)- مصورة المخطوط لا تقرأ، و ما أثبتناه من المصدر.

57

أنا قسيم اللّه بين الجنّة و النار (1).

أقول: ما صدر من الزهراء (عليها السّلام) إنّما كان لمثل تحصيل هذه الخصلة العظيمة لابن عمّها و إلّا فهي أجلّ قدرا من ذلك على أنّ الغيرة مركوزة في طباع النساء على الرّجال كما هي مركوزة في طباع الرجال عليهنّ.

و في دعوات الراوندي عن سويد بن غفلة قال: أصابت عليّ شدّة فأتت فاطمة (عليها السّلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فدقّت الباب فقال: أسمع حسّ حبيبتي بالباب يا امّ أيمن قومي و افتحي فدخلت فقال: لقد جئتي في وقت ما كنت تأتينا في مثله، فقالت: يا رسول اللّه ما طعام الملائكة عند ربّنا؟

فقال: التحميد فقالت: ما طعامنا؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ و الذي نفسي بيده ما اقتبس في آل محمّد شهرا نارا، و اعلّمك خمس كلمات علمنيهنّ جبرئيل (عليه السّلام): يا ربّ الأوّلين و الآخرين يا ذا القوّة المتين و يا راحم المساكين و يا أرحم الراحمين، و رجعت. فلمّا أبصرها عليّ قال: بأبي أنت و أمّي ما وراءك يا فاطمة؟

قالت: ذهبت للدّنيا و جئت للآخرة.

قال عليّ (عليه السّلام): خير أيّامك‏ (2).

و في الأمالي مسندا إلى الصادق (عليه السّلام) قال: حرّم اللّه عزّ و جلّ على عليّ النساء ما دامت فاطمة حيّة لأنّها طاهر لا تحيض‏ (3).

أقول: لعلّ المراد أنّها لا تمنعه حاجته كما في غيرها و به شرع عقد الأزواج، و قيل:

المقصود جلالتها و عظمتها لكن عبّر عنه باللّازم.

و في كتاب المناقب سئل عالم فقيل: إنّ اللّه تعالى قد أنزل‏ هَلْ أَتى‏ (4) في أهل‏

____________

(1)- علل الشرائع: 1/ 164 ح 2، و بحار الأنوار: 43/ 148.

(2)- الدعوات: 48 ح 117، و اللمعة البيضاء: 285.

(3)- بحار الأنوار: 43/ 16، و المناقب: 3/ 110.

(4)- سورة الإنسان: 1.

58

البيت و ليس شي‏ء من نعيم الجنّة إلّا و ذكر فيه إلّا الحور العين قال: ذلك إجلالا لفاطمة (1).

و عن أبي صالح في قوله: وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ‏ (2) قال: ما من مؤمن يوم القيامة إلّا إذا قطع الصراط زوّجه اللّه على باب الجنّة بأربع نسوة من نساء الدّنيا و سبعين ألف حوريّة من حور الجنّة إلّا علي بن أبي طالب، فإنّه زوج البتول فاطمة في الدّنيا و هو زوجها في الآخرة ليست له زوجة في الجنّة غيرها من نساء الدّنيا، لكن له في الجنان سبعون ألف حوراء (3).

____________

(1)- المناقب: 3/ 106، و بحار الأنوار: 43/ 153.

(2)- سورة التكوير: 7.

(3)- المناقب: 3/ 106، و مجمع النورين: 38.

59

الباب الثالث فيما جرى على فاطمة من الظلم بعد أبيها و في كيفيّة محبّيها يوم القيامة و ما يتبع ذلك‏

في الأمالي عن الصادق (عليه السّلام) قال: البكّاؤن خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة [بنت‏] (1) محمّد و عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)، فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، و أمّا يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، و أمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذى به أهل السجن، فقالوا: إمّا أن تبكي الليل أو النهار فصالحهم على واحد منها، و أمّا فاطمة فبكت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى تأذى به أهل المدينة، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء تبكي حتّى تقضي حاجتها فترجع، و أمّا عليّ بن الحسين فبكى على الحسين (عليهما السّلام) عشرين سنة و أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى حتّى قال له مولى له:

يابن رسول اللّه إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنّما أشكو بثّي و حزني إلى اللّه و أعلم من اللّه ما لا تعلمون، إنّي ما أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني لذلك عبرة (2).

و عن عبد اللّه بن عبّاس قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الوفاة بكى، فقيل له في ذلك، فقال: أبكي لذرّيتي و ما يصنع بهم شرار امّتي من بعدي كأنّي بابنتي فاطمة و قد ظلمت من بعدي و هي تنادي يا أبتاه فلا يعينها أحد من امّتي، فسمعت ذلك فاطمة فبكت فقال: لا تبكين يا بنيّة.

فقالت: لست أبكي لما يصنع بي بعدك ولكنّي أبكي لفراقك يا رسول اللّه.

فقال: أبشري فإنّك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي‏ (3).

____________

(1)- في المصدر: ابنة.

(2)- الأمالي: 204، و روضة الواعظين: 170.

(3)- الأمالي: 188، و بحار الأنوار: 28/ 41 ح 4.

60

و في حديث آخر: لا تبكين بعدي إلّا اثنين و سبعين يوما و نصف يوم. و في حديث آخر: خمس و سبعين يوما.

و في كتاب دلائل الإمامة للطبري بإسناده إلى الصادق (عليه السّلام) قال: قبضت فاطمة (عليها السّلام) جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون من سنة إحدى عشر من الهجرة و كان سبب وفاتها أنّ قنفذ مولى عمر لكزها بنصل السيف بأمره فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك.

و لمّا توفّيت أخرجها أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى البقيع في الليل و صلّى عليها و دفنها بالروضة و أعمى موضع قبرها و أصبح البقيع ليلة دفنت و فيه أربعون قبرا جددا، و لمّا علم المسلمون بوفاتها جاؤوا إلى البقيع فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور فضجّ الناس و تلاوموا و قالوا: لم يخلف نبيّكم فيكم إلّا بنتا واحدة تموت و تدفن و لم تحضروها و لا الصلاة عليها و لا تعرفوا قبرها.

فقال ولاة الأمر منهم: هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتّى نجدها و نصلّي عليها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين فخرج مغضبا قد احمرّت عيناه و عليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كلّ كريهة و هو متوكّل على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع فخاف الناس و قالوا: قد أقسم لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعن السيف فيكم، فتلقّاه عمر و أصحابه و قالوا: و اللّه لننبش قبرها و لنصلّينّ عليها فضرب عليّ (عليه السّلام) إلى جوامع ثوبه فهزّه ثمّ ضرب به الأرض و قال له: يابن السوداء أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم و أمّا قبر فاطمة فلئن رمت و أصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم، فتلقّاه أبو بكر فقال: يا أبا الحسن بحقّ رسول اللّه إلّا خلّيت عنه فإنّا غير فاعلين شيئا تكرهه، فخلّى عنه و تفرّق الناس و لم يعودوا إلى ذلك‏ (1).

و روى ورقة بن عبد اللّه قال: بينمنا أنا أطوف و إذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام و هي تنادي: اللّهمّ ربّ الكعبة الحرام و ربّ محمّد خير الأنام أن تحشرني مع ساداتي الكرام، فقلت: يا جارية إنّي لأظنّك من موالي أهل البيت (عليهم السّلام)؟

____________

(1)- دلائل الإمامة: 136، و بحار الأنوار: 43/ 171.