سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج2

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
470 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

جماع أبواب صفة جسده الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم)

أفرد الحافظ أبو الخطاب ابن دحية كتابا سماه: «الآيات البيّنات فيما في أعضاء رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من المعجزات» و سأذكر خلاصته في المعجزات مع زوائد كثيرة، و المقصود منه هنا بيان صفة جسده الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) فقط و قد أذكر شيئا من الآيات لزيادة الفائدة.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الباب الأول في حسنه (صلّى اللّه عليه و سلم)

اعلم رحمني اللَّه و إياك أن اللَّه سبحانه و تعالى أنشأ النفوس مختلفة، فمنها الغاية في جودة الجوهر، و منها المتوسط، و منها الكدر. و في كل مرتبة درجات. فالأنبياء صلى اللَّه عليهم و سلم هم الغاية، خلقت أبدانهم سليمة من العيب فصلحت لحلول النفس الكاملة، ثم يتفاوتون. فكان نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) أصلح الأنبياء مزاجا و أكملهم بدنا و أصفاهم روحا، و بمعرفة ما نذكره من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم) و أخلاقه يتبين ذلك إن شاء اللَّه تعالى.

روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لم أر شيئا أحسن من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). البراء بفتحتين مخفّفا.

و قال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فإذا هو رجل حسن الجسم.

و قالت أمّ معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أجمل الناس [و أبهاه‏] من بعيد و أحلاه و أحسنه من قريب.

رواهما البيهقي.

و قال جابر بن سمرة- بسين مهملة مفتوحة فميم مضمومة فراء- رضي اللَّه تعالى عنه:

رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ليلة إضحيان و عليه حلّة حمراء فجعلت أنظر إليه و القمر فلهو أحسن في عيني من القمر.

رواه الترمذي و النسائي.

و قال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت من ذي لمّة في حلة حمراء أحسن من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) [ (1)].

رواه مسلم و أبو داود.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس صفة و أجملها.

رواه أبو الحسن بن الضحاك.

و قال طارق بن عبيد [ (2)] رضي اللَّه تعالى عنه: أقبلنا و معنا ظعينة حتى نزلنا قريبا من‏

____________

[ (1)] أخرجه مسلم 4/ 1804 كتاب الفضائل (52- 2309)

[ (2)] طارق بن عبيد بن مسعود الأنصاري. روى محمد بن مروان السدي في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال طارق بن عبيد بن مسعود و أبو اليسر و مالك بن الدخشم يوم بدر: يا رسول اللَّه إنك قلت من قتل‏

6

المدينة، فأتانا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقالت الظّعينة: ما رأيت وجها أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه (صلّى اللّه عليه و سلم).

رواه إبراهيم الحربي [ (1)] في غريبه و أبو الحسن بن الضحاك في الشمائل و ابن عساكر.

و قال أبو إسحاق الهمداني- و هو بفتح الهاء و سكون الميم و دال مهملة- لامرأة حجّت مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): شبّهيه لي: قالت: كالقمر ليلة البدر و لم أر قبله و لا بعده مثله.

رواه يعقوب بن سفيان.

و قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر للرّبيّع بنت معوّذ [ (2)] رضي اللَّه تعالى عنها:

صفي لي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قالت: يا بنيّ لو رأيته لقلت الشمس طالعة.

رواه الدراميّ و يعقوب.

قال الطّيبيّ (رحمه اللّه تعالى): قولها: «لقلت الشمس طالعة» أي لرأيت شمسا طالعة، جرّدت من نفسه الشريفة شمسا و هي هي، نحو قولك: لئن لقيته لتلقينّ أسدا، و إذا نظرت إليه لم تر إلا أسدا.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت شيئا قط أحسن من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كأنّ الشمس تجري. و في لفظ: تخرج من وجهه.

رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن حبّان و بقيّ بن مخلد. و سنده على شرط صحيح مسلم [ (3)].

قال الطّيبيّ: شبّه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه (صلّى اللّه عليه و سلم). و منه قول الشاعر:

____________

[ ()] قتيلا فله سلبه و قد قتلنا سبعين. الحديث في نزول قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ‏ و قال ابن مندة الذي أسر العباس و معه أبو اليسر الأنصاري [انظر الإصابة 3/ 282].

[ (1)] إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد اللَّه البغدادي الحربي، أبو إسحاق: من أعلام المحدثين. أصله من مرو، و اشتهر و توفى ببغداد، و نسبته إلى محلة فيها. كان حافظا للحديث عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، قيما بالأدب، زاهدا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، و صنف كتبا كثيرة منها «غريب الحديث» و «إكرام الضيف»، و «سجود القرآن» و «الهدايا و السنة فيها» و «الحمام و آدابه» و «دلائل النبوة» توفي سنة 285 ه. [انظر الأعلام 1/ 32].

[ (2)] الرّبيّع بضم أوله و كسر التحتانية بنت معوّذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، و يعرف بابن عفراء و هي أمه الأنصارية شهدت الشجرة. لها إحدى و عشرون حديثا. اتفقا على حديثين، و انفرد (خ) بحديثين. و عنها سليمان بن يسار، و أبو سلمة. و جماعة. [الخلاصة 3/ 381].

[ (3)] أخرجه أحمد في المسند 2/ 350.

7

يزيدك وجهه حسنا* * * إذا ما زدته نظرا

[ (1)] و فيه أيضا عكس التشبيه للمبالغة. و يجوز أن يقدّر الخبر الاستقرار، فيكون من باب تناسي التشبيه، فجعل وجهه (صلّى اللّه عليه و سلم) مقرا و مكانا لها. و يحتمل أن يكون فيه تناهي التشبيه جعل وجهه مقرّا و مكانا للتشبيه.

و للَّه در القائل:

لم لا يضي‏ء بك الوجود و ليله‏* * * فيه صباح من جمالك مسفر

فبشمس حسنك كلّ يوم مشرق‏* * * و ببدر وجهك كلّ ليل مقمر

و قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: لم يقم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع شمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، و لم يقم مع سراج قط، إلا غلب ضوؤه ضوء السراج.

رواه ابن الجوزي.

و قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سيما قسيما.

رواه الحارث بن أبي أسامة.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كلّ شي‏ء حسن قد رأيت، فما رأيت شيئا قط أحسن من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

رواه ابن عساكر.

و قال أبو قرصافة- بكسر القاف و سكون الراء بعدها مهملة وفاء- و اسمه جندرة- بفتح أوله ثم نون ساكنة ثم مهملة مفتوحة- ابن خيشنة بمعجمة ثم تحتانية ثم معجمة ثم نون رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حسن الوجه و لم يكن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالفارع الجسم.

رواه ابن عساكر.

تنبيهان‏

الأول: قال ابن المنيّر و الزركشي و غيرهما في قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في يوسف: أعطي شطر الحسن: يتبادر إلى أفهام بعض الناس أن الناس يشتركون في الشطر الآخر. و ليس كذلك، بل المراد أنه أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإنه بلغ النهاية و يوسف بلغ شطرها.

و يحققه ما رواه الترمذي عن قتادة و الدارقطني عن أنس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: ما بعث اللَّه نبيّا إلا حسن الوجه حسن الصّوت، و كان نبيّكم أحسنهم وجها و صوتا».

____________

[ (1)] البيت لأبي نواس [انظر دلائل الإعجاز 296].

8

و قال نفطويه [ (1)] (رحمه اللّه تعالى) في قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [النور 35] هذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: يكاد نظره يدل على نبوته و إن لم يتل قرآنا. كما قال ابن رواحة رضي اللَّه تعالى عنه:

لو لم تكن فيه آيات مبيّنة* * * كانت بداهته تنبيك بالخبر

و قال القرطبي (رحمه اللّه تعالى): قال بعضهم، لم يظهر لنا تمام حسنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما طاقت أعيننا رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلم). و يرحم اللَّه تعالى الشرف البوصيري حيث قال:

فهو الّذي تمّ معناه و صورته‏* * * ثمّ اصطفاه حبيبا بارى النّسم‏

منزّه عن شريك في محاسنه‏* * * فجوهر الحسن فيه غير منقسم‏

إلى أن قال (رحمه اللّه تعالى):

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى‏* * * للقرب و البعد فيه غير منفحم‏

كالشّمس تظهر للعينين من بعد* * * صغيرة و تكلّ الطّرف من أمم‏

و هذا مثل قوله (رحمه اللّه تعالى):

إنّما مثّلوا صفاتك للنّاس‏* * * كما مثّل النّجوم المساء

و يرحم اللَّه تعالى الشرف ابن الفارض حيث قال:

و على تفنّن واصفيه بحسنه [ (2)]* * * يفنى الزّمان و فيه ما لم يوصف‏

[ (3)] و سيدي علي بن أبي وفا حيث قال (رحمه اللّه تعالى):

كم فيه للأبصار حسن مدهش‏* * * كم فيه للأرواح راح مسكر

سبّحان من أنشاه من سبحاته‏* * * بشرا بأسرار الغيوب يبشّر

____________

[ (1)] إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي العتكي، أبو عبد اللَّه، من أحفاد المهلب بن أبي صفرة: إمام في النحو. و كان فقيها، رأسا في مذهب داود، مسندا في الحديث ثقة، قال ابن حجر: جالس الملوك و الوزراء، و أتقن حفظ السيرة و وفيات العلماء، مع المروءة و الفتوة و الظرف. ولد بواسط (بين البصرة و الكوفة) و مات ببغداد و كان على جلالة قدره تغلب عليه سذاجة الملبس، فلا يعنى بإصلاح نفسه. و كان دميم الخلقة، يؤيد مذهب «سيبويه» في النحو فلقبوه «نفطويه» و نظم الشعر و لم يكن بشاعر، و إنما كان من تمام أدب الأديب في عصره أن يقول الشعر. سمّى له ابن النديم و ياقوت عدة كتب، منها «كتاب التاريخ» و «غريب القرآن» و «كتاب الوزراء» و «أمثال القرآن» و لا نعلم عن أحدها خبرا. توفي سنة 323 ه [الأعلام 1/ 61.]

[ (2)] في أ بوصفه.

[ (3)] البيت من قصيدة مطلعها:

قلبي يحدثني بأنك متلفي‏* * * روحي فداك، عرفت أم لم تعرف‏

ديوان ابن الفارض. دار الكتب العلمية ت: مهدي محمد ناصر الدين ص 142: 148.

9

قاسوه جهلا بالغزال تغزّلا* * * هيهات يشبهه الغزال الأحور

هذا و حقّك ماله من مشبه‏* * * و أرى المشبّه بالغزالة يكفر

يأتي عظيم الذّنب في تشبيهه‏* * * لو لا لربّ جماله يستغفر

فخر الملاح بحسنهم و جمالهم‏* * * و بحسنه كلّ المحاسن تفخر

فجماله مجلى لكلّ جميلة* * * و له منار كلّ وجه نيّر

جنّات عدن في جنى و جناته‏* * * و دليله أنّ المراشف كوثر

هيهات ألهو عن هواه بغيره‏* * * و الغير في حشر الأجانب يحشر

كتب الغرام عليّ في أسفاره‏* * * كتبا تؤوّل بالهوى و تفسّر

فدع الدّعيّ و ما ادّعاه من الهوى‏* * * فدعيّه بالهجر فيه يهجر

و عليك بالعلم العليم فإنّه‏* * * لخطيبه في كلّ خطب منبر

الثاني: في تفسير غريب ما سبق.

إضحيان [ (1)]- بهمزة مكسورة فضاد معجمة ساكنة فحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية:

أي مقمرة مضيئة من أولها إلى آخرها.

اللّمّة: بالكسر شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن فإذا بلغ المنكبين فهو الجمّة و الجمع لمم. الظّعينة: قال في النهاية: أصل الظّعينة الراحلة التي ترحل و يظعن عليها أي يسار. و قيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. و قيل:

الظعينة المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، أو للمرأة بلا هودج: ظعينة.

الربيّع: بالتصغير و التشديد. معوّذ: بضم الميم و فتح العين المهملة و كسر الواو.

الوسيم: المشهور بالحسن كأن الحسن صار له علامة. و قال في النهاية: رجل قسيم.

الوجه أي جميل كله كأن كل موضع منه أخذ قسما من الجمال.

و الوسيم: الحسن الوضي‏ء الثابت.

____________

[ (1)] انظر لسان العرب 3/ 14.

10

الباب الثاني في صفة لونه (صلّى اللّه عليه و سلم)

قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أزهر الّلون ليس بالآدم و لا بالأبيض الأمهق. متفق عليه.

و في رواية لمسلم: كان (صلّى اللّه عليه و سلم) مشربا بحمرة.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض كأنما صيغ من فضة.

رواه الترمذي و رواه ابن عساكر من حديث أنس.

و قال عليّ رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض مشربا بحمرة.

رواه الإمام أحمد و الترمذي و البيهقي من طرق.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض مشربا بحمرة.

رواه ابن عساكر.

و قال عليّ رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق.

رواه ابن عساكر من طرق.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض اللون مشربا حمرة. رواه ابن عساكر.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس لونا.

رواه ابن عساكر.

و قال جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض مشربا بحمرة.

رواه ابن سعد و ابن عساكر.

و قال أبو أمامة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رجلا أبيض تخالطه حمرة.

رواه ابن عساكر.

و قال أبو الطّفيل رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض مليح الوجه.

رواه البخاري و أحمد و مسلم و يعقوب بن سفيان.

11

و في رواية لأحمد: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض مليحا مقصّدا.

و قال عليّ رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أزهر اللون.

رواه البيهقي.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس لونا.

رواه ابن الجوزي.

و قالت أمّ معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ظاهر الوضاءة.

رواه البيهقي.

و قال هند بن أبي هالة [ (1)] رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنور المتجرّد.

رواه الترمذي و البيهقي.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها

أهدي لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شملة سوداء فلبسها، و قال:

كيف ترينها عليّ يا عائشة؟ قلت، ما أحسنها عليك يا رسول اللَّه! يشوب سوادها بياضك و بياضك سوادها [ (2)].

رواه ابن عساكر.

تنبيهات‏

الأول: روى الإمام أحمد و يعقوب بن سفيان و البزار و ابن حبان و الحاكم و صححه الحافظ عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسمر اللون.

و رواه البيهقي من وجه آخر بلفظ: كان بياضه إلى سمرة و عند الإمام أحمد بسند حسن: أبيض إلى سمرة.

و روى ابن أبي شيبة عن شيخه هوذة و الإمام أحمد عن شيخه محمد بن جعفر و أبو نعيم عن روح قالوا: أنبأنا عوف بن أبي جميلة [ (3)] عن يزيد الفارسي (رحمه اللّه تعالى) قال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في المنام فذكرت ذلك لابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما فقال: صفه لي.

____________

[ (1)] هند بن أبي هالة التميمي ربيب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أمه خديجة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) روى عنه الحسن بن علي صفة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أخرجه الترمذي و البغوي و الطبراني و غيرهم من طرق عن الحسن بن علي، قال الزبير بن بكار: قتل هند مع علي يوم الجمل و كذا قال الدارقطني في كتاب الأخوة و قال أبو عمر كان فصيحا بليغا وصف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فأحسن و أتقن. [الإصابة 6/ 293، 294.]

[ (2)] أخرجه ابن عساكر في التهذيب 1/ 325 و ذكره المتقي الهندي في الكنز (18528).

[ (3)] عوف بن أبي جميلة، بفتح الجيم، الأعرابي العبدي، البصري، ثقة، رمي بالقدر و بالتشيع، من السادسة، مات سنة ست أو سبع و أربعين، و له ست و ثمانون. [التقريب 2/ 89].

12

فذكر الحديث: و فيه: أسمر إلى البياض. قال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.

و روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن شيخه هوذة، و أبو نعيم من طريق الحارث بن أبي أسامة عن شيخه روح، كلاهما عن عوف عن يزيد. و ذكر الحديث و لفظه: أحمر إلى البياض.

قال الحافظ: و تبيّن من مجموع الروايات أن المراد بالسّمرة: الحمرة التي تخالط البياض، و أن المراد بالبياض المثبت: ما تخالطه الحمرة. و المنفيّ ما لا تخالطه، و هو الذي تكره العرب لونه و تسميه أمهق.

و قال ابن أبي خيثمة: و لونه (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي لا شك فيه: الأبيض الأزهر، المشرب من حمرة و إلى السمرة ما ضحى منه للشمس و الريح، و أما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر.

و تعقّبه بعضهم بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، و لم يكن (صلّى اللّه عليه و سلم) ملازما للشمس. نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقت غيّرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السّمرة في هذه الرواية على الحمرة التي تخالط البياض، أي كما سبق في كلام الحافظ.

قلت: قوله إن أنسا لا يخفى عليه. إلخ يقال عليه: قد وصفه أنس بأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أزهر اللون ليس بالآدم، كما تقدم أول الباب، و هو حديث أصح من هذه الروايات. و تابعه غيره على هذه الرواية.

و قال الحافظ أبو الفضل العراقي: في قوله: «أسمر اللون»: هذه اللفظة تفرّد بها حميد عن أنس و رواها غيره عنه بلفظ «أزهر اللون» ثم نظرنا من روى صفة لونه (صلّى اللّه عليه و سلم) غير أنس، فكلهّم و صفوه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالبياض دون السّمرة، و هم خمسة عشر صحابيّا.

قلت: سمّى أبو الحسن بن الضحاك في كتاب الشمائل منهم: أبا بكر و عمر و عليّا و أبا جحيفة و ابن عمر و ابن عباس و هند بن أبي هالة و الحسن بن علي و أبا الطّفيل و مخرّش الكعبي و ابن مسعود و البراء بن عازب و سعد بن أبي وقّاص و عائشة و أبا هريرة و ذكر أحاديثهم و أسانيدهم العشرة. ثم قال: و ما رواه أنس مما يوافق الجمهور أولى و أصح و هو الذي ينبغي أن يرجع إليه و يعوّل عليه.

و أما رواية أبي يزيد الفارسي: أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسمر إلى البياض: فخطأ في الرواية، و الصواب الرواية الثانية.

13

الثاني:

وقع في زيادات المسند لعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل [ (1)]، عن علي رضي اللَّه تعالى عنه:

أبيض شديد الوضح.

و في حديث أبي هريرة عند البزّار و يعقوب بن سفيان بسند قوي: كان (صلّى اللّه عليه و سلم) شديد البياض. و هذا مخالف لقول أنس أول الباب: و ليس بالأمهق. و لرواية مسلم عنه: أبيض مشربا بحمرة: و هما أصح منهما. و يمكن الجمع بحمل ما ذكر على ما تحت الثياب مما لا يلقى الشمس.

الثالث: وقع عند أبي زيد المروزيّ أحد رواة الصحيح عن أنس: أمهق ليس بالأبيض و اعترض الداوديّ الشارح هذه الرواية. و قال القاضي إنها وهم. و قال: لعل الصحيح رواية من روى أنه ليس بالأبيض و لا بالآدم.

قال الحافظ: و هذا ليس بجيّد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض و لا الآدم الشديد الأدمة و إنما يخالط بياضه الحمرة. و العرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر.

و لهذا جاء في حديث أنس أي السابق: كان (صلّى اللّه عليه و سلم) أسمر.

قال الحافظ: و تبين من مجموع الروايات أن رواية المروزي: «أمهق ليس بالأبيض» مقلوبة على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية و لا سمرته و لا حمرته. فقد نقل عن رؤبة أن المهق خضرة الماء فهذا التوجيه على تقدير ثبوت الرواية و قد جاء في عدة طرق أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان أبيض.

الرابع: نقل القاضي عن أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون (رحمهما اللّه تعالى) أن من قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أسود. يقتل. انتهى.

قال بعضهم: و هذا يقتضي أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل. و ليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما تشعر بنقص كما في مسألتنا هذه فإن السواد مفصول.

الخامس: في بيان غريب ما سبق: الأزهر: الأبيض المستنير المشرق و هو أحسن الألوان أي ليس بالشديد البياض.

الآدم: الشديد السمرة.

الأمهق: الشديد البياض الذي لا يخالطه شي‏ء من الحمرة و ليس بنيّر كلون الجصّ أو نحوه.

____________

[ (1)] عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن، ولد الإمام، ثقة، من الثانية عشرة مات سنة تسعين، و له بضع و سبعون [انظر التقريب 1/ 401.]

14

الإشراب [ (1)]: خلط لون بلون كأن أحد اللونين سقى الآخر لونه، يقال: بياض مشرب حمرة بالتخفيف. فإذا شدّد كان للتكثير و المبالغة.

المقصّد: من الرجال الذي ليس بجسيم و لا طويل.

ظاهر الوضاءة: أي الحسن و الجمال.

أنور المتجرّد: بجيم وراء مشددة مفتوحتين: ما كشف عنه الثوب من البدن، يعني أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان مشرق الجسد نيّر اللون فوضع الأنور موضع النير. و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] انظر لسان العرب 4/ 2224.

15

الباب الثالث في صفة رأسه و شعره (صلّى اللّه عليه و سلم)

قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضخم الرأس.

رواه البخاري. و رواه أبو الحسن بن الضحّاك عن جبير بن مطعم. و رواه أبو الحسن بن الضحاك و ابن عساكر من طرق عن علي رضي اللَّه تعالى عنه. و رواه من طريق عنه بلفظ:

عظيم الرأس.

و روى الترمذي عن هند بن أبي هالة و البيهقي عن علي رضي اللَّه تعالى عنهما قالا:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيم الهامة رجل الشعر إن افترقت عقيقته فرق و إلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفّره.

و قال أنس رضي اللّه تعالى عنه: لم يكن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بجعد قطط و لا بسبط، كان رجلا.

رواه الشيخان و الترمذي و النسائي.

و قال جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كثير شعر الرأس رجله.

رواه ابن أبي خيثمة.

و قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها في صفته (صلّى اللّه عليه و سلم): و لا تزريه صعلة.

رواه الحارث بن أبي أسامة.

و قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه لشي‏ء و كان أهل الكتاب يسدلون شعورهم و كان المشركون يفرقون رؤوسهم. فسدل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم فرق بعده.

رواه الستة.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شعرا بين شعرين، و لا رجل سبط و لا جعد قطط، و كان بين أذنيه و عاتقه.

و في رواية: كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أنصاف أذنيه.

متفق عليه.

و قال علي بن حجر رضي اللَّه تعالى عنه: لم يكن شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالجعد القطط و لا بالسّبط كان جعدا رجلا.

16

رواه مسلم و البيهقي.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: «أنا فرقت لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأسه صدعت فرقه عن يافوخه و أرسلت ناصيته بين عينيه.

رواه ابن إسحاق و أبو داود، و ابن ماجة و لفظه: «كنت أفرق خلف يافوخ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم أسدل ناصيته».

و قال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى منكبيه.

رواه الشيخان.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوق الوفرة و دون الجمّة.

رواه أبو داود و الترمذي.

و قالت أم هانئ رضي اللَّه تعالى عنها: قدم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و له أربع غدائر: يعني ضفائر.

رواه الترمذي و أبو داود بسند جيد.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا امتشط بالمشط كأنه حبل الرّمال.

رواه أبو نعيم.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين أذنيه و عاتقه.

رواه مسلم.

و روى عبد المجيد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فطلبها حتى وجدها و قال: اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا و هي معي إلا رزقت النّصر.

رواه سعيد بن منصور.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: إن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما رمى جمرة العقبة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقّه الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثم ناوله شقه الأيسر فقال: اقسمه بين الناس.

رواه الشيخان.

و في رواية لمسلم: «فلقد رأيته و الحلاق يحلقه فطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذا وفرة.

رواه ابن عساكر.

17

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حسن الشعر.

رواه ابن عساكر.

و قال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شديد سواد الرأس و اللحية.

رواه ابن عساكر. و رواه أبو الحسن بن الضحاك و غيره عن رجل من الصحابة من بني كنانة.

و روى إسرائيل [ (1)] عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب [ (2)]: أرسلني أهلي إلى أمّ سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بقدح من ماء- و قبض إسرائيل ثلاث أصابع- فجاءت بجلجل من فضة فيها شعر من شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان إذا أصاب أحدا من الناس عين أو شي‏ء بعث إليها بخضّه، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرا حمرا.

رواه البخاري و اللفظ للحميدي في جمعه.

تنبيهات‏

الأول: حاصل الأحاديث السابقة: أن شعره (صلّى اللّه عليه و سلم) كان جمّة وفرة لمّة، فوق الجمّة و دون الوفرة عكسه. فالوفرة- بفتح الواو و إسكان الفاء: ما بلغ شحمة الأذن. و اللّمة- بكسر اللام: ما نزل عن شحمة الأذن، و الجمّة- بضم الجيم و تشديد الميم- قال الجوهري (رحمه اللّه تعالى): هي مجتمع شعر الرأس و هي أكثر من الوفرة ما نزل عن ذلك إلى المنكبين.

هذا قول جمهور أهل اللغة و هو الذي ذكره أصحاب المحكم و النهاية و المشارق و غيرهم. و اختلف فيه كلام الجوهري. فذكره على الصواب في مادة «لمم» فقال: و اللّمة- بالكسر: الشعر، المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي الجمّة. و خالف ذلك في مادة «وفر» فقال: و الوفرة إلى شحمة الأذن ثم الجمّة ثم اللّمة. و هي التي ألمّت بالمنكبين [ (3)].

انتهى.

و قال الحافظ أبو الفضل العراقي (رحمه اللّه تعالى): ما قاله في باب الميم هو الصواب‏

____________

[ (1)] إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السّبيعي أبو يوسف الكوفي. روى عن الأعمش، و سماك بن حرب، و يوسف بن أبي بردة، و عاصم الأحول. و عنه عبد الرزاق، و أبو داود الطيالسي، و أحمد بن أبي إياس، و ابن مهدي، و أبو نعيم، و الفريابي، و وكيع. و قال يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عيّاش، و كان أحمد يعجب من حفظه. و قال أحمد: إسرائيل أصح حديثا من شريك إلا في أبي إسحاق، فإن شريكا أضبط. مات سنة اثنتين و ستين و مائة. [طبقات الحفاظ 191.]

[ (2)] عثمان بن عبد اللَّه بن موهب، التميمي مولاهم، المدني، الأعرج، و قد ينسب إلى جده، ثقة، من الرابعة، مات سنة ستين.

[التقريب 2/ 11].

[ (3)] في ألمت المنكبين.

18

و هو الموافق لقول غيره من أهل اللغة. و لا جمع بين رواية: (فوق الجمعة، و دون الوفرة) و هي عند الترمذي، و العكس رواية أبي داود و ابن ماجة، و هي الموافقة لقول أهل اللغة، إلا على المحمل الذي تؤول عليه رواية الترمذي، و ذلك أنه قد يراد بقوله: «دون» بالنسبة إلى محل وصول الشعر. فرواية الترمذي محمولة على هذا التأويل: أن شعره كان فوق الجمّة أي أرفع في المحل. فعلى هذا يكون شعره لمّة، و هو ما بين الوفرة، و الجمعة، و تكون رواية أبي داود و ابن ماجة معناها: «كان شعره فوق الوفرة» أي أكثر من الوفرة و دون الجمة أي في الكثرة.

و على هذا فلا تعارض بين الروايتين. فروى كل راو ما فهمه من الفوق و الدّون.

و قال القاضي: و الجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه و الذي يلي أذنيه و عاتقيه و ما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. و قيل بل لاختلاف الأوقات فإذا غفل عن تقصير شعره بلغ المنكب و إذا قصره كان إلى أنصاف أذنيه فكان يقصر و يطول بحسب ذلك.

الثاني: قال ابن القيّم (رحمه اللّه تعالى) في زاد المعاد: لم يحلق (صلّى اللّه عليه و سلم) رأسه الشريف إلا أربع مرات. و لهذا مزيد بيان في أبواب زينته (صلّى اللّه عليه و سلم) و يأتي الكلام على ما شاب من شعره (صلّى اللّه عليه و سلم) في الباب التاسع.

الثالث:

روى ابن عساكر من طريقين غير ثابتين عن علي رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال:

كان شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سبطا.

و قد تقدم من طريق صحيحة أنه لم يكن بالسّبط و لا بالجعد القطط.

الرابع: قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: إنما جعل شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و رأسه غدائر أربعا ليخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين يكتنفانها و يخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها و يخرج الأذنان بياضهما من بين تلك الغدائر كأنهما توقد الكواكب الدرّية بين سواد شعره و كان أكثر شيبه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الرأس في فودى رأسه، و الفودان خرفا الفرق، و كان أكثر شيبه (صلّى اللّه عليه و سلم) في لحيته فوق الذقن و كان شيبه كأنه خيوط الفضة يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه، إذا مسّ ذلك الشيب الصّفرة- و كان كثيرا ما يفعل- صار كأنه خيوط ذهب يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه.

الخامس: في بيان غريب ما سبق.

الهامة- بالتخفيف: الرأس.

رجل الشعر- بفتح الراء و كسر الجيم و فتحها و سكونها، ثلاث لغات ذكرها في المفهم لا شديد الجعودة و لا شديد السّبوطة بل بينهما. قال القرطبي: و كان شعره (صلّى اللّه عليه و سلم) بأصل الخلقة مسرّحا.

19

العقيقة: بقافين على المشهور: شعر الرأس، سميّ عقيقة تشبيها بشعر المولود قبل أن يحلق فإذا حلق و نبت ثانيا فقد زال عنه اسم العقيقة، و ربما سمّي الشعر عقيقة بعد الحلق على الاستعارة. و منه هذا الحديث. و المراد إن انفرقت عقيقته من ذات نفسها و إلا تركها معقوصة.

و روي: عقيصته- بقاف و صاد مهملة- و هي اسم للشعر المعقوص، مشتق من العقص و هو الّليّ.

وفّره: بفتح الفاء المشدّدة أي جعله وفرة.

الجعد- بفتح الجيم و سكون المهملة. و الجعودة في الشعر أن لا يتكسّر و لا يسترسل.

القطط- بفتحتين: الشديد الجعودة الشبيه بشعر السودان.

السّبط [ (1)]- بفتح السين المهملة و سكون الباء الموحدة و كسرها، المنبسط المسترسل الذي لا تكسير فيه، أي لم يكن شديد الجعودة و لا شديد السّبوطة بل بينهما.

الصّعلة- بصاد فعين مهملتين: صغر الرأس. و يروى بالقاف. و يأتي بيانه في صفة إبطه الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم).

يسدل- بفتح المثناة التحتية و سكون السين و كسر الدال المهملتين، و يجوز ضم الدال أي يترك شعر ناصيته على جبهته. قال النووي. قال العلماء: المراد إرساله على الجبين و اتخاذه كالقصّة أي بضم القاف و بعدها صاد مهملة و هو شعر الناصية.

يفرقون- بضم الراء و كسرها: أي يلقون شعر رؤوسهم إلى جانبيه و لا يتركون منه شيئا على جبهتهم.

فرق- بفتح الفاء و الراء: تقدم معناه قبله.

العاتق: ما بين المنكب و العنق و هو موضع الرداء يذكر و يؤنث، و الجمع عواتق.

صدعت- بالتخفيف: نحّيت. اليأفوخ: بهمز، و هو أحسن و أصوب، و لا يهمز، و هو وسط الرأس، و لا يقال يافوخ حتى يصلب و يشتد بعد الولادة.

الناصية و الناصاة: منبت الشعر في مقدّم الرأس، و يطلق على الشعر.

المنكب: مجتمع رأس العضد و الكتف.

الغدائر: بغين معجمة و دال مهملة.

حبك الرّمال- بضم أوله و ثانيه جمع حبيكة و هي الطريق في الرمل و قال الفرّاء: الحبك‏

____________

[ (1)] انظر اللسان 2/ 1922.

20

تكسّر كل شي‏ء كالرّمل إذا مرّت به الريح الساكنة و الماء الدائم إذا مرّت به الريح و الشّعرة الجيدة تكسّرها حبك.

القلنسوة [ (1)]- بفتح القاف و اللام و سكون النون و ضم السين و فتح الواو. و الجمع:

القلانس و القلاسي.

اليرموك- بفتح الياء: مكان قرب دمشق.

قوله: «و قبض إسرائيل ثلاث أصابع» أشار بذلك إلى صغر القدح.

قصة- بضم القاف و صاد مهملة لأكثر الرواة الصحيح. قال ابن دريد: كلّ خصلة من الشعر قصّة. قال ابن دحية و الصحيح عند المتقنين: «من فضّة» بالفاء بواحدة و ضاد معجمة و هو الأشبه و الأولى لقوله بعد ذلك: «فاطّلعت في الجلجل» و قد بيّنه وكيع في مصنّفه فقال:

كان جلجلا من فضة صنع صونا لشعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] انظر المعجم الوسيط 2/ 754.

21

الباب الرابع في صفة جبينه و حاجبيه (صلّى اللّه عليه و سلم)

قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مفاض الجبين.

رواه البيهقي و ابن عساكر.

و قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) واسع الجبين أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب.

رواه الترمذي.

و قال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دقيق الحاجبين.

رواه البيهقي.

و قال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان جبين رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صلتا.

رواه ابن ابن عساكر.

و قال الحافظ أبو أحمد بن أبي خيثمة (رحمهما اللّه تعالى): كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أجلى الجبين إذا طلع جبينه من بين الشّعر أو طلع من فلق الشّعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس تراءى جبينه كأنه السّراج المتوقّد يتلألأ، كانوا يقولون هو (صلّى اللّه عليه و سلم). كما قال شاعره حسّان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه:

متى يبد في الليل البهيم جبينه‏* * * يلح مثل مصباح الدّجى المتوقّد

فمن كان أو من قد يكون كأحمد* * * نظاما لحقّ أو نكالا لملحد

[ (1)].

قال أبو الحسن بن قانع عن سويد بن غفلة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) واضح الجبين أهدب مقرون الحاجبين.

تنبيهات‏

الأول: في حديث أم معبد: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أزجّ أقرن. قال ابن قتيبة و ابن عساكر:

و لا أراه إلا كما وصف هند و صحّحه ابن الأثير و القطب رحمه للَّه تعالى.

قلت: و روى البيهقي و ابن عساكر عن مقاتل بن حيّان (رحمه اللّه تعالى) قال: أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة و السلام: جدّ في أمري و لا تهزل إلى أن قال: صدّقوا النبيّ العربي الصّلت الجبين المقرون الحاجبين.

____________

[ (1)] انظر الديوان ص 67.

22

و روى ابن عساكر من طرق عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مقرون الحاجبين.

و يمكن الجمع بأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان أولا بغير قرن أو من جهة الرائي من قرب و من بعد، و بأنه لم يكن بالأقرن حقيقة و لا بالأزجّ حقيقة بل كان بين الحاجبين فرجة يسيرة لا تتبين إلا لمن دقّق النظر إليها. كما ذكر في صفة أنفه الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يحسبه من لم يتأمله أشمّ و لم يكن أشم.

الثاني: في بيان غريب ما سبق.

مفاض الجبين- بميم مضمومة ففاء فألف فضاد معجمة مخففة أي واسعه، يقال درع مفاضة أي واسعة. الجبين ما فوق الصّدغ. و الصّدغ ما بين العين إلى الأذن، و لكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة.

الزّجج: تقوّس في الحاجب مع طول في طرفه و امتداد. قاله في النهاية. و قال غيره:

الزّجج دقّة الحاجبين و سبوغهما إلى محاذاة آخر العين مع تقوّس.

سوابغ- حال من المجرور و هو الحواجب جمع سابغ و هو التامّ الطويل أي أنها دقّت في حال سبوغها. وضع الحواجب موضع الحاجبين لأن التثنية جمع.

القرن- بالتحريك: اتصال شعر الحاجبين.

يدرّه- بضم أوله و كسر ثانيه و تشديد ثالثه: أي يحرّكه و يظهره، كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا غضب امتلأ ذلك العرق دما كما يمتلئ الضّرع لبنا إذا درّ فيظهر و يرتفع.

الصّلت الجبين: أي واسعه، و قيل الصلت الأملس و قيل البارز. و اللَّه أعلم.

23

الباب الخامس في صفة عينيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعض ما فيهما من الآيات‏

قال عليّ رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أدعج العينين.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيم العينين أهدب الأشفار.

رواه الإمام أحمد و مسلم.

و قال أيضا:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيم العينين أهدب الأشفار مشرب العين بحمرة.

رواه البيهقي و أبو الحسن بن الضحاك و ابن عساكر من طرق.

و قال سماك بن حرب [ (1)]: قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليه و سلم أشكل العين.

قال الرواي له عن سماك: ما أشكل العين؟ قال: طويل شقّ العين.

رواه مسلم و غيره. و رواه أبو داود بلفظ: أشهل العين.

و قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: في أشفاره عطف و في لفظ: وطف.

رواه الحارث بن أبي أسامة.

و قال أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبحر العينين.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبرج العينين.

رواهما أبو الحسن بن الضحاك.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أكحل العينين أهدب الأشفار.

رواه محمد بن يحيى الذّهلي [ (2)] في الزّهريّات.

و قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كنت إذا نظرت إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قلت أكحل و ليس بأكحل.

رواه الإمام أحمد بن حنبل و يعقوب بن سفيان.

____________

[ (1)] سماك: بكسر أوله و تخفيف الميم، ابن حرب بن أوس بن خالد الذّهلي البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق، و روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، و قد تغير بآخره، فكان ربما يلقن، من الرابعة، مات سنة ثلاث و عشرين. [التقريب 1/ 332.]

[ (2)] محمد بن يحيى بن عبد اللَّه بن خالد بن فارس الذّهلي أبو عبد اللَّه النيسابوري، الحافظ، أحد الأعلام الكبار، عن ابن مهدي و علي بن عاصم و يزيد بن هارون و عبد الصمد و خلائق، و له رحلة واسعة و نقد، و عنه (خ) و يدلسه، و (عم)، و هو الذي جمع حديث الزهري في مجلدين. قال أبو حاتم: محمد بن يحيى إمام زمانه. و قال النسائي: ثقة مأمون.

قال الذهلي: أنفقت على العلم مائة و خمسين ألفا. قال أبو حامد بن الشرقي: مات سنة ثمان و خمسين و مائتين.

[الخلاصة 2/ 467.]

24

و قال مقاتل بن حيّان (رحمه اللّه تعالى): أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى ابن مريم جدّ في أمري و لا تهزل إلى أن قال: صدّقوا النبيّ العربي الأنجل العينين.

رواه البيهقي و ابن عساكر.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسود الحدقة أهدب الأشفار.

رواه الترمذي.

و قال أيضا:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيم العينين مشرب العين حمرة أهدب الأشفار كثّ اللحية.

رواه ابن عساكر.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أدعج العينين.

رواه ابن عساكر.

فصل:

روى ابن عديّ و البيهقي و ابن عساكر عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، و البيهقي و ابن عساكر عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يرى بالليل في الظّلمة كما يرى بالنهار في الضّوء.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): هل ترون قبلتي ها هنا، فواللَّه لا يخفى عليّ ركوعكم و لا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري.

متفق عليه [ (1)].

قال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة و تبعه أبو الحسن بن الضحاك في كتاب الشمائل له: كان فيه (صلّى اللّه عليه و سلم) شي‏ء من صور. و الصّور: الرجل الذي كأنه يلمح الشي‏ء ببعض وجهه.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):

أيها الناس إنه إمامكم فلا تسبقوني بالركوع و لا بالسجود فإني أراكم من أمامي و من خلفي [ (2)].

رواه مسلم.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):

«إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي» [ (3)].

رواه عبد الرزّاق في الجامع و أبو زرعة الرازي في دلائله.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 1/ 182 كتاب الصلاة 418 و مسلم 1/ 319 كتاب الصلاة (109- 424).

[ (2)] أخرجه مسلم 1/ 320 (112- 426).

[ (3)] ذكره الهيثمي في المجمع 2/ 92 بنحوه و عزاه للبزار و قال و رجاله ثقات.

25

و قال مجاهد (رحمه اللّه تعالى): كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من بين يديه.

رواه الحميديّ و أبو زرعة الرازي في دلائله.

فائدة: ذكر القاضي (رحمه اللّه تعالى) أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يرى في الثريّا أحد عشر نجما.

و ذكر السّهيلي (رحمه اللّه تعالى) أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يرى فيها اثني عشر نجما. و بالأول جزم أبو عبد اللَّه القرطبي في كتاب «أسماء النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)» حيث نظم ذلك فقال (رحمه اللّه تعالى):

و هو الّذى يرى النّجوم الخافية* * * مبيّنات في السّماء العاليه‏

إحدى عشر قد عدّ في الثريّا* * * لناظر سواه ما تهيّا

قال في: «القول المكرم» و هذا لم أقف له على أصل يستند إليه. و الناس يذكرون أن الثريا لا تزيد على تسعة أنجم فيما يرون. انتهى.

تنبيهات‏

الأول: قال القاضي: إنما حدثت هذه الآية له (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد ليلة الإسراء كما أن موسى (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يرى النّملة السوداء في الليلة الظّلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطّور.

الثاني: هذه الرؤية رؤية إدراك، و الرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحقّ و لا شعاع و لا مقابلة، و هذا بالنسبة إلى الباري تعالى. أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و خالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.

قال الحرّاني (رحمه اللّه تعالى): و هذه الآية قد جعلها اللَّه تعالى دالة على ما في حقيقة أمره من الاطلاع الباطن، لسعة علمه و معرفته، لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه اللَّه تعالى على ما بين يديه مما تقدم من أمر اللَّه و على ما وراء الوقت مما تأخر من أمر اللَّه تعالى. فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب جعل اللَّه تعالى له (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه.

و من الغرائب ما ذكره بختيار محب بن محمود الزاهد شارح القدوريّ في رسالته الناصريّة أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان له بين كتفيه عينان كسمّ الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب. و قيل:

بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم.

قال الحافظ: و هذا إن كان نقلا عن الشارع بطريق صحيح فمقبول و إلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونها معجزة حملها على الإدراك من غير آلة.

و قال ابن المنيّر (رحمه اللّه تعالى): لا حاجة إلى تأويله لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة.

26

و قال القرطبي: حمله على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و سيأتي و لهذا مزيد بيان في الخصائص.

الثالث: في بيان غريب ما سبق:

الدّعج: شدة سواد العين في شدة بياضها.

الأهدب- بالدال المهملة: الطويل الأشفار.

الأشفار: جمع شفر وزن قفل و هو حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب. قال ابن قتيبة (رحمه اللّه تعالى): و العامة تجعل أشفار العين: الشّعر و هو غلط، و إنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر.

الحدقة: بالتحريك، سواد العين و الجمع حدق و حدقات. مثل قصبة، و قصب، و قصبات. و ربما قيل حداق محل رقبة و رقاب.

قوله: مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق و هي من علاماته (صلّى اللّه عليه و سلم) التي في الكتب السالفة.

و قول سماك (رحمه اللّه تعالى): إن الشّكلة طول شقّ العين: قال القاضي: إنه وهم من سماك باتفاق العلماء و غلط ظاهر، فقد اتفق العلماء و أصحاب الغريب أن الشّهلة حمرة في سواد العين كالشّكلة في البياض.

الغطف: بغين معجمة و تهمل هو أن يطول شعر الأجفان ثم ينعطف. الوطف: الطويل أيضا.

الكحل: بالتحريك: سواد يكون في مفاوز أجفان العين خلقة.

الأنجل: يقال عين نجلاء أي واسعة.

الأبرج [ (1)] العين: بهمزة فموحدة فراء فجيم: من البرج بالتحريك بياض العين محدقا بالسواد كله لا يغيب من سوادها شي‏ء. و اللَّه تعالى أعلم.

____________

[ (1)] انظر لسان العرب 2/ 243.

27

الباب السادس في سمعه الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم)

كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يسمع ما لا يسمعه الحاضرون مع سلامة حواسّهم من مثل الذي سمعه.

و روى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تامّ الأذنين.

و روى الترمذي و ابن ماجة عن أبي ذر، و أبو نعيم عن حكيم بن حزام رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):

«تسمعون ما أسمع؟» قالوا ما نسمع من شي‏ء قال: إني لأرى ما لا ترون و أسمع ما لا تسمعون، إني أسمع أطيط السماء و ما تلام أن تئطّ و ما فيها موضع شبر إلا و عليه ملك ساجد أو قائم.»

و قال زيد بن ثابت [ (1)] رضي اللَّه تعالى عنه:

بينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على بغلة له إذ حادت به فكادت تلقيه و إذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل:

أنا. فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فأعجبه ذلك فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلو لا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه عز و جل أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع».

رواه مسلم‏

[ (2)].

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه:

دخل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حائطا من حيطان المدينة لبني النجار فسمع أصوات قوم يعذّبون في قبورهم فحاصت البغلة، فسأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): متى دفن هذا؟ قالوا: يا رسول اللَّه دفن هذا في الجاهلية فأعجبه ذلك و ذكر نحو الذي قبله.

رواه الإمام أحمد.

و قد ثبت أن الوحي كان يأتي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحيانا في مثل صلصلة الجرس و يسمعه و يعيه و لا يسمعه أحد من الصحابة.

تنبيهان‏

الأول: إن قيل: كيف يكون صوت مسموع لسامع في محلّ لا يسمعه آخر معه و هو

____________

[ (1)] زيد بن ثابت بن الضّحّاك بن زيد بن لوذان بمعجمة ابن عمرو النّجّاري المدني كاتب الوحي و أحد نجباء الأنصار، شهد بيعة الرضوان، و قرأ على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جمع القرآن في عهد الصديق. و ولي قسم غنائم اليرموك، له اثنان و تسعون حديثا. اتفقا على خمسة، و انفرد (خ) بأربعة، و (م) بواحد، روى عنه ابن عمر و أنس و سليمان بن يسار، و ابنه خارجة بن زيد و خلق. قال يحيى بن سعيد: لما مات زيد قال أبو هريرة: مات خير الأمة. توفي سنة خمس و أربعين.

و قيل: سنة ثمان. و قيل: سنة إحدى و خمسين. [الخلاصة 1/ 350.]

[ (2)] أخرجه مسلم 4/ 2199 كتاب الجنة (67- 2867).

28

مثله سليم الحاسّة عن آفة الإدراك؟

أجيب: بأن الإدراك معنى يخلقه اللَّه تعالى لمن يشاء و يمنعه لمن يشاء و ليس بطبيعة و لا و تيرة واحدة.

الثاني: في بيان غريب ما تقدم:

الأطيط: صوت الأقتاب و أطيط الإبل أصواتها و حنينها، أي أن كثرة ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطّت.

قال في النهاية: و هذا مثل و إيذان بكثرة الملائكة و إن لم يكن ثمّ أطيط، و إنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة اللَّه تعالى.

قلت: و فيه نظر لقوله:

«إني لأسمع أطيط السماء».

حادت: مالت عند نفارها عن سنن طريقها.

حاصت: بحاء فصاد مهملتين: نفرت و كرّت راجعة من خوف ما سمعت.

29

الباب السابع في صفة أنفه الشريف و خديه (صلّى اللّه عليه و سلم)

روى الترمذي عن هند بن أبي هالة و ابن عساكر عن عليّ رضي اللَّه تعالى عنهما قالا:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أقنى العرنين.

زاد هند: له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ و ليس بأشم.

و قال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دقيق الأنف. رواه البيهقي.

و قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سهل الخدين. رواه الترمذي.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسيل الخدّين.

رواه محمد بن يحيى الذّهلي في الزهريات و ابن عساكر.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سهل الخدين دقيق العرنين.

رواه ابن عساكر من طرق.

و قال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض الخد.

رواه ابن عساكر.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيض الخدين.

رواه أبو الحسن بن الضحاك.

تفسير الغريب‏

العرنين: بكسر العين و سكون الراء المهملة و كسر النون: الأنف. و القنى فيه: طوله و دقة أرنبته مع ارتفاع في وسطه.

الشّمم: ارتفاع قصبة الأنف و استواء أعلاها و إشراف الأرنبة قليلا، و المعنى أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لحسن قنى أنفه و اعتدال ذلك يحسب قبل التأمل أنه أشمّ و ليس كذلك. قاله في النهاية.

السهل الخدين: أي ليس في خديه نتوء و ارتفاع. و قيل أراد أن خديه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسيلان قليلا اللحم رقيقا الجلد، كما في حديث أبي هريرة.

30

الباب الثامن في صفة فمه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أسنانه و طيب ريقه و بعض الآيات فيه‏

قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضليع الفم، أشنب [ (1)]، مفلّج الأسنان، يفتر عن مثل حبّ الغمام.

رواه الترمذي و أبو الشيخ.

و قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضليع الفم.

رواه الإمام أحمد و البخاري و مسلم [ (2)].

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) برّاق الثنايا.

رواه ابن عساكر.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حسن الثّغر.

رواه البيهقي.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مفلّج الثنايا.

رواه ابن سعد و أبو الشيخ.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: شممت العطر كله فلم أشمّ نكهة أطيب من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

رواه ابن سعد و أبو الشيخ.

و قال وائل بن حجر رضي اللَّه تعالى عنه: أتى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بدلو من ماء فشرب من الدلو ثم صبّ في البئر أو قال ثم مجّ في البئر. ففاح منها مثل رائحة المسك.

رواه الإمام أحمد و ابن ماجة.

و رواه الإمام أبو الحسن بن الضحاك بلفظ: أتي بدلو فتوضأ منه فتمضمض و مجّ مسكا أو أطيب من المسك و انتشر خارجا منه.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر لم أر قبله و لا بعده مثله.

رواه محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات. و أبو الحسن بن الضحاك و ابن عساكر.

____________

[ (1)] في أ: أشهب.

[ (2)] أخرجه مسلم 4/ 1820 كتاب الفضائل (97- 2339).

31

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: بزق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في بئر بدار نا فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها.

رواه أبو نعيم.

و قالت عميرة بنت سمعود الأنصارية [ (1)] رضي اللَّه تعالى عنه: دخلت على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنا و أخواتي و هن خمس فوجدنا يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن. و فمضغت كلّ واحدة قطعة فلقين اللَّه و ما وجد لأفواههن خلوف.

رواه الطرانى.

و قالت أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد رضي اللَّه تعالى عنها: كنا نتطيّب و نجهد لعتبة بن فرقد أن نبلغه فما نبلغه و ربما لم يمسّ عتبة طيبا، فقلنا له فقال: أخذني البثر على عهد رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأتيت، فتفل في كفّه ثم مسح جلدي، فكنت من أطيب الناس ريحا.

رواه البخاري في التاريخ و الطبراني و أبو الحسن بن الضحاك.

و قال أبو أمامة رضي اللَّه تعالى عنه: جاءت امرأة بذيئة اللسان إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يأكل قديدا، فقالت: ألا تطعمني؟ فناولها مما بين يديه، فقالت: لا إلا الذي في فيك. فأخرجه فأعطاها فألقته في فمها فأكلته فلم يعلم منها بعد ذلك الأمر الذي كانت عليه من البذاء و الذرابة رواه الطبراني.

و قال محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس [ (2)]: إن أباه فارق أمّه و هي حامل به، فلما ولدته حلفت أن لا تلبنه من لبنها. فدعا به رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فبصق في فيه و قال اختلف به فإن اللَّه رازقه فأتيته به اليوم الأول و الثاني الثالث.

رواه البيهقي.

و يرحم اللَّه تعالى القائل حيث قال:

____________

[ (1)] عميرة بنت سمعود الأنصارية. ذكرها أبو نعيم و أبو موسى من طريقه ثم من طريق أبي عروبة الحراني حدثنا هلال بن بشر حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة أن جدته عميرة بنت مسعود حدثته أنها دخلت على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هي و أخواتها و هن خمس فبايعنه فوجدنه و هو يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولهن فقسمنها بينهم فمضغت كل واحدة منهن قطعة فلقين اللَّه عز و جل ما وجدن في أفواههن خلوفا و لا اشتكين من أفواههن شيئا قاله الحافظ [انظر الإصابة 8/ 150]

[ (2)] محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري، حنّكه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و سمّاه. عن أبيه و سالم مولى أبي حذيفة. و عنه ابناه يوسف و إسماعيلى و الزّهر. وثقه ابن حبان. قتل يوم الحرّة [الخلاصة 2/ 386.]

32

بحر من الشّهد في فيه مراشفه‏* * * ياقوت من صدف فيه جواهره‏

و يرحم اللَّه تعالى القائل أيضا:

جني النّخل في فيه و فيه حياتنا* * * و لكنّه من لي بلثم لثامه‏

رحيق الثّنايا و الثاني تنفّست‏* * * إذا قال عن فتح بطيب ختامه‏

و

قال أبو جعفر محمد بن علي (رحمه اللّه تعالى):

بينهما الحسن بن علي مع رسول اللَّه إذ عطش فاشتد ظمؤه فطلب له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ماء فلم يجد فأعطاه لسانه فمصّه حتى روي.

رواه ابن عساكر. و هو منقطع. و رواه عن أبي هريرة و زاد: الحسين.

و قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أفل الثنيّتين. زاد أبو الحسن بن الضحاك: و الرّباعيّتين. انتهى.

إذ تكلّم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه.

رواه أبو زرعة الرازي [ (1)] في دلائله و الدارمي و الترمذي و أب الحسن بن لضحاك و سنده جيّد.

و قال سهل بن سعيد رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)

يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللَّه على يديه، يحبّ اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسلوه. فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كلهم يرجو أن يعطاها. قال:. ين بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في عينية فبرأ حتى كأن لم يكن به و جع. الحديث‏

رواه الشيخان‏

[ (2)].

و قال أبو قرصافة- بكسر القاف رضي اللَّه تعالى عنه: بايعنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنا و أمي و خالتي فلما رجعنا قال أمي و خالتي: يا بنيّ ما رأينا مثل هذا الرجل لا أحسن وجها و لا أنقى ثوبا و لا ألين كلاما، و رأينا كالنو. ر يخرج من فيه.

رواه البيهقي.

تنبيه في بيان غريب ما سبق‏

الضّليع: بضاد معجمة و عين مهملة- قالوا في النهاية: أي عظيم الفم و قيل واسعه‏

____________

[ (1)] عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي بالولاء، أبو زرعة الرازي: من حفّاظ الحديث، الأئمة. من أهل الريّ. زار بغداد و حث بها، و حالس أحمد بن حنبل. كان يحفظ ألف حديث، و يقال: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل. توفى بالريّ. سنة 264 ه [الأعلام 4/ 194]

[ (2)] أخرجه البخاري 5/ 87 (3701) و مسلم 4/ 1871 كتاب الضائل (32- 404)

33

و العرب تمدح عظم الفم و تذم صغره.

قال الإمام النوري: و هذا قول الأكثر و هو الأظهر. و الضّليع: العظيم الخلق، الشديد و قال غيره: المهزول الذابل. و هو في صفته (صلّى اللّه عليه و سلم) ذبول شفتيه و رقّتهما و حسنها.

الشّنب: بشين معجمة فنون مفتوحة فموحدة: البياض و البريق و التحديد في الأسنان و قيل هو بردها و عذوبتها.

الفلج بالتحريك: تباعد ما بين الثنايا و الرباعيات.

يفتر- بمثناة تحتية ففاء ففوقية مضمومة أي يظهر أسنانه.

حبّ الغمام: البر بفتحتين به ثغره في بياضه و صفائه و برده. الثّغر هنا: الثايا.

مجّ الماء من فيه: محاز من باب رمي: الخلوف: كالقعود تغيّر رائحة الفم.

الذّاربة: الفحش.

البذاء في المنطق. بالفتح و المد و الذال المعجمة: السّفه و الفحش.

تلبنه: بالمثناة الفوقية فلام فموحدة فنون: ترضعه.

الثّنايا: جمع ثنيّة وهي أربع من الأسنان.

بصق بالصاد المهملة و يقال بالسين أيضا.

34

الباب التاسع في صفة لحيته الشريفة و شيبه (صلّى اللّه عليه و سلم)

قال هند بن أبي هالد رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كثّ اللّحية.

رواه الترمذي و رواه ابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه‏

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيم اللحية.

رواه البيهقي و ابن عساكر و ابن الجوزي‏

و قال جبير بن مطعم رضى الله تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضخم اللحية. رواه أَبو الحسن بن الضحاك.

و قال أَبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أَسود اللحية.

رواه البيهقي و ابن عساكر.

و قال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شديد سواد الرأس و اللحية.

رواه ابن عساكر.

و قال أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كانت لحية رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا. رواه ابن عساكر.

و قال الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة (رحمه اللّه تعالى): كانت عنفقته (صلّى اللّه عليه و سلم) بارزة و نبكاه حول العنفقة كأنهما بياض اللؤلؤة، في أسف عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها.

و قال أبو ضمضم رحمه للَّه تعالى: نزلت بالرّجيجح [ (1)] فقيل ها هنا رجل يقال له أسعد بن خالد رأي النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتيته فقلت: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: نعم رأيته كان رجلا مربوعا حسن السّبلة.

رواه الدينوري و ابن عساكر.

و قال. أيضا كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كثير شعر الرأس و اللحية.

رواه مسلم و ابن أبي خيثمة و اللفظ له.

____________

[ (1)] رجيح: تصغير رجل أي تحرّك. موضع في بلاد العرب. [انظر معجم البلدان 3/ 33]

35

و قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: شمط مقدّم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لحيته و كان إذا ادّهن لم يتبين فإذا لم يدهن تبيّن.

رواه مسلم.

و قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن [ (1)] عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: ليس في شعر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لحيته عشرون شعرة بيضاء.

رواه الشيخان.

و قال ثابت عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: ما كان في رأس رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لا لحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة بيضاء.

رواه ابن سعد بسند صحيح.

و رواه أبو الحسن بن الضحاك بلفظ أربع عشرة بيضاء.

و قال حميد عنه: لم يكن في لحية رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشرون شعرة بيضاء.

قال حميد: كن سبع عشرة.

رواه ابن أبي خيثمة.

و قال قتادة عنه: لم يخضب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إنما كان في عنفقته و في الصدغين و في الر. س نبذ.

رواه مسلم.

و قال أبو بكر بن عيّاش [ (2)] (رحمه اللّه تعالى): قلت لربيعة: جالست أنسا؟ قال: نعم.

و سمعته يقول: شاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشرين شيبة هاهنا. يعني العنفقة.

رواه ابن خيثمة.

و قال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: كان شيب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليه نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدّمه رواه ابن إسحاق و ابن حبان و البيهقي.

____________

[ (1)] ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي، و. سم أبيه فروخ، ثقة، فقيه مشهور، قال ابن سعد 6 كانوا يتّقونه لموضع الرّي 7 من الخامسة، مات سنة سنت و ثلاثين على الصحيح و قيل سنة ثلاث، قال الباجي سنة اثنتين و أربعين [التقريب 1/ 247]

[ (2)] أبو بكر بن عيّاش: ابن سالم الأسدى، مولاهم الكوفي الحنّاط- المقري الفقيه، المحدث شيخ الإسلام، و بقية ال. علام، مولى واصل الأحدب. وفي اسمه أقوال: أشهرها شعبة 7 فإن أبا هاشم فإن أبا هاشم الرّفاعي، و حسن بن عبد الأول، سألاه عن اسمه، فقال: شعبة. و سأله يحيى بن آدم و غيره عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي. قرأ أبو بكر القرآن، و جوده ثلاث مرات على عاصم بن أبي النّجود، و عرضه أيضا فيما بلغنا على عطاء بن السائب، و أسلم المنقري [انظر سير أعلام النبلاء]

36

و قال أبو جحيفة رضي اللَّه تعالى عنه: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و رأيت بياضا تحت شفته السّفلى العنفقة [ (1)].

رواه البخاري.

و رواه الإسماعيلي بلفظ: «من تحت شفته السفلى مثل موضع إصبع العنفقة».

و في لفظ له. رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) شابت عنفقته.

و قال عبد اللَّه بن بسر- بضم الموحدة و سكون المهملة- المازني رضي اللَّه تعالى عنه: كان في عنفقة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شعرات بيض.

رواه البخاري.

و في رواية عند الإسماعيلي: إنما كانت شعرات بيضا.

و قال أبو إياس (رحمه اللّه تعالى): سئل أنس عن شيب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: ما شانه اللَّه تعالى بيضاء.

رواه ابن عساكر. و قال: لعل أنسا أراد بلحية بيضاء. فقد روى عنه و عن غيره من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أنه شاب بعض شعره (صلّى اللّه عليه و سلم) و أشار إلى العنفقة.

و روى ابن سعد و أبو نعيم عن ابن سيرين [ (2)] (رحمه اللّه تعالى) قال: سئل أنس رضي اللَّه تعالى عنه عن خضاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: إن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يكن شاب إلا يسيرا و لكن أبا بكر و عمر خضابه بعد بالحنّاء و الكتم.

و روى ابن عساكر عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صفّر لحيته و ما فيها عشرون شعرة بيضاء.

و قال قتادة: سألت أنسا: هل خضب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: لا إنما كان شي‏ء في صدغيه.

رواه البخاري و لفظه: قال: لم يخضب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إنما كان البياض في عنفقته و في صدغيه. نبذ: أي متفرّق.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 651 (3543).

[ (2)] محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم أبو بكر البصري إمام وقته. عن مولاه أنس و زيد بن ثابت و عمران بن حصين و أبي هريرة و عائشة و طائفة من كبار التابعين. و عنه الشعبي و ثابت، و قتادة و أيوب و مالك بن دينار و سليمان التّيمي و خالد الحذّاء و الأوزاعي و خلق كثير قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس. و قال خالد الحذّاء: كل شي‏ء يقول يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم ... و قال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر اللَّه تعالى و قال بكر المزني: و اللَّه ما أدركنا من هو أورع منه قال حماد بن زياد مات سنة عشر و مائة. [انظر الخلاصة 2/ 412، 413]

37

و قال محمد بن سيرين (رحمه اللّه تعالى): سألت أنسا أ كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخضب؟

قال: لم يبلغ الخضاب.

رواه الشيخان.

و لمسلم عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: «و لو شئت أن أعدّ شمطات كنّ في رأس رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لفعلت» [ (1)].

فائدة

روى ابن سعد عن يونس بن طلق بن حبيب (رحمه اللّه تعالى)

أن حجّاما أخذ من شارب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها، فأمسك النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده و قال: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة».

تنبيهات‏

الأول: قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): عرف من مجموع الروايات أن الذي شاب في عنفقته (صلّى اللّه عليه و سلم) أكثر من الذي شاب في غيرها. و قول أنس لما سأله قتادة هل خضب؟: «إنما كان شي‏ء في صدغيه» أراد أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب. و قد صرّح بذلك في رواية محمد بن سيرين السابقة.

الثاني: اختلف في عدد الشعرات التي شابت في رأسه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لحيته. فمقتضى حديث عبد اللَّه بن بسر [ (2)] أنّ شيبه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان لا يزيد على عشر شعرات لإيراده بصيغة القلة. و في رواية ابن سعد: لم يبلغ ما في لحيته من الشعر عشرين شعرة. قال حميد: و أومأ إلى عنفقته سبع عشرة.

و روى أيضا عن ثابت عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: ما كان في رأس رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة.

و روى ابن أبي خيثمة عن أنس رضي اللَّه تعالى قال: لم يكن في لحية رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشرون شعرة بيضاء. قال حميد: كن سبع عشرة.

و روى الحاكم من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عقيل [ (1)] عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه‏

____________

[ (1)] أخرجه مسلم 4/ 1821 (103- 2341).

[ (2)] عبد اللَّه بن بسر بن أبي بسر المازني السلمي أبو بسر. صحابي ابن صحابي له أحاديث انفرد البخاري بحديث و مسلم بحديث مات سنة ثمان و ثمانين، و قيل: سنة ست و تسعين، و هو آخر من مات بالشام من الصحابة. [انظر الخلاصة 2/ 42].

38

قال: لو عددت ما أقبل من شيبه (صلّى اللّه عليه و سلم) في رأسه و لحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة.

و جمع العلامة البلقيني بين هذه الروايات بأنها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين شعرة، و الرواية الثانية توضح أن ما دون العشرين كان سبع عشرة، فيكون كما ذكرناه:

العشرة في عنفقته و الزائد عليها يكون في بقية لحيته لأنه قال في الرواية الثالثة: لم يكن في لحية رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشرون شعرة بيضاء، و اللحية تشمل العنفقة و غيرها. و كون العشرة في العنفقة بحديث عبد اللَّه [ (1)] بن بسر و البقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته. و كون حميد أشار إلى عنفقته سبع عشرة ليس يعلم ذلك من نفس الحديث، و الحديث لا يدل إلى على ما ذكرنا من التوفيق. و أما الرواية الرابعة فلا تنافي كون العشرة على العنفقة و الزائد على غيرها. و هذا الموضع موضع تأمل. انتهى.

الثالث: سيأتي الكلام في خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أبواب زينته.

الرابع: في بيان غريب ما سبق.

الكثّة: بفتح الكاف و ثاء مثلثة- أي فيها كثاثة و استدارة و ليست بطويلة.

السّبلة: بالتحريك- مقدّم اللحية و ما انحدر منها على الصدر. و قيل: هي الشعرات التي تحت اللّحى الأسفل. و قيل: الشارب.

الرّجيج [ (2)]:

شمط: بالكسر شمطا: خالط سواد لحيته بياض فهو أشمط. و المرأة في رأسها كذلك فهي شمطاء.

أبو جحيفة: بجيم مضمومة فحاء مهملة و مثناة تحتية ساكنة ففاء- و اسمه وهب بن عبد اللَّه السّوائي بضم السين.

العنفقة: ما بين الذقن و الشفة السفلى، سواء كان عليه شعر أم لا. و يطلق على الشعر أيضا. و قوله: «تحت شفته السفلى العنفقة» بجرّ العنفقة بدل من الشفة. و بنصبها و إعراب عنفقة كما تقدم.

الصّدغ: بالضم: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن و يطلق على الشعر المتدلى عليه و الجمع أصداغ، مثل قفل و أقفال.

____________

[ (1)] عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، المدني، أمه زينب بنت عليّ، صدوق، في حديثه لين، و يقال تغير بآخره، من الرابعة، مات بعد الأربعين [التقريب 1/ 447، 448].

[ (2)] بياض في الأصل. و الرجيج تصغير رج، موضع ببلاد العرب [معجم البلدان 9/ 29].

39

الباب العاشر في صفة وجهه (صلّى اللّه عليه و سلم)

سئل البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه أ كان وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل السيف؟ قال:

لا بل مثل القمر.

رواه البخاري و الترمذي [ (1)].

و سئل جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: أ كان وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل السيف؟

قال: لا بل مثل الشمس و القمر مستديرا.

رواه مسلم [ (2)].

و قال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها و أحسنهم خلقا.

رواه الشيخان [ (3)].

و قال عليّ رضي اللَّه تعالى عنه:

لم يكن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمطهّم و لا المكلثم، و كان في وجهه تدوير.

رواه البيهقي و ابن عساكر من طرق.

و قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فخما مفخّما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.

رواه الترمذي و غيره.

و قال علي رضي اللَّه تعالى عنه:

كان في وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تدوير.

رواه مسلم و البيهقي.

و قال أبو عبيد: يريد ما كان في غاية التدوير بل كان فيه سهولة و هي أحلى عند العرب.

و قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة: متبلّج الوجه.

رواه الحارث بن أسامة و غيره.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها و أنورهم لونا.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 653 (6552).

[ (2)] أخرجه مسلم 4/ 1823 (109- 2344).

[ (3)] أخرجه البخاري 6/ 652 (3549) و مسلم 4/ 1819 (93- 2337.)

40

رواه ابن الجوزي.

و قال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: كان وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كدارة القمر.

رواه أبو نعيم.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت أحسن من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كأن الشمس تخرج من وجهه.

رواه ابن الجوزي.

و قالت امرأة حجّت مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال لها أبو إسحاق الهمداني: شبّهيه لي.

قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله و لا بعده مثله.

رواه البيهقي.

و يروى عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كنت أخيط الثوب فسقطت الإبرة فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فتبيّنت الإبرة بشعاع وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

رواه ابن عساكر.

و يروى عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما. قال: لم يكن لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ظلّ و لم يقم مع شمس إلا غلب ضوؤه ضوءة الشمس و لم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السّراج.

رواه ابن الجوزي.

و قال كعب بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر فكنا نعرف ذلك منه [ (1)].

رواه الشيخان و أبو داود و النسائي.

و قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: أقبل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مسرورا تبرق أسارير وجهه.

رواه الشيخان [ (2)].

و قال أنس كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا سرّ كأن وجهه المرآة، و كأن الجدر تلاحك وجهه.

أورده ابن الأثير في النهاية.

تنبيهات‏

الأول: قال الحافظ: قوله: «كأنه قطعة قمر» لعله (صلّى اللّه عليه و سلم) كان حينئذ متلثّما، و الموضع‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في الموضع السابق (3556) و مسلم 4/ 2120 (53).

[ (2)] أخرجه البخاري 6/ 653 كتاب المناقب (3555) و مسلم 2/ 1081 كتاب الرضاع (38- 1459).

41

الذي يتبين فيه السرور هو جبينه و فيه يظهر السرور، و كأن الشبه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبّه ببعض القمر.

و قال في المغازي في قصة توبة كعب: و يسأل عن السرّ في التقييد بالقطعة مع كثرة.

ما ورد في كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد. و قد تقدم تشبيههم له بالشمس طالعة و غير ذلك. و كان كعب قائل هذا من شعراء الصحابة و حاله في ذلك مشهور، و ما قيل في ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر ليس بقويّ، لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء و الاستنارة و هو في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة. و يحتمل أن يكون أراد بقوله «قطعة قمر» القمر نفسه.

و قد روى الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: «كأنه دارة قمر».

و روى النسائي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه في قصة صلاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر و سؤاله ربّه تبارك و تعالى قال: ثم التفت إلينا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كأن شقّة وجهه القمر فقال: هذه مصارع القوم العشيّة.

و وقع في حديث جبير بن مطعم عند الطبراني: التفت إلينا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بوجهه مثل شقّة القمر. فهذا محمول على صفته (صلّى اللّه عليه و سلم) عند الالتفات.

الثاني: هذه التشبيهات الواردة في صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم) إنما هي على عادة الشعراء و العرب، و إلا فلا شي‏ء من هذه المحدثات يعادل صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم).

و يرحم اللَّه تعالى القائل حيث قال:

كالبدر و الكاف إن أنصفت زائدة* * * فلا تظنّنها كافا لتشبيه‏

و يرحم اللَّه تعالى القائل أيضا:

يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه‏* * * و بدر الدّجى عن ذلك الحسن منحطّ

كما شبهّوا غصن النّقا بقوامه‏* * * لقد بالغوا بالمدح للغصن و اشتطّوا

و قد تقدم في أبيات سيدي على وفا إشارة إلى هذا.

الثالث: قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية (رحمه اللّه تعالى): كان وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مستديرا فأراد البراء أن يزيل ما توهّمه القائل من معنى الطّول الذي في السيف إلى معنى الاستدارة التي في القمر، لأن القمر يؤنس كلّ من شاهده و يجمع النور من غير أذى حرّ و يتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التي تعشي البصر فتمنع من الرؤية.

و قال الحافظ في الفتح: و يحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللّمعان و الصقالة فقال‏

42

البراء: لا بل مثل القمر الذي فوق السيف في ذلك، لأن القمر يشمل التدوير و اللمعان بل التشبيه به أبلغ و أشهر. و إنما قال جابر بن سمرة «كان مستديرا» لينبه على أنه جمع الصفتين لأن قوله مثل السيف يحتمل أن يريد به السائل الطّول و اللمعان، فرده المسؤول ردّا بليغا، و لما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، و التشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرها أتى بقوله «و كان مستديرا» إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا:

الحسن و الاستدارة.

الرابع: في بيان غريب ما سبق:

المطهّم: بميم مضمومة فطاء مهملة فهاء مشددة مفتوحتين: و هو المنتفخ الوجه.

المكلثم: بميم مضمومة فكاف مفتوحة فلام ساكنة فثاء مثلثة مفتوحة- و هي من الوجه القصير الحنك الداني الجبهة المستدير مع خفة اللحم.

فخما: بفاء مفتوحة فخاء معجمة ساكنة: أي عظيما.

مفخّما: بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة مشددة اسم مفعول: أي معظّما في الصدور و العيون.

المتبلّج و الأبلج: الحسن المشرق المضي‏ء، و لم ترد به بلج الحواجب لأنها و صفتها بالقرن.

دارة القمر: الهالة حوله.

سرّ: بضم أوله مبنيا للمفعول من السرور.

استنار: أضاء و تنوّر.

الأسارير: جمع أسرار، و هي جمع السّرر، و هي الخطوط التي تكون في الجبهة.

و برقانها يكون عند الفرح.

الملاحكة [ (1)] بالفتح شدة الملاءمة، أي يرى شخص الجدر في وجهه (صلّى اللّه عليه و سلم).

و اللَّه تعالى أعلم.

____________

[ (1)] انظر لسان العرب 5/ 4010.

43

الباب الحادي عشر في صفة عنقه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعد ما بين منكبيه و غلظ كتده‏

قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان في عنق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سطع.

رواه الحارث بن أبي أسامة.

و قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان عنق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كجيد دمية في صفاء الفضة.

رواه الترمذي.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه فيما رواه ابن عساكر، و علي بن أبي طالب فيما رواه ابن سعد و أبو نعيم و البيهقي: كأن عنق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إبريق فضة.

و روى الإمام أحمد و الشيخان عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه: و الإمام أحمد و البيهقي عن أبي هريرة، و الترمذي عن هند رضي اللَّه تعالى عنهم قالوا: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعيد ما بين المنكبين [ (1)].

و روى الترمذي عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جليل المشاش و الكتد.

و قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: إن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين سأله الناس فأعطاهم الحديث و فيه: فجذبوا ثوبه حتى بدا منكبه فكأنما أنظر حين بدا منكبه إلى شقة القمر من بياضه (صلّى اللّه عليه و سلم).

رواه أبو الحسن بن الضحاك.

و قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة.

رواه البزّار و البيهقي و ابن عساكر.

و قال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه: كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس عنقا، ما ظهر من عنقه للشمس و الرياح فكأنه إبريق فضة مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة و حمرة الذهب. و ما غيّبت الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر.

[تفسير الغريب‏]

السّطع: بالتحريك طول العنق.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 652 (3551) و مسلم 4/ 1819 (91- 2337).

44

الجيد: بكسر الجيم و سكون المثناة التحتية: العنق.

الدّمية- بضم الدال المهملة و إسكان الميم و مثناة تحتية مفتوحة- الصورة المصوّرة سميت بذلك، لأن الصانع يتفوّق في صنعها و تحسينها، شبّه عنقه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالفضة في صفائها.

المنكب: بفتح أوله و سكون ثانيه و كسر ثالثه: مجتمع رأس العضد و الكتف. و بعد ما بين المنكبين يدل على سعة الصدر و الظهر.

المشاش: بضم الميم و شينين معجمتين: رؤوس العظام: كالمرفقين و الكعبين و الركبتين.

و قال الجوهري. رؤوس العظام اللّينة التي يمكن مضغها.

الكتد: بكاف فمثناة مفتوحتين فدال مهملة مجتمع الكتفين.

و اللَّه تعالى أعلم.

45

الباب الثاني عشر في صفة ظهره (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما جاء في صفة خاتم النبوة

قال محرّش- بضم الميم و فتح المهملة و قيل معجمة و كسر الراء بعدها معجمة، ابن عبد اللَّه الكعبي رضي اللَّه تعالى عنه: اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة.

رواه الإمام أحمد و يعقوب بن سفيان.

فصل اختلف في صفة خاتم النبوة على أقوال كثيرة متقاربة المعنى.

أحدها: أنه مثل زرّ الحجلة.

روى الشيخان عن السائب بن يزيد رضي اللَّه تعالى عنه قال: قمت خلف ظهر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سلم فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة [ (1)].

الثاني: أنه كالجمع:

روى مسلم عن عبد اللَّه بن سرجس [ (2)]- بفتح المهملة و سكون الراء و كسر الجيم بعدها مهملة- رضي اللَّه تعالى عنه قال: نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثّآليل [ (3)].

الثالث: أنه كبيضة الحمامة.

روى مسلم و البيهقي عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت خاتم النبوة بين كتفي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل بيضة الحمامة يشبه جسده [ (4)].

و روى أبو الحسن بن الضحاك عن سلمان رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل بيضة الحمامة.

الرابع: أنه شعر مجتمع.

روى الإمام أحمد و الترمذي و الحاكم و صحّحه و أبو يعلى و الطبراني من طريق علباء

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 648 (3541) و مسلم 4/ 1823 (111- 2345).

[ (2)] عبد اللَّه بن سرجس بفتح أوله و كسر الجيم المزني حليف بني مخزوم البصري له سبعة عشر حديثا. انفرد له (م) بحديث. و عنه عثمان بن حكيم و عاصم الأحول و قتادة. [الخلاصة 2/ 60].

[ (3)] أخرجه مسلم في الموضع السابق (112- 2346).

[ (4)] أخرجه مسلم في الموضع السابق (110- 2344).

46

بكسر المهملة و سكون اللام بعدها موحدة- ابن أحمر- بحاء مهملة و آخره راء- عن أبي يزيد عمرو بن أخطب، بالخاء المعجمة، الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):

اذن فامسح ظهري. فدنوت و مسحت ظهره و وضعت أصابعي على الخاتم. فقيل له: ما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع عند كتفه [ (1)].

و

رواه أبو سعد النيسابوري بلفظ شعرات سود.

الخامس: أنه كالسّلعة.

روى الإمام أحمد و ابن سعد و البيهقي من طرق عن أبي رمثة- بكسر الراء و سكون الميم فثاء مثلثة- رضي اللَّه تعالى عنه قال: انطلقت مع أبي إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فنظرت إلى مثل السّلعة بين كتفيه [ (2)].

السادس: أنه بضعة ناشزة.

روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه قال: الخاتم الذي بين كتفي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بضعة ناشزة.

و في لفظ عند البخاري في التاريخ و البيهقي: لحمة نائتة و لأحمد: لحم ناشز بين كتفيه [ (3)].

السابع: أنه مثل البندقة.

روى ابن حبّان في صحيحه من طريق إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان خاتم النبوة على ظهر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل البندقة من لحم مكتوب فيها: محمد رسول اللَّه.

قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في «مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» بعد أن أورد الحديث: اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب. انتهى.

و من خطه نقلت و بخط تلميذه الحافظ على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند. و هو ضعيف.

و ذكر الحافظ ابن كثير نحو ما قال الهيثمي. و لهذا مزيد بيان يأتي في ثامن التنبيهات.

الثامن: أنه مثل التفاحة.

____________

[ (1)] أخرجه الطبراني في الكبير 17/ 27.

[ (2)] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 1/ 214.

[ (3)] أخرجه أحمد في المسند 3/ 69.

47

روى الترمذي عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل التفاحة.

التاسع: أنه كأثر المحجم.

روى الإمام أحمد و البيهقي عن التّنوخيّ رسول اللَّه هرقل رضي اللَّه تعالى عنه في حديثه الطويل قال: فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة.

العاشر: أنه كشامة سوداء تضرب إلى الصفرة.

روي عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان خاتم النبوة كشامة سوداء تضرب إلى الصّفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس رواه أبو بكر بن أبي خيثمة من طريق صبح بن عبد اللَّه الفرغاني حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد [ (1)]. و سيأتي في ثامن التنبيهات أنه غير ثابت أيضا.

الحادي عشر: أنه كشامة خضراء محتضرة في اللّحم، قليلا.

نقله ابن أبي خيثمة في تاريخه عن بعضهم. و سيأتي في ثامن التنبيهات أنه غير ثابت أيضا.

الثاني عشر: أنه كركبة عنز:

روى الطبراني و أبو نعيم في المعرفة عن عبّاد بن عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم النبوة على طرف كتف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الأيسر كأنه ركبة عنز، و كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يكره أن يرى الخاتم.

سنده ضعيف.

الثالث عشر: أنه كبيضة حمامة مكتوب في باطنها: اللَّه وحده لا شريك له. و في ظاهره: توجّه حيث شئت فإنك منصور.

رواه الحكيم الترمذي و أبو نعيم، قال في المورد: و هو حديث باطل. و لهذا مزيد بيان في ثامن التنبيهات.

الرابع عشر: أنه كنور يتلألأ.

رواه ابن عائذ- بعين مهملة و مثناة تحتية و ذال معجمة.

____________

[ (1)] عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي أبو عبد الصمد البصري الحافظ. عن أبي عمران الجوني و مطر الورّاق. و عنه أحمد و إسحاق و ابن معين و خلق. وثقه أحمد و أبو داود، و قال: مات سنة سبع و ثمانين و مائة. [الخلاصة 2/ 167].

48

الخامس عشر: أنه ثلاث شعرات مجتمعات.

ذكره أبو عبد اللَّه محمد القضاعي- بضم القاف و بضاد معجمة و عين مهملة- (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه.

السادس عشر: أنه عذرة [ (1)] كعذرة الحمامة. قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة.

رواه ابن أبي عاصم في سيرته.

السابع عشر: أنه كتينة صغيرة تضرب إلى الدّهمة.

روي ذلك عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.

الثامن عشر: أنه كشي‏ء يختم به.

روى ابن أبي شيبة عن عمرو بن أخطب أبي زيد الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه قال:

رأيت الخاتم على ظهر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال هكذا بظفره. كأنه يختم.

التاسع عشر: أنه كان بين كتفيه (صلّى اللّه عليه و سلم) كدارة القمر مكتوب فيها سطران: السطر الأول: لا إله إلا اللَّه. و في السطر الأسفل: محمد رسول اللَّه. رواه أبو الدّحداح أحمد بن إسماعيل الدمشقي (رحمه اللّه تعالى) في الجزء الأول من سيرته. قال في «المورد» و «الغرر» و هو باطل بيّن البطلان.

العشرون: أنه كبيضة نعامة. روى ابن حبان في صحيحه عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت خاتم النبوّة بين كتفيه (صلّى اللّه عليه و سلم) كبيضة النعامة يشبه جسده [ (2)].

قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في «مورد الظمآن» روى هذا في حديث الصحيح في صفته (صلّى اللّه عليه و سلم) و لفظه: مثل بيضة الحمامة و هو الصواب [ (3)].

قال الحافظ: تبيّن من رواية مسلم «كركبة عنز» أن رواية ابن حبان غلط من بعض الرواة.

قلت: و رأيت في «إتحاف المهرة» للحافظ شهاب الدين البوصيري (رحمه اللّه تعالى) بخطه: «كركبة البعير» و بيّض لاسم الصحابي و عزاه لمسند أبي يعلى و هو وهم من بعض رواته كأنه تصحّف عليه كركبة عنز بركبة بعير.

ثم رأيت ابن عساكر روى الحديث في تاريخه من طريق أبي يعلى و سمّى الصحابي عبّاد بن عمرو.

____________

[ (1)] في أ: غدة.

[ (2)] أخرجه ابن حبان (514) باب خاتم النبوة حديث (2898).

[ (3)] انظر موارد الظمآن الموضع السابق.

49

و قال الحافظ في الإصابة في سنده من لا يعرف. قلت: و قد تقدّم عنه في الثاني عشر أنه كركبة عنز. و لم أظفر به في مجمع الزوائد للهيثمي.

الحادي و العشرون: أنه غدة حمراء.

روى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) غدة حمراء مثل بيضة الحمامة.

تنبيهات‏

الأول: اختلف في موضع الخاتم من جسده (صلّى اللّه عليه و سلم): ففي صحيح مسلم: أنه عند نغض كتفه الأيسر. و في رواية شاذة عن سلمان أنه عند غضروف كتفه اليمنى عزى هذه الرواية الشيخ في الخصائص الكبرى و السخاوي في جمع طرق قصة سلمان من رواية أبي قرّة الكندي [ (1)] عنه لدلائل البيهقي و لم أر ذلك في نسختين منها، لا في الكلام على خاتم النبوة و لا في قصة سلمان، فكأنه في موضع آخر غيرهما.

الثاني: قال العلماء: هذه الروايات متقاربة في المعنى و ليس ذلك باختلاف بل كل راو شبّه بما نسخ له، فواحد قال كزرّ الحجلة و هو بيض الطائر المعروف أو زرار البشخاناه. و آخر كبيضة الحمامة. و آخر كالتفاحة و آخر بضعة لحم ناشزة. و آخر لحمة ناتئة. و آخر كالمحجمة.

و آخر كركبة العنز. و كلها ألفاظ مؤداها واحد و هو قطعة لحم.

و من قال: شعر. فلأن الشعر حوله متراكب عليه كما في الرواية الأخرى.

قال أبو العباس القرطبي في «المفهم»: دلت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه (صلّى اللّه عليه و سلم) الأيسر إذا قلّل قدر بيضة الحمامة، و إذا كبّر قدر جمع اليد.

و ذكر نحوه القاضي و زاد: و أما رواية جمع اليد فظاهرها المخالفة، فتتأوّل على وفق الروايات الكثيرة، و يكون معناها: على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة.

الثالث: قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): و الحكمة في كون الخاتم عند نغض كتفه الأيسر أنه معصوم من وسوسة الشيطان، و ذلك الموضع منه يوسوس لابن آدم.

قلت: روى أبو عمر بسند قوي عن عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه تعالى) أن رجلا سأل ربّه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأري جسدا ممهى يرى داخله من خارجه، و أري‏

____________

[ (1)] أبو قرة بن معاوية بن وهب بن قيس بن حجر الكندي ... ذكره ابن الكلبي و قال كان شريفا وفد على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و ذكر ابن سعد أن ابنه عمرو بن أبي قرة ولى قضاء الكوفة بعد شريح. [الإصابة 7/ 157].

50

الشيطان في صورة ضفدع عند كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة و قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر اللَّه تعالى العبد خنس.

قال السّهيلي: و الحكمة في وضع خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا ملئ قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درّا، فجمع اللَّه تعالى أجزاء النبوة لسيدنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و تممّه و ختم عليه بختمه فلم تجد نفسه و لا عدوّه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم، لأن الشي‏ء المختوم محروس، و كذلك تدبير اللَّه تعالى لنا في هذه الدار إذا وجد أحدنا الشي‏ء بختمه زال الشكّ و انقطع الخصام فيما بين الآدميّين، فلذلك ختم رب العالمين في قلبه ختما يطمئن له القلب و ألقى فيه النور و نفذت قوة القلب فظهر بين كتفيه كالبيضة.

الرابع: قال الحافظ: مقتضى الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودا عند ولادته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إنما وضع لما شقّ صدره عند حليمة و فيه تعقّب على من زعم أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ولد به، و هو قول نقله أبو الفتح بلفظ: قيل ولد به و قيل حين وضع. و نقله مغلطاي عن ابن عائذ.

قال الحافظ: و ما تقدم أثبت.

قلت: و صححه في «الغرر» و تقدمت الأحاديث التي فيها ذكر الختم في باب شقّ صدره الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) فراجعها.

و مقتضاها و الحديث السابق أول هذا الباب أن الختم تكرر ثلاث مرات: الأول و هو في بلاد بني سعد. و الثانية: عند المبعث. و الثالثة: ليلة الإسراء، و لم أقف في شي‏ء من أحاديث شق صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو ابن عشر سنين على ذكر الخاتم. فاللَّه تعالى أعلم.

الخامس: سئل الحافظ برهان الدين الحلبي (رحمه اللّه تعالى): هل خاتم النبوة من خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ أو كلّ نبي مختوم بخاتم النبوة؟ فأجاب: لا أستحضر في ذلك شيئا و لكن الذي يظهر أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خصّ بذلك لمعان منها: أنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين و ليس كذلك غيره. و لأن باب النبوة ختم به فلا يفتح بعده أبدا.

و روى الحاكم عن وهب بن منبّه (رحمه اللّه تعالى) قال: لم يبعث اللَّه نبيا إلا و قد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإنّ شامة النبوّة كانت بين كتفيه (صلّى اللّه عليه و سلم).

فعلى هذا يكون وضع الخاتم بظهر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مما اختص به عن الأنبياء و جزم به الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في «أنموذج اللبيب» كما في النسخ الصحيحة خلافا لما وقع في غيرها مما يخالف ذلك.

51

السادس: قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): إن الختم هو أثر شقّ الملكين لما بين كتفيه.

و تعقبه النووي فقال: هذا باطل لأن الشق إنما كان في صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و بطنه، و قال القرطبي أثره- أي الشق- إنما كان خطّا واضحا من صدره إلى مراقّ بطنه كما في الصحيح. و لم يثبت قط أنه بلغ الشق حتى نفذ من وراء ظهره، و لو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى بطنه أي أسفل بطنه لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراقّ البطن. قال: فهذه غفلة من القاضي.

قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): كذا قال. و قد وقفت على مستند القاضي و هو حديث عتبة بن عبد السّلمىّ و فيه أن الملكين لما شقّا صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) قال أحدهما للآخر خطه فخاطه و ختم عليه بخاتم النبوة. انتهى. فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه كان ذلك أثر الختم.

و فهم النووي و غيره أن قوله: «بين كتفيه» متعلق بالشق، و ليس كذلك بل هو متعلق بالختم و يؤيّده ما في حديث شدّاد بن أوس عند أبي يعلى و أبي نعيم في الدلائل أن الملك لما أخرج قلبه و غسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا و ذلك نور النبوة.

فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في تلك الجهة.

و في حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي و ابن أبي أسامة و أبي نعيم في الدلائل أن جبريل و ميكائيل لما تراءيا له عند المبعث «هبط جبريل فسلقني لحلاوة القفا ثم شق قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم ألقاني و ختم في ظهري حتى وجدت برد الخاتم في قلبي قال: اقرأ» [ (1)] و ذكر الحديث. هذا مستند القاضي (رحمه اللّه تعالى) و ليس بباطل.

قلت: و قد تقدم في التنبيه الثالث من كلام السّهيلي ما يوضّح ما ذكره القاضي فراجعه.

السابع: وقع في حديث شدّاد بن أوس [ (2)] في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو في بلاد بني سعد بن بكر «و أقبل و في يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه و ثدييه» و هذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده (صلّى اللّه عليه و سلم) و العلم عند اللَّه تعالى.

الثامن: قال الحافظ: ما قيل إن الخاتم كان كأثر المحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه أو سر فإنك المنصور. و نحو ذلك فلم يثبت من ذلك شي‏ء و لا يغيّر بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك.

____________

[ (1)] أخرجه أبو نعيم في الدلائل (175).

[ (2)] شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو يعلى، صحابي، مات بالشام قبل الستين أو بعدها، و هو ابن أخي حسان بن ثابت. [انظر التقريب 1/ 347].

52

و قال القطب في «المورد» و المحب ابن الشهاب بن الهائم في «الغرر»: إنه حديث باطل. و نقل أبو الخطاب بن دحية (رحمه اللّه تعالى) عن الحكيم الترمذي أنه قال: كان الخاتم الذي بين كتفي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: اللَّه وحده. و في ظاهرها: توجّه حيث شئت فإنك منصور. قال ابن دحية: و هذا غريب و استنكروه.

و تقدم لهذا مزيد بيان في فصل: اختلف في صفة خاتم النبوّة فراجعه.

التاسع: قيل إن الخاتم النبوي الذي كان بين كتفيه (صلّى اللّه عليه و سلم) رفع عند وفاته فكان بهذا عرف موته (صلّى اللّه عليه و سلم). فروى أبو نعيم و البيهقي من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا: شكوا في موت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال بعضهم: قد مات. و قال بعضهم: لم يمت. فوضعت أسماء بنت عميس [ (1)].

رضي اللَّه تعالى عنها يدها بين كتفي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقالت: قد مات، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. و كان بهذا عرف موته (صلّى اللّه عليه و سلم).

و رواه ابن سعد عن الواقدي عن أم معاوية أنه لما مات رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فذكره.

و الواقدي متروك بل كذّبه جماعة.

و ذكر في «الزهر» أن الحاكم روى في تاريخه عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أنها لمست الخاتم حين توفى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوجدته قد رفع. انتهى.

و وقع لي نصف تاريخ الحاكم فطالعته فلم أر فيه ذلك و كأنه فيما لم يقع لي. فلينظر سنده، و ما أخاله صحيحا. و على تقدير كونه صحيحا قال في «الاصطفاء» فإن قيل: النبوة و الرسالة باقيتان بعد موت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حقيقة كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته لأن المتصف بالنبوة و الرسالة و الإيمان هو الروح و هي باقية لا تتغير بموت البدن كما صرح به النسفي فلم رفع ما هو علامة على ذلك؟

قلت: لأنه لما وضع لحكمة و هي تمام الحفظ و العصمة من الشيطان و قد تم الأمن منه بالموت فلم يبق لبقائه في جسده فائدة. و ما ذكره النسفي من بقاء النبوة و الرسالة بعد موت الأنبياء حقيقة هو مذهب أبي الحسن الأشعري (رحمه اللّه تعالى) و عامة أصحابه، لا لما قال النسفي بل لأن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أحياء في قبورهم كما وردت به الأخبار و سيأتي تحقيق ذلك في باب حياته في قبره (صلّى اللّه عليه و سلم).

العاشر: روى الحافظ إبراهيم الحربي في غريبه و ابن عساكر في تاريخه، عن جابر

____________

[ (1)] أسماء بنت عميس الخثعمية، صحابية، تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر، ثم عليّ و ولدت لهم، و هي أخت ميمونة بنت الحارث، أم المؤمنين لأمها، ماتت بعد عليّ. [التقريب 2/ 589.]