سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج9

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
525 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

جماع أبواب سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في المعاملات و ما يلتحق بها

الباب الأول في الكلام على النقود التي كانت تستعمل في زمانه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

قال الإمام أبو سليمان أحمد بن الخطابي- (رحمه اللّه تعالى)-: كان أهل المدينة يتعاملون بالدرهم عددا وقت مقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يدل عليه قول عائشة- رضي اللّه عنها- في قصة شرائها بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فقلت تريد الدراهم [ (1)] التي هي ثمنها فأرشدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى الوزن و جعل العيار وزن أهل مكة، و كان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستّة دوانق و هو درهم الإسلام في جميع البلدان، و كانت الدراهم قبل الإسلام مختلفة الأوزان في البلدان، فمنها البغليّ، و هو ثمانية دوانق، و الطّبريّ و هو أربعة دوانق، و كانوا يستعملونها (مناصفة) [ (2)] مائة بغليّة و مائة طبريّة، فكان في المائتين منها خمسة دراهم زكاة، فلما كان زمن بني أمية، قالوا إن ضربنا البغليّة ظنّ الناس أنها التي تعتبر للزكاة ضد الفقراء، و إن ضربنا الطبريّة، ضرّ أرباب الأموال، فجمعوا الدراهم البغلي و الطبريّ و جعلوهما درهمين، كلّ درهم ستة دوانق، و أما الدنانير: فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير و الدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال ثمان و عشرون قيراطا إلا حبّة بالشامي و أن كل عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل فضربها. انتهى كلام الخطابي.

قال الماوردي (في الأحكام السلطانية): استقر في الإسلام وزن الدرهم ستة دوانق، كل عشرة سبعة مثاقيل، و اختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن، فقيل كانت في الفرس ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا، و درهم اثنا عشر، و درهم عشرة فلما احتيج في الإسلام إلى تقدير، أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة، و هو اثنان و أربعون قيراطا من قيراط المثقال و قيل: إن عمر بن الخطاب رأى الدراهم مختلفة، منها البغليّ ثمانية دوانق، و الطّبريّ أربعة دوانق، و اليمنيّ دانق واحد، فقال: انظروا أغلب ما يتعامل الناس به من أعلاها و أدناها، فكان البغلي و الطبري، فجمعهما فكانا اثني عشر دانقا، فأخذ نصفهما، فكان ستّة

____________

[ (1)] انظر معالم السنن 3/ 61 و ما بعدها.

[ (2)] سقط في ج.

4

دوانق، فجعله درهم الإسلام، و اختلف في أوّل من ضربها في الإسلام، فحكي عن سعيد بن المسيب أن أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان.

قال أبو الزناد: أمر عبد الملك الحجاج بضربها في العراق سنة أربعة و سبعين من الهجرة.

و قال المدايني: بل ضربها في آخر سنة خمس و سبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست و سبعين و قال: و قيل أوّل من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد اللّه بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، ثم غيّرها الحجاج انتهى كلام الماورديّ.

و قال القاضي عياض: لا يصحّ أن تكون الأوقية و الدرهم مجهولة في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو موجب الزكاة في أعداد منها، و تقع بها المبايعات و الأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: و هذا يبيّن في الأحاديث أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان و أنّه جمعها برأي العلماء و أنّ جعل كلّ عشرة وزن سبعة مثاقيل، و وزن الدرهم ستة دوانق قول باطل، و أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شي‏ء من ضرب الإسلام، و على صفة لا تختلف بل كانت مجموعات من ضرب فارس و الروم و صغارا و كبارا، و قطع فضة غير مضروبة و لا منقوشة و يمنيّة و مغربيّة، فزاد صرفها في الإسلام و نقصها و تصييرها وزنا واحدا أو أعيانا يستغنى بها عن الموازين، فجمعوا أكبرها و أصغرها و ضربوه على وزنهم.

و قال الرافعيّ: أجمع أهل العصر الأوّل على التقدير على هذا الوزن و هو أن الدرهم ستة دوانق، كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، و لم يتغيّر المثقال في الجاهلية و لا الإسلام.

و قال النووي في [شرح‏] المهذّب الصّحيح: الذي يتعيّن اعتماده و اعتقاده أن الدّراهم المطلقة في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت معلومة الوزن معروفة المقدار، و هي السّابقة إلى الأفهام عند الإطلاق، و بها تتعلق الزكاة و غيرها من الحقوق و المقادير الشّرعية و لا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقلّ أو أكثر من هذا القدر، فإطلاق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الدراهم محمول على المفهوم عند الإطلاق، و هو كلّ درهم ستة دوانق، كلّ عشرة سبعة مثاقيل، و أجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا هذا على هذا. و لا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خلفائه الراشدين، و أما مقدار الدراهم و الدنانير فقال الحافظ أبو محمد عبد الحقّ في كتاب (الأحكام): قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عن من وثقت بتمييزه، فكلّ اتّفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان و ثمانون حبة و ثلاثة أعشار حبّة من حب الشعير المطلق، و الدراهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكيّ سبع و خمسون حبة و ستة

5

أعشار حبة، و الرطل مائة درهم و ثمانية و عشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم.

قال النووي- بعد إيراده- في شرح المهذب: و قال غير هؤلاء: وزن الرطل البغداديّ مائة و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم و هو تسعون مثقالا انتهى.

قال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمّد بن عمر الواقديّ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير و الدراهم سنة خمسة و سبعين «و هو أول من أحدث ضربها، و نقش عليها».

و في (الأوائل) للعسكري: أنه نقش عليها اسمه، و أخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحميديّ عن سفيان، قال: سمعت أبي يقول: أول من وضع وزن سبعة الحارث بن ربيعة، يعني: العشرة عدّها سبعة وزنا.

و أخرج ابن عساكر عن مغيرة، و قال: أول من ضرب الدراهم الزيوق عبيد اللّه بن زياد، و هو قاتل الحسين، و في تاريخ الذهبي: أوّل من ضرب الدراهم في بلاد العرب عبد الرحمن بن الحكم الأمويّ القائم بالأندلس في القرن الثالث، و إنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم المشرق، و أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر، قال: القنطار خمسة عشر ألف مثقال، و المثقال أربعة و عشرون قيراطا، و أخرج ابن جرير في تفسيره عن السّدّيّ في قوله تعالى: وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ [آل عمران/ 14]. يعني المضروبة حتّى صارت دنانير أو دراهم [ (1)] انتهى.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الوزن: بواو مفتوحة فزاي ساكنة.

الدّانق: بدال مهملة فألف فنون فقاف سدس الدينار.

و الدّرهم البغليّة: بموحدة مفتوحة فعين معجمة ساكنة فلام فتحتية فتاء تأنيث قيل: إنّها ضرب ملك يسمى رأس البغل.

الطّبريّة: [هي من الدراهم الخفاق كل درهم منها أربعة دوانيق‏].

القيراط: الحبّة بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين- الحنطة و الشّعير و غيرهما.

المثقال: بميم مكسورة فمثلثة ساكنة فقاف.

____________

[ (1)] أخرجه ابن جرير الطّبري في تفسيره 6/ 250. (6727).

6

الباب الثاني في شرائه و بيعه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع:

الأول: في بيعه:

روى البخاريّ عن جابر- رضي اللّه عنه- قال: بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر و لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم ثمّ أرسل ثمنه إليه [ (1)].

و روى مسلم و الأربعة عنه، قال:

جاء عبد فبايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الهجرة، و لم يشعر (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه عبد، فجاء سيّده يريده، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد ذلك حتى يسأله «أعبد هو»؟ [ (2)].

و روى البخاريّ و التّرمذيّ و النّسائيّ و ابن ماجة و الدّار قطنيّ عن عبد المجيد بن وهب- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

قال لي العدّاء بن خالد- رضي اللّه تعالى عنه- ألا أقرءوك كتابا كتبه رسول (صلّى اللّه عليه و سلّم): هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اشترى منه عبدا أو أمة لا داء و لا غائلة و لا خبثة بيع المسلم المسلم [ (3)].

الثاني: في ذكر من اشتراه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

روى الأربعة و صحّحه التّرمذي عن سويد بن قيس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

جلبت أنا و مخرمة العبدي برّا من هجر، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فساومنا من شراء سراويل و عندنا وزّان يزن بالأجر، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) للوزّان زن و أرجح [ (4)].

و روى الإمام أحمد و ابن ماجة و أبو داود و النّسائيّ عن أبي صفوان مالك بن عميرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل أن يهاجر، فاشترى مني رجل سراويل فأرجح لي.

و روى الطبراني برجال ثقات و الإمام أحمد و أبو داود عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اشترى عيرا قدمت فربح فيها أوقية فتصدق بها على أرامل بني‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 11/ 362 (6716) و مسلم 3/ 1289 (58/ 997).

[ (2)] أخرجه مسلم 3/ 1225 (123/ 1602).

[ (3)] أخرجه الترمذي 3/ 520 في البيوع (1216) و قال حسن غريب لا نعرف إلا من حديث عياد بن ليث و ابن ماجة 2/ 756 في التجارات باب شراء الرقيق (2251) و البخاري تعليقا 4/ 309 في كتاب البيوع باب إذا بين البيعان و قال قتادة الغائلة الزنا و السرقة و الإباق و ابن سعد 7/ 36 و الدار قطني 3/ 77 و البيهقي 5/ 328.

[ (4)] أخرجه أبو داود (3336) (3337) و الترمذي (1305) و ابن ماجة (2220) و أحمد (4/ 352) و الدّارمي 2/ 260 و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد (1440) و الحاكم 2/ 30، 4/ 192 و البخاري في التاريخ 4/ 142.

7

عبد المطّلب و قال: «لا أشتري شيئا ليس عندي ثمنه» [ (1)]

و روى ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنه-: قال‏

كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر و يردّه، ثم يتقدم فيزجره عمر، و يردّه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعمر: «بعنيه»، قال: هو لك يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «بعنيه»، فباعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هو لك يا عبد اللّه بن عمر، تصنع به ما شئت» [ (2)].

و روي عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما-

قال كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كنت على جمل [ (3)] [لي قد أعيا، فمرّ به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فضربه، فسار سيرا ليس يسير مثله‏]، ثم قال:

«بعنيه بوقية»، قال: فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت المدينة أتيته بالجمل و نقدني ثمنه [ (3)]].

و روى الإمام أحمد بإسناد صحيح و عبد بن حميد و الحاكم عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت‏

ابتاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رجل من الأعراب جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة و الذخرة العجوة، فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى بيته فقال له يا عبد اللّه، إنا قد ابتعنا منك جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة فالتمسنا فلم نجد، قال: فقال الأعرابيّ، وا غدراه وا غدراه! فاتهمه الناس و قالوا: قاتلك اللّه! أ يغدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و في لفظ بل أنت يا عدو اللّه أغدر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعوه فإن لصاحب الحقّ مقالا، ثم دعا له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال يا عبد اللّه، إنا ابتعنا جزائرك، و نحن نظنّ عندنا ما سمينا لك فالتمسناه فلم نجده، فقال الأعرابي وا غدراه، فاتهمه الناس، و قالوا: قاتلك اللّه! أ يغدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، فردّد ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرتين أو ثلاثا فلما رآه لا يفقه عنه، قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية، فقل لها: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لك إن كان عندك وسق تمر من تمر الذخرة- فأسلفيناه، حتى نؤدّيه إليك إن شاء اللّه، فذهب إليها الرّجل، ثم رجع الرجل، فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول اللّه، فابعث من يقبضه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للرجل اذهب فأوفه الذي له قال فذهب به، فأوفاه الذي له، قالت فمرّ الأعرابيّ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو جالس في أصحابه، فقال: جزاك اللّه خيرا فقد أوفيت و أعطيت و أطيبت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنّ خيار عباد اللّه عند اللّه الموفون المطيبون [ (4)].

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود 2/ 267 (3344) و أحمد 1/ 235، 323.

[ (2)] أخرجه البخاري 4/ 312 (2115).

[ (3)] أخرجه البخاري 5/ 314 في الشروط (2718) و مسلم 3/ 1221 (109/ 715).

[ (4)] أخرجه أحمد في المسند 2/ 416، 6/ 268 و البيهقي 5/ 351، 6/ 20، 21، 52 و عبد الرزاق (15358). و من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 4/ 483 (2306) و مسلم 3/ 1225 (120/ 1601).

8

الثالث: في اختياره (صلّى اللّه عليه و سلّم) موضع السوق:

روى الطّبرانيّ من طريق الحسن بن علي بن الحسن بن أبي الحسن البراد يحرر حاله عن أبي أسيد- رضي اللّه تعالى عنه‏

- أن رجلا جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: بأبي أنت و أمي، يا رسول اللّه، إني قد رأيت موضعا للسوق، أولا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حين جاء موضع السوق فلما جاءه أعجبه، و ركضه برجله، و قال: نعم سوقكم، فلا ينقض و لا يضربنّ عليكم خراج [ (1)].

و رواه ابن ماجة بلفظ:

ذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سوق النبيط فنظر إليه، و قال ليس لكم هذا بسوق، ثم ذهب إلى سوق، فقال: هذا ليس لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السّوق فطاف فيه، ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقض و لا يضرب عليه خراج [ (2)].

الرابع: في دخوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) السوق، و ما كان يقوله إذا دخله و وعظه أهله:

و روى أبو بكر أحمد بن عمر و ابن أبي عاصم في كتاب البيوع و الحاكم في المستدرك و الطبرانيّ عن بريدة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا دخل السّوق، قال: «بسم اللّه» و في لفظ إذا خرج إلى السوق، قال: «اللّهمّ إنّي أسألك من خير هذا السّوق و خير ما فيها، و أعوذ بك من شرّها و شرّ ما فيها، اللّهمّ إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرا و صفقة خاسرة» [ (3)].

و روى الطبرانيّ عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما

- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى جماعة من التّجّار، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا له و أمدوا أعناقهم، فقال: «إن اللّه تعالى باعثكم يوم القيامة، فجّارا إلا من صدق و برّ و أدّى الأمانة» [ (4)].

و روى الطّبرانيّ برجال ثقات إلّا محمد بن إسحاق الغنوي فيحرر حاله عن واثلة بن الأسقع- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخرج إلينا و كنّا تجّارا، و كان يقول يا معشر التجار، إياكم و الكذب‏

[ (5)].

و روى الطبرانيّ عن طريق محمد بن أبان الحنفي عن بريدة- رضي اللّه تعالى عنه-

____________

[ (1)] أخرجه الطبراني في الكبير 19/ 265 و انظر المجمع 4/ 76 و كنز العمال (34877).

[ (2)] أخرجه ابن ماجة (2233) و ضعفه البوصيري في الزوائد.

[ (3)] أخرجه ابن السّني 177 و انظر المجمع 4/ 77.

[ (4)] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/ 226 و الطبراني في الكبير 12/ 68 و انظر المجمع 4/ 78 و انظر الكنز (9336، 9869).

[ (5)] ذكره المنذري في الترغيب 2/ 590.

9

قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خرج إلى السوق قال: «اللهم إني أسألك من خير هذه السوق و خير ما فيها، و أعوذ بك من شرها و شرّ ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة» [ (1)]، و في رواية: اللّهمّ إني أعوذ بك من شرّ هذه السوق، و أعوذ بك من الكفر و الفسوق.

و روى ابن ماجة و التّرمذي، و قال حسن صحيح عن رفاعة بن رافع- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

خرجت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المصلى فإذا الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التّجّار، فاستجابوا و رفعوا أعناقهم و أبصارهم إليه، فقال: التّجّار يبعثون يوم القيامة، فجارا إلا من اتقى اللّه عز و جل و برّ و صدق [ (2)].

و روى الإمام أحمد و الأربعة عن قيس بن أبي غرة البجلي- رضي اللّه عنه- قال:

كنا نبتاع بالمدينة، و كنا نسمّى السّماسرة، فأتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسمّانا باسم هو أحسن، و في لفظ: فأتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالبقيع، فقال: «يا معشر التجار»، فسمّانا بأحسن أسمائنا: إن البيع يحضره الحقّ و الكذب، و في لفظ: إن الشيطان و الإثم يحضران السّوق، و في لفظ: إن هذه السّوق يخالطها اللّغو و الحلف فشوبوه بالصّدقة [ (3)].

الخامس: في تعاهده (صلّى اللّه عليه و سلّم) السوق و دخوله لحاجة و إنكاره على من غش:

و روى الطبرانيّ برجال ثقات عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى السوق فرأى طعاما مصبّرا، فأدخل يده فيه، فأخرج طعاما رطبا قد أصابته السماء، فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: و الذي بعثك بالحق، أنه لطعام واحد، قال أ فلا عزلت الرّطب على حدته، و اليابس على حدته، فيبتاعون ما يعرفون، من غشّنا فليس منا [ (4)].

و روى الطبرانيّ عن أبي موسى- رضي اللّه عنه قال-:

انطلقت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سوق البقيع، فأدخل يده في غرارة، فأخرج طعاما مختلفا أو قال مغشوشا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليس منا من غشّنا [ (5)].

و روى ابن ماجة عن أبي الحمراء- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مر بجنبات رجل عنده طعام في وعاء فأدخل يده فيه، و قال: لعلّك غششت، من غشنا فليس‏

____________

[ (1)] انظر المجمع 4/ 77 و قال رواه الطبراني في الأوسط و فيه محمد بن إبان الجعفي و هو ضعيف.

[ (2)] أخرجه الدّارمي 2/ 247 و الترمذي 3/ 515 (1210) و قال حسن صحيح و ابن ماجة 2/ 726 (2145).

[ (3)] أخرجه أبو داود 3/ 620 (3326) و الترمذي 3/ 514 و قال حديث صحيح و النسائي 7/ 14- 15 و ابن ماجة 2/ 726 (2145).

[ (4)] انظر المجمع 4/ 79 و المطالب (2206) و عبد الرزاق (17932).

[ (5)] انظر المجمع 4/ 79. و قال رواه الطبراني في الكبير و الأوسط و فيه يحيى بن عقبة و قد قيل أنه يفتعل الحديث.

10

منا

[ (1)].

و روى الترمزي مرفوعا عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

لأصحاب الكيل و الميزان: إنكم قد ولّيتم أمرا هلكت فيه الأمم السّالفة قبلكم،

و رواه عنه بسند صحيح موقوفا

[ (2)]

و روى الإمام أحمد و مسلم و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرّ في السوق على صبرة طعام، فسأله كيف تبتاع؟

فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»؟ فقال: يا رسول اللّه، أصابته السماء، قال: «أ فلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشّنا فليس منّا» [ (3)].

و روى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

مر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بطعام قد حسّنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا هو طعام ردي‏ء، فقال: «بع هذا على حدة و هذا على حدة، فمن غشّنا فليس منّا» [ (4)].

و روى البخاريّ و التّرمذيّ عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالسوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنّما دعوت هذا فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «تسمّوا باسمي، و لا تكنّوا بكنيتي» [ (5)].

و روى الشّيخان عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في طائفة النهار لا يكلّمني و لا أكلّمه حتى أتى سوق بني قينقاع ثم انصرف ... الحديث [ (6)].

السادس في اشترائه الحيوان متفاضلا و امتناعهم من التفسير:

روى أبو داود عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اشترى عبدا بعبدين [ (7)].

و قد روى مسلم و ابن ماجة و الإمام أحمد و أبو داود و التّرمذيّ، و قال حسن صحيح عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اشترى صفيّة بسبعة أرؤس من دحية الكلبيّ [ (8)].

____________

[ (1)] أخرجه ابن ماجة (2225) و الدولابي في الكنى 1/ 25.

قال البوصيري: في سنده أبو داود و هو نفيع بن الحارث الأعمى أحد الضعفاء و المتروكين.

[ (2)] أخرجه الترمذي 3/ 521 (1217) و الحاكم 2/ 31 و ابن كثير في التفسير 3/ 358.

[ (3)] أخرجه مسلم 1/ 99 (164/ 102) و أبو عوانة 1/ 157) و الحاكم 2/ 9 و البيهقي في السنن الكبرى 5/ 320.

[ (4)] أخرجه أحمد 2/ 50 و المجمع 4/ 78 و الترغيب 2/ 572.

[ (5)] أخرجه البخاري 4/ 339 (2120) و اللفظ له و مسلم 3/ 1682 (1/ 2131).

[ (6)] أخرجه البخاري 4/ 397، 398 (2122)، (5884) و مسلم 4/ 1882 (57/ 2421).

[ (7)] أخرجه الترمذي 3/ 540 (1239).

[ (8)] أخرجه مسلم 2/ 1045- 1046 (87/ 1365).

11

و روى الإمام أحمد و الطّبرانيّ برجال الصّحيح عن أبي سعيد و الطبراني برجال الصحيح، و أبو داود عن أبي هريرة و الطبراني عن ابن عبّاس و البزّار عن علي و الطبرانيّ عن أبي جحيفة و الطبراني عن فضلة و الإمام أحمد و ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنهم- قالوا:

غلا السعر بالمدينة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالوا: يا رسول اللّه، أما تسعّر لنا؟

و في رواية: قوّم لنا سعرنا و في رواية: فقال الناس: يا رسول اللّه، سعّر، و في رواية: إن رجلا جاء، فقال: يا رسول اللّه، سعّر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال، يا رسول اللّه، هلّا تسعّر لنا! و في رواية: أن رجلا جاء فقال: يا رسول اللّه، سعّر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه، سعّر، و في رواية: لو قوّمت لنا السّعر فقال إن اللّه تعالى هو المسعّر القابض الباسط، و في رواية: بل اللّه يرفع و يخفض، و في رواية إن اللّه هو المقوّم و المسعّر، إني لا أريد أن ألقى اللّه و ليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في عرض و في رواية و لا نفس و لا مال و في رواية لا يسألني اللّه تعالى عن سنّة أحدثتها عليكم لم يأمرني بها و لكن أسأل اللّه تعالى من فضله‏

[ (1)].

تنبيهات‏

الأول:

قال في زاد المعاد: باع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اشترى و كان شراؤه بعد أن أكرمه اللّه تعالى برسالته أكثر من بيعه، و كذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره كبيعه القدح و الحلس فيمن يزيد، و بيعه يعقوب المدبر غلام أبي مذكور و شراؤه عبدا أسود بعبدين و أمّا شراؤه فكثير.

الثاني: في بيان غريب ما سبق:

داء: [بدال مهملة مفتوحة فألف فهمز] المعيب.

الغائلة: [أي و لا فجور، و قيل المراد الإباق‏].

الخبثة: [بخاء معجمة مكسورة فموحدة ساكنة بعد هاء مثلثة أي سبيا].

سامني: [سين مهملة فألف فميم مفتوحة فنون فتحتية من المساومة].

تمر الذخرة: [تقدم تفسيره‏].

الأواقي: [بهمزة فواو مفتوحتين فألف فقاف‏].

وسق: [بواو مفتوحة فسين مهملة ساكنة فقاف‏].

____________

[ (1)] من حديث أنس أخرجه أحمد 3/ 156، 286 و الدارمي 2/ 249 و أبو داود 3/ 731 (3451) و الترمذي 3/ 605 (1314) و قال حسن صحيح و ابن ماجة 2/ 741 (2200) و البيهقي في الكبرى 6/ 29 و الطبراني في الصغير 2/ 7 و الطبري في التفسير 2/ 372 و انظر المجمع 4/ 99، 100 و نصب الراية 4/ 263 و التلخيص 3/ 14.

12

ركضه برجله: [ضربه‏].

الخراج: [بخاء معجمة فراء مفتوحتين فجيم ما يجعل من غلة].

السوق: [بسين مهملة فواو ساكنة يؤنث و يذكر، و سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم‏].

الفاجرة: [بفاء فألف فجيم مكسورة فراء فتاء تأنيث الكاذبة].

الصّفقة: [بصاد مهملة مفتوحة ففاء ساكنة فقاف فتاء العقدة الخاسرة].

البر: [بكسر الموحدة و بالراء الصلة].

السماسرة: [جمع سمسار، و هو القيم بالأمر الحافظ له‏].

البقيع: [بموحدة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية فعين مهملة المكان المتسع من الأرض‏].

الغرار: الغش: [بغين معجمة مكسورة فشين معجمة ضد النصح‏].

الصبرة: [بصاد مهملة مضمومة فموحدة ساكنة فراء فتاء تأنيث الطعام‏].

13

الباب الثالث في إيجاره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و استئجاره‏

و فيه أنواع:

الأول: في إيجاره نفسه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال في زاد المعاد: أجّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استأجر و استئجاره أكثر من إيجاره، و إنما يحفظ عنه أنه أجّر نفسه الكريمة قبل النبوة في رعاية الغنم، و أجّر نفسه من خديجة في سفره بما لها إلى الشام.

و روى البخاريّ عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

ما بعث اللّه نبيّا إلا راعي غنم، فقال الصحابة و أنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة [ (1)].

و روى الحاكم عن طريق الرّبيع بن بدر عن أبي الزبير عن جابر، قال: أجّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كلّ سفرة [ (2)] بقلوص. قلت: الربيع ضعيف، قال ابن العربي: إن صح الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام.

قال في النهاية: جرش بضم الميم و فتح الراء من مخاليف اليمن و هو بفتحها بلد في الشام.

الثاني: في استئجاره (صلّى اللّه عليه و سلّم):

روى البخاري عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- في حديث العجوة قالت: و استأجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بني الدّيل [ (3)].

الثالث: في مساقاته (صلّى اللّه عليه و سلّم):

روى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- و أحمد و أبو داود و ابن ماجة و الدّار قطنيّ عن ابن عبّاس و ابن ماجة عن أنس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمّا ظهر على أهل خيبر، أراد إجلاء يهود منها، و كانت الأرض حين ظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للّه و رسوله و للمسلمين، و أراد إخراج يهود منها، فسألت يهود رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يقرّهم بها على أن يكفوا أهلها، و لهم النّصف،

و في لفظ

فعامل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر و زرع، و قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، نقركم بها على ذلك ما شئنا و في لفظ ما أقرّكم اللّه فقرّوا بها حتى أجلاهم عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه-

[ (4)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 4/ 441 (2262) و القيراط 2125،. جراما بالذهب.

[ (2)] البيهقي في الدلائل 2/ 66 و إسناده ضعيف لضعيف الربيع بن بدر.

[ (3)] سقط في ج.

[ (4)] أخرجه البخاري 4/ 462 (2285) من حديث ابن عمر (5/ 26) (2338).

14

الباب الرابع في استعارته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و إعارته‏

و فيه نوعان:

الأول: في استعارته (صلّى اللّه عليه و سلّم):

روى الإمام أحمد و أبو داود و النسائي: و الدار قطنيّ عن صفوان بن أمية- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استعار منه أدراعا يوم حنين، فقال أ غصب يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة فضاع بعضها، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إن شئت غرمتها، قال: لا، إن قلبي من الإسلام اليوم غير ما كان يومئذ [ (1)].

و روى أبو داود عن أناس من آل عبد اللّه بن صفوان و مسدّد و ابن أبي شيبة عن عطاء بن رباح عن أناس عن عبد اللّه بن صفوان قال: استعار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من صفوان بن أميّة سلاحا

و في لفظ: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

يا صفوان، هل عندك من سلاح؟ فقال له صفوان: أ عارية أم غصب؟ قال: بل عارية، فأعاره ما بين ثلاثين إلى أربعين درعا، فغزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حنينا، فلمّا هزم اللّه المشركين جمعوا، و في لفظ: جمعت أدراع صفوان، ففقد من أدراعه و في لفظ: «منها أدراعا»، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا صفوان، إن شئت غرمناها لك»، و في لفظ: «بل نغرم لك» فقال: يا رسول اللّه، إن في قلبي من الإيمان، و في لفظ: «اليوم ما لم يكن حينئذ» [ (2)].

و روى الترمذي عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استعار قصعة فضاعت فضمنها لهم [ (3)].

و روى الشّيخان عنه قال:

كان فزع بالمدينة فاستعار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه فلما رجع، قال: ما رأينا من شي‏ء و إن وجدناه لبحرا

[ (4)] و روى عنه البخاريّ أنّ أهل المدينة فزعوا مرة فركب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرسا لأبي طلحة، و كان يقطف أو كان به قطاف، فلما رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا فكان بعد ذلك لا يجاري [ (5)].

و روى الإمام أحمد عن صفوان بن يعلى عن أبيه- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال لي‏

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 3/ 401، 6/ 465 و أبو داود (3562) و الحاكم (2/ 47) و انظر نصب الراية 3/ 377 و التلخيص 3/ 52.

[ (2)] أخرجه أبو داود (3563) و ابن أبي شيبة 6/ 144 و الدار قطني 3/ 40 و البيهقي 6/ 89، 7/ 18 و انظر نصب الراية 4/ 116.

[ (3)] أخرجه الترمذي 3/ 641 (1360).

[ (4)] أخرجه البخاري 5/ 240 (2627) (2968) و مسلم 4/ 1803 (49/ 2307).

[ (5)] البخاري 6/ 83 (2867).

15

النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا و ثلاثين بعيرا»، قال: فقلت يا رسول اللّه أ عارية مضمونة أو عارية مؤدّاة؟ قال: «بل مؤداة» [ (1)].

الثاني في إعارته (صلّى اللّه عليه و سلّم):

تنبيه في بيان غريب ما سبق.

الدرع: تقدم تفسيره و كذلك القصعة.

مندوبا: من قوله ندبه لأمر انتدبه له، دعاه له فأجاب، و يقال: فرس ندب بسكون الدال أي ماض، و رجل ندب أي خفيف في الحاجة.

القطوف: من الدّوابّ البطي‏ء الشي‏ء، و قيل: الضيق الشي‏ء، قطفت الدّابّة تقطف قطفا و الاسم القطاف.

[يجارى‏]: بضم المثناة التحتية و فتح الراء يساير.

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود (3566) و أحمد 4/ 222 و الدار قطني 3/ 29 و انظر نصب الراية 3/ 377، 4/ 117.

16

الباب الخامس في مشاركته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

روى الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجة و البيهقيّ عن السائب بن أبي السّائب- رضي اللّه تعالى عنه-

أنه كان يشارك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل الإسلام في التجارة، فلمّا كان يوم الفتح جاءه فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «مرحبا بأخي و شريكي، كان لا يداري و لا يماري، يا سائب قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية، لا تقبل منك و هي اليوم تقبل منك و كان ذا سيف و صلة» [ (1)].

و روى أبو يعلى و البزّار بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كنت أمشي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجد تمرتين، فأخذ تمرة و أعطاني تمرة [ (2)].

و روى الطبرانيّ برجال الصحيح غير عبد اللّه بن الإمام أحمد و هو ثقة مأمون عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- رأى تمرة عائرة فأخذها فناولها سائلا، فقال: «إنك لو لم تأتها لا تأتك».

بيان الغريب مرحبا: بميم مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة فموحدة مفتوحة أي لتأتي رحبا وسعة.

لا يداري: بالهمزة من المدارة، و هي مدافعة الحق فإن ترك الهمزة صارت من المداراة و هي الدفع بالتي هي أحسن.

لا يماري: من المماراة و هي المجادلة بغير حق.

العائرة: بعين مهملة مفتوحة فهمزة مكسورة فراء فتاء تأنيث، الساقطة.

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود 4/ 260 (4836) و الحاكم 2/ 61 صححه و وافقه الذهبي.

[ (2)] ذكره الهيثمي في المجمع 4/ 173 و قال رواه البزار و أبو يعلى و فيه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي و هو ثقة و فيه ضعف.

17

الباب السادس في وكالته و توكيله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال في زاد المعاد: و كان توكيله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أكثر من توكّله.

و روى الإمام أحمد و التّرمذي و أبو داود و الدّار قطني عن عروة البارقيّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

عرض للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلب فأعطاني دينارا، و قال: «أي عروة ائت الجلب، فاشتر لنا شاة»، فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما، أو قال أقودهما، فلقيني رجل فساومني فبايعته شاة بدينار فجئت بالدّينار و جئت بالشّاة، فقلت يا رسول اللّه هذا ديناركم، و هذه شاتكم، قال و صنعت كيف؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: اللّهمّ بارك له في صفقة يمينه، فقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي،

زاد أحمد

و كان يشتري الجواري و يبيع،

زاد التّرمذيّ‏

فيربح الربح العظيم، و كان من أكثر أهل الكوفة مالا،

زاد الإمام أحمد و البخاريّ في رواية:

فكان لو اشترى التّراب لربح فيه‏

[ (1)].

و روى أبو داود و التّرمذي و الدّار قطني عن حكيم بن حزام- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعث حكيم بن حزام يشتري له أضحية بدينار، فاشتراها بدينار،. و باعها بدينارين فاشترى أضحية بدينار، و جاء بدينار إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضحّ بالشاة، و تصدّق بالدينار، و دعا له أن يبارك له في تجارته [ (2)].

و روى البخاريّ تعليقا عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: وكّلني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحفظ زكاة رمضان [ (3)].

و روى أبو داود عن جابر قال:

أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسّلّمت عليه، و قلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته [ (4)].

و روى الإمام أحمد في رواية حميد الشامي عن ثوبان مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له:

يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب و سوارين من عاج.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الجلب: بجيم فلام مفتوحتين فموحدة ما يجلب من مكان إلى آخر.

الترقوة: [العظم الذي بين ثغرة النحر و العاتق‏].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 632 في المناقب (3642) و أبو داود 3/ 256 (3384) و الترمذي 3/ 559 (1258) و ابن ماجة 2/ 803 (2402) و أحمد في المسند 4/ 375، 376.

[ (2)] أخرجه الترمذي (1257).

[ (3)] أخرجه البخاري 8/ 672 (5010).

[ (4)] أخرجه أبو داود 4/ 47، 48 (3632).

18

الباب السابع في شرائه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و روى الإمام أحمد و الشّيخان و النّسائيّ و ابن ماجة عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت اشترى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من يهوديّ و أعطاه درعه رهنا و في رواية: رهنه درعا من حديد [ (1)].

و روى الإمام أحمد و البخاريّ و البزّار عن أنس قال: لقد رهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) درعا له من يهوديّ بالمدينة و أخذ منه عشرين صاعا من طعام، و في لفظ «من شعير» لأهله [ (2)].

و روى الإمام أحمد و التّرمذي و صحّحه النّسائيّ و ابن ماجة عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- قال: قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إنّ درعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله [ (3)].

و روى الإمام الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رهن درعه عند أبي الشّحم اليهوديّ [ (4)].

و روى الإمام أحمد و ابن ماجة عن أسماء بنت يزيد قالت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفّي يوم توفّي و درعه مرهون عند رجل من يهود قريش من شعبة [ (5)].

و روى الحارث عن أبي زرعة بن عمر و ابن جرير

أن رجلا جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقاضاه تمرا، فاستنظره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأبى أن ينتظره، فانتهره أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: أخرج عليك أن أخرج من المدينة و أنا أطلبك منه بشي‏ء، فإني و اللّه لا أرجع إلى أرضي حتى ينتهب منها أكثر مما أطلبك به فأرسل إلى امرأة من بني سليم يقال لها جدامة، يستلفها تمرا، فقالت اذهب فاكتل و استوفه، ثم قال: هو كان إلى نصرتكم أحوج و أنا إلى ما أمر به ربي بارّا أمانتي أحوج إن اللّه لا يقدّس أمّة لا ينصر ضعيفها، أو قال: لا يقوى قويها.

و روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

جاء أعرابيّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له أخرج عليك إن قضيتني،

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 4/ 302 (2068) و مسلم 3/ 1226 (126/ 1603) و النسائي 7/ 288 و ابن ماجة 2/ 815 (2436).

[ (2)] أخرجه البخاري (4/ 354) (2068) و هو عند البخاري 6/ 99 (2916) (4467).

[ (3)] أخرجه ابن ماجة 2/ 815 (2439).

[ (4)] أخرجه الشافعي في المسند 2/ 163 (565).

[ (5)] أخرجه ابن ماجة (2438). ابن أبي شيبة 6/ 575 و البيهقي 6/ 37 في الدلائل 7/ 274.

19

فانتهره أصحابه، و قالوا و يحك أ تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي! فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم) «هلا مع صاحب الحقّ كنتم» ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا تمرنا فنقضيك» فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول اللّه، فأقرضته، فقضى الأعرابيّ و أطعمه، فقال: أوفيت أوفى اللّه لك، فقال: «أولئك خيار النّاس لا قدّمت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقّه غير متعتع» [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه ابن ماجة (2426) و قد تقدم.

20

الباب الثامن في استدانته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- برهن و بغيره و حسن وفائه‏

و روى إسحاق و ابن أبي شيبة و الطّبرانيّ و البزّار عن أبي رافع- رضي اللّه عنه- قال:

نزل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضيف، فبعثني إلى يهوديّ، فقال: قل له: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: بعني أو أسلفني إلى رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: و اللّه، لا أبيعه و لا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته، فقال: و اللّه، لو باعني أو أسلفني إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، اذهب بدرع الحديد إليه،

قال: فنزلت هذه الآية فيه، تعزية للنّبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ (1)].

و روى الطّبرانيّ برجال الصّحيح عن أبي حميد السّاعديّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

استسلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رجل تمر لون، فلما جاء يتقاضاه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليس عندنا اليوم من شي‏ء، فلو تأخّرت عنّا حتى يأتينا شي‏ء، فنقضيك، فقال الرجل: وا غدراه! فقام له عمر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «دعه يا عمر فإن لصاحب الحقّ مقالا»، انطلق إلى خولة بنت حكيم الأنصاريّة، فالتمسوا عندها تمرا، فانطلقوا، فقالت يا رسول اللّه، ما عندنا إلا تمر الذخيرة، فأخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: خذوا فاقضوا فلما قضوه، أقبل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: استوفيت؟ قال: نعم، أوفيت و أطيبت، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّ خيار عباد اللّه من هذه الأمة الموفون الطّيّبون» [ (2)].

و روى الإمام أحمد و النّسائيّ و ابن ماجة عن أبي عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزوميّ- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا

و في لفظ أحمد:

ثمانين ألفا أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاها إياه ثم قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بارك اللّه في أهلك و مالك، إنما جزاء السّلف الوفاء و الحمد

و رواه ابن أبي عمر، و ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه عن جدّه‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استلف [ (3)].

.. فذكره.

و روى الإمامان الشافعيّ و أحمد و الشّيخان و الأربعة إلا أبا داود عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال:

كان لرجل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دينار و في لفظ سنّ من الإبل، فجاءه يتعاطاه، فأغلظ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى همّ به و في لفظ: فهمّ به بعض أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

«دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا»، فأعطوه فطلبوا سنّا فلم يجدوا إلا سنا فوقها و في لفظ «خيرا

____________

[ (1)] انظر الدرّ المنثور (4/ 313) و عزاه لابن أبي شيبة و ابن راهويه و ابن أبي حاتم و ابن مردويه.

[ (2)] تقدم.

[ (3)] أخرجه النسائي 6/ 437 و ابن ماجة (2424) و أحمد 4/ 36 و ابن السني 272 و أبو نعيم في الحية 7/ 111 8/ 375 و البيهقي في السنن الكبرى 5/ 335 و البخاري في التاريخ 5/ 10.

21

منها» قال: فاشتروه فأعطوه فإن من خياركم أحسنكم قضاء، و في لفظ: «فأمر له بأفضل من سنّه، فقال: أوفيتني، أوفاك اللّه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنّ خياركم أحسنكم قضاء» [ (1)].

و روى البخاري و أبو جعفر عن جرير و أحمد و أبو داود عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان لي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دين فقضاني و زادني [ (2)].

و روى البزّار عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

جاء رجل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقاضاه و قد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقا، فقال: نصف وسق لك، و نصف وسق لك منّا [ (3)].

و روى البزّار برجال ثقات عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

استسلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رجل أربعين صاعا فاحتاج الأنصاريّ فأتاه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ما جاءنا شي‏ء» فقال الرّجل: و أراد أن يتكلّم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «لا تقل إلّا خيرا، فأنا خير من تسلف» فأعطاه أربعين و أربعين لسلفه، فأعطاه ثمانين‏

[ (4)]. و روى ابن ماجة عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: جاء رجل يطلب نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدين أو بحقّ فتكلم ببعض الكلام، فهمّ به بعض أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«إن صاحب الدّين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه» [ (5)].

و روى الإمام أحمد و أبو يعلى عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حليق النصرانيّ ليبعث له أثوابا إلى الميسرة فأتيته فقال: ما الميسرة؟ و اللّه ما لمحمّد ثاغية و لا داعية، فلما أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «كذب عدوّ اللّه، أنا خير من باع، لأن يلبس أحدكم من رقاع شتّى خير له من أن يأخذ بأمانته ما ليس عنده» [ (6)].

و روى الطّبرانيّ عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطّلب- رضي اللّه تعالى عنهما- قالت‏

كان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا من الأنصار أن يقتضيه، فقضاه إياه تمرا دون تمره فأبى أن يقبله، فقال:

أ تردّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال، نعم، و من أحقّ بالعدل من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاكتحلت عينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدموعه، ثم قال: صدق، من أحقّ بالعدل مني، لا قدّس اللّه أمّة لا يأخذ

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 5/ 72 (2393) و مسلم 3/ 1225 (120- 1601).

[ (2)] أخرجه البخاري في الصحيح من حديث جابر 5/ 72 (2394) و أبو داود 2/ 268 (3347).

[ (3)] انظر المجمع 4/ 141 و البيهقي 5/ 351 قال الهيثمي: رواه البزار و فيه أبو صالح الفراد و لم أعرفه و بقية رجاله رجال الصحيح.

[ (4)] انظر المجمع 4/ 141. رواه البزار و رجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار و هو ثقة.

[ (5)] أخرجه ابن ماجة (2425) و انظر الترغيب 2/ 565 و الكنز (15482) و ضعفه البوصيري في الزوائد.

[ (6)] أحمد 3/ 244 و الحاكم 3/ 572 انظر المجمع 4/ 125، 126.

22

ضعيفها حقّه من قويّها و لا يتعتعه يا خولة عديه و اذهبيه و اقضيه [ (1)].

و روى الإمام مالك عن أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

استلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن أقضي الرجل بكرا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أعطه إيّاه، فإن خيار النّاس أحسنهم قضاء» [ (2)].

و روى الطبرانيّ برجال الصحيح عن عبد اللّه بن أبي سفيان- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

جاء رجل يهوديّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقاضاه تمرا فأغلظ للرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) فهمّ به أصحابه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ما قدّس اللّه، أو ما يرحم اللّه أمّة لا يأخذون للضّعيف منهم حقّه غير متعتع» ثم أرسل إلى خولة بنت حكيم، فاستقرضها تمرا، فقضاه، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«كذلك يفعل عباد اللّه الموفون، أما إنه قد كان عنده تمر لكنه كان خيرا» [ (3)].

و روى النّسائيّ و ابن ماجة عن العرباض بن سارية- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

كنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال أعرابيّ: اقضني بكري فأعطاه بعيرا مسنا، فقال الأعرابيّ: يا رسول اللّه، هذا أسنّ من بعيري، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خير النّاس خيرهم قضاء [ (4)].

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

التعزية: بفوقية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فزاي مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث، الحمل على الناس و الصبر.

لون، بلام مفتوحة فواو ساكنة فنون: نزع.

ثاغية: بمثلثة فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث أي ليس لها شي‏ء من الغنم.

وا غدراه: [...].

راغية: براء فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث.

البكر: بفتح الموحدة و سكون الكاف و بالراء، الناقة و الفتيّ منها إلى أن يجزع إلى أن يثنى و ابن اللبون أو الذي لم ينزل.

الخيار: من الخيرة بخاء معجمة مكسورة فتحتية فراء فتاء تأنيث أي ليس له شي‏ء من الغنم.

الرباعي: براء فموحدة مفتوحتين فعين مهملة يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته رباع، و الأنثى رباعية إذا دخلا في السنة السابعة.

____________

[ (1)] انظر المجمع 4/ 140.

[ (2)] و أخرجه مسلم 3/ 1224 (118) (1600) و أبو داود 3/ 247 (3346) و الترمذي 3/ 609 (1318) و النسائي 7/ 291 و ابن ماجة 2/ 767 (2285).

[ (3)] انظر المجمع 4/ 131، 141 و الترغيب 2/ 610 و الكنز (5590، 5591) و رجاله رجال الصحيح.

[ (4)] أخرجه النسائي (4619) و ابن ماجة (2286).

23

الباب التاسع في ضمانه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع:

الأول: في ضمانه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضمانا خاصا عن ربه تبارك و تعالى على أعمال من أعمال أمته:

و روى أبو داود عن أبي أمامة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقّا، و بيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب، و بيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه» [ (1)].

و روى الطّبرانيّ بسند جيّد عن عبادة بن الصّامت- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«اضمنوا ستاّ من أنفسكم أضمن لكم الجنّة اصدقوا إذا حدّثتم، و أوفوا إذا وعدتّم، و أدوا إذا ائتمنتم و احفظوا فروجكم و غضّوا أبصاركم، و كفّوا أيديكم» [ (2)].

و روى الإمام أحمد و الطبرانيّ برجال الصّحيح عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رجلا قال: يا رسول اللّه، إنّ لفلان نخلة و أنا أقيم حائطي بها، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أعطها إياه بنخلة في الجنّة»، فأبى، فأتاه أبو الدّحداح فقال بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال يا رسول اللّه، إني ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها له فقد أعطيتكها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عذق راح لأبي الدّحداح، قالها مرارا فأتى امرأته، فقال: يا أمّ الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد ابتعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع أو كلمة تشبهها [ (3)].

الثاني: في ضمانه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دين بعض الصحابة:

روى أبو داود و ابن ماجة عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما-

أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: و اللّه ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني تحميل أجره إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: كم تنظره؟ قال: شهرا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنا أحمل» فتحمّل بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأتاه بقدر ما وعده، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير فقضاها عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [ (4)].

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود (4800) و الطبراني في الكبير 8/ 117 و الدّولابي في الكنز 2/ 133291 و البيهقي 10/ 241 و انظر المجمع 1/ 157، 8/ 23.

[ (2)] و أخرجه أحمد 5/ 323 و الحاكم 4/ 358.

[ (3)] أخرجه أحمد 3/ 146.

[ (4)] أخرجه أبو داود (2/ 262) (3328) و صححه الحاكم 2/ 10 و وافقه الذهبي.

24

الثالث: في ضمانه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن من مات و عليه دين و لم يترك وفاء [ (1)]:

روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-:

«كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يؤتى بالرّجل المتوفّى عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدّث أنّه ترك وفاء صلّى عليه، و إلا قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم، فلما فتح اللّه عليه الفتوح قام فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين، فترك دينا فعليّ قضاؤه، و من ترك مالا فهو لورثته».

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

ربض الجنة: براء فموحدة مفتوحتين فضاد معجمة، ما حولها خارجا عنها.

المراء: بميم مكسورة فراء فألف فهمزة، الجدال.

غضّوا أبصاركم: بغين و بضاد معجمتين مضمومتين احفظوها.

العذق: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة ساكنة، النّخلة، و بكسر العين العرجون.

الحائط: بحاء مهملة فألف فهمزة مكسورة فطاء مهملة، البستان من النخيل إذا كان عليه حائط و هو الجدار.

المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة فنون، الموضع الذي يستخرج منه جواهر الأرض الذهب و الفضة.

____________

[ (1)] لم يذكر المصنف شيئا من الحديث و ذكر الحديث في الأصل تتميما للفائدة و الحديث أخرجه البخاري 4/ 477 (2298) و مسلم 3/ 1237 (14/ 1619).

25

جماع أبواب سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الهدايا و العطايا و الإقطاعات‏

الباب الأول في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الهديّة

و فيه أنواع:

الأول: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالتهادي:

روى إبراهيم الحربيّ و أبو بكر أحمد بن أبي عاصم في (كتاب الأموال) عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه قال- قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

الهديّة تذهب و حر الصّدر [ (1)].

الثاني: في قبوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الهدية و لو قلت و إثابته عليها:

روى الإمام أحمد و البخاريّ و أبو داود و التّرمذي عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقبل الهديّة و يثيب عليها [ (2)].

و روى الإمام أحمد و التّرمذي و صحّحه ابن سعد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«لو أهدي إليّ كراع لقبلت و لو دعيت عليه لأجبت» و في لفظ «إذا دعيت إلى ذراع» و في لفظ «إلى كراع لأجبت»

و رواه البخاري عن أبي هريرة

[ (3)].

و روى الإمام أحمد و الطّبرانيّ برجال الصّحيح و ابن سعد عن عبد اللّه بن بسر رضي اللّه عنه قال: كانت أمّي و في لفظ «أختي» تبعثني بالهديّة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و في لفظ بالشي‏ء فيقبلها منّي‏

و روى الطبرانيّ عنه قال:

[ (4)] بعثتني أمي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقطف من عنب فأكلته، فقالت أمّي: هل أتاك عبد اللّه بقطف؟ قال: لا، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا رآني قال: «غدر غدر»

و رواه تمام بن محمد الرّازيّ بلفظ:

بقطف من العنب، فناولت منه فأكلته قبل أن أبلّغه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلمّا جئته مسح على رأسي، و قال: «يا غدر!» [ (5)].

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود الطيالسي ص 307 (2333) و أحمد 2/ 405 و الترمذي 4/ 441 (2130) و فيه أبو معشر المدني ضعيف تفرد به.

[ (2)] أخرجه البخاري 5/ 210 (2585) و أبو داود (3536) و الترمذي (1953) و أحمد 6/ 90 و ابن أبي شيبة 6/ 551 و البيهقي 6/ 180.

[ (3)] أخرجه البخاري من رواية أبي هريرة (5/ 236) (2568).

[ (4)] انظر المجمع 4/ 147.

[ (5)] البخاري في التاريخ 2/ 339 و انظر المجمع 4/ 147.

26

و روى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن سرجس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كانت أختي ربّما تبعثني بالشّي‏ء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تطرقه إياه فيقبله مني [ (1)].

و روى الإمام أحمد و البزّار عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-

أن أعرابيا أهدى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هديّة فأثابه عليها، قال، أرضيت؟، قال: لا، فزاده، قال: أرضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: أرضيت؟ قال: نعم؟ [ (2)].

و روى أبو يعلى برجال الصّحيح و أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم بسند صحيح عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رجلا كان يلقّب حمارا و كان يهدي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) العكّة من السّمن و العكّة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه جاء به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيقول: يا رسول اللّه، أعط هذا ثمن متاعه فما يزيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أن يتبسم أو يأمر به فيعطى [ (3)].

و روى الطّبرانيّ عن أم سلمة و الإمام أحمد برجال الصحيح و أبو يعلى و البزّار عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت أمّ سنبلة

أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهديّة و قالت عائشة: أهدت أم سنبلة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبنا فلم تجده، فقلت لها: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد نهانا أن نأكل من طعام الأعراب، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر معه، فقال: «ما هذا معك يا أمّ سنبلة» فقالت: لبنا أهديته لك يا رسول اللّه، فقال: «اسكبي، أمّ سنبلة»، فسكبت فنادى عائشة، فناولها فشربت فقال: «اسكبي أمّ سنبلة»، فسكبت فناولته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشرب، فقالت عائشة: فشرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من لبن أسلم، ثم قالت: قد كنت حدّثت أنّك قد نهيت عن طعام الأعراب، فقال: يا عائشة، هم ليسوا بأعراب، هم أهل باديتنا، و نحن أهل حاضرتهم، و إذا دعوا أجابوا، فليسوا بأعراب، زاد الطبراني: و أعطاها كذا و كذا واديا و زود فاشترى عبد اللّه بن حسن الوادي منهم [ (4)].

و روى الطبرانيّ برجال الصحيح عن عياض بن عبد اللّه عن أبيه- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهدى له رجل عكّة من عسل فقبلها و قال إحم شعبي فحماه و كتب له كتابا [ (5)].

____________

[ (1)] أحمد 4/ 189 و انظر المجمع 4/ 147.

[ (2)] المجمع 4/ 148 قال الهيثمي: و رجاله رجال الصحيح.

[ (3)] المجمع 4/ 148، المطالب للحافظ ابن حجر (1429).

[ (4)] أخرجه أحمد 6/ 133 و انظر المجمع 4/ 149.

[ (5)] المجمع (4/ 152) قال الهيثمي: و رجاله رجال الصحيح.

27

و روى عبد الرّزّاق عن زيد بن أسلم مرسلا قال:

لقي النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) امرأة تخرج من عند عائشة، و معها شي‏ء تحمله، فقال لها: طعاما هذا؟ قالت: أهديت لعائشة، فأبت أن تقبله، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ألا قبلته منها مرة واحدة؟» قالت: يا رسول اللّه، إنها محتاجة و إنّها كانت أحوج إليه مني، قال: «فهلّا قبلته منها و أعطيتها خيرا» [ (1)].

و روى الإمام أحمد و ابن حبّان عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر و كان يهدي للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الهديّة من البادية فيجهّزه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أراد أن يخرج، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «إن زاهرا باديتنا و نحن حاضروه» [ (2)].

و روى ابن أبي شيبة عن الرّبيع بنت معوّذ- رضي اللّه تعالى عنها- قالت أتيت رسول للّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقناع من رطب و آخر من ذغب فأكل منها، و أعطاني مل‏ء كفّي حليّا أو ذهبا، و قال: تحلّي [ (3)] به و روى الطبرانيّ بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن الحجّاج بن غلاط السّلّميّ أهدى لرسول للّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سيفه ذات الفقار و دحية أهدى له بغلة شهباء [ (4)].

و روى أبو يعلى عن أبي بكر الصدّيق- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزلا فبعث له امرأة مع ابن لها بشاة، فحلب ثم قال: انطلق به إلى أمّك، فشربت حتى رويت، ثم جاء بشاة أخرى فحلب ثم شرب [ (5)].

الثالث: في قبوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جرّة من جماعة من ملوك أهل الكتاب:

و روى الإمام أحمد و الترمذي و حسّنه عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

أهدى كسرى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقبل منه، و أهدى له قيصر فقبل منه، و أهدت له الملوك فقبل منهم.

و روى ابن أبي شيبة و الإمام أحمد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

أهدى كسرى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جرّة من منّ فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعطي أصحابه منها قطعة قطعة، و أعطى جابرا قطعة ثم عاد، فأعطاه قطعة أخرى، فقال: يا رسول اللّه، لقد أعطيتني، فقال: هذا لبنات عبد اللّه يعني أخواته [ (6)].

____________

[ (1)] أخرجه البغوي في شرح السنة 8/ 302 و الكنز (14482).

[ (2)] أحمد 3/ 161 و عبد الرزاق (19688) و الترمذي في الشمائل (121، 122) و البيهقي 6/ 196.

[ (3)] أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 278.

[ (4)] انظر المجمع 5/ 45، 4/ 156. قال الهيثمي فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة، و هو متروك.

[ (5)] أخرجه ابن سعد 1/ 1/ 123 و انظر المجمع 4/ 147، 5/ 83 و المطالب (2388).

[ (6)] أخرجه أحمد 3/ 122 و الحاكم في المستدرك 4/ 135.

28

و روى أحمد و مسلم عن البراء بن عازب قال:

أهدى البدر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حلة من سندس و كان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: و الذي نفسي بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا

[ (1)].

و روى الحارث بن أبي أسامة و البزّار و الطّبراني و ابن خزيمة و إبراهيم الحربي و أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي شيبة بسند صحيح عن بريدة- رضي اللّه تعالى عنه- قال أهدى أمير القيط إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاريتين أختين، و بغلة فكان يركب البغلة بالمدينة و اتّخذ إحدى الجاريتين لنفسه، فولدت له إبراهيم، و وهب الأخرى لحسان بن ثابت، فولدت له محمدا [ (2)].

و روى البزّار عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن ملك ذي يزن أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جرّة من منّ فقبلها [ (3)].

و روى الطبرانيّ برجال ثقات عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت أهدى المقوقس ملك القيط إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكحلة عيدان شامية و مرآة و مشطا [ (4)].

و روى البزار عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: أهدى المقوقس لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدح قوارير [ (5)].

و روى أبو الحسن بن الضحّاك عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: كساني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حلّة من حلّة السيراء أهداها له فيروز [ (6)].

و روى البخاري عن أبي حميد الساعدي- رضي اللّه تعالى عنه- قال غزونا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تبوك و أهدى ملك أيلة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغلة بيضاء و كساه بردا و كتب له ببحرهم [ (7)].

و رواه مسلم بلفظ: جاء رسول صاحب أيلة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكتاب و أهدى له بغلة بيضاء، فكتب له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهدى له بردا.

و روى إبراهيم الحربيّ في كتاب هدي الأموال عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه قال:

أهدى يوحنا بن رؤبة- إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغلة بيضاء.

و روى أبو داود عن أنس- رضي اللّه‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 7/ 122 (3802) و مسلم 4/ 1916 (126/ 2468).

[ (2)] المجمع 4/ 153 و عزاه للطبراني و البزار قال الهيثمي و رجال البزار رجال الصّحيح.

[ (3)] انظر المجمع 4/ 153.

[ (4)] ذكره الهيثمي في المجمع 4/ 153 و قال: رواه الطبراني في الأوسط و رجاله ثقات.

[ (5)] انظر المجمع 4/ 153.

[ (6)] المجمع 5/ 121 أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 165 و المجمع 5/ 123.

[ (7)] البخاري (6/ 308) (3161).

29

عنه- أن ملك الرّوم أهدى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جبّة من سندس كما تقدم في رواية أحمد و مسلم أو شقّية فليحرر.

الرابع: في رده (صلّى اللّه عليه و سلّم) الهديّة لأمير و سيرته في هدية الأمراء و عدم قبوله الصدقة:

و روى الإمامان الشافعيّ و أحمد و الشيخان عن الصّعب بن جثامة- رضي اللّه تعالى عنه-

أنه أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمارا وحشيّا و هو بالأبراء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه، و في رواية ما في وجهي من الكراهة قال: «ليس بنا ردّ عليك» و في رواية «إنا لم نردّه إليك إلا أنّا حرم» [ (1)].

و روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنه- أنه قد أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وشيقة ظبي فردها، و لم يأكلها [ (2)].

و روى الشيخان عن أبي حميد السّاعديّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

استعمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا من الأزد يقال له ابن اللّتبيّة فلمّا قدم، قال: هذا لكم و هذا أهدي إليّ، قال: فهلّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمّه، فينظر أ يهدى إليه أم لا؟ و الذي نفسي بيده، لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر ثم رفع يديه حتى رأينا غفرة إبطيه: اللهمّ هل بلغت ثلاثا

[ (3)].

و روى ابن سعد عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- و عون بن عبد اللّه عن حبيب بن عبيد الرّجيّ، و رشيد بن مالك، قالوا:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أتي بطعام أو غيره، قال: صدقة أم هدية فإن قيل من صدقة صرفها إلى أهل الصّدقة، أو قال كلوا و لم يأكل، و إن قيل هدية أمر بها، فوضعت ثم أهدى أهل الصدقة منها و لفظ أبي هريرة قبل الهدية و لم يقبل الصدقة

[ (4)] و تقدمت قصة سلمان في أوائل الكتاب.

الخامس في رده (صلّى اللّه عليه و سلّم) هدية المشركين:

و روى الإمام أحمد و أبو داود و التّرمذي و صحّحه و أبو بكر و أحمد بن عمر بن أبي عاصم في كتاب (الهدايا) عن عياض بن حمار المجاشعيّ- رضي اللّه تعالى عنه-

و كان بينه و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معرفة قبل أن يبعث فلما بعث أهدى إليه هدية أحسبها إبلا فأبى أن يقبلها، و قال: إنا لا نقبل زبد المشركين، قال: قلت: و ما زبد المشركين؟ قال: وفدهم هديتهم‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 4/ 31 (1825، 2573 و مسلم 2/ 850 (50/ 1193) و قد تقدم.

[ (2)] ذكره الهيثمي في المجمع 3/ 233 و عزاه لأحمد و أبي يعلى و قال: و رجال أحمد رجال الصحيح.

[ (3)] أخرجه البخاري 5/ 220 (2597) و مسلم 3/ 1463 (26/ 1832).

[ (4)] مجمع الزوائد (8/ 268) و ابن سعد (6/ 117).

30

و في لفظ أهديت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناقة أو هديّة فقال لي: أسلمت؟ قلت: لا قال: إني نهيت أن أقبل زبد المشركين [ (1)].

و روى موسى بن عقبة- رضي اللّه تعالى عنه- بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك و رجاله من أهل الكتاب مرسلا أنّ عامر بن مالك الّذي يدعى ملاعب الأسنة

قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مشرك فأهدى له فقال: إني لا أقبل هدية المشركين [ (2)].

و روى البزّار عن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة رضي اللّه تعالى عنه قال:

قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهدية فقال: إنا لا نقبل هدية المشرك‏

[ (3)].

و روى الإمام أحمد و الطبرانيّ برجال ثقات عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان محمدا أحبّ رجل في الناس إليّ في الجاهلية، فلما تنبّأ و خرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم و هو كافر، فوجد حلّة لذي يزن تباع فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى، قال عبيد اللّه حسبت أنه قال إنّا لا نقبل شيئا من المشركين و لكن إن شئت أخذناها بالثّمن، فأعطيته إياها حين أبى الهديّة زاد الطبراني، فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة، أنت تلبس حلّة ذي يزن فقال نعم، و اللّه لأنا خير من ذي يزن و لأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى أهل مكة أعجبهم بقول أسامة [ (4)].

السادس: في امتناعه من قبول الهديّة من غير قريش و الأنصار و ثقيف و دوس و أسلم و أمره- (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد قصة الشاة المسمومة من أهدى له هديّة و لم يثق به أن يأكل منها و سؤاله بعض أصحابه أن يهب له دابة أو رقيقا:

روى الإمام أحمد و التّرمذي و الحارث ابن أبي أسامة و البخاريّ في الأدب عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

أهدى رجل من بني فزارة، و في لفظ إن أعرابيا أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناقة «و في لفظ بكرة فعوّضه، فسخطه و في لفظ فعوّضه منها ستّ بكرات فسخطه» فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إنّ فلانا أهدى إليّ ناقة

____________

[ (1)] أحمد 4/ 162 و ابن أبي شيبة 12/ 469.

[ (2)] أخرجه عبد الرزاق 9741، 19658 و الطبراني في الكبير 19/ 70، 71 و البيهقي في الدلائل 3/ 343 و انظر المجمع 6/ 127.

[ (3)] انظر المصادر السابقة.

[ (4)] أخرجه أحمد 3/ 403.

31

أعرفها كما أعرف (بعض) [ (1)] أهلي ذهبت مني يوم زغابات فعوّضته ستّ بكرات، فظلّ ساخطا، لقد هممت أن لا أقبل هديّة إلا من قرشيّ أو أنصاريّ أو ثقفيّ أو دوسيّ و في لفظ:

فسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المنبر يقول «يهدي أحدكم فأعوّضه بقدر ما عندي ثم يسخطه و ايم اللّه لا أقبل بعد عامي هذا هدية إلا من قرشي أو أنصاريّ أو ثقفي أو دوسي»

و رواه أبو داود و النّسائيّ‏

مختصرا [ (1)].

و روى أبو يعلى عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قال:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «لا أقبل هديّة من أعرابي»

فجاءته أم سنبلة الأعرابيّة، الحديث المتقدم أول الباب.

و روى الإمام أحمد و الطبرانيّ و ابن أبي شيبة عن يعلى بن مرّة الثقفيّ- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

لرجل: «هب لي هذا البعير أو بعنيه» قال: هو لك يا رسول اللّه، فوسمه سمة الصّدقة ثم بعث به [ (2)].

تنبيهات‏

الأول: عياض، بكسر العين المهملة و تخفيف المثناة التحتية و بضاد معجمة، ابن حمار،- بكسر الحاء المهملة و تخفيف الميم- في رده (صلّى اللّه عليه و سلّم) هديته مع قبوله لهدية غيره من الكفّار مخالفة، قال الخطابي: يشبه أن يكون الحديث منسوخا، لأنّه قبل هدية غير واحد من المشركين، و أهدى له المقوقس مارية و البغلة و أهدى له البدر دومة فقبل منهما، فقيل إنما ردّ هديتّه، ليغيظه بردها، فيحمله على الإسلام و قيل: ردها لأن المهدى موضعا من القلب و قد روي. تهادوا تحابّوا، و لا يجوز (عليه الصلاة و السلام)- أن يميل بقلبه إلى مشرك فردها قطعا لسبب الميل و ليس ذلك مخالفا لقبوله هديّة المقوقس و البدر و مارية و دومة و نحوهما، لأنهم أهل كتاب و ليسوا بمشركين، و قد أبيح له طعام أهل الكتاب و نكاحهم، و ذلك خلاف حكم أهل الشرك، و قال البيهقي: يحتمل ردّ هديته التّحريم و يحتمل قصد به التنزيه، و الأخبار في قبول هداياهم أصحّ و أكثر، و قال الحافظ: جمع الطّبري بين هذه الأحاديث بأن الامتناع فيما أهدى له خاصة، و القبول فيما أهدي للمسلمين و فيه نظر، لأن جملة أدلة الجواز ما وقفت الهدية له خاصّة، و جمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته و الموالاة و القبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه و تأليفه على الإسلام، و هذا أقوى من الأول، و قيل: يحمل القبول في حق من كان من أهل الكتاب و الرّدّ على من كان من أهل الأوثان، و قيل: يمتنع ذلك لغيره من‏

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود 3/ 807 (3537) و الترمذي 5/ 730 (3945) و النسائي 6/ 280 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1145) و أحمد 2/ 292.

[ (2)] انظر المجمع 4/ 156.

32

الأمراء و إن ذلك من خصائصه، و ادّعى بعضهم نسخ المنع بأحاديث القبول، و منهم من عكس، و هذه الأوجه الثلاثة ضعيفة فالنّسخ لا يثبت بالاحتمال و لا التخصيص.

الثاني: في بيان غريب ما سبق:

«كراع» بكاف فراء فألف فعين مهملة، قيل هو اسم مكان و لا يثبت و يرده حديث أنس الآتي بعده.

«القطف» بقاف مكسورة فطاء مهملة ساكنة ففاء، العنقود.

«غدر» بغين معجمة مضمومة فدال مهملة مفتوحة، معدول عن غادر للمبالغة و للأنثى، غدار كقطام و هما مختصان بالنداء في الغالب.

«العكّة» بعين مهملة مضمومة فكاف مفتوحة فتاء تأنيث وعاء من جلد مختص بالسّمن و العسل.

«البادية» الصّحراء و قد تقدم تفسيرها مرارا.

«الحاضرة» بحاء مهملة فألف معجمة مكسورة فراء فتاء تأنيث، خلاف البادية.

«الأعراب» بفتح الهمزة و سكون العين و الراء و ألف و آخره موحدة، ساكنة البادية لا واحد له و جمعه أعاريب.

«القناع» بقاف مكسورة فنون فألف فعين مهملة الطبق الذي يؤكل عليه و يقال له قنع بالكسر و الضم.

«الزّغب» بزاي مضمومة فغين معجمة ساكنة فموحدة صغار القثّاء.

«الجرة» بجيم مفتوحة فراء مشددة فتاء تأنيث، إناء من خزف و الجمح جرار.

«المنّ» بميم مفتوحة فنون، العسل العفو الذي ينزل من السماء عفوا بلا علاج.

«السّندس» بسين مهملة مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة فسين مهملة، ما رقّ من الديباج و رقع المنديل.

«القيط» بقاف مكسورة فموحدة ساكنة و طاء مهملة أهل مصر.

«القدح» بقاف فدال مفتوحتين فحاء مهملتين.

«القوارير» [إناء من زجاج رقيق‏].

الحلّة- بحاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة فتاء تأنيث-، برود اليمن، و لا يسمى حلّة إلا أن يكون لونين من جنس واحد.

33

السّيراء:- بسين مهملة مكسورة فتحتية مفتوحة فراء مفتوحة فألف فهمزة، نوع من البرود يخالطه حرير كالسّيور و هو فعلاء من السير، يقال: حلّة سيراء على الإضافة.

أيلة: بفتح الهمزة و سكون التحتية، بلد معروف بساحل البحر بطريقة المسافرين إلى مكّة و هي الآن خراب.

«يحرهم» أي يملدهم تقدم معناه مرارا.

و كذلك ودّان: [هي موضع قريب من الجحفة].

وشيق ظبي [الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلي قليلا و لا ينضج و يحمل في الأسفار].

الرّغاء:- براء مضمومة فغين معجمة فألف فهمزة- صوت الإبل.

الخوار:- بخاء معجمة مضمومة فواو فألف فراء- صوت البقر.

«زبد المشركين» بفتح الزاي و سكون الباء الموحدة، الرّفد و العطاء.

البكرة: الفتى من الإبل تقدمت.

34

الباب الثاني في العطايا

و فيه أنواع:

الأول: في وعظه من أعطاه شيئا فرده:

و الثاني: في إعطائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيئا لقوم يتألفهم للإيمان و تركه الآخرين لوثوقه بإيمانهم:

عن عمرو بن ثعلبة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى بشي‏ء فقسمه فأعطى رجلا و ترك رجلا فبلغه.

الثالث: في إهدائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لجماعة من أصحابه و غيرهم:

و روى الإمام أحمد و الطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت‏

لما تزوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّ سلمة، قال لها: «إني قد أهديت إلى النّجاشي حلة و أواقي من مسك و لا أرى النجاشي إلا قد مات و لا أرى هديّتي إلا مردودة عليّ، فإن ردّت عليّ فهي لك»

فكان كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) وردت عليه هديته، فأعطى كلّ امرأة من نسائه أوقية مسك، و أعطى أمّ سلمة بقية المسك و الحلّة، و رواه مسدد و الإمام أحمد و أبو يعلى و ابن حبّان و الحاكم عن أم سلمة- رضي اللّه تعالى عنها- [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 6/ 404 و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد (1144) و البيهقي 6/ 26.

35

الباب الثالث في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الإقطاع‏

و فيه أنواع:

الأول: في إقطاعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جماعة:

و روى الإمام أحمد و الترمذي و أبو داود عن وائل بن حجر- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعه أرضا، بحضرموت و أرسل معه معاوية، ليقتطعه إياها، فقال له معاوية:

أردفني خلفك، قال لست من إرداف الملوك، فقلت، أعطني نعلك، فقلت: انتعل ظلّ ناقتي فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على البساط

[ (1)].

و روى الإمام الشافعي عن يحيى بن جعدة- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة أقطع الناس الدّور، فقال حيّ من بني زهرة يقال لهم بنو عبد زهرة نكب عنّا ابن أمّ عبد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فلم ابتعثني اللّه إذن؟ إن اللّه لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقّه [ (2)].

و روى البخاري عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالت الأنصار حتى تقطع لإخواننا المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، فلم يكن ذلك عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: «سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» [ (3)].

و روى الطّبرانيّ عن بلال بن الحارث- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعه هذه القطعة و كتب له بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن القبلية غوريّها و جلسيّها عشبة و ذات النصب و حيث يصلح الزرع من قدس إن كان صادقا و كتب معاوية

[ (4)].

و روى الإمام أحمد عن عمر بن عوف المزنيّ و ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع بلال بن الحارث المزنيّ معادن القبلية جلسيّها و غوريها و حيث يصلح الزّرع من قدس و لم يقطعه حقّ مسلم [ (5)].

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 6/ 399 و أبو داود الطيالسي ص 137 (1017) و أبو داود 3/ 443 (3058) و الترمذي 3/ 665 (1381) و البيهقي 6/ 144 و انظر التلخيص 3/ 64.

[ (2)] الشافعي 2/ 133 (435) و الطبراني في الكبير 11/ 274 (10534) و البغوي في شرح السنة 8/ 271 و ابن حجر في المطالب (3290) و ابن سعد 3/ 1/ 108.

[ (3)] أخرجه البخاري (5/ 59) (2377).

[ (4)] الحديث عن أبي داود (3063).

[ (5)] و انظر التمهيد لابن عبد البر 3/ 237، 7/ 33.

36

و كتب له النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هذا ما أعطى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية غوريها و حيث يصلح الزّرع من قدس»

[ (1)] (و كتب إلى أبيّ بن كعب).

و روى الإمام مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن- (رحمه اللّه تعالى)- عن غير واحد من علمائهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية و هي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة [ (2)].

و روى أبو يعلى عن يحيى بن عمرو بن يحيى بن سلمة الهمداني عن أبيه عن جدّه عن أبيه‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كتب إلى قيس بن مالك: «سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته أما بعد، فإني استعملتك على قومك عربيّهم و جمهورهم، و مواليهم و حواشيهم و أعطيتك من ذرّة بسار مائتي صاع من زبيب خيران، مائتي صاع جاري ذلك لك و لعقبك من بعدك أبدا أبدا، أحبّ إليّ أن لا أرجو أن يبقى عقبي أبدا، عربهم أهل البادية و جمهورهم أهل القرى» [ (3)].

و روى الإمام أحمد و أبو داود عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها داوي، فأجرى الفرس حتّى قام ثم رمى بسوطه ثم قال أعطوه من حيث بلغ السوط

[ (4)].

و روى إسحاق بن راهويه برجال ثقات منقطعا عن أبي جعفر- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

جاء العباس إلى عمر- رضي اللّه عنهما- فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعني البحرين، قال: من يشهد لك؟ قال: المغيرة بن شعبة.

و روى أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع الزبير نخلا [ (5)].

و روى الشيخان عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير و هي على ثلاثة فراسخ [ (6)].

و روى البخاري عن عروة- (رحمه اللّه تعالى)- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع الزبير أرضا من أرض بني النضير [ (7)].

____________

[ (1)] سقط في ج.

[ (2)] انظر التمهيد 3/ 32.

[ (3)] مجمع (3/ 87) قال الهيمني: رواه أبو يعلي و فيه عمرو بن يحيى بن سلمة و هو ضعيف.

[ (4)] أخرجه أحمد 2/ 156 6/ 144 و الطّبراني في الكبير 12/ 263 و أبو داود (3072).

[ (5)] أخرجه أبو عبيدة في الأموال ص 347 (678) و أبو داود 3/ 451 (3069) و أبو يوسف في الحزانة ص 61 و الشافعي في المسند 2/ 133 (436) و البخاري معلقا 6/ 252 في كتاب فرض الخمس باب ما كان النبي (ص) يعطي المؤلف.

[ (6)] أخرجه البخاري (6/ 290) (3151) و ابن أبي شيبة 12/ 354.

[ (7)] البخاري (6/ 290) (3151) معلقا.

37

و روى أيضا عن عمرو بن حريث- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

خطّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة بقوس، و قال: أزيدك أزيدك [ (1)].

و روى الطبراني و البغويّ برجال ثقات عن مجاعة بن مرارة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مجاعة بن مرارة أرضا باليمامة يقال لها العوذة و كتب له بذلك كتابا:

من محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمجاعة بن مرارة من بني سلمى إني قد أعطيتك العوذة فمن خالفني فيها فالنار، و كتب يزيد [ (2)].

و روى ابن أبي حاتم و الطبراني و سمّاه عن عثير بمثلثة، و يقال بالفوقية مصغّر و يقال عسّير بضم العين المهملة و تشديد السين المهملة أي لبيد العدوي- رضي اللّه تعالى عنه- أنه استقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرضا بوادي القرى فأقطعه إياها فهي إلى الآن تسمّى بويرة عثير [ (3)].

و روى الطبراني عن أبي السائب عن جدّته- رضي اللّه تعالى عنها- و كانت من المهاجرات إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعها بئرا بالعقيق [ (4)].

و روى الطبراني و ابن مرة عن أوفى بن موله قال: أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقطعني العميم، و شرط عليّ ابن السبيل أوّل ريان، و أقطع ساعدة رجل منّا بئرا بالفلاة يقال لها: الجعوبية و هي بئر يخبأ فيها المال، و ليست بالماء العذب، و أقطع الناس معادة العرى، و هي دون اليمامة، و كنا أتيناه جميعا، و كتب لكل رجل منا بذلك في أديم [ (5)].

و روى البخاري عن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة- (رحمه اللّه تعالى)- أن بني صهيب مولى بني جدعان ادّعوا ببيتين و حجرة و أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطى ذلك صهيبا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ فقالوا: ابن عمر فدعاه فشهد لعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صهيبا بيتين و حجرة فقضى مروان بشهادته لهم.

و روى الإمام أحمد عن ربيعة الأسلمي- رضي اللّه عنه- قال: أعطاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أعطى أبا بكر أرضا.

و روى أبو داود عن سبذة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني عن أبيه عن جدّه- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل في موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج إلى‏

____________

[ (1)] أبو داود (3060) و الطبراني في الكبير 3/ 230.

[ (2)] انظر المجمع 6/ 9 و الكنز (3/ 1113) و قال: رواه الطبراني في الأوسط و رجاله ثقات.

[ (3)] انظر مجمع الزوائد (6/ 12) و وقع في المجمع عتير.

[ (4)] مجمع الزوائد (6/ 12) قال الهيثمي: رواه الطبراني و فيه أبو السائب قال الذهبي مجهول.

[ (5)] مجمع الزوائد (6/ 12).

38

تبوك و إن جهينة لحقوه بالرحبة فقال لهم: من أهل ذي المروة؟ فقالوا: بنو رفاعة بن جهينة، فقال لهم: قد أقطعتها لبني رفاعة فاقتسموها فمنهم من باع و منهم من أمسك‏

[ (1)].

و روى أبو بكر أحمد بن عمر بن عاصم النبيل عن مجاعة بن مرارة من بني سلمة اليمانيّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقطعني الغورة و عوانة و الجبل و كتب لي: بسم اللّه الرحمن الرحيم إني أقطعتك العورة و العوانة و الجبل فمن حاجّك فإليّ ثم أتيت أبا بكر بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقطعني الغواة ثم أتيت عمر بعد أبي بكر فأقطعني.

و روى أيضا عن سراج بن هلال بن سراج بن مجّاعة قال: و فدتّ إلى عمر بن عبد العزيز فأخرجت إليه هذا الكتاب فقبّله و وضعه على عينيه [ (2)].

الثاني: في ارتجاعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ما أقطعه إذا تبين له أنه لا يقطع:

و روى الباوردي عن أبيض بن حمال- رضي اللّه تعالى عنه-

أنه وفد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سلم فاستقطعه الملح الذي يقال له شدا بمأرب فأقطعه له فلما ولّى قال الأقرع بن حابس: يا رسول اللّه، إني قد وردتّ الملح في الجاهلية، و هي بأرض ليس بها ماء و من ورده أخذه، و هو مثل الماء العذب فانتزعه منه و في رواية و استقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبيض بن حمال في قطيعته في الملح، فقال: لقد أقلتك منه على أن تجعله صدقة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هو منك صدقة و هو مثل العدّ» [ (3)] و هو مثل الماء العذب من ورده أخذه فقطع له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرضا و غيلا بالجوف جوف مراد حين أقاله منه.

و روى الدارمي و أبو داود و التّرمذي و قال غريب و النّسائيّ و ابن ماجة و ابن حبّان و الدّار قطنيّ و الطبراني في الكبير و ابن أبي عاصم و الباوردي و ابن قانع و أبو نعيم في الصحابة عن أبيض بن حمال‏

أنه وفد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستقطعه الملح الذي بمأرب فقطعه له فلمّا أن ولى، قال رجل من المجلس: أ تدري ما أقطعت له الماء العد فانتزع منه؟ قال و سأله عن ما يحمى من الأراك، قال: ما لم تنله خفاف الإبل‏

و رواه البغويّ‏

إلى قوله «العد» فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا إذن.

و روى أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي «ما لا تنله أخفاف الإبل- يعني أنّ الإبل تأكل منتهى رؤوسها و يحمى ما فوقه».

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود (3068) و البيهقي 6/ 149.

[ (2)] مجمع الزوائد (6/ 12) و رجاله ثقات.

[ (3)] أبو داود (3064) الترمذي 606 و ابن أبي شيبة 7/ 519 مالك في الموطأ 412، 413. أخرجه ابن حبّان (1140، 1642) (114) و الطبراني في الكبير 1/ 254.

39

الثالث: في إقطاعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لم يفتحه قبل فتحه:

و روى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي ثعلبة الخشنيّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت: يا رسول اللّه اكتب لي بكذا و كذا الأرض من الشام لم يظهر عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حينئذ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال أبو ثعلبة: و الذي نفسي بيده ليظهرنّ عليها، قال فكتب لي بها الحديث.

و روى الطبراني برجال ثقات عن تميم الداريّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال استقطعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرضا بالشّام قبل أن تفتح فأعطانيها فاستفتحها عمر في زمانه فقلت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطاني أرضا من كذا فجعل عمر- رضي اللّه تعالى عنه- ثلثها لابن السبيل و ثلثها لعماريها و ثلثها لنا.

الرابع: في بعض ما حمى للّه:

روى الطبراني و البزّار برجال الصّحيح عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لا حمى إلا للّه و لرسوله» [ (1)].

و روى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمى البقيع لخيل المسلمين [ (2)].

و روى الطبرانيّ برجال الصحيح عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمى الربذة لإبل الصدقة [ (3)].

تنبيهات‏

الأول: قال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدّمشقيّ: قال الصاحب الإمام سفير الخلافة أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي الحسن البادرائي- (رحمه اللّه تعالى)-، قلت و هو صاحب المدرسة البادرائية العظيمة بدمشق: إنه شاهد صورة بخط أمير المؤمنين عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- الذي كتبه بإذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا ما أعطى محمّد رسول اللّه تميما الدّاريّ و أخواته [ (4)]، عيرون و المرطوم و بنت عينون و بنت إبراهيم و ما فيهنّ عطيّة البيت برمتهم، و نفذت و سلمت ذلك لهم و لأعقابهم، فمن أذاهم أذاه اللّه، و من أذاهم لعنه اللّه شهد عتيق بن أبي قحافة، و عمر بن الخطّاب و عثمان بن عفّان و كتب عليّ بن أبي طالب و شهدتّ، قلت (أبو) في الموضعين بالواو على الحكاية.

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 4/ 73271 و ابن أبي شيبة 7/ 303 و الطبراني في الكبير 8/ 95 و الدار قطني 4/ 238 و انظر المجمع 4/ 158.

[ (2)] مجمع الزوائد (4/ 161). الخطيب في التاريخ 3/ 22.

[ (3)] انظر المجمع 4/ 158 و رجاله رجال الصحيح.

[ (4)] انظر جمع الجوامع 2/ 704 و ابن عساكر كما في التهذيب 3/ 354، 355، 357، 10/ 465.

40

الثاني: قد تواردت الحكايات أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع تميما و أخاه نعيما و أصحابهما و ذريتهم قرى بأرض بيت المقدس و كتب لهم بذلك كتابا، و لعن فيه من عارضهم و لم يزل هذا الكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا، و قد ألّف الحافظ أبو الفضل بن حجر و الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدّمشقي و شيخنا الحافظ أبو الفضل جلال الدين السّيوطيّ في صحّة ذلك مؤلّفا و في كل ما ليس في الآخر، و من أراد الزيادة على ما هنا فليراجع ذلك.

الثالث: نازع بعض الظلمة من زمن الإمام الغزّاليّ لما كان بدمشق ذرّيّة تميم الداريّ في ذلك و أراد نزعه منهم فأفتى الإمام الغزّاليّ بكفره.

الرابع: في بيان غريب ما سبق:

البساط: [ضرب من الفرش ينسج من الصوف و نحوه‏].

نكب:- بنون فكاف فموحدة مفتوحات- عدل.

البحرين: تقدم تفسيره.

الأثرة: بهمزة فمثلثة فراء مفتوحات فتاء تأنيث- الاسم من آثر يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفي‏ء.

معادن: جمع معدن قد تقدم.

القبليّة: بقاف فموحدة مفتوحتين فلام فتحتية مشددة فتاء تأنيث موضع من ساحل البحر بينها و بين المدينة خمسة أيام.

غوريّها: بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فراء مكسورة فتحتية من الغور ما ارتفع من الأرض.

ذات النصب: بنون فصاد مهملتين مضمومتين فموحدة موضع على أربعة برد من المدينة.

قدس: بقاف مضمومة فدال ساكنة فسين مهملتين.

الفرع: بفاء مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة موضع معروف بين مكة و المدينة.

الأرحى: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة مفتوحة جبل معروف، و قيل: هي الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة.

الحضر: بحاء مهملة مضمومة فضاد معجمة ساكنة فراء العدد.

الفرسخ: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فسين مهملة مفتوحة فخاء معجمة.

41

اليمامة: بتحتية فميمين بينهما ألف مفتوحات فتاء تأنيث الموضع المعروف شرقي الحجاز، و مدينتها العظمى حجر اليمامة.

العوزة: وادي، القرى و العقيق، تقدم الكلام عليها.

الغميم: بغين معجمة فميمين بينهما مثناة تحتية موضع رابع.

الرحبة: حركة ناحية بين المدينة و الشام.

ثعلبة: بمثلثة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فلام فموحدة فتاء تأنيث.

الخشف: بخاء معجمة مضمومة فشين معجمة ساكنة.

الحمى: بحاء مهملة في اللغة الموضع الذي فيه كلأ يحمى و اللّه أعلم.

42

جماع أبواب سيرته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النكاح و الطلاق و الإيلاء

الباب الأول في آداب متفرقة

و فيه أنواع:

الأول: في حثه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على النكاح و نهيه عن التبتل:

روى ابن أبي الدّنيا عن أبي أيوب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«سنن المسلمين الحياء و النّكاح و التّعطر و السّواك»

و رواه ابن عديّ عن جابر و عن ابن عبّاس بلفظ

من سنن المرسلين الحلم و الحياة و التعطر و كثرة الأزواج‏

[ (1)].

و روى أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«يا معشر الشّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر و أحصن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصّوم فإنه له و جاء» [ (2)].

الثاني: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالنظر إلى المخطوبة و صرفه وجهه من نظر إلى غير زوجته و محارمه:

و روى الإمام أحمد و أبو داود، و العقيليّ في الضّعفاء و الطحاويّ و الحاكم و البيهقيّ و الضّياء عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه من نكاحها فليفعل» [ (3)].

و روى أبو داود عن جابر و الإمام أحمد و الطّبرانيّ عن أبي حميد السّاعديّ، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته و إن كانت لا تعلم» [ (4)].

و روى الدّبليّ عن عليّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إذا خطب أحدكم المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن جمالها، فإن الشّعر أحد الجمالين» [ (5)].

و روى عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إذا خطب‏

____________

[ (1)] انظر تلخيص الجسر 1/ 66.

[ (2)] أخرجه البخاري 9/ 117 (5073) و مسلم 2/ 1020 (6/ 1402).

[ (3)] أحمد 3/ 334 و أبو داود 2/ 565 (2082) و الحاكم 2/ 165 و البيهقي 7/ 85 و المجمع 4/ 276 و نصب الراية 4/ 241 و التلخيص 3/ 147.

[ (4)] انظر مجمع الزوائد 4/ 276.

[ (5)] انظر كنز العمال (44528) و كشف الخفاء 2/ 13.

43

أحدكم المرأة و هو يخضب بالسّواد فليعلمها أنه يخضب» [ (1)].

و روى الإمام أحمد و الترمذي و حسّنه و النّسائي و البيهقيّ و الدار قطني عن المغيرة بن شعبة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما و لا تنظر إلا إلى وجهها و كفيها» [ (2)].

و روى الإمام أحمد برجال ثقات و البزّار عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسل إلى أم سليم تنظر إلى جارية، فقال: شمّي عوارضها و انظري إلى عرقوبيها [ (3)].

و روى الطبرانيّ عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أراد خطبة امرأة بعث أمّ سليم تنظر إليها فشمّت أعقابها و بطون عراقيبها.

و روى الأئمة عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

كان الفضل بن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- رديف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم عرفة فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها و تنظر إليه، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، و في رواية فجعل الفضل يلاحظ النّساء، و ينظر إليهن، و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا و جعل الفضل يلحظ إليهن فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يا ابن أخي، هذا يوم من ملك فيه سمعه و بصره و لسانه، غفر له [ (4)].

الثالث: في حكمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الخطبة:

روى الأئمة إلا الدّار قطنيّ عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» [ (5)].

الرابع: في خطبته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النّكاح:

روى أبو يعلى و الطبرانيّ برجال الصحيح عن ابن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه-

و روى الأئمة عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

علّمنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خطبة الحاجة فيقول:

إن الحمد للّه نحمده، و نستعينه، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهد اللّه فلا مضل له، و من يضلّل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن‏

____________

[ (1)] انظر الكنز (44529).

[ (2)] أخرجه أحمد 4/ 246 و الدارمي 2/ 134 و الترمذي 3/ 397 (1087) و ابن ماجة 1/ 599 (1865) و النسائي 6/ 69 و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد ص 303 (1236).

[ (3)] أحمد 3/ 231 و الحاكم 2/ 166 و البيهقي 7/ 87.

[ (4)] تقدم و هو عند البخاري 3/ 442 (1513).

[ (5)] أخرجه البخاري 4/ 352 (2139، 5142) و مسلم 2/ 1032 (50/ 1412).

44

سيدنا محمدا عبده و رسوله،

قال أبو عبيدة: و سمعت من أبي موسى يقول: فإن شئت أن تسأل أتيتك بآي من القرآن تقول: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ [آل عمران/ 102] اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء/ 1] اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب/ 70، 71] أمّا بعد، ثمّ تكلّم بحاجتك [ (1)].

و روى أبو داود و الإمام أحمد و النّسائيّ و التّرمذي و البيهقي عن ابن مسعود

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا تشهّد [ذكر نحوه، و قال بعد قوله «و رسوله» «أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي السّاعة، من يطع اللّه و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فإنّه لا يضر إلا نفسه، و لا يضرّ اللّه شيئا»

[ (2)].

و روى الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري- رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«اكتم الخطبة» [ (3)].

الخامس: فيما كان يقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا رأى امرأة:

روى الإمام أحمد و الطبرانيّ برجال ثقات و الحكيم الترمذيّ عن أبي كبشة الأنصاريّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جالسا في أصحابه، و في لفظ كنّا جلوسا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ مرّت بنا امرأة، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدخل و خرج و اغتسل فقلنا: يا رسول اللّه، قد كان شي‏ء؟ قال: «نعم نعم، مرّت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النّساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها فكذلك فافعلوا فإنه من أمانات أعمالكم إتيان الحلال»، و في لفظ:

«فدخل منزله ثم خرج إلينا قد اغتسل، قلنا نرى أنه قد كان شي‏ء يا رسول اللّه، قال مرّت فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فقمت إلى بعض أهلي فوضعت شهوتي فيها، و كذلك فافعلوا، فإنه لمن أماثل أعمالكم إتيان الحلال» [ (4)].

و روى الطبرانيّ في كتاب العشرة عن ابن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عند سودة بنت زمعة فإذا امرأة مشوّقة قاعدة على الطريق رجاء أن يتزوجها- فلمّا رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجع إلى زوجته سودة فقضى حاجته ثم اغتسل، فخرج إلى‏

____________

[ (1)] أخرجه الدارمي 2/ 142 أخرجه أبو داود الطّيالسي ص 45 عقب حديث (338) و أبو داود 2/ 591 (2118) و البيهقي 7/ 146 و أخرجه الترمذي 3/ 413 (1105) و النسائي 6/ 89 و ابن ماجة 1/ 609.

[ (2)] أخرجه أبو داود (2119).

[ (3)] أحمد 5/ 423 و الطبراني في الكبير 4/ 159 و ابن خزيمة (1220) و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد (685) و الحاكم 1/ 314، 2/ 165 و انظر نصيب الراية 1/ 71.

[ (4)] أخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 20 و انظر المجمع 4/ 292 و عزاه لأحمد و الطبراني و قال: و رجال أحمد ثقات.

45

أصحابه، فقال: إنما حبسني عنكم امرأة عرضت لي في الطريق قد تشوّقت رجاء أن أتزوّجها فلما رأيتها، رجعت إلى سودة فقضيت حاجتي، فمن رأى منكم امرأة تعجبه فليرجع إلى زوجته، فإنّ الّذي مع زوجته مثل الذي معها.

السادس: في سيرته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نكاح المتعة:

روى البخاري و مسلم عن علي- رضي اللّه تعالى عنه-

أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نهى عن متعة النساء يوم خيبر، و عن أكل لحوم الحمر الإنسية

[ (1)].

السابع: في نهيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن نكاح الشّغار:

روى البخاري عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

«لا شغار في الإسلام» [ (2)]

و أيضا عنه‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نهى عن نكاح الشغار

[ (3)].

الثامن: في هديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نكاح الجاهلية [ (4)]:

التاسع: في رده- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالعيب في النكاح:

روى سعيد بن منصور عن كعب بن زيد أو زيد بن كعب- رضي اللّه تعالى عنه-

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تزوّج امرأة من بني غفار و في لفظ: من بني بياضة فوجد بكشحها بياضا فردّها فقال: دلّستم عليّ فلما دخل عليها و دفع ثوبه و قعد على الفراش، أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك و لم يأخذ ممّا آتاها شيئا [ (5)].

العاشر: فيما كان يقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا تزوج أحد من أصحابه:

روى الشيخان عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ما هذا؟ فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: بارك اللّه أولم و لو بشاة [ (6)].

و روى الإمام أحمد و أبو داود و التّرمذي و قال حسن صحيح و ابن ماجة عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه-

أن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا رأى الإنسان تزوج، قال: بارك اللّه لك، و بارك‏

____________

[ (1)] لم يذكر المصنف شيئا هنا و ذكرنا ذلك تتميما للفائدة و الحديث أخرجه البخاري 7/ 481 (4216) و مسلم 2/ 1027 (29/ 1407).

[ (2)] أخرجه مسلم 2/ 1035 (60/ 1415).

[ (3)] أخرجه البخاري 9/ 162 (5112) و مسلم 2/ 1034 (57/ 1415). و الشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق و أبو داود 2/ 227 (2074) و الترمذي 3/ 431 (1124) و النسائي 6/ 110 و ابن ماجة 1/ 606 (1883).

[ (4)] ذكره المصنف (رحمه اللّه) هذا لم يذكر شيئا من الأحاديث و الآثار كأنّه اكتفى بنكاح المتعة و الشغار باعتبارهما ضرب من ضروب الجاهلية.

[ (5)] أخرجه أحمد 3/ 493 و انظر المجمع 4/ 300 و البيهقي 7/ 256.

[ (6)] أخرجه البخاري 9/ 204 (5148) و مسلم 2/ 1042 (79/ 1427).

46

عليك و جمع بينكما في خير [ (1)].

الحادي عشر: فيما يحرم من النسب و الصهر و الرضاع:

روى البخاري و مسلم عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«لا يجمع بين المرأة و عمتها و لا بين المرأة و خالتها» [ (2)].

و روى البخاري و مسلم عن عائشة أمّ المؤمنين- رضي اللّه عنها- قالت: قال رسول‏اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» [ (3)].

الثاني عشر: في الأولياء و الشهود و الاستئذان و الإخبار بحكم البكر و الثيب في ذلك و الكفارة:

روى الإمامان الشافعيّ، و أحمد، و التّرمذي، و ابن ماجة، و الدّار قطني عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل» [ (4)].

و روى الإمام أحمد و الترمذي و أبو داود و البيهقي و الدار قطنيّ عن أبي موسى- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«لا نكاح إلا بولي و صداق و شاهدي عدل» [ (5)].

و روى الإمام أحمد و الأربعة عن سمرة بن جندب- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أيما امرأة يزوجها وليّها فهي للأوّل منهما» [ (6)].

و روى أبو داود عن عقبة بن عامر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

لرجل:

«أ ترضى أن أزوّجك فلانة؟» قال: نعم، و قال للمرأة «أ ترضين أن أزوّجك فلانا» قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها [ (7)].

____________

[ (1)] أخرجه الدّارمي 2/ 134 و أبو داود (1320) و الترمذي (1091) و أحمد 3/ 451 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1284) و سعيد بن منصور (522) الحاكم 2/ 183 و البيهقي 7/ 148 و ابن السني 596 و الخطيب 11/ 42 و انظر التلخيص 3/ 152.

[ (2)] لم يذكر المصنف هنا شيئا و أتممنا ذلك للفائدة و الحديث أخرجه البخاري 9/ 160 (5109) و مسلم 2/ 1028 (33/ 1408).

[ (3)] البخاري 9/ 139 (5099) و مسلم 2/ 1068 (2/ 1444).

[ (4)] أخرجه الشافعي في المسند 2/ 11 (19) و أحمد 6/ 66 و الدّارمي 2/ 137 و أبو داود 2/ 566 (2083) و الترمذي 3/ 407 (1102) و ابن ماجة 1/ 605 (1879) و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد ص 305 (1248) و الحاكم 2/ 168.

[ (5)] أخرجه أحمد 4/ 394 و الدارمي 2/ 137 و أبو داود 2/ 568 (2085) و الترمذي 3/ 407 (1101) و ابن ماجة 1/ 605 (1881) و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 304 (1243) و الحاكم 2/ 169.

[ (6)] أخرجه أحمد 5/ 8 و الدارمي 2/ 139 و أبو داود 2/ 571 (2088) و الترمذي 3/ 418 (1110) و النّسائي 7/ 314 و ابن ماجة 2/ 738 (2190).

[ (7)] أخرجه أبو داود (2117) و الحاكم 2/ 181.

47

و روى الإمام أحمد و أبو يعلى عن عائشة، و البزّار برجال ثقات عن أبي هريرة، و الطّبراني في الأوسط عن أنس و الطبراني عن ابن عباس و الطبراني عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهم-

قالوا: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خطب إليه بعض بناته جلس إلى خدرها، فقال: «إنّ فلانا يخطب فلانة»، يسمّيها و يسمّي الرّجل الذي خطبها فإن طعنت في الخدر لم يزوّجّها و إن سكتت كان سكوتها رضاها [ (1)].

و روى الأئمة عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«الأيّم أحقّ من ولّيها و البكر تستأمر و إذنها سكوتها» [ (2)].

و روى السّتّة و الدرا قطني و البيهقيّ عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«لا تزوّج المرأة المرأة و لا المرأة نفسها فإنّ الزانية هي التي تزوّج نفسها» [ (3)].

و روى الإمام أحمد و الشّيخان و النّسائيّ عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

قلت: يا رسول اللّه، إن البكر تستحي قال «رضاها صمتها» [ (4)].

و روى الإمام أحمد و أبو داود و البيهقيّ عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-

أن جارية بكرا أتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكرت أن أباها زوجها و هي كارهة فخيرها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

[ (5)].

و روى الترمذي و البيهقي عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«إذا خطب إليكم من ترضون دينه و خلقه فزوّجوه إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد كبير»

و قال الترمذي حسن غريب [ (6)] و البيهقي عن أبي حاتم المزنيّ و قال غيره إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد عريض» [ (7)].

و روى الحاكم في تاريخه و الدّيلميّ عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إذا جاءكم الأكفاء فأنكحوهنّ و لا تربّصوا بهنّ الحدثان» [ (8)].

____________

[ (1)] أحمد 6/ 78 و عبد الرزاق (10379) و الطبراني 11/ 355 و ابن أبي شيبة 4/ 136 و المجمع 4/ 278.

[ (2)] مسلم 2/ 1037 (67/ 4121) و أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري 12/ 355 (9968) و مسلم (64/ 1419) و أبو داود 2/ 231 (2092) و الترمذي 3/ 415 (1107) و النسائي 6/ 85 و ابن ماجة 1/ 601 (1871).

[ (3)] أخرجه ابن ماجة 1/ 606 (1882) و الدار قطني 3/ 227 (25) و البيهقي 7/ 110 و انظر تحفة المحتاج 2/ 364.

[ (4)] أخرجه البخاري 9/ 98 (5137).

[ (5)] أخرجه أبو داود 2/ 232 (2096).

[ (6)] أخرجه الترمذي 3/ 394 (1084) و ابن ماجة 1/ 632 (1967) و الحاكم 2/ 164 و عبد الرزاق (10325) و الدولابي في الكني 1/ 25.

[ (7)] أخرجه البيهقي 7/ 82.

[ (8)] ذكره السيوطي في جميع الجوامع (1603) و عزاه للحاكم في التاريخ و الديلمي و ذكره في الصغير (547) و رمز له بالضعف و الحدثان بالتحريك أو بكسر فسكون الليل و النهار أي نوائب الدهر و حوادثه.

48

الباب الثاني في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الصّداق‏

روى مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن- (رحمه اللّه تعالى)- قال: سألت عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- كم كان صداق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قالت: كان صداقه لزوجه ثنتي عشرة أوقية و نشّا، و قالت: تدري ما النّشّ؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأزواجه [ (1)].

و روى الإمام أحمد و الأربعة و التّرمذيّ و قال حسن غريب عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: ما علمت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نكح شيئا من نسائه و لا نكح شيئا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية [ (2)].

و روى سعيد بن منصور و أبو يعلى بسند جيّد عن مسروق- (رحمه اللّه تعالى)- أنّ عمر بن الخطّاب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: أيها الناس ما أكثركم في صداق النساء. و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه و إنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك [ (3)].

و ذكر الحديث و سيأتي بتمامه في مناقب عمر- رضي اللّه تعالى عنه-.

و روى الطبراني عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت تزوّجني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على متاع يساوي أربعين درهما [ (4)]،.

و روى أبو يعلى و الطبرانيّ عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- و الطّبرانيّ عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: تزوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّ سلمة على متاع بيت قيمته عشرة دراهم [ (5)].

و روى الإمام أحمد و الشيخان عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اصطفى صفيّة بنت حييّ فاتّخذها لنفسه و خيّرها بين أن يكون زوجها أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها، و جعل عتقها صداقها [ (6)].

____________

[ (1)] أخرجه مسلم 2/ 1042 (78/ 1426).

[ (2)] أخرجه عبد الرزاق 6/ 175 (10399) و أحمد 1/ 40 و الدارمي 2/ 141 و أبو داود 2/ 582 (2106) و الترمذي 3/ 422 (1114) و قال حسن صحيح و النسائي 6/ 117 و ابن ماجة 1/ 607 (1887) و ابن حبّان ذكره الهيثمي في الموارد (307) حديث (1259) و الحاكم في المستدرك 2/ 176.

[ (3)] ابن مجمع الزوائد 3/ 286 سعيد بن منصور 1/ 96.

[ (4)] انظر المجمع 4/ 282.

[ (5)] انظر المجمع 4/ 282 و ابن عدي في الكامل 5/ 1785.

[ (6)] أخرجه البخاري 9/ 232 (5169) و مسلم 2/ 1043 (84/ 1365).

49

و روى الأئمة عن سهل بن سعد- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

جاءت امرأة فقالت: يا رسول اللّه، جئت أهب نفسي لك فقامت طويلا فقام رجل فقال يا رسول اللّه زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال: هل عندك من شي‏ء تصدقها؟ قال ما عندي إلا إزاري هذا ...

الحديث [ (1)].

و روى الدار قطنيّ عن ابن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه-

أنّ امرأة أتت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، رأ فيّ رأيك فقال: من ينكح هذه؟ فقام رجل عليه بردة عاقدها في عنقه، فقال: أنا يا رسول اللّه، فقال: أ لك مال؟ قال: لا، يا رسول اللّه، قال: اجلس، ثم جاءت مرّة أخرى، فقالت: يا رسول اللّه، رأ فيّ رأيك فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من ينكح هذه»؟ فقام ذلك الرجل، فقال: أنا يا رسول اللّه، فقال: أ لك مال؟. قال لا يا رسول اللّه فقال: اجلس، ثم جاءت الثالثة فقالت يا رسول اللّه ... رأ فيّ رأيك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ينكح هذه؟ فقام ذلك الرّجل، فقال: أنا يا رسول اللّه، فقال أ لك مال؟ قال: لا، يا رسول اللّه، قال: فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، سورة البقرة و سورة فصّلت فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أنكحتكها على أن تقرئها و تعلمها و إذا رزقك اللّه تعالى عرضتها فتزوّجها الرجل على ذلك.

و روى الإمام أحمد و التّرمذيّ و البيهقي عن عامر بن ربيعة- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رجلا من بني فزارة [أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه امرأة له فقال: إني تزوجتها بنعلين، فقال لها:

أرضيت؟ فقالت: نعم، و لو لم يعطني لرضيت قال شأنك و شأنها] [ (2)].

تنبيه:

في غريب ما سبق:

التّعطّر- بفوقية فعين مهملة مفتوحتين فطاء مهملة فراء- اتخاذ العطر و هو الطيب.

العوارض- بعين مهملة فواو مفتوحتين فألف فراء مكسورة فضاد معجمة- الأسنان التي في عرض الفم، و هي التي بين الثنايا و الأضراس و أحدها عارض.

العرقوب- بعين مهملة مضمومة فراء ساكنة فقاف فواو فموحدة عصب غليظ فوق عقب الإنسان من الدّابّة في رجلها بمنزلة الرّكبة.

الأعطاف- بهمزة مفتوحة فعين مهملة فطاء فألف ففاء نواحي العنق-.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 9/ 190 (5135) و مسلم 2/ 1040 (76/ 1425).

[ (2)] ما بين المعكوفين سقط من أ، ب، ج، و أثبتناها من المراجع الحديثية و الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي ص 156 (1143) و أحمد 3/ 445 و الترمذي 3/ 420 (1113) و قال حسن صحيح و ابن ماجة 1/ 608 (1888).

50

الكشح- بكاف مفتوحة فشين معجمة فحاء مهملة ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي.

النّش- بنون فشين معجمة، نصف أوقيّة و هو عشرون درهما.

الخدر- بخاء معجمة مكسورة فدال مهملة ساكنة فراء، ناحية من البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر.

الأيّم- بهمزة مفتوحة فتحتية مكسورة مشددة فميم- أنثى لا زوج لها بكرا كانت أو ثيّبا مطلّقة كانت أو متوفّى عنها.

(رأ) أمر من (رأى) و الحديث عند غيره براء واحدة مفتوحية (ر).

51

الباب الثالث في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الولائم‏

و فيه أنواع:

الأوّل: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إجابة الدعوة:

روى مسلم عن جابر- رضي اللّه عنه- أنّه قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم، و إن شاء ترك».

الثاني: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإكرام الضيف:

روى البخاري و مسلم عن أبي شريح الكعبيّ- رضي اللّه عنه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم و ليلة، و الضّيافة ثلاثة أيّام فما بعد ذلك فهو صدقة، و لا يحلّ له أن يثوي عنده حتّى يخرجه».

الثالث: في استئذانه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

روى البخاري في الأدب و أبو داود عن عبد اللّه بن بشر- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، و يقول: السّلام عليكم، و ذلك أن الدّور لم يكن عليها ستور

[ (1)].

و روى الإمام أحمد و الشّيخان و الطّبراني و الترمذي عن أبي مسعود البدري الأنصاريّ و الإمام أحمد عن جابر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

كان رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، قال: أتيت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعرفت في وجهه الجوع، فأتيت غلاما لي، قصّابا فأمرته أن يصنع طعاما لخمسة رجال ثم دعوت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاء خامس خمسة و تبعهم رجل، فلما بلغ الباب، قال: هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له و إلا رجع فأذنت له،

رواه الطبرانيّ برجال الصحيح عن أبي شعيب نفسه‏

[ (2)].

و روى مسند برجال ثقات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رجلا صنع للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) طعاما فقال: أ تأذن لي في سعد؟ فأذن له، ثم صنع طعاما، فقال أ تأذن لي في سعد؟ فأذن له ثم صنع طعاما، فقال، أ تأذن لي في سعد فأنت صاحبه‏

[ (3)].

____________

[ (1)] أخرجه أبو داود (5186) و انظر الدر المنثور 5/ 39 و الكنز (18495) و ابن كثير في التفسير 6/ 37.

[ (2)] أخرجه البخاري 4/ 312 (2081) (2456، 5434، 5461) و مسلم 3/ 1608 (138/ 2036).

[ (3)] ذكره الحافظ في المطالب (2383).

52

الرّابع: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن لا يقطع دارا و لا نسلا:

روى الإمام أحمد عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعمدتّ إلى عنز لأذبحها فثغت فسمع ثغوتها، فقال: يا جابر، لا تقطع دارا و لا نسلا فقلت يا رسول اللّه، إنما هي عتودة علفتها البلح و الرّطبة، حتى سمنت [ (1)].

الخامس: في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإعلان النّكاح و الضّرب عليه بالدّفّ و كراهته لنكاح السّر [ (2)]:

و روى الطّبرانيّ من طريق داود بن الجرّاح عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال:

«ما فعلت فلانة ليتيمة كانت عندها» فقالت: أهديناها إلى زوجها، فقال: هلّا بعتم معها جارية، تضرب بالدّفّ و تغنّي، قالت: تقول ما ذا؟ قال: تقول:

أتيناكم أتيناكم‏* * * فحيّونا نحيّيكم‏

و لولا الذّهب الأحم‏* * * ر ما حلّت بواديكم‏

و لولا الحنطة السّمرا* * * ء ما شمت عذاريكم‏

و روى الطبرانيّ عن السّائب بن يزيد- رضي اللّه عنه- قال:

لقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جوار يلغين، يقلن: فحيونا نحييكم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كفى، ثم دعاهن، فقال: لا تقلن هكذا و لكن قلن أحيانا، و إيّاكم [ (3)].

و روى الإمام أحمد و البزّار برجال ثقات عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة:

«أهديتم الجارية إلى بيتها؟ قالت: نعم، قال: فهلّ بعثتم معها من يغنّيهم يقول: أتيناكم أتيناكم فحيّونا نحيّيكم، فإن الأنصار قوم فيهم غزل‏

[ (4)].

و روى عبد اللّه بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن عمرو بن يحيى المازنيّ عن جدّه أبي الحسن- رضي اللّه تعالى عنه- أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يكره نكاح السّرّ حتى يضرب عليه بدفّ، و يقال.

أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم [ (5)].

و روى البخاريّ عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها-

أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» [ (6)].

____________

[ (1)] أخرجه أحمد في المسند 3/ 396.

[ (2)] انظر المجمع 4/ 289 و عزاه للطّبراني في الأوسط.

[ (3)] انظر المجمع 4/ 290.

[ (4)] أحمد 3/ 391 و المجمع 4/ 289 4/ 289 و ابن الجوزي في التلبيس (225).

[ (5)] أخرجه أحمد 4/ 78 و البيهقي في السنن الكبرى 7/ 290 و انظر المجمع 4/ 288.

[ (6)] أخرجه البخاري 9/ 225 (5162).