سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج10

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
492 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رؤيته المعاني في صورة المحسوسات‏

الباب الأول في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) الرحمة و السكينة و إجابة الدعاء

روى الحاكم و صححه عن سلمان رضي اللّه عنه‏

أنه كان في عصابة يذكرون اللّه عز و جل فمرّ بهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاء نحوهم قاصدا حتى دنا منهم، فكفوا عن الحديث إعظاما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما كنتم تقولون؟ فأني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها» [ (1)].

قصة أخرى.

روى ابن أبي حاتم و ابن عساكر مرسلا عن سعد بن مسعود الصّدفي قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مجلس فرفع طرفه إلى السماء ثم طأطأ نظره، ثم دفعه، فسئل عن ذلك، فقال: «إنّ هؤلاء القوم كانوا يذكرون اللّه» يعني أهل مجلس أمامه، «فنزلت عليهم السّكينة تحملها الملائكة كالقبّة فلما دنت تكلّم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم» [ (2)].

قصة أخرى.

روى البخاريّ في التاريخ عن أنس رضي اللّه عنه قال:

خرجت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المسجد و فيه قوم رافعو أيديهم يدعون، فقال: «ترى ما بأيديهم ما أرى؟» قلت: و ما بأيديهم؟

قال: «بأيديهم نور»، قلت: ادع اللّه عز و جل أن يرينيه، فدعا اللّه عز و جل فأرانيه.

قصة أخرى.

روى الشّيخان عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه قال:

كان رجل يقرأ سورة الكهف و إلى جانبه حصان مربوط فتغشّته سحابة، فجعلت تدنو و جعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكر له، فقال: «تلك السكينة تنزّلت للقرآن» [ (3)].

____________

[ (1)] الحاكم (1/ 122).

[ (2)] السيوطي في الدر المنثور 1/ 317 و انظر كنز العمال (1879).

[ (3)] أخرجه البخاري 6/ 170، 232 و مسلم في كتاب صلاة المسافرين (241) أخرجه الترمذي (2885) و أحمد 4/ 293، 298 و الطيالسي كما في المنحة (1892) و البيهقي في الدلائل 7/ 82.

4

قصة أخرى.

روى أبو نعيم من طريق عاصم بن زرارة و أبي وائل قال أسيد بن حضير:

كنت أصلّي إذ جاءني شي‏ء فأظلّني ثم ارتفع، فغدوت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته، فقال: «تلك السّكينة نزلت تسمع القرآن» [ (1)].

____________

[ (1)] أبو نعيم في الحلية 4/ 342.

5

الباب الثاني في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) الحمى و سماع كلامها

روى البيهقي عن جابر بن عبد اللّه و ابن سعد و البيهقي عن أم طارق مولاة سعد، و البيهقي عن سلمان رضي اللّه عنهم‏

إذ الحمّى أتت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستأذنت عليه فأذن لها، فقال: «من أنت؟» قالت: أمّ ملدم، و لفظ سلمان، الحمّى أبري اللحم و أمصّ الدّم، انتهى، زادت أمّ طارق: قال: «لا مرحبا بك، و لا أهلا انهدين إلى أهل قباء» و لفظ جابر: «أ تريدين أهل قباء؟» قالت: نعم، قال: «اذهبي» فأتتهم، فحمّوا، و لقّوا منها شدّة، فجاؤوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد اصفرّت وجوههم فشكوا إليه الحمّى، قال: «إن شئتم دعوت اللّه عز و جل، فكشفها عنكم، و إن شئتم كانت لكم طهورا فأسقطت ذنوبكم»، قالوا: بل ندعها تكون لنا طهورا [ (1)].

و روى البيهقي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

جاءت الحمّى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، ابعثني إلى أحبّ قومك إليك، فقال: «اذهبي إلى الأنصار»، فذهبت فضمّت عليهم فصرعتهم، فقالوا: يا رسول اللّه، ادع اللّه لنا بالشّفاء فدعا فكشفت عنهم، قال البيهقي: يحتمل أن هذا في قوم آخرين من الأنصار [ (2)].

و روى الإمام أحمد برجال الصحيح و أبو يعلى و ابن حبّان عن جابر قال:

استأذنت الحمّى على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «من هذه؟» فقالت: أمّ ملدم فأمرها لأهل قباء فلقوا ما لا يعلمه إلا اللّه، فأتوه فشكوا ذلك إليه، فقال: «ما شئتم إن شئتم دعوت اللّه ليكشفها عنكم، و إن شئتم تكون لكم طهورا»، قالوا: أو تفعل؟ قال: «نعم»، قالوا: دعها.

و روى البخاري و الترمذي و ابن ماجة و الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«رأيت امرأة ثائرة الرّأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأولتها أن وباء المدينة نقل إليها [ (3)].

تنبيهات‏

الأول:

روى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أتاني جبريل بالحمّى و الطّاعون فأرسلت الحمّى بالمدينة، و أرسلت بالطّاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتى و رحمة لهم و رجز على الكافرين» [ (4)].

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 5/ 28، 6/ 378 و الحاكم 1/ 346.

[ (2)] ابن كثير في البداية 6/ 183.

[ (3)] أحمد 5/ 28، 6/ 378.

[ (4)] أخرجه أحمد 5/ 81 و الدولابي 2/ 141 و ابن عساكر كما في التهذيب 1/ 79 و انظر المجمع 2/ 310 و فتح الباري 10/ 191.

6

قال السيد نور الدين: و الأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمّى بالكلّية لكن قال الحافظ: لما رحل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة كان في قلّة من أصحابه فاختار الحمى، لقلّة الموت بها على الطاعون، لما فيها من الأجر الجزيل و قضيتها (إضعاف الأجساد) فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشّهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل اللّه، و من فاته ذلك حصلت له الحمّى التي هي حظّ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها عن غيرها قال السيد: و هو يقتضي عود شي‏ء من الحمّى إليها بآخرة الأمر، و المشاهد في زماننا عدم خلوّها عنها أصلا لكنه ليس كما وصف أوّلا بخلاف الطاعون، فإنها محفوظة بالكلّيّة، فالأقرب أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمّا سأل ربّه تعالى لأمّته أن لا يلبسهم شيعا و لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه ذلك، فقال في دعائه:

فحمّى إذا أو طاعونا أراد بالدعاء بالحمّى للموضع الذي لا يدخله الطاعون، فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمّى الوباء بل حمّى رحمة بدعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الثاني: إنما دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنقل الحمّى إليها، لأنها كانت دار شرك، و لم تزل من يومئذ أكثر بلاد اللّه حمّى.

قال بعضهم: و إنّه ليتّقي شرب الماء من عينها التي يقال عين حم، فقلّ من شرب منها إلا حمّ.

و روى البيهقي عن هشام بن عروة قال: كان وباء بالمدينة معروفا في الجاهلية، و كان إذا كان بالوادي وباء فأشرف عليه الإنسان قيل له: انهق نهيق الحمار، فإذا فعل لم يضرّه وباء ذلك الوادي.

و روى ابن شيبة عن عامر بن جابر، قال: كان لا يدخل المدينة أحد من طريق واحد من ثنيّة الوداع فإن لم يعشّر بها أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثّنيّة قبل أن يدخل ودّع فسمّيت ثنية الوداع حتى قدم عروة بن الورد العبسيّ فقيل له: عشّر بها فلم يعشّر و أنشأ يقول:

لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى‏* * * نهاق حمير إنّني لجزوع‏

ثم دخل فقال: يا معشر يهود، ما لكم و للتّعشير؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها، فلم يعشّر بها إلا مات، أو لا يدخلها أحد من غير ثنيّة الوداع إلا قتله الهزال، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس و دخلوا من كل ناحية.

الثالث: في بيان غريب ما سبق:

السكينة: الطمأنينة و الوقار.

ثائرة الرأس هاج و انتشر تقول: ثار الدخان و الغبار و ثار الدم بفلان و ثارت به الحصبة.

7

الباب الثالث في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) الفتن‏

روى الشيخان عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنه قال:

أشرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أطم من آطام المدينة، فقال: «هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن [تقع خلال بيوتكم كوقع المطر]» [ (1)].

و روى الطبراني عن بلال رضي اللّه عنه قال:

رفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصره إلى السماء فقال: «سبحان الذي يرسل عليهم الفتن إرسال القطر» [ (2)].

الباب الرابع في رؤيته الدنيا و سماع كلامها

روى البيهقي و الحاكم و صححه عن أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قال:

كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرأيته يدفع عن نفسه شيئا، و لم أر معه أحدا، فقلت: يا رسول اللّه، ما الذي تدفع؟ قال: «هذه الدّنيا مثّلت لي، فقلت لها: إليك عنّي، ثم رجعت فقالت: إن أفلتّ مني فلن ينفلت مني من بعدك» [ (3)].

و روى الإمام أحمد في الزّهد عن عطاء بن يسار مرسلا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أتتني الدّنيا خضرة حلوة و رفعت لي رأسها و تزيّنت لي، فقلت: لا أريدك، فقالت: إن انفلتّ مني لم ينفلت مني غيرك».

الباب الخامس في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجمعة و الساعة

روى البزّار و أبو يعلى و الطبراني و ابن أبي الدّنيا من طرق جيدة عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أتاني جبريل و في يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال هذه الجمعة، يعرضها عليك ربّك، لتكون لك عيدا و لقومك، قلت: ما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال: هذه الساعة» [ (4)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 4/ 94 (1878) (7060) و مسلم 4/ 2211 (9/ 2885).

[ (2)] انظر المجمع 7/ 307 و كنز العمال (31029) (31030).

[ (3)] أخرجه الحاكم 4/ 309 و الخطيب في التاريخ 10/ 268.

[ (4)] أخرجه الآجرى في الشريعة (265) و ابن أبي شيبة 2/ 150 و الطبري في التفسير 26/ 209 و انظر المجمع 10/ 421 و ابن أبي حاتم في العلل (593) و العقيلي في الضعفاء 1/ 292 و انظر الدر المنثور 6/ 108.

8

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في انقلاب الأعيان له‏

الباب الأول في انقلاب الماء لبنا و زبدا ببركته (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى ابن سعد مرسلا عن سالم بن أبي الجعد، قال:

بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلين في بعض أمره فقالا: يا رسول اللّه، ما معنا ما نتزوّده، فقال: «ابتغيا لي سقاء» فجاءاه بسقاء، قالا:

فأمرنا فملأناه ماء ثم أوكأه و قال: «اذهبا حتى تبلغا مكان كذا و كذا فإن اللّه عز و جل سيرزقكما» فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان الذي أمرهما به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فانحلّ سقاؤها فإذا لبن و زبد فأكلا حتى شبعا [ (1)].

الباب الثاني في انقلاب العصا سيفا ببركته (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى ابن سعد عن زيد بن أسلم و يزيد بن رومان و غيرهما و البيهقي عن ابن إسحاق أن عكّاشة بن محصن انقطع سيفه في يوم بدر فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جذلا من شجرة فصار في يده سيفا صارما صافي الحديد شديد المتن فقاتل بها حتى فتح اللّه عز و جل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى قتل في الردة و هو عنده و كان ذلك يسمى القويّ.

____________

[ (1)] ابن سعد 1/ 1/ 114.

9

الباب الثالث في انقلاب العرجون سيفا ببركته (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى عبد الرّزّاق عن معمر عن عبد الرحمن الجرشي قال: أخبرنا أشياخنا أن عبد اللّه بن جحش جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد ذهب سيفه فأعطاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عسيبا من نخل فرجع في يد عبد اللّه سيفا.

قصة أخرى.

روى الزّبير بن بكّار في الموافقيات عن عبد اللّه بن جحش أن سيفه انقطع فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرجونا فصار في يده سيفا فكان يسمّى العرجون و لم يزل بعد يتوارث حتى بيع من التركيّ بمائتي دينار.

قصة أخرى.

روى البيهقي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل عدّة، قالوا:

انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال: «اضرب به»، فإذا هو سيف جيّد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 370، 3/ 99.

10

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في تجلي ملكوت السموات و الأرض و اطلاعه على أحوال البرزخ و الجنة و النار و أحوال يوم القيامة

الباب الأول في تجلي ملكوت السموات و الأرض له (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى الإمام أحمد و الطبراني عن رجل من الصحابة قال:

خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات غداة و هو طيّب النّفس، مسفر الوجه فسألناه فقال: «و ما يمنعني، و أتاني الليلة ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، قلت: لبّيك ربي و سعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ حتى تجلّى لي ما في السموات و الأرض ثم قرأ

وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏

[ (1)]

[الأنعام 75].

تنبيهات‏

الأول: قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أتاني ربّي» مجاز أي أتاني أمر ربي، و قوله: «فوضع يده بين كتفيّ» قال البيضاوي: هو مجاز عن تخصّصه إياه و مزيد الفضل عليه، و إيصاله فضله إليه، لأن من عادة الملوك إذا أرادوا أن يدنوا إلى أنفسهم بعض خدمهم في بعض أحوال مملكتهم، يضعون يدهم على ظهره تلطّفا به و تعظيما لشأنه و تنشيطا له من فهم ما يقول، فحصل ذلك حيث لا يد و لا وضع حقيقة كناية عن التخصيص لهم بمزيد الفضل و التّأييد و تمكين الملهم في الرّوع.

الثاني: قوله: «فعلمت ما في السّموات» إلى آخره يدل على أن وصول ذلك الفيض صار سببا لعلمه، و أورد الآية على سبيل الاستشهاد و المعنى: أنه تعالى كما أرى إبراهيم (عليه الصلاة و السلام) ملكوت السموات و الأرض و كشف له ذلك، كذلك فتح عليّ أبواب الغيوب حتى علمت ما فيها من الذّوات و الصّفات و الظّواهر و المغيّبات.

الثالث: في بيان غريب ما سبق:

[...].

____________

[ (1)] تقدم.

11

الباب الثاني فيما اطلع عليه من أحوال البرزخ و الجنة و النار (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى ابن ماجة عن الحسين بن علي رضي اللّه عنه قال:

لما توّفي القاسم ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت خديجة رضي اللّه عنها: وددتّ لو كان اللّه أبقاه حتى يستكمل رضاعه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن تمام رضاعه في الجنة»، قالت: لو أعلم ذلك يا رسول اللّه يهون علي أمره قال: «إن شئت دعوت اللّه عز و جل يسمعك صوته»، قالت: بل أصدّق اللّه و رسوله [ (1)].

و روى مسلم عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال:

بينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حائط بني النّجّار على بغلة له و نحن معه إذ جادت به فكادت تلقيه، و إذا بقبر ستة أو خمسة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا، فقال: قوم هلكوا في الجاهلية فقال: «إن هذه الأمّة تبتلى في قبورها، فلو لا أن تدافنوا لدعوت اللّه عز و جل أن يسمعكم من عذاب القبر» [ (2)].

و روى الشيخان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله و أما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس» [ (3)].

و روى البخاري عن أسماء رضي اللّه عنها قالت:

كسفت الشّمس فصلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم حمد اللّه، و أثنى عليه، ثم قال: «ما من شي‏ء لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة و النار» [ (4)].

و روى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فصلّى ثم انصرف فقالوا: يا رسول اللّه، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت قال: «إنّي رأيت الجّنة، فتناولت عنقودا، و لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، و رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع و رأيت أكثرها النّساء».

و روى الحاكم عن أنس رضي اللّه عنه قال:

صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات ليلة صلاة، فمد يده ثم أخّرها فسألناه، فقال: «إنّه عرضت عليّ الجنة، فرأيت قطوفها دانية، فأردتّ أن أتناول منها شيئا، و عرضت عليّ النار فيما بينكم و بيني كظلي و ظلكم فيها» [ (5)].

____________

[ (1)] أخرجه ابن ماجة (1512).

[ (2)] أخرجه مسلم في كتاب الجنة (67) و أحمد 5/ 190 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (785).

[ (3)] تقدم.

[ (4)] تقدم.

[ (5)] تقدم.

12

و روى الحاكم عنه، قال:

بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بلال يمشيان فقال: «يا بلال، هل تسمع ما أسمع؟» قال: لا و اللّه يا رسول اللّه، ما أسمع شيئا، قال: «ألا تسمع أهل القبور يعذبون؟» [ (1)]

و رواه الإمام أحمد برجال الصحيح بلفظ قال:

صاحب القبر يعذّب، فسئل عنه، فوجده يهوديّا.

و روى ابن خزيمة في كتاب السنة عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال:

أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقيع الغرقد فوقف على قبرين ثريّين، قال: «أدفنتم هاهنا فلانا و فلانة؟» أو قال: «فلانا و فلانا؟» قالوا: نعم، قال: قد أقعد فلان الآن يضرب»، ثم قال: «و الذي نفسي بيده، لقد ضرب ضربة سمعها الخلائق إلا الثّقلين و لو لا تمريج قلوبكم و تزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع»، ثم قال: «الآن يضرب هذا»، ثم قال: «و الذي نفسي بيده، لقد ضرب ضربة ما بقي منه عظم إلا انقطع»، و قال: «تطاير قبره نارا»، قالوا: يا رسول اللّه، و ما ذنبهما؟ قال: «أما هذا فإنه كان لا يستبرئ من البول، و أما هذا فكان يأكل لحوم الناس» [ (2)].

و روى الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها

أنها ذكرت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أطفال المشركين، فقال: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» [ (3)].

و روى الإمام أحمد بإسناد جيّد عن عبد اللّه بن عمر و الطبراني برجال ثقات عن عمران بن حصين رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الضّعفاء و الفقراء، و اطّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» و في رواية عمران: «النّساء»، و في رواية ابن عمرو: «الأغنياء» [ (4)].

و روى الطبراني بإسناد جيد عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال:

صلّيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما فأطال القيام و كان إذا صلّى لنا خفّف فرأيته أهوى بيده ليتناول شيئا ثم ركع بعد ذلك، فلما سلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «علمت أنه راعكم طول صلاتي و قيامي»، قلنا: أجل، يا رسول اللّه، و سمعناك تقول: «أي ربّ، و أنا فيهم؟» فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«و الذي نفسي بيده، ما من شي‏ء وعدتّموه في الآخرة إلا قد عرض عليّ في مقامي هذا حتى عرضت عليّ النار، فأقبل منها حتى حاذى خبائي هذا فخشيت أن تغشاكم فقلت: أي ربّ، و أنا فيهم؟ فصرفها اللّه تعالى عنكم فأدبرت قطعا كأنها الزّرابيّ فنظرت نظرة، فرأيت عمران بن حرثان بن الحارث أحد بني غفار متكئا في جهنم على قوسه، و رأيت فيها الحميريّة صاحبة

____________

[ (1)] أخرجه الحاكم 1/ 40 و أحمد 3/ 151، 259.

[ (2)] الترغيب و الترغيب 3/ 513.

[ (3)] أحمد 6/ 208.

[ (4)] أخرجه أحمد 1/ 234، 359، 2/ 173، 297، 4/ 429 و انظر المجمع 10/ 261 و الطبراني في الكبير 12/ 162، 18/ 134.

13

القطّة التي ربطتها فلا هي أطعمتها و لا هي سقتها» [ (1)].

قال أحمد بن صالح: الصّواب حرمان.

و روى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«رأيت جهنّم يحطّم بعضها على بعض و رأيت عمرا بن عامر الخزاعيّ يجر قصبه و هو أول من سيّب السّوائب» [ (2)].

و روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد اللّه و أبيّ بن كعب رضي اللّه عنهما قالا:

بينما نحن صفوفا خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الظّهر أو العصر إذ رأيناه يتناول شيئا بين يديه في الصلاة ليأخذه ثم يتناوله ليأخذه ثم حيل بينه و بينه، ثم تأخّر و تأخّرنا ثم تأخّر الثانية و تأخّرنا فلما سلّم، قال أبيّ بن كعب: يا رسول اللّه، رأيناك اليوم تصنع في صلاتك شيئا لم تكن تصنعه، قال: «إنّي عرضت لي الجنة بما فيها من الزهرة و النضرة، فتناولت قطفا منها لآتيكم به و لو أخذته لأكل منه من بين السماء و الأرض لا ينقصونه فحيل بيني و بينه، ثم عرضت عليّ النار فلما وجدتّ حرّ شعاعها، تأخّرت، و أكثر من رأيت فيها النّساء اللاتي إن ائتمنّ أفشين و إن سئلن أخفين و إن أعطين لم يشكرن، و رأيت فيها لحيّ بن عمرو يجر قصبه في النار و أشبه من رأيت به معبد بن أكتم» قال معبد: أي رسول اللّه يخشى على من شبهه فإنّه والد، قال: «لا، أنت مؤمن و هو كافر، و هو أوّل من جمع العرب على عبادة الأصنام».

و رواه أيضا عن أبيّ بن كعب [ (3)] رضي اللّه عنهما

.

____________

[ (1)] انظر المجمع 2/ 88 و هو عند الطبراني في الكبير 17/ 315.

[ (2)] أخرجه البخاري 6/ 69 و البيهقي في الكبرى 3/ 341 و انظر ذار المسير لابن الجوزي 2/ 437 و الدر المنثور 2/ 338.

[ (3)] انظر المجمع 2/ 87، 88 و ابن كثير في التفسير 4/ 386.

14

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إحياء الموتى و إبراء المرضى‏

الباب الأول في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إحياء الموتى و سماع كلامهم‏

روى ابن أبي الدنيا و أبو نعيم و البيهقي عن أنس رضي اللّه عنه قال:

كنا في الصّفّة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأتته عجوز عمياء مهاجرة و معها ابن لها قد بلغ فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض فغمّضه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسّله، قال: «يا أنس، ائت أمّه فأعلمها»، قال: فأعلمتها فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم، إنّي أسلمت لك طوعا و خلعت الأوثان زهدا و هاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، و لا تحمّلني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فو اللّه ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه و ألقى الثّوب عن وجهه، و طعم و طعمنا معه، و عاش حتى قبض النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى هلكت أمّه‏

[ (1)] و في لفظ عند البيهقي، قال: عدنا شابّا من الأنصار و عنده أمّ له عجوز، فما برحنا أن فاض يعني مات و مددنا على وجهه الثّوب، و قلنا لأمه: يا هذه، احتسبي مصابك عند اللّه، قالت: أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك، و إلى نبيك رجاء أن تعينني عند كل شدّة، فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم، قال أنس: فو اللّه، ما برحت حتى كشف الثّوب عن وجهه و طعم و طعمنا معه.

و روى أبو نعيم ثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمّاد ثنا أبو برة محمد بن أبي هاشم مولى بني هاشم ثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري عن أبيه ثنا عن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال:

أتى جابر بن عبد اللّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرأى وجهه متغيّرا فرجع إلى امرأته، فقال: قد رأيت وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) متغيّرا و ما أحسب إلا متغيرا من الجوع، فذكر الحديث السابق في باب تكثيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأطعمة و زاد فقال: فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «كلوا و لا تكسروا عظما» ثم جمع العظام في وسط الجفنة فوضع يده عليها ثم تكلّم بكلام لم أسمعه فإذا الشّاة قد قامت تنفض أذنيها، فقال: «خذ شاتك يا جابر بارك اللّه لك»، قال: فأخذتها و مضيت، و إنها لتنازعني أذنها حتى أتيت المنزل فقالت المرأة: ما هذا يا جابر، فقلت: و اللّه، هذه شاتنا التي ذبحناها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا اللّه تعالى فأحياها لنا، فقالت: أشهد أنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

____________

[ (1)] أخرجه البيهقي في الدلائل 6/ 52 و ابن كثير في البداية 6/ 293.

15

و رواه الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر و المعروف بشكر في كتاب العجائب و الغرائب‏

فقال: [...].

و روى أبو نعيم عن ضمرة قال:

كان لرجل غنم و كان له ابن يأتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقدح من لبن إذا حلب ثم إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) افتقده فجاء أبوه، فأخبره أنّ ابنه هلك، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أ تريد أن أدعو اللّه تعالى أن ينشره لك أو تصبر، فيؤخّره لك إلى يوم القيامة فيأتيك فيأخذ بيدك فينطلق بك إلى الجنة، فتدخل من أي أبواب الجنة شئت؟» فقال الرجل: من لي بذلك يا رسول اللّه؟ قال: «هو لك و لكل مؤمن».

و روى البيهقي و صححه عن إسماعيل بن خالد عن أبي سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان ببعض الطريق نفق حماره فقام و توضّأ و صلّى ركعتين، ثم قال: اللهم إنّي جئت مجاهدا في سبيلك، و ابتغاء مرضاتك، و أنا أشهد أنك تحيي الموتى، و تبعث من في القبور لا تجعل لأحد عليّ اليوم منّة، أطلب إليك أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه.

قال البيهقيّ: و مثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة حيث يكون في أمته، ثم رواه هو و ابن أبي الدنيا من وجه آخر عن إسماعيل بن خالد عن الشّعبيّ مثله.

زاد الشّعبيّ: أنا رأيت الحمار يباع في الكناسة، قال البيهقي: فكان إسماعيل بن أبي خالد سمعه منهما ثم رواه هو و ابن أبي الدنيا أيضا عن مسلم بن عبد اللّه بن شريك بن النخعي قال: خرج ابن يزيد رجل من النخع في زمن عمر بن الخطاب غازيا فذكر نحوه، و زاد فقال رجل من رهطه أبياتا منها:

و منّا الّذي أحيا الإله حمارة* * * و قد مات منه كلّ عضو و مفصل‏

و روى الشيخان و البيهقيّ و أبو نعيم عن أبي هريرة، و الشيخان عن أنس، و الإمام أحمد و ابن سعد و أبو نعيم عن ابن عباس، و الدارمي و البيهقي عن جابر بن عبد اللّه، و البيهقي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، و الطبراني عن كعب بن مالك، و ابن سعد عن أبي سلمة، و البزّار و أبو نعيم و الحاكم عن أبي سعيد الخدري‏

أنّ خيبر لما فتحت أهدت يهودية للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شاة مصلية فأخذ الذّراع فلما بسط القوم أيديهم قال: «كفّوا أيديكم، فإن عضوها يخبرني أنها مسمومة» و دعا اليهودية، فقال: «أسممت هذه الشّاة؟» قالت: من أخبرك؟

قال: «هذا العظم لساقها و هو في يده»، قالت: نعم، قال: «فما حملك على هذا؟» قالت: قلت:

إن كان نبيا، فلا يضرّه، و إن اللّه سيطلعه عليه، و إن لم يكن نبيا استرحنا منه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما كان اللّه ليسلطك علي» فعفا عنها و لم يعاقبها [ (1)].

____________

[ (1)] تقدم و انظر الدارمي 1/ 33 و أبو داود 4/ 648 (4510).

16

قصة أخرى.

روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين و أنا جائع، ثم استقبلتني امرأة يهودية على رأسها جفنة فيها جدي مشويّ، فقالت: الحمد للّه يا محمد، الذي سلّمك، كنت نذرت للّه إن سلّمك اللّه و قدمت المدينة سالما لأذبحنّ هذا الجدي فلأشوينّه و لأحملنّه إليك لتأكل منه، فاستنطق اللّه تعالى الجدي، فقال: يا محمد لا تأكلني فإنيّ مسموم.

قصة أخرى.

روى أبو الشيخ و ابن حبان من مرسل عبيد بن مرزوق قال:

كانت امرأة بالمدينة تقمّ المسجد، فماتت، فلم يعلم بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمرّ على قبرها فقال: «ما هذا القبر؟» قالوا له: أمّ محجن قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كانت تقمّ المسجد؟» قالوا: نعم، فصفّ الناس، فصلّى عليها، ثم قال: «أيّ العمل وجدت أفضل» قالوا: يا رسول اللّه، أ تسمع ما تقول؟ قال: «ما أنتم بأسمع منها» فذكر أنها أجابته: قمّ المسجد [ (1)].

ثم قمّ المسجد: تنظيفه مما لا ينبغي أن يكون فيه، و قد تقدم في غزوة بدر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاطب أهل القليب، و قول عمر رضي اللّه عنه يا رسول اللّه كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟

و قول قتادة: أحياهم اللّه تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخا و تصغيرا و حسرة و ندامة.

قصة أخرى.

روى الإمام أحمد عن أبي حميد الساعدي رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

يوم تبوك: «لا يخرجنّ أحد منكم إلّا و معه صاحب له»، ففعل الناس ما أمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) به إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، و خرج الآخر في طلب بعير له، فأمّا الذي خرج لحاجته فإنّه خنق على مذهبه- أي موضعه- ثم دعا له (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشفي،

الحديث و تقدم بتمامه في غزوة تبوك.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.

قمّ المسجد: تنظيفه مما لا ينبغي أن يكون فيه.

____________

[ (1)] أخرجه أحمد 3/ 287 و السيوطي في الدر المنثور 5/ 157، 249.

17

الباب الثاني في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الأعمى و الأرمد و من فقئت عينه‏

روى ابن أبي شيبة و البيهقي و أبو نعيم عن حبيب بن فديك‏

أن أباه خرج به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عيناه مبيضّتان لا يبصر بهما شيئا، فسأله: «ما أصابك؟» فقال: وقعت رجلي على بيضة حية فأصيب بصري، فنفث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عينيه فأبصر فرأيته و هو يدخل الخيط في الإبرة و إنّه لابن ثمانين سنة، و إنّ عينيه لمبيضّتان [ (1)].

و روى الشيخان عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

يوم خيبر: «لأعطينّ «هذه» الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه»، فلما أصبح، قال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» قالوا: يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فبصق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عينيه و دعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع [ (2)].

و روى الطبراني عن عليّ رضي اللّه عنه قال:

بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى خيبر، فقلت:

إنّي رمد فتفل في عينيّ فما وجدتّ حرّا و لا بردا و لا رمدت عيناي.

و روى أبو يعلى و البيهقيّ من طريق عاصم بن عمرو بن أبي سعيد الخدريّ عن قتادة، و البيهقي و ابن سعد عن زيد بن أسلم، و أبو نعيم عن أبي سعيد الخدريّ عن قتادة بن النعمان، و كان أخوه لأمّه و أبو ذر الهرويّ‏

أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد، فسالت حدقته على و جنته، فأرادوا أن يقطعوها، فقالوا: حتى تستأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستأمروه، فقال: «لا»، فدعي به فرفع حدقته ثم غمزها براحته، و قال: «اللهم اكسبه جمالا، و بزق فيها»، فكانت أصحّ عينيه و أحسنها [ (3)].

و في لفظ: فكان لا يدري أيّ عينيه أصيبت.

قال عمر بن عبد العزيز: كنّا نتحدث أنها تعلّقت بعرق فردها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال السّهيلي:

و كانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى.

و روي أن رجلا من ولد قتادة وفد إلى عمر بن عبد العزيز فلما قدم عليه، قال: ممن الرجل؟ فقال:

أنا ابن الّذي سألت على الخدّ عينه‏* * * فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ

____________

[ (1)] البداية و النهاية 6/ 334.

[ (2)] تقدم.

[ (3)] أخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 252.

18

فعادت كما كانت لأوّل أمرها* * * فيا حسنها عينا و يا حسن ماجد

فقال عمر بن عبد العزيز:

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

و وصله و أحسن جائزته.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

في بعض طرق القصة: أن ذلك كان في بدر، و في بعضها في أحد، و بعضها في وقعة الخندق، و في بعضها أن عينيه أصيبتا معا، و صحح ابن الأثير القول بسقوط إحدى عينيه.

روى الحاكم و البيهقيّ و أبو نعيم بسند جيد عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: رميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني، فبصق فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دعا لي فما آذاني منها شي‏ء.

و روى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيدة عن جدّه قال: أصيبت عين أبي ذرّ يوم أحد، فبزق فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكانت أصحّ عينيه.

19

الباب الثالث في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الأبكم و الرتة و اللقوة

روى البيهقي عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه‏

أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءته امرأة بصبيّ قد شبّ فقالت: يا رسول اللّه إنّ ابني هذا لم يتكلّم منذ ولد، فقال: «من أنا؟» قال: أنت رسول اللّه.

و روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي ثنا معرض بن عبد اللّه بن معرض بن معيقيب اليمامي عن أبيه عن جده قال:

حججت حجّة الوداع، فدخلت دارا بمكة، فرأيت فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رأيت منه عجبا جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من أنا؟» قال: أنت رسول اللّه، قال: «صدقت، بارك اللّه فيك»، ثم إنّ الغلام لم يتكلّم بعد ذلك حتى شبّ فكنّا نسمّيه مبارك اليمامة [ (1)].

قال الحافظ بن كثير: و هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد بن يونس بسببه، و أنكروه عليه و استغربوا شيخه، و ليس هذا مما ينكر عقلا بل و لا شرعا، على أنه قد ورد هذا الحديث من غير طريق محمد بن يونس، فرواه البيهقي من طريق أبي الحسين محمد أحمد بن جميع.

حدثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد اللّه بن الفضل حدثنا أبي حدثنا جدّي شاصونة بن عبيد قال حدثنا معرض بن عبد اللّه بن معيقيب عن أبيه عن جدّه، قال:

حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد و قد لفه في خرقة فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا غلام من أنا؟» قال: أنت رسول اللّه، فقال له: «بارك اللّه فيك» ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها.

و روى الحاكم عن أبي عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت إلى حرة فسألت عن هذا الحديث فوجدتّه و دخلت إلى قبره فزرته.

و روى الإمام إسحاق بن إبراهيم الرملي في فوائده عن بشير بن عقربة الجهنيّ قال:

أتى عقربة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «من هذا معك، يا عقربة؟» قال: ابني بحير قال: «ادن» فدنوت حتى قعدتّ عن يمينه، فمسح على رأسي بيده، فقال: «ما اسمك؟» قلت: بحير يا رسول اللّه، قال: «لا، و لكن اسمك بشير» و كانت في لساني عقدة فنفث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في فيّ فانحلّت من لساني و أبيض كل شي‏ء من رأسي ما خلا ما وضع يده عليه فكان أسود [ (2)].

____________

[ (1)] و الخطيب في التاريخ 3/ 443 و انظر الشفاء 1/ 613.

[ (2)] انظر المجمع 8/ 54.

20

بحير: بفتح أوله و كسر المهملة كما وجد بخط الحافظ السلفي.

روى ابن سعد عن عكرمة و الزّهريّ و عاصم بن عمرو بن قتادة مرسلا أنّ مخوس بن معدي كرب، قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يذهب عني الرّتة، فدعا له، فذهبت.

و روي أيضا عن ابن أبي عبيد من ولد عمّار بن ياسر، قال:

وفد مخوس بن معدي كرب فيمن معه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم خرجوا من عنده، فأصابت مخوسا اللقوة، فرجع منهم نفر، فقالوا: يا رسول اللّه، سيّد العرب ضربته اللّقوة، فادللنا على دوائه، فقال رسول اللّه:

«خذوا بخيط فاحموه في النار ثم اقلبوا شفرة عينه ففيها شفاؤه و إليها مصيره» فصنعوه به فبرأ [ (1)].

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الرّتة: العجمة في اللسان و هي اللثغة و التردد في النطق.

اللقوة: داء يعرض للوجه يعوج منه الشدق.

____________

[ (1)] ابن سعد 1/ 2/ 80.

21

الباب الرابع في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء القرحة و السلعة و الحرارة

روى البيهقي عن محمد بن إبراهيم‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتي برجل في رجله قرحة قد أعيت الأطبّاء فوضع أصبعه على ريقه، ثم رفع طرف الخنصر فوضعها على التّراب ثم رفعها، فوضعها على القرحة، ثم قال: «باسمك اللهم ريق بعضنا بتربة أرضنا ليشفى سقيمنا بإذن ربّنا» [ (1)].

و روى البخاري في التاريخ و الطبراني و البيهقي عن شرحبيل الجحفيّ قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بكفّي سلعة فقلت: يا رسول اللّه هذه السلعة قد آذتني و تحول بيني و بين قائم السّيف أن أقبض عليه، و عنان الدّابّة فنفث في كفّي و وضع كفّه على السلعة، فما زال يطحنها بكفّه حتى رفعها [ (2)] عنها، و ما أرى أثرها.

و روى البيهقي عن الواقديّ و ابن سعد عن الوليد بن عبد اللّه الجحفيّ عن أبيه عن أشياخهم، قالوا: إنّ أبا سبرة قال: يا رسول اللّه، إنّ بظهر كفّي سلعة، قد منعتني من خطام راحلتي، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقدح فجعل يضرب به على السّلعة يمسحها فذهبت.

السّلعة: بفتح السين المهملة: الغدّة تكون في العنق.

يصرخ [ (3)].

و روى الطبراني برجال ثقات و أبو نعيم و البيهقي و أبو داود و التّرمذي و النّسائي في الكبرى و ابن ماجة و ابن حبّان عن أبيض بن حمّال أنه كان بوجهه جدرة، و في لفظ حذارة و هي و قد التقمت وجهه.

و في لفظ: التقمت أنفه فدعاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسح وجهه فلم يمس من ذلك اليوم منها أثر.

و روى أبو نعيم [ (4)] و الواقدي عن عروة

أن ملاعب الأسنة أرسل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يستشفيه من وجع كان به الدّبيلة، فتناول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مدرة من الأرض، فتفل فيها ثم ناولها لرسوله، فقال: «دفها بماء ثم اسقها إياه»، ففعل فبرأ،

و يقال: إنّه بعث إليه بعكّة عسل فلم يزل يلعقها حتى برأ.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الدبيلة: خراج و دمّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبا.

____________

[ (1)] البيهقي في الدلائل 6/ 170.

[ (2)] في حرضها.

[ (3)] ما بين القوسين سقط.

[ (4)] ما بين القوسين سقط في ح.

22

الباب الخامس في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الحرق‏

روى البخاري في التاريخ و النّسائي و الطيالسي و ابن أبي شيبة و مسدّد و أبو يعلى و ابن حبّان و الحاكم و البيهقي عن محمد بن حاطب عن أمّه أمّ جميل، قالت:

أقبلت بك من أرض الحبشة حتى إذا كنت من المدينة بليلة طبخت طبيخا، ففني الحطب، فخرجت أطلب الحطب، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجعل يتفل على يدك و هو يقول: «أذهب البأس ربّ النّاس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك [ (1)].

الباب السادس في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء وجع الضرس و الرأس‏

روى البيهقي عن يزيد بن ذكوان أنّ عبد اللّه بن رواحة قال:

يا رسول اللّه، أشتكي ضرس آذاني و اشتدّ عليّ فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده على الخدّ الذي فيه الوجع فقال: «اللّهم أذهب عنه سوء ما يجد و فحشه بدعوة نبيك المبارك المكين عندك» سبع مرات. فشفاه اللّه تعالى قبل أن يبرح [ (2)].

و روى البيهقي عن أسماء بنت أبي بكر

أنّها أصابها ورم في رأسها و وجهها، فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده على رأسها و وجهها من فوق الثّياب، فقال: «باسم اللّه، أذهب عنها سوءه و فحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك»، ففعل ذلك ثلاث مرات، فذهب الورم.

و روى البيهقي أن رجلا من ليث يقال له فراس بن عمرو أصابه صداع شديد، فذهب به أبوه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجلدة ما بين عينيه فجذبها فنبتت في موضع أصابع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من جبينه شعرة فذهب عنه الصّداع فلم يصدّع.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في التاريخ 1/ 17 و ابن حبان و ذكره الهيثمي في الموارد (1415، 1416، 1417) و الطيالسي في المنحة (1767) و البيهقي في الدلائل 6/ 174، 175 و الحاكم 4/ 62.

[ (2)] جمع الجوامع 2/ 718.

23

الباب السابع في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الجراحة و الكسر

روى أبو القاسم البغويّ و الطبراني عن عبد اللّه بن أنيس قال: ضرب المستنير بن رزام اليهودي وجهي فشجّني منقلة أو مأمومة، فأتيت بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكشف عنها و نفث فيها فما آذاني منها شي‏ء.

و رواه أبو نعيم و البيهقي عن عروة و ابن شهاب و زاد فلم يعم و لم تؤذه حتى مات.

و روى ابن أبي السّكن و أبو نعيم عن معاوية بن الحكم، قال: كنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأنزى أخي علي بن الحكم فرسه خندقا فقصر الفرس فدق جدار الخندق ساقه، فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على فرسه، فمسح ساقه فما نزل عنها حتى برأت.

و رواه ابن القاسم البغوي بلفظ:

فأصاب رجل أخي عليّ بن الحكم جدار الخندق فدقتها فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسحها و قال: «باسم اللّه» فما آذاه منها شي‏ء.

و روى البخاري عن البراء بن عبد اللّه بن عتيكة:

لمّا قتل أبو رافع و نزل من درجة بيته سقط إلى الأرض فانكسرت ساقه، قال: فحدثت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ابسط رجلك»، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشكها قطّ [ (1)].

و روى الإمام أحمد و عبيد بن حميد عن أبي أزهر قال:

إن خالد بن الوليد أثقل بالجراحة يوم حنين فرأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أن هزم اللّه الكفّار و رجع المسلمون إلى رحالهم يمشي، يقول: «من يدلّ على رحل خالد بن الوليد»، قال: فمشيت أو قال: سعيت بين يديه، و أنا محتلم أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد، حتى دللنا على رحله، فإذا بخالد بن الوليد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنظر إلى جرحه فنفث فيه فبرأ [ (2)].

و روى البيهقي عن عبد اللّه بن الحارث بن أوس أن الحارث بن أوس أصابه في قتل كعب بن الأشرف بعض أسيافهم فجرح في رأسه و في رجله فاحتملوه فجاؤوا به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتفل على جرحه فلم يؤذه.

و روى ابن وهب فيما ذكره السّهيلي أنّ أبا جهل قطع يوم بدر يدع معوّذ بن عفراء فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحمل يده فبصق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها و ألصقها فلصقت.

و روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، يعني ابن‏

____________

[ (1)] البيهقي في الدلائل 4/ 38.

[ (2)] أخرجه أحمد (4/ 88، 351) و الحميدي (897) و البيهقي في الدلائل 5/ 140.

24

الأكوع، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس:

أصيب سلمة، فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة [ (1)].

و ذكر القاضي أن كلثوم بن حصين رمي يوم أحد في نحره فبصق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه فبرأ.

و روى البيهقي عن حبيب بن يساف قال: شهدت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مشهدا فأصابتني ضربة على عاتقي فتعلّقت يدي فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتفل فيها و ألزقها فالتأمت و برأت و قتلت الذي ضربني.

و روى أبو نعيم و البيهقي عن عروة و ابن شهاب قالا: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثين رجلا فأقبل المستنير بن رزام اليهودي فضرب المستنير وجه عبد اللّه بن أنيس فشجّه مأمومة، فقدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبصق في شجّته، فلم يؤذه حتى مات.

و روى الحاكم و أبو نعيم و ابن عساكر عن عائذ بن عمرو رضى اللّه عنه قال: أصابتني رمية يوم حنين في وجهي فسال الدم على وجهي و صدري فتناول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الدم بيده عن وجهي و صدري إلى ثندوتي ثم دعا لي قال: جئت مع والد عبد اللّه فرأيت أثر يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى منتهى ما مسح صدره فإذا غرّة سائلة كغرّة الفرس.

و روى عبد الرزاق و ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أزهر رضي اللّه عنه قال:

كان خالد بن الوليد خرج يوم حنين، و كان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلقد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ما هزم اللّه الكفّار و رجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين، و يقول: «من يدلّني على رحل خالد بن الوليد»

فسعيت بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنا غلام محتلم أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد، حتى دللنا عليه فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنظر إلى جرحه فتفل فيه.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الشّجة: [...].

منفكّة: الشجة التي تخرج منها كسر العظام.

مأمومة: الشجة التي تصيب أم الرأس.

النّفث: شبيه بالنفخ و هو أقلّ من التّفل.

____________

[ (1)] البخاري 7/ 475 (4206).

25

الباب الثامن في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إذهاب التعب و حصول القوة في الرمي‏

روى الإمام أحمد و ابن سعد و البيهقي عن سفينة أنه قيل له ما اسمك؟ قال:

سمّاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سفينة قيل: و لم؟ قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه أصحابه فثقل عليهم متاعهم فحملوه على ظهري، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «احمل، فإنما أنت سفينة»، فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليّ [ (1)].

و روى البيهقي عن سلمة بن الأكوع أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرّ على الناس ينتضلون فقال:

«ما أحسن هذا اللّهو! ارموا و أنا معكم جميعا»، فلقد رموا عامّة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السّواء ما نضل بعضهم بعضا [ (2)].

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

وقر بعير: الوقر الحمل الثقيل.

ينتضلون: يرتمون بالسّهام للسبق.

الباب التاسع في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إذهاب النسيان و حصول العلم و الفهم و إذهاب البذاء و حصول الحياء

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: حدثنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما فقال:

«من يبسط ثوبه حتى أفرغ فيه من حديثي ثم يقبضه إليه؟» فبسطت ثوبي ثم حدّثنا فقبضته إليّ، فو اللّه ما نسيت شيئا سمعته منه [ (3)].

و روى الحارث عن عثمان بن أبي العاص رضي اللّه عنه قال:

كنت أنسى القرآن، فقلت: يا رسول اللّه، إنّي أنسى القرآن، فضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في صدري ثم قال: «اخرج، يا شيطان، من صدر عثمان»، فما نسيت شيئا بعد أريد حفظه [ (4)].

و روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

قلت: يا رسول اللّه، إني أسمع منك حديثا

____________

[ (1)] أحمد 5/ 221 أخرجه الطبراني في الكبير 7/ 97 و أبو نعيم في الحلية 1/ 369 و الحاكم 3/ 606.

[ (2)] أخرجه البيهقي 10/ 17.

[ (3)] البخاري 9/ 133 أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (159) و أحمد 2/ 274 و البيهقي في الدلائل 6/ 201.

[ (4)] أخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 308.

26

كثيرا فأنساه، قال: «ابسط رداءك»، فبسطت، فغرف بيده فيه، ثم قال: «ضمّه» فضممته فما نسيت حديثا بعده [ (1)].

و روى البيهقي و الحاكم و صححه عن عليّ رضي اللّه عنه قال:

بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللّه، تبعثني، و أنا شابّ أقضي بينهم، و لا أدري ما القضاء؟ فضرب بيده في صدري و قال: «اللهم اهد قلبه، و ثبّت لسانه» فو الذي فلق الحبّة، ما شككت في قضاء بين اثنين [ (2)].

و روى الطبراني عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال: كانت امرأة ترافث الرجال، و كانت بذيئة فمرّت بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يأكل ثريدا فطلبت منه فناولها، فقالت: أطعمني مما في فيك، فأعطاها، فأكلت، فعلاها الحياء، فلم ترافث أحدا حتى ماتت.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الرفث: التصريح بالكلام القبيح.

الحياء [...].

الباب العاشر في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الجنون‏

روى أبو نعيم عن الوازع أنه انطلق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بابن له مجنون، فمسح وجهه و دعا له فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعقل منه.

و روى الشيخان عن جابر رضي اللّه عنه قال: عادني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بني سلمة، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فرشّ منه عليّ فأفقت.

و روى الدّارمي و الطبرانيّ عن ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها، فقالت: يا رسول اللّه، إن بابني هذا جنونا، و إنّه يأخذه عند غدائنا و عشائنا فيفسد علينا، فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدره و دعا له، فثغّ ثغّة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي [ (3)].

و روى البيهقي بسند جيّد عن محمد بن سيرين مرسلا

أنّ امرأة جاءت بابن لها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: هذا ابني، و قد أتى عليه كذا و كذا، و هو كما ترى، فادع اللّه تعالى أن‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 1/ 41، 4/ 253 و الترمذي (3835) و ابن سعد 2/ 2/ 118، 4/ 2/ 56.

[ (2)] أخرجه ابن ماجة (2310) و ابن أبي شيبة 10/ 176 و ابن سعد 2/ 2/ 100 و البيهقي في الدلائل 5/ 397 و الخطيب في التاريخ 12/ 444 و انظر نصب الراية 4/ 61.

[ (3)] أخرجه أحمد 1/ 254، 268 و الدارمي 1/ 11- 12.

27

يميته، قال: «أدعو اللّه تعالى أن يشفيه و يشب و يكون رجلا صالحا فيقاتل في سبيل اللّه، فيقتل فيدخل الجنة»، فدعا اللّه تعالى فشفاه اللّه تعالى، و شبّ و كان رجلا صالحا فقاتل في سبيل اللّه فقتل [ (1)].

و روى البزّار بسند حسن عن الوازع‏

أنه وفد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكر الحديث و فيه:

فقال الوازع: يا نبي اللّه، بأبي أنت و أمّي جئت بابن أخ لي مصابا لتدعو اللّه تعالى له و هو في الرّكاب قال: «فائت به»، فأتيته فجئت به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ينظر نظر المجنون، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اجعل ظهره من قبلي»، فأقمته فجعلت ظهره من قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وجهه من قبلي، فأخذه ثم جرّه بجامع ثيابه، فرفع يده حتى رأيت بياض إبطه، ثم ضرب بيديه ظهره، و قال: «اخرج عدوّ اللّه»، فالتفت، و هو ينظر نظر الصحيح، فأقعده بين يديه، و دعا له و مسح وجهه، و قال: فلم تزل تلك المسحة في وجهه، و هو شيخ كبير، و كان وجهه وجها عذرا شبابا و ما كان في القوم رجل يفضل عليه بعد دعوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و رواه الإمام أحمد و الطبراني بلفظ:

قدمنا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ركب و معنا رجل مصاب، فقلت: يا رسول اللّه، إنّ معي رجلا مصابا، فادع اللّه له، فقال: «ائتني به»، فأتيته به، فأخذ طائفة من ردائه فرفعها حتى رأيت بياض إبطه، ثم ضرب ظهره و قال: «اخرج عدوّ اللّه»، فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأوّل، ثم أقعده بين يديه فدعا له و مسح وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يفضل عليه [ (2)].

و روى الحاكم عن أبيّ بن كعب، قال:

كنت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاء أعرابيّ فقال: يا نبيّ اللّه، إن لي أخا أصابه وجع، قال: «و ما وجعه؟» قال: به لمم. قال: «فأتني به» فأتاه به فوضعه بين يديه [فعوذه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بفاتحة الكتاب، و أربع آيات من آخر سورة البقرة و هاتين الآيتين:

وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‏

[البقرة 163]، و آية الكرسي و آية من آل عمران:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...

[آل عمران 18] و آية من الأعراف:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏

[الأعراف 54] و آخر سورة المؤمنين:

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ‏

[المؤمنون 116]، و آية من سورة الجن:

وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً

[الجن 3]، و عشر آيات من أول الصافات و ثلاث آيات من آخر سورة الحشر و قل هو اللّه أحد و المعوذتين فقام الرجل كأنه لم يشك شيئا قط].

و روى أبو نعيم و ابن عساكر عن غيلان بن سلمة الثقفيّ، قال:

خرجنا مع‏

____________

[ (1)] أخرجه البيهقي في الدلائل 6/ 182.

[ (2)] انظر المجمع 8/ 6 و الدلائل للبيهقي 6/ 21، 22.

28

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنزلنا منزلا، فأقبلت امرأة بابن لها، فقالت: يا نبيّ اللّه ما كان في الحيّ غلام أحبّ إليّ من ابني هذا، فأصابته الموتة، فأنا أتمنّى موته، فادع اللّه له، فأدنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغلام منه، ثم قال: «باسم اللّه، أنا رسول اللّه، اخرج عدوّ اللّه»، ثلاثا، ثم قال: «اذهبي بابنك لن تري بأسا إن شاء اللّه»، ثم رجعنا، فجاءت أمّ الغلام، فقالت: و الذي بعثك بالحقّ ما زال من أعقل غلمان الحيّ.

و روى أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنّ امرأة جاءت بولدها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابني هذا به جنون، و إنّه يأخذه عند غدائنا و عشائنا فيفسد علينا قال: فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدره و دعا له فثغّ ثغّة فخرج من فيه. و في لفظ: من منخره مثل الجرو الأسود فشفي.

و روى الإمام أحمد و ابن أبي شيبة و أبو نعيم عن أمّ جندب قالت:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما انصرف من جمرة العقبة جاءته امرأة و معها ابن لها به مسّ قالت: يا نبي اللّه، هذا به بلاء لا يتكلم، فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاءت بتور من حجارة فيه ماء فأخذه فمجّ فيه، و دعا فيه و أعاده فيه ثم أمرها، فقال: «اسقيه و اغسليه فيه» قال: فتبعتها، فقلت: صبّي لي من هذا الماء، قالت: خذي منه، فأخذت منه جفنة فسقيته ابني عبد اللّه فعاش فكان من برّه ما شاء اللّه أن يكون، و لقيت المرأة فزعمت أن ابنها برئ و عقل عقلا ليس كعقول الناس [ (1)].

و روى إسحاق بن راهويه و ابن أبي شيبة عن جابر رضي اللّه عنه‏

أنه خرج مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر، فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معها صبيّ تحمله، فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابني هذا يأخذه الشيطان كلّ يوم ثلاث مرات لا يدعه فوقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتناوله فجعله بينه و بين مقدّمة الرجل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اخسأ عدوّ اللّه أنا رسول اللّه» ثلاثا ثم ناولها إيّاه فلما رجعنا عرضت لنا المرأة كبشان تقودهما، و الصّبيّ تحمله فقالت: يا رسول اللّه، اقبل منّي هذين، فو الذي بعثك بالحقّ، ما عاد إليه بعد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خذوا أحدهما» [ (2)].

و روى الإمام أحمد و ابن سعد و الحاكم و صححه عن يعلى بن مرّة قال:

سافرت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مكة فرأيت منه شيئا عجبا فذكر الحديث، و فيه: فأتته امرأة فقالت: يا نبيّ اللّه إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه في كل يوم مرتين فقال: «أدنيه»، فتفل في فيه و قال: «اخرج عدوّ اللّه، أنا رسول اللّه»، ثم قال لها: «إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع» فلما

____________

[ (1)] البيهقي في الدلائل 5/ 444.

[ (2)] أخرجه الدارمي 1/ 10 و ابن عبد البر في التمهيد 1/ 223.

29

رجعنا استقبلتنا، فقالت: و الذي أكرمك ما رأينا به شيئا منذ فارقتنا [ (1)].

و رواه إبراهيم الحربيّ بلفظ، قال: كنت مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر فتلقّته امرأة، معها صبيّ قد عرض به جنون ففتح فاه، فبزق فيه فبرأ.

و عن طاوس مرسلا قال: لم يؤت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأحد به مسّ، فصكّ في صدره إلّا ذهب.

و رواه الحافظ إبراهيم الحربيّ في غريبه و قال: المسّ: الجنون.

و روى أبو يعلى و أبو نعيم بسند جيد عن أسامة بن زيد قال:

خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الحجّة التي حجّها حتى إذا كان ببطن الروحاء نظر إلى امرأة تؤمّه، فحبس راحلته فلما دنت منه، قالت: يا رسول اللّه، هذا ابني ما أفاق من يوم ولادته إلى يومي هذا، فأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوضعه فيما بين صدره و واسطة الرّحل ثم تفل فيه و قال: «اخرج يا عدوّ اللّه»، فأتى رسول اللّه ثم ناولها إيّاه، و قال: «خذيه، فلا بأس به»، قال أسامة: فلما قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجته و انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء، أتت تلك المرأة بشاة، قد شوتها فقالت: أنا أمّ الصّبيّ، قال: «و كيف هو؟» قالت: ما رأيت منه شي‏ء بعد، قال: «خذ منها الشّاة» [ (2)].

و الأحاديث في ذلك كثيرة و فيما ذكر كفاية.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

بطن الروحاء: الروحاء من الفرع، على نحو أربعين ميلا من المدينة و في صحيح مسلم على ستة و ثلاثين ميلا.

____________

[ (1)] الدلائل للبيهقي 6/ 61.

[ (2)] البيهقي في الدلائل 6/ 25.

30

الباب الحادي عشر في إبراء أمراض شتى‏

روى أبو نعيم و البيهقي عن رفاعة بن رافع قال: أخذت شحمة فازدردتها، فاشتكيت منها سنة ثم إنّي ذكرت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسح بطني فألقيتها خضراء، فو الذي بعثه بالحق، ما اشتكيت بطني حتى الساعة، و رواه الطبراني برجال وثّقوا إلا أبا أميّة الأنصاري فسمّوا رجاله عن رافع بن خديج.

و روى الطبراني عن جرهد بن خويلد

أنّه أكل بيده الشّمال، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«كل باليمين»، فقال: إنّها مصابة، فنفث فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فما اشتكى حتى مات [ (1)].

و روى الحاكم و صححه عن عليّ قال:

أتى عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا شاك، فقال:

«اللّهم اشفه» أو قال: «عافه»، فما اشتكيت وجعي ذلك بعد [ (2)].

و روى الشيخان عن جابر قال: عادني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر في بني سلمة فوجدني لا أعقل فدعا بماء فتوضّأ فرشّ منه عليّ فأفقت.

____________

[ (1)] الطبراني في الكبير 2/ 306 و انظر الكنز (35373).

[ (2)] أخرجه الحاكم 2/ 620 و أحمد 1/ 84، 128 و البيهقي في الدلائل 6/ 179 و أبو نعيم في الدلائل (161).

31

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أثر يده الشريفة و ريقه الطيب غير ما تقدم‏

الباب الأول في بركة يده (صلّى اللّه عليه و سلّم) في شاة أبي قرصافة

روى الطبراني برجال ثقات عن أبي قرصافة رضي اللّه تعالى عنه قال:

كان بدء إسلامي أنّي كنت يتيما بين أمّي و خالتي و كان أكثر يلي لخالتي، و كنت أرعى شويهات لي و كانت خالتي كثيرا ما تقول لي: يا بني، لا تمرّ على هذا الرجل فيغويك و يضلّك فكنت أخرج حتى آتي المرعى، و أترك شويهاتي و آتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا أزال أسمع منه ثم أروح غنمي ضمرا يابسات الضّروع فقالت لي خالتي: ما لغنمك يابسات الضّروع؟ قلت: لا أدري، ثم عدتّ إليه اليوم الثاني، ففعل كما فعل اليوم الأول، ثم إنّي رحت بغنمي كما رحت في اليوم الأول، ثم عدتّ إليه في اليوم الثالث، فلم أزل عنده أسمع منه حتى أسلمت و بايعته و صافحته، و شكوت إليه أمر خالتي، و أمر غنمي، فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «جئني بالشّياة» فجئته بهنّ، فمسح ظهورهنّ و ضروعهنّ و دعا فيهنّ بالبركة، فامتلأت لحما و لبنا، فلما دخلت على خالتي بهنّ قالت: يا بنيّ هكذا فارع، قلت: يا خالة، ما رعيت إلّا حيث أرعى كل يوم و لكن أخبرك بقصّتي، و أخبرتها بالقصّة، و إتياني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخبرتها بسيرته و بكلامه، فقالت أمي و خالتي: اذهب بنا إليه فذهبت أنا و أمي و خالتي فأسلمنا، و بايعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صافحهن [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه الطبراني في الكبير 3/ 1 و أبو نعيم في الدلائل 162 و انظر الكنز (37578).

32

الباب الثاني في بركة يده الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نبات الشعر و الشعر الذي لم ينبت‏

روى البيهقي عن أبي الطّفيل أنّ رجلا ولد له غلام على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأتى به فدعا له بالبركة، و أخذ بجبهته، فنبت شعره في جبهته كأنها هلبة فرس، فشبّ الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فأخذه أبوه فأوثقه و حبسه، فسقطت تلك الشّعرة فشق عليه سقوطها، فقيل له: هذا مما هممت به، ألم تر بركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وقعت، فلم نزل به حتى تاب، فرد اللّه تعالى عليه الشعرة بعد في وجهه، قال أبو الفضل: فرأيتها بعد ما نبتت قد سقطت ثم رأيتها قد نبتت.

قال الحافظ محمد بن سعد في طبقاته الهلب بن يزيد بن عديّ وفد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو أقرع فنبت شعره فسمي الهلب [ (1)].

و روى الطبراني بسند جيد عن أبي عطية البكريّ، قال: انطلق بي أهلي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا شابّ فمسح رأسي، قال: فرأيت أبا عطية أسود الرأس و اللّحية و كانت قد أتت عليه مائة سنة [ (2)].

و روى الطبراني بسند حسن عن عبد اللّه بن هلال الأنصاري قال: ذهب بي أبي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللّه ادع اللّه له فما أنسى. وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده على رأسي حتى وجدت بردها فدعا لي، و بارك عليّ، فرأيته أبيض الرأس و اللّحية ما يستطيع أن يفرق رأسه من الكبر، و كان يصوم النهار و يقوم الليل [ (3)].

و روى البغويّ في معجمه و البيهقيّ عن أبي الوضّاح بن سلمة الجهني عن أبيه عن عمرو بن تغلب، و الطبراني عن عمرو بن ثعلبة الجهنيّ رضي اللّه عنه قال: لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالسالة فأسلمت فمسح رأسي، قال الراوي: فأتت على عمرو مائة سنة، و ما شاب موضع يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رأسه.

و روى ابن سعد و البيهقي و الطبراني في الثلاثة إلا أنه قال في الكبير: كان وسط رأس السائب أسود، و بقيته أبيض، و ذكر الحديث عن عطاء مولى السّائب بن يزيد (رحمه اللّه تعالى)

____________

[ (1)] انظر الطبقات (6/ 106).

[ (2)] انظر المجمع (9/ 401).

[ (3)] انظر المجمع (9/ 402).

33

قال: رأيت السّائب لحيته بيضاء، و رأسه أسود فقلت: يا مولاي، ما لرأسك لا تبيضّ؟ فقال: لا تبيض رأسي أبدا!، و ذلك‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مضى و أنا غلام ألعب مع الغلمان، فسلّم عليهم و أنا فيهم، فرددتّ (عليه السلام)، من بين الغلمان، فدعاني، فقال: «ما اسمك؟» فقلت: السائب بن يزيد بن أخت النمر فوضع يده على رأسي، و قال: «بارك اللّه فيك»، فلا يبيض موضع يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

[ (1)].

و روى البخاري في التاريخ و ابن سعد و البيهقي عن آمنة بنت أبي الشّعثاء و قطبة كلاهما عن مدلوك أبي سفيان قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع موالي فأسلمت فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده على رأسي قال: فرأينا مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رأسه أسود و قد شاب ما سوى ذلك.

و روى البخاري في تاريخه و البيهقي عن يونس بن محمد بن أنس الظفري عن أبيه قال:

قدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة و أنا ابن أسبوعين، فأتي بي فمسح رأسي، و دعا لي بالبركة و حج حجة الوداع، و أنا ابن عشرين سنة.

قال يونس: و لقد عمّر أبي حتى شاب كلّ شي‏ء منه، و ما شاب موضع يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رأسه، و لا من لحيته.

و روى الزّبير بن بكّار عن محمد عبد الرحمن بن سعد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسح رأس عبادة بن سعد بن عثمان الزرقي، و دعا له، فمات و هو ابن ثمانين سنة، و ما شاب.

و روى ابن عساكر و إسحاق بن إبراهيم الرملي و أبو يعلى في فوائده عن بشير بن عقربة الجهنيّ أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسح رأسه، فكان أثر يده من رأسه أسود، و سائره أبيض.

و روى التّرمذي و حسّنه و البيهقي و صححه عن أبي زيد الأنصاري قال:

مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده على رأسي و قال: «اللهم جمّله و أدم جماله» قال: فبلغ بضعا و مائة سنة و ما في لحيته بياض، و لقد كان منبسط الوجه، و لم ينقبض وجهه حتى مات [ (2)].

و روى البيهقي عن أنس أن يهوديّا أخذ من لحية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

«اللهم جمّله» فاسودّت لحيته بعد ما كانت بيضاء [ (3)].

و قال عبد الرزّاق: أنبأنا معمر عن قتادة، قال:

حلب يهوديّ للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناقة، فقال:

____________

[ (1)] انظر المجمع 2/ 181، 5/ 32، 106، 7/ 194، 8/ 32، 47، 50.

[ (2)] أخرجه أحمد 5/ 77، 340 و عبد الرزاق (19462) و ابن حبان ذكره الهيثمي (2273) و البيهقي في الدلائل 6/ 210 و ما بعدها.

[ (3)] انظر الدلائل المصدر السابق.

34

«اللهم جمّله» فاسود شعره، حتى صار أشد سوادا من كذا و كذا، قال معمر: و سمعت قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم يشب [ (1)].

و روى الإمام أحمد عن الذيال بن عبيد أنه سمع جدّه حنظلة بن جذيم بن حنيفة التميمي‏

أن أباه قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللّه، إن لي بنين ذوي لحى و إن هذا أصغرهم، فادع اللّه له، فمسح رأسه، و قال: «بارك اللّه فيك» أو قال: «بورك فيك»، قال الذيال:

(فلقد رأيت حنظلة) يؤتى بالإنسان الوارم وجهه فيتفل على يديه و يقول: باسم اللّه، و يضع يده على رأسه موضع كفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم يمسح موضع الورم، فيذهب الورم [ (2)].

رواه الإمام أحمد و ابن سعد و الحسن و يعقوب بن سفيان و أبو يعلى و صححه و الضياء في المختارة عن حنظلة برجال ثقات‏

.

____________

[ (1)] المصنف (19462).

[ (2)] البيهقي في الدلائل 6/ 214.

35

الباب الثالث في بركة يده الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسحه وجه بعض أصحابه‏

روى ابن سعد و ابن شاهين و عبد اللّه بن عامر البكائيّ عن أبيه، و البخاري في تاريخه، و أبو نعيم و أبو القاسم البغويّ في معجمه من طريق الجعد عن صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جده بشر بن معاوية بن ثور أنه وفد من بني البكاء على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة نفر، معاوية بن ثور، و ابنه بشر، و الفجيع بن عبد اللّه، و معهم عبد عمرو البكائي فقال معاوية: يا رسول اللّه، إني أتبرّك بمسّك فامسح وجه ابني بشر، فمسح وجهه، و دعا له، فكانت في وجهه مسحة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كالغرّة، و كان لا يمسح شيئا إلا برأ و أعطاه أعنزا عفرا قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء و لا تصيبهم.

قال محمد بن بشر بن معاوية:

و أبي الّذي مسح الرّسول برأسه‏* * * و دعا له بالخير و البركات‏

أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا* * * عفرا نواجل ليس باللّجبات‏

يملأن وفد الحيّ كلّ عشيّة* * * و يعود ذاك المل‏ء بالغدوات‏

بورك في منح و بورك مانحا* * * و عليه منّي ما حييت صلاتي‏

و روى ابن سعد عن محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع و هم عشرة نفر منهم سواء بن الحارث، و ابنه خزيمة، فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجه خزيمة، فصارت له غرّة بيضاء، و روى ابن شاهين عن خزيمة بن عاصم البكائي أنه قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجهه فما زال جديدا حتى مات.

و روى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي العلاء بن عمير قال: كنت عند قتادة بن ملحان حيث حضر فمر رجل من أقصى الدّار فأبصرته في وجه قتادة، قال: و كنت إذا رأيته كأن على وجهه الدّهان، كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمسح وجهه [ (1)].

و روى الطبراني عن عائذ بن عمرو رضي اللّه عنه قال: أصابتني رمية- و أنا أقاتل بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم خيبر- في وجهي، فلمّا سالت الدّماء على وجهي و جبيني و صدري، فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده فسلت الدّم عن وجهي و صدري إلى ثندوتي ثم دعا لي.

قال حشرج: فكان عائذ يخبرنا بذلك حياته، فلما هلك و غسّلناه نظرنا إلى ما كان‏

____________

[ (1)] أحمد (5/ 28).

36

يصف لنا من أثر يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) التي مسها ما كان يقول لنا من صدره، فإذا غرّة سائلة كغرّة الفرس [ (1)].

و روى البيهقي عن أبي العلاء قال: عدتّ قتادة بن ملحان في مرضه، فمرّ رجل في مؤخّرة الدار، فرأيته في وجه قتادة، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسح وجهه، و كنت فلمّا رأيته إلا رأيت كأنّ على وجهه الدّهان.

و روى المدائنيّ عن خاله أن أسيد بن أبي إياس رضي اللّه عنه مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجهه و ألقى يده على صدره فكان أسيد يدخل البيت المظلم فيضي‏ء.

و روى الطبراني بسند جيّد عن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد قالت: كنا عند عتبة أربع نسوة ما منا امرأة إلا و هي تجتهد في الطّيب، لتكون أطيب من صاحبتها، و ما يمس عتبة الطّيب، و هو أطيب منّا، و كان إذا خرج إلى الناس قال: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلنا له في ذلك، فقال: أخذني السرى على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشكوت ذلك إليه فأمرني أن أتجرد من أثوابي فتجردتّ، و قعدتّ بين يديه، و ألقيت ثوبي على فرجي فنفث في يده، ثم وضع يده على ظهري و بطني فعلق هذا الطّيب من يومئذ [ (2)].

و روى البيهقي و ابن عساكر عن وائل بن حجر رضي اللّه عنه قال: كنت أصافح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو يمس جلدي جلده فأعرف في يدي بعد ثالثة أصيب من ريح المسك.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

الغرّة: بياض في جبهة الفرس.

الثندوة: رأس الثدي.

____________

[ (1)] مجمع (9/ 415).

[ (2)] مجمع (8/ 285).

37

الباب الرابع في تبرك أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم بكل شي‏ء منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو اتصل به و محافظتهم على ذلك كله و اغتباطهم به و تعظيمهم له (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى الشيخان و البرقاني و أبو سعيد بن الأعرابي رضي اللّه عنه عن أبي جحيفة رضي اللّه عنه قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضّأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.

و روى البخاري تعليقا و أسنده الإسماعيليّ عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال:

كنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو نازل بالجعرانة فذكر حديثا و فيه ثم دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقدح فيه ماء فغسل يديه و وجهه و مجّ فيه، ثم قال لهما: «اشربا منه، و أفرغا على وجوهكما و نحوركما ...» [ (1)]

الحديث.

و روى البخاري تعليقا و أسنده الإسماعيليّ عن عروة عن مروان و المسور بن مخرمة يصدّق كلّ واحد منهما صاحبه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه.

و روى البخاري و غيره عن عروة عن المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم قالا: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام الحديبية يريد زيارة البيت، و لا يريد قتالا، فذكر الحديث، و فيه: أن قريشا بعثت إليه عروة بن مسعود الثّقفيّ رضي اللّه عنه فجعل عروة يرمق أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعينيه قال: فو اللّه ما نخم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم ابتدروا أمره، و إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، و إذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، ما يحدّون النّظر إليه تعظيما له، فرجع إلى أصحابه، و قد رأى ما يصنع برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، و جئت قيصر و النجاشيّ في ملكهما، فو اللّه ما رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا [ (1)] و اللّه إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه و كفّه، و إن أمرهم ابتدروا أمره، و إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، و إذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدّون النظر إليه تعظيما له و لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشي‏ء أبدا، فروا رأيكم فيه [ (2)].

و روى أبو الحسن بن الضّحّاك عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 1/ 59، 5/ 199 و البداية و النهاية 4/ 360.

[ (2)] أخرجه البخاري (5/ 389) (2731).

38

صلّى الغداة جاء خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء فلم يؤت بإناء إلا غمس يده فيه فربّما في الغداة جاءوا الباردة فيغمس يده فيها.

و روى أبو القاسم البغويّ أن أبا محذورة كانت له قصّة في مقدّم رأسه يرسلها فتبلغ الأرض إذا جلس فقلنا له: ألا تحلقها؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسح عليها بيده، فلم أكن لأحلقها حتى أموت، فما حلقها حتى مات.

و روى أبو سعيد بن الأعرابي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: كنت يوما عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأتى بتمر يفرّقه علينا و كنا ندنيه منه ليمسّه لما نرجو من بركة يده، فإذا رآه قد اجتمع فرّقه بيننا.

و روى البخاري عن عروة عن السّائب بن يزيد رضي اللّه عنه قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابن أختي وقع فمسح رأسي، و دعا لي بالبركة ثم توضّأ فشربت من وضوئه ... الحديث.

و روى البخاري عن المسور بن مخرمة رضي اللّه عنهما قال: فو اللّه ما تنخّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه و جلده، و إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه.

و روى الطبراني عن الأسلع بن شريك قال:

كنت أرحل ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأصابتني جنابة في ليلة باردة و أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الرّحلة، و كرهت أن أرحل ناقته، و أنا جنب و خشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأمرض، فأموت فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها و وضعت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، فقال لي: «يا أسلع مالي أرى راحلتك قد تغيرت؟» فقلت: يا رسول اللّه، لم أرحلها، رحّلها رجل من الأنصار [ (1)].

و روى أبو نعيم عن أمّ إسحاق قالت: هاجرت مع أخي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال لي:

نسيت نفقتي بمكة، فرجع ليأخذها فقتله زوجي، فقدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت له:

أخي قتل، فأخذ كفّا من ماء فنفخه في وجهي، فكانت تصيبها المصيبة، فترى الدّموع في عينيها و لا تسيل على خدّها.

و روى عبد الرزّاق عن الزّهري، قال:

حدّثني من لا أتّهم من الأنصار أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا توضّأ أو تنخّم ابتدروا نخامته، فمسحوا بها وجوههم و جلودهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لم تفعلون هذا؟» فقالوا: نلتمس البركة [ (2)].

____________

[ (1)] الطبراني في الكبير 1/ 277 و انظر المجمع 1/ 261.

[ (2)] انظر جمع الجوامع 2/ 713.

39

و روى ابن عديّ عن أبي العشراء عن أبيه قال: لما مرض أبي أتاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتفل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قرنه إلى قدمه ثلاث مرات بريقه إلى جسده.

و روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كحّل عليّ ببزاقه.

و روى عبد اللّه ابن الإمام أحمد عن العّطاف بن خالد بن أميّة

أن زينب بنت أبي سلمة دخلت. و هي صغيرة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مغتسله فنضح في وجهها الماء و قال:

«ارجعي»، قال عطّاف: قالت أمي: و رأيت زينب و هي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شي‏ء.

و روى أبو الحسن بن الضّحّاك و أبو يعلى بسند صحيح عن خالد بن الوليد رضي اللّه عنه قال: اعتمرنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعلق شعره فاستبق الناس إلى شعره، فسبقت إلى النّاصية فأخذتها فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدّمة القلنسوة فما وجّهت في وجه إلا فتح لي.

و روى أبو عليّ بن السّكن ثنا عبد الملك بن عبد الرحمن أنبأنا محمد بن إسماعيل أنبأنا إبراهيم بن المنذر ثنا عياش بن أبي شملة عن موسى بن يعقوب عن مصعب بن الأسقع عن رشح بن عبد اللّه بن إسماعيل عن أبي سعيد

أن أباه مالك بن سنان لما أصيب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وجهه يوم أحد مصّ دم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ازدرده فقال له: «أ تشرب الدّم؟» قال: أشرب دم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من خالط دمي دمه لا يضرّه اللّه» [ (1)].

و روى أبو القاسم البغوي ثنا صلت بن مسعود حدثنا موسى بن محمد بن علي الأنصاري حدثني أبي حدثتني أمي أم سعد بنت مسعود بن حمزة بن أبي سعيد الخدريّ أنها سمعت أمّ عبد الرحمن ابنة أبي سعيد تحدّث عن أبيها و قال في آخره، و قال: من أحب أن يخالط ينظر إلى من خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان.

و قال البزار أنبأنا إسحاق أنبأنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال حدثنا إبراهيم بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جدّه سفينة قال:

احتجم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: «و غيّب عني الدّم»، فذهبت فشربته، ثم جئته فقال: «ما صنعت؟» قلت: غيّبته، قال: «أ شربته؟» قلت: نعم [ (2)].

رواه بقيّ بن مخلد عبد اللّه بن عمر الخطابي عن ابن فديك قال: حدثتني برثة بنت عمير بن سفينة عن أبيه عن جدّه، قال: حجم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجاما فأمر أن يوارى الدم من الطّير و الدّوابّ فذهبت فشربته ثم أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكرت له ذلك فضحك و لم يقل لي شيئا.

____________

[ (1)] انظر المجمع (8/ 273).

[ (2)] انظر المجمع (8/ 273).

40

و قال أبو القاسم البغوي أنبأنا ابن حميد الداريّ حدثنا مجاهد ثنا رباح النوني و أبو محمد مولى آل الزّبير، قال:

سمعت أسماء بنت أبي بكر تقول للحجاج: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) احتجم، فدفع دمه إلى ابني فشربه فأتاه جبريل فأخبره فقال: «ما صنعت؟» قال: كرهت أن أصبّ دمك فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا تمسّك النار»، و مسح على رأسه، و قال: «ويل للناس منك، و ويل لك من الناس» [ (1)].

و روى أبو يعلى عن عمرو بن حريث رضي اللّه عنه قال: ذهبت بي أمّي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسح برأسي و دعا لي بالرزق.

و روى أبو يعلى و البزار بإسناد حسنه الأبو صيري في التحفة عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما

أنه أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يحتجم، فلما فرغ قال: «يا عبد اللّه اذهب بهذا الدّم فأهرقه حيث لا يراه أحد فلما برزت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمدت إلى الدّم فحسوته فلمّا رجعت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما صنعت يا عبد اللّه؟» قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: «فلعلك شربته؟» قال: نعم قال: «و من أمرك أن تشرب الدم ويل لك من الناس و ويل للناس منك».

قال أبو سلمة فحدثت أبا عاصم بهذا الحديث فقال: كانوا يرون أن القول ألقى به من ذلك اليوم [ (2)].

و روى أبو يعلى عن سفينة رضي اللّه عنه‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) احتجم ثم قال: «خذ هذا الدّم فادفنه من الدّواب و الناس» قال: فذهبت فتغيّبت فقال لي: «ما صنعت؟»، قلت: شربته، فتبسّم، في سنده مجهول [ (3)].

و روى أبو يعلى عن أم أيمن رضي اللّه عنها

قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى فخارة في جانب البيت، فبال فيها فقمت من الليل، و أنا عطشانة فشربت ما فيها و أنا لا أشعر، فلما أصبح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة» قالت: قد و اللّه شربت ما فيها فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى بدت نواجذه ثم قال: «أما إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك» [ (4)].

____________

[ (1)] انظر كنز العمال 37234 و الدار قطني 1/ 228 و انظر الشفاء 1/ 659 و ابن عساكر كما في التهذيب 7/ 401.

[ (2)] انظر المجمع 8/ 270 و الحاكم 3/ 554 و الكنز (37226).

[ (3)] البيهقي 7/ 67 و الطبراني في الكبير 7/ 95 و البخاري في التاريخ 4/ 29 و ابن حجر في المطالب (3848) و انظر المجمع 8/ 270.

[ (4)] ابن كثير في البداية 5/ 326 انظر المجمع (8/ 274).

41

الباب الخامس في بركة ريقه الطيب (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى الطبراني عن أبي عقيل الديلي رضي اللّه عنه قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فآمنت به، و صدّقّت و سقاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- شربة سويق، شرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولها و شربت آخرها فما زلت أجد بلتها على فؤادي إذا ظمئت، و بردها إذا أضحيت [ (1)] رواه قاسم بن ثابت في الدلائل عن حنش و هو بفتحتين ثم شين معجمة ابن عقيل بفتح أوّله، قال: دعاني النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الإسلام، فأسلمت فسقاني فضلة سويق فما زلت أجد ريّها إذا عطشت، و شبعتها إذا جعت.

و روى ابن سعد قال: (أخبرنا) الواقدي حدثني أبيّ بن عباس بن سهل بن سعد السّاعدي عن أبيه سمعت عدّة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيهم أبو أسيد و أبو حميد و أبو سهل بن سعد يقولون: أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بئر بضاعة، فتوضّأ في الدّلو، و ردّه في البئر و مجّ مرة أخرى في الدلو، و بصق فيها و شرب من مائها،

و كان إذا مرض المريض في عهده يقول: «اغسلوه من ماء بضاعة»، فيغسل، فكأنّما حلّ من عقال [ (2)].

و روى الحاكم عن حنظلة بن قيس‏

أن عبد اللّه بن عامر بن كريز أتي به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتفل عليه و عوّده فجعل يتسرّع ريق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «إنه ليشفى» و كان لا يعالج أرضا إلا ظهر له فيها الماء ...

و روى الحاكم و صححه و أقرّه الذّهبي عن ثابت بن قيس بن شماس أنه فارق جميلة بنت عبد اللّه بن أبيّ و هي حامل بمحمد، فلما ولدته حلفت لا تلبنه من لبنها، فدعا به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبزق في فيه، و حنكه بتمرة عجوة، و سمّاه محمدا، و قال: اختلف به، فإنّ اللّه رازقه، فأتيته في اليوم الأول و الثاني و الثالث، فإذا أنا بامرأة من العرب، تسأل عن ثابت بن قيس ابن شماس فقلت: ما تريدين منه؟ فقالت: رأيت أني أرضع ابنا له، يقال له: محمد، قال: فأنا ثابت، و هذا ابني محمد، قال: و إذا درعها ينعصر من لبنها [ (3)].

و روى البيهقي عن أبي قتادة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصق على أثر سهم في وجهه في يوم ذي قرد، قال: فما ضرب عليّ قط و لا قاح.

____________

[ (1)] انظر المجمع (9/ 400).

[ (2)] ابن سعد 1/ 2/ 185.

[ (3)] البيهقي في الدلائل 6/ 227.

42

و روى عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تفل على رجل زيد بن معاذ حين أصابها السّيف أي العلب حين قتل ابن الأشرف فبرأت.

و رواه الواقديّ لكن قال: الحارث بن أوس، بدل زيد بن معاذ، و روى ابن عساكر عن بشير بن عقربة، قال:

لمّا قتل أبي يوم أحد، أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا أبكي، فقال: «أما ترضى أن أكون أبوك [ (1)]، و عائشة أمك»، فمسح رأسي فكان أثر يده من رأسي أسود و سائره أبيض، و كانت بي رثة فتفل فيها فانحلّت [ (2)].

و روى الطبراني عن جرهد رضي اللّه عنه أنّه أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بين يديه طعام، (فأدنى) جرهد يده الشّمال و كانت يده اليمنى مصابة، فنفث عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فما شكا حتى مات.

و روى الحميدي برجال ثقات عن وائل بن حجر رضي اللّه عنه قال: أتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدلو من ماء زمزم، فشرب، ثم توضأ، ثم مجّه في الدلو مسكا أو أطيب من المسك، و استنثر خارجا من الدلو.

و روى الطبراني و ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إذا كنّا ببعض الطريق سمع صوت الحسن و الحسين، و هما يبكيان، فقال لفاطمة: «ما شأن ابنيّ؟» قالت: العطش، فنادى في الناس «هل أحد منكم معه ماء؟» فلم يجد أحد منهم قطرة، فقال: «ناوليني أحدهما» فناولته إيّاه من تحت الخدر، فأخذه فضمّه إلى صدره و هو يضغو لم يسكت، فأدلع لسانه فجعل يمصّه حتى هدأ، و سكن فلم أسمع له بكاء، و الآخر يبكي كما هو ما يسكت، فقال: «ناوليني الآخر» فناولته إيّاه ففعل به كذلك فسكتا فما سمع لهما صوتا.

و الأحاديث في هذا الباب كثيرة و تقدم بعضها.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:

مجّ: لفظ.

____________

[ (1)] على المشهور (أباك) و بعض العرب ترفع بكان الجزءين فجاء على ذلك قول الشافعي:

إذا سبّني نذل تزايدت رفعة* * * و ما العيب إلّا أن أكون مساببه‏

و لو لم تكن نفسي عليّ عزيزة* * * لمكّنتها من كلّ نذل تحاربه‏

[ (2)] البخاري في التاريخ 2/ 78 و انظر الكنز (36862) و ابن عساكر كما في التهذيب 3/ 269، 389، 10/ 160.

43

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إضاءة العرجون و العصا و الأصابع و البرقة

الباب الأول في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إضاءة العرجون و ما وقع في ذلك من الآيات‏

روى الطبراني و الإمام أحمد في حديث طويل، و البزّار، و رجال أحمد رجال الصحيح، و أبو نعيم بسند صحيح عن قتادة بن النعمان رضي اللّه عنه قال:

خرجت ليلة من الليالي مظلمة، فقلت: لو أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و شهدت معه الصلاة، و آنسته بنفسي، و في لفظ:

فقلت: لو أني اغتنمت شهود العتمة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ففعلت، فلما دخلت المسجد برقت السّماء، فرآني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «يا قتادة، ما هاج عليك؟» قلت: يا رسول اللّه، أردت بأبي أنت و أمّي أن أؤنسك و في لفظ: فلما انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه عرجون، قال: «خذ هذا العرجون فتحصن به، فإنّك إذا خرجت أضاء لك عشرا أمامك، و عشرا خلفك».

و في لفظ: فقال: «إنّ الشيطان قد خلفك في أهلك، فاذهب بهذا العرجون، فاستك به حتى تأتي بيتك، فخذه من زاوية البيت»، ثم قال لي: «إذا دخلت بيتك مثل الحجر الأخشن في أستار بيتك، فإن ذلك الشيطان»، قال: فخرجت فأضاء لي العرجون مثل الشّمعة فاستضأت به، فأتيت البيت فوجدتّهم قد رقدوا، فنظرت في الزاوية، فإذا فيها قنفذ فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج.

و في لفظ: ثم ضربت مثل الحجر الأخشن حتى خرج من بيتي.

44

الباب الثاني في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إضاءة العصا

روى الحاكم و أبو نعيم و البيهقي عن أبي عبس بن جبر رضي اللّه عنه أنه كان يصلي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصّلوات ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة، فنور له في عصاه حتى دخل على [ (1)] بني حارثة.

و روى ابن سعد و البيهقي و الحاكم و صححه عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان عبّاد بن بشر و أسيد بن حضير عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حاجة حتى ذهب من الليل ساعة، و هي ليلة شديدة الظّلمة ثم خرجا، و بيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهم الطريق، أضاءت للآخر عصاه حتى بلغ أهله. رواه الشيخ مختصرا.

و روى أبو نعيم من وجه آخر عن أنس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عمر سمرا عند أبي بكر يتحدّثان عنده حتى ذهب الليل، ثم خرجا، و خرج أبو بكر معهما جميعا في ليلة مظلمة مع أحدهما عصا، فجعلت تضي‏ء لهما، و عليهما نور حتى بلغوا المنزل.

الباب الثالث في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إضاءة الأصابع‏

روى البخاري في التاريخ و البيهقي و أبو نعيم و الطبراني بسند جيّد عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: كنّا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر فتفرّقنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، و ما هلك منهم و إنّ أصابعي لتنير.

الباب الرابع في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في البرقة التي برقت للحسن و الحسين‏

روى الحاكم و صححه و البيهقي و أبو نعيم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

كنا نصلّي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) العشاء، فكان يصلّي، فإذا سجد وثب الحسن و الحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رقيقا، فإذا عاد عادا، فلما صلّى جعل واحدا هاهنا و واحدا هاهنا فجئت فقلت: يا رسول اللّه، ألا أذهب بهما إلى أمّهما؟ قال: «لا» فبرقت برقة، فقال: «الحقا بأمّكما»، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا.

____________

[ (1)] سقط في ب.

45

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رؤية بعض أصحابه الملائكة و الجن و سماع كلامهما

الباب الأول في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رؤية بعض أصحابه الملائكة و سماع كلامهم إكراما له (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى مسلم عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه قال: كانت الملائكة تسلم عليّ فلما اكتويت، انقطع عني فتركت الكيّ، فعادوا يسلّمون، و كان يراهم عيانا.

و روى الشيخان من طريق أبي عثمان النهدي قال:

نبّئت أن جبريل أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عنده أمّ سلمة، فجعل يتحدّث، ثم قام، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من هذا؟» قالت: هذا دحية الكلبيّ، قالت: ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخبر جبريل قلت لأبي عثمان: ممّن سمعت هذا؟ قال: من أسامة.

و روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما بارزا للناس، فأتاه رجل، فقال: ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن باللّه و ملائكته و بكتابه و رسله، و تؤمن بالبعث»، قال: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد اللّه و لا تشرك به شيئا، و تقيم الصلاة، و تؤدّي الزّكاة، و تصوم رمضان»، قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك»، قال:

متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، و سأخبرك عن أشراطها إذا ولدت المرأة ربّتها، و إذا تطاول رعاء الإبل إليهم (في البنيان) في خمس لا يعلمهنّ إلا اللّه»، ثم أدبر فقال:

ردّوه فلم يروا شيئا، فقال: «هذا جبريل جاء يعلّم الناس دينهم».

و روى أحمد و الطبراني و البيهقي بسند صحيح أن حارثة بن النعمان قال:

مررت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه جبريل، فسلّمت عليه و مررت، فلما رجعنا و انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «هل رأيت الذي كان معي؟» قلت: نعم، قال: «فإنه جبريل قد رد عليك السلام».

و روى أبو موسى المدينيّ في المعرفة عن تميم بن سلمة، قال:

بينما أنا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ انصرف من عنده رجل، فنظرت إليه مولّيا معتما بعمامة قد أرسلها من ورائه، قلت: يا رسول اللّه، من هذا؟ قال: «جبريل».

و روى الإمام أحمد و البيهقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

كنت مع أبي عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عنده رجل يناجيه، فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا، فقال: أي بنيّ، ألم تر أنّ ابن عمّك كالمعرض عني؟ قلت: نعم، يا أبت! إنه كان عنده رجل يناجيه، فرجع، فقال: يا

46

رسول اللّه، قلت لعبد اللّه كذا و كذا فقال: إنه كان عندك رجل يناجيك، هل كان عندك أحد؟

قال: «و هل رأيته، يا عبد اللّه؟» قلت: نعم، قال: «ذاك جبريل هو الذي كان يشغلني عنك».

و روى ابن سعد عنه قال: رأيت جبريل مرّتين و دعا لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرّتين.

و روى الحاكم عنه قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لما رأيت جبريل لم يره خلق إلّا عمي إلا أن يكون نبيا و لكن أن يجعل ذلك في آخر عمرك».

و روى البيهقي عنه قال:

عاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا من الأنصار فلما دنا من منزله سمعته يتكلّم في الدّاخل، فلما دخل لم ير أحدا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من كنت تكلّم؟» قال: يا رسول اللّه، دخل عليّ داخل ما رأيت رجلا قط بعدك [ (1)] أكرم مجلسا و لا أحسن حديثا منه، قال: «ذاك جبريل و إن منكم لرجالا لو أن أحدهم (يقسم) [ (2)] على اللّه لأبرّه».

و روى الطبراني و البيهقي عن محمد بن مسلمة، قال:

مررت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو واضع خدّه على خدّ رجل فلم أسلّم ثم رجعت، فقال: «ما منعك أن تسلّم؟» قلت: يا رسول اللّه، رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا ما فعلته بأحد من الناس فكرهت أن أقطع عليك حديثك، فمن كان يا رسول اللّه؟ قال: «جبريل».

و روى الحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:

«رأيت جبريل واقفا في حجرتي هذه و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يناجيه، فقلت: يا رسول اللّه، من هذا؟ قال: «بمن تشبّهينه؟» قالت: بدحية، فقال: «لقد رأيت جبريل»، قالت فما لبثت إلا اليسير حتى قال: «يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام»، قلت: و (عليه السلام) جزاه اللّه من دخيل خيرا.

و روى ابن أبي الدّنيا في كتاب الذّكر عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال:

قال أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه: لأدخلنّ المسجد و لأحمدنّ اللّه بمحامد لم يحمده بها أحد، فلما صلّى و جلس ليحمد اللّه، و يثني عليه إذا هو بصوت عال من خلفه يقول: اللهم لك الحمد كله و لك الأمر كلّه، و بيدك الخير كلّه، و إليك يرجع الأمر كله علانيته و سرّه، لك الحمد إنّك على كلّ شي‏ء قدير، اغفر ما مضى من ذنوبي، و اعصمني فيما بقي من عمري، و ارزقني أعمالا زاكية، ترضى بها عني، و تب عليّ. فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقصّ عليه، فقال: «ذاك جبريل (عليه السلام)».

و روى البيهقي و ابن عساكر عن حذيفة بن اليمان، قال:

صلّى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثمّ‏

____________

[ (1)] سقط في ح.

[ (2)] في ح أقسم.

47

خرج فتبعته فإذا عارض قد عرض له فقال لي: «يا حذيفة. هل رأيت العارض الذي عرض لي؟» قلت: نعم، قال: «ذاك ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبلها، استأذن ربّه فسلّم عليّ، و بشّرني بالحسن و الحسين أنهما سيّدا شباب أهل الجنّة، و أنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة».

و روى الشيخان عن أسيد بن حضير رضي اللّه عنه قال:

بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة و فرسه مربوطة إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فرفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بمثل الظّلّة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها، فلمّا أصبح حدّث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، فقال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، و لو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوارى منهم».

48

الباب الثاني في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رؤية بعض الصحابة الجن و سماع كلامهم إكراما له (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى النّسائي و الحارث بن أبي أسامة و أبو يعلى و ابن حبان و الرّوياني و أبو الشيخ في العظمة و الطبراني في الكبير، و الحاكم و أبو نعيم معا في الدلائل، و الضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه‏

أنه كان له جرين فيه تمر، و كان يتعاهده فيجده ينقص فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم فسلّمت، فردّ السلام، فقلت: ما أنت جنيّ أم إنسيّ؟ فقال: جنّيّ، فقلت: ناولني يدك، فناولني يده فإذا يده يد كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ فقال: لقد علمت الجنّ أن ما فيهم من هو أشدّ مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟

قال: بلغنا أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك، قلت: فما الذي يجيرنا منك؟ قال: هذه الآية- آية الكرسي التي في سورة البقرة- من قالها حين يمسي أجير منّا حتى يصبح، و من قالها حين يصبح أجير منّا حتى يمسي، فلما أصبح أبيّ غدا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره، فقال: «صدق الخبيث».

و روى أبو الشيخ في العظمة عن أبي إسحاق، قال: خرج زيد بن ثابت ليلا إلى حائط له، فسمع فيه جلبة، فقال: ما هذا؟ قال: رجل من الجانّ أصابتنا السّنة، فأردت أن أصيب من ثماركم فطيّبوه لنا، قال: نعم، ثم قال زيد بن ثابت: ألا تخبرنا بالذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسيّ.

و روى أبو عبيد في فضائل القرآن و الدّارميّ و الطبراني و البيهقي و أبو نعيم عن ابن مسعود أن رجلا لقى شيطانا في سكّة من سكك المدينة (فصارعه فصرعه) فقال: دعني أخبرك بشي‏ء يعجبك فودعه، فقال: هل تقرأ سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: فإن الشيطان لا يسمع منها شيئا إلا أدبر و له خبج كخبج الحمار فقيل لابن مسعود: من ذاك الرجل؟ قال: عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.

جلبة: الصّياح و الصخب.

يعيذنا: يجيرنا.

ودعه [...].

خبج: بفتح الخاء المعجمة و الموحدة و جيم: الضّراط [و يروى بالحاء المهملة].

49

جماع أبواب معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إخباره رجالا بما حدثوا أنفسهم و غير ذلك‏

الباب الأول في إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) من حدث نفسه بالفتك به (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روى الحاكم و صححه و الطبراني عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه‏

أنّه كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ جاءه رجل فقال: من أنت؟ قال: «أنا نبيّ»، قال: و ما نبيّ؟ قال:

«رسول اللّه»، قال: متى تقوم الساعة؟ قال: «غيب، و لا يعلم الغيب إلا اللّه»، قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سيفه، فهزّه الرجل، ثم ردّه عليه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أما إنّك لم تكن تستطيع ذلك الذي أردتّ»، قال: و قد كان.

زاد الطبراني: ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن هذا أقبل، فقال: آتيه، فاسأله ثم آخذ السيف، فاقتله ثم اغمد السيف».

50

الباب الثاني في إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) من حدث نفسه بأنه ليس في القوم أحد خير منه و ما وقع في ذلك من الآيات‏

روى ابن أبي شيبة و أبو يعلى و البزّار و البيهقي عن أنس رضي اللّه عنه قال:

ذكروا رجلا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكروا قوّته في الجهاد و اجتهاده في العبادة، فإذا هم بالرجل مقبل فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّي أرى على وجهه سفعة من الشيطان»، فلمّا دنا سلّم فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هل حدّثت نفسك بأنّه ليس في القوم أحد خير منك؟» قال: نعم، ثم ذهب فاختط مسجدا، و وقف يصلي فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من يقوم إليه فيقتله؟» فقام أبو بكر، فانطلق فوجده يصلّي، فرجع، فقال: وجدتّه يصلّي فهبت أن أقتله، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أيّكم يقوم إليه فيقتله؟» فقام عمر، فصنع كما صنع أبو بكر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أيّكم يقوم إليه فيقتله؟» فقال عليّ: أنا قال: «أنت إن أدركته»، فذهب فوجده قد انصرف، فرجع، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هذا أول قرن خرج من أمتي لو قتلته ما اختلف اثنان بعده من أمتي».

51

الباب الثالث في إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) وابصة بن معبد [ (1)] رضي اللّه عنه بأنه جاء يسأل عن البر و الإثم‏

روى الإمام أحمد و الطبراني برجال ثقات عن وابصة بن معبد رضي اللّه عنه قال:

جئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا لا أريد أن أدع من البرّ و الإثم شيئا إلا سألته عنه، فأتيته، و هو في عصابة من المسلمين حوله، فجعلت أتخطّاهم لأدنو منه، فانتهرني بعضهم، فقال: إليك يا وابصة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقلت: إني أحبّ أن أدنو منه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «دعوا وابصة، ادن مني وابصة»، فأدناني حتى كنت بين يديه، فقال: «أ تسألني أم أخبرك؟» فقلت: لا، بل تخبرني، قال:

«جئت تسأل عن البر و الإثم؟» قلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهنّ في صدري و قال:

«البرّ ما اطمأنت إليه النّفس و اطمأنّ إليه القلب، و الإثم ما حاك في نفسك، و تردّد في الصدر و إن أفتاك الناس و أفتوك».

الباب الرابع في إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثقفي و الأنصاري بما جاءا يسألان عنه‏

روى مسدّد و البزّار و الأصبهاني من طريق إسماعيل بن رافع و البيهقي عن أنس رضي اللّه عنه قال:

كنت جالسا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسجد الخيف فأتاه رجل من الأنصار، و رجل من ثقيف فلما سلما، قالا: جئناك، يا رسول اللّه، لنسألك، قال: «إن شئتما أخبرتكما بما تسألاني عنه فعلت، و إن شئتما أن أسكت و تسألاني فعلت»، قالا: لا، أخبرنا يا رسول اللّه، نزدد إيمانا أو نزدد يقينا، فقال الأنصاري للثقفي: سل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: بل أنت فسله، فإني أعرف حقّك، فسأله، فقال: أخبرنا يا رسول اللّه، قال: «جئت تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام و مالك فيه و عن طوافك بالبيت، و مالك فيه، و ركعتيك بعد الطّواف، و مالك فيهما، و عن طوافك بالصّفا و المروة، و عن وقوفك بعرفة، و مالك فيه، و عن رميك الجمار و مالك فيه، و عن نحرك و مالك فيه، و عن حلاقك رأسك، و مالك فيه، و عن طوافك، و مالك فيه»- يعني الإفاضة- قال: و الذي بعثك بالحق عن هذا جئت أسألك! قال:

«فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لم تضع ناقتك خفّا و لن ترفعه إلا كتب اللّه لك به حسنة و محا به عنك خطيئة، و يرفع لك بها درجة، و أما ركعتاك بعد الطواف فإنهما كعتق رقبة من ولد إسماعيل، و أما طوافك بالصّفا و المروة فكعتقك سبعين رقبة، و أما وقوفك عشيّة

____________

[ (1)] سقط في ب.

52

عرفة، فإنّ اللّه تعالى يهبط إلى السماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة يقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق، يرجون رحمتي و مغفرتي، فلو كانت ذنوبكم عدد الرمل و كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا مغفورا لكم، و لمن شفعتم له، و أما رميك الجمار فلك بكلّ حصاة رميتها تكفير كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات، و أمّا نحرك فمدخور لك عند ربّك، و أما حلاق رأسك فبكلّ شعرة حلقتها حسنة يمحى عنك بها خطيئة»، قال: يا رسول اللّه، فإن كانت الذّنوب أقلّ من ذلك؟ قال: «يدخر لك في حسناتك، و أما طوافك بالبيت بعد ذلك، فإنّك تطوف و لا ذنب لك، يأتي ملك حتى يده بين كتفيك، ثم يقول: اعمل لما تستقبل فقد غفر لك ما مضى» قال الثقفي: أخبرني رسول اللّه، قال: جئت تسألني عن الصلاة!» قال: «إذا غسلت وجهك انتثرت الذّنوب من أشفار عينيك، و إذا غسلت يديك انتثرت الذّنوب من أظفار يديك، و إذا مسحت برأسك انتثرت الذنوب عن رأسك، و إذا غسلت رجليك انتثرت الذنوب من أظفار قدميك».

.. الحديث.

و روى الطبراني في الكبير و البزّار و ابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر رضي اللّه عنهما [....].

الباب الخامس في أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه الاستعفاف لما أراد أن يسأله شيئا من الدنيا، و ما وقع في ذلك من الآيات‏

[و أخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال:

أصابنا جوع ما أصابنا مثله قطّ فقالت لي أختي: اذهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاسأله فجئت فإذا هو يخطب، فقال: «من يستعفف، يعفّه اللّه، و من يستغن يغنه اللّه»،

فقلت في نفسي: و اللّه لكأنما أردت بهذا إلا جرم لا أسأله شيئا فرجعت إلى أختي فأخبرتها، فقالت: أحسنت، فلما كان من الغد فإني و اللّه لأتعب نفسي تحت الأجم، إذ وجدت من دراهم يهود فابتعنا به، و أكلنا منه و جاءت الدنيا، فما من أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا.

و أخرجه ابن سعد بلفظ: فكان أوّل ما واجهني به. و بلفظ: فقلت ما قال هذا القول إلا من أجلي و بلفظ: فأتاح اللّه لي رزقا ما كنت أحتسبه‏].