سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج12

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
470 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في جماع أبواب ما يخصه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من الأمور الدنيوية و ما يطرأ عليه من العوارض البشرية و كذا سائر الأنبياء

الباب الأول في حاله في جسمه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال القاضي: فيما يخصّهم في الأمور الدنيوية و يطرأ عليهم من العوارض البشرية قد قدّمنا أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و سائر الأنبياء و الرسل من البشر، و أنّ جسمه و ظاهره خالص للبشر، يجوز عليه من الآفات و التغييرات، و الآلام و الأسقام، و تجرّع كأس الحمام ما يجوز على البشر، و هذا كلّه ليس بنقيصة فيه، لأنّ الشي‏ء، إنما يسمّى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتمّ منه و أكمل من نوعه، و قد كتب اللّه تعالى على أهل هذه الدار: فيها تحيون، و فيها تموتون، و منها تخرجون، و خلق جميع البشر بمدرجة الغير، فقد مرض (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و اشتكى، و أصابه الحرّ و القرّ، و أدركه الجوع و العطش، و لحقه الغضب و الضّجر، و ناله الإعياء و التّعب، و مسّه الضّعف و الكبر، و سقط فجحش شقّه، و شجّه الكفّار، و كسروا رباعيته، و سقي السمّ، و سحر، و تداوى، و احتجم، و تنشّر و تعوّذ، ثم قضى نحبه فتوفّي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لحق بالرفيق الأعلى، و تخلّص من دار الامتحان و البلوى، و هذه سمات البشّر التي لا محيص عنها، و أصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه، فقتلوا قتلا. و رموا في النار، و وشروا بالمياشير. و منهم من وقاه اللّه ذلك في بعض الأوقات. و منهم من عصمه كما عصم بعد نبيّنا من الناس، فلئن لم يكف نبيّنا ربّه يد ابن قميئة يوم أحد، و لا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور، و أمسك عنه سيف غورث، و حجر أبي جهل، و فرس سراقة، و لئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم، من سمّ اليهودية.

و هكذا سائر أنبيائه مبتلى و معافى، و ذلك من حكمته، ليظهر شرفهم في هذه المقامات، و يبيّن أمرهم، و يتمّ كلمته فيهم، و ليحقّق بامتحانهم بشريّتهم، و يرتفع الالتباس عن أهل الضّعف فيهم لئلا يضلّوا بما يظهر من العجائب على أديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، و ليكون في محنهم تسلية لأممهم، و وفور لأجورهم عند ربهم تماما على الّذي أحسن إليهم.

4

قال بعض المحققين: و هذه الطوارئ و التغييرات المذكورة إنما تختصّ بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر، و معاناة بني آدم لمشاكلة الجنس.

و أمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك معصومة منه، متعلقة بالملإ الأعلى و الملائكة لأخذها عنهم، و تلقّيها الوحي منهم.

قال: و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

إنّ عينيّ تنامان و لا ينام قلبي.

و قال:

إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربّي و يسقيني.

و قال:

لست أنسي، و لكن أنسّى، ليستنّ بي.

فأخبر أنّ سرّه و باطنه و روحه بخلاف جسمه و ظاهره، و أنّ الآفات التي تحلّ ظاهره من ضعف و جوع، و سهر و نوم، لا يحلّ منها شي‏ء باطنه، بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن، لأنّ غيره إذا نام استغرق النوم جسمه و قلبه، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه.

و كذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه، و خارت قوّته، فبطلت بالكليّة جملته، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخبره أنه لا يعتريه ذلك، و أنه بخلافهم،

لقوله:

لست كهيئتكم: إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني.

و كذلك أقول: إنه في هذه الأحوال كلّها، من وصب و مرض، و سحر و غضب، لم يجز على باطنه ما يخلّ به، و لا فاض منه على لسانه و جوارحه ما لا يليق به، كما يعتري غيره من البشر ممّ نأخذ بعد في بيانه.

فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتّابي بقراءتي عليه، قال: حدثنا حاتم بن محمد، حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال:

حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: سحر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إنه ليخيّل إليه أنه فعل الشي‏ء و ما فعله.

و في رواية أخرى: حتى كان يخيّل إليه أنه كان يأتي النساء و لا يأتيهن ... الحديث.

و إذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور فكيف حال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك؟ و كيف جاز عليه- و هو معصوم؟

5

فاعلم- وفّقنا اللّه و إياك- أنّ هذا الحديث صحيح متفق عليه، و قد طعنت فيه الملحدة، و تدرّعت به لسخف عقولها و تلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشّرع، و قد نزّه اللّه الشّرع و النبيّ عما يدخل في أمره لبسا و إنما السّحر مرض من الأمراض، و عارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر و لا يقدح في نبوّته.

و أمّ ما ورد أنه كان يخيّل إليه أنه فعل الشي‏ء و لا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شي‏ء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدّليل و الإجماع على عصمته من هذا، و إنما هذا فيما يجوز طروءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، و لا فضّل من أجلها، و هو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه، كما كان.

و أيضا فقد فسّر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله: حتى يخيّل إليه أنه يأتي أهله و لا يأتيهن.

و قد قال سفيان- و هذا أشدّ من السّحر، و لم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله و لم يفعله، و إنما كانت خواطر و تخيلات.

و قد قيل: إنّ المراد بالحديث أنه كان يتخيّل الشي‏ء أنه فعله، و ما فعله، لكنه تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السّداد، و أقواله على الصحة.

هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى كلامهم، و زدناه بيانا من تلويحاتهم. و كلّ وجه منها مقنع، لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى و أبعد من مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث، و هو أنّ عبد الرزّاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيّب، و عروة بن الزبير، و قال فيه عنهما: سحر يهود بني زريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ينكر بصره، ثمّ دلّه اللّه على ما صنعوا فاستخرجه من البئر.

و روي نحوه، عن الواقدي، و عن عبد الرحمن بن كعب، و عمر بن الحكم.

و ذكر عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر: حبس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه و الآخر عند رجليه ... الحديث.

قال عبد الرزاق: حبس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر بصره.

و روى محمد بن سعد، عن ابن عباس: مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فحبس عن النساء و الطعام و الشراب، فهبط عليه ملكان ... و ذكر القصة.

6

فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أنّ السّحر إنما تسلّط على ظاهره و جوارحه، لا على قلبه و اعتقاده و عقله، و أنه إنما أثّر في بصره، و حبسه عن وطء نسائه [و طعامه، و أضعف جسمه و أمرضه‏]، و يكون معنى قوله: يخيّل إليه أنه يأتي أهله و لا يأتيهن، أي يظهر له من نشاطه و متقدّم عادته القدرة على الإيتاء، فإذا دنا منهنّ أصابته أخذة السّحر، فلم يقدر على إتيانهنّ، كما يعتري من أخّذ و اعترض.

و لعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: و هذا أشدّ ما يكون من السّحر. و يكون قول عائشة في الرواية الأخرى: إنه ليخيّل إليه أنه فعل الشي‏ء و ما فعله، من باب اختلّ من بصره، كما ذكر في الحديث، فيظنّ أنه رأى شخصا من بعض أزواجه، أو شاهد فعلا من غيره، و لم يكن على ما يخيّل إليه لما أصابه في بصره و ضعف نظره، لا لشي‏ء طرأ عليه في ميزه.

و إذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السّحر له و تأثيره فيه ما يدخل لبسا و لا يجد به الملحد المعترض أنسا ...].

7

الباب الثاني في حكم عقد قلبه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في الأمور الدنيوية

أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشي‏ء على وجه و يظهر خلافه، أو يكون منه على شكّ أو ظن بخلاف أمور الشرع،

كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي و غير واحد سماعا و قراءة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر، قال: حدثنا أبو العباس الرازي، حدثنا أبو أحمد بن عمرويه، حدثنا ابن سفيان، حدثنا مسلم، حدثنا عبد اللّه بن الرّومي، و عباس العنبري، و أحمد المعقري، قالوا: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثني عكرمة، حدثنا أبو النجاشيّ، قال: حدثنا رافع بن خديج، قال:

قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة و هم يأبرون النّخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنّا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه، فنقصت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشي‏ء من دينكم فخذوا به، و إذا أمرتكم بشي‏ء من رأيي فإنما أنا بشر.

و في رواية أنس:

أنتم أعلم بأمر دنياكم.

و في حديث آخر:

إنما ظننت ظنّا، فلا تؤاخذوني بالظّنّ.

و في حديث ابن عباس في قصة الخرص، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

إنما أنا بشر فما حدثتكم عن اللّه فهو حقّ، و ما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ و أصيب.

و هذا على ما قرّرناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا و ظنّه من أحوالها، لا ما قاله من قبل نفسه و اجتهاده في شرع شرعه، و سنّة سنّها.

و كما حكى ابن إسحاق‏

أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمّا نزل بأدنى مياه بدر قال له الخباب بن المنذر: أ هذا منزل أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ قال: لا، بل هو الرأي و الحرب و المكيدة. قال: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعوّر ما وراءه من القلب، فنشرب و لا يشربون. فقال: أشرت بالرأي، و فعل ما قاله.

و قد قال له اللّه تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.

و أراد مصالحة بعض عدوّه على ثلث ثمر المدينة، فاستشار الأنصار، فلمّا أخبروه برأيهم رجع عنه.

فمثل هذا و أشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة و لا اعتقادها و لا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كلّه نقيصة و لا محطة، و إنما هي أمور

8

اعتيادية يعرفها من جرّبها، و جعلها همّه، و شغل نفسه بها، و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مشحون القلب بمعرفة الرّبوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيّد البال بمصالح الأمة الدينية و الدّنيوية، و لكن هذا إنما يكون في بعض الأمور، و يجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا و استثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله و الغفلة.

و قد تواتر بالنّقل عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

من المعرفة بأمور الدنيا و دقائق مصالحها، و سياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر.

9

الباب الثالث في حكم عقد قلبه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في أمور البشر الجارية على يديه و معرفة المحق من المبطل و علم المصلح من المفسد

و أمّا ما يعتقد في أمور أحكام البشر الجارية على يديه و قضاياهم، و معرفة المحقّ من المبطل، و علم المصلح من المفسد، فبهذه السّبيل،

لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنما أنا بشر، و إنكم تختصمون إليّ، و لعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ممّا أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه بشي‏ء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار».

حدثنا الفقيه أبو الوليد (رحمه اللّه)، حدثنا الحسين بن محمد الحافظ، حدثنا أبو عمر، حدثنا أبو محمد، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أمّ سلمة، قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ... الحديث.

و في رواية الزّهري، عن عروة:

«فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له».

و تجرى أحكامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الظاهر و موجب غلبات الظنّ بشهادة الشاهد، و يمين الحالف، و مراعاة الأشبه، و معرفة العفاص و الوكاء، مع مقتضى حكمة اللّه في ذلك، فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده، و مخبّآت ضمائر أمته، فتولّى الحكم بينهم بمجرّد يقينه و علمه دون حاجة إلى اعتراف أو بيّنة أو يمين أو شبهة، و لكن لمّا أمر اللّه أمّته باتّباعه و الاقتداء به في أفعاله و أحواله و قضاياه و سيره، و كان هذا لو كان ممّا يختصّ بعلمه و يؤثّره اللّه به، لم يكن للأمّة سبيل إلى الاقتداء به في شي‏ء من ذلك، و لا قامت حجّة بقضيّة من قضاياه لأحد في شريعته، لأنا لا نعلم ما أطلع عليه هو في تلك القضيّة لحكمه هو إذا في ذلك بالمكنون من إعلام اللّه له بما أطلعه عليه من سرائرهم، و هذا ما لا تعلمه الأمة، فأجرى اللّه تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو و غيره من البشر، ليتمّ اقتداء أمته به في تعيين قضاياه، و تنزيل أحكامه، و يأتون ما أتوا من ذلك على علم و يقين من سنّته، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول، و أدفع لاحتمال اللّفظ و تأويل المتأوّل، و كان حكمه على الظاهر أجلى في البيان، و أوضح في وجوه الأحكام، و أكثر فائدة لموجبات التّشاجر و الخصام، و ليقتدي بذلك كلّه حكّام أمّته، و يستوثق بما يؤثر عنه، و ينضبط قانون شريعته، و طيّ ذلك عنه من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فيعلّمه منه بما شاء، و يستأثر بما شاء، و لا يقدح هذا في نبوّته، و لا يفصم عروة من عصمته.

10

الباب الرابع في حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله و أحوال غيره و ما يفعله أو فعله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

قال القاضي: و أما أقواله الدنيويّة من إخباره عن أحوال غيره و ما يفعله أو فعله الخلف فيها ممتنع عليه في كلّ حال، و على أيّ وجه، من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب، و أنه معصوم منه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

هذا فيما طريقه الخبر المحض ممّا يدخله الصّدق و الكذب، فأمّا المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيويّة لا سيّما لقصد المصلحة، كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدوّ حذره.

و كما روي من ممازحته و دعابته لبسط أمّته و تطييب قلوب المؤمنين من صحابته، و تأكيدا في تحبّبهم و مسرّة نفوسهم،

كقوله:

لأحملنّك على ابن النّاقة.

و قوله للمرأة التي سألته عن زوجها:

أ هو الذي بعينه بياض.

و هذا كلّه صدق، لأنّ كلّ جمل ابن ناقة، و كلّ إنسان بعينه بياض‏

و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

إني لأمزح و لا أقول إلا حقّا.

هذا كلّه فيما بابه الخبر، فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر و النّهي في الأمور الدنيوية فلا يصحّ منه أيضا، و لا يجوز عليه أن يأمر أحدا بشي‏ء أو ينهى أحدا عن شي‏ء و هو يبطن خلافه.

و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

ما كان لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين، فكيف أن تكون له خيانة قلب.

فإن قلت: فما معنى إذا قوله تعالى في قصة زيد: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ، وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ....

فاعلم- أكرمك اللّه، و لا تسترب في تنزيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن هذا الظاهر و أن يأمر زيدا بإمساكها و هو يحبّ تطليقه إياها.

و أصحّ ما في هذا ما حكاه أهل التفسير

عن عليّ بن حسين‏

- أنّ اللّه تعالى كان أعلم نبيّه أنّ زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك، و اتّق اللّه. و أخفى في نفسه ما أعلمه اللّه به من أنه سيتزوّجها مما اللّه مبديه و مظهره بتمام التّزويج و تطليق زيد لها.

11

و روى نحوه عمرو بن فائد، عن الزّهري، قال: نزل جبريل على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعلمه أنّ اللّه يزوّجه زينب بنت جحش، فذلك الذي أخفى في نفسه.

و يصحّح هذا قول المفسّرين في قوله تعالى بعد هذا: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، أي لا بدّ لك أن تتزوّجها.

و يوضّح هذا أنّ اللّه لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدلّ أنه الذي أخفاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ممّا كان أعلمه به تعالى.

و قوله تعالى في القصة: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ‏ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.

فدلّ أنه لم يكن عليه حرج في الأمر.

قال الطّبريّ: ما كان اللّه ليؤثم نبيه فيما أحلّ مثال فعله لمن قبله من الرّسل، قال اللّه تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ‏، أي: من النبيّين فيما أحلّ لهم، و لو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند ما أعجبته، و محبّته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج، و ما لا يليق به من مدّ عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا، و لكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه و لا يتّسم به الأتقياء، فكيف سيّد الأنبياء؟.

قال القشيري: و هذا إقدام عظيم من قائله، و قلّة معرفة بحقّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بفضله.

و كيف يقال: رآها فأعجبته و هي بنت عمّته، و لم يزل يراها منذ ولدت، و لا كان النساء يحتجبن منه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو زوّجها لزيد، و إنما جعل اللّه طلاق زيد لها، و تزويج النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياها، لإزالة حرمة التّبنّي، و إبطال سنّته، كما قال: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏. و قال:

لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ‏.

و نحوه لابن فورك.

و قال أبو الليث السمرقندي: فإن قيل: فما الفائدة في أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لزيد بإمساكها؟ فهو أنّ اللّه أعلم نبيّه أنها زوجته، فنهاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن طلاقها، إذ لم تكن بينهما ألفة، و أخفى في نفسه ما أعلمه اللّه به، فلما طلّقها زيد خشي قول الناس: يتزوّج امرأة ابنه، فأمره اللّه بزواجها ليباح مثل ذلك لأمّته، كما قال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً.

و قد قيل: كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشّهوة، و ردّا للنفس عن هواها. و هذا إذا جوّزنا عليه أنه رآها فجأة و استحسنها. و مثل هذا لا نكرة فيه، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه‏

12

للحسن، و نظرة الفجاءة معفوّ عنها، ثم قمع نفسه عنها، و أمر زيدا بإمساكها، و إنما تنكر تلك الزيادات التي في القصّة. و التعويل و الأولى ما ذكرناه عن عليّ بن حسين، و حكاه السّمرقندي، و هو قول ابن عطاء، و صحّحه و استحسنه القاضي القشيري، و عليه عوّل أبو بكر بن فورك، و قال: إنه معنى ذلك عقد المحققين من أهل التفسير، قال: و النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزّه عن استعمال النّفاق في ذلك، و إظهار خلاف ما في نفسه، و قد نزّهه اللّه عن ذلك بقوله تعالى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏، قال: و من ظنّ ذلك بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد أخطأ.

قال: و ليس معنى الخشية هنا الخوف، و إنما معناه الاستحياء، أي يستحي منهم أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه.

و أن خشيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الناس كانت من إرجاف المنافقين و اليهود و تشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوّج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان، فعاتبه اللّه على هذا، و نزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحلّه له، كما عتبة على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

و كذلك قوله له ها هنا: وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏.

و قد روي عن الحسن و عائشة: لو كتم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- شيئا كتم هذه الآية، لما فيه من عتبة و إبداء ما أخفاه.

13

الباب الخامس في حكم أفعاله الدنيوية- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

قال القاضي: و أمّا أفعاله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الدّنيويّة فحكمه فيها من توقّي المعاصي و المكروهات ما قد قدمناه، و من جواز السّهو و الغلط في بعضها ما ذكرناه.

و كلّه غير قادح في النبوّة، بلى، إن هذا فيها على النّدور، إذ عامّة أفعاله على السّداد و الصواب، بل أكثرها أو كلّها جارية مجرى العبادات و القرب على ما بيّنّا، إذ كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورته، و ما يقيم رمق جسمه، و فيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربّه، و يقيم شريعته، و يسوس أمّته، و ما كان فيما بينه و بين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه، أو بر يوسّعه، أو كلام حسن يقوله أو يسمعه، أو تألّف شارد، أو قهر معاند، أو مداراة حاسد، و كلّ هذا لاحق بصالح أعماله، منتظم في زاكي وظائف عباداته، و قد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال، و يعدّ للأمور أشباهها، فيركب- في تصرّفه لما قرب- الحمار، و في أسفاره الراحلة، و يركب البغلة في معارك الحرب دليلا على الثبات، و يركب الخيل و يعدّها ليوم الفزع و إجابة الصارخ.

و كذلك في لباسه و سائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه و مصالح أمّته.

و كذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمّته و سياسة و كراهية لخلافها و إن كان قد يرى غيره خيرا منه، كما يترك الفعل لهذا، و قد يرى فعله خيرا منه. و قد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه، كخروجه من المدينة لأحد، و كان مذهبه التحصّن بها، و تركه قتل المنافقين، و هو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم، و رعاية للمؤمنين من قرابتهم، و كراهة لأن يقول الناس: إنّ محمدا يقتل أصحابه، كما جاء في الحديث، و تركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش و تعظيمهم لتغييرها، و حذرا من نفار قلوبهم لذلك، و تحريك متقدّم عداوتهم للدّين و أهله،

فقال لعائشة في الحديث الصحيح:

لو لا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم.

و يفعل الفعل ثم يتركه، لكون غيره خيرا منه، كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدوّ من قريش،

و قوله:

لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي.

و يبسط وجهه للكافر و العدوّ رجاء استئلافه.

و يصبر للجاهل، و يقول: إنّ من شرار الناس من اتّقاه الناس لشرّه، و يبذل له الرغائب ليحبّب إليه شريعته و دين ربّه.

14

و يتولّى في منزله ما يتولّى الخادم من مهنته، و يتسمّت في ملئه، حتى لا يبدو شي‏ء من أطرافه، و حتى كأن على رؤوس جلسائه الطير، و يتحدث مع جلسائه بحديث أوّلهم، و يتعجّب مما يتعجبون منه، و يضحك مما يضحكون منه، قد وسع الناس بشره و عدله، لا يستفزّه الغضب، و لا يقصّر عن الحقّ، و لا يبطن على جلسائه،

يقول:

ما كان لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين.

فإن قلت: فما معنى قوله لعائشة رضي اللّه عنها في الداخل عليه: بئس ابن العشيرة.

فلما دخل ألان له القول و ضحك معه، فلما سألته عن ذلك قال: إنّ من شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه.

و كيف جاز أن يظهر له خلاف ما يبطن، و يقول في ظهره ما قال؟

فالجواب أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان استئلافا لمثله، و تطييبا لنفسه، ليتمكّن إيمانه، و يدخل في الإسلام بسببه أتباعه، و يراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام.

و مثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حدّ مداراة الدنيا إلى السياسة الدّينية.

و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يستألفهم بأموال اللّه العريضة فكيف بالكلمة اللّيّنة؟

قال صفوان: لقد أعطاني و هو أبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى صار أحبّ الخلق إليّ.

و قوله فيه: بئس ابن العشيرة- هو غير غيبة، بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم، ليحذر حاله، و يحترز منه، و لا يوثق بجانبه كلّ الثّقة، و لا سيما و كان مطاعا متبوعا.

و مثل هذا إذا كان لضرورة و دفع مضرّة لم يكن بغيبة، بل كان جائزا، بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدّثين في تجريح الرواة و المزكّين في الشّهود.

فإن قيل: فما معنى المعضل الوارد

في حديث بريرة من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة

، و قد أخبرته أنّ موالي بريرة أبوا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء، فقال لها (صلّى اللّه عليه و سلّم): اشتريها و اشترطي لهم الولاء.

ففعلت، ثم قام خطيبا، فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه، كل شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل‏

و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قد أمرها بالشّرط لهم، و عليه باعوها، و لولاه- و اللّه أعلم- لما باعوها من عائشة، كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها، ثم أبطله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو قد حرّم الغشّ و الخديعة.

فاعلم- أكرمك اللّه- أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزّه عمّا يقع في بال الجاهل من هذا، و لتنزيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ذلك ما قد أنكر قوم هذه الزيادة: قوله: اشتر لهم الولاء، إذ ليست في أكثر طرق‏

15

الحديث، و مع ثباتها فلا اعتراض بها، إذ يقع «لهم» بمعنى «عليهم»، قال اللّه تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ. و قال: وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.

فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك، و يكون قيام النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وعظه لما سلف من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك.

و وجه ثان:

أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

اشترطي لهم الولاء،

ليس على معنى الأمر، لكن على معنى التسوية و الإعلام بأنّ شرطه لهم لا ينفعهم بعد بيان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم قبل أنّ الولاء لمن أعتق، فكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي، فإنه شرط غير نافع.

و إلى هذا ذهب الدّاوديّ و غيره، و توبيخ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تقريعهم على ذلك يدلّ على علمهم به قبل هذا.

الوجه الثالث: أنّ معنى قوله: اشترطى لهم الولاء، أي أظهري لهم حكمه، و بيّني سنّته بأنّ الولاء إنما هو لمن أعتق. ثم بعد هذا قام هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) مبيّنا ذلك و موبّخا على مخالفة ما تقدّم منه فيه.

فإن قيل: فما معنى فعل يوسف (عليه السلام) بأخيه، إذ جعل السّقاية في رحله و أخذه باسم سرقتها، و ما جرى على إخوته في ذلك، و قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏، و لم يسرقوا.

فاعلم- أكرمك اللّه- أنّ الآية تدلّ على أنّ فعل يوسف كان عن أمر اللّه، لقوله تعالى:

كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏.

فإذا كان كذلك فلا اعتراض به، كان فيه ما فيه.

و أيضا فإنّ يوسف كان أعلم أخاه بأني أنا أخوك فلا تبتئس، فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه و رغبته، و على يقين من عقبى الخير له به، و إزاحة السّوء و المضرّة عنه بذلك.

و أما قوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏، فليس من قول يوسف. فيلزم عليه جواب لحلّ شبهه.

و لعلّ قائله إن حسّن له التأويل كائنا من كان ظنّ على صورة الحال ذلك.

و قد قيل: قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف و بيعهم له. و قيل غير هذا. و لا يلزم أن نقوّل الأنبياء ما لم يأت أنهم قالوه، حتى يطلب الخلاص منه، و لا يلزم الاعتذار عن زلّات غيرهم.

16

الباب السادس في الحكمة في إجراء الأمراض و شدتها عليه و كذا سائر الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)-

قال القاضي: [فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض و شدّتها عليه و على غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ و ما الوجه فيما ابتلاهم اللّه به من البلاء، و امتحانهم بما امتحنوا به، كأيوب، و يعقوب، و دانيال، و يحيى، و زكريا، و عيسى، و إبراهيم، و يوسف، و غيرهم.

(صلوات اللّه عليهم)، و هم خيرته من خلقه و أحبّاؤه و أصفياؤه.

فاعلم- وفّقنا اللّه و إياك- أنّ أفعال اللّه تعالى كلّها عدل، و كلماته جميعها صدق، لا مبدّل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم‏ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏. و لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ‏. وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ‏.

فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، و رفعة في درجاتهم، و أسباب لاستخراج حالات الصبر و الرضا، و الشكر و التسليم، و التوكّل، و التفويض، و الدعاء، و التضرّع منهم، و تأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، و الشفقة على المبتلين، و تذكرة لغيرهم، و موعظة لسواهم ليتأسّوا في البلاء بهم، فيتسلّوا في المحن بما جرى عليهم، و يقتدوا بهم في الصّبر، و محو لهنات فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا اللّه طيّبين مهذّبين، و ليكون أجرهم أكمل، و ثوابهم أوفر و أجزل.

حدثنا القاضي أبو عليّ الحافظ، حدثنا أبو الحسين الصّيرفيّ و أبو الفضل بن خيرون، قالا: حدثنا أبو يعلى البغداديّ، حدثنا أبو علي السّنجي، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عيسى التّرمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا حمّاد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال:

قلت: يا رسول اللّه، أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرّجل على حسب دينه، فلما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة.

و كما قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏.

و عن أبي هريرة:

ما يزال البلاء بالمؤمن [و المؤمنة] في نفسه و ولده و ماله حتى يلقى اللّه و ما عليه خطيئة.

17

و عن أنس، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

إذا أراد اللّه بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، و إذا أراد اللّه بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة.

و في حديث آخر:

إذا أحبّ اللّه عبدا ابتلاه ليسمع تضرّعه.

و حكى السمرقندي أنّ كلّ من كان أكرم على اللّه تعالى كان بلاؤه أشدّ كي يتبيّن فضله، و يستوجب الثواب، كما روي عن لقمان أنه قال: يا بنيّ، الذهب و الفضة يختبران بالنار، و المؤمن يختبر بالبلاء.

و قد حكي أنّ ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه، و يوسف نائم محبّة له.

و قيل: بل اجتمع يوما هو و ابنه يوسف على أكل حمل مشويّ، و هما يضحكان، و كان لهم جار يتيم، فشمّ ريحه و اشتهاه و بكى، و بكت جدّة له عجوز لبكائه، و بينهما جدار، و لا علم عند يعقوب و ابنه، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سالت حدقتاه، و ابيضّت عيناه من الحزن. فلما علم بذلك كان بقيّة حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه: أ لا من كان مفطرا فليتغدّ عند آل يعقوب.

و عوقب يوسف بالمحنة التي نصّ اللّه عليها.

و روي عن الليث أنّ سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم، فكلّموه في ظلمه، و أغلظوا له إلّا أيوب، فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه اللّه ببلائه.

و محنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحقّ في جنبه أصهاره، أو للعمل بالمعصية في داره، و لا علم عنده.

و هذه فائدة شدّة المرض و الوجع بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قالت عائشة: رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن عبد الله:

رأيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرضه، يوعك وعكا شديدا، فقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا! قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أنّ الأجر مرتين، قال: أجل، ذلك كذلك.

و في حديث أبي سعيد

أن رجلا وضع يده على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: و اللّه ما أطيق أضع يدي عليك من شدّة حمّاك. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، إن كان النبيّ ليبتلى بالقمل حتى يقتله، و إن كان النبيّ ليبتلى بالفقر، و إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء.

18

و عن أنس، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، و إنّ اللّه إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا، و من سخط فله السّخط.

و قد قال المفسرون في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ‏، إنّ المسلم يجزى بمصائب الدنيا، فتكون له كفارة. و روي هذا عن عائشة، و أبيّ، و مجاهد.

و قال أبو هريرة، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من يرد اللّه به خيرا يصب منه».

و قال في رواية عائشة:

«ما من مصيبة تصيب المسلم إلّا يكفّر اللّه بها عنه حتى الشوكة يشاكها».

و قال في رواية أبي سعيد:

«ما يصيب المؤمن من نصب و لا وصب، و لا همّ و لا حزن، و لا أذى و لا غمّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللّه بها من خطاياه».

و في حديث ابن مسعود:

«ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ اللّه عنه خطاياه كل تحاتّ ورق الشّجر».

و حكمة أخرى أودعها اللّه في الأمراض لأجسامهم، و تعاقب الأوجاع عليها و شدّتها عند مماتهم، لتضعف قوى نفوسهم، فيسهل خروجها عند قبضهم، و تخفّ عليهم مؤنة النّزع، و شدة السكرات بتقدّم المرض، و ضعف الجسم و النّفس لذلك.

و هذا خلاف موت الفجاءة و أخذه، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة و اللّين، و الصعوبة و السهولة.

و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«مثل المؤمن مثل خامة الزّرع تفيّؤها الرّيح هكذا و هكذا.

و في رواية أبي هريرة عنه:

«من حيث أتتها الريح تكفؤها، فإذا سكنت اعتدلت، و كذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. و مثل الكافر كمثل الأرزة صمّاء معتدلة حتى يقصمه اللّه».

معناه أنّ المؤمن مرزّأ، مصاب بالبلاء و الأمراض، راض بتصريفه بين أقدار اللّه تعالى، منصاع لذلك، ليّن الجانب برضاه و قلّة سخطه، كطاعة خامة الزّرع و انقيادها للرياح، و تمايلها لهبوبها و ترنحها من حيث ما أتتها، فإذا أزاح اللّه عن المؤمن رياح البلايا، و اعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزّرع عند سكون رياح الجوّ إلى شكر ربّه و معرفة نعمته عليه برفع بلائه، منتظرا رحمته و ثوابه عليه.

فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت، و لا نزوله، و لا اشتدّت عليه سكراته و نزعه، لعادته بما تقدّم من الآلام و معرفة ما له فيها من الأجر، و توطينه نفسه على المصائب و رقّتها و ضعفها بتوالي المرض أو شدّته، و الكافر بخلاف هذا: معافى في غالب‏

19

حاله، ممتّع بصحة جسمه، كالأرزة الصمّاء، حتى إذا أراد اللّه هلاكه قصمه لحينه على غرّة، و أخذه بغتة من غير لطف و لا رفق، فكان موته أشدّ عليه حسرة، و مقاساة نزعه مع قوة نفسه و صحة جسمه أشدّ ألما و عذابا، و لعذاب الآخرة أشدّ، كانجعاف الأرزة. و كما قال تعالى:

فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏.

و كذلك عادة اللّه تعالى في أعدائه، كما قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ...، ففاجأ جميعهم بالموت على حال عتوّ و غفلة، و صبّحهم به على غير استعداد بغتة، و لهذا ما كره السلف موت الفجاءة.

و منه في حديث إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف: أي الغضب، يريد موت الفجاءة.

و حكمة ثالثة أنّ الأمراض نذير الممات، و بقدر شدّتها شدة الخوف من نزول الموت، فيستعدّ من أصابته و علم تعاهدها له، للقاء ربّه، و يعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد، و يكون قلبه معلّقا بالمعاد، فيتنصّل من كلّ ما يخشى تباعته من قبل اللّه، و قبل العباد، و يؤدّي الحقوق إلى أهلها، و ينظر فيما يحتاج إليه من وصيّة فيمن يخلّفه أو أمر يعهده.

و هذا نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) المغفور له ما تقدّم و ما تأخّر، قد طلب التنصّل في مرضه ممّن كان له عليه مال أو حقّ في بدن، و أفاد من نفسه و ماله، و أمكن من القصاص منه، على ما ورد في حديث الفضل، و حديث الوفاة، و أوصى بالثقلين بعده: كتاب اللّه، و عترته، و بالأنصار عيبته، و دعا إلى كتب كتاب لئلا تضلّ أمته بعده، إما في النصّ على الخلافة، أو اللّه أعلم بمراده. ثم رأى الإمساك عنه أفضل و خيرا.

و هكذا سيرة عباد اللّه المؤمنين و أوليائه المتقين.

و هذا كلّه يحرمه غالبا الكفّار، لإملاء اللّه لهم، ليزدادوا إثما، و ليستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال اللّه تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏.

و لذلك‏

قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رجل مات فجأة:

«سبحان اللّه! كأنه على غضب، المحروم من حرم وصيّته».

و قال:

«موت الفجاءة راحة للمؤمن، و أخذة أسف للكافر و الفاجر»،

و ذلك لأن الموت يأتي المؤمن، و هو غالبا مستعدّ له منتظر لحلوله، فهان أمره عليه كيفما جاء، و أفضى إلى راحته من نصب الدنيا و أذاها،

كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

مستريح و مستراح منه.

و تأتي الكافر و الفاجر منيّته على‏

20

غير استعداد و لا أهبة و لا مقدّمات منذرة مزعجة، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردّها و لا هم ينظرون، فكان الموت أشدّ شي‏ء عليه.

و فراق الدّنيا أفظع أمر صدمه، و أكره شي‏ء له، و إلى هذا المعنى أشار (صلّى اللّه عليه و سلّم)

بقوله:

«من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه»].

21

جماع أبواب حكم من سبه أو انتقصه و كذا سائر الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)-

الباب الأول في ذكر فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية

[قال القاضي أبو الفضل رضي اللّه عنه: قد تقدّم من الكتاب و السّنّة و إجماع الأمّة ما يجب من الحقوق للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ما يتعيّن له من برّ و توقير، و تعظيم و إكرام، و بحسب هذا حرّم اللّه تعالى أذاه في كتابه، و أجمعت الأمة على قتل متنقّصه من المسلمين و سابّه، قال اللّه تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.

و قال تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و قال اللّه تعالى: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.

و قال تعالى في تحريم التعريض به: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا وَ اسْمَعُوا وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و ذلك أنّ اليهود كانوا يقولون: راعنا يا محمد، أي أرعنا سمعك، و اسمع منا، و يعرّضون بالكلمة، يريدون الرّعونة، فنهى اللّه المؤمنين عن التشبّه بهم، و قطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها، لئلا يتوصّل بها الكافر و المنافق إلى سبّه و الاستهزاء به.

و قيل: بل لما فيها من مشاركة اللفظ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت.

و قيل: بل لما فيها من قلّة الأدب، و عدم توقير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تعظيمه، لأنها في لغة الأنصار بمعنى: ارعنا نرعك، فنهوا عن ذلك، إذ مضمّنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، و هو- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- واجب الرعاية بكل حال،

و هذا هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد نهى عن التّكنّي بكنيته، فقال: تسمّوا باسمي، و لا تكنّوا بكنيتي، صيانة لنفسه، و حماية عن أذاه، إذ كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) استجاب لرجل نادى:

يا أبا القاسم، فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكنّي بكنيته لئلا يتأذّى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه،

و يجد بذلك المنافقون و المستهزئون ذريعة إلى أذاه و الإزراء به، فينادونه، فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا- لسواه- تعنيتا له، و استخفافا بحقه على عادة المجان و المستهزئين، فحمى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمى أذاه بكل وجه، فحمل محقّقو العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته، و أجازوه بعد وفاته لارتفاع العلّة.

22

و للناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها، و ما ذكرناه هو مذهب الجمهور، و الصواب إن شاء اللّه. و إنّ ذلك على طريق تعظيمه و توقيره، و على سبيل النّدب و الاستحباب، لا على التحريم، و لذلك لم ينه عن اسمه، لأنه قد كان اللّه منع من ندائه به بقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، و إنما كان المسلمون يدعونه برسول اللّه، و بنبيّ اللّه، و قد يدعوه- بكنيته أبا القاسم- بعضهم في بعض الأحوال.

و قد روى أنس رضي اللّه عنه، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

، ما يدلّ على كراهة التسمّي باسمه، و تنزيهه عن ذلك، إذا لم يوقّر، فقال: تسمّون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم.

و روي أنّ عمر رضي اللّه عنه كتب إلى أهل الكوفة: لا يسمّى أحد باسم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حكاه أبو جعفر الطبري.

[و حكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد، و رجل يسبّه و يقول له: فعل اللّه بك يا محمد و صنع. فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: لا أرى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسبّ بك، و اللّه لا تدعى محمدا ما دمت حيّا، و سمّاه عبد الرحمن، و أراد أن يمنع أن يسمّى أحد بأسماء الأنبياء إكراما لهم بذلك، و غيّر أسماء جماعة تسمّوا بأسماء الأنبياء، ثم أمسك‏].

و الصواب جواز هذا كلّه بعده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بدليل إطباق الصحابة على ذلك.

و قد سمّى جماعة منهم ابنه محمدا، و كناه بأبي القاسم.

و روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أذن في ذلك لعليّ رضي اللّه عنه.

و قد أخبر (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ ذلك اسم المهدي و كنيته.

[و قد سمّى به النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) محمد بن طلحة، و محمد بن عمرو بن حزم، و محمد بن ثابت بن قيس، و غير واحد، و قال: ما ضرّ أحدكم أن يكون في بيته محمد و محمدان و ثلاثة]

.

23

الباب الثاني في بيان ما هو في حقه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سب من المسلم‏

[اعلم- وفّقنا اللّه و إياك- أنّ جميع من سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشي‏ء على طريق السبّ له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغضّ منه، و العيب له، فهو سابّ له، و الحكم فيه حكم السابّ، يقتل كما نبيّنه، و لا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، و لا نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا.

و كذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنّى مضرّة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذّمّ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام و هجر، و منكر من القول و زور، أو عيّره بشي‏ء ممّا جرى من البلاء و المحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة و المعهودة لديه.

و هذا كلّه إجماع من العلماء و أئمة الفتوى من لدن الصحابة (رضوان اللّه عليهم) إلى هلمّ جرّا.

و قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ من سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقتل، و ممّن قال ذلك مالك بن أنس، و الليث، و أحمد، و إسحاق، و هو مذهب الشافعيّ.

قال القاضي أبو الفضل: و هو مقتضى قول أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه، و لا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين.

و بمثله قال أبو حنيفة، و أصحابه، و الثّوريّ و أهل الكوفة، و الأوزاعيّ في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردّة.

روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.

و حكى الطبري مثله عن أبي حنيفة و أصحابه فيمن تنقّصه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أو برئ منه أو كذّبه.

و قال سحنون فيمن سبّه: ذلك ردّة كالزّندقة.

و على هذا وقع الخلاف في استتابته و تكفيره، و هل قتله حدّ أو كفر، كما سنبيّنه في الباب الثالث إن شاء اللّه تعالى، و لا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار و سلف الأمة، و قد ذكر غير واحد الإجماع على قتله و تكفيره، و أشار بعض الظاهرية- و هو أبو محمد عليّ بن أحمد الفارسيّ إلى الخلاف في تكفير المستخفّ به.

24

و المعروف ما قدّمناه، قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء أنّ شاتم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المتنقّص له كافر. و الوعيد جار عليه بعذاب اللّه، و حكمه عند الأمة القتل، و من شكّ في كفره و عذابه كفر.

و احتجّ إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله- عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): صاحبكم.

و قال أبو سليمان الخطّابي: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما.

و قال ابن القاسم- عن مالك في كتاب ابن سحنون، و المبسوط، و العتبيّة، و حكاه مطرّف عن مالك في كتاب ابن حبيب: من سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المسلمين قتل، و لم يستتب.

قال ابن القاسم في العتبيّة: من سبّه أو شتمه أو عابه أو تنقّصه فإن يقتل، و حكمه عند الأمة القتل كالزّنديق.

و قد فرض اللّه تعالى توقيره و برّه. و في المبسوط- عن عثمان بن كنانة: من شتم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المسلمين قتل أو صلب حيّا و لم يستتب و الإمام مخيّر في صلبه حيّا أو قتله.

و من رواية أبي المصعب، و ابن أبي أويس: سمعنا مالكا يقول: من سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه- قتل مسلما كان أو كافرا، و لا يستتاب.

و في كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل و لم يستتب.

و قال أصبغ: يقتل على كل حال أسرّ ذلك أو أظهره، و لا يستتاب، لأنّ توبته لا تعرف.

و قال عبد الله بن الحكم: من سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مسلم أو كافر قتل و لم يستتب.

و حكى الطبريّ مثله عن أشهب، عن مالك.

و روى ابن وهب، عن مالك: من قال: إنّ رداء النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.

و يروي زرّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وسخ، أراد عيبه- قتل.

و قال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أنّ من دعا على نبيّ من الأنبياء بالويل، أو بشي‏ء من المكروه- أنّه يقتل بلا استتابة.

و أفتى أبو الحسن القابسيّ فيمن قال في النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): الحمّال يتيم أبي طالب بالقتل.

25

و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ مرّ بهم رجل قبيح الوجه و اللّحية، فقال لهم: تريدون تعرفون صفته، هي في صفة هذا المارّ في خلقه و لحيته. قال: و لا تقبل توبته.

و قد كذب- لعنه اللّه، و ليس يخرج من قلب سليم الإيمان.

و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان أسود يقتل.

و قال في رجل قيل له: لا، و حقّ رسول اللّه. فقال: فعل اللّه برسول اللّه كذا و كذا- و ذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدوّ اللّه؟ فقال أشدّ من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول اللّه العقرب. فقال ابن أبي سليمان الذي سأله: اشهد عليه و أنا شريكك- يريد في قتله و ثواب ذلك.

قال حبيب بن الربيع: لأنّ ادّعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، و هو غير معزّز لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا موقّر له، فوجب إباحة دمه.

و أفتى أبو عبد الله بن عتّاب في عشّار قال لرجل: أدّ و اشك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: إن سألت أو جعلت فقد جهل و سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالقتل.

و أفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقّه الطليطليّ و صلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، و ختن حيدرة، و زعمه أنّ زهده لم يكن قصدا، و لو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا.

و أفتى فقهاء القيروان و أصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، و كان شاعرا متفنّنا في كثير من العلوم، و كان ممّن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء باللّه و أنبيائه و نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر و غيره من الفقهاء، و أمر بقتله و صلبه، فطعن بالسكين، و صلب منكّسا، ثم أنزل و أحرق بالنار.

و حكى بعض المؤرخين أنه لمّا رفعت خشبته، و زالت عنها الأيدي استدارت، و حوّلته عن القبلة، فكان آية للجميع، و كبّر الناس، و جاء كلب فولغ في دمه، فقال يحيى بن عمر:

صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،

و ذكر حديثا عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:

لا يلغ الكلب في دم مسلم.

و قال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) هزم يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، لأنه تنقّص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره، و يقين من عصمته.

26

و قال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك و أصحابه أنّ من قال فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما فيه نقص قتل دون استتابة.

و قال ابن عتّاب: الكتاب و السنة موجبان أنّ من قصد النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأذى أو نقص، معرّضا أو مصرّحا، و إن قلّ- فقتله واجب، فهذا الباب كلّه مما عده العلماء سبّا أو تنقّصا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدّمهم و لا متأخّرهم، و إن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه و نبيّنه بعد.

و كذلك أقول: حكم من غمصه أو عيّره برعاية الغنم أو السّهو أو النسيان أو السّحر، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوّه، و شدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كلّه لمن قصد به نقصه القتل.

و قد مضى من مذاهب العلماء في ذلك، و يأتي ما يدلّ عليه‏] ..

27

الباب الثالث في بيان ما هو في حقه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سب من الكافر

قال القاضي: [فأمّا الذّمّي إذا صرّح بسبّه أو عرّض، أو استخفّ بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به- فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنّا لم نعطه الذمّة أو العهد على هذا، و هو قول عامة الفقهاء، إلا أبا حنيفة و الثوريّ و أتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشّرك أعظم، و لكن يؤدب و يعزّر.

و استدلّ بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ‏.

و يستدلّ عليه أيضا بقتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لابن الأشرف و أشباهه، و لأنّا لم نعاهدهم، و لم نعطهم الذّمّة على هذا، و لا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد و لا الذمّة فقد نقضوا ذمّتهم، و صاروا كفارا يقتلون لكفرهم.

و أيضا فإنّ ذمّتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم، من القطع في سرقة أموالهم، و القتل لمن قتلوه منهم، و إن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبّهم للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقتلون به.

و وردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذميّ بالوجه الذي كفر به، ستقف عليها من كلام ابن القاسم و ابن سحنون بعد.

و حكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين.

و اختلفوا إذا سبّه ثم أسلم، فقيل: يسقط إسلامه قتله، لأن الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبّه ثم تاب، لأنّا نعلم باطنة الكافر في بغضه له، و تنقّصه بقلبه، لكنّا منعناه من إظهاره، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر، و نقضا للعهد، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله، قال اللّه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ‏.

و المسلم بخلافه، إذ كان ظنّنا بباطنه حكم ظاهره، و خلاف ما بدا منه الآن، فلم نقبل بعد رجوعه، و لا استنمنا إلى باطنه، إذ قد بدت سرائره، و ما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شي‏ء.

و قيل: لا يسقط إسلام الذميّ السابّ قتله، لأنه حقّ للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجب عليه، لانتهاكه حرمته، و قصده إلحاق النّقيصة و المعرّة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل و قذف، و إذا كنّا لا نقبل توبة المسلم فإنّا لا نقبل توبة الكافر أولى.

28

و قال مالك في كتاب ابن حبيب، و المبسوط، و ابن القاسم، و ابن الماجشون، و ابن عبد الحكم، و أصبغ- فيمن شتم نبيّنا من أهل الذّمّة أو أحدا من الأنبياء (عليهم السلام) قتل إلا أن يسلم، و قاله ابن القاسم في العتبية، و عند محمد، و ابن سحنون.

و قال سحنون و أصبغ: لا يقال له: أسلم، و لا لا تسلم، و لكن إن أسلم فذلك له توبة.

و في كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو غيره من الأنبياء من مسلم أو كافر قتل و لم يستتب.

و روي لنا عن مالك: إلّا أن يسلم الكافر.

و قد روى ابن وهب، عن ابن عمر- أنّ راهبا تناول النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)! فقال ابن عمر: فهلّا قتلتموه! و روى عيسى عن ابن القاسم في ذمّيّ قال: إنّ محمدا لم يرسل إلينا، إنما أرسل إليكم، و إنما نبيّنا موسى أو عيسى، و نحو هذا: لا شي‏ء عليهم، لأنّ اللّه تعالى أقرّهم على مثله.

و أمّا إن سبّه فقال: ليس بنبيّ، أو لم يرسل، أو لم ينزّل عليه قرآن، و إنما هو شي‏ء تقوّله أو نحو هذا فيقتل.

و قال ابن القاسم: و إذا قال النصرانيّ: ديننا خير من دينكم، و إنما دينكم دين الحمير، و نحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمدا رسول اللّه، فقال: كذلك يعطيكم اللّه، ففي هذا الأدب الموجع و السجن الطّويل.

قال: و أمّا إن شتم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم، قاله مالك غير مرّة، و لم يقل: يستتاب.

قال ابن القاسم: و محمل قوله عندي إن أسلم طائعا.

و قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهوديّ يقول للمؤذّن، إذا تشهّد:

كذبت- يعاقب العقوبة الموجعة مع السّجن الطويل.

و في النوادر من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود و النصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلّا أن يسلم.

قال محمد بن سحنون: فإن قيل: لم قتلته في سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من دينه سبّه و تكذيبه؟

قيل: لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، و لا على قتلنا، و أخذ أموالنا، فإذا قتل واحدا منا قتلناه، و إن كان من دينه استحلاله، فكذلك إظهاره لسبّ نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال سحنون: كما لو بذل هنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبّه لم يجز لنا ذلك في قول قائل.

29

الباب الرابع في بيان قتل الساب إذا كان ممن يدعي الإسلام و لم يتب‏

قال القاضي: [الحجة في إيجاب قتل من سبّه أو عابه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمن القرآن لعنه تعالى لمؤذيه في الدنيا و الآخرة، و قرانه تعالى أذاه بأذاه، و لا خلاف في قتل من سبّ اللّه، و أنّ اللّعن إنما يستوجبه من هو كافر، و حكم الكافر القتل، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.

و قال- في قاتل المؤمن مثل ذلك، فمن لعنته في الدّنيا القتل، قال اللّه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا.

و قال- في المحاربين، و ذكر عقوبتهم: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا.

و قد يقع القتل بمعنى اللّعن، قال اللّه تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ‏.

و قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏، أي لعنهم اللّه، و لأنه فرق بين أذاهما و أذى المؤمنين، و في أذى المؤمنين ما دون القتل، من الضّرب و النّكال، فكان حكم مؤذي اللّه و نبيّه أشدّ من ذلك، و هو القتل. و قال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.

فسلب اسم الإيمان عمّن وجد في صدره حرجا من قضائه، و لم يسلّم له، و من تنقّصه فقد ناقض هذا.

و قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ‏.

و لا يحبط العمل إلا الكفر، و الكافر يقتل.

و قال تعالى: وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ... ثم قال: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

و قال تعالى: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ‏. ثم قال: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

30

و قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ، قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ‏.

قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و أمّا الإجماع فقد ذكرناه.

و أمّا الآثار

فحدّثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن غلبون، عن الشيخ أبي ذرّ الهروي إجازة، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني، و أبو عمر بن حيوة، حدثنا محمد بن نوح، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر، عن عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

من سبّ نبيّا فاقتلوه، و من سبّ أصحابي فاضربوه.

و في الحديث الصحيح: أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقتل كعب بن الأشرف. و قوله: من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذي اللّه و رسوله. توجّه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، و علّل قتله بأذاه له، فدلّ أنّ قتله إياه لغير الإشراك، بل للأذى.

و كذلك قتل أبا رافع، قال البراء: و كان يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يعين عليه.

و كذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل و جاريتيه اللّتين كانتا تغنّيان بسبّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و في حديث آخر

أنّ رجلا كان يسبّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: من يكفيني عدوّي؟ فقال خالد: أنا.

فبعثه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقتله.

و كذلك لم يقل جماعة ممّن كان يؤذيه من الكفّار و يسبّه، كالنّضر بن الحارث، و عقبة ابن أبي معيط.

و عهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح و بعده، فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه.

و قد روى البزّار، عن ابن عباس-

أنّ عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرا! فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): بكفرك و افترائك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و ذكر عبد الرزّاق‏

أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبّه رجل، فقال: من يكفيني عدوّي؟ فقال الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير.

و روى أيضا

أن امرأة كانت تسبّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: من يكفيني عدوّتي؟ فخرج إليها خالد ابن الوليد فقتلها.

و روى أن رجلا كذب على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبعث عليّا و الزّبير إليه ليقتلاه.

31

و روى ابن قانع أنّ رجلا جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: يا رسول اللّه، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته! فلم يشقّ ذلك على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و بلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي اللّه عنه أن امرأة هناك في الردّة غنّت بسبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقطع يدها، و نزع ثنيّتها، فبلغ أبا بكر رضي اللّه عنه ذلك، فقال له:

لو لا ما فعلت لأمرتك بقتلها، لأنّ حدّ الأنبياء ليس بشبه الحدود.

و عن ابن عباس:

هجت امرأة من خطمة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول اللّه. فنهض فقتلها، فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: لا ينتطح فيها عنزان.

و عن ابن عباس أن أعمى كانت له أمّ ولد تسبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تشتمه، فقتلها، و أعلم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، فأهدر دمها.

و في حديث أبي برزة الأسلمي: كنت يوما جالسا عند أبي بكر الصديق، فغضب على رجل من المسلمين- و حكى القاضي إسماعيل و غير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سبّ أبا بكر.

و رواه النّسائي: أتيت أبا بكر، و قد أغلظ لرجل فردّ عليه، قال: فقلت: يا خليفة رسول اللّه، دعني أضرب عنقه. فقال: اجلس، فليس ذلك لأحد إلا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال القاضي أبو محمد بن نصر: و لم يخالف عليه أحد، فاستدلّ الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكلّ ما أغضبه أو آذاه أو سبّه.

و من ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة، و قد استشاره في قتل رجل سبّ عمر رضي اللّه عنه، فكتب إليه عمر: إنه لا يحلّ قتل امرئ مسلم بسبّ أحد من الناس إلا رجلا سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فمن سبّه فقد حلّ دمه.

و سأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذكر له أنّ فقهاء العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك، و قال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيّها! من شتم الأنبياء قتل، و من شتم أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلد.

قال القاضي أبو الفضل (رحمه اللّه تعالى): كذا وقع في هذه الحكاية، و رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك و مؤلّفي أخباره و غيرهم، و لا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر! و قد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله، و لعلّهم ممن لم يشهر بعلم، أو من لا يوثق بفتواه، أو يميل به هواه بقتله أو يكون ما قاله يحمل على غير السبّ، فيكون الخلاف: هل‏

32

هو سبّ أو غير سب؟ أو يكون رجع و تاب من سبّه، فلم يقله لمالك على أصله، و إلا فالإجماع على قتل من سبّه كما قدّمناه.

و يدلّ على قتله من جهة النّظر و الاعتبار أنّ من سبّه أو تنقّصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد ظهرت علامة مرض قلبه، و برهان سرّ طويّته و كفره، و لهذا ما حكم له كثير من العلماء بالردّة، و هي رواية الشاميين عن مالك و الأوزاعي، و قول الثوري، و أبو حنيفة، و الكوفيين.

و القول الآخر أنه دليل على الكفر، فيقتل حدّا، و إن لم يحكم له بالكفر إلّا أن يكون متماديا على قوله، غير منكر له، و لا مقلع عنه، فهذا كافر، و قوله: إمّا صريح كفر كالتكذيب و نحوه، أو من كلمات الاستهزاء و الذمّ، فاعترافه بها و ترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك، و هو كفر أيضا، فهذا كافر بلا خلاف، قال اللّه تعالى في مثله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ‏.

قال أهل التفسير: هي قولهم: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير.

و قيل: قول بعضهم: ما مثلنا و مثل محمد إلا قول القائل: سمّن كلبك يأكلك، و لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ.

و قد قيل: إنّ قائل مثل هذا إن كان مستترا به إنّ حكمه حكم الزّنديق يقتل، و لأنه قد غيّر دينه، و

قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من غيّر دينه فاضربوا عنقه»،

و لأنّ لحكم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الحرمة مزيّة على أمته، و ساب الحرّ من أمّته يحدّ، فكانت العقوبة لمن سبّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القتل، لعظيم قدره، و شفوف منزلته على غيره ...].

33

الباب الخامس في الكلام على توبة المسلم و استتابته‏

[إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتدّ، إذ لا فرق.

و قد اختلف السّلف في وجوبها و صورتها و مدّتها، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ المرتدّ يستتاب.

و حكى ابن القصّار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة، و لم ينكره واحد منهم، و هو قول عثمان، و عليّ، و ابن مسعود، و به قال عطاء بن أبي رباح، و النّخعي، و الثّوري، و مالك، و أصحابه، و الأوزاعيّ، و الشافعيّ، و أحمد، و إسحاق، و أصحاب الرأي.

و ذهب طاوس، و محمد بن الحسن، و عبيد بن عمير، و الحسن في إحدى الروايتين عنه- أنه لا يستتاب، و قاله عبد العزيز بن أبي سلمة، و ذكره عن معاذ، و أنكره سحنون عن معاذ، و حكاه الطحاوي عن أبي يوسف، و هو قول أهل الظاهر، قالوا: و تنفعه توبته عند اللّه، و لكن لا تدرأ القتل عنه،

لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

، [من بدّل دينه‏] فاقتلوه.

و حكي أيضا عن عطاء: إن كان ممّن ولد في الإسلام لم يستتب، و يستتاب الإسلاميّ.

و جمهور العلماء على أنّ المرتدّ و المرتدّة في ذلك سواء.

و روي عن عليّ رضي اللّه عنه:

لا تقتل المرتدّة، و تسترقّ،

و قاله عطاءة و قتادة.

و روي عن ابن عبّاس: لا تقتل النساء في الردة، و به قال أبو حنيفة.

قال مالك: و الحرّ و العبد و الذّكر و الأنثى في ذلك سواء].

34

الباب السادس في انتقاض عهد الذمي إذا ذم المقام الشريف و وجوب قتله و النص على ذلك‏

[كذلك ينتقض عهد من سبّ منهم، و يحلّ لنا دمه، فكما لم يحصّن الإسلام من سبّه من القتل كذلك لا تحصّنه الذمة.

قال القاضي أبو الفضل: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه و عن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفّف عقوبتهم فيه مما به كفروا، فتأمّله.

و يدلّ على أنه خلاف ما روي عن المدنيّين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري، قال: أتيت بنصرانيّ قال: و الذي اصطفى عيسى على محمّد، فاختلف عليّ فيه، فضربته حتى قتلته، أو عاش يوما و ليلة، و أمرت من جرّ برجله، و طرح على مزبلة، فأكلته الكلاب.

و سئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدا. فقال: يقتل.

و قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصرانيّ بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح منه الناس.

قال مالك: أرى أن تضرب عنقه‏].

الباب السابع في عدم قبول توبته إذا سب مع بقائه على كفره‏

[...] [قلت و هو مذكور في ثنايا البابين السابقين‏].

الباب الثامن في أن توبته بالإسلام هل هي صحيحة مسقطة للقتل أم لا و هل يستتاب بالإسلام و يدّعي الندم‏

قال القاضي: [إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل، و يتسلّط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله، و قوة الشهادة عليه، و ضعفها، و كثرة السّماع عنه، و صورة حاله من التهمة في الدّين و النّبز بالسّفه و المجون، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النّكال من التضييق في السّجن، و الشدّ في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته بما لا يمنعه القيام لضرورته، و لا

35

يقعده عن صلاته، و هو حكم كلّ من وجب عليه القتل، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه، و تربّص به لإشكال و عائق اقتضاه أمره، و حالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله.

و قد روى الوليد عن مالك و الأوزاعيّ أنها ردّة، فإذا تاب نكّل.

و لمالك في العتبيّة و كتاب محمد، من رواية أشهب: إذا تاب المرتدّ فلا عقوبة عليه.

و قاله سحنون.

و أفتى أبو عبد الله بن عتّاب فيمن سبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فشهد عليه شاهدان عدّل أحدهما بالأدب الموجع و التّنكيل و السّجن الطويل حتى تظهر توبته.

و قال القابسيّ في مثل هذا: و من كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن، و يستطال سجنه، و لو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم، و يحمل عليه من القيد ما يطيق.

و قال في مثله ممّن أشكل أمره: يشدّ في القيود شدّا، و يضيّق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه.

و قال في مسألة أخرى مثلها: و لا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح، و في الأدب بالسّوط و السّجن نكال للسفهاء، و يعاقب عقوبة شديدة، فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين، و أثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه، و لم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخفّ لسقوط الحكم عنه، و كأنه لم يشهد عليه، إلّا أن يكون مما لا يليق به ذلك، و يكون الشاهدان من أهل التّبريز فأسقطهما بعداوة، فهو و إن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظنّ صدقهما، و للحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد. و اللّه وليّ الإرشاد].

الباب التاسع في الخلاف في أن حكم الحاكم بسقوط القتل عن الساب مع بقائه على الكفر صحيح أم لا؟

[...].

36

جماع أبواب بعض الحوادث الكائنة بالمدينة الشريفة في سني الهجرة غير ما تقدم‏

باب مبدأ التاريخ الإسلامي و أسقطت ذكر بقية الأبواب لكثرتها،

و فيه أنواع‏

الأوّل: في بيان من ابتدأ بالتأريخ.

روى الحاكم في «الإكليل» عن ابن شهاب الزهري- (رحمه اللّه تعالى)-، قال: لما قدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول [ (1)].

قال الحافظ- (رحمه اللّه تعالى)-: هذا معضل [ (2)]، و المشهور خلافه.

قلت: و هذا القول قدمه في الإشارة، و رواه يعقوب بن سفيان- بلفظ- «التّأريخ من يوم قدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المدينة مهاجرا» قال الحافظ، و ابن عساكر: و هذا أصوب، و المحفوظ أن الآمر بالتاريخ عمر بن الخطّاب [ (3)].

قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب «التاريخ»: و يعضد الأول ما رأيته بخط ابن القماح في مجموع له، قال ابن الصلاح: وقفت على كتاب في «الشروط» لأبي طاهر محمش الزيادي ذكر فيه أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ارّخ بالهجرة حين كتب لنصارى نجران، و أمر عليا- رضي اللّه تعالى عنه- أن يكتب فيه لخمس من الهجرة، فالمؤرخ إذن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و عمر تبعه في ذلك.

و قد يقال: إن هذا صريح في أنه أرخ سنة خمس، و الحديث الأول فيه أنه أرخ يوم‏

____________

[ (1)] و أخرجه الطبري في التاريخ 2/ 388.

[ (2)] و المعضل ما سقط منه اثنان فصاعدا مع التوالي، قال السمني و خصه التبريزي هو و المنقطع بما ليس في أول الإسناد و قال شيخ الإسلام ابن حجر: إن الموقوف على التابعي يعتبر معضلا بشرطين.

أحدهما: أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، فإن لم يكن فمرسلا أي إن كان لا يقال من قبل الرأي، و لا يروى عن أهل الكتاب، فيتعين أن يكون عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، فيكون الساقط منه الصحابي فقط، فيكون مرسلا، لأنه في هذه الحالة يكون في حكم المرفوع.

ثانيهما: أن يروى مسندا من طريق ذلك الذي وقف عليه، فإن لم يكن موقوفا لا معضل لاحتمال أنه قاله من عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين أ ه.

قال العراقي:

و المعضل الساقط منه اثنان‏* * * فصاعدا، و منه قسم ثان‏

حذف النبي و الصحابي معا* * * و وقف متنه على من تبعا

انظر غيث المستغيث ص 74.

[ (3)] الطبري 2/ 388.

37

قدومه المدينة، [و يجاب بأنه لا منافاة فإن الظرف، و هو قوله: يوم قدم المدينة] [ (1)] ليس متعلقا بالفعل، و هو أمر بالمصدر، و هو التاريخ أي أمر أن يؤرّخ بذلك اليوم، لأنه الآمر في ذلك اليوم فتأمله، فإنه نفيس جدا انتهى كلام الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)-.

و روى البخاري في تاريخه «الصغير» عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المدينة.

و روى البخاري في «صحيحه» و محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه عن سهل بن سعد- رضي اللّه تعالى عنه- زاد ابن أبي شيبة قال: أخطأ الناس العدد انتهى، أي: لم يعدوا من مبعث النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لا من متوفاه، إنما عدوا من مقدمة المدينة.

قال مصعب الزبيري: و كان تاريخ قريش من متوفى هاشم بن المغيرة يعني آخر تاريخهم.

قوله: «أخطأ الناس العدد» أي: أغفلوه و تركوه، ثم استدركوه و لم يرد أن الصواب خلاف ما عملوا، و يحتمل أن يريده، و أنه كان يرى أن البداءة بالمبعث أو الوفاة أولى، و له اتجاه. لكن الراجح خلافه.

و قوله: «مقدمه» أي: زمن قدومه، و لم يرد شهر قدومه، لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة.

قاله الحافظ- (رحمه اللّه)-.

و قال عمرو بن دينار: إن أول من أرخ في الكتب يعلى بن أمية و هو باليمن.

رواه الإمام أحمد بسند صحيح لكن فيه انقطاع بين عمرو و يعلى.

الثّاني: ذكروا في سبب عمل التّاريخ أشياء.

منها: ما رواه أبو نعيم- الفضل بن دكين بضم الدال المهملة و فتح الكاف و سكون التحتية و بالنون شيخ البخاري في «تاريخه» من طريق الشعبي أن أبا موسى- رضي اللّه تعالى عنه- كتب إلى عمر- رضي اللّه تعالى عنه-: إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، و بعضهم: أرخ بالهجرة. فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق و الباطل، فأرخوا بها، و ذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا. قال بعضهم: ابدأوا برمضان، فقال بعضهم: بل المحرم فإنّه منصرف الناس من حجّهم، فاتفقوا عليه.

____________

[ (1)] ما بين المعكوفين سقط في أ.

38

و منها: ما رواه الإمام أحمد، و البخاري في «الأدب» و أبو عروبة الحراني في «الأوائل» و الحاكم من طريق ميمون بن مهران- (رحمه اللّه تعالى)- قال: رفع لعمر صك محله شعبان فقال: أيّ شعبان: الماضي، أو الذي نحن فيه أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ.

فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول، و قال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا: كم أقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالمدينة فوجده عشر سنين، فكتب التاريخ من هجرة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.

و روى ابن عساكر عن سعيد بن المسيب- (رحمه اللّه تعالى)- قال: أول من كتب التاريخ عمر لسنتين و نصف من خلافته، فكتب لسنة عشر من المحرم بمشورة عليّ.

و روى ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين قال: قدم رجل من اليمن فقال: رأيت شيئا يسمونه التاريخ يكتبون من عام كذا و بشهر كذا، فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمع على ذلك قال قوم: أرخوا للمولد، و قال قائل: للمبعث، و قال قائل: من حين خرج مهاجرا، و قال آخرون:

من حين توفي، فقال عمر: «أرّخوا من خروجه من مكة إلى المدينة».

ثم قال: بأي شهر نبدأ؟ فقال قوم: برجب، و قال قوم: برمضان فقال عثمان: أرخوا من المحرم، فإنه شهر حرام، و هو أول السنة، و منصرف الناس من الحج، قال: فكان ذلك سنة سبع عشرة في ربيع الأول من الهجرة.

و روى الحاكم عن سعيد بن المسيب- (رحمه اللّه تعالى)-

لما جمع عمر الناس سألهم من أي يوم نكتب التاريخ، فقال علي- رضي اللّه تعالى عنه- من يوم هاجر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و ترك أرض الشرك ففعله عمر.

قال الحافظ- (رحمه اللّه تعالى)-: و استفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر، و عثمان، و علي- رضي اللّه تعالى عنهم-.

الثالث:

و قد أبدى بعضهم بالبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له و يمكن أن يؤرخ بها أربع: مولده، و مبعثه، و هجرته، و وفاته فرجح عندهم جعلها من الهجرة، لأن المولد و المبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته.

و أما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر في الهجرة، و إنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، و هي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة، و العزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ.

39

قال الحافظ: «و هذا أقوى ما وقفت عليه في مناسبة الابتداء بالمحرم».

قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)-: وقفت على نكتة في جعل المحرم أول السنة.

و روى سعيد بن منصور في «سننه» و البيهقيّ في «الشعب» بإسناده حسن، عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال في قوله تعالى: وَ الْفَجْرِ [الفجر 1] قال: الفجر شهر المحرم و هو فجر السنة» [ (1)].

قال الحافظ في أماليه: بهذا يحصل الجواب عن الحكمة في تأخير التاريخ من ربيع الأول إلى المحرم. بعد أن اتفقوا على جعل التأريخ من الهجرة و إن كانت في ربيع الأول.

روى البخاري في «تاريخه» عن عبيد بن عمير- (رحمه اللّه تعالى)- قال: المحرم شهر اللّه، و هو رأس السنة، فيه يؤرخ التاريخ، و فيه يكسى البيت، و يضرب فيه الورق.

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر- (رحمه اللّه تعالى)-: ذكر أبو الحسن محمد بن أحمد الوراق المعروف ب ابن ...] أن أول المحرم سنة الهجرة كان يوم الخميس اليوم الثاني من أيام سنة ثلاث و ثلاثين و تسعمائة لذي القرنين قلت: أي اليوناني، لا الذي ذكر في القرآن، انتهى.

تنبيهات‏

الأوّل [ (2)]: قال السّهيلي- (رحمه اللّه تعالى)-: أخذ الصحابة التأريخ من الهجرة من قوله تبارك و تعالى‏ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ [التوبة 108] لأنه معلوم أنه ليس أول الأيام مطلقا، فتعين أنه أضيف إلى شي‏ء مضمر، و هو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، و عبد النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ربه تبارك و تعالى آمنا، و ابتدأ بناء المسجد فوافق رأي الصحابة- رضي اللّه تعالى عنهم- ابتداء التأريخ من ذلك اليوم، و فهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... أنه أول أيام التأريخ.

قال الحافظ- (رحمه اللّه تعالى)- كذا قال، و المتبادر أن معنى قوله: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ أي: يوم دخل فيه النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أصحابه المدينة.

الثّاني: إنما يؤرخ بالأشهر الهلالية التي قد تكون ثلاثين، و قد تكون تسعا و عشرين كما ثبت في الحديث دون الشّمسيّة الحسبية و هي ابتداء ثلاثون فتزيد عليها.

قال اللّه سبحانه و تعالى في قصة أصحاب الكهف‏ وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً [الكهف 25].

____________

[ (1)] ابن كثير 3/ 205.

[ (2)] في أ: النوع الثالث.

40

قال المفسرون: زيادة التسعة باعتبار الهلالية، و هي ثلاثمائة فقط هلالية، و إنما كان التأريخ بالهلالية للحديث الصحيح: «إنا أمّة أمّية لا نحسب و لا نكتب، الشهر هكذا، و هكذا».

و الحديث الصحيح: «إذا رأيتموه يعني الهلال- فصوموا، و إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين».

و آلى [ (1)] النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من نسائه شهرا، و دخل عليهن في التاسع و العشرين، فقيل له:

لقد آليت فقال: الشهر تسع و عشرون‏

قال الإمام البلقيني في «التدريب»: كل شهر في الشرع فالمراد به الهلال، إلّا شهر المستحاضة و تخليق الحمل.

الثالث: قال الصلاح الصفدي- (رحمه اللّه تعالى)-: رأيت بعض الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، و بعضها لم يكتبوا فيه شهرا، و طلبت الحكمة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء و هو شهر ربيع، و شهر رجب، و رمضان و لم أدر العلة في ذلك ما هي و لا وجه المناسبة، لأنه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه، لأنه يجتمع في ذلك راءان.

قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب «نظم العقيان في أعيان الأعيان»: قد تعرّض للمسألة من المتقدمين ابن درستويه فقال في كتابه المتمم: الشهور سجلها مذكرة إلا جمادى، و ليس شي‏ء منها يضاف إليه شهر إلا شهر ربيع و شهر رمضان قلت و قال ابن خطيب الدهشة- (رحمه اللّه تعالى)- في «المصباح» [ (2)]: الربيع عند العرب ربيعان ربيع شهور و ربيع زمان فربيع الشهور اثنان قالوا: لا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول و شهر ربيع الآخر بزيادة شهر و تنوين ربيع و جعل الأول و الآخر وصفا تابعا من الإعراب و يجوز فيه الاضافة ...].

قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه «التاريخ»: قال المتأخرون: و يذكر شهر فيما أوله راء فيقال شهر ربيع مثلا دون غيره، فلا يقال: شهر صفر، و المنقول عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى كل الشهور و هو المختار. انتهى.

و قال الإمام النووي- (رحمه اللّه تعالى) [و جاء من الشهور ثلاثة مضافة إلى شهر رمضان و شهرا ربيع ...].

الرابع: إنما يؤرّخ بالليالي، لأن الليلة سابقة على يومها إلا يوم عرفة شرعا، قال اللّه تعالى: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء 30]. قالوا: و لا يكون مع الارتفاق إلا الظلام فهو سابق على النور.

____________

[ (1)] و الإيلاء الحلف.

[ (2)] و المصباح ليس لابن خطيب الدهشة بل هو لولده.

41

روي أن أول ما خلق اللّه تعالى النور و الظّلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا، و النور نهارا.

و قد ثبت أن القيامة لا تقوم إلا نهارا، فدل على أن ليلة اليوم سابقة عليه، إذ كل يوم له ليلة، و تقدم الكلام على ذلك مبسوطا أول المعراج.

الخامس: قال في «المصباح» أرّخت الكتاب بالتثقيل في الأشهر، و التخفيف لغة حكاها ابن القطاع، إذ جعلت له تاريخا [و هو معرّب، و قيل عربيّ‏] و هو بيان انتهاء وقته و يقال:

ورّخت على البدل و التوريخ قليل الاستعمال.

السّادس: اختلفوا في لفظ التاريخ هل هو عربي أو معرّب.

قال صاحب نور المقاييس، و هو مختصر كتاب «مقاييس اللغة» لابن فارس «تاريخ الكتاب»: ليس عربيا و لا سمع من فصيح.

و قال ابن فارس في «المجمل»: التواريخ و التاريخ فما تحسبهما عربية.

و قال [غيره‏] التاريخ لفظ معرب أصله: ماه روز، و سبب تعريبه أن أبا موسى كتب إلى عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- فذكر ما تقدم فجمع عمر الصحابة و استشارهم في ذلك فقال الهرمزان: إن للعجم حسابا يسمونه ماه روز ينسبونه إلى ما غلب عليهم من الأكاسرة، فعربوه و قالوا: مؤرخ و جعلوا مصدره التاريخ. و استعملوه في وجوه التصريف، ثم بيّن لهم الهرمزان أن كيفية استعماله، فقال عمر- رضي اللّه تعالى عنه-: ضعوا تاريخا يتعاملون عليه، فذكر نحو ما سبق أول الباب.

و قال جماعة: هو عربي مشتق من الأرخ بفتح الهمزة و كسرها و هو ولد البقرة الوحشية، إلا إذا كانت أنثى كانت فتى، و قال القزاز: الأرخ البقرة التي لم ينز عليها الثيران، و العرب تشبه بها النساء الخفرات.

و قال أبو منصور الجواليقي يقال: إنّ الأرخ الوقت، و التأريخ: التوقيت [ (1)].

قال ابن بري: لم يذهب أحد إلى هذا، و إنما قال ابن درستويه: اشتقاق [الإرخ من بقر الوحش، و اشتقاق التأريخ واحد، لأن الفتى وقت من السن، و التاريخ‏] [ (2)] وقت من الزمن.

و قال ابن بري: و قد أحسن كل الإحسان و جمع الأرخ و التاريخ.

____________

[ (1)] و قال إن التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، و إنما أخذه المسلمون عن أهل الكتاب و تاريخ المسلمين أرخ من سنة الهجرة كتب في خلافة عمر رضي اللّه عنه فصار تاريخا إلى اليوم.

[ (2)] ما بين المعكوفين سقط في أ.

42

السّابع: التاريخ: تعريف الوقت، و في الاصطلاح: تعيين وقت ينسب إليه زمان و ما بعده.

و قيل: هو يوم معلوم ينسب إليه زمان يأتي بعده.

و قيل: تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور جولة، أو وقوع حادثة من طوفان، أو زلزلة، أو نحو ذلك من الأبيات.

النّوع الرّابع: في حوادث السّنة الأولى غير المغازي و السّرايا.

فيها صلى الجمعة في طريق بني سالم بن عوف، و هي أول جمعة صلاها في الإسلام و أول خطبة خطبها في الإسلام كما جزم به غير واحد و صاحب العيون.

و روى ابن إسحاق و البيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال:

كانت أول خطبة خطبها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالمدينة، أنه قام فيهم، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: أيّها النّاس فقدموا لأنفسكم تعلمنّ و اللّه ليصعقنّ أحدكم ثمّ ليدعنّ غنمه ليس لها راع ثمّ ليقولنّ له ربه ليس له ترجمان و لا حاجب، يحجبه دونه أ لم يأتك رسولي فبلغك و آتيتك مالا و أفضلت عليك، فما قدّمت لنفسك فلينظرنّ يمينا و شمالا فلا يرى شيئا، ثمّ لينظرنّ قدّامه فلا يرى غير جهنّم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النّار و لو بشقّ تمرة فليفعل، و من لم يجد فبكلمة طيّبة فإنّ بها يجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف و السلام على رسول اللّه و (رحمه اللّه) و بركاته».

ثم خطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مرّة أخرى. فقال: «إنّ الحمد للّه، أحمده و أستعينه، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أنّ لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه تبارك و تعالى قد أفلح من زينه اللّه تعالى في قلبه و أدخله في الإسلام بعد الكفر، و اختاره على ما سواه من أحاديث الناس أنه أحسن الحديث و أبلغه أحبّوا من أحبّ اللّه، أحبوا اللّه من كل قلوبكم، و لا تملّوا كلام اللّه تعالى و ذكره، و لا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق اللّه يختار و يصطفي فقد سماه اللّه خيرته من الأعمال. و مصطفاه من العباد، و الصالح الحديث و من كل ما أوتي الناس من الحلال و الحرام [ (1)]، فاعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا، و اتقوا اللّه حق تقاته، و اصدقوا اللّه صالح ما تقولون بأفواهكم، و تحابّوا بروح اللّه بينكم، فإنّ اللّه يغضب أن ينكث عهده، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏

انتهى [ (2)].

____________

[ (1)] في أ: و إن كل أتى الناس فإنه أحسن الحديث من الحلال و الحرام.

[ (2)] الدر المنثور 3/ 66، و قال ابن كثير في البداية 3/ 212: و هذه الطريقة مرسلة إلا أنها قوية و إن اختلفت الألفاظ قلت:

و مقصد ابن كثير (رحمه اللّه) على رواية ابن جرير الآتية.

43

و روى ابن جرير عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ،

أنه بلغه عن خطبة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في أوّل جمعة صلّاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف:

«الحمد للّه أحمده و أستعينه و أستغفره و أستهديه و أومن به، و لا أكفره، و أعادي من يكفره، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق و النور و الموعظة، على فترة من الرسل، و قلّة من العلم، و ضلالة من الناس و انقطاع من الزمان، و دنو من الساعة، و قرب من الأجل من يطع اللّه و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقد غوى و فرط و ضل ضلالا بعيدا، و أوصيكم بتقوى اللّه فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، و أن يأمره بتقوى اللّه- عز و جل- فاحذروا ما حذركم اللّه عز و جل من نفسه، و لا أفضل من ذلك نصيحة و لا أفضل من ذلك ذكرى و إنه تقوى لمن عمل به على وجل و مخافة، و عون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، و من يصلح الذي بينه و بين اللّه تعالى من أمر السر و العلانية لا ينوي بذلك إلا وجه اللّه تعالى يكن له ذكرا، فإنه من يتق اللّه يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا، و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزا عظيما، و إن تقوى اللّه توقيّ مقته و توقي عقوبته، و توقي سخطه، و إنّ تقوى اللّه تبيّض الوجه، و ترضي الرّبّ، و ترفع الدّرجة، خذوا بحظّكم، و لا تفرّطوا في جنب اللّه، قد علّمكم اللّه كتابه، و نهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا و ليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن اللّه إليكم و عادوا أعداءه و جاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم و سماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لا قوة إلا باللّه، فأكثروا ذكر اللّه، و اعملوا لما بعد الموت، فإنّه من أصلح ما بينه و بين اللّه تعالى يكفه ما بينه و بين النّاس، ذلك بأنّ اللّه يقضي على النّاس، و لا يقضون عليه، و يملك من الناس و لا يملكون منه، اللّه أكبر و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» [ (1)].

تنبيهات‏

الأوّل: قال في «الرّوض»:

قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في خطبته‏

«أحبّوا اللّه من كلّ قلوبكم»

يريد أن يستغرق حب اللّه جميع أجزاء القلب، فيكون ذكره و عمله خارجا من قلبه خالصا للّه، و تقدم الكلام على محبة اللّه تعالى لعبده، و محبة العبد لربه في اسمه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «حبيب اللّه».

و قوله:- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

«لا تملّوا كلام اللّه تعالى و ذكره، فإنه من كل ما يخلق اللّه يختار و يصطفي».

قال السّهيلي: الهاء في قوله: «فإنه» لا يجوز أن تكون عائدة على كلام اللّه تعالى،

____________

[ (1)] قال الحافظ ابن كثير في البداية 3/ 212 و في السند إرسال.

44

و لكنها ضمير الأمر و الحديث فكأنه قال: إن الحديث من كل ما يخلق اللّه و يختار، فالأعمال إذا كلها من خلق اللّه تعالى، و قد اختار منها ما شاء قال اللّه تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ [القصص 68].

قوله:

«قد سماه خيرته من الأعمال» يعني الذكر و تلاوة القرآن.

و قوله:

و المصطفى من عباده أي و سمى المصطفى من عباده‏

بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ‏ [الحج 75] و يجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده، أي العمل الذي اصطفاه منهم و اختاره من أعمالهم، فلا تكون «من» على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية، لأنه عمل استخرجه منهم بتوفيقه إياهم، و التأويل الأول أقرب مأخذا، و اللّه تعالى أعلم بما أراد رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.

و قوله:

في أول الخطبة: «إن الحمد للّه أحمده»

هكذا يرفع الدال من قوله الحمد للّه وجدته مقيدا مصححا عليه، و إعرابه ليس على الحكاية و لكنه على إضمار الأمر كأنه قال: إن الأمر الذي أذكر و حذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم [ (1)] شيئا في اللفظ من الأسماء على قوله: الحمد للّه و ليس تقديم «إنّ» في اللفظ من باب تقديم الأسماء، لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن و التيمن به.

الثّاني: اختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة- بفتح المهملة و ضم الراء و بالموحدة-.

قلت: قال ابن النحاس في كتاب «صناعة الكتاب»: لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف و اللام إلا شاذا، و معناه اليوم البين المعظم من أعرب «إذا» بيّن [...] فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة النجاري، في «المبتدأ» عن ابن عباس و هو ضعيف.

و قيل: لأنه خلق آدم جمع فيه.

روى الإمام أحمد و النسائي و ابن خزيمة و ابن أبي حاتم عن سليمان- رضي اللّه تعالى عنه- [قال: قال لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

أ تدري ما يوم الجمعة؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم قالها ثلاث مرات ثم قال في الثلاثة: هو اليوم الذي جمع فيه أباكم آدم قال: لكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام إلا كان كفارة له ما بينه و بين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة

[ (2)].

____________

[ (1)] في أ: كي يقدم.

[ (2)] أحمد 5/ 439، و الحاكم 1/ 277، السيوطي في الدر 6/ 216، ابن كثير في التفسير 2/ 236، الكنز (21196).

45

و له شاهد عن أبي هريرة رواه ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي في الفتح ما رواه عبد بن حميد عن ابن سيرين و الحديث في المصنف أيضا و الإمام أحمد مرفوعا بإسناد ضعيف.

قال الحافظ: و هذا أصح الأقوال، و يليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، و كانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلى بهم و ذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه.

و قيل: سمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، و بهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، [و إنما كان يسمى العروبة، و فيه نظر، فقد قال أهل اللّغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية] فالظاهر أنّهم غيروا أسماء الأيّام السبعة بعد أن كانت تسمى أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.

و قال الجوهري: كانت العرب تسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، و هذا يشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، و هي هذه المتعارفة [الآن كالسبت، و الأحد] إلى آخرها.

و قيل: إن أول من سمى العروبة الجمعة كعب بن لؤي [و به جزم الفراء و غيره‏] فيحتاج من قال إنهم غيروها إلا الجمعة فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاص.

الثالث: تقدم أن صلاة الجمعة صلّتها الصحابة بالمدينة، قبل مقدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المدينة فقيل ذلك بإذن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

، لما رواه الدّارقطني عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

أذن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالهجرة قبل أن يهاجر، و لم يستطع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يجمع و لا يبدي لهم، فكتب إلى مصعب بن عمير، أمّا بعد: فانظر اليوم الذي تجتهد فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم و أبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى اللّه تعالى بركعتين، قال: فأول من جمع مصعب حتى قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- جمع عند الزوال من الظهر، و أظهر ذلك،

و في سنده أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، و هو متهم بالوضع.

قال في «الزهر»: و المعروف في هذا المتن الإرسال، رويناه في كتاب «الأوائل» لأبي عروبة الحرّاني، قال: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا ابن وهب (أنبأنا ابن جريج) [ (1)] عن سليمان بن موسى أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كتب إلى مصعب به.

و قيل: باجتهاد الصحابة.

و روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن‏

____________

[ (1)] في أ: عن ابن جرير.

46

يقدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و قبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، و للنصارى أيضا مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر اللّه و نصلي و نشكره، فجعلوه يوم العروبة، و اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، و أنزل اللّه تعالى بعد ذلك‏ إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ [الجمعة 9] الآية.

و قال الحافظ: و هذا و إن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن، رواه أحمد و أبو داود و ابن ماجة، و صححه ابن خزيمة و غير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أسعد بن زرارة ... الحديث، و تقدم، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، و لا يمنع ذلك أن يكون النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- علمه بالوحي و هو ب «مكة» فلم يتمكن من إقامتها كما في حديث ابن عباس، و المرسل بعده.

و لذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق و غيره، و على هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان و التوفيق.

و قيل: في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، و الإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة [فيه، و لأن اللّه تعالى أكمل فيه الموجودات، و أوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه‏] [ (1)].

و لهذا تتمّة تقدمت في الخصائص.

و فيها جعلت صلاة الحضر أربع ركعات، و كانت ركعتين بعد مقدمه بشهر لاثنتي عشرة من ربيع الآخر.

قال الدولابي: يوم الثلاثاء قال السّهيليّ: بعد الهجرة بعام رواه الدولابي.

و روى عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- و أكثر الفقهاء أن الصلاة نزلت بتمامها.

قال ابن جرير: و زعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.

و فيها بنى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مسجده، و مساكنه، و مسجد قباء. و سيأتي في التاسعة.

لما أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يبني مسجده، و كان مربد اليتيمين سهل و سهيل.

قال البلاذري، و يحيى بن الحسن، و غيرهما: إنهما ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، و به صرح ابن حزم و ابن عبد البر، و السهيلي و رجحه السيد و غيره.

____________

[ (1)] ما بين المعكوفين سقط في أ.

47

و قال ابن إسحاق: إنهما ابني عمر.

و قال في «العيون»: إنه أشهر.

قال السهيلي فيما نقله عنه الذهبي: ما يحصل به الجمع إلا أن فيه بعض مخالفة لما تقدم. قال: «سهل بن عمرو الأنصاري النجاري أخو سهيل صاحبا المربد»، ينسبان إلى جدهما و هما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن النجار انتهى.

فعلى هذا يكون سقط من الرواية المتقدمة ابن عمرو بن رافع و أبي عمرو تصحف و عمرو بعائذ، كانا في حجر أسعد بن زرارة كما في الصحيح عند أكثر الرواة.

و قال أبو ذر الهروي: سعد بإسقاط الألف و الأول هو الوجه كما قال: إذا كان أسعد من السابقين إلى الإسلام، و هو المكنى بأبي أمامة، و أما أخوه سعد فتأخّر إسلامه- و لفظ- يحيى بن الحسن: كانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة.

و ذكر ابن زبالة و يحيى: أنهما كانا في حجر أبي أيوب و أنه قال: يا رسول اللّه أنا أرضيهما.

و ذكر ابن عقبة: أن أسعد بن زرارة عوضهما عنه نخلا له في بني بياضة.

قال: و قيل: ابتاعه منهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.

و ذكر ابن إسحاق [أن المربد كان لغلامين يتيمين، و أنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء.

قال: [...] و السيد، و قد يجمع باشتراك من ذكر كونهما كانا في حجورهم، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد سيما و قد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال:

سمعت بعض أهل العلم، يقولون: إن أسعد توفي قبل أن يبني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المسجد، فباعه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من ولي سهل و سهيل.

و في «الصحيح»

أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أرسل إلى ملأ من بني النجار بسبب موضع المسجد فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا: لا و اللّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه.

و في رواية: فدعى بالغلامين فساومهما بالمربد، يتخذه مسجدا فقالا: بلى نهبه لك يا رسول اللّه، فأبى أن يقبله منهما بهبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.

و وقع في رواية ابن عيينة فكلم عمهما أي الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما، فطلبه منهما معا، فقالا: ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أراده فقالا: نحن نعطيه إياه فأعطياه.

48

و طريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ: أنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما، فهما غير بالغين، و حينئذ فيحتمل أن يكون الذين قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه تحملوا عنه للغلامين اليتيمين، فقد نقل عن ابن عقبة أن أسعد عوض الغلامين ثمنه نخلا له في بني بياضة.

و تقدم أن أبا أيوب قال: «أنا أرضيهما فأرضاهما، و كذلك معاذ بن عفراء فيكون بعد الشراء، و يحتمل أن كلا من أسعد و أبي أيوب و ابن عفراء أرضى اليتيمين بشي‏ء فنسب ذلك لكل منهم.

و قد روى أن اليتيمين امتنعا عن قبول عوض، فيحتمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما ذكره ابن سعد أن الواقدي، قال: إنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه-، و قد يقال إن الشراء وقع من ابني عفراء، لأنهما كانا وليين لليتيمين، و رغب أبو بكر في الخير كما رغب فيه أسعد و أبو أمامة، و معاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة و دفع لهم من كل أولئك ما تقدم، و لم يقبله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أولا لكونه لليتيمين.

و ذكر البلاذري: أن أسعد بن زرارة عرض على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يأخذه و يدفع لليتيمين ثمنه فأبى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ذلك و ابتاعه منه بعشرة دنانير، أداها من مال أبي بكر، فيحتمل أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا و قد ورد ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا [آخر لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى، فليست القصة متحدة] [ (1)].

فروى يحيى بن الحسن عن النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يصلي بالناس الصلوات الخمس، و يجمع لهم في مسجد بناه في مربد سهل و سهيل ابني رافع بن عمرو بن عائذ بن مالك بن النجار قالت: فكأني أنظر إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لما قدم المدينة صلى بهم في ذلك المسجد، و بناه فهو مسجده و ذكر البلاذري نحوه. انتهى.

و روى الشيخان و البيهقيّ أن المسجد كان جدادا مجددا، ليس عليه سقف، و قبلته القدس، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالنخل و بالفرقد الذي فيه أن يقطع، و كان فيه قبور جاهلية، فأمر بها فنبشت، و أمر بالعظام أن تغيب، و كان بالمربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب و كان‏

____________

[ (1)] ما بين المعكوفين سقط في أ.

49

فيه حزب فأمر بها فسويت، فصفوا النخل قبلة- أي: جعلت سواري في جهة القبلة- ليسقف عليها، و جعلوا عضادتيه حجارة.

و روى ابن عائد أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- صلى فيه و هو عريش اثني عشر يوما ثم سقف.

و روى ابن زبالة و يحيى عن الحسن عن شهر بن حوشب قال:

لما أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يبني مسجدا قال: ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمام و خشيبات و ظلة كظلة موسى و الأمر أعجل من ذلك، و قيل: و ما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السّقف.

و روى البيهقي عن الحسن قال:

لما بنى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المسجد أعانه عليه أصحابه، و هو معهم يتناول اللبن، حتى اغبرّ صدره، فقال: ابنوه عريشا كعريش موسى، فقيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: كان إذا رفع يده بلغ العريش، يعني السقف.

و قد روى في الصحيح أنه طفق ينقل معهم اللبن ترغيبا لهم، و يقول و هو ينقل اللبن:

هذا الحمال لا حمال خيبر* * * هذا أبرّ ربّنا و أطهر

و يقول:

لا همّ، إنّ الأجر أجر الآخره‏* * * فارحم الأنصار و المهاجره‏

قال ابن شهاب: فتمثل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بشعر رجل من المسلمين و جعل الصحابة ينقلون الصخر و هم يرتجزون،

و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقول معهم:

لاهمّ، لا خير إلّا خير الآخره‏* * * فانصر الأنصار و المهاجره‏

و يذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة.

و عن الزهري- (رحمه اللّه تعالى)- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان يقول:

لاهمّ، لا خير إلّا خير الآخره‏* * * فارحم المهاجرين و الأنصار

و كان لا يقيم الشّعر و عمل المسلمون في ذلك و دأبوا فيه فقال قائل منهم:

لئن قعدنا و النّبيّ يعمل‏* * * لذاك منّا العمل المضلّل‏

و كان عثمان رجلا متنظفا، و كان يحمل اللّبنة، فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمّه و نظر.

[و روى ابن زبالة و غيره عن أم سلمة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: بنى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مسجده‏] [ (1)].

____________

[ (1)] ما بين المعكوفين سقط في أ.

50

و نقل ابن الجوزي عن محمد بن عمر الأسلمي قال: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد و حوله، و كلما أحدث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخلا و نزل له حارثة عن منزل- أي:

محل حجرة- حتى صارت منازله كلّها لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أزواجه.

و روى ابن سعد و يحيى بن الحسن من طريق محمد بن عمر: حدثنا عبد اللّه بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حين هدمها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك، كانت بيوتا بالّلبن و لها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، و هي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى منزل أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، و رأيت بيت أم سلمة و حجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول اللّه غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن،

فلما قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- نظر إلى اللبن، فدخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء؟ فقالت:

أردت يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن أكف أبصار الناس فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان.

قال محمد بن عمر: فحدثت هذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخرساني في مجلس فيه عمر بن أبي أنس يقول و هو فيما بين القبر الشريف و المنبر:

أدركت حجر أزواج النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من جريد النّخل على أبوابها المسوح، شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم فقال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: و اللّه لوددت أنهم [ (1)] تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة، و يقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التّكاثر و التّفاخر.

قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع و العظم أو أدنى من العظم، فأما ما ذكرت من البكاء يومئذ فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، و أبو أمامة بن سهل بن حنيف، و خارجة بن زيد بن ثابت، و إنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.

____________

[ (1)] في أ: لو.

51

و قال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء و يروا ما رضي اللّه لنبيه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و مفاتيح خزائن الدنيا بيده.

و روى ابن سعد و البخاري في «الأدب» و ابن أبي الدنيا و البيهقي في «الشعب» عن الحسن البصري قال: كنت و أنا مراهق أدخل بيوت أزواج النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي.

و روى البخاري في «الأدب» و ابن أبي الدنيا و البيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجر من جريد النّخل مغشى من الخارج بمسوح الشعر، و أظن عرض البيت الداخل عشرة أذرع، و أظن مسكنه بين الثمان و السبعة.

و روى محمد بن الحسن المخزومي عن محمد بن هلال قال: أدركت بيوت أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر مستطيرة في القبلة، و في المشرق و في الشام ليس في غربي المسجد شي‏ء منها، و كان باب عائشة يواجه الشام، و كان مصراع واحد من عرعر أو ساج.

و روى ابن مندة عن بشر بن صحار العبدي قال: كنت أدخل بيوت أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأنال سقفها.

و روى ابن سعد عن عمرو بن دينار و عبيد الله بن أبي مرثد قال: لم يكن على عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على بيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حائط و كان أول من بنى عليه جدارا عمر ابن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه-.

قال عبيد الله: كان جداره قصيرا ثم بناه عبد الله بن الزبير.

و في «تاريخ البخاري» أن بابه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان يقرع بالأظافر.

قال السّهيلي: فدلّ على أنّه لم يكن لأبوابه خلق.

تنبيه: قال في «الروض»: كانت بيوته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تسعة، بعضها من جريد مطين بالطين.

و سقفها من جريد و بعضها من حجارة مرصوصة بعضها على بعض و سقفها من جريد النخل.

قال السيد: ظاهر ما نقله ابن الجوزي عن محمد بن عمر يخالف ما تقدم من أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بنى أوّلا بيتين لزوجتيه، و أنه لما تزوج نساءه بنى لهن حجرا، فظاهره أن كان كلما أحدث زوجة أحدث لها بناء حجرة، فيحمل ما هنا على أن حارثة كان ينزل له عن مواضع المساكن و كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يبنيها.

و نقل الزركشي عن الحافظ الذهبي أنه قال في تكميل الروض: لم يبلغنا أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بنى‏

52

له تسعة أبيات حين بنى المسجد، و لا أحسبه فعل ذلك، إنما كان يريد بيتا واحدا لسودة أم المؤمنين ثم لم يحتج لبيت آخر حتى بنى لعائشة في شوال سنة اثنتين، فكأنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بناها في أوقات مختلفة.

قال السيد: و هو مقتضى ما قدمناه، غير أنه مخالف لما تقدم في بيت عائشة أنه بناه هو و بيت سودة في بيت المسجد مع بناء المسجد و هو الظاهر، لأنها كانت حينئذ زوجة غير أنه لم يكن بنى بها، فتأهب لذلك بأن بنى حجرتها، و فيها بدأ الأذان.

و قيل: في الثانية.

روى ابن إسحاق و ابن ماجة عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حين قدم المدينة كان يجتمع الناس للصلاة لحين وقتها بغير دعوة، فهمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه أحد بني الحارث بن الخزرج النداء الحديث.

و فيها ولد محمد بن مسلمة- رضي اللّه تعالى عنه-.

و فيها المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار و ورث بعضهم بين بعض حتى نزلت‏ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ [الأحزاب/ 6] بعد مقدمة بثمانية أشهر كذا في العيون.

و نقل القطب الحلبي عن أبي عمر أنها بعد خمسة أشهر، و نقل في الإشارة عنه ما في العيون.

و فيها رمى سعد بن أبي وقاص- رضي اللّه تعالى عنه- بسهم في غزوة ودان، و كان أوّل سهم رمي به في سبيل اللّه.

و فيها: مات أسعد بن زرارة- رضي اللّه تعالى عنه- و المسجد يبنى.

و قال ابن الجوزي في الثانية: فكان أول من مات من المسلمين و دفن بالبقيع، و كان أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه من بني النجار، و قد شهد العقبات الثلاث، و كان أول من بايع النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ليلة العقبة الثانية في قول، و كان شابا، و هو أول من جمع بالمدينة في بقيع الخصاب في حرم البيت،

و لما قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فيما رواه ابن إسحاق:

بئس الميّت أبى أمامة، ليهود و منافقي العرب! يقولون: لو كان محمد نبيّا لم يمت صاحبه، و لا أملك لنفسي و لا لصاحبي من اللّه شيئا.

قال ابن كثير: و هذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و قد زعم أبو الحسن بن الأثير: أنه مات في شوال بعد مقدم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بسبعة أشهر و الله أعلم.