تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج1

- شمس الدين الذهبي المزيد...
600 /
1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدّمة التّحقيق‏

إنّ الحمد للَّه، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه، من بعثه في الأمّيّين رسولا، و جاهد في اللَّه حقّ جهاده، و بعد فيعتبر كتاب «تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام» أهمّ ما صنّفه الحافظ المؤرّخ الثقة شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبيّ، المولود بدمشق في الثالث من شهر ربيع الآخر سنة 673 ه-. و المتوفّى بها ليلة الثالث من شهر ذي القعدة سنة 748 ه-. كما يعتبر كتابه هذا من أهمّ الكتب الموسوعيّة الضخمة التي صنّفها المؤرّخون المسلمون، و هو كتاب تاريخ و تراجم معا، و بهذا يختلف عن الموسوعة الضخمة الأخرى للمصنّف، المعروفة ب «سير أعلام النبلاء».

و أجدني لست بحاجة إلى التعريف بالحافظ المؤرّخ الذهبيّ، فهو أشهر من أن يعرّف، و لن أزيد في هذا المجال على ما كتبه الصديق البحاثة الأستاذ الدكتور بشّار عوّاد معروف في تقديمه ل «سير أعلام النبلاء» و قد كفانا المحقّق الفاضل أيضا مئونة البحث في المنهج الّذي اتّبعه الذهبيّ في تدوين «تاريخ الإسلام»، و ذلك ببحثه القيّم عن «الذهبيّ و منهجه في تاريخ الإسلام» و الّذي كان موضوع رسالته التي نال عليها درجة الدكتوراه.

2

و إذا كان لي ما أقوله في هذه المقدّمة المتواضعة، فإنّني أودّ التنويه ببعض النّقاط التي أراها أساسية، و هي:

إنّ «تاريخ الإسلام» يتفوّق على «سير أعلام النّبلاء» بالكمّيّة الهائلة التي يحتوي عليها من التراجم، فضلا عن أنّه يتميّز بذكر الأحداث الحوليّة. و إذا كانت التراجم في كتاب «السير» تقتصر على «الأعلام النّبلاء»- كما نصّ المؤلّف على ذلك في عنوانه- فإنّ التراجم في «تاريخ الإسلام» لا تقتصر على «المشاهير و الأعلام» كما يقول العنوان، و إنّما تضمّ رجالا غير مشاهير، بل إن البعض منهم يعتبرون من المجاهيل.

هذا، مع الإشارة إلى أنّ «الذهبيّ» لم يترجم للخلفاء الراشدين الأربعة- (رضوان اللَّه عليهم)- في «سير أعلام النبلاء»، و هم أشهر المشاهير، بينما أفرد لهم جزءا خاصا في «تاريخ الإسلام».

و بالمقارنة بين «تاريخ الإسلام» و كتابي «تاريخ بغداد»، و «تاريخ دمشق»، و غيرهما من كتب الرجال، نجد «الذهبيّ» يتفرّد في «تاريخ الإسلام» بتراجم لأعلام لا نجد ذكرا لهم عند غيره، مما يعني أنّه وقف على أسانيد و رسائل و مشيخات لم يسبقه إليها «الخطيب البغدادي» و لا «ابن عساكر الدمشقيّ» و لا غيرهما ممّن عني بالسير و التراجم، رغم تقدّم عصرهم.

و هناك ميزة أخرى عند «الذهبيّ»، لا نجدها عند «الخطيب» و «ابن عساكر»، و هي إشارته إلى روايات الصحابة و التابعين، و تابعي التابعين في كتب الصّحاح بالرموز التي اعتمدها عند أوّل كل ترجمة.

*** أمّا عن تقديم «المغازي» على «السيرة النّبويّة»، فهذا يرجع إلى المنهجيّة التي انتهجها «الذهبيّ» في تأليف «تاريخ الإسلام»، فهو يعرض للأخبار و الوقائع و الأحداث التي أسهم فيها صاحب الترجمة، قبل أن يترجم له و يؤرّخ وفاته، أو يتناول سيرته الذاتية. و من هذا المنطلق في المنهجية، فقد قدّم‏

3

«مغازي النبيّ» على «الترجمة النّبويّة، و لذا كانت «المغازي» في الجزء الأول، «و السيرة النبويّة» في الجزء الثاني، ثم سيرة الخلفاء الراشدين، في الجزء الثالث ...

و ممّا تجدر الإشارة إليه، أنّ الأجزاء الأوائل من «تاريخ الإسلام» تعتبر أقلّ الأجزاء كميّة للتراجم، و قد أوضح «الذهبيّ» هذه الظاهرة في حوادث السنة الأولى للهجرة، حيث يقول:

«... و السبب في قلّة من توفّي قلّة في هذا العام و ما بعده من السنين، أنّ المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى من بعدهم، فإنّ الإسلام لم يكن إلّا ببعض الحجاز، أو من هاجر إلى الحبشة. و في خلافة عمر- بل و قبلها- انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سبب قلّة من توفّي في صدر الإسلام، و سبب كثرة من توفّي في زمان التابعين ممّن بعدهم».

*** و قد اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على النّسخ المخطوطة التالية:

1- نسخة مكتبة أياصوفيا رقم (3005) تاريخ.

2- نسخة حيدرآباد.

3- نسخة الأمير عبد اللَّه الفيصل المنقولة عن نسخة دار الكتب المصرية رقم 42 تاريخ. و قد اتخذت من نسخة مكتبة أياصوفيا أصلا اعتمدت عليه في التحقيق لأنها بخطّ المؤلّف- (رحمه اللَّه)-، و قد أشرت في الحواشي إلى نسخة حيدرآباد بحرف «ح»، و إلى نسخة الأمير عبد اللَّه بحرف «ع».

كما استعنت ب «مختصر تاريخ الإسلام» لابن الملّا، معتمدا على نسخة مخطوطة بالمكتبة الأحمدية بحلب، ذات الرقم (1219).

و كان الباحث «حسام الدين القدسيّ»- (رحمه اللَّه)- قد حقّق «المغازي» و «السيرة النبويّة» معتمدا على النّسخ المذكورة أعلاه، و نشرها

4

في سنة (1367 ه./ 1947 م)، و جاء تحقيقه «لا جيّدا و لا رديئا»- كما يقول الدكتور بشّار عوّاد معروف، في دراسته عن الذهبيّ و منهجه في تاريخ الإسلام.

و لا أخفي أنّني استعنت بالجزء المطبوع الّذي يستر لي مئونة العودة إلى الأصول المخطوطة، كما استفدت من تعليقات «القدسي» في الحواشي، فأبقيت أغلبها، و زدت على بعضها في التعليق، زيادة في التوضيح، و أضفت حواشي جديدة لا بدّ منها ليأتي التحقيق أقرب إلى الكمال- و ليس هو الكمال مطلقا- فهذا أمر لا أدّعيه. و قد عملت جهدي في تصويب بعض الأخطاء و الأوهام التي وقعت في طبعة «القدسي»، و نبّهت إليها في الحواشي. كما قمت بتخريج الأحاديث النبويّة الشريفة، و أحلت إلى المصادر الأساسية لتوثيق متن المؤلّف، و صنعت عدّة فهارس لهذا الجزء تساعد الباحثين و تيسّر لهم الوقوف على ما يريدونه من مواضيع محدّدة، و اشتملت الفهارس على: فهرس أوائل الآيات الكريمة، و أوائل الأحاديث الشريفة، و أوائل الأشعار، و فهرس أعلام الرجال، و أعلام النساء، و فهرس الأصنام، و فهرس الأمم و الشعوب و القبائل و الطوائف، و فهرس الأيام، و فهرس المصطلحات، و فهرس الأماكن و البلاد، و فهرس المصادر و المراجع التي اعتمدتها في التحقيق ...

و قد أبقيت في المتن على ترقيم أوراق نسخة الأصل المخطوطة في أياصوفيا، مع التنبيه إلى أنّ هناك نقصا في هذه النسخة، عملت على استدراكه من نسختي حيدرآباد و الأمير عبد اللَّه، و من «مختصر» ابن الملّا أيضا. و أضفت أحيانا بعض العبارات على الأصل نقلا عن مصادر أخرى، مثل «سيرة ابن هشام»، أو «تاريخ الطبري» أو «السيرة النبويّة» لابن كثير، و غيره، و وضعت الإضافة بين حاصرتين []، أمّا الآيات القرآنية فهي بين هلالين كبيرين ()، و قمت بضبط و تحريك الكثير من أسماء الأعلام، و من المفردات التي يستشكل في قراءتها، مع شرح معاني الألفاظ التي يغمض فهمها، في الحواشي.

5

راجيا من اللَّه أن يتقبّل عملي هذا، و أن يعصمني من الكبر و الزّهو، و له الحمد أولا و آخرا.

عمر عبد السّلام تدمري طرابلس الشام 22 من رجب الفرد 1406 ه.

أول نيسان (أبريل) 1986 م.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

نصّ الوقفيّة التي في نسخة الأصل‏

الحمد للَّه حقّ حمده. وقف و حبس و سبل المقرّ الأشرف.

العالي الجمالي محمود أستاددار العالية الملكي الظاهريّ أعزّ اللَّه تعالى أنصاره جميع هذا المجلّد و ما قبله و ما بعده من المجلّدات من تاريخ الإسلام للذهبيّ بخطّه و عدّة ذلك أحد و عشرون مجلّدا وقفا شرعيا على طلبة العلم الشريف ينتفعون به على الوجه الشرعيّ و جعل مقرّ ذلك بالخزانة السعيدة المرصدة لذلك بمدرسته التي أنشأها بخطّ الموازين بالقاهرة المحروسة. و شرط الواقف المشار إليه أن لا يخرج ذلك و لا شي‏ء منه من المدرسة المذكورة برهن و لا بغيره، و جعل النّظر في ذلك لنفسه أيام حياته، ثم من بعده لمن يؤول إليه النظر على المدرسة المذكورة على ما شرح في وقفها و جعل لنفسه أن يزيد في شرط ذلك و ينقص ما يراه دون غيره من النّظّار.

جعل ذلك لنفسه في وقف المدرسة المذكورة. فمن بدّله بعد ما سمعه فإنّما إثمه على الذين يبدّلونه.

إنّ اللَّه سميع عليهم، بتاريخ الخامس و العشرين من شعبان المكرّم سنة سبع و تسعين و سبع مائة. و حسبنا اللَّه.

شهد بذلك عبد اللَّه بن علي ...

عمر بن عبد الرحمن البرماوي‏

8

القراءة و السّماع في نسخة الأصل‏

قرأت هذه المجلّدة، و هي الجزء الثاني من تاريخ الإسلام.

على كاتبه و مؤلّفه شيخنا الإمام الحافظ العلّامة قدوة المؤرّخين حجّة المحدّثين شمس الدّين أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، أدام اللَّه الإمتاع بفوائده، في ثمانية عشر ميعادا، آخرها تاسع عشر ربيع الأوّل سنة 735 و سمعها كاملة فتاي طيدمر بن عبد اللَّه الرومي، و من أول الترجمة النبويّة إلى آخر ترجمة عيينة بن حصن، و سمع بعض ذلك في مياعيد مفرّقة جماعة ذكرتهم في البلاغات على الهامش، و أجازنا رواية ذلك عنه أجمع و كتب خليل بن أبيك بن عبد اللَّه الشافعيّ الصّفديّ، حامدا و مصلّيا.

*** و في أعلى الصفحة

فرغه نسخا و قراءة عبد الرحمن* * * طالعة و انتقاه و ما قبله‏

بن محمد البعليّ داعيا لجامعه* * * إبراهيم بن يونس البعلبكيّ الشافعيّ‏

أنهاه تعليقا طالعة فرّغ تراجمه ترتيبا البدر البشتكيّ يوسف الكرماني محمد بن السخاويّ ختم له بخير

9

النّسخ المعتمدة في التحقيق لهذا الجزء

1- مخطوطة مكتبة أياصوفيا باسطنبول رقم 2005 و هي بخطّ المؤلّف- (رحمه اللَّه)- و بقراءة خليل بن أيبك الصفدي المؤرّخ. و قد اعتمدناها أصلا.

2- مصوّرة مكتبة الأمير عبد اللَّه بن عبد الرحمن الفيصل. (رمزها:

ع).

3- مصوّرة المنتقى من تاريخ الإسلام لابن الملّا. و هو بخطّه. نسخة المكتبة الأحمدية بحلب.

4- الجزء المطبوع من «الترجمة النّبويّة». بتحقيق حسام الدين القدسي- (رحمه اللَّه)-.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة المؤلّف‏

[ (1)] قال الشيخ الإمام العالم العامل النّاقد البارع الحافظ الحجّة شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ (رحمه اللَّه تعالى) و أدام النّفع به و غفر له و لوالديه: الحمد للَّه [موفّق من‏] [ (2)] توكّل عليه، و القيّوم الّذي ملكوت كلّ شي‏ء بيديه، حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه و عظيم سلطانه. و أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله أرسله رحمة للعالمين و خاتما للنّبيّين و حرزا للأميّين [ (3)] و إماما للمتّقين بأوضح دليل و أفصح تنزيل و أفسح سبيل و أنفس تبيان و أبدع برهان. اللَّهمّ آته الوسيلة و ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون و الآخرون، صلّى اللَّه عليه و على آله الطّيّبين و صحابته المجاهدين و أزواجه أمّهات المؤمنين.

أما بعد فهذا كتاب نافع إن شاء اللَّه، و نعوذ باللَّه من علّم لا ينفع و من‏

____________

[ (1)] المقدّمة الكتاب كلّها غير موجودة في نسخة دار الكتب المصرية.

[ (2)] ما بين الحاصرتين إضافة على الأصل.

[ (3)] في الأصل «و حرزا للامنين» و ما أثبتناه يؤيّده الحديث الشريف في صفة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و سيأتي صحيحا في هذا الجزء.

12

دعاء لا يسمع، جمعته و تعبت عليه و استخرجته من عدّة تصانيف، يعرف به الإنسان مهمّ [ (1)] ما مضى من التّاريخ، من أوّل تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا من وفيات الكبار من الخلفاء و القرّاء و الزّهّاد و الفقهاء و المحدّثين و العلماء و السّلاطين و الوزراء و النّحاة و الشّعراء، و معرفة طبقاتهم و أوقاتهم و شيوخهم و بعض أخبارهم بأخصر عبارة و ألخص لفظ، و ما تمّ من الفتوحات المشهورة و الملاحم المذكورة و العجائب المسطورة، من غير تطويل [ (2)] و لا استيعاب، و لكن أذكر المشهورين و من يشبههم، و أترك المجهولين و من يشبههم، و أشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم و الوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلّدة بل أكثر، لأنّ فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلّدا.

و قد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنّفات كثيرة، و مادّته من:

«دلائل النّبوّة» للبيهقي [ (3)].

«و سيرة النّبيّ» (صلّى اللَّه عليه و سلم) لابن إسحاق [ (4)].

و «مغازيه» لابن عائذ [ (5)] الكاتب.

و «الطّبقات الكبرى» لمحمد بن سعد كاتب [ (6)] الواقديّ.

____________

[ (1)] أورد السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ» بعض هذه المقدّمة للذهبي، و ليس فيها كلمة «مهم».

[ (2)] زاد في «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ» «و لا إكثار».

[ (3)] مطبوع.

[ (4)] دوّن ابن إسحاق السيرة النبويّة في كتابين أحدهما: «كتاب المبتدإ» أو «مبتدأ الخلق» أو كتاب «المبتدإ و قصص الأنبياء» و هو تاريخ النبيّ حتى الهجرة، و رواه عنه إبراهيم بن سعد و محمد بن عبد اللَّه بن نمير النفيلي المتوفى 234 ه.

و الآخر «كتاب المغازي» و هو أهم مؤلفاته، و قد نشر قسما منه د. سهيل زكار باسم «كتاب السير و المغازي». و قد جمع ابن هشام المعافري البصري» السيرة النبويّة من المغازي و السير لابن إسحاق و هذّبها و لخّصها، و هي المعروفة و المتداولة بين أيدي الناس بسيرة ابن هشام.

[ (5)] في الأصل «عائد» بالمهملة، و هو مشهور.

[ (6)] في الأصل «الكاتب» و هو مطبوع و فيه نقص.

13

و «تاريخ» أبي عبد اللَّه البخاري [ (1)].

و بعض «تاريخ» أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة [ (2)].

و «تاريخ» يعقوب الفسوي [ (3)].

و «تاريخ» محمد بن المثنّى العنزي [ (4)] و هو صغير.

و «تاريخ» أبي حفص الفلّاس [ (5)].

و «تاريخ» أبي بكر بن أبي شيبة [ (6)].

و «تاريخ» الواقديّ [ (7)].

و «تاريخ» الهيثم بن عديّ [ (8)].

و تاريخ خليفة بن خيّاط [ (9)].

و الطبقات له [ (10)].

____________

[ (1)] له «التاريخ الكبير» و «التاريخ الصغير» و هما في التراجم مطبوعان.

[ (2)] هو التاريخ الكبير، على ما في ترجمته في (شذرات الذهب).

[ (3)] بفتح الفاء و السين، نسبة إلى فسا من بلاد فارس، و هو يعقوب بن سفيان الفسوي الفارسيّ الكبير الإمام المشهور، مات في رجب سنة 277، و الكتاب بعنوان «المعرفة و التاريخ» نشره محققا د. أكرم ضياء العمري في ثلاثة أجزاء ببغداد.

[ (4)] بفتح العين و النون، نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، حيّ من ربيعة. و هو بصريّ يروي عن غندر و غيره، روى عنه البخاري و النّاس، على ما في (اللباب في تهذيب الأنساب ج 2 ص 156) توفي سنة 252 ه-. (تاريخ بغداد 3/ 283، الوافي بالوفيات 4/ 384 رقم 1941 تهذيب التهذيب 9/ 425).

[ (5)] بفتح الفاء و تشديد اللام ألف، نسبة إلى من يبيع الفلوس و كان صيرفيا و هو أبو حفص عمرو بن علي بن بحر السّقّاء الفلّاس الصّيرفيّ، بصري سكن بغداد، روى عنه البخاري و أبو داود و الترمذي و غيرهم، مات بسرّ من رأى سنة 249 ه-. (انظر مصادر ترجمته في سير أعلام النبلاء 11/ 470).

[ (6)] هو عبد اللَّه بن محمد بن القاضي أبي شيبة، صاحب الكتب الكبار «المسند» و «المصنّف» و «التفسير» توفي سنة 235 ه. مصادر ترجمته في (سير أعلام النبلاء 11/ 122).

[ (7)] يرجّح أنه كتاب «المغازي» المطبوع في ثلاثة أجزاء.

[ (8)] لم يصلنا منه شي‏ء.

[ (9)] مطبوع.

[ (10)] مطبوع.

14

و «تاريخ» أبي زرعة الدمشقيّ [ (1)].

و «الفتوح» لسيف بن عمر [ (2)].

و كتاب «النّسب» للزّبير بن بكّار [ (3)].

و «المسند» للإمام أحمد [ (4)].

و «تاريخ» المفضّل بن غسّان الغلّابي [ (5)].

و «الجرح و التعديل» عن يحيى بن معين [ (6)].

و «الجرح و التعديل» لعبد الرحمن بن أبي حاتم [ (7)].

و من عليه رمز فهو في الكتب السّتّة أو بعضها، لأنّني طالعت مسودّة (تهذيب الكمال [ (8)] لشيخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف المزّي، ثم طالعت المبيضّة كلّها. فمن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب الستّة، و من عليه [ (4)] فهو في السّنن الأربعة، و من عليه (خ) فهو في البخاري، و من عليه (م) ففي مسلم، و من عليه (د) ففي سنن أبي داود، و من عليه (ت) ففي جامع الترمذي، و من عليه (ن) ففي سنن النّسائي، و من عليه (ق) ففي سنن ابن ماجة. و إن كان الرجل في الكتب إلّا فرد كتاب فعليه (سوى ت) مثلا أو (سوى د).

____________

[ (1)] مطبوع.

[ (2)] انظر عنه تاريخ التراث العربيّ، لفؤاد سزكين 1/ 499.

[ (3)] هو الكتاب المعروف ب «نسب قريش» مطبوع.

[ (4)] مطبوع.

[ (5)] الغلّابي: بفتح الغين المعجمة و تشديد اللّام ألف. نسبة إلى غلّاب البصري. روى عنه ابنه أبو أميّة الأحوص كتاب «التاريخ» توفي سنة 300 ه- (اللباب 2/ 395، 396).

[ (6)] له «كتاب التاريخ» و قد طبع.

[ (7)] مطبوع.

[ (8)] في أسماء الرجال. يحقّقه الدكتور بشّار عوّاد معروف.

15

و قد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها:

«تاريخ» أبي عبد اللَّه الحاكم [ (1)].

و «تاريخ» أبي سعيد بن يونس [ (2)].

و تاريخ أبي بكر الخطيب [ (3)].

و «تاريخ دمشق» لأبي القاسم الحافظ [ (4)].

و «تاريخ» أبي سعد بن السّمعاني [ (5)].

و «الأنساب» له [ (6)].

و «تاريخ» القاضي شمس الدين بن خلّكان [ (7)].

و «تاريخ» العلّامة شهاب الدين أبي شامة [ (8)].

و «تاريخ» الشيخ قطب الدين بن اليونيني [ (9)]، و تاريخه ذيل على «تاريخ مرآة الزمان» للواعظ شمس الدين يوسف سبط [ (10)] ابن الجوزي، و هما على الحوادث و السّنين.

و طالعت أيضا كثيرا من:

«تاريخ» الطبري.

____________

[ (1)] هو صاحب «المستدرك على الصحيحين».

[ (2)] في تاريخ مصر.

[ (3)] المعروف ب «تاريخ بغداد».

[ (4)] أي الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ المتوفى سنة 571 ه-. و لا يزال أكثره مخطوطا.

[ (5)] هو ذيل على تاريخ ابن جرير الطبري.

[ (6)] مطبوع.

[ (7)] المعروف ب «وفيات الأعيان» و هو مطبوع.

[ (8)] و هو «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية» و هو مطبوع.

[ (9)] هو أبو عبد اللَّه موسى بن محمد بن أحمد، شيخ بعلبكّ، و ينسب إلى بلدة يونين القريبة منها.

توفي سنة 726 ه. (انظر مصادر ترجمته في موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي من إعدادنا- ج 9/ 274 رقم 1294) طبع منه جزءان، و بقي جزءان دون طبع.

[ (10)] «سبط» ساقطة من الأصل.

16

و «تاريخ» ابن الأثير.

و «تاريخ» ابن الفرضيّ [ (1)].

و «صلته» لابن بشكوال.

و «تكملتها» لابن الأبّار [ (2)].

و «الكامل» لابن عديّ [ (3)].

و كتبا كثيرة و أجزاء عديدة، و كثيرا من:

«مرآة الزمان» [ (4)].

و لم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتّكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصّحابة و من تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد اللَّه الشافعيّ، فكتبنا أسماءهم على الطّبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخّرون بضبط وفيات العلماء و غيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنّسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين و جهلت وفيات أئمة من المعروفين. و أيضا فإنّ عدّة بلدان لم يقع إلينا «أخبارها» [ (5)] إمّا لكونها لم يؤرّخ علماءها أحد من الحفّاظ، أو جمع لها تاريخ و لم يقع إلينا.

و أنا أرغب إلى اللَّه تعالى و أبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب، و أن يغفر لجامعه و سامعه و مطالعه و للمسلمين آمين.

____________

[ (1)] هو تاريخ علماء الأندلس، مطبوع.

[ (2)] في الأصل «للأباري» و الصحيح ما أثبتناه.

[ (3)] هو «الكامل في ضعفاء الرجال» مطبوع.

[ (4)] لسبط ابن الجوزي و قد مرّ.

[ (5)] في الأصل «أنوارها».

17

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

ذكر نسب سيّد البشر

محمّد رسول اللَّه أبو القاسم سيّد المرسلين و خاتم النّبيّين (صلّى اللَّه عليه و سلم):

هو محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب- و اسم عبد المطّلب شيبة [ (1)] بن هاشم- و اسمه عمرو بن عبد مناف- و اسمه المغيرة بن قصيّ- و اسمه زيد بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة- و اسمه عامر- بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، و عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم- صلّى اللَّه عليهما و على نبيّنا و سلّم- بإجماع النّاس [ (2)].

لكن اختلفوا فيما بين عدنان و بين إسماعيل من الآباء، فقيل بينهما تسعة آباء، و قيل سبعة، و قيل مثل ذلك عن جماعة. لكن اختلفوا في أسماء بعض الآباء، و قيل بينهما خمسة عشر أبا، و قيل بينهما أربعون أبا و هو بعيد، و قد ورد عن طائفة من العرب ذلك.

____________

[ (1)] في المنتقى لابن الملا، و طبقات ابن سعد 1/ 55 و نهاية الأرب 16/ 3 و عيون الأثر 1/ 2 (شيبة الحمد).

[ (2)] انظر بقية النسب في سيرة ابن هشام 1/ 11- 13.

18

و أما عروة بن الزّبير فقال: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان و لا قحطان و إلّا تخرّصا [ (1)].

و عن ابن عبّاس قال: بين معدّ بن عدنان و بين إسماعيل ثلاثون أبا [ (2)] قاله هشام بن الكلبيّ النّسّابة، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، و لكن هشام و أبوه متروكان [ (3)].

و جاء بهذا الإسناد

أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان إذا انتهى إلى عدنان أمسك و يقول: (كذب النسّابون) [ (4)]

قال اللَّه تعالى: وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [ (5)].

و قال أبو الأسود يتيم عروة: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة [ (6)]، و كان من أعلم قريش بأنسابها و أشعارها يقول: ما وجدنا أحدا

____________

[ (1)] انظر الروض الأنف 1/ 11، و طبقات ابن سعد 1/ 58، تهذيب الكمال 1/ 175 الإنباه على قبائل الرواة 47، 48.

[ (2)] و قيل إنّه قد حفظ لمعدّ أربعين أبا بالعربية من إسماعيل. (انظر: تاريخ الطبري 2/ 274 و الروض الأنف للسهيلي 1/ 11 و 15).

[ (3)] قال ابن حبّان في هشام بن محمد بن السّائب الكلبي: «كان غاليا في التشيّع، أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها». (المجروحين من المحدّثين و الضعفاء و المتروكين 3/ 91) و في أبيه محمد قال: «الكلبي هذا مذهبه في الدين و وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه» 2/ 255.

[ (4)] قال السهيليّ في الروض الأنف 1/ 11: «و ما بعد عدنان من الأسماء مضطرب فيه، فالذي صحّ عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أنه انتسب إلى عدنان لم يتجاوزه، بل‏

قد روي من طريق ابن عباس‏ أنه لما بلغ عدنان قال: «كذب النّسّابون» مرتين أو ثلاثا.

و الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود. و روي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال: إنما ننتسب إلى عدنان و ما فوق ذلك لا ندري ما هو». و انظر: مروج الذهب للمسعوديّ 2/ 273 و 274، و الطبقات لابن سعد 1/ 56، و نسب قريش للزبيري 3، 5، و تهذيب الكمال للمزّي 1/ 176.

[ (5)] سورة الفرقان 38.

[ (6)] انظر عنه: الطبقات لخليفة 247 و 249، التاريخ الكبير للبخاريّ 9/ 13 رقم 85، الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 9/ 341 رقم 1518، تهذيب التهذيب لابن حجر 12/ 25 رقم 130 و قد ورد في نسخة القدسي المطبوعة سنة 1367 ه. ص 19 «خيثمة» و هو تصحيف.

19

يعلم ما وراء معدّ بن عدنان في شعر شاعر و لا علم عالم.

قال هشام بن الكلبيّ: سمعت من يقول: إنّ معدّا كان على عهد عيسى ابن مريم (عليه السلام) [ (1)].

و قال أبو عمر [ (2)] بن عبد البرّ [ (3)]: كان قوم من السّلف منهم عبد اللَّه بن مسعود، و محمد بن كعب القرظيّ، و عمرو بن ميمون الأودي إذا تلوا:

وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏ [ (4)] قالوا: كذب النّسّابون، قال أبو عمر: معنى هذا عندنا على غير ما ذهبوا إليه، و إنّما المعنى فيها و اللَّه أعلم: تكذيب من ادّعى إحصاء بني آدم.

و أمّا أنساب العرب فإنّ أهل العلم بأيّامها و أنسابها قد وعوا و حفظوا جماهيرها و أمّهات قبائلها، و اختلفوا في بعض فروع ذلك.

و الّذي عليه أئمّة هذا الشّأن أنّه: عدنان بن أدد [ (5)] بن مقوّم بن ناحور، ابن تيرح، بن يعرب، بن يشجب، بن نابت، بن إسماعيل، بن إبراهيم الخليل، بان آزر- و اسمه تارح-، بن ناحور، بن ساروغ [ (6)] بن راغو [ (7)]،

____________

[ (1)] نهاية الأرب 16/ 3.

[ (2)] في نسخة دار الكتب (أبو محمد) و هو تصحيف.

[ (3)] في (ف) (أبو عمرو بن عبد اللَّه) و كلاهما تحريف.

[ (4)] سورة إبراهيم 9.

[ (5)] و يقال «أدّ».

[ (6)] في الأصل «شاروخ» و التصويب من السيرة 1/ 12، و طبقات ابن سعد 1/ 54، و نهاية الأرب 16/ 4، و في تاريخ الطبري 2/ 276 «ساروع».

[ (7)] كذا في الأصل، و هو في السيرة 1/ 12 «راعو» بالعين المهملة، و في طبقات ابن سعد 1/ 54 «أرغوا» و في نهاية الأرب 16/ 4 و عيون الأثر 1/ 22 «أرغو» و في مروج الذهب 2/ 272 «أرعواء».

20

ابن فالخ، بن عبير، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح (عليه السلام)، بن لمّك، بن متّوشلخ، بن خنوخ- [ (1)] و هو إدريس (عليه السلام)-، ابن برد، بن مهليل، بن قينن، بن يانش، بن شيث، بن آدم أبي البشر (عليه السلام)، قال: و هذا الّذي أعتمده محمد بن إسحاق في السيرة، [ (2)] و قد اختلف أصحاب ابن إسحاق عليه في بعض الأسماء.

قال ابن سعد [ (3)]: الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل.

و روى سلمة الأبرش، عن ابن إسحاق هذا النّسب إلى يشجب سواء، ثم خالفه فقال: يشجب، بن يانش، بن ساروغ، بن كعب، بن العوّام، ابن قيذار، بن نبت، بن إسماعيل، بن إبراهيم الخليل (عليهم السلام).

و قال ابن إسحاق: يذكرون أن عمر إسماعيل بن إبراهيم الخليل مائة و ثلاثون سنة، و أنه دفن في الحجر مع أمه هاجر [ (4)].

و قال عبد الملك بن هشام [ (5)]: حدّثني خلّاد بن قرّة بن خالد السّدوسيّ، عن شيبان بن زهير، عن قتادة قال: إبراهيم خليل اللَّه هو ابن تارح، بن ناحور، بن أشرع [ (6)]، بن أرغو، بن فالخ، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، بن لامك [ (7)]، بن متّوشلخ، بن خنوخ [ (8)]، ابن يرد، بن مهلاييل، بن قاين [ (9)]، بن أنوش، بن شيث، بن آدم.

____________

[ (1)] في السيرة 1/ 13، و تاريخ الطبري 2/ 276، و نهاية الأرب 16/ 4 «أخنوخ».

[ (2)] انظر سيرة ابن هشام 1/ 7- 13.

[ (3)] الطبقات الكبرى 1/ 58.

[ (4)] طبقات ابن سعد 1/ 52 سيرة ابن هشام 1/ 16.

[ (5)] سيرة ابن هشام 1/ 14.

[ (6)] في السيرة «أسرغ».

[ (7)] في السيرة «لمّك».

[ (8)] في السيرة «أخنوخ».

[ (9)] في الطبعة الثانية من نسخة القدسي 3 «قانن» و التصويب من السيرة، و من الطبعة الأولى‏

21

و روى عبد المنعم بن إدريس، [ (1)] عن أبيه، عن وهب بن منبّه، أنّه وجد نسب إبراهيم (عليه السلام) في التّوراة: إبراهيم، بن تارح، بن ناحور، ابن شروغ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، بن لمّك، بن متشالخ، بن خنوخ- و هو إدريس-، بن يارد، بن مهلاييل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم [ (2)].

و قال ابن سعد: [ (3)] ثنا هشام بن الكلبيّ قال: علّمني أبي و أنا غلام نسب النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) محمد، الطّيّب المبارك ولد عبد اللَّه بن عبد المطّلب- و اسمه شيبة الحمد- بن هاشم- و اسمه عمرو- بن عبد مناف- و اسمه المغيرة- بن قصيّ- و اسمه زيد- بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.

قال أبي: و بين معدّ و إسماعيل نيّف و ثلاثون أبا، و كان لا يسمّيهم و لا ينفذهم [ (4)].

____________

[ ()] لتاريخ الإسلام ص 20، و قد مرّ قبل قليل باسم «قينن».

[ (1)] جاء في حاشية (ع): «عبد المنعم هذا دجّال لا يعتمد عليه و لم يدرك أباه، و كان يكذب على وهب بن منبّه».

و هو اليمانيّ، قصّاص لا يعتمد عليه، تركه غير واحد، و يضع الحديث. مات ببغداد سنة 228 ه. انظر عنه: (التاريخ الصغير للبخاريّ 189، الضعفاء و المتروكين للدارقطنيّ 124 رقم 359، الضعفاء الكبير للعقيليّ 3/ 112 رقم 1084، المجروحين لابن حبّان 2/ 157، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدّي 5/ 1974، المغني في الضعفاء للذهبي 2/ 409 رقم 3857، ميزان الاعتدال للذهبي 2/ 668 رقم 5270، لسان الميزان لابن حجر 4/ 73 رقم 119).

[ (2)] قارن بما جاء عند المسعودي في مروج الذهب 2/ 273.

[ (3)] الطبقات الكبرى 1/ 55، 56.

[ (4)] طبقات ابن سعد 1/ 56.

22

قلت: و سائر هذه الأسماء أعجميّة، و بعضها لا يمكن ضبطه بالخطّ إلّا تقريبا [ (1)].

و قد قيل في قوله تعالى: وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ‏ [ (2)]: فصيلة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بنو عبد المطّلب أعمامه و بنو أعمامه، و أمّا فخذه فبنو هاشم قال:

و بنو عبد مناف بطنه، و قريش عمارته، و بنو كنانة قبيلته. و مضر شعبه.

قال الأوزاعيّ: حدّثني شدّاد أبو عمّار، حدّثني واثلة بن الأسقع قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«اصطفى اللَّه كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى هاشما من قريش، و اصطفاني من بني هاشم»

رواه مسلم [ (3)].

و أمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فهي أقرب نسبا إلى كلاب من زوجها عبد اللَّه برجل.

مولده المبارك (صلّى اللَّه عليه و سلم)

أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق، نا أحمد بن أبي الفتح، و الفتح ابن عبد اللَّه قالا: أنبأ محمد بن عمر الفقيه، أنا أبو الحسين أحمد بن محمد ابن النّقّور، أنا عليّ بن عمر الحربيّ، ثنا أحمد بن الحسن الصّوفي، ثنا يحيى بن معين، ثنا حجّاج بن محمد، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: «أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) ولد يوم الفيل» صحيح [ (4)].

____________

[ (1)] قال ابن سعد في طبقاته 1/ 57 و الطبري في تاريخه 2/ 273 «و لعلّ خلاف ما بينهم من قبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية».

[ (2)] سورة المعارج، الآية 13.

[ (3)] صحيح مسلم (2276) كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و تسليم الحجر عليه قبل النّبوّة.

[ (4)] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 1/ 101، و الحاكم في المستدرك 2/ 603.

23

و قال ابن إسحاق: [ (1)] حدّثني المطّلب بن عبد اللَّه بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جدّه قيس بن مخرمة بن المطّلب [ (2)] قال: «ولدت أنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل. كنّا لدين» [ (3)] أخرجه الترمذي [ (4)]، و إسناده حسن.

و قال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: ثنا سليمان النّوفليّ، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل، و كانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة، و بني البيت على رأس خمس و عشرين سنة من الفيل. و تنبّأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) على رأس أربعين سنة من الفيل [ (5)].

قال شباب العصفريّ [ (6)]: ثنا يحيى بن محمد، ثنا عبد العزيز بن عمران، حدّثني الزّبير بن موسى، عن أبي الحويرث، سمعت قباث [ (7)] بن أشيم يقول: «أنا أسنّ من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و هو أكبر منّي، وقفت بي أمّي على روث الفيل محيلا [ (8)] أعقله، و ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل» [ (9)].

____________

[ (1)] سيرة ابن هشام 1/ 181 و لفظه: «ولدت أنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل، فنحن لدتان»، و تاريخ الطبري 2/ 155.

[ (2)] في جميع النسخ «عبد المطّلب»، و التصحيح من: طبقات خليفة 9، الجرح و التعديل 7/ 103 رقم 586، تاريخ الطبري 2/ 155 تهذيب التهذيب 8/ 402.

[ (3)] لدين: مثنّى لدة، و هو التّرب.

[ (4)] الجامع الصحيح 5/ 249 (23) باب ما جاء في ميلاد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) رقم (3698) و هو أطول من هنا، و ليس فيه لفظ «كنا لدين»، و قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث محمد بن إسحاق. و أخرجه أحمد في مسندة 4/ 215 عن قيس بن مخرمة قال: «ولدت أنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل، فنحن لدان ولدنا مولدا واحدا» و خليفة في تاريخه 52، و الطبري في تاريخه 2/ 155، و الحاكم في المستدرك 2/ 603.

[ (5)] البداية و النهاية 2/ 262، و انظر: تاريخ خليفة 52، 53 تهذيب الأسماء للنووي- ج 1 ق 1/ 22، 23، المعرفة و التاريخ 3/ 250.

[ (6)] هو المؤرّخ خليفة بن خياط صاحب التاريخ و الطبقات.

[ (7)] قباث: بفتح القاف.

[ (8)] محيلا: أي متغيّرا.

[ (9)] تاريخ خليفة 52 و فيه: «عن أبي الحويرث قال: شهدت عبد الملك بن مروان قال لقباث بن‏

24

يحيى هو أبو زكير [ (1)]، و شيخه [ (2)] متروك الحديث.

و قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث اللَّه محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلم) على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، و كان بينه و بين مبعثه و بين أصحاب الفيل سبعون سنة [ (3)]. كذا قال.

و قد قال إبراهيم بن المنذر و غيره: هذا و هم لا يشكّ فيه أحد من علمائنا. إنّ رسول اللَّه ولد عام الفيل و بعث على رأس أربعين سنة من الفيل [ (4)].

و قال يعقوب القمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن ابزى قال:

____________

[ ()] أشيم: أنت أكبر أم رسول اللَّه؟ قال: هو أكبر منّي و أنا أسنّ منه. قال: متى ولدت؟ قال:

وقفت بي أمّي ..». و انظر تاريخ الطبري 2/ 156.

و أخرجه الترمذي (3698) باب ما جاء في ميلاد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و هو في الحديث السابق، و فيه: «سأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث: أنت أكبر أم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أكبر مني و أنا أقدم منه في الميلاد، قال: و رأيت خذق الطير أخضر محيلا».

[ (1)] هو يحيى بن محمد بن قيس المحاربي أبو زكير البصري الضرير. انظر عنه: الجرح و التعديل 9/ 184 رقم 764، الضعفاء الكبير للعقيليّ 4/ 427 رقم 2055، المجروحين لابن حبّان 3/ 119، التاريخ الكبير للبخاريّ 8/ 304، الكامل في الضعفاء لابن عديّ 7/ 2698، ميزان الاعتدال 4/ 405 رقم 9616، المغني في الضعفاء 2/ 743 رقم 7043، الكاشف 3/ 234 رقم 6353، تهذيب التهذيب 11/ 274، 275 رقم 548.

[ (2)] عبد العزيز بن عمران أبو ثابت الزهري المدني. قال البخاري: لا يكتب حديثه، منكر الحديث انظر: التاريخ الكبير 6/ 29 رقم 1585، الضعفاء و المتروكين للدارقطنيّ 121 رقم 349، الضعفاء الصغير للبخاريّ 223، الجرح و التعديل 5/ 390 رقم 1817، الضعفاء الكبير 3/ 13 رقم 969، المجروحين لابن حبّان 2/ 139 الكامل في الضعفاء لابن عديّ 5/ 1924، المغني في الضعفاء 2/ 399 رقم 3747، الكاشف 2/ 177 رقم 3452، ميزان الاعتدال 2/ 632 رقم 5119، تهذيب التهذيب 6/ 350 رقم 671.

[ (3)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 282، المعرفة و التاريخ 3/ 250، 251.

[ (4)] قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات 1/ 23: «و نقل إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري و خليفة بن خياط و آخرون الإجماع عليه»، انظر تاريخ خليفة 52 و 53 حيث قال: «و المجتمع عليه عام الفيل»، و المعرفة و التاريخ 3/ 251.

25

كان بين الفيل و بين مولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عشر سنين. و هذا قول منقطع.

و أضعف منه ما روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة و هو ضعيف قال:

ثنا عقبة بن مكرم، ثنا المسيّب بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: حمل برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في عاشوراء المحرّم، و ولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ثلاث و عشرين من غزوة أصحاب الفيل [ (1)] و هذا حديث ساقط كما ترى.

و أوهى منه ما يروى عن الكلبيّ- و هو متّهم ساقط، عن أبي صالح باذام، عن ابن عبّاس قال: ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قبل الفيل بخمس عشرة سنة [ (2)]. قد تقدّم ما يبيّن كذب هذا القول عن ابن عبّاس بإسناد صحيح.

قال خليفة بن خيّاط [ (3)]: المجمع عليه أنه ولد عام الفيل.

و قال الزّبير بن بكّار: ثنا محمد بن حسن، عن عبد السّلام بن عبد اللَّه، عن معروف بن خربوذ و غيره من أهل العلم قالوا: ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عام الفيل، و سمّيت قريش «آل اللَّه» و عظمت في العرب، ولد لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول و قيل: من رمضان يوم الإثنين حين طلع الفجر.

و قال أبو قتادة الأنصاريّ‏

: سأل أعرابيّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه و فيه أوحي إليّ».

أخرجه مسلم [ (4)].

____________

[ (1)] رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، انظر مختصره لابن منظور، رقم (81) بتحقيق الدكتور رضوان السيد، و البداية و النهاية لابن كثير 2/ 261، تهذيب تاريخ دمشق 1/ 281.

[ (2)] تاريخ خليفة 53، البداية و النهاية 2/ 262 و قال: هذا حديث غريب و منكر و ضعيف جدا.

[ (3)] تاريخ خليفة 53.

[ (4)] صحيح مسلم (1160) كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر و صوم يوم‏

26

و قال عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزّهري، عن سعيد بن المسيّب و غيره، أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ولد في ليلة الاثنين من ربيع الأول عند ابهرار النّهار.

و روى ابن إسحاق قال: حدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال:

حدّثني من شئت من رجال قومي، عن حسّان بن ثابت، قال: «إنّي لغلام يفعة [ (1)]، إذ سمعت يهوديّا و هو على أطمة [ (2)] يثرب يصرخ: يا معشر يهود، فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الّذي يبعث به اللّيلة» [ (3)].

و قال ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، [ (4)] عن ابن عبّاس قال: «ولد نبيّكم (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم الإثنين و نبّئ يوم الإثنين. و خرج من مكة يوم الإثنين، و قدم المدينة يوم الإثنين، و فتح مكة يوم الإثنين، و نزلت سورة المائدة يوم الإثنين، و توفّي يوم الإثنين». رواه أحمد في مسندة [ (5)]، و أخرجه الفسوي في تاريخه [ (6)].

و قال شيخنا أبو محمد الدّمياطيّ في «السيرة» من تأليفه، عن أبي‏

____________

[ ()] عرفة و عاشوراء و الاثنين و الخميس. و أخرجه أحمد في مسندة 5/ 297 و 299 و الحاكم في المستدرك 2/ 602 و قال: «صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و إنما احتج مسلم بحديث شعبة عن قتادة بهذا الإسناد صوم يوم عرفة يكفّر السنة و ما قبلها». و تابعه الذهبي في تلخيصه. و رواه ابن سعد مختصرا في طبقاته 1/ 101.

[ (1)] اليفعة: الصبيّ إذا ارتفع و لم يبلغ الاحتلام.

[ (2)] أطمة: حصن.

[ (3)] سيرة ابن هشام 1/ 181.

[ (4)] هو حنش الصنعاني.

[ (5)] ج 1/ 277.

[ (6)] المعرفة و التاريخ 3/ 251.

27

جعفر محمد بن عليّ قال:

«ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، و كان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النّصف من المحرّم».

و قال أبو معشر نجيح: «ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول».

قال الدّمياطيّ: و الصّحيح قول أبي جعفر، قال: و يقال: إنّه ولد في العشرين من نيسان.

و قال أبو أحمد الحاكم: ولد بعد الفيل بثلاثين يوما. قاله بعضهم:

قال: و قيل بعده بأربعين يوما.

قلت: لا أبعد أنّ الغلط وقع من هنا على من قال ثلاثين عاما أو أربعين عاما، فكأنّه أراد أن يقول يوما فقال عاما.

و قال الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراسانيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما: أنّ عبد المطلب ختن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم سابعه، و صنع له مأدبة و سمّاه محمّدا.

و هذا أصحّ ممّا رواه ابن سعد [ (1)]: أنبأ يونس بن عطاء المكّي، ثنا الحكم بن أبان العدني، ثنا عكرمة، عن ابن عبّاس، عن أبيه العباس قال:

ولد النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) مختونا مسرورا، فأعجب ذلك عبد المطّلب و حظي عنده و قال: ليكوننّ لابني هذا شأن.

تابعه سليمان بن سلمة الخبائري [ (2)]، عن يونس، لكن أدخل فيه بين‏

____________

[ (1)] الطبقات الكبرى 1/ 103، و انظر: تهذيب تاريخ دمشق 1/ 283، دلائل النبوّة للبيهقي 1/ 52، السيرة النبويّة لابن كثير 1/ 210، الخصائص للسيوطي 1/ 50.

[ (2)] في نسخة دار الكتب المصرية «الحضائري»، و التصحيح من الأصل، و (ع)، و التاريخ الكبير 4/ 19 رقم 1819، و الجرح و التعديل 4/ 121 رقم 529، و الكامل في الضعفاء 3/ 1140، و المغني في الضعفاء 1/ 280 رقم 2593، و ميزان الاعتدال 2/ 209 رقم 3472 و لسان الميزان 3/ 93 رقم 317.

28

يونس و الحكم: عثمان بن ربيعة الصّدائي [ (1)].

قال شيخنا الدّمياطيّ: و يروى عن أبي بكرة قال: ختن جبريل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لما طهّر قلبه.

قلت: هذا منكر.

____________

[ ()] و الخبائري: بفتح الخاء المعجمة- و الباء الموحّدة. نسبة إلى الخبائر و هو بطن من الكلاع.

(اللباب 1/ 418).

[ (1)] الصّدائي: بضم الصاد و فتح الدال المهملتين. نسبة إلى صدا و اسمه الحارث بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج. قبيلة من اليمن. (اللباب 2/ 236).

29

أسماء النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و كنيته‏

الزّهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«إنّ لي أسماء: أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر، و أنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدمي، و أنا العاقب»

قال الزّهري: و العاقب الّذي ليس بعده نبيّ. متّفق عليه [ (1)]. و قال الزّهريّ: و قد سمّاه اللَّه رءوفا رحيما [ (2)].

و قال حمّاد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشيّة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«أنا محمد، و أنا

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 6/ 403- 406 و 8/ 492 في تفسير سورة الصف، و في الأنبياء، باب ما جاء في أسماء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و مسلم (2354) في الفضائل، باب أسمائه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و الترمذي (2840) في الجامع و (359) في الشمائل. و رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 1/ 105، و المزّي في تهذيب الكمال 1/ 186، و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 1/ 274، و مالك في الموطّأ، 620، و الدارميّ في السنن 2/ 317، 318، و البيهقي في دلائل النبوة 1/ 94، 95، و الحاكم في المستدرك 2/ 604، و انظر: الشفاء للقاضي عياض 1/ 444، و ألوفا لابن الجوزي 1/ 103، و تاريخ الخميس 1/ 206، و نهاية الأرب للنويري 16/ 72، 73 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني 3/ 115، 116، و المعجم الكبير للطبراني 2/ 121 رقم 1525.

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275، و هو في الحديث السابق.

30

أحمد، و أنا الحاشر، و أنا الماحي، و الخاتم، و العاقب» [ (1)].

و هذا إسناد قويّ حسن.

و جاء بلفظ آخر قال:

«أنا أحمد، و محمد، و المقفّي، و الحاشر، و نبيّ الرحمة، و نبيّ الملحمة» [ (2)].

و قال عبد اللَّه بن صالح: ثنا اللّيث، حدّثني خالد بن يزيد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن عقبة بن مسلم، عن نافع بن جبير بن مطعم: أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أ تحصي أسماء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) التي كان جبير يعدّها؟ قال: نعم، هي ستّة: محمد، و أحمد، و خاتم، و حاشر، و عاقب، و ماح [ (3)].

فأمّا حاشر فبعث مع السّاعة نذيرا لكم، و أمّا عاقب فإنّه عقّب الأنبياء، و أمّا ماحي فإنّ اللَّه محا به سيّئات من اتّبعه [ (4)].

فأمّا عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعريّ قال‏

:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يسمّي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، و أحمد، و الحاشر، و المقفّي، و نبيّ التوبة، و الملحمة».

رواه مسلم [ (5)].

____________

[ (1)] رواه بنصّه ابن سعد في الطبقات 1/ 104.

[ (2)] أخرجه مسلم (2355) في الفضائل، باب في أسمائه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و المزّي في تهذيب الكمال 1/ 186.

و المقفّي: الذاهب المولّي، فكأنّ المعنى: أنّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) آخر الأنبياء، و إذا قفّى فلا نبيّ بعده، و قيل:

«المقفّي» المتّبع، أراد: أنّه متّبع النبيّين. (انظر: جامع الأصول 11/ 216).

[ (3)] في الأصل «ماحي» و ما أثبتناه هو الأصحّ.

[ (4)] رواه ابن سعد في الطبقات 1/ 105 و الفسوي في المعرفة و التاريخ 3/ 266، و البيهقي في دلائل النبوّة 1/ 97، 98، و انظر تهذيب تاريخ دمشق 1/ 274، 275.

[ (5)]

صحيح مسلم (2355) في الفضائل، باب في أسمائه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و

نصّه: «أنا محمد، و أحمد، و المقفّي، و الحاشر، و نبيّ التوبة، و نبيّ الرحمة،

و أخرجه الترمذي في الشمائل (360) من حديث حذيفة، بلفظ: «أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا نبيّ الرحمة، و نبيّ التوبة، و أنا المقفّي،

31

و قال وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) مرسلا قال:

«أيّها النّاس إنّما أنا رحمة مهداة».

و رواه زياد بن يحيى الحسّاني، عن سعير [ (1)] بن الخمس [ (2)]، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولا.

و قد قال اللَّه تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ [ (3)].

و قال وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن ابن عمر، عن ابن الحنفيّة قال: يس محمد (صلّى اللَّه عليه و سلم). [ (4)]

و عن بعضهم [ (5)] قال: لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في القرآن خمسة أسماء:

محمد، و أحمد، و عبد اللَّه، و يس، و طه [ (6)].

و قيل: طه، لغة لعكّ، أي يا رجل، فإذا قلت لعكّيّ: يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له: طه، التفت إليك [ (7)]. نقل هذا الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، و الكلبيّ متروك [ (8)]. فعلى هذا القول لا يكون طه من أسمائه.

____________

[ ()] و أنا الحاشر، و نبيّ الملاحم،

و هو حسن. و انظر: المعجم الكبير للطبراني 2/ 120- 122، و تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275، و تهذيب الكمال 1/ 186، و طبقات ابن سعد 1/ 104.

[ (1)] سعير: بضم المهملة و فتح العين المهملة و سكون المثنّاة تحت و آخره راء. (الإكمال 4/ 314 و المشتبه 1/ 360 بالحاشية).

[ (2)] هكذا في الأصل، و في الإكمال 4/ 314، و ورد في المشتبه 1/ 360 «الخمش» بالشين المعجمة.

[ (3)] سورة الأنبياء- الآية 107.

[ (4)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275.

[ (5)] هو أبو زكريا العنبري، كما في تهذيب تاريخ دمشق، و تهذيب الكمال للمزّي.

[ (6)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275، تهذيب الكمال 1/ 187.

[ (7)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275.

[ (8)] سبقت الإشارة إلى ذلك في أول هذا الجزء.

32

و قد وصفه اللَّه تعالى في كتابه فقال: رسولا، و نبيّا أمّيّا، و شاهدا، و مبشّرا و نذيرا، و داعيا إلى اللَّه بإذنه، و سراجا منيرا، و رءوفا رحيما، و مذكّرا، و مدّثّرا، و مزّمّلا، و هاديا، إلى غير ذلك [ (1)].

و من أسمائه: الضّحوك، و القتّال [ (2)].

جاء في بعض الآثار عنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أنّه قال:

«أنا الضّحوك أنا القتّال».

و قال ابن مسعود: حدّثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و هو الصّادق المصدوق، و في التّوراة فيما بلغنا أنّه حرز للأمّيّين، و أنّ اسمه المتوكّل.

و من أسمائه: الأمين. و كانت قريش تدعوه به قبل نبوّته. و من أسمائه الفاتح، و قثم [ (3)].

و قال عليّ بن زيد بن جدعان: تذاكروا أحسن بيت قالته العرب فقالوا: قول أبي طالب في النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم):

و شقّ له من اسمه ليجلّه* * * فذو العرش محمود و هذا محمد [ (4)]

و قال عاصم بن أبي النّجود، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال:

لقيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في بعض طرق المدينة فقال: «أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا نبيّ الرحمة، و نبيّ التوبة، و المقفّي، و أنا الحاشر، و نبيّ الملحمة» قال:

____________

[ (1)] قارن بتهذيب تاريخ دمشق 1/ 275 و دلائل النبوّة للبيهقي 1/ 103.

[ (2)] قال ابن فارس: سمّي به لحرصه على الجهاد و مسارعته إلى القتال. و انظر شرح المواهب للزرقاني 3/ 140، نهاية الأرب 16/ 79.

[ (3)] قثم: المجتمع الخلق، و قيل الجامع الكامل، و قيل الجموع للخير. (النهاية في غريب الحديث).

[ (4)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 276، و البيت من ضمن أبيات عند البيهقي في دلائل النبوة 1/ 104.

و نسبه السيوطي في الخصائص 1/ 78 إلى حسان بن ثابت.

و قوله: «من اسمه» يروى على وجهين: على همزة مقطوعة لإقامة الوزن، و على الوصول و ترك القطع إقرارا له على أصله في إخراجه على قياسه. (انظر: تهذيب تاريخ دمشق 1/ 276).

33

المقفّي الّذي ليس بعده نبيّ،

رواه التّرمذيّ في «الشمائل» [ (1)] و إسناده حسن، و قد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، فقال عن زرّ، عن حذيفة نحوه‏

.

و يروى بإسناد واه عن أبي الطّفيل قال: قال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم):

لي عشرة أسماء، فذكر منها الفاتح، و الخاتم [ (2)].

قلت: و أكثر ما سقنا من أسمائه صفات له لا أسماء أعلام.

و قد تواتر أنّ كنيته أبو القاسم [ (3)].

قال ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«سمّوا [ (4)] باسمي، و لا تكتنوا بكنيتي»

متّفق عليه [ (5)].

و قال محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«لا تجمعوا اسمي و كنيتي، أنا أبو القاسم، اللَّه يعطي و أنا أقسم» [ (6)].

____________

[ (1)]

رقم (360) من حديث حذيفة، و فيه: «و أنا المقفّي».

و قد مرّ تخريجه قبل قليل.

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 275.

[ (3)] نهاية الأرب 16/ 80.

[ (4)] في الأصل و (ع) و صحيح مسلم: «تسمّوا» و ما أثبتناه عن صحيح البخاري. و قد تصحّف هذا اللفظ في نسخة و أخرى ..

[ (5)] رواه البخاري 7/ 116 كتاب الأدب، باب‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏ سمّوا باسمي و لا تكتنوا بكنيتي،

و 1/ 180 في العلم، باب إثم من كذب على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و في الأنبياء، باب كنية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و في كتاب الأدب، باب من سمّي باسم الأنبياء، و مسلم (2134) في الأدب، باب النهي عن التكنّي بأبي القاسم، و أبو داود (4965) في كتاب الأدب، باب الرجل يتكنّى بأبي القاسم، و ابن ماجة (3735) في كتاب الأدب، باب الجمع بين اسم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و كنيته، و رواه أحمد في المسند 3/ 170 من طريق أنس، و 3/ 369 من طريق جابر. و رواه ابن سعد في الطبقات 1/ 106 و انظر تهذيب ابن عساكر 1/ 276، 277.

[ (6)] أخرجه مسلم (2133) عن جابر، كتاب الآداب، باب النهي عن التكنّي بأبي القاسم و بيان ما يستحبّ من الأسماء، و أحمد في المسند 2/ 433 و 3/ 301 و انظر طبقات ابن سعد 1/ 107.

34

و قال ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزّهري، عن أنس قال: لما ولد إبراهيم ابن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) من ماريّة كاد يقع في نفسه منه، حتى أتاه جبريل (عليه السلام)- قال: السلام عليك يا أبا إبراهيم [ (1)]. ابن لهيعة ضعيف [ (2)].

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 1/ 278 و قال: رواه الدارميّ و البيهقي عن أنس.

[ (2)] و هو عبد اللَّه بن لهيعة بن عقبة أبو عبد الرحمن الحضرميّ قاضي مصر. انظر عنه: التاريخ الكبير 5/ 182 رقم 574، التاريخ الصغير 195، الضعفاء الصغير 266 رقم 190، الضعفاء و المتروكين للنسائي 295 رقم 337، التاريخ لابن معين 2/ 327، الجرح و التعديل 5/ 145 رقم 682، الكامل في الضعفاء 4/ 1462، الضعفاء الكبير للعقيليّ 2/ 293 رقم 867، المجروحين لابن حبان 2/ 11 أحوال الرجال للجوزجانيّ 155 رقم 274، الضعفاء و المتروكين للدار للدّارقطنيّ 115 رقم 322، ميزان الاعتدال 2/ 475 رقم 4530، المغني في الضعفاء 1/ 352 رقم 3317، تهذيب التهذيب 5/ 373 رقم 648.

35

ذكر ما ورد في قصّة سطيح [ (1)] و ضمود النيران ليلة المولد و انشقاق الإيوان‏

قال ابن أبي الدّنيا و غيره: ثنا عليّ بن حرب الطّائي، أنا أبو يعلى أيوب [ (2)] بن عمران البجلي، حدّثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه، و كان قد أتت عليه مائة و خمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ارتجس [ (3)] إيوان كسرى، و سقطت منه أربع عشرة شرفة، و غاضت بحيرة ساوة [ (4)]، و خمدت نار فارس، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام، و رأى الموبذان [ (5)] إلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها، فلمّا أصبح كسرى أفزعه ما رأى من شأن إيوانه فصبر عليه تشجّعا، ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه و مرازبته، فلبس تاجه و قعد على سريره و معهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أ تدرون فيم بعثت إليكم؟

قالوا: لا إلّا أن يخبرنا الملك، فبينا هم على ذلك إذ ورد عليهم كتاب‏

____________

[ (1)] اسم سطيح: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن مازن بن غسّان .. (السيرة لابن هشام 1/ 27) و انظر: وفيات الأعيان 2/ 231.

[ (2)] كذا في الأصل، و في تاريخ الطبري 2/ 166 و سيرة ابن كثير 1/ 215 «أبو أيوب يعلى».

[ (3)] ارتجس: ارتجف.

[ (4)] ساوة: مدينة حسنة بين الري و همذان في وسط (معجم البلدان 3/ 179).

[ (5)] الموبذان: قال السهيليّ: معناه: القاضي أو المفتي بلغتهم (الروض الأنف 1/ 29).

36

بخمود النّار، فازداد غمّا إلى غمّه، فقال الموبذان:

و أنا قد رأيت- أصلح اللَّه الملك- في هذه اللّيلة رؤيا، ثم قصّ عليه رؤياه فقال: أيّ شي‏ء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، و كان أعلمهم في أنفسهم، فكتب كسرى عند ذلك:

«من كسرى ملك الملوك إلى النّعمان بن المنذر، أما بعد، فوجّه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه. فوجّه إليه بعبد المسيح بن حبّان بن بقيلة [ (1)] الغسّاني، فلما قدم عليه قال له: أ لك علم بما أريد أن أسألك عنه؟

قال: ليسألني الملك فان كان عندي علم و إلّا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح قال: فائته فسله عمّا سألتك و ائتني بجوابه، فركب حتى أتى على سطيح و قد أشفى على الموت، فسلّم عليه و حيّاه فلم يحر سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:

أصمّ أم يسمع غطريف اليمن* * * أم فاد فازلمّ به شأو العنن [ (2)]

يا فأصل الخطّة أعيت من و من* * * أتاك شيخ الحيّ من آل سنن‏

و أمّه من آل ذئب بن حجن* * * أزرق نهم [ (3)] النّاب صرّار الأذن [ (4)]

أبيض فضفاض الرّداء و البدن* * * رسول قيل [ (5)] العجم يسري للوسن‏

____________

[ (1)] هكذا في الأصل، و في تاريخ الطبري 2/ 167، و في الروض الأنف 1/ 29 و العقد الفريد 2/ 29 و المنتقى لابن الملّا «نفيلة».

[ (2)] يعني عرض له الموت فقبضه، قال السهيليّ 1/ 30 «فازلم به معناه: قبض، قال ثعلب، و قوله: شأو العنن، يريد الموت و ما عن منه. قاله الخطابي، و فاد: مات، يقال منه: فاد يفود».

[ (3)] في تاريخ الطبري 2/ 167 «ممهى» بمعنى: محدّد، و في النهاية لابن الأثير «مهمي».

[ (4)] صرّار الأذن: صرّها: نصبها و سوّاها.

[ (5)] قيل: ملك.

37

تجوب بي الأرض علنداة [ (1)] شزن [ (2)]* * * ترفعني وجنا و تهوي بي وجن [ (3)]

لا يرهب الرّعد و لا ريب الزّمن* * * كأنّما أخرج من جوف ثكن [ (4)]

حتى أتى عاري الجآجي [ (5)] و القطن [ (6)]* * * تلفّه في الريح بوغاء [ (7)] الدّمن [ (8)]

فقال سطيح: عبد المسيح [ (9)]، جاء إلى سطيح، و قد أوفى على الضّريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، و خمود النّيران، و رؤيا الموبذان، رأى إلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، و انتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التّلاوة، و ظهر صاحب الهراوة [ (10)]، و فاض وادي السّماوة، و خمدت نار فارس، فليس [ (11)] الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك و مليكات، على عدد الشّرفات، و كلّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه، [ (12)] و سار عبد المسيح إلى رحله، و هو يقول:

شمّر فإنّك ماضي الهمّ شمّير* * * لا يفزعنّك تفريق و تغيير

____________

[ (1)] علنداة: القويّة من النّوق. (الروض الأنف).

[ (2)] شزن: تمشي من نشاطها على جانب. (الروض الأنف).

[ (3)] الوجن: الأرض الصلبة ذات الحجارة. (الروض الأنف).

[ (4)] ثكن: اسم جبل بالحجاز. (الروض الأنف).

[ (5)] في طبعة القدسي 2/ 13 «الجآحي» و التصحيح من المصادر الآتية. و الجآجي: جمع جؤجؤ و هو الصدر. (الروض الأنف).

[ (6)] القطن: أصل ذنب الطائر، و أسفل الظهر من الإنسان.

[ (7)] البوغاء: التراب الناعم. و الدّمن: ما تدمّن منه أي: تجمّع و تلبّد (الروض الأنف).

[ (8)] راجع الأبيات مع تقديم و تأخير و تغيير في الألفاظ في: تاريخ الطبري 2/ 167، 168 العقد الفريد 2/ 29، 30، لسان العرب (مادة سطح)، الروض الأنف 1/ 29، 30 سيرة ابن كثير 1/ 216، 217، النهاية في غريب الحديث (مادة سطح) 2/ 139.

[ (9)] أضاف السهيليّ في الروض 1/ 30 «على جمل مشيح».

[ (10)] يعني النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

[ (11)] في تاريخ الطبري و الروض «فليست».

[ (12)] حتى هنا ينتهي الخبر في الروض الأنف 1/ 30.

38

إن يمس [ (1)] ملك بني ساسان أفرطهم* * * فإنّ ذا الدّهر أطوار دهارير [ (2)]

فربّما ربّما أضحوا بمنزلة* * * تهاب [ (3)] صولهم الأسد المهاصير

منهم أخو الصّرح بهرام [ (4)] و إخوته* * * و الهرمزان و سابور و سابور

و النّاس أولاد علّات فمن علموا* * * أن قد أقلّ فمحقور و مهجور [ (5)]

و هم بنو الأمّ إمّا [ (6)] إن رأوا نشبا* * * فذاك بالغيب محفوظ و منصور

و الخير و الشّرّ مصفودان [ (7)] في قرن* * * فالخير متّبع و الشّرّ محذور

فلما قدم على كسرى أخبره بقول سطيح فقال كسرى: إلى متى يملك منّا أربعة عشر ملكا تكون أمور، فملك منهم عشرة أربع سنين، و ملك الباقون إلى آخر خلافة عثمان رضي اللَّه عنه [ (8)]. هذا حديث منكر غريب [ (9)].

و بالإسناد إلى البكّائيّ، عن ابن إسحاق [ (10)] قال: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التّبابعة، فرأى رؤيا هالته و فظع منها، فلم يدع كاهنا و لا ساحرا و لا عائفا و لا منجّما من أهل مملكته إلّا جمعه إليه، فقال لهم: «إنّي قد رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها و بتأويلها، قالوا: أقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إنّي إن أخبرتكم عنها لم أطمئنّ إلى خبركم عن‏

____________

[ (1)] في تاريخ الطبري 2/ 168 «يك».

[ (2)] دهارير: تصاريف الدهر.

[ (3)] في سيرة ابن كثير 1/ 217 «يخاف».

[ (4)] عند الطبري 2/ 168 «مهران».

[ (5)] عند الطبري «فمهجور و محقور».

[ (6)] عند الطبري «لما».

[ (7)] عند الطبري و ابن كثير «مقرونان».

[ (8)] الخبر في تاريخ الطبري 2/ 168، و سيرة ابن كثير 1/ 217، 218 و العقد الفريد 2/ 30، 31 مع اختلاف بالألفاظ في الشعر.

[ (9)] قال ابن كثير: رواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن إدريس عن علي بن حرب الموصلي بنحوه.

[ (10)] سيرة ابن هشام 1/ 26 و ما بعدها.

39

تأويلها، إنّه لا يعرف تأويلها إلّا من عرفها، فقيل له: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح و شقّ [ (1)] فإنّه ليس أحد أعلم منهما، فبعث إليهما فقدم سطيح قبل شقّ، فقال له: رأيت حممة [ (2)] خرجت من ظلمة [ (3)]، فوقعت بأرض، تهمة [ (4)]، فأكلت منها كلّ ذات جمجمة.

قال: ما أخطأت منها شيئا، فما تأويلها؟

فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حنش، ليهبطنّ أرضكم الحبش، فليملكنّ ما بين أبين [ (5)] إلى جرش [ (6)].

فقال الملك: و أبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أ في زماني أم بعده؟

قال: بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين من السّنين، ثم يقتلون و يخرجون هاربين.

قال: من يلي ذلك من إخراجهم؟

قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا باليمن.

____________

[ (1)] كان شق شقّ إنسان، له يد واحدة و رجل واحدة و عين واحدة. (الروض الأنف 1/ 27، وفيات الأعيان 2/ 230).

[ (2)] حممة: قطعة من نار.

[ (3)] ظلمة: أي ظلمة.

[ (4)] تهمة: منخفضة، و منه سمّيت تهامة.

[ (5)] أبين: ذكره سيبويه بكسر الهمزة على مثل إصبع، و جوّز فيه الفتح، و قال ابن ماكولا في الإكمال 1/ 7: «بفتح الهمزة و سكون الباء المعجمة، بواحدة و فتح الباء المعجمة باثنتين من تحتها فهو أبين بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبإ إليه ينسب عدن أبين».

[ (6)] جرش: بضم الجيم و فتح الراء، مدينة باليمن و ولاية واسعة و من مخاليفها من جهة مكة.

(معجم البلدان 2/ 126).

40

قال: أ فيدوم ذلك؟

قال: بل ينقطع بنبيّ زكيّ يأتيه الوحي من قبل العليّ.

قال: و ممّن هو؟

قال: من ولد فهر، بن مالك، بن النّضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر.

قال: و هل للدّهر من آخر؟

قال: نعم، يوم يجمع فيه الأوّلون و الآخرون، يسعد فيه المحسنون، و يشقى فيه المسيئون.

قال: أحقّ ما تخبرني؟.

قال: نعم و الشّفق و الغسق، و الفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ.

ثم قدم عليه شقّ، فقال له كقوله لسطيح، و كتمه ما قال لسطيح لينظر أ يتّفقان [ (1)] قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة [ (2)] و أكمة، فأكلت منها كلّ ذات نسمة، فلما قال ذلك عرف أنّهما قد اتّفقا، فوقع في نفسه، فجهّز أهل بيته إلى العراق، و كتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ولد ربيعة بن نصر: النّعمان بن المنذر فهو في نسب اليمن: النّعمان بن المنذر بن النّعمان ابن المنذر بن عمرو بن عديّ بن ربيعة بن نصر [ (3)].

باب منه‏

عن ابن عبّاس، عن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

«خرجت من لدن آدم من نكاح‏

____________

[ (1)] زاد في السيرة 1/ 29 «أم يختلفان».

[ (2)] هكذا في الأصل و في السيرة، أما في نسخة دار الكتب «دوحة».

[ (3)] انظر سيرة ابن هشام 1/ 26- 32.

41

غير سفاح [ (1)].

هذا حديث ضعيف، فيه متروكان: الواقديّ، و أبو بكر بن أبي سبرة.

و ورد مثله عن محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، و هو منقطع إن صحّ عن جعفر بن محمد، و لكن معناه صحيح.

و قال خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء قال:

قلت: «يا رسول اللَّه، متى كنت نبيّا؟ قال: «و آدم بين الروح و الجسد». [ (2)].

و قال منصور بن سعد، و إبراهيم بن طهمان و اللّفظ له: ثنا بديل بن ميسرة، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال:

سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) متى كنت نبيّا؟ قال: «و آدم الروح و الجسد» [ (3)].

و قال التّرمذيّ: [ (4)] ثنا الوليد بن شجاع، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:

سئل النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): «متى وجبت لك النّبوّة؟ قال: «بين خلق آدم و نفخ الروح فيه»

قال التّرمذيّ: حسن غريب.

قلت: لو لا لين في الوليد بن مسلم لصحّحه التّرمذيّ.

____________

[ (1)] رواه البيهقي في دلائل النبوّة 1/ 118 و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 1/ 279، و الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر 49، 50 سيرة ابن كثير 1/ 189، و السيوطي في الخصائص الكبرى 1/ 38.

[ (2)] رواه أحمد في مسندة من طريق خالد الحذّاء عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل، به، و فيه «جعلت» بدل «كنت» 4/ 66 و 5/ 379.

[ (3)] رواه أحمد في المسند بسنده 4/ 59 و فيه «كتبت» بدل «كنت» و لعلّها أصحّ.

[ (4)] سنن الترمذي 5/ 245 رقم 3688 باب ما جاء في فضل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم). و قال ابن الأثير في أسد الغابة 4/ 426 في ترجمة «ميسرة الفجر» أخرجه الثلاثة. و اسم ميسرة عبد اللَّه بن أبي الجدعاء، و ميسرة لقب له.

42

و قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

أنّهم قالوا: يا رسول اللَّه، أخبرنا عن نفسك قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمّي حين حملت بي كأنّ نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» [ (1)].

و روينا بإسناد حسن- إن شاء اللَّه- عن العرباض بن سارية، أنّه سمع النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«إنّي عبد اللَّه و خاتم النّبيّين، و إنّ آدم لمنجدل في طينته، و سأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم، و بشارة عيسى لي، و رؤيا أمّي التي رأت». و إنّ أمّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام.

رواه اللّيث، و ابن وهب، عن معاوية بن صالح، سمع سعيد بن سويد يحدّث عن عبد الأعلى بن هلال السّلمي، عن العرباض فذكره [ (2)].

و رواه أبو بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن سعيد بن سويد، عن العرباض نفسه [ (3)].

و قال فرج بن فضالة: ثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة، قال‏

قلت: «يا رسول اللَّه، ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمّي أنّه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام».

رواه أحمد في «مسندة» [ (4)] عن أبي النّضر، عن فرج.

____________

[ (1)] أخرجه أحمد في مسندة 4/ 127 و 128 في المرتين عن عرباض بن سارية و 5/ 262 عن أبي أمامة. و انظر تهذيب تاريخ دمشق 1/ 283 و سيرة ابن هشام 1/ 188.

[ (2)] رواه أحمد 4/ 127 بالسند نفسه.

[ (3)] رواه أحمد 4/ 128 بالسند نفسه.

[ (4)] المسند 5/ 262.

43

قوله: «لمنجدل» أي ملقى، و أمّا دعوة إبراهيم فقوله: رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ‏ [ (1)] و بشارة عيسى قوله: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ (2)].

و قال أبو ضمرة: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

«قسم اللَّه الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النّصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من النّاس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطّلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطّلب»

هذا حديث مرسل [ (3)].

و روى زحر بن حسن، عن جدّه حميد بن منهب قال: سمعت جدّي خريم بن أوس بن حارثة. يقول:

هاجرت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) منصرفه من تبوك، فسمعت العبّاس، يقول: «يا رسول اللَّه إنّي أريد أن أمتدحك. قال: قل لا يفضض اللَّه فاك».

فقال:

من قبلها طبت في الظّلال و في* * * مستودع حيث يخصف الورق‏

ثم هبطت البلاد لا بشر* * * أنت و لا مضغة و لا علق‏

بل نطفة تركب السّفين و قد* * * ألجم نسرا و أهله الغرق‏

تنقل من صالب [ (4)] إلى رحم* * * إذا مضى عالم بدا طبق‏

حتّى احتوى بيتك المهيمن من* * * خندف علياء تحتها النّطق [ (5)]

____________

[ (1)] سورة البقرة 29.

[ (2)] سورة الصف 6.

[ (3)] له شاهد

في المعجم الكبير للطبراني 20/ 286 من حديث المطّلب بن ربيعة بن الحارث، و فيه: «إن اللَّه خلق خلقه فجعلتني من خير خلقه، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل، فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خير بيت، فأنا خيركم بيتا و خيركم نفسا»

(رقم 675 و انظر رقم 676).

[ (4)] في سيرة ابن كثير 1/ 195 «صلب».

[ (5)] هذا البيت ليس في البدء و التاريخ 5/ 26.

44

و أنت لما ولدت أشرقت* * * الأرض و ضاءت بنورك الأفق‏

فنحن في ذلك الضّياء و في النّور* * * و سبل الرّشاد تخترق [ (1)]

الظّلال: ظلال الجنة. قال اللَّه تعالى‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ‏ [ (2)]. و المستودع: هو الموضع الّذي كان فيه آدم و حوّاء يخصفان عليهما من الورق، أي يضمّان بعضه إلى بعض يتستران به، ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم، و أنت لا بشر و لا مضغة.

و قوله: «تركب السّفين» يعني في صلب نوح. و صالب لغة غريبة في الصّلب، و يجوز في الصّلب الفتحتان [ (3)] كسقم و سقم.

و الطّبق: القرن، كلّما مضى عالم و قرن جاء قرن، و لأنّ القرن يطبق الأرض بسكناه بها.

و منه قوله (عليه السلام) في الاستسقاء:

«اللَّهمّ اسقنا غيثا مغيثا طبقا غدقا» [ (4)]

أي يطبق الأرض. و أما قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ [ (5)] أي حالا بعد حال.

و النّطق: جمع نطاق و هو ما يشدّ به الوسط و منه المنطقة. أي أنت أوسط قومك نسبا. و جعله في علياء و جعلهم تحته نطاقا. و ضاءت: لغة في أضاءت.

و أرضعته «ثويبة» [ (6)] جارية أبي لهب، مع عمّه حمزة، و مع أبي سلمة

____________

[ (1)] هذا البيت ليس في البدء و التاريخ، و قيل هذا الشعر لحسّان بن ثابت، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، و سيرة ابن كثير 1/ 195) و الأبيات في تهذيب ابن عساكر 1/ 350.

[ (2)] سورة المرسلات 41.

[ (3)] أي كما جاز الضم فالسكون و هو الأشهر.

[ (4)] أخرجه ابن ماجة 1/ 405 رقم (1270) في كتاب إقامة الصلاة و السّنّة فيها، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء.

[ (5)] سورة الانشقاق 19.

[ (6)] ثويبة: بضم المثلّثة و فتح الواو، و سكون التحتية، توفيت سنة 7 ه. و في إسلامها خلاف. انظر: شرح المواهب للزرقاني 1/ 137.

45

ابن عبد الأسد المخزوميّ رضي اللَّه عنهما [ (1)].

قال شعيب، عن الزّهري، عن عروة: إنّ زينب بنت أبي سلمة و أمّها أخبرته، أنّ أمّ حبيبة أخبرتهما قالت:

«قلت: يا رسول اللَّه، انكح أختي بنت أبي سفيان. قال: أو تحبّين ذلك؟ قلت: لست لك بمخلية [ (2)] و أحبّ إليّ من يشركني في خير، أختي. قال: إنّ ذلك لا يحلّ لي، فقلت: يا رسول اللَّه إنّا لنتحدّث أنّك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة، فقال: و اللَّه لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي، إنّها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني و أبا سلمة ثويبة، فلا تعرضنّ عليّ بناتكنّ و لا أخواتكنّ».

أخرجه البخاري [ (3)].

و قال عروة في سياق البخاري: ثويبة مولاة أبي لهب، أعتقها، فأرضعت النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النّوم بشرّ حيبة، يعني حالة. فقال له: ما ذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّي أسقيت في هذه منّي بعتاقتي ثويبة. و أشار إلى النّقرة التي بين الإبهام و التي تليها [ (4)].

ثم أرضعته «حليمة بنت أبي ذؤيب السّعديّة» و أخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردّته إلى أمّه [ (5)].

____________

[ (1)] نهاية الأرب 16/ 80 و انظر الطبقات لابن سعد 1/ 108.

[ (2)] المخلية: التي تخلو بزوجها و تنفرد به، أي: ليست متروكة لدوام الخلوة بك.

[ (3)] رواه البخاري 9/ 121 في النكاح، باب (و أمّهاتكم اللاتي أرضعنكم)، و باب (و ربائبكم اللائي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ)، و باب (و أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف)، و باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير، و في النفقات، باب المرضعات من المواليات و غيرهن، و مسلم (1449) في الرضاع، باب تحريم الربيبة و أخت المرأة، و أبو داود (2056) في النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، و النسائي 6/ 96 في النكاح، باب تحريم الجمع بين الأختين.

[ (4)] انظر: جامع الأصول 11/ 477.

[ (5)] نهاية الأرب 16/ 83، 84.

46

قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق [ (1)]، عن جهم بن أبي جهم، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث [ (2)] أمّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) السّعديّة قالت: «خرجت في نسوة نلتمس الرّضعاء بمكة على أتان لي قمراء [ (3)] قد أذمّت [ (4)] بالرّكب، و خرجنا في سنة شهباء [ (5)] لم تبق شيئا، و معنا شارف لنا [ (6)]، و اللَّه إن تبضّ [ (7)] علينا بقطرة، و معي صبيّ لي لا ننام ليلنا مع بكائه، فلما قدمنا مكة لم يبق منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فتأباه، و إنّما كنّا نرجو كرامة رضاعة من أبيه، و كان يتيما، فلم يبق من صواحبي امرأة إلّا أخذت صبيّا، غيري. فقلت لزوجي: لأرجعنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، فأتيته فأخذته، فقال زوجي: عسى اللَّه أن يجعل فيه خيرا.

قالت: فو اللَّه ما هو إلّا أن جعلته في حجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللّبن، فشرب و شرب أخوه حتى رويا، و قام زوجي إلي شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب و شربنا حتى روينا، فبتنا شباعا رواء، و قد نام صبياننا، قال أبوه: و اللَّه يا حليمة ما أراك إلّا قد أصبت نسمة مباركة، ثم خرجنا، فو اللَّه لخرجت أتاني أمام الرّكب قد قطعتهنّ حتى ما يتعلّق بها أحد، فقدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر، فقدمنا على أجدب أرض اللَّه، فو الّذي نفسي بيده إن كانوا ليسرّحون أغنامهم و يسرّح راعيّ غنمي، فتروح غنمي بطانا لبّنا حلّا، و تروح أغنامهم جياعا، فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة؟ فيسرحون في الشّعب الّذي يسرح فيه‏

____________

[ (1)] سيرة ابن هشام 1/ 184.

[ (2)] هي حليمة بنت عبد اللَّه بن الحارث.

[ (3)] شديدة البياض.

[ (4)] أذمّت بالركب: أي حبستهم، و كأنه من الماء الدائم و هو الواقف، أي جاءت بما تذمّ عليه.

[ (5)] سنة شهباء: أي سنة قحط و جدب.

[ (6)] الشارف: الناقة المسنّة.

[ (7)] تبضّ: ترشح.

47

راعينا، فتروح أغنامهم جياعا ما بها من لبن، و تروح غنمي لبّنا حفّلا.

فكان (صلّى اللَّه عليه و سلم) يشبّ في يومه شباب الصّبيّ في الشهر، و يشبّ في الشهر شباب الصّبيّ في سنة [ (1)]، قالت: فقدمنا على أمّه فقلنا لها: ردّي علينا ابني فإنّا نخشى عليه وباء مكة، قالت: و نحن أضنّ شي‏ء به ممّا رأينا من بركته [ (2)]، قالت: ارجعا به، فمكث عندنا شهرين [ (3)] فبينا هو يلعب و أخوه خلف البيوت يرعيان بها لنا، إذ جاء أخوه يشتدّ [ (4)] قال: أدركا أخي قد جاءه رجلان فشقّا بطنه، فخرجنا نشتدّ، فأتيناه و هو قائم منتقع اللّون، فاعتنقه أبوه و أنا، ثم قال: مالك يا بنيّ؟ قال: أتاني رجلان [ (5)] فأضجعاني ثم شقّا بطني فو اللَّه ما أدري ما صنعا، فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلّا أنه أصيب، فانطلقي فلنردّه إلى أهله. فرجعنا به إليها، فقالت:

ما ردّكما به؟ فقلت: كفلناه و أدّينا الحقّ، ثم تخوّفنا عليه الأحداث.

فقالت: و اللَّه ما ذاك بكما، فأخبراني خبركما، فما زالت بنا حتى أخبرناها، قالت: فتخوّفتما عليه [ (6)]؟ كلّا و اللَّه إنّ لابني هذا شأنا، إنّي حملت به فلم أحمل حملا قطّ كان أخفّ منه و لا أعظم بركة، ثم رأيت نورا كأنّه شهاب خرج منّي حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى [ (7)]، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصّبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء، دعاه و الحقا شأنكما».

____________

[ (1)] و في نهاية الأرب 16/ 83: «فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا» أي شديدا غليظا.

[ (2)] و في نهاية الأرب 17/ 83، و عيون الأثر 1/ 34: «و نحن أحرص شي‏ء على مكثه فيه لما كنّا نرى من بركته».

[ (3)] في نهاية الأرب 16/ 84، و عيون الأثر 1/ 34: «بعد مقدمنا به بأشهر».

[ (4)] يشتدّ: يسرع في عدوه.

[ (5)] في نهاية الأرب 16/ 84، و عيون الأثر 1/ 34: «عليهما ثياب بيض».

[ (6)] في نهاية الأرب و عيون الأثر: «أ فتخوّفت عليه الشيطان قلت: نعم قالت: كلّا و اللَّه ما للشيطان عليه من سبيل».

[ (7)] في نهاية الأرب و عيون الأثر: «خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام».

48

هذا حديث جيّد الإسناد [ (1)].

قال أبو عاصم النّبيل: أخبرني جعفر بن يحيى، أنا عمارة بن ثوبان أنّ أبا الطّفيل أخبره قال: «رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و أقبلت إليه امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه التي أرضعته».

أخرجه أبو داود [ (2)].

قال مسلم: ثنا شيبان، ثنا حمّاد، ثنا ثابت، عن أنس: «أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أتاه جبريل و هو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ قلبه [ (3)]، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشّيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمه، [ (4)] ثم أعاده في مكانه، و جاء الغلمان يسعون إلى أمّه، يعني مرضعته، فقالوا: إنّ محمدا قد قتل، فاستقبلوه منتقع اللّون».

قال أنس: قد كنت أرى أثر المخيط في صدره [ (5)].

و قال بقيّة، عن بحير [ (6)] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن ابن عمرو السّلمي، عن عتبة بن عبد [ (7)]، فذكر نحوا من حديث أنس. و هو

____________

[ (1)] سيرة ابن هشام 1/ 184- 188 نهاية الأرب 16/ 81- 84، عيون الأثر 1/ 33، 34، شرح المواهب اللدنية 1/ 141- 150 و انظر الطبقات لابن سعد 1/ 111، 112، سيرة ابن كثير 1/ 225- 228.

[ (2)] سنن أبي داود 4/ 337 رقم 5144 كتاب الأدب، باب في برّ الوالدين. و انظر طبقات ابن سعد 1/ 114.

[ (3)] في صحيح مسلم: «فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب».

[ (4)] لأمه: على وزن ضربه، و معناه جمعه و ضمّ بعضه إلى بعض.

[ (5)] رواه مسلم في صحيحه (261) في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى السماوات و فرض الصلوات، و أحمد في مسندة 3/ 121 و 149 و 288، و سيرة ابن كثير 1/ 231.

[ (6)] بحير: بفتح الباء الموحّدة، و كسر الحاء المهملة، (المشتبه للذهبي 1/ 47) و هو الكلاعي الحمصي، ورد في طبقات خليفة «بجير» و هو تحريف- ص 315، و في تهذيب التهذيب 1/ 431 «بحير بن سعيد» و هو تصحيف»، و الصحيح «سعد». و قد ورد في الأصل مهملا.

[ (7)] هو عتبة بن عبد السلمي. انظر طبقات خليفة 52 و 301.

49

صحيح أيضا و زاد فيه: «فرحّلت- يعني ظئره- بعيرا، فحملتني على الرّحل، و ركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمّي فقالت: أدّيت أمانتي و ذمّتي، و حدّثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك فقالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشام» [ (1)].

و قال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«أتيت و أنا في أهلي، فانطلق بي إلى زمزم فشرح صدري، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا فحشي بها صدري- قال أنس: و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يرينا أثره- فعرج بي الملك إلى السّماء الدنيا».

و ذكر حديث المعراج [ (2)].

و قد روى نحوه شريك بن أبي نمر، عن أنس، عن أبي ذرّ، و كذلك رواه الزّهري، عن أنس، عن أبي ذرّ أيضا. و أما قتادة فرواه عن أنس، عن مالك بن صعصعة بنحوه.

و إنّما ذكرت هذا ليعرف أنّ جبريل شرح صدره مرّتين: في صغره و وقت الإسراء به.

ذكر وفاة عبد اللَّه بن عبد المطّلب [ (3)]

و توفّي «عبد اللَّه» أبوه و للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) ثمانية و عشرون شهرا. و قيل: أقلّ من ذلك. و قيل: و هو حمل [ (4)].

____________

[ (1)] انظر سيرة ابن هشام 1/ 188.

[ (2)] رواه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، و في التوحيد، باب ما جاء في (و كلّم موسى تكليما) و في الأنبياء باب صفة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و مسلم (162) في الإيمان، باب الإسراء برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، إلى السماوات، و النسائي 1/ 221 في الصلاة، باب فرض الصلاة، و الترمذي (3130) في التفسير، باب و من سورة بني إسرائيل، و انظر جامع الأصول 11/ 303.

[ (3)] العنوان ليس في الأصل، أضفته من طبقات ابن سعد 1/ 99.

[ (4)] طبقات ابن سعد 1/ 99 و 100، عيون الأثر 1/ 25، نهاية الأرب 16/ 66.

50

توفّي بالمدينة غريبا، و كان قدمها ليمتاز تمرا، و قيل: بل مرّ بها مريضا راجعا من الشام، فروى محمد بن كعب القرظيّ و غيره: «أنّ عبد اللَّه ابن عبد المطّلب خرج إلى الشام إلى غزّة في عير تحمل تجارات، فلمّا قفلوا مرّوا بالمدينة و عبد اللَّه مريض فقال: أتخلّف عند أخوالي بني عديّ بن النّجّار، فأقام عندهم مريضا مدّة شهر، فبلغ ذلك عبد المطّلب، فبعث إليه الحارث و هو أكبر ولده، فوجده قد مات، و دفن في دار النّابغة أحد بني النّجّار، و النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يومئذ حمل، على الصّحيح» [ (1)].

و عاش عبد اللَّه خمسا و عشرين سنة [ (2)] قال الواقدي: و ذلك أثبت الأقاويل في سنّه و وفاته [ (3)].

و ترك عبد اللَّه من الميراث أمّ أيمن و خمسة أجمال و غنما، فورث ذلك النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (4)].

و توفّيت أمّه «آمنة» بالأبواء [ (5)] و هي راجعة به- (صلّى اللَّه عليه و سلم)- إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عديّ بن النّجّار، و هو يومئذ ابن ستّ سنين [ (6)] و مائة يوم.

و قيل: ابن أربع سنين [ (7)].

فلمّا ماتت و دفنت، حملته أمّ أيمن مولاته إلى مكة إلى جدّه، فكان‏

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 1/ 99، عيون الأثر 1/ 26.

[ (2)] طبقات ابن سعد 1/ 99، نهاية الأرب 16/ 66، تهذيب تاريخ دمشق 1/ 282.

[ (3)] طبقات ابن سعد 1/ 99، نهاية الأرب 16/ 66، عيون الأثر 1/ 26.

[ (4)] نهاية الأرب 16/ 67.

[ (5)] الأبواء: بالفتح ثم السكون، قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها و بين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا (معجم البلدان 1/ 79).

[ (6)] انظر طبقات ابن سعد 1/ 116 و تهذيب تاريخ دمشق 1/ 283، و نهاية الأرب 16/ 87.

[ (7)] تهذيب تاريخ دمشق 1/ 283.