تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج2

- شمس الدين الذهبي المزيد...
715 /
21

[مقدمة المؤلف‏]

[ (1)]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به ثقتي قال الشيخ الإمام العالم العامل الناقد البارع الحافظ الحجّة شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد [ (2)] بن أحمد بن عثمان الذهبي (رحمه اللَّه تعالى) و أدام النّفع به و غفر له و لوالديه [ (3)]:

الحمد للَّه الباقي بعد فناء خلقه الكافي من توكّل عليه [ (4)]، القيّوم الّذي ملكوت كلّ شي‏ء بيديه، حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه و عظيم سلطانه. و أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله، أرسله رحمة للعالمين، و خاتما للنّبيّين، و حرزا للأميّين [ (5)] و إماما للمتّقين، بأوضح دليل، و أفصح تنزيل، و أفسح سبيل،

____________

[ (1)] في نسخة حيدرآباد (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً)

[ (2)] «محمد» غير موجود في طبعة شعيرة- ص 66.

[ (3)] الفقرة كلها لم ترد في نسخة حيدرآباد.

[ (4)] العبارة من أولها ناقصة في طبعة شعيرة- ص 66.

[ (5)] في الأصل من نسخة أياصوفيا، و نسخة حيدرآباد، و طبعة شعيرة «للآمنين».

و في طبعة القدسي 1/ 1 «للأميّين». قال في الحاشية رقم (3) إنّ صحته من نصّ حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن صفة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في التوراة، و قد أخرجه البخاري في صحيحه في‏

22

و أيسر [ (1)] تبيان [ (2)] و أبدع [ (3)] برهان. اللَّهمّ آته الوسيلة، و ابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأوّلون و الآخرون. صلّى [ (4)] اللَّه عليه و على آله الطيّبين، و صحابته المجاهدين، و أزواجه أمّهات المؤمنين.

أما بعد: فهذا كتاب نافع إن شاء اللَّه- و نعوذ باللَّه من علم لا ينفع و من دعاء لا يسمع- جمعته و تعبت عليه، و استخرجته [ (5)] من عدّة تصانيف. يعرف به الإنسان مهمّ ما مضى من التاريخ، من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا: من وفيات الكبار من الخلفاء [و الأمراء] [ (6)]، و القرّاء و الزّهّاد و الفقهاء، و المحدّثين و العلماء، و السّلاطين و الوزراء، و النّحاة و الشعراء.

و معرفة طبقاتهم و أوقاتهم و شيوخهم و بعض أخبارهم. بأخصر عبارة و ألخص لفظ. و ما تمّ من الفتوحات المشهورة و الملاحم [ (7)] المذكورة و العجائب المسطورة [ (8)]. من غير تطويل [و لا إكثار] [ (9)] و لا استيعاب. و لكن أذكر المشهورين و من يشبههم. و أترك المجهولين و من يشبههم. و أشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم و الوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلّدة [ (10)] بل أكثر.

لأنّ فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلّدا.

____________

[ ()] كتاب البيوع، باب كراهية السخب في السوق. و في كتاب التفسير، باب سورة الفتح.

و الأميون: العرب، أو غير اليهود. و قد وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى.

[ (1)] في طبعة شعيرة 66 «آنس».

[ (2)] في نسخة حيدرآباد «بيان».

[ (3)] في نسخة حيدرآباد «أبهر» و في طبعة شعيرة «آية».

[ (4)] في نسخة حيدرآباد «صلّ».

[ (5)] في نسخة حيدرآباد «خرّجته».

[ (6)] زيادة من نسخة حيدرآباد.

[ (7)] في نسخة أياصوفيا «الماراحم».

[ (8)] في نسخة حيدرآباد «المنظورة» و في طبعة شعيرة «المشهورة».

[ (9)] ما بين الحاصرتين زيادة من نسخة حيدرآباد.

[ (10)] في نسخة حيدرآباد «مجلّد».

23

و قد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنّفات كثيرة. و مادّته من:

«دلائل النّبوّة» للبيهقي [ (1)].

و «سيرة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)» لابن إسحاق [ (2)].

و «مغازيه» لابن عائذ الكاتب.

و «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد كاتب [ (3)] الواقدي [ (4)] و «تاريخ» أبي عبد اللَّه البخاري [ (5)].

و بعض «تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة».

و تاريخ يعقوب الفسوي [ (6)].

و تاريخ محمد بن المثنّى العنزيّ [ (7)]، و هو صغير.

و تاريخ أبي حفص الفلّاس.

و تاريخ أبي بكر بن أبي شيبة.

و تاريخ الواقدي [ (8)].

و تاريخ الهيثم بن عديّ.

و تاريخ خليفة بن خيّاط [ (9)].

و الطبقات له [ (10)].

____________

[ (1)] و هو مطبوع.

[ (2)] طبع بعنوان «السّير و المغازي».

[ (3)] في الأصل «الكاتب».

[ (4)] الكتاب مطبوع و فيه نقص.

[ (5)] مطبوع بعنوان «التاريخ الكبير».

[ (6)] في نسخة حيدرآباد: «و بعض تاريخ يعقوب بن سفيان» و اسم الكتاب «المعرفة و التاريخ» مطبوع.

[ (7)] هو محمد بن عبيد بن قيس، أبو موسى العنزي، محدّث حافظ من أهل البصرة، قال الخطيب:

كان ثقة ثبتا. زار بغداد و عاد إلى البصرة فتوفي فيها.

[ (8)] له «المغازي» و هو مطبوع، و ينسب إليه، كتاب «فتوح الشام»، و هو مطبوع أيضا.

[ (9)] مطبوع.

[ (10)] مطبوع.

24

و تاريخ أبي زرعة الدمشقيّ [ (1)].

و الفتوح لسيف بن عمر.

و كتاب النّسب للزّبير بن بكار.

و المسند للإمام [ (2)] أحمد [ (3)].

و تاريخ المفضّل بن غسّان الغلابي [ (4)].

و الجرح و التعديل عن يحيى بن معين [ (5)].

و الجرح و التعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم [ (6)].

و من عليه رمز فهو في الكتب السّتّة أو بعضها. لأنّني طالعت مسوّدة «تهذيب الكمال» [ (7)] لشيخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف المزّي. ثم طالعت المبيّضة كلّها.

فمن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب السّتّة.

و من عليه [ (4)] فهو في السّنن الأربعة.

و من عليه (خ) فهو في [3 ب‏] البخاري.

و من عليه (م) ففي مسلم.

و من عليه (د) ففي سنن أبي داود.

و من عليه (ت) ففي جامع التّرمذيّ.

____________

[ (1)] مطبوع.

[ (2)] من هنا تبدأ نسخة الأمير عبد اللَّه.

[ (3)] مطبوع.

[ (4)] في اللباب 2/ 395 «بفتح الغين و بعدها لام ألف مخفّفة ..» نسبة إلى غلاب. و في تاج العروس 3/ 493 و نقل الدكتور شعيرة ص 68 الحاشية (4) بتشديد اللام عن اللباب، و هو و هم. و أثبت «الفضل» بدل «المفضّل» و هو وهم أيضا، انظر تاج العروس.

[ (5)] له كتاب «التاريخ» و هو مطبوع.

[ (6)] مطبوع.

[ (7)] يقوم بتحقيقه الصديق البحّاثة الدكتور بشّار عوّاد معروف و قد صدر منه عدّة أجزاء عن مؤسّسة الرسالة بيروت.

25

و من عليه (ن) ففي سنن النّسائيّ.

و من عليه (ق) ففي سنن ابن ماجة.

و إن كان الرجل في الكتب إلّا فرد كتاب فعليه (سوى ت) مثلا. أو (سوى د) [ (1)].

و قد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها:

تاريخ أبي عبد اللَّه الحاكم، و تاريخ أبي سعيد بن يونس، و تاريخ أبي بكر الخطيب، و تاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ، و تاريخ أبي سعد بن السّمعانيّ، و الأنساب له، و تاريخ القاضي شمس الدين بن خلّكان، و تاريخ العلّامة شهاب الدين أبي شامة.

و تاريخ الشيخ قطب الدّين بن اليونيني، و تاريخه ذيل على «مرآة الزّمان» للواعظ شمس الدين يوسف [سبط] [ (2)] ابن الجوزي، و هما على الحوادث و السّنين.

و طالعت أيضا كثيرا من:

تاريخ الطّبري [ (3)].

و تاريخ ابن الأثير [ (4)].

و تاريخ ابن الفرضيّ [ (5)].

____________

[ (1)] تكرّرت بعدها في نسخة حيدرآباد كلمة (مثلا).

[ (2)] سقطت من النسخ الثلاث، و الصحيح ما أثبتناه.

[ (3)] هو باسم «تاريخ الرسل و الملوك» مطبوع.

[ (4)] هو باسم «الكامل في التاريخ» مطبوع.

[ (5)] هو باسم «تاريخ علماء الأندلس» مطبوع.

26

و صلته لابن بشكوال [ (1)].

و تكملتها للأبّار [ (2)].

و الكامل لابن عديّ [ (3)].

و كتبا كثيرة و أجزاء عديدة، و كثيرا من «مرآة الزمان».

و لم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي. بل اتّكلوا على حفظهم.

فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصّحابة، و من تبعهم إلى قريب [ (4)] زمان أبي عبد اللَّه الشافعيّ. فكتبنا أسماءهم على الطّبقات تقريبا. ثم اعتنى المتأخّرون بضبط وفيات العلماء و غيرهم. حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم. فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين و جهلت وفيات أئمّة من المعروفين. و أيضا فإنّ عدّة بلدان لم يقع إلينا تواريخها [ (5)]، إمّا لكونها لم يؤرّخ علماءها أحدا من الحفّاظ. أو جمع لها تاريخ و لم يقع إلينا.

و أنا أرغب إلى اللَّه تعالى، و أبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب. و أن يغفر لجامعه [ (6)] و سامعه و مطالعه و للمسلمين. آمين.

____________

[ (1)] مطبوع.

[ (2)] مطبوع باسم «صلة الصلة».

[ (3)] مطبوع باسم «الكامل في ضعفاء الرجال».

[ (4)] في نسخة الأمير عبد اللَّه «قديم» و هو خطأ.

[ (5)] في الأصل (أنوارها) و في طبعة شعيرة 70 «أخبارها».

[ (6)] هذا دعاء جامع مخلص، فيه تواضع العلماء.

27

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

السّنة الأولى من الهجرة

روى البخاري في صحيحه [ (1)] من حديث الزّهري، عن عروة، عن عائشة رضي اللَّه عنها أنّ المسلمين بالمدينة سمعوا بمخرج [ (2)] رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). فكانوا يغدون إلى الحرّة [ (3)] ينتظرونه، حتى يردّهم حرّ الشّمس، فانقلبوا يوما، فأوفى يهوديّ على أطم [ (4)] فبصر برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه مبيّضين [ (5)] يزول بهم السّراب [ (6)]، فأخبرني عروة أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لقي الزّبير رضي اللَّه عنه في ركب من المسلمين كانوا تجّارا قافلين من الشّام. فكسا الزّبير رضي اللَّه عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر ثياب بياض.

____________

[ (1)] باب هجرة النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة، ج 4/ 257

[ (2)] في طبعة شعيرة 71 «مخرج».

[ (3)] الحرّة: الجمع: الحرّات و الأحرّون و الحرار و الحرّون. قال الأصمعيّ «الحرّة الأرض التي ألبستها الحجارة السّود ..»، و الحرّات كثيرة، (انظر: معجم البلدان و معجم ما استعجم للبكري) و هي هنا: أرض بظاهر المدينة المشرّفة، تحت واقم، و لذا تعرف بحرّة و أقم بها حجارة سود كبيرة، و بها كانت وقعة الحرّة من أشهر الوقائع في الإسلام في ذي الحجة سنة 63 ه-. (تاج العروس 10/ 579، 580).

[ (4)] الأطم: بضمّتين. القصر و كل حصن مبنيّ بحجارة و كلّ بيت مربّع مسطّح. و الجمع: آطام و أطوم و آطام (القاموس المحيط 4/ 75).

[ (5)] مبيّضين: أي يلبسون الثياب البيض.

[ (6)] أي يختفي السّراب عن النظر بسبب عروضهم له. (الشرح على البخاري 4/ 257 بالحاشية).

28

قال: فلم يملك اليهوديّ أن صاح، يا معشر العرب، هذا جدّكم [ (1)] الّذي تنتظرون [ (2)]. فثار المسلمون إلى السّلاح. فتلقّوه بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف [ (3)] يوم الإثنين من ربيع الأول.

فقام أبو بكر للنّاس فطفق من لم يعرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يسلم على أبي بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). [4 أ]، فأقبل أبو بكر يظلّه بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسّس مسجدهم. ثم ركب راحلته و سار حوله النّاس يمشون، حتى بركت به مكان المسجد، و هو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين. و كان مربدا [ (4)] لسهل و سهيل. فدعاهما فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه. ثم بناه مسجدا، و كان ينقل اللّبن معهم و يقول:

هذا الحمال، لاحمال [ (5)] خيبر* * * هذا أبرّ- ربّنا- و أطهر [ (6)]

و يقول:

اللَّهمّ إنّ الأجر أجر الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة [ (7)]

____________

[ (1)] جدّكم: أي حظّكم و صاحب دولتكم.

[ (2)] في نسخة الأمير عبد اللَّه، و طبعة شعيرة «تنظروه».

[ (3)] منازل بني عمرو بقباء، و هي على فرسخ من المسجد النبويّ (صلّى اللَّه عليه و سلم). أفاده العيني. (شرح البخاري).

[ (4)] المربد: كل شي‏ء حبست به الإبل و الغنم، و الجرين الّذي يوضع فيه التمر بعد الجداد لييبس.

قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ. و قال الجوهري: المربد للتمر كالبيدر للحنطة. (تاج العروس 8/ 82).

[ (5)] الحمال: بالكسر، جمع حمل (بالفتح) و هو تمر الشجر،

قال في (تاج العروس): و منه الحديث‏ «هذا الحمال لا حمال خيبر» يعني تمر الجنّة و أنّه لا ينفد.

و في صحيح البخاري 4/ 258 و السيرة النبويّة لابن كثير 2/ 304 «حمال» بضم اللام، و هو غلط.

[ (6)] صحيح البخاري 4/ 258، الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 240، السيرة لابن كثير 2/ 304.

[ (7)] القول في صحيح البخاري 4/ 258 و يروى:

«اللَّهمّ لا خير إلّا خير الآخرة* * * فانصر الأنصار و المهاجرة

29

و خرّج البخاريّ من حديث أبي إسحاق عن البراء حديث الهجرة بطوله [ (1)].

و خرّج من حديث عبد العزيز بن صهيب أن أنس رضي اللَّه عنه قال:

أقبل النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة و هو مردف أبا بكر. و أبو بكر شيخ يعرف، و النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) شابّ لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟

فيقول: رجل يهديني الطّريق، و إنّما يعني طريق الخير.

إلى أن قال: فنزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) جانب الحرّة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاءوا إلى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فسلّموا عليهما، و قالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركبا، و حفّوا دونهما بالسّلاح. فقيل في المدينة: جاء نبيّ اللَّه، [جاء نبيّ اللَّه‏] [ (2)]، فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيّوب رضي اللَّه عنه، و ذكر الحديث [ (3)].

و روينا بإسناد حسن، عن أبي البدّاح بن عاصم بن عديّ، عن أبيه قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة [ليلة] [ (4)] خلت من ربيع الأوّل، فأقام في المدينة عشر سنين.

و قال محمد بن إسحاق [ (5)]: فقدم ضحى يوم الإثنين لاثنتي عشرة

____________

[ ()] (الطبقات الكبرى 1/ 240) و يروى:

«لا عيش إلّا عيش الآخرة* * * اللَّهمّ ارحم الأنصار و المهاجرة»

(سيرة ابن هشام 2/ 238) و تهذيب السيرة 121 و يروى:

«اللَّهمّ لا عيش إلّا عيش الآخرة* * * فاغفر للأنصار و المهاجرين»

(نهاية الأرب للنويري 16/ 344) و انظر السيرة لابن كثير.

[ (1)] صحيح البخاري 4/ 254- 258 كتاب الفضائل، باب هجرة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة.

[ (2)] زيادة من ع، ح. و من صحيح البخاري 4/ 260.

[ (3)] صحيح البخاري 4/ 259- 261 كتاب الفضائل، باب هجرة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة.

[ (4)] ليست في الأصل، و زدناها من ع. ح.

[ (5)] الطبقات الكبرى 1/ 235، 236.

30

[ليلة] [ (1)] خلت من ربيع الأول، فأقام في بني عمرو بن [ (2)] عوف، فيما قيل، يوم الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس، ثم ظعن يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلّاها بمن معه. و كان [مكان‏] [ (3)] المسجد، فيما قال موسى بن عقبة مربدا لغلامين يتيمين، و هما سهل و سهيل ابنا رافع بن عمرو بن بني النّجّار [ (4)]، و كانا في حجر أسعد بن زرارة.

و قال ابن إسحاق [ (5)]: كان المربد لسهل و سهيل ابني عمرو، و كانا في حجر معاذ بن عفراء.

و غلط ابن مندة فقال: كان لسهل و سهيل ابني بيضاء، و إنّما ابنا بيضاء من المهاجرين.

و أسّس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في إقامته ببني عمرو بن عوف مسجد قباء [ (6)].

و صلّى الجمعة في بني سالم في بطن الوادي [ (7)]. فخرج معه رجال منهم:

و هم العبّاس بن عبادة، و عتبان بن مالك، فسألوه أن ينزل عندهم و يقيم فيهم، فقال: خلّوا النّاقة فإنّها مأمورة. و سار و الأنصار حوله حتى أتى بني‏

____________

[ (1)] ليست في الأصل، و زدناها من ع. ح.

[ (2)] في طبعة القدسي 1/ 9 «بني» و التصويب من الطبقات الكبرى و سيرة ابن هشام 2/ 237.

[ (3)] زيادة على الأصل.

[ (4)] في الأصل: «رافع بن عمرو النجار» و التصحيح من نسختي الأمير عبد اللَّه و حيدرآباد.

(سنرمز بعد الآن إلى نسخة الأمير ب- «ع» و الثانية ب- «ح»).

[ (5)] الطبقات الكبرى 1/ 239.

[ (6)] قباء: أصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها، و هي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار (معجم البلدان 4/ 301).

[ (7)] في سيرة ابن هشام (2/ 237) إنه وادي رانوناء. و يقول ياقوت (3/ 19): و هذا لم أجده في غير كتاب ابن إسحاق الّذي لخّصه ابن هشام. و كلّ يقول: صلّى بهم في بطن الوادي في بني سالم. و انظر: سبل الهدى و الرشاد للصالحي 3/ 387.

31

بياضة، فتلقّاه زياد بن لبيد، و فروة بن عمرو، فدعوه إلى النّزول فيهم، فقال: دعوها فإنّها مأمورة. فأتى دور بني عديّ بن النّجّار، و هم أخوال عبد المطلب [ (1)]، فتلقّاه سليط بن قيس، و رجال من بني عديّ، فدعوه إلى النّزول و البقاء عندهم، فقال: دعوها فإنّها [4 ب‏] مأمورة. و مشى حتى أتى دور بني مالك بن النّجّار، فبركت النّاقة في موضع المسجد، و هو مربد تمر لغلامين يتيمين. و كان فيه نخل و حرث و خرب، و قبور للمشركين. فلم ينزل عن ظهرها، فقامت و مشت قليلا، و هو (صلّى اللَّه عليه و سلم) لا يهيّجها، ثم التفتت فكرّت إلى مكانها و بركت فيه، فنزل عنها. فأخذ أبو أيّوب الأنصاريّ رحلها فحمله إلى داره. و نزل النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في بيت من دار أبي أيّوب. فلم يزل ساكنا عند أبي أيّوب حتى بنى مسجده و حجره في المربد. و كان قد طلب شراءه فأبت بنو النّجّار من بيعه، و بذلوه للَّه و عوّضوا اليتيمين. فأمر بالقبور فنبشت، و بالخرب فسوّيت. و بنى عضادتيه [ (2)] بالحجارة، و جعل سواريه [ (3)] من جذوع النّخل، و سقفه بالجريد. و عمل فيه المسلمون حسبة.

فمات أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاريّ تلك الأيام بالذّبحة [ (4)]. و كان من سادة الأنصار و من نقبائهم الأبرار. و وجد النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) وجدا لموته، و كان قد كواه. و لم يجعل على بني النّجّار بعده نقيبا و قال: أنا نقيبكم. فكانوا يفخرون بذلك.

و كانت يثرب لم تمصّر، و إنّما كانت قرى مفرّقة: بنو مالك بن النّجّار في قرية، و هي مثل المحلّة، و هي دار بني فلان.

كما في الحديث:

«خير

____________

[ (1)] قال ابن هشام 2/ 238 «و هم أخواله دنيا- أمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو».

[ (2)] العضادة: من الطريق، الناحية، و أعضاد البيت: نواحيه. (تاج العروس 8/ 383، 384).

[ (3)] السارية: الأسطوانة من حجر أو آجرّ.

[ (4)] الذبحة: داء يأخذ في الحلق و ربّما قتل، أو قرحة تظهر فيه فينسدّ معها و ينقطع النّفس فيقتل.

يقال: أخذته الذّبحة. (تاج العروس 6/ 372).

32

دور الأنصار دار بني النّجّار»

[ (1)].

و كان بنو عديّ بن النّجّار لهم دار، و بنو مازن بن النّجّار كذلك، و بنو سالم كذلك، و بنو ساعدة كذلك، و بنو الحارث بن الخزرج كذلك، و بنو عمرو بن عوف كذلك، و بنو عبد الأشهل كذلك، و سائر بطون الأنصار كذلك.

قال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«و في كلّ دور الأنصار خير»

[ (2)].

و أمر (عليه السلام) بأن تبنى المساجد في الدّور. فالدّار- كما قلنا- هي القرية. و دار بني عوف هي قباء. فوقع بناء مسجده (صلّى اللَّه عليه و سلم) في بني مالك بن النّجّار، و كانت قرية صغيرة.

و خرّج البخاري [ (3)] من حديث أنس رضي اللَّه عنه أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) نزل في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم أرسل إلى بني النّجّار فجاءوا.

و آخى في هذه المدّة بين المهاجرين و الأنصار. ثم فرضت الزكاة.

و أسلم الحبر عبد اللَّه بن سلام، و أناس من اليهود، [و كفر سائر اليهود] [ (4)].

قصّة إسلام ابن سلام‏

قال عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي اللَّه عنه، قال:

جاء

____________

[ (1)] صحيح البخاري 4/ 224: كتاب الفضائل، باب فضل دور الأنصار.

[ (2)] صحيح البخاري: الموضع السابق.

[ (3)] صحيح البخاري 4/ 263: كتاب الفضائل: باب مقدم النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه المدينة.

[ (4)] زيادة من «ح». و أوردها ابن الملّا في المنتقى بلفظ «و كفر سائرهم».

33

عبد اللَّه بن سلام فقال: أشهد أنّك رسول اللَّه حقّا. و لقد علمت يهود أنّي سيّدهم و ابن سيّدهم، و أعلمهم و ابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عنّي قبل أن يعلموا أنّي أسلمت. فأرسل إليهم فأتوا، فقال لهم: يا معشر يهود، ويلكم اتّقوا اللَّه، فو الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول اللَّه فأسلموا.

قالوا: ما نعلمه، فأعاد [ (1)] ذلك عليهم ثلاثا. ثم قال: فأيّ رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام [ (2)]؟ قالوا: ذلك سيّدنا و ابن سيّدنا، و أعلمنا و ابن أعلمنا.

قال: أ فرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاش [للَّه‏] [ (3)]، ما كان ليسلم. قال:

[5 أ] يا بن سلام اخرج عليهم. فخرج عليهم، فقال: ويلكم اتّقوا اللَّه، فو الّذي لا إله إلّا هو [ (4)] إنّكم لتعلمون أنّه رسول اللَّه حقّا، قالوا: كذبت.

فأخرجهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). أخرجه البخاريّ بأطول منه [ (5)].

و أخرج من حديث حميد عن أنس رضي اللَّه عنه، قال:

سمع عبد اللَّه ابن سلام بقدوم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و هو في أرض، فأتى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال:

إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ: ما أول أشراط السّاعة؟ و ما أول طعام أهل الجنّة؟ و ما ينزع الولد [ (6)] إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: أخبرني بهنّ جبريل آنفا. قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة. قال: ثم قرأ

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ‏

[ (7)]. أمّا أوّل أشراط السّاعة، فنار تخرج‏

____________

[ (1)] في «ع»: (فإنّما ردّ) تحريف.

[ (2)] في سيرة ابن هشام 2/ 257 «الحصين بن سلام».

[ (3)] سقطت من الأصل. و زدناها من ع، ح. و السيرة النبويّة لابن كثير 2/ 295.

[ (4)] في الأصل، ع: (إلّا اللَّه) و أثبتنا نص ح و البخاري و عن ابن كثير: «فو اللَّه الّذي لا إله إلّا هو».

[ (5)] صحيح البخاري 4/ 252: كتاب الفضائل، باب هجرة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة.

[ (6)] في ع: و ما أول ما ينزع الولد إلى أبيه، و نصّ البخاري «و ما بال الولد ينزع». (انظر السيرة لابن كثير 2/ 296).

[ (7)] سورة البقرة: من الآية 97.

34

على النّاس من المشرق إلى المغرب. و أمّا أول طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد حوت. و إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، و إذا سبق ماء المرأة [ (1)] نزع إلى أمّه. فتشهّد و قال: إنّ اليهود قوم بهت [ (2)]، و إنّهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي بهتوني.

فجاءوا، فقال: أيّ رجل عبد اللَّه فيكم؟ قالوا: خيرنا و ابن خيرنا، و سيّدنا و ابن سيّدنا. قال: أ رأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك. فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، و أنّ محمّدا رسول اللَّه. فقالوا: شرّنا و ابن شرّنا، و تنقّصوه. قال:

هذا الّذي كنت أخاف يا رسول اللَّه [ (3)].

و قال عوف الأعرابيّ، عن زرارة بن أوفى، عن عبد اللَّه بن سلام قال:

لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) المدينة انجفل النّاس قبله، قالوا: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). فجئت لأنظر، فلما رأيته عرفت أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب. فكان أول شي‏ء سمعته منه أن قال: يا أيّها النّاس، أطعموا الطّعام، و أفشوا السّلام، و صلوا الأرحام، و صلّوا باللّيل و النّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام.

صحيح [ (4)].

و روى أسباط بن نصر، عن السّدّي، عن أبي مالك، و أبي صالح، عن ابن عبّاس، و عن مرّة، عن ابن مسعود، و عن ناس من أصحاب النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في قوله تعالى‏ وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ‏ [ (5)]، قال: كانت العرب تمرّ باليهود فيؤذونهم. و كانوا يجدون محمّدا في التّوراة،

____________

[ (1)] في ع: و إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ... (انظر ابن كثير 2/ 296).

[ (2)] البهت: الكذب.

[ (3)] صحيح البخاري 4/ 260، 261: كتاب الفضائل، باب في إسلام عبد اللَّه بن سلام.

[ (4)] المسند لأحمد بن حنبل (5/ 451) و سنن الترمذي (2/ 79).

[ (5)] سورة البقرة: من الآية 89.

35

فيسألون اللَّه أن يبعثه فيقاتلون معه العرب. فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل.

قصّة بناء المسجد

قال أبو التّيّاح [ (1)]، عن أنس رضي اللَّه عنه‏

، فأرسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى ملأ بني النّجّار فجاءوا، فقال: يا بني النّجّار، ثامنوني بحائطكم هذا [ (2)].

قالوا: لا و اللَّه، لا نطلب ثمنه إلّا إلى اللَّه. فكان فيه ما أقول لكم: كان [ (3)] فيه قبور المشركين، و كان فيه خرب و نخل [ (4)]. فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بقبور المشركين فنبشت، و بالخرب فسوّيت، و بالنّخل فقطع. فصفّوا النّخل قبلة [المسجد] [ (5)]، و جعلوا عضادتيه حجارة، و جعلوا ينقلون [ذاك‏] [ (6)] الصّخر، و هم يرتجزون، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) معهم، و يقولون:

اللَّهمّ [إنّه‏] [ (7)] لا خير إلّا خير الآخرة فانصر [5 ب‏] الأنصار و المهاجرة.

متّفق عليه [ (8)]. و في رواية: فاغفر للأنصار.

____________

[ (1)] هو يزيد بن حميد الضّبعي.

[ (2)]

ثامنوني بحائطكم، و قد وردت في موضع آخر من «صحيح البخاري» 4/ 266: «ثامنوني حائطكم»،

أي اجعلوا له ثمنا. أو سوموني، كما في شرح البخاري.

[ (3)] في صحيح البخاري «كانت».

[ (4)] في صحيح البخاري: «و كان فيه نخل».

[ (5)] زيادة من صحيح البخاري.

[ (6)] زيادة من صحيح البخاري.

[ (7)] زيادة من صحيح البخاري.

[ (8)] البخاري 4/ 266 كتاب الفضائل، باب مقدم النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه المدينة، و مسلم (524) كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم).

36

و قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، في قصّة بناء المسجد:

فطفق هو و أصحابه ينقلون اللّبن، و يقول و هو ينقل اللّبن معهم:

هذا الحمال، لا حمال خيبر* * * هذا أبرّ- ربّنا- و أطهر

و يقول:

اللَّهمّ لا خير الآخرة [ (1)]* * * فارحم الأنصار و المهاجرة

قال ابن شهاب: فتمثّل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بعشر رجل من المسلمين لم يسمّ في الحديث. و لم يبلغني في الحديث أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) تمثّل ببيت شعر غير هذه الأبيات.

ذكره البخاري في صحيحه [ (2)].

و قال صالح بن كيسان: ثنا نافع أنّ عبد اللَّه أخبره أنّ المسجد كان على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مبنيّا باللّبن، و سقفه الجريد، و عمده خشب النّخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا. و زاد فيه عمر، و بناه على بنيانه في عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) باللّبن و الجريد، و أعاد عمده خشبا. و غيّره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصّة [ (3)]، و جعل عمده من حجارة منقوشة، و سقفه بالسّاج [ (4)]. أخرجه البخاري [ (5)].

و قال حمّاد بن سلمة، عن أبي سنان، عن يعلى بن شدّاد، عن عبادة

____________

[ (1)]

في السيرة لابن كثير 2/ 304

«لا همّ إنّ الأجر أجر الآخرة».

[ (2)] صحيح البخاري 4/ 266: كتاب الفضائل: باب هجرة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة.

[ (3)] القصّة: الجصّة، و قيل: الحجارة من الجصّ. كما في النهاية لابن الأثير.

[ (4)] السّاج: ضرب عظيم من الشجر، و خشب أسود يشبه الأبنوس، لا ينبت إلّا بالهند (تاج العروس 6/ 49، 50).

[ (5)] صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد.

37

رضي اللَّه عنه،

أنّ الأنصار جمعوا مالا، فأتوا به النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: ابن بهذا المسجد و زيّنه، إلى متى نصلّي تحت هذا الجريد؟ فقال: ما بي رغبة من أخي موسى، عريش كعريش موسى‏

[ (1)].

و روي عن الحسن البصريّ في قوله «كعريش موسى»، قال: إذا رفع يده بلغ العريش، يعني السّقف.

و قال عبد اللَّه بن بدر، عن قيس بن طلق بن عليّ، عن أبيه قال:

بنيت مع النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) مسجد المدينة، فكان يقول: قرّبوا اليماميّ [ (2)] من الطّين، فإنّه من أحسنكم له بناء.

و قال أبو سعيد الخدريّ رضي اللَّه عنه:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): المسجد الّذي أسّس على التّقوى مسجدي هذا.

أخرجه مسلم بأطول منه‏

[ (3)].

و قال (صلّى اللَّه عليه و سلم):

صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا مسجد الكعبة.

صحيح [ (4)].

و قال أبو سعيد رضي اللَّه عنه:

كنّا نحمل لبنة لبنة، و عمّار يحمل لبنتين لبنتين، يعني في بناء المسجد. فرآه النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فجعل ينف عنه‏

____________

[ (1)] انظر: دلائل النبوّة للبيهقي (2/ 262)، و البداية و النهاية لابن كثير: (3/ 215)، و وفاء ألوفا بأخبار دار المصطفى للمسهودي (1/ 242) قال ابن كثير: و هذا حديث غريب من هذا الوجه: (انظر السيرة النبويّة له 2/ 304).

[ (2)] اليماميّ: نسبة إلى اليمامة. و هو طلق بن عليّ السّحيمي، و يقال طلق بن ثمامة. كان من الوفد الذين قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من اليمامة فأسلموا. مشهور له صحبة و فائدة و رواية.

ترجمته في طبقات ابن سعد (5/ 552). أسد الغابة (3/ 92). الإصابة في تمييز الصّحابة (2/ 232، تهذيب التهذيب (5/ 33).

[ (3)] صحيح مسلم 1398: كتاب الحجّ، باب بيان أنّ المسجد الّذي أسّس على التّقوى هو مسجد النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالمدينة.

[ (4)] صحيح البخاري 2/ 56: كتاب الصلاة، أبواب التطوّع، باب فضل الصلاة في مسجد مكة و المدينة. و صحيح مسلم 1354: كتاب الحجّ، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة و المدينة.

38

التراب و يقول: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة و يدعونه إلى النّار».

أخرجه البخاريّ دون قوله «تقتله الفئة الباغية»، و هي زيادة ثابتة الإسناد

[ (1)].

و نافق طائفة من الأوس و الخزرج، فأظهروا الإسلام مداراة لقومهم.

فممّن ذكر منهم: من أهل قباء: الحارث بن سويد بن الصّامت.

____________

[ (1)] صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد. و لم ترد جملة

«تقتله الفئة الباغية»

في روايتي أبي ذرّ و الأصيلي عن البخاري.

و قول الذهبي «زيادة ثابتة الإسناد» يفسّره قول ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري 1/ 451): «و اعلم أنّ هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع» و قال: إنّ البخاري لم يذكرها أصلا، و كذا قال أبو مسعود. قال الحميديّ: و لعلّها لم تقع للبخاريّ، أو وقعت فحذفها عمدا. قال: و قد أخرجها الإسماعيليّ و البرقاني في هذا الحديث. قلت: و يظهر لي أنّ البخاري حذفها عمدا، و ذلك لنكتة خفيّة، و هي أنّ أبا سعيد الخدريّ اعترف أنّه لم يسمع هذه الزيادة من النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم). فدلّ على أنّها في هذه الرواية مدرجة. و الرواية الأولى التي بيّنت ذلك ليست على شرط البخاري. و قد أخرجها البزّار من طريق داود بن أبي هند، عن أبي ندرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث في بناء المسجد و حملهم لبنة لبنة، و فيه:

فقال أبو سعيد: فحدّثني أصحابي و لم أسمع من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و

سلم) أنه قال: يا بن سميّة، تقتلك الفئة الباغية». و أخرج الحديث: مسلم (2916) في الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيتمنّى أن يكون مكان الميت من البلاء.

و عن أمّ سلمة قالت: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية».

و عن أبي هريرة أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال لعمّار: «أبشر عمّار تقتلك الفئة الباغية».

(رواه التّرمذي 3802) في المناقب، باب، مناقب عمّار بن ياسر، و هو حديث صحيح.

و قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. و في الباب: عن أمّ سلمة، و عبد اللَّه بن عمر، و أبي اليسر، و حذيفة.

و

قال ابن حجر: روى حديث‏ «تقتل عمّارا الفئة الباغية» جماعة من الصحابة، منهم: قتادة بن النعمان، و أمّ سلمة عند مسلم. و أبو هريرة عند الترمذي، و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عند النسائي، و عثمان بن عفان، و حذيفة، و أبو أيوب، و أبو رافع، و خزيمة بن ثابت، و معاوية، و عمرو بن العاص، و أبو اليسر، و عمّار نفسه، و كلها عند الطبراني و غيره، و غالب طرقها صحيحة، أو حسنة، و فيه عن جماعة آخرين يطول عددهم.

(جامع الأصول 9/ 43) و رواه الطبراني في المعجم الكبير 4/ 98 رقم 3720 و 4/ 200 رقم (4030 و 1/ 300 رقم 954) و (المعجم الصغير 1/ 187) و ابن جميع الصّيداوي في (معجم الشيوخ 284 بتحقيقنا) و ابن عساكر في (تاريخ دمشق 9/ 355) و (تهذيب تاريخ دمشق 4/ 150).

39

و كان أخوه خلّاد رجلا صالحا، و أخوه الجلاس [ (1)]. دون خلّاد في الصّلاح.

و من المنافقين: نبتل بن الحارث [ (2)]. و بجاد [ (3)] بن عثمان. و أبو حبيبة ابن الأزعر أحد من بنى مسجد الضّرار [ (4)]. و جارية بن عامر، و ابناه: زيد و مجمّع. و قيل لم يصحّ عن مجمّع النّفاق، و إنّما ذكر فيهم لأنّ قومه جعلوه إمام مسجد الضّرار [ (5)]. و عبّاد بن حنيف. و أخواه سهل و عثمان من فضلاء الصّحابة.

و منهم:

بشر، و رافع، ابنا زيد. و مربع، و أوس، ابنا قيظيّ [ (6)]. و حاطب بن أميّة، و رافع [6 أ] بن وديعة، و زيد بن عمرو، و عمرو بن قيس، ثلاثتهم من بني النّجّار، و الجدّ بن قيس الخزرجي، من بني جشم، و عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، من بني عوف بن الخزرج، و كان رئيس القوم.

و ممّن أظهر الإيمان من اليهود و نافق بعد:

____________

[ (1)] الجلابس: بالجيم، في: المحبّر لابن حبيب 467، و المعارف لابن قتيبة 343، و أنساب الاشراف للبلاذري 1/ 275، و الاستيعاب لابن عبد البرّ 264، و الإكمال لابن ماكولا 3/ 170، و أسد الغابة لابن الأثير 1/ 291، و مشتبه النسبة للذهبي 1/ 196، و الوافي بالوفيات للصفدي 11/ 178 رقم 262، و إمتاع الأسماع للمقريزي 453، و الإصابة لابن حجر 15/ 509 و انظر عنه: سيرة ابن هشام 2/ 258 و 261 و أثبته محقّقا: جوامع السيرة لابن حزم (الخلاس) بالخاء، و كذا محقّق: الدرر لابن عبد البرّ.

[ (2)] من بني لوذان بن عمرو بن عوف: و هو الّذي‏

قال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): «من أحبّ أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث». (سيرة ابن هشام 2/ 259)

[ (3)] في الأصل و سائر النسخ: نجاد بالنون، و التصحيح من ابن هشام (2/ 259)، و المحبّر (467) و أنساب الأشراف (1/ 275) و تاريخ الطبري (3/ 111). و أثبته شعيرة- ص 80 «نجاب» و هو ترجيح خاطئ.

[ (4)] سيرة ابن هشام 2/ 259.

[ (5)] السيرة.

[ (6)] السيرة 2/ 261.

40

أسعد [ (1)] بن حنيف، و زيد بن اللّصيت، و رافع بن حرملة [ (2)]، و رفاعة ابن زيد بن التّابوت [ (3)]، و كنانة بن صوريا [ (4)].

و مات فيها:

البراء بن معرور السّلمي [ (5)] أحد نقباء العقبة رضي اللَّه عنه. و هو أول من بايع النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) ليلة العقبة، و كان كبير الشّأن.

و تلاحق المهاجرون الذين تأخّروا بمكة بالنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم). فلم يبق إلّا محبوس أو مفتون. و لم يبق دار من دور الأنصار إلّا أسلم أهلها. إلّا أوس [اللَّه‏] [ (6)]، و هم حيّ من الأوس، فإنّهم أقاموا على شركهم.

و مات فيها: الوليد بن المغيرة المخزوميّ والد خالد، و العاص بن وائل السّهميّ والد عمرو بمكة على الكفر.

و كذلك: أبو أحيحة سعيد بن العاص الأمويّ توفّي بماله بالطّائف.

و فيها: أري الأذان عبد اللَّه بن زيد، و عمر بن الخطاب، فشرع الأذان على ما رأيا [ (7)].

____________

[ (1)] في الأصول، و طبعة القدسي و طبعة شعيرة «سعد» و التصويب من سيرة ابن هشام 2/ 261.

[ (2)] و يقال «ابن حريملة» بالتصغير. انظر: المحبّر 470 و أنساب الأشراف 1/ 285 و الدرر لابن عبد البر 102 و عيون الأثر 1/ 218 و سيرة ابن هشام 2/ 261 و قال: «و هو الّذي‏

قال له الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلم)- حين مات-: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين».

[ (3)] المحبّر 470.

[ (4)] سيرة ابن هشام 2/ 262 و في المحبّر 470 «صويراء».

[ (5)] السّلمي: نسبة إلى سلمة (بكسر اللّام) بطن من الأنصار. و النّسبة إليها عند النّحويين بفتح اللّام، و المحدّثون يكسرونها. (اللباب في تهذيب الأنساب: 2/ 129). انظر عنه: المحبّر 270 و 271 و 273 و 416.

[ (6)] سقطت من الأصل، و زدناها من ع، ح.

[ (7)] في الأصل و في طبعة شعيرة 82، (رأينا) و التصحيح من ع. ح، و انظر حول ذلك: الطبقات الكبرى 1/ 246 و ما بعدها، و سيرة ابن هشام 2/ 253، و عيون الأثر 1/ 203، و السيرة لابن كثير 2/ 334.

41

و في شهر رمضان عقد النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) لواء لحمزة بن عبد المطّلب يعترض عيرا لقريش. و هو أول لواء عقد في الإسلام [ (1)].

و فيها: بعث النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) زيد بن حارثة و أبا رافع إلى مكة لينقلا بناته و سودة أمّ المؤمنين.

و في ذي القعدة عقد لواء لسعد بن أبي وقّاص، ليغير على حيّ من بني كنانة أو بني جهينة. ذكره الواقدي.

و قال عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) المدينة، فكان أول راية عقدها راية عبيدة بن الحارث [ (2)].

و فيها: آخى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بين المهاجرين و الأنصار، على المواساة و الحقّ.

و قد روى أبو داود الطّيالسي، عن سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما قال: آخى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بين المهاجرين و الأنصار، و ورّث بعضهم من بعض، حتى نزلت: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ [ (3)].

و السبب في قلّة من توفي في هذا العام و ما بعده من السّنين، أنّ المسلمين كانوا قليلين بالنّسبة إلى من بعدهم. فإنّ الإسلام لم يكن إلّا ببعض الحجاز، أو من هاجر إلى الحبشة، و في خلافة عمر- بل و قبلها-

____________

[ (1)] سيرة ابن هشام 3/ 20.

[ (2)] المحبّر 116 و انظر سيرة ابن هشام 3/ 18.

[ (3)] سورة الأنفال: من الآية 75، و انظر ترتيب مسند الطّيالسي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الأنفال (2/ 19).

42

انتشر الإسلام في الأقاليم. فبهذا يظهر لك سبب قلّة من توفّي في صدر الإسلام، و سبب كثرة من توفّي في زمان التّابعين فمن بعدهم.

و كان في هذا القرب [ (1)] أبو قيس بن الأسلت [ (2)] بن جشم بن وائل الأوسيّ الشاعر. و كان يعدل بقيس بن الخطيم [ (3)] في الشجاعة و الشعر.

و كان يحضّ الأوس على الإسلام. و كان قبل الهجرة يتألّه [ (4)] و يدّعي الحنيفيّة، و يحضّ قريشا على الإسلام، فقال قصيدته المشهورة التي أوّلها [ (5)]:

أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن* * * مغلغلة عنّي لؤيّ بن غالب‏

أقيموا لنا دينا حنيفا، فأنتمو* * * لنا قادة، قد يقتدى بالذّوائب‏

(6 ب) روى الواقديّ عن رجاله قالوا: خرج ابن الأسلت إلى الشام، فتعرّض آل جفنة [ (6)] فوصلوه. و سأل الرّهبان فدعوه إلى دينهم فلم‏

____________

[ (1)] هكذا في جميع النّسخ، و لعلّها بمعنى كان قريبا من ذلك الوقت. و جعلها ابن الملّا «و كان شاهد العرب» و هو قول لا معنى له.

[ (2)] في الأصل (الأسلم) تصحيف. و هو أبو قيس صيفي بن الأسلت الشاعر. ترجمته في الأغاني (17/ 117) و طبقات فحول الشعراء (189) و الإصابة (3/ 251 و 4/ 161) و الاستيعاب على هامش الإصابة (2/ 193 و 4/ 160)، و المحبّر 420، و شرح المفضّليات 75، و خزانة الأدب 3/ 409- 413 و معجم الشعراء في لسان العرب 335 رقم 864. للدكتور ياسين الأيوبي.

[ (3)] قيس بن الخطيم: شاعر مشهور من بني ظفر من الأوس، أدرك الإسلام، و لقي النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بمكة قبل الهجرة، فدعاه إلى الإسلام و حرص عليه، و لكنّه قتل قبل أن يسلم. ترجمته في الأغاني (3/ 1) و طبقات فحول الشعراء (190) و معجم الشعراء للمرزباني (196)، و طبقات الشعراء لابن سلام 52 و 65، و معجم الشعراء في لسان العرب 336، 337 رقم 867 و قد طبع ديوانه في ليبزغ سنة 1914

[ (4)] يتألّه: يتنسّك.

[ (5)] انظر القصيدة بتمامها في ديوانه (64- 70) و ابن هشام (1/ 283- 286) و البداية و النهاية (3/ 154- 155) و الروض الأنف (3/ 72- 74).

[ (6)] آل جفنة: ملوك غسّان بالشّام، ترجع نسبتهم إلى جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر، و غسّان اسم ماء نزلوه فسمّوا به، ليس بأب و لا أمّ. (الاشتقاق لابن دريد 1/ 435).

43

يرده. فقال له راهب: أنت تريد دين الحنيفيّة، و هذا وراءك من حيث خرجت. ثم إنّه قدم مكة معتمرا، فلقي زيد بن عمرو بن نفيل [ (1)]، فقصّ عليه أمره. فكان أبو قيس بعد يقول: ليس أحد على دين إبراهيم إلّا أنا و زيد. فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) المدينة، و قد أسلمت الخزرج و الأوس، إلّا ما كان من أوس اللَّه فإنّها وقفت مع ابن الأسلت، و كان فارسها و خطيبها، و شهد يوم بعاث، فقيل له: يا أبا قيس، هذا صاحبك الّذي كنت تصف.

قال: رجل قد بعث بالحقّ. ثم جاء إلى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فعرض عليه شرائع الإسلام، فقال: ما أحسن هذا و أجمله، انظر في أمري. و كاد أن يسلم.

فلقيه عبد اللَّه بن أبيّ، فأخبره بشأنه فقال: كرهت و اللَّه حرب الخزرج.

فغضب و قال: و اللَّه لا أسلم سنة. فمات قبل السّنة.

فروى الواقديّ عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أشياخه أنّهم كانوا يقولون: لقد سمع يوحّد عند الموت [ (2)].

____________

[ (1)] زيد بن عمرو بن نفيل: ابن عمّ عمر بن الخطّاب رضي اللَّه عنه: أحد المتفرّقين في طلب الأديان كما يقول ابن هشام. و كان يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطّلب، و لا أراني أدركه، و أنا أو من به و أصدّقه و أشهد أنه نبيّ و كان يستقبل الكعبة في المسجد و يقول: لبّيك حقّا حقا، تعبّدا و رقّا.

و قال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏ إنه يبعث أمّة وحده، و أنه رآه في الجنّة يسحب ذيولا.

و خرّج البخاري في كتاب الفضائل من صحيحه حديثا مطوّلا عنه، و فيه عن ابن عمر أنّ زيدا خرج إلى الشام يسأل عن الدّين و يتبعه، فدلّ على الحنيفيّة دين إبراهيم، و أنه لم يكن يهوديّا و لا نصرانيّا، و لا يعبد إلّا اللَّه، فرفع يديه إلى السماء فقال: اللَّهمّ إنّي أشهد أنّي على دين إبراهيم.

ترجمته في ابن هشام (1/ 222) و الطبقات الكبرى (1/ 161 و 4/ 384) و المحبّر 170 و 171 و 175 و تاريخ الطبري (2/ 295) و انظر صحيح البخاري: كتاب فضائل أصحاب النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، باب حديث: زيد بن عمرو بن نفيل.

[ (2)] انظر هذه القصة في ترجمة محصن بن أبي قيس بن الأسلت في الطبقات الكبرى (4/ 385).

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

سنة اثنتين في صفرها:

(غزوة الأبواء) [ (1)]

فخرج النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) من المدينة غازيا، و استعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودّان [ (2)] يريد قريشا و بني ضمرة. فوادع بني ضمرة بن عبد مناة بن كنانة، و عقد ذلك معه سيّدهم مخشيّ بن عمرو. ثم رجع إلى المدينة. و ودّان على أربع مراحل [ (3)].

[بعث حمزة [ (4)]]

ثمّ في أحد الرّبيعين:

____________

[ (1)] و تسمّى كذلك غزوة ودّان. و الأبواء قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها و بين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا. (معجم البلدان 1/ 79).

[ (2)] ودّان: قرية جامعة من نواحي الفرع بين مكة و المدينة، بينها و بين الأبواب نحو من ثمانية أميال، قريبة من الجحفة. (معجم البلدان 5/ 365).

[ (3)] قال ابن هشام: هي أول غزوة غزاها. (السيرة 3/ 18) و انظر: الطبقات الكبرى 2/ 8 و تهذيب سيرة ابن هشام 130 و الروض الأنف 3/ 25، و تاريخ الرسل و الملوك 2/ 470، و تاريخ خليفة 56 و عيون الأثر 1/ 224 و البداية و النهاية 3/ 241، و عيون التواريخ 1/ 107.

[ (4)] العنوان مضاف إلى الأصل للتوضيح.

46

بعث عمّه حمزة في ثلاثين راكبا من المهاجرين إلى سيف البحر من ناحية العيص [ (1)]. فلقي أبا جهل في ثلاثمائة، و قال الزّهري: في مائة و ثلاثين راكبا. و كان مجديّ بن عمرو الجهنيّ و قومه حلفاء الفريقين جميعا، فحجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهنيّ [ (2)].

[بعث عبيدة بن الحارث‏]

و بعث في هذه المدّة عبيدة بن الحارث بن المطّلب [ (3)] بن عبد مناف، في ستّين راكبا أو نحوهم من المهاجرين. فنهض حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرّة [ (4)]. فلقي بها جمعا من قريش، عليهم عكرمة بن أبي جهل، و قيل مكرز بن حفص. فلم يكن بينهم قتال. إلّا أنّ سعد بن أبي وقّاص كان في ذلك البعث، فرمي بسهم، فكان أوّل سهم رمي به في سبيل اللَّه.

و فرّ الكفّار يومئذ إلى المسلمين: المقداد بن عمرو البهرانيّ حليف بني زهرة، و عتبة بن غزوان المازنيّ حليف بني عبد مناف. و كانا مسلمين، و لكنّهما خرجا ليتوصّلا بالمشركين [ (5)].

____________

[ (1)] العيص: عرض من أعراض المدينة على ساحل البحر. قال ابن إسحاق: من ناحية ذي المروة بطريق قريش التي كانوا يأخذون منها إلى الشام. (معجم البلدان 4/ 173).

[ (2)] انظر: السيرة لابن هشام 3/ 20، التهذيب 131، عيون الأثر 1/ 224 البداية و النهاية 3/ 244.

[ (3)] في ع: عبد المطّلب، خطأ. و انظر ترجمته في الإصابة (2/ 449).

[ (4)] ذكر ابن سعد و الواقديّ: أنّ هذا الماء «أحياء» من بطن رابغ، و رابغ على عشرة أميال من الجحفة. و ثنيّة المرّة بالكسر و تشديد الرّاء، و قال ياقوت بالفتح و تخفيف الراء من نواحي مكة.

[ (5)] انظر: السيرة 3/ 18، التهذيب 130، الطبقات الكبرى 2/ 7، الروض الأنف 3/ 25، 26، عيون الأثر 1/ 225.

47

[غزوة بواط [ (1)]]

و خرج النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في ربيع الأول غازيا. فاستعمل على المدينة السّائب ابن عثمان بن مظعون. حتى بلغ بواط من ناحية رضوى [ (2)] ثم رجع و لم يلق حربا [ (3)].

[غزوة العشيرة]

و خرج غازيا في جمادى الأولى، و استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، حتى بلغ العشيرة [ (4)]، فأقام هناك أياما، و وادع بني مدلج. ثم رجع فأقام بالمدينة أياما. و العشيرة [من‏] [ (5)] بطن ينبع.

و قال يونس بن أبي إسحاق [ (6)]: حدّثني يزيد بن محمد بن خثيم [ (7)] عن محمد بن كعب [7 أ] القرظيّ قال: حدّثني أبوك محمد بن خثيم المحاربيّ [ (8)]، عن عمّار بن ياسر قال:

كنت أنا و عليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع. فلما نزلها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أقام به شهرا،

____________

[ (1)] بواط: جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى (معجم البلدان 1/ 503).

[ (2)] رضوى جبل بالمدينة معروف.

[ (3)] السيرة 3/ 21، التهذيب 131، الطبقات الكبرى 2/ 8، 9، الروض الأنصف، 3/ 27، تاريخ خليفة 57، تاريخ الرسل 2/ 407، عيون الأثر 1/ 226 البداية و النهاية 3/ 246.

[ (4)] العشيرة: بلفظ تصغير العشرة، يضاف إليه (ذو) فيقال ذو العشيرة، و هي من ناحية ينبع بين مكة و المدينة: و في صحيح البخاري أنّها العشيرة أو العشيراء، و قيل العسيرة و العسيراء، بالسّين المهملة، و الصّحيح أنّه العشيرة. قال ابن إسحاق: هو من أرض بني مدلج. (معجم البلدان 4/ 127).

[ (5)] سقطت من الأصل و أثبتناها من ع، ح.

[ (6)] في الأصل و (ع) يونس عن ابن إسحاق، و التصحيح من ح. و هو يونس بن أبي إسحاق عمرو ابن عبد اللَّه الهمدانيّ السّبيعي أبو إسرائيل الكوفي، توفي سنة 159 ه-. (تهذيب التهذيب 11/ 433).

[ (7)] في الأصل و (ع): خيثم، تصحيف تصحيحه من ح و تهذيب التهذيب (11/ 357).

[ (8)] في ح: البخاري، خطأ. و المحاربي نسبة إلى محارب بطن من قريش (اللباب 3/ 170).

48

فصالح بها بني مدلج. فقال لي عليّ: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء، نفر من بني مدلج يعملون في عين لهم، ننظر كيف يعملون؟

فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة، ثم غشينا النّوم فنمنا. فو اللَّه ما أهبّنا إلّا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بقدمه، فجلسنا. فيومئذ قال لعليّ: يا أبا تراب، لما عليه من التّراب [ (1)].

[غزوة بدر الأولى‏]

و خرج في جمادى الآخرة في طلب كرز بن جابر الفهريّ، و كان قد أغار على سرح [ (2)] المدينة. فبلغ (صلّى اللَّه عليه و سلم) وادي سفوان [ (3)] من ناحية بدر، فلم يلق حربا. و سمّيت بدرا الأولى. و لم يدرك كرزا [ (4)].

[سريّة سعد بن أبي وقّاص‏]

و بعث سعد بن أبي وقّاص في ثمانية من المهاجرين، فبلغ الخرار [ (5)].

ثم رجع إلى المدينة [ (6)].

[بعث عبد اللَّه بن جحش‏]

قال عروة:

ثم بعث النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)- في رجب- عبد اللَّه بن جحش‏

____________

[ (1)] انظر: السيرة 3/ 21، 22، التهذيب 131، 132، الطبقات 2/ 9، 10، الروض الأنف 3/ 27، تاريخ خليفة 57، تاريخ الرسل و الملوك 2/ 408 عيون الأثر 1/ 226، البداية و النهاية 3/ 246، عيون التواريخ 1/ 107، 108.

[ (2)] السرح: الإبل و الغنم.

[ (3)] سفوان: بفتح أوّله و ثانيه، واد من ناحية بدر. (معجم البلدان 3/ 225).

[ (4)] و تسمّى غزوة سفوان. (السيرة 3/ 22 تاريخ الخليفة 57).

[ (5)] في الأصل و سائر النّسخ: الحوار، تصحيف. و الخرار: موضع بالحجاز يقال هو قرب الجحفة، و قيل واد من أودية، و قيل ماء بالمدينة. (معجم البلدان 2/ 350).

[ (6)] السيرة 3/ 22، البداية و النهاية 3/ 248، عيون التواريخ 1/ 108.

49

الأسديّ، و معه ثمانية. و كتب معه كتابا، و أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين. فلمّا قرأ الكتاب وجده: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بين نخلة و الطائف [ (1)]، فترصد لنا قريشا، و تعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد اللَّه في الكتاب قال لأصحابه: قد أمرني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن أمضي إلى نخلة، و نهاني أن أستكره أحدا منكم. فمن كان يريد الشهادة فلينطلق، و من كره الموت فليرجع. فأمّا أنا فماض لأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

فمضى و مضى معه الثمانية، و هم: أبو حذيفة بن عتبة، و عكّاشة بن محصن، و عتبة بن غزوان، و سعد بن أبي وقّاص، و عامر بن ربيعة، و واقد بن عبد اللَّه التّميميّ، و سهيل بن بيضاء الفهريّ، و خالد بن البكير.

فسلك يهم على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران [ (2)]، أضلّ سعد بن أبي وقّاص، و عتبة بن غزوان بعيرا لهما، فتخلّفا في طلبه. و مضى عبد اللَّه بمن بقي حتى نزل بنخلة. فمرّت بهم عير لقريش تحمل زبيبا و أدما [ (3)]، و فيها عمرو بن الحضرميّ و جماعة. فلما رآهم القوم هابوهم. فأشرف لهم عكّاشة، و كان قد حلق رأسه، فلمّا رأوه أمنوا، و قالوا: عمّار [ (4)] لا بأس عليكم منهم.

و تشاور القوم فيهم، و ذلك في آخر رجب، فقالوا: و اللَّه لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به، و لئن قتلتموهم لتقتلنّهم في‏

____________

[ (1)] نخلة: و تسمى نخلة اليمانية: واد بينه و بين مكة مسيرة ليلتين (معجم البلدان 5/ 277) و الطّائف: هي وادي وجّ، و به كانت تسمّى قديما، بينها و بين مكة اثنا عشر فرسخا (معجم البلدان 4/ 8).

[ (2)] بحران: بالضم، و هو المشهور، و يفتح: موضع بناحية الفرع، و بين الفرع و المدينة ثمانية برد. و المعدن مكان كلّ شي‏ء فيه أصله. و يقال إنّ معدن بحران هذا كان للحجّاج بن علاط البهزيّ. (معجم البلدان 1/ 341).

[ (3)] الأدم: جمع أديم، و هو الجلد المدبوغ.

[ (4)] العمّار: المعتمرون.

50

الشهر الحرام. و تردّدوا، ثم أجمعوا على قتلهم و أخذ تجارتهم، فرمى واقد ابن عبد اللَّه عمرو بن الحضرميّ فقتله، و استأسروا عثمان بن عبد اللَّه، و الحكم بن كيسان. و أفلت نوفل بن عبد اللَّه.

و أقبل ابن جحش و أصحابه بالعير و الأسيرين، حتى قدموا المدينة.

و عزلوا خمس ما غنموا للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فنزل القرآن كذلك. و أنكر النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) قتل ابن الحضرميّ، فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ (1)] الآية، و قبل [7 ب‏] النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) الفداء في الأسيرين. فأمّا عثمان فمات بمكة كافرا، و أمّا الحكم فأسلم و استشهد ببئر معونة [ (2)].

و صرفت القبلة في رجب، أو قريبا منه [ (3)].

[غزوة بدر الكبرى‏]

من السّيرة لابن إسحاق، رواية البكّائيّ.

قال ابن إسحاق:

سمع النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) أنّ سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير و تجارة عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش، منهم:

مخرمة بن نوفل، و عمرو بن العاص. فقال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ اللَّه ينفلكموها. فانتدب النّاس، فخفّ بعضهم، و ثقل بعض، ظنّا منهم أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) لا يلقى حربا.

و استشعر أبو

____________

[ (1)] سورة البقرة، من الآية 217.

[ (2)] السيرة 3/ 22- 24 التهذيب 132- 135، الطبقات الكبرى 2/ 10، 11، تاريخ الرسل و الملوك 2/ 410، الروض الأنف 3/ 28، 29، عيون الأثر 1/ 227- 230، البداية و النهاية 3/ 248- 252، عيون التواريخ 1/ 108- 111.

[ (3)] السيرة 3/ 35، الطبري 2/ 415.

51

سفيان فجهّز منذرا إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم. فأسرعوا الخروج، و لم يتخلّف من أشرافهم أحد، إلّا أنّ أبا لهب قد بعث مكانه العاص أخا أبي جهل. و لم يخرج أحد من بني عديّ بن كعب. و كان أميّة بن خلف شيخا جسيما فأجمع القعود. فأتاه عقبة بن أبي معيط- و هو في المسجد- بمجمرة و بخور فوضعها بين يديه، و قال: أبا عليّ، استجمر! فإنّما أنت من النّساء. قال: قبّحك اللَّه، فتجهّز [ (1)] و خرج معهم.

و خرج النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في ثامن رمضان، و استعمل على المدينة عمرو بن أمّ مكتوم على الصّلاة. ثم ردّ أبا لبابة من الرّوحاء [ (2)] و استعمله على المدينة.

و دفع اللواء إلى مصعب بن عمير. و كان أمام النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) رايتان سوداوان، إحداهما مع عليّ رضي اللَّه عنه، و الأخرى مع رجل أنصاريّ. و كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ.

فكان مع المسلمين سبعون بعيرا يعتقبونها [ (3)]، و كانوا يوم بدر ثلاثمائة و تسعة عشر رجلا. فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و عليّ، و مرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا. و كان أبو بكر، و عمر، و عبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. فلما قرب النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الصّفراء [ (4)] بعث اثنين يتجسسان أمر أبي سفيان. و أتاه الخبر بخروج نفير قريش، فاستشار النّاس، فقالوا: خيرا. و قال المقداد بن الأسود: يا رسول اللَّه، امض لما أراك اللَّه فنحن معك، و اللَّه لا

____________

[ (1)] في الأصل (فتجمّر) و التصحيح من ع، ح. و سيرة ابن هشام 3/ 31.

[ (2)] الرّوحاء: من عمل الفرع بالمدينة، على نحو من ثلاثين أو أربعين يوما منها. (معجم البلدان)، و يقول العلّامة الأستاذ حمد الجاسر إنّها لا تزال معروفة و تسمّى (الرحا) على طريقة البدو في الإبدال (المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، قسم المواضع 161 هامش).

[ (3)] يعتقبونها: يتعاقبون عليها و يتناوبونها. و الاعتقاب: كالتعاقب: التداول.

[ (4)] الصفراء: واد من ناحية المدينة كثير النّخل و الزّرع في طريق الحاجّ. بينه و بين بدر مرحلة.

(معجم البلدان).

52

نقول [ (1)] كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون» [ (2)]، و لكن اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك الغماد [ (3)] لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) له خيرا و دعا له.

و قال سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، [و اللَّه‏] [ (4)] لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك. فسرّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قوله، و قال: سيروا و أبشروا، فإنّ ربّي قد وعدني إحدى الطّائفتين: إمّا العير و إمّا النّفير.

و سار حتى نزل قريبا من بدر. فلما أمسى بعث عليّا و الزّبير و سعدا في نفر إلى بدر [8 أ] يلتمسون الخبر. فأصابوا راوية [ (5)] لقريش فيها أسلم و أبو يسار من مواليهم، فأتوا بهما النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم). فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش. فكره. الصّحابة هذا الخبر، و رجوا أن يكونوا سقاة للعير. فجعلوا يضربونهما، فإذا آلمهما الضّرب قالا: نحن من عير أبي سفيان. و كان النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يصلّي، فلما سلّم قال: إذا صدقا ضربتموها، و إذا كذبا تركتموهما. ثم قال: أخبراني أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب. فسألهما: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: عشرا من الإبل أو تسعا: فقال: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف.

و أما اللّذان بعثهما النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يتجسّسان، فأناخا بقرب ماء بدر و استقيا

____________

[ (1)] في ح: لا نقول لك. و كذلك في السيرة 3/ 33.

[ (2)] استشهاد بالآية 24 من سورة المائدة.

[ (3)] برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، و قيل بلد باليمن، و قيل موضع في أقصى أرض هجر. (معجم البلدان).

[ (4)] زيادة من ع، ح.

[ (5)] الإبل التي يستقى عليها.

53

في شنّهما [ (1)]. و مجديّ بن عمرو بقربهما لم يفطنا به. فسمعا جاريتين من جواري الحيّ تقول إحداهما للأخرى: إنّما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثمّ أقضيك. فصرفهما مجديّ، و كان عينا لأبي سفيان. فرجعا إلى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأخبراه. و لما قرب أبو سفيان من بدر تقدّم وحده حتى أتى ماء بدر فقال لمجديّ: هل أحسست أحدا؟ فذكر له الراكبين. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه، فإذا فيه النّوى، فقال: هذه و اللَّه علائف يثرب. فرجع سريعا فصرف العير عن طريقها، و أخذ طريق الساحل، و أرسل يخبر قريشا أنّه قد نجا فارجعوا. فأبى أبو جهل و قال: و اللَّه لا نرجع حتى نرد ماء بدر، و نقيم عليه ثلاثا، فتهابنا العرب أبدا.

و رجع الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة ببني زهرة كلّهم، و كان فيهم مطاعا. ثم نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي.

و سبق النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى ماء بدر. و منع قريشا من السّبق إلى الماء مطر عظيم لم يصب المسلمين منه إلّا ما لبّد لهم الأرض. فنزل النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة.

فقال الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: يا رسول اللَّه أ رأيت هذا المنزل، أ منزل أنزلكه اللَّه فليس لنا أن نتقدّمه أو نتأخّر عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ فقال: بل الرأي و الحرب و المكيدة. قال: يا رسول اللَّه، إنّ هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله و نغوّر ما وراءه من القلب [ (2)]، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، فنشرب و لا يشربون. فاستحسن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) ذلك من‏

____________

[ (1)] الشن: القربة الصغيرة، أو كلّ آنية من جلد.

[ (2)] القلب: جمع قليب، و هو البئر (تاج العروس 4/ 72) و غوّر البئر، أي دفنها و طمّها و سدّها.

و وردت في بعض الروايات «نعوّر» بالعين، و منه حديث عليّ: أمره أن يغوّر آبار بدر.

54

رأيه، و فعل ما أشار به، و أمر بالقلب فغوّرت، و بنى حوضا و ملأه ماء. و بني لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عريش يكون فيه، و مشى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) على موضع الوقعة، فأرى أصحابه مصارع قريش، يقول: هذا مصرع فلان، و هذا مصرع فلان.

قال: فما عدا واحدا منهم مصرعه ذلك.

ثم بعثت قريش فحزروا المسلمين [ (1)]. و كان فيهم فارسان: المقداد و الزّبير. و أراد عتبة بن ربيعة، و حكيم بن حزام قريشا على الرجوع فأبوا.

و كان الّذي صمّم على القتال أبو جهل. فارتحلوا من الغد قاصدين نحو الماء. فلما [8 ب‏] رآهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مقبلين قال: اللَّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادّك [ (2)] و تكذّب رسولك، اللَّهمّ فنصرك الّذي وعدتني، اللَّهمّ أحنهم [ (3)] الغداة. و قال (صلّى اللَّه عليه و سلم)- و قد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر- إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب [الجمل‏] [ (4)] الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا.

و كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاريّ بعث إلى قريش، حين مرّوا به، بجزائر [ (5)] هديّة، و قال: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاح و رجال فعلنا.

فأرسلوا إليه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الّذي ينبغي، فلعمري لئن كنّا إنّما نقاتل النّاس فما بنا ضعف، و إن كنّا إنّما نقاتل اللَّه، كما يزعم محمد،

____________

[ (1)] حزر الشي‏ء أو القوم: قدّر عددهم بالحدس و التخمين.

[ (2)] حادّه: غاضبه و عاداه.

[ (3)] أحنهم: من الحين و هو الموت و الهلاك، أي أمتهم و أهلكهم. و في الأصل و (ح) (أحتفهم) كأنه فعل من الحتف، و له وجه. و لكنّ الرواية ما أثبتناه كما في ع و أغلب كتب السيرة. (انظر سيرة ابن هشام 4/ 36).

[ (4)] سقطت من الأصل، و أثبتناه من ع، ح. و السيرة 4/ 36.

[ (5)] في ح: «حين مرّوا به ابنا له بجزائر هديّة» و الجزائر: جمع جزور: البعير.

55

ما لأحد باللَّه من طاقة.

فلمّا نزل النّاس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): دعوهم. فما شرب يومئذ رجل إلّا قتل، إلّا ما كان من حكيم بن حزام،

ثم إنّه أسلم بعد، و كان إذا اجتهد في يمينه قال: لا و الّذي نجّاني يوم بدر.

ثم بعثت قريش عمير بن وهب الجمحيّ ليحزر المسلمين. فجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع فقال: هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصونه. و لكن أمهلوني حتى انظر [أ] للقوم كمين أو مدد؟ و ضرب في الوادي، فلم ير شيئا. فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا. و لكن قد رأيت- يا معشر قريش- البلايا تحمل المنايا، نواضح [ (1)] يثرب تحمل الموت النّاقع. قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ إلّا سيوفهم، و اللَّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.

فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في النّاس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنّك كبير قريش و سيّدها و المطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر؟ قال: و ما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع النّاس، و تحمل أمر حليفك عامر [ (2)] بن الحضرميّ. قال: قد فعلت. أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي فعليّ عقله و ما أصيب من ماله. فائت ابن الحنظليّة- و الحنظليّة أمّ أبي جهل- فإنّي لا أخشى أن يشجر [ (3)] أمر النّاس‏

____________

[ (1)] النّواضح: جمع ناضح: البعير، أو غيره، الّذي يستقى عليه الماء.

[ (2)] في الأصل: عمرو، خطأ سيصوبه بعد قليل. و كذا في سيرة ابن هشام بالصيغتين 3/ 37.

[ (3)] في الأصل: يسحر، و في ع (يسجر) و أثبتنا رواية ح. و يشجر فلان أمر النّاس أي يثير التخاصم و التنازع بينهم. (تاج العروس 12/ 140).

56

غيره. ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنّكم و اللَّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا و أصحابه شيئا. و اللَّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النّظر إليه، قتل ابن عمّه و ابن خاله أو رجلا من عشيرته.

فارجعوا و خلّوا بين محمد و بين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك، و إن كان غير ذلك أكفاكم و لم تعرّضوا منه ما تريدون.

قال حكيم: فأتيت أبا جهل فوجدته قد شدّ درعا من جرابها فهو يهيّؤها قلت: يا أبا الحكم، إنّ عتبة قد أرسلني بكذا و كذا. فقال: انتفخ و اللَّه سحره [ (1)] حين رأى محمدا و أصحابه. كلّا، و اللَّه لا نرجع حتى يحكم اللَّه بيننا و بين محمد. و ما بعتبة ما قال، و لكنّه قد رأى محمدا و أصحابه أكلة جزور، و فيهم ابنه قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالنّاس، و قد رأيت [9 أ] ثأرك بعينك، فقم فأنشد خفرتك [ (2)] و مقتل أخيك. فقام عامر فكشف رأسه و صرخ:

وا عمراه، وا عمراه. فحميت الحرب [ (3)] و حقب [ (4)] أمر النّاس و استوسقوا [ (5)] على ما هم عليه من الشرّ. و أفسد على النّاس رأي عتبة الّذي دعاهم إليه.

فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ و اللَّه سحره، قال: سيعلم مصفّر استه [ (6)] من انتفخ سحره. ثم التمس عتبة بيضة لرأسه، فما وجد في الجيش‏

____________

[ (1)] السّحر: الرئة، و يقال للجبان الّذي ملأ الخوف جوفه: انتفخ سحره. (تاج العروس 11/ 510، 511).

[ (2)] الخفرة: الذمّة و الجوار. و انشد خفرتك، أي أطلب من يجيرك. (تاج العروس 11/ 205).

[ (3)] في ح: (نار الحرب).

[ (4)] حقب: فسد و احتبس (تاج العروس 2/ 298).

[ (5)] استوسقوا: استجمعوا و انضمّوا.

[ (6)] مصفر استه: كلمة تقال في الشتم، أو تقال للمتنعّم المترف الّذي لم تحنّكه التجارب و الشدائد.

57

بيضة تسعه من عظم هامته، فاعتجر [ (1)] على رأسه ببرد له.

و خرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ- و كان شرسا سيّئ الخلق- فقال: أعاهد اللَّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه. و أتاه فخرج إليه حمزة بن عبد المطّلب، فالتقيا فضربه حمزة فقطع ساقه، و هو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما. ثم جاء إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبرّ يمينه، و اتّبعه حمزة فقتله في الحوض.

ثم إنّ عتبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شيبة، و ابنه الوليد بن عتبة، و دعوا للمبارزة، فخرج إليه عوف و معوّذ ابنا عفراء و آخر من الأنصار.

قالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): قم يا عبيدة بن الحارث، و يا حمزة، و يا عليّ. فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فتسمّوا لهم. فقال:

أكفاء كرام. فبارز عبيدة- و كان أسنّ القوم- عتبة، و بارز حمزة شيبة، و بارز عليّ الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. و أمّا عليّ فلم يمهل الوليد أنّ قتله. و اختلف عتبة و عبيدة بينهما ضربتين: كلاهما أثبت [ (2)] صاحبه. و كرّ عليّ و حمزة على عتبة فدفّفا [ (3)] عليه. و احتملا عبيدة إلى أصحابهما [ (4)].

ثم تزاحف الجمعان. و قد أمر النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم و قال: انضحوهم عنكم بالنّبل. و هو (صلّى اللَّه عليه و سلم) في العريش، معه أبو بكر.

و ذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان. ثم عدّل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

____________

[ (1)] الاعتجار: ليّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك. و العجرة، بالكسر: نوع من العمّة، يقال: فلان حسن العجرة (تاج العروس 12/ 538).

[ (2)] أثبته: اصابه بحيث لا يتحرّك.

[ (3)] دفّف عليه: أجهز عليه، و مثلها ذفّف.

[ (4)] انظر الخبر في المغازي لعروة بن الزبير- ص 140، 141.

58

الصفوف بنفسه، و رجع إلى العريش و معه أبو بكر فقط. فجعل يناشد ربّه و يقول: يا ربّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض. و أبو بكر يقول: يا نبيّ اللَّه، بعض مناشدتك ربّك. فإنّ اللَّه منجز لك ما وعدك. ثم خفق [ (1)] (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فانتبه و قال: أبشر يا أبا بكر، أتاك النّصر، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع.

فرمي مهجع- مولى عمر- بسهم، فكان أوّل قتيل في سبيل اللَّه. ثم رمي حارثة بن سراقة النّجّاريّ بسهم و هو يشرب من الحوض، فقتل.

ثم خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى الناس يحرّضهم على القتال. فقاتل عمير ابن الحمام حتى قتل. ثم قاتل عوف بن عفراء- و هي أمّه- حتى قتل‏

ثم إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رمى المشركين بحفنة من الحصباء و قال: شاهت الوجوه. و قال لأصحابه: شدّوا [ (2)] عليهم. فكانت الهزيمة، و قتل اللَّه من قتل من صناديد الكفر: فقتل سبعون و أسر مثلهم.

و رجع النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى العريش. و قام سعد بن معاذ على الباب [9 ب‏] بالسّيف في نفر من الأنصار، يخافون على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كرّة العدوّ.

ثم قال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) لأصحابه:

إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله، و من لقي أبا البختري بن هاشم بن الحارث [ (3)] فلا يقتله، و من‏

____________

[ (1)] خفق: نعس نعسة ثم تنبه.

[ (2)] في الأصل: (صدوا) و التصحيح من ع. ح. و السيرة 3/ 39.

[ (3)] أبو البختريّ: هو العاص بن هاشم بن الحارث، و قيل: ابن هاشم. و هو الّذي ضرب أبا جهل بلحى بعير فشجّه حين أراد أن يمنع ابن أخي السيّدة خديجة من الوصول إليها، و هي مع النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) في الشعب، و كان يحمل قمحا يريد به عمّته. لذلك قيل إنّه كان أكفّ القوم عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) الإصابة 3/ 124).

59

لقي العبّاس فلا يقتله فإنّه إنّما خرج مستكرها. فقال أبو حذيفة [ (1)]: أ نقتل آباءنا و إخواننا و نترك العبّاس؟ و اللَّه لئن لقيته لألحمنّه [ (2)] بالسيف. فبلغت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال لعمر: يا أبا حفص [ (3)]، أ يضرب وجه عمّ رسول اللَّه [ (4)]؟

فقال عمر: دعني فلأضرب عنق هذا المنافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، و لا أزال منها خائفا، إلّا أن تكفّرها عنّي الشهادة. فاستشهد يوم اليمامة.

و كان أبو البختريّ أكفّ القوم عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قام في نقض الصّحيفة. فلقيه المجذّر بن ذياد [ (5)] البلوي حليف الأنصار، فقال: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قد نهانا عن قتلك. فقال: و زميلي جنادة الليثيّ؟ فقال المجذّر: لا و اللَّه ما أمرنا إلّا بك وحدك. فقال: لأموتنّ أنا و هو، لا يتحدّث عنّي نساء مكة أنّي تركت زميلي حرصا على الحياة. فاقتتلا، فقتله المجذّر. ثم أتى النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: و الّذي بعثك بالحقّ لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلني.

و عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه عنه قال: كان أميّة بن خلف صديقا لي بمكة. قال فمررت به و معي أدراع قد استلبتها، فقال لي: هل لك فيّ، فأنا خير لك من الأدراع؟ قلت: نعم، ها اللَّه إذن. و طرحت‏

____________

[ (1)] هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، من فضلاء الصّحابة، و من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) دار الأرقم. و شهد بدرا و ما بعدها، و هاجر الهجرتين إلى الحبشة و المدينة. قتل يوم اليمامة شهيدا و هو ابن ثلاث- أو أربع- و خمسين سنة. (الإصابة 4/ 42، 43 رقم 264).

[ (2)] ألحمه السيف: أي أمكن منه لحمه. و لحمه: ضربه. و رواية ابن هشام «لألحمنّه السيف» قال: و يقال «لألجمنّه السيف» بالجيم. (السيرة 3/ 39)

[ (3)] في طبعة القدسي 38 «أيا حفص».

[ (4)]

في ح و في السيرة 3/ 39 «أ يضرب وجه عمّ رسول اللَّه بالسيف»؟

[ (5)] المحبّر 74، 177، و 467، المشتبه للذهبي 2/ 573.

60

الأدراع، فأخذت بيده و يد ابنه، و هو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أما لكم حاجة في اللّبن؟ يعني: من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللّبن. ثم جئت أمشي بهما، فقال لي أميّة: من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟

قلت: حمزة. قال: ذاك الّذي فعل بنا الأفاعيل. فو اللَّه إنّي لأقودهما، إذ رآه بلال، و كان يعذّب بلالا بمكة، فلما رآه قال: رأس الكفر أميّة بن خلف؟

لا نجوت إن نجا [ (1)]. قال: أ تسمع يا بن السّوداء ما يقول؟ ثم صرخ بلال بأعلى صوته: يا أنصار اللَّه، رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا.

قال: فأحاطوا بنا، و أنا أذبّ عنه. فأخلف رجل السّيف، فضرب رجل ابنه فوقع، فصاح أميّة صيحة عظيمة، فقلت: أنج بنفسك، و لا نجاء، فو اللَّه ما أغني عنك شيئا. فهبروهما بأسيافهم. فكان يقول: رحم اللَّه بلالا، ذهبت أدراعي، و فجعني بأسيريّ.

و روى ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما، عن رجل من غفار قال: أقبلت أنا و ابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، و نحن مشركان، ننتظر الدائرة على من تكون، فننتهب [ (2)]. فبينما نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعت فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم [ (3)]. فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه [10 أ] فمات مكانه، و أمّا أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.

رواه عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاس.

و روى الّذي بعده [ (4)] ابن حزم عمّن حدّثه من بني ساعدة عن أبي أسيد

____________

[ (1)] زاد في ح بعد هذا: «قلت: أي بلال، أ بأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا». و انظر:

السيرة 3/ 41.

[ (2)] في ح: فننتهب مع من ينتهب. و انظر السيرة 3/ 41.

[ (3)] حيزوم: اسم فرس جبريل (عليه السلام)، و قيل اسم فرس من خيل الملائكة.

[ (4)] هكذا في الأصل و سائر النّسخ،

61

مالك بن ربيعة قال: لو كان معي بصري و كنت ببدر لأريتكم [ (1)] الشّعب الّذي خرجت منه الملائكة [ (2)].

قال ابن إسحاق: فحدّثني أبي، عن رجال، عن أبي داود المازني قال: إنّي لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنّه قتله غيري.

و عن ابن عبّاس قال: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر.

و أمّا أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحرجة- و هو الشجر الملتفّ-، و بقي أصحابه يقولون: أبو الحكم لا يوصل إليه. قال معاذ بن عمرو بن الجموح: فلمّا سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربت ضربة أطنّت [ (3)] قدمه بنصف ساقه. فو اللَّه ما أشبهها حين طارت [ (4)] إلّا بالنّواة تطيح من تحت مرضخة النّوى [ (5)] حين تضرب بها.

فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدة من جنبي، و أجهضني القتال عنه [ (6)]. فلقد قاتلت عامّة يومي، و إنّي لأسحبها خلفي.

فلما آذتني وضعت عليها قدمي. ثم تمطّيت بها عليها حتى طرحتها. قال:

ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان.

ثم مرّ بأبي جهل معوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، و تركه و به رمق.

و قاتل معوّذ حتى قتل. و قتل أخوه عوف قبله. و اسم أبيهما: الحارث بن‏

____________

[ (1)] في طبعة القدسي 40 «لأريت لكم».

[ (2)] و في السيرة 3/ 41 «لا أشك فيه و لا أتمارى».

[ (3)] أطنّت قدمه: أطارتها.

[ (4)] في ح: طاحت. و السيرة 3/ 42.

[ (5)] المرضخة و المرضحة: حجر يرضخ به النّوى. (أي يكسر) (تاج العروس 7/ 258).

[ (6)] أجهضه عن الأمر: أعجله عنه.

62

رفاعة بن الحارث الزّرقيّ [ (1)].

ثم مرّ عبد اللَّه بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالتماسه، و قال فيما بلغنا: إن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإنّي ازدحمت أنا و هو يوما على مأدبة لعبد اللَّه بن جدعان [ (2)]، و نحن غلامان، و كنت أشفّ منه [ (3)] بيسير، فدفعته، فوقع على ركبته فجحش [ (4)] فيها. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه.

و قد كان ضبث [ (5)] بي مرّة بمكة، فآذاني و لكزني. فقلت له: هل أخزاك اللَّه يا عدوّ اللَّه؟ قال: و بما ذا أخزاني، و هل فوق رجل قتلتموه؟

أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: للَّه و لرسوله. قال لقد ارتقيت، يا رويعي الغنم مرتقى صعبا.

قال فاحترزت رأسه و جئت به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللَّه، هذا رأس عدوّ اللَّه أبي جهل. قال: اللَّه الّذي لا إله غيره؟

قلت: نعم. و ألقيت الرأس بين يدي النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

ثم أمر بالقتلى أن يطرحوا في قليب [ (6)] هناك. فطرحوا فيه إلّا ما كان من أميّة بن خلف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل، فأقرّوه به، و ألقوا عليه التراب فغيّبوه.

____________

[ (1)] الزّرقيّ: نسبة إلى زريق، بطن من الأنصار. (اللباب 2/ 65)

[ (2)] هو عبد اللَّه بن جدعان بن عمرو بن كعب، و هو الّذي اجتمعت قريش في داره و صنع لهم طعاما يوم حلف الفضول، فتعاهدوا و تعاقدوا أن يكونوا مع المظلوم. و في هذا الحلف‏

يقول النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): «ما أحبّ أنّ لي بحلف حضرته بدار ابن جدعان حمر النّعم، و أنّي أغدر به، و لو دعيت به لأجبت». (سيرة ابن هشام 1/ 155).

[ (3)] أشفّ منه: ينقص عنه أو يزيد عليه (من الأضداد).

[ (4)] الجحش: سحج الجلد و قشره من شي‏ء يصيبه، أو كالخدش.

[ (5)] في هامش ح: (ضبث به: أمسكه). و قال الزبيدي 5/ 287: قبض عليه بكفّه.

[ (6)] القليب: البئر (تاج العروس 4/ 72).

63

فلما ألقوا في القليب، وقف عليهم النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) [فقال‏] [ (1)]: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّا.

فقالوا: يا رسول اللَّه أ تنادي أقواما قد جيّفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع [10 ب‏] لما أقول منهم، و لكن لا يستطيعون أن يجيبوا [ (2)].

و في رواية: فناداهم في جوف اللّيل: يا عتبة بن ربيعة، و يا شيبة بن ربيعة، و يا أميّة بن خلف، و يا أبا جهل بن هشام. فعدّد من كان في القليب.

زاد ابن إسحاق: و حدّثني بعض أهل العلم أنّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

يا أهل القليب، بئس عشيرة النّبي كنتم لنبيّكم، كذّبتموني و صدّقني النّاس، و أخرجتموني و آواني النّاس و قاتلتموني و نصرني الناس.

و عن أنس رضي اللَّه عنه:

لما سحب عتبة بن ربيعة إلى القليب نظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في وجه أبي حذيفة ابنه، فإذا هو كئيب متغيّر. فقال: لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شي‏ء؟ قال: لا و اللَّه ما شككت في أبي و لا في مصرعه، و لكنّي كنت أعرف منه رأيا و حلما، فكنت أرجو أن يسلم، فلما رأيت ما أصابه و ما مات عليه أحزنني ذلك. فدعا له النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و قال له خيرا.

و كان الحارث بن ربيعة بن الأسود، و أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، و أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، و عليّ بن أميّة بن خلف، و العاص بن منبّه ابن الحجّاج قد أسلموا. فلما هاجر النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) حبسهم آباؤهم و عشائرهم، و فتنوهم عن الدّين فافتتنوا- نعوذ باللَّه من فتنة الدّين- ثم ساروا مع قومهم يوم‏

____________

[ (1)] سقطت من الأصل، و زدناها من ع، ح. و السيرة 3/ 51.

[ (2)] انظر السيرة 3/ 51 و المغازي لعروة 143، 144.

64

بدر، فقتلوا جميعا. و فيهم نزلت‏ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ [ (1)] الآية.

و عن عبادة بن الصّامت رضي اللَّه عنه قال: فينا أهل بدر نزلت (الأنفال) حين تنازعنا في الغنيمة و ساءت فيها أخلاقنا. فنزعه اللَّه من أيدينا و جعله إلى رسوله. فقسّمه بين المسلمين على السّواء.

ثم بعث النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عبد اللَّه بن رواحة، و زيد بن حارثة، بشير بن إلى المدينة. قال أسامة: أتانا الخبر حين سوّينا على رقيّة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قبرها. كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) خلّفني عليها مع عثمان.

ثم قفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و معه الأسارى، فيهم: عقبة بن أبي معيط و النّضر بن الحارث. فلما خرج من مضيق الصّفراء [ (2)] قسّم النّفل. فلما أتى الرّوحاء لقيه المسلمون يهنّئونه بالفتح. فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الّذي تهنّئوننا به؟ فو اللَّه إن لقينا إلّا عجائز صلعا كالبدن المعقلة [ (3)] فنحرناها.

فتبسّم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و قال: أي ابن أخي، أولئك الملأ. يعني الأشراف و الرؤساء.

ثم قتل النّضر بن الحارث العبدري بالصّفراء. و قتل بعرق الظّبية [ (4)].

عقبة بن أبي معيط. فقال عقبة حين أمر النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بقتله: من للصّبية يا

____________

[ (1)] سورة النّساء: من الآية 97.

[ (2)] الصّفراء: قرية فوق ينبع كثيرة المزارع و النخل. (معجم ما استعجم 3/ 836).

[ (3)] في الأصل و (ح): (المعلقة) و التصحيح من ع و من السيرة 3/ 53. و البدن: جمع بدنة و هي الناقة. و المعلقة: المقيّدة.

[ (4)] عرق الظّبية: هو من الرّوحاء على ثلاثة أميال مما يلي المدينة. و قيل بين مكة و المدينة قرب الرّوحاء. و قيل هو الرّوحاء نفسها، (معجم البلدان) و المغانم المطابة ص 240، و معجم ما استعجم 3/ 903 و 934.

65

محمد؟ قال: النّار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. و قيل: عليّ رضي اللَّه عنه.

و قال حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السّائب عن الشّعبيّ قال:

لما أمر النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بقتل عقبة قال: أ تقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: نعم، أ تدرون ما صنع هذا بي؟ جاء و أنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي [11 أ] و غمزها، فما رفع حتّى ظننت أنّ عينيّ ستندران [ (1)]. و جاء مرّة أخرى بسلى شاة [ (2)] فألقاه على رأسي و أنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي [ (3)].

و استشهد يوم بدر:

مهجع، و ذو الشّمالين عمير بن عبد عمرو الخزاعي، و عاقل بن البكير، و صفوان بن بيضاء، و عمير بن أبي وقّاص أخو سعد، و عبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ الّذي قطع رجله عتبة، مات بعد يومين بالصّفراء. و هؤلاء من المهاجرين.

و عمير بن الحمام، و ابنا عفراء، و حارثة بن سراقة، و يزيد بن الحارث فسحم [ (4)]، و رافع بن المعلّى الزّرقيّ، و سعد بن خيثمة الأوسي، و مبشّر بن عبد المنذر أخو أبي لبابة.

فالجملة أربعة عشر رجلا.

____________

[ (1)] ستسقطان.

[ (2)] سلى الشّاة: الجلد الرقيق الّذي يخرج فيه الولد من بطن أمّه ملفوفا فيه.

[ (3)] روى البخاري في صحيحه قال: «بينما النّبيّ يصلّي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول اللَّه فخنقه خنقا شديدا. فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه و دفعه عن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و قال: (أ تقتلون رجلا أن يقول ربّي اللَّه و قد جاءكم بالبيّنات من ربكم»، و ذكر مسلم هذه الرواية في صحيحة أيضا.

[ (4)] فسحم اسم أمّه، و يقال له يزيد فسحم، و يزيد بن فسحم (المحبّر لابن حبيب 72).

66

و قتل عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و هما ابنا أربعين و مائة سنة. و كان شيبة أكبر بثلاث سنوات.

قال ابن إسحاق: و كان أوّل من قدم مكّة بمصاب قريش: الحيسمان بن عبد اللَّه الخزاعي. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عقبة، و شيبة، و أبو جهل، و أميّة، و زمعة بن الأسود، و نبيه، و منبّه، و أبو البختريّ ابن هشام. فلما جعل يعدّد أشراف قريش قال صفوان بن أميّة و هو قاعد في الحجر: و اللَّه إن يعقل هذا فاسألوه عنّي: فقالوا: ما فعل صفوان؟ قال: ها هو ذاك جالس، قد و اللَّه رأيت أباه و أخاه حين قتلا [ (1)].

و عن أبي رافع مولى النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: كنت غلاما للعبّاس و كان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العبّاس و أسلمت. و كان العبّاس يهاب قومه و يكره الخلاف و يكتم إسلامه، و كان ذا مال كثير متفرّق في قومه. و كان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر بمصاب قريش كبته اللَّه و أخزاه، و وجدنا في أنفسنا قوّة و عزّا، و كنت رجلا ضعيفا، و كنت أنحت الأقداح [ (2)] في حجرة زمزم. فإنّي لجالس أنحت أقداحي، و عندي أمّ الفضل، و قد سرّنا الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه [ (3)] بشرّ، حتى جلس على طنب [ (4)] الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد قدم. فقال أبو لهب: إليّ، فعندك الخبر. قال: فجلس إليه، و الناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي، أخبرني كيف كان أمر النّاس؟ قال: و اللَّه ما هو إلّا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا

____________

[ (1)] السيرة لابن هشام 3/ 54 و انظر المغازي لعروة ص 143.

[ (2)] في ع: (سهام الأقداح) و في ح: (السهام أو الأقداح). و في السيرة 3/ 55 «أعمل الأقداح».

[ (3)] في ع: (رجل).

[ (4)] الطنب: حبل الخباء و السرادق، و يقال: الوتد. (تاج العروس 3/ 278).

67

كيف شاءوا و يأسروننا، و ايم اللَّه ما لمت النّاس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق [ (1)] بين السماء و الأرض، و اللَّه ما تليق [ (2)] شيئا و لا يقوم لها شي‏ء [ (3)].

قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك و اللَّه الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة.

قال: و ثاورته [ (4)]، فحملني و ضرب بي الأرض. ثم برك عليّ يضربني، و كنت رجلا ضعيفا. فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة، فلقت في رأسه شجّة منكرة، و قالت: استضعفته أن غاب عنه سيّده؟ فقام مولّيا ذليلا. فو اللَّه ما عاش إلّا سبع ليال، حتى رماه [11 ب‏] اللَّه بالعدسة [ (5)] فقتلته [ (6)].

و كانت قريش تتّقي هذه العدسة كما يتّقى الطّاعون. حتى قال رجل من قريش لا بنيه: و يحكما؟ أما [ (7)] تستحيان أنّ أبا كما قد أنتن في بيته لا تدفنانه؟ فقالا: نخشى عدوى هذه القرحة. فقال: انطلقا فأنا أعينكما فو اللَّه ما غسّلوه إلّا قذفا بالماء عليه من بعيد. ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار، ثم رضموا [ (8)] عليه الحجارة [ (9)].

رواه محمد بن إسحاق من طريق يونس بن بكير عنه بمعناه. قال:

____________

[ (1)] البلق: جمع أبلق و بلقاء، و هو ما يجتمع فيه البياض و السواد.

[ (2)] ما تليق شيئا، ما تمسكه.

[ (3)] سيرة ابن هشام 3/ 55

[ (4)] ثاورته: واثبته و ساورته. (تاج العروس 10/ 343).

[ (5)] العدسة: بثرة صغيرة شبيهة بالعدسة تخرج بالبدن مفرّقة كالطّاعون فتقتل غالبا و قلّما يسلم منها.

[ (6)] سيرة ابن هشام 3/ 55.

[ (7)] في ع، ح. (ألا).

[ (8)] رضموا عليه الحجارة: وضعوا بعضها فوق بعض.

[ (9)] الروض الأنف 3/ 67.

68

حدّثني الحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبّاس، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: حدّثني أبو رافع مولى النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

و روى عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه قال: ناحت قريش على قتلاها ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا و أصحابه فيشمتوا بكم.

و كان الأسود بن المطّلب قد أصيب له ثلاثة من ولده [ (1)]: زمعة، و عقيل، و الحارث. فكان يحبّ أن يبكي عليهم.

قال ابن إسحاق:

ثم بعثت قريش في فداء الأسارى. فقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو. فقال عمر رضي اللَّه عنه: دعني يا رسول اللَّه أنزع ثنيّتي سهيل [ (2)] فلا يقوم عليك خطيبا في موطن [ (3)] أبدا فقال: لا أمثّل به فيمثّل اللَّه بي، و عسى أن يقوم مقاما لا تذمّه. فقام في أهل مكة بعد وفاة النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بنحو من خطبة أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه، و حسن إسلامه.

و انسلّ [ (4)] المطّلب بن أبي وداعة، ففدى أباه بأربعة آلاف درهم، و انطلق به.

و بعثت زينب بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في فداء زوجها أبي العاص بن الربيع ابن عبد شمس، بمال. و بعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. فلما رآها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رقّ لها، و قال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردّوا عليها [مالها] [ (5)]. قالوا: نعم، يا رسول اللَّه. و أطلقوه.

____________

[ (1)] في ع: (الولد).

[ (2)] زاد في ح: «ليدلع لسانه». أي يخرج من الفم و يسترخي و يسقط على العنقفة كلسان الكلب.

[ (3)] في ح: (موضع) و كتب إزاءها في الهامش (موطن).

[ (4)] انسلّ: انطلق في استخفاء.

[ (5)] سقطت من الأصل و بقيّة النسخ، و زدناها من ابن الملّا.

و رواية ابن سعد «و تردّوا عليها متاعها».

69

فأخذ عليه النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن يخلّي سبيل زينب، و كانت من المستضعفين من النّساء. و استكتمه النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) ذلك. و بعث زيد بن حارثة و رجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجج [ (1)] حتى تمرّ بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها.

و ذلك بعد بدر بشهر

[ (2)].

فلمّا قدم أبو العاص مكّة أمرها باللّحوق بأبيها، فتجهّزت. فقدّم أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا، فركبته و أخذ قوسه و كنانته، ثم خرج بها نهارا يقودها. فتحدّث بذلك رجال، فخرجوا في طلبها. فبرك كنانة و نثر كنانته لمّا أدركوها [ (3)] بذي طوى [ (4)]، فروّعها هبّار بن الأسود [ (5)] بالرّمح. فقال كنانة:

و اللَّه لا يدنو منّي رجل إلّا وضعت فيه سهما. فتكركر النّاس عنه. و أتى أبو سفيان في أجلّة [ (6)] من قريش، فقال: أيّها الرجل كفّ عنّا نبلك حتى نكلّمك. فكفّ. فوقف عليه أبو سفيان فقال: إنّك لم تصب. خرجت بالمرأة على رءوس النّاس علانية، و قد عرفت مصيبتنا و نكبتنا و ما دخل علينا من [12 أ] محمد، فيظن النّاس إذا خرجت بابنته إليه علانية أنّ ذلك على ذلّ أصابنا، و أنّ ذلك منّا وهن و ضعف، و لعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة، و لكن ارجع بالمرأة، حتّى إذا هدأت الأصوات، و تحدّث الناس أنّا رددناها، فسلّها سرّا و ألحقها بأبيها. قال: ففعل. ثم خرج بها ليلا، بعد ليال، فسلّمها إلى زيد و صاحبه. فقدما بها على النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأقامت عنده [ (7)].

____________

[ (1)] بطن يأجج: مكان من مكة على ثمانية أميال، (معجم البلدان).

[ (2)] السيرة 3/ 58.

[ (3)] في ع: (أدركوه).

[ (4)] ذو طوى، مثلثة الطّاء، و الفتح أشهر: موضع قرب مكة، به كان البئر المعروف بالطّوى.

(معجم ما استعجم 3/ 896).

[ (5)] هو: هبّار بن الأسود بن المطّلب بن عبد العزّى.

[ (6)] في الأصل و السيرة 3/ 58: جلّة. و أثبتنا نصّ ع، ح.

[ (7)] سيرة 3/ 58.

70

فلما [كان‏] [ (1)] قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بماله، و بمال كثير لقريش. فلما رجع لقيته سريّة فأصابوا ما معه، و أعجزهم هاربا، فقدموا بما أصابوا. و أقبل أبو العاص في الليل، حتى دخل على زينب، فاستجار بها فأجارته، و جاء في طلب ماله. فلما خرج النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى الصّبح فكبّر و كبّر الناس معه، صرخت زينب من صفّة النّساء: أيّها النّاس إنّي قد أجرت أبا العاص بن الربيع [ (2)].

و بعث النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى السّريّة الذين أصابوا ماله فقال: إنّ هذا الرجل منّا حيث قد علمتم، و قد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا و تردّوا عليه الّذي له، فإنّا نحبّ ذلك. و إن أبيتم فهو في‏ء اللَّه الّذي أفاء عليكم، فأنتم أحقّ به.

قالوا: بل نردّه. فردّوه كلّه. ثم ذهب به إلى مكة، فأدّى إلى كلّ ذي مال ماله. ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد عندي منكم مال؟ قالوا:

لا، فجزاك اللَّه خيرا، فقد وجدناه وفيّا كريما. قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، و أنّ [ (3)] محمداً عبده و رسوله. و اللَّه ما منعني من الإسلام عنده إلّا تخوّف أن تظنّوا أنّي إنّما أردت أكل أموالكم.

ثم قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فعن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما قال: ردّ عليه النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) زينب على النّكاح الأول، لم يحدث شيئا [ (4)].

و من الأسارى: الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، أسره عبد اللَّه ابن جحش، و قيل: سليط المازني.

و قدم في فدائه أخواه: خالد بن الوليد، و هشام بن الوليد، فافتكّاه‏

____________

[ (1)] سقطت من الأصل، و استدركناها من ع، ح.

[ (2)] السيرة 3/ 59، 60.

[ (3)] في ع: (و أشهد أن).

[ (4)] السيرة 3/ 60.