تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج9

- شمس الدين الذهبي المزيد...
689 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

الطبقة الخامسة عشرة

سنة إحدى و أربعين و مائة

فيها توفي أسماء بن عبيد والد جويرية بن أسماء، و أبان بن تغلب [ (1)] الكوفي، و إسحاق بن راشد، و الحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الهاشمي العباسي، و الحسين ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و سعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى ابن سعيد، و ابو إسحاق الشيبانيّ سليمان بن فيروز، و سليمان الأحول قاضي المدائن بخلف فيه، و عاصم الأحول في قول الهيثم بن عديّ، و عثمان البتّي في قول، و القاسم بن الوليد الهمدانيّ الكوفي، و موسى بن عقبة صاحب المغازي، و موسى بن كعب أمير ديار مصر.

و فيها كان ظهور الراوندية.

قال أبو الحسن المدائني: هم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة، يقولون فيما زعم بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم (عليه السلام) حلّت في عثمان بن نهيك، و أن المنصور هو ربّهم الّذي يطعمهم و يسقيهم و أن الهيثم بن معاوية هو جبريل. قال: فأتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به و يقولون: هذا [ (2)]، فقبض المنصور منهم على نحو المائتين من‏

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 1 «ثعلب»، و الصواب «تغلب» بالتاء و الغين المعجمة، كما سيأتي في ترجمته.

و انظر: ابن الأثير 5/ 508.

[ (2)] في تاريخ الطبري 7/ 505: «هذا قصر ربّنا». و كذلك في: الفخري 160.

6

الكبار، فغضب الباقون و قالوا: علام حبسوا؟ ثم عهدوا إلى نعش فخفّوا به، يوهمون أنها جنازة قد اجتمعوا لها، ثم إنهم مرّوا بها على باب السجن فعنده شدّوا على الناس بالسلاح و اقتحموا السجن فأخرجوا أصحابهم الذين قبض عليهم المنصور، و قصدوا نحو المنصور، و هم نحو من ستمائة، فتنادى الناس، و أغلقت المدينة، و خرج المنصور من قصره ماشيا لم يجد فرسا، فأتي بدابّة و هو يريدهم، فجاءه معن بن زائدة فترجّل له و عزم عليه و أخذ بلجام الدابّة، و قال: إنك تكفى يا أمير المؤمنين. و جاء مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر، ثم قاتلوهم حتى أثخنوهم.

و جاء خازم بن خزيمة فقال: يا أمير المؤمنين أقتلهم؟ قال: نعم. فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط، فكرّوا على خازم فهزموه، ثم كرّ عليهم هو و الهيثم بن شعبة بجندهما، و أحاطوا بهم، و وضعوا فيهم السيف فأبادوهم، فلا رحمهم اللَّه.

و قد جاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلّمهم، فرموه بنشّابة، فمرض منها و مات، فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى بن نهيك. و كان هذا كله في المدينة الملقّبة بالهاشمية و هي بقرب الكوفة.

ثم إن المنصور قدم سماطا بعد العصر و بالغ في إكرام معن.

و روى المدائني عن أبي بكر الهذليّ قال: إني لواقف بباب القصر إذ أطلع رجل إلى المنصور فقال: هذا رب العزة الّذي يرزقنا و يطعمنا. قال: فحدّثت المنصور بعد ذلك فقال: يا هذليّ يدخلهم اللَّه النار في طاعتنا و نقتلهم، أحبّ إلينا من أن يدخلهم اللَّه الجنة في معصيتنا.

و عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه سمع المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطآت وقى اللَّه شرّها: قتلت أبا مسلم و أنا في خرق، و من حولي يقدّم طاعته‏

7

و يؤثرها و لو هتكت الخرق لذهبت ضياعا [ (1)]. و خرجت إلى الشام و لو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعا.

و قيل: كان معن بن زائدة ممن قاتل المسوّدة [ (2)] مع ابن هبيرة، فلما قامت دولة المسوّدة اختفى معن إلى أن ظهر يوم الراونديّة، فأبلى يومئذ و برّز حتى كان النصر على يديه، ثم اختفى كما هو، فتطلّبه المنصور و نودي بأمانه فأتي به فأمر له بمال جليل و ولّاه اليمن.

و فيها أمّر المنصور ابنه المهديّ و جعله وليّ عهد المسلمين و بعثه على خراسان و أن ينزل الريّ، ففعل، و بلغ المنصور أن أمير خراسان عبد الجبار الأزديّ يقتل رؤساء الخراسانيين، فقال لأبي أيوب الخوزي: إن هذا قد أفنى شيعتنا و لم يفعل هذا إلا و هو يريد أن يخلع الطاعة. فقال: أكتب إليه أنك تريد غزو الروم فليوجّه إليك الجند و الفرسان، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت، فليس به امتناع، فكتب إليه بذلك فكان جوابه أن الترك قد جاشت، و إن فرّقت الجنود ذهبت خراسان، فكتب المنصور إليه بمشورة أبي أيوب: إن خراسان أهم من غيرها، و إنّي موجّه إليك جيشا مددا من عندي، يريد المنصور بهذا أن عبد الجبار إن همّ بالخروج وثبوا عليه، فكان جوابه: إن خراسان مجدبة و أخاف من الغلاء على الجند. فقال أبو أيوب المنصور: هذا رجل قد أبدى صفحته و قد خلع فلا تناظره [ (3)]، فوجّه إليه خازم بن خزيمة. قال: فجهّز المهدي من الريّ خازم بن خزيمة لحربه مقدّمة، ثم سار المهديّ إلى أن قدم‏

____________

[ (1)] و في تاريخ الطبري 7/ 507: «و خرجت يوم الراونديّة و لو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا».

[ (2)] أصحاب الملابس السوداء، أي العبّاسيين.

[ (3)] أي لا تمهله.

8

نيسابور، فلما بلغ ذلك أهل مروالرّوذ ساروا إلى عبد الجبار فقاتلوه فهزموه، فالتجأ إلى مكان، فعبر إليه المجشّر [ (1)] بن مزاحم بجند مروالرّوذ فأسره، ثم أتى به خازم بن خزيمة فألبسه عباءة و أركبه بعيرا مقلوبا و سيّره إلى المنصور في طائفة من أصحابه و أولاده، فبسط عليهم العذاب، و استخرج منهم الأموال، ثم قتل عبد الجبار و سيّر أولاده إلى جزيرة دهلك [ (2)] ببحر اليمن، فلم يزالوا بها حتى أغارت الهند عليهم فأسروهم و نجا منه عبد الرحمن ولد عبد الجبار، فجاء فكتب في الديوان و بقي بمصر حيا إلى سنة سبعين [ (3)] و مائة.

و فيها انتهى بناء مدينة المصّيصة بتولّي جبريل بن يحيى الخراسانيّ.

و فيها افتتح المسلمون طبرستان و غنموا غنائم عظيمة بعد حروب جرت.

و فيها عزل عن المدينة و مكة زياد بن عبيد اللَّه. ثم ولي المدينة محمد بن خالد بن عبد اللَّه القسريّ، و ولي مكة الهيثم بن معاوية العتكيّ [ (4)].

و حجّ بالناس أمير الشام صالح بن علي العباسي.

و فيها استناب المهديّ عنه على خراسان الأمير أسد بن عبد اللَّه.

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 3 «المحشر». بالحاء المهملة، و ما أثبتناه عن الطبري 7/ 509.

[ (2)] في الأصل «هلك» و التصحيح من الطبري 7/ 509 و ابن الأثير 5/ 506.

[ (3)] في نسخة القدسي 6/ 3 «تسعين» و التصحيح من الطبري 7/ 509 و ابن الأثير 5/ 506.

[ (4)] في نسخة القدسي 6/ 3 «العكي» و التصحيح من الطبري 7/ 511 و ابن الأثير 5/ 507.

9

سنة اثنتين و أربعين و مائة

فيها توفي أسلم المنقري، و حبيب بن أبي عمرة القصاب، و الحسن بن عبيد اللَّه، و الحسن بن عمرو الفقيمي، و أبو هانئ حميد بن هاني الخولانيّ المصري، و حميد الطويل في قول. و خالد الحذّاء، و سعد بن إسحاق بن كعب في قول، و الأمير سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، و عاصم بن سليمان الأحول بخلف، و عمرو بن عبيد المعتزلي فيها أو في سنة ثلاث، و محمد بن أبي إسماعيل الكوفي، و هارون بن عنترة.

و فيها نزع الطاعة متولّي السند عيينة بن موسى بن كعب فخرج المنصور بالجيش فنزل البصرة و جهّز عمر بن حفص العتكيّ محاربا و متولّيا على السند و الهند فسار حتى غلب على السند و استوثق له الأمر.

و فيها نقض أصبهبذ طبرستان و قتل من ببلاده من المسلمين، فانتدب له خازم بن خزيمة و روح بن حاتم و أبو الخصيب مرزوق مولى المنصور، فحاصروه في قلعته، و طال الحصار، و لم يزالوا إلى أن احتال مرزوق، فقال لأصحابه:

اضربوني و احلقوا رأسي و لحيتي، ففعلوا ذلك فلحق بالأصبهبذ ففتح له فدخل إليه. فقال: إنما فعلوا بي ما رأيت تهمة منهم لي بأنّ هواي معك،

10

و أخبره بأنه معه فإنه يدلّه على عورة العسكر، فوثق به و قرّبه. و كان باب قلعته حجرا [ (1)]، فلم يزل يظهر له النصيحة و الأصبهبذ يغترّ إلى أن صيّره أحد من يتولّى الباب فرأى منه ما يحب: ثم نفّذ مرزوق إلى العسكر في نشّابة [ (2)] و وعدهم ليلة معيّنة في فتح باب الحصن، ثم فعل ذلك، و دخلوا و قتلوا المقاتلة و سبوا الحريم، فمصّ الأصبهبذ سما في خاتمه فهلك من جملة السبي شكلة والدة إبراهيم بن المهدي من بنات الأمراء و والدة منصور بن المهدي المعروفة بالخيّرة من بنات الملوك.

و فيها عزل عن إمرة مصر نوفل بن الفرات بمحمد بن الأشعث، ثم عزل محمد و أعيد نوفل ثم عزل ثانيا فوليها حميد بن قحطبة.

و فيها حج بالناس إسماعيل بن علي. و قيل: فيها استعمل المنصور أخاه عبّاسا على بلاد الجزيرة و الثغر.

و فيها كان توثّب العبيد بالبصرة فانتدب لهم صاحب الشرطة فقتلهم.

و فيها ولي محمد بن أبي عيينة بن المهلّب بن أبي صفرة البحر فنزل مدينة قيس، و هي جزيرة في البحر، فجاءته مراكب الهنود فلم يخرج إليهم، فخرج ابنه فقتل و قتل معه طائفة، ثم هرب محمد منها فدخلها العدو فخرّبوها.

____________

[ (1)] في تاريخ الطبري 7/ 513: «كان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال، و تضعه عند فتحه و إغلاقه»، و مثله في الكامل لابن الأثير 5/ 510.

[ (2)] أي ألقى إليهم كتابا في سهم.

11

قال خليفة بن خياط [ (1)]: فهي خراب إلى اليوم.

قلت: هي اليوم عامرة يسافر إليها التجار و هي جزيرة كيش كذا ينطقون بها.

____________

[ (1)] تاريخ خليفة بن خياط- ص 419 (حوادث سنة 141 ه.).

12

سنة ثلاث و أربعين و مائة

فيها توفي حجّاج بن أبي عثمان الصوّاف، و حميد الطويل على الصحيح، و حيي بن عبد اللَّه المعافري، و خطّاب بن صالح المدني، و عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني، و عبد الرحمن بن عطاء المدني، و عبد الرحمن بن ميمون المدني بمصر، و علي بن أبي طلحة مولى بني هاشم. و ليث بن أبي سليم في قول، و مطرف بن طريف في قول، و يحيى بن سعيد الأنصاري.

و فيها سار أبو الأحوص العبديّ في ستة آلاف فارس من مصر إلى افريقية فنزل برقة ثم التقى هو و أبو الخطاب الإباضي فانهزم أبو الأحوص، فسار أمير مصر بنفسه و جيوشه و هو محمد بن الأشعث فالتقى هو و الإباضيّة فقتل في المصافّ أبو الخطاب، و انهزموا [ (1)].

و فيها بلغ المنصور أن الديلم قد أوقعوا بالمسلمين و قتلوا منهم خلائق فندب الناس للجهاد [ (2)].

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 420.

[ (2)] تاريخ الطبري 7/ 515، ابن الأثير 5/ 512.

13

و فيها عزل الهيثم عن مكة بالسريّ بن عبد اللَّه بن الحارث بن العباس العبّاسي فأتي بكتاب عهده و هو في اليمامة.

و فيها عزل عن مصر حميد بن قحطبة و أعيد نوفل ثالثا، ثم عزل نوفل و وليها يزيد بن حاتم الأزدي.

و حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي أمير الكوفة.

و في هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث و الفقه و التفسير، فصنّف ابن جريج التصانيف بمكة، و صنف سعيد بن أبي عروبة، و حماد بن سلمة و غيرهما بالبصرة، و صنّف الأوزاعي بالشام، و صنّف مالك الموطّأ بالمدينة، و صنّف ابن إسحاق المغازي، و صنّف معمر باليمن، و صنّف أبو حنيفة و غيره الفقه و الرأي بالكوفة، و صنّف سفيان الثوري «كتاب الجامع»، ثم بعد يسير صنّف هشيم كتبه، و صنّف الليث بمصر و ابن لهيعة ثم ابن المبارك و أبو يوسف و ابن وهب. و كثر تدوين العلم و تبويبه، و دوّنت كتب العربية و اللغة و التاريخ و أيام الناس. و قبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة. فسهل و للَّه الحمد تناول العلم، و أخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله.

14

سنة اربع و أربعين و مائة

فيها توفي إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة أحد الضعفاء، و إسماعيل بن أبي أميّة في قول، و أسيد بن عبد الرحمن الفلسطيني، و أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، و سعيد الجريريّ. و سليمان التيمي في قول. و عبد اللَّه بن حسن بن حسن في قول. و عبد اللَّه بن أبي سبرة المدني. و عبد اللَّه بن شبرمة الفقيه. و عقيل بن خالد الأيلي. و عبد الأعلى بن السمح الفقيه بمصر. و عمرو ابن عبيد في قول. و مجالد بن سعيد. و هلال بن حباب. و واصل بن السائب الرقاشيّ. و يزيد بن أبي مريم الدمشقيّ.

و فيها غزا محمد بن السفاح الديلم بجيش الكوفة و البصرة و واسط و الجزيرة.

و فيها قدم المهدي من خراسان فدخل بابنة عمه ريطة بنت السفاح.

و فيها حج المنصور و خلف على العساكر خازم بن خزيمة فاستعمل على المدينة رياح بن عثمان المرّي و عزل محمدا القسريّ.

و كان المنصور قد أهمّه شأن محمد و إبراهيم ابني عبد اللَّه بن حسن بن الحسن‏

15

ابن علي بن أبي طالب لتخلّفهما عن الحضور عنده مع الأشراف، فقيل إن محمدا ذكر أن المنصور لما حج في حياة أخيه السفاح كان ممن بايع له ليلة اشتور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني أمية فسأل المنصور زيادا متولّي المدينة عن ابني عبد اللَّه بن حسن. فقال: ما يهمك يا أمير المؤمنين من أمرهما أنا آتيك بهما، فضمّنه إياهما في سنة ست و ثلاثين و مائة [ (1)].

قال عبد العزيز بن عمران: حدثني عبد اللَّه بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال: لما استخلف المنصور لم يكن همه إلا طلب محمد و المسألة عنه بكل طريق، فدعا بني هاشم واحدا واحدا كلهم يخليه و يسأله عنه فيقولون:

يا أمير المؤمنين قد علم أنك قد عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك و هو الآن لا يريد لك خلافا و لا معصية. و أما حسن بن زيد فأخبره بأمره و قال: لا آمن أن يخرج. فذكر يحيى البرمكي أن المنصور اشترى رقيقا من رقيق الأعراب فكان يعطي الرجل منهم البعير و البعيرين و فرّقهم في طلب محمد بن عبد اللَّه بأطراف المدينة يتجسّسون أمره و هو مختف.

و ذكر السندي مولى المنصور قال: رفع عقبة بن مسلم الأزديّ عند المنصور واقعة و ذلك أن عمر بن حفص أوفد من السند وفدا فيهم عقبة فأعجب المنصور هيئته فاستخلى به و قال: إني لأرى لك هيئة و موضعا و إني لأريدك لأمر و أنا به معنى لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكون، فإن كفيتنيه رفعتك. فقال: أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين فيّ. قال: فاخف شخصك و استر أمرك و أتني يوم كذا، فأتاه في الوقت المعين. فقال له: إن بني عمّنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا لملكنا و اغتيالا له و لهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم و يرسلون إليهم بصدقات أموالهم فاخرج إليهم بكسوة و ألطاف حتى تأتيهم بكتاب مبتكر

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 7/ 518.

16

تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير إلى بلادهم فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب و اللَّه بهم و أقرب و إن كانوا على رأيهم علمت ذلك و كنت على حذر فاشخص حتى تلقى عبد اللَّه بن حسن متقشّفا متخشّعا فإن جبهك- و هو فاعل- فاصبر حتى يأنس بك و يلين لك ناحيته. فإذا ظهر لك ما في قلبه [ (1)] فأعجل عليّ.

قال: فشخص عقبة حتى قدم على عبد اللَّه فلقيه بالكتاب فأنكره و انتهره و قال: ما أعرف هؤلاء، فلم يزل ينصرف و يعود إليه حتى قبل الكتاب و ألطافه و أنس به فسأله عقبة الجواب، فقال: أما الكتاب فإنّي لا أكتب إلى أحد، و لكن أنت كتابي إليهم، فسلّم عليهم و أخبرهم أن ابنيّ خارجان لوقت كذا و كذا. فأسرع عقبة بهذا إلى المنصور.

و قيل: كان محمد و إبراهيم ابنا عبد اللَّه منهومين بالصيد.

و قال المدائني: قدم محمد البصرة مختفيا في أربعين رجلا فأتى عبد الرحمن ابن عثمان بن عبد الرحمن بن هشام فقال له عبد الرحمن: أهلكتني و شهّرتني فانزل عندي و فرّق أصحابك، فأبى عليه فقال: أنزل في بني راسف، ففعل.

و قال غيره: أقام محمد يدعو الناس سرا.

و قيل: نزل على عبد اللَّه بن سفيان المرّي، ثم خرج بعد ستة أيام فسار المنصور حتى نزل الجسر.

و كان المنصور لما حج سنة أربعين و مائة أكرم عبد اللَّه بن الحسن ثم قال لعقبة: تراءى له ثم قال: يا أبا محمد قد علمت ما أعطيتني من العهود أن لا تبغي سوءا. قال: فأنا على ذلك، فاستدار له عقبة حتى قام بين يديه فأعرض عنه فأتاه من ورائه فغمزه بإصبعيه فرفع رأسه بغتة فملأ عينه منه فوثب حتى جلس‏

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 7 «ما قبله» و التصحيح عن الطبري 7/ 120.

17

بين يدي المنصور، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك اللَّه. قال: لا أقالني اللَّه إن أقلتك ثم سجنه.

و جاء من وجه آخر أن المنصور أقبل على عبد اللَّه، فقال: أرى ابنيك قد استوحشا مني و إني لأحب أن يأنسا بي و أن يأتياني فأخلطهما بنفسي، فقال:

و حقّك يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم و لا بموضعهما و لقد خرجا عن يدي.

فبقي في سجن المنصور ثلاثة أعوام.

و قيل: إن محمدا و إبراهيم همّا باغتيال المنصور بمكة و واطأهما قائد كبير من قوّاده فنمي الخبر إلى المنصور، فاحترز و طلب القائد فهرب، و أقبل أبو جعفر المنصور يلحّ في طلب محمد حتى أعياه و جعل زياد بن عبيد اللَّه يدافع عن محمد، فقبض المنصور على زياد و استأصل أمواله و استعمل على المدينة محمد بن خالد القسريّ و أمره ببذل الأموال في طلب محمد و أخيه، فبذل أكثر من مائة ألف دينار فلم يصنع شيئا و لا قدر عليهما فاتّهمه المنصور، فعزله، و ولىّ رياح بن عثمان بن حيّان المرّي، فدعا القسريّ فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي و هو أعلم بها فقال: أسألك و تحيلني على كاتبك! فأمر به رياح فوجئت عنقه و ضرب أسواطا ثم بسط العذاب على كاتبه و على مولاه فأسرف و جدّ في طلب محمد بن عبد اللَّه فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى و هو جبل جهينة من أعمال ينبع. قال: فاستعمل على ينبع عمرو بن عثمان الجهنيّ و أمره بتطلّب محمد، فخرج عمرو إليه ليلة بالرجال ففزع محمد و فر منهم، فانفلت، و له ابن صغير، ولد له هناك من جارية فوقع الطفل من الجبل من يد أمه فتقطّع، فقال محمد بن عبد اللَّه:

منخرق السّربال يشكو الوجى‏* * * تنكبه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف و أزرى [ (1)] به‏* * * كذاك من يكره حرّ الجلاد

____________

[ (1)] في تاريخ الطبري 7/ 535 «فازرى».

18

قد كان في الموت له راحة* * * و الموت حتم في رقاب العباد

فلما طال أمر الأخوين على المنصور أمر رياحا بأخذ بني حسن و حبسهم، فأخذ حسنا و إبراهيم ابني حسن بن حسن و حسن بن جعفر بن حسن بن حسن، و سليمان و عبد اللَّه ابني داود بن حسن بن حسن، و أخاه عليّا العابد، ثم قيّدهم و جهر على المنبر بسبّ محمد بن عبد اللَّه و أخيه فسبّح الناس و عظّموا ما قال، فقال رياح: ألصق اللَّه بوجوهكم الهوان لأكتبنّ إلى خليفتكم غشّكم و قلّة نصحكم، فقالوا: لا سمع منك يا بن المحدودة [ (1)] و بادروه يرمونه بالحصى، فنزل و اقتحم دار مروان و أغلق الباب، فحفّ بها الناس فرموه و شتموه، ثم أنهم كفوا، ثم إن آل حسن حملوا في أقيادهم إلى العراق، و لما نظر إليهم جعفر الصادق و هم يخرج بهم من دار مروان جرت دموعه على لحيته، ثم قال: و اللَّه لا تحفظ للَّه حرمة بعد هؤلاء، و أخذ معهم أخوهم من أمهم محمد ابن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان و هو ابن فاطمة بنت الحسين.

و قال الواقدي: أنا رأيت عبد اللَّه بن حسن و أهل بيته يخرجون من دار مروان و هم في الحديد فيجعلون في المحامل عراة ليس تحتهم وطاء و أنا يومئذ قد راهقت الاحتلام.

قال الواقدي: قال عبد الرحمن بن أبي الموالي- و أخذ معهم يومئذ نحو من أربعمائة نفس من جهينة و مزينة و غيرهم، فأراهم بالرّبذة ملتفين في الشمس- و سجنت مع عبد اللَّه بن حسن فوافى المنصور الرّبذة منصرفا من الحج فسأل عبد اللَّه بن حسن من المنصور أن يأذن له في الدخول فامتنع، ثم دعاني المنصور من بينهم فأدخلت عليه و عنده عمه عيسى بن عليّ فسلّمت، فقال المنصور: لا سلّم اللَّه عليك، أين الفاسقان ابنا الفاسق، فقلت: هل ينفعني‏

____________

[ (1)] في تاريخ الطبري 7/ 537 «لا نسمع منك يا بن المحدود».

19

الصدق يا أمير المؤمنين؟ قال: و ما ذاك؟ قلت: امرأتي طالق و عليّ و عليّ إن كنت أعرف مكانهما، فلم يقبل مني، و أقمت بين العقابين، فضربني أربعمائة سوط، فغاب عقلي و رددت إلى أصحابي، ثم أحضر الديباج و هو محمد بن ابن عبد اللَّه العثماني فسأله عنهما فحلف له، فلم يقبل، و ضربه مائة سوط، و جعل في عنقه غلّا فأتي به إلينا و قد لصق قميصه على جسمه من الدماء، ثم سيّر بنا إلى العراق. فأول من مات بالحبس عبد اللَّه بن حسن، فصلّى عليه أخوه حسن، ثم مات حسن بعده فصلّى عليه الديباج، ثم مات الديباج فقطع رأسه و أرسل مع جماعة من الشيعة ليطوفوا به بخراسان و يحلفوا أن هذا رأس محمد بن عبد اللَّه بن فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوهمون الناس أنه رأس محمد ابن عبد اللَّه بن حسن الّذي كانوا يجدون في الكتب خروجه فيما زعموا على أبي جعفر.

و قيل: لما أتي بهم المنصور نظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن فقال:

أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم. قال: أما و اللَّه لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك، ثم أمر باسطوانة فنقرت، ثم أدخل فيها ثم شدّ عليه و هو حي، و كان محمد من أحسن الناس صورة.

و قيل: إن المنصور قتل محمد بن عبد اللَّه الديباج و جاء من غير وجه أنه قتله فاللَّه أعلم.

و روى عن موسى بن عبد اللَّه بن حسن. قال: ما كنا نعرف في الحبس أوقات الصلاة إلا بأجزاء كان يقرؤها علي بن الحسن.

و قيل: إن المنصور أمر بقتل عبد اللَّه بن حسن سرا.

و قال ابن عائشة: سمعت مولى لبني دارم قال: قلت لبشير الرحّال:

ما تسرّعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنه أرسل إليّ بعد أخذه عبد اللَّه‏

20

ابن حسن، فأتيته، فأمرني بدخول بيت فدخلته فإذا بعبد اللَّه بن حسن مقتولا.

فسقطت مغشيّا عليّ، فلما أفقت أعطيت اللَّه عهدا أن لا يختلف في أمره سيفان إلا و كنت عليه، ثم قلت للرسول الّذي معي من قبله: لا تخبره بما أصابني فيقتلني.

و يقال: إن المنصور سقى السم غير واحد منهم.

21

سنة خمس و أربعين و مائة

توفي فيها محمد بن عبد اللَّه بن حسن، و أخوه إبراهيم قتلا، و الأجلح الكندي، و إسماعيل بن أبي خالد، و إسماعيل بن عبد اللَّه بن جعفر، و أنيس ابن أبي يحيى الأسلمي، و حبيب بن الشهيد، و حجاج بن أرطاة، و الحسن بن ثوبان، و الحسن بن الحسن في سجن المنصور، و رؤبة بن العجاج التميمي، و عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، و عبد الملك بن أبي سليمان الكوفي، و عمر بن عبد اللَّه مولى عفرة، و عمرو بن ميمون بن مهران الجريريّ، و محمد ابن عبد اللَّه الديباج، و محمد بن عمرو بن علقمة، و هشام بن عروة في قول، و يحيى بن الحارث الذماري، و نصر بن حاجب الخراساني، و يحيى بن سعيد أبو حيّان التيمي.

و فيها بالغ رياح و الي المدينة في طلب محمد بن عبد اللَّه حتى أخرجه. فعزم على الظهور، فدخل مرة المدينة خفية.

فعن الفضل بن دكين قال: بلغني أن عبيد اللَّه بن عمر و ابن أبي ذئب و عبد الحميد بن جعفر قد دخلوا عليه فقالوا: ما تنتظر بالخروج، و اللَّه ما نجد في هذه البلدة أشأم عليها منك، ما يمنعك أن تخرج، أخرج وحدك، فكان من قصته أن رياحا طلب جعفر بن محمد و بني عمه و جماعة من وجوه قريش‏

22

ليلة، قال راوي القصة: إنّا لعنده، إذ سمعت التكبير فقام رياح فاختفى و خرجنا نحن فكان ظهور محمد بالمدينة في مائتي رجل و خمسين رجلا، فمر بالسوق ثم مر بالسجن، فأخرج من فيه، و دخل داره و أتى على حماره و ذلك في أول رجب، ثم أمر برياح و ابني مسلم فحبسوا بعد أن مانع أصحاب رياح بعض الشي‏ء. و لما خطب محمد حمد اللَّه تعالى، ثم قال: أما بعد، فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو اللَّه أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة للَّه في ملكه و تصغيرا لكعبة اللَّه، و إنما أخذ اللَّه فرعون حين قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ [ (1)] إن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين و الأنصار، اللَّهمّ إنهم قد فعلوا و فعلوا فاحصهم عددا و اقتلهم بددا و لا تغادر منهم أحدا [ (2)].

قال علي بن الجعد: كان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد اللَّه عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور و يخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول: لو التقينا لمال إليّ القوّاد كلهم. و قد خرج معه مثل ابن عجلان و عبد الحميد بن جعفر.

و قال محمد بن سعد: خرج ابن عجلان معه فلما قتل و ولي المدينة جعفر ابن سليمان أتوه بابن عجلان فكلّمه جعفر كلاما شديدا و قال: خرجت مع الكذاب و أمر بقطع يده. فلم ينطق إلا أنه حرّك شفتيه، فقام من حضر من العلماء فقالوا: أصلح اللَّه الأمير، إن ابن عجلان فقيه المدينة و عابدها، و إنما شبّه عليه و ظن أنه المهديّ الّذي جاءت فيه الرواية، و لم يزالوا يرغّبون إليه حتى تركه، و لزم عبيد اللَّه بن عمر ضيعة له و اعتزل فيها، و خرج أخواه عبد اللَّه و أبو بكر مع محمد بن عبد اللَّه و لم يقتلا، عفا عنهما المنصور. و اختفى جعفر الصادق و ذهب إلى مال له بالفرع معتزلا للفتنة (رحمه اللَّه)، ثم إن محمدا

____________

[ (1)] قرآن كريم- سورة النازعات- الآية 24.

[ (2)] انظر الطبري 7/ 558.

23

استعمل عمّاله على المدينة و لم يتخلّف عنه من الوجوه إلا نفر، منهم الضحّاك ابن عثمان و عبد اللَّه بن منذر الخرّميّان، و خبيب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير.

قال سعد بن عبد الحميد بن جعفر: أخبرني غير واحد أن مالكا استفتي في الخروج مع محمد و قيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين و ليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد و لزم مالك بيته.

قال أبو داود السجستاني: كان سفيان الثوري يتكلم في عبد الحميد بن جعفر لخروجه مع محمد و يقول: إن مرّ بك المهديّ و أنت في البيت فلا تحرج إليه حتى يجتمع عليه الناس.

و ذكر سفيان صفّين فقال: ما أدري أخطأوا أم أصابوا.

و قيل: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب و قد شاخ ليبايعه فقال: يا بن أخي، أنت و اللَّه مقتول، كيف أبايعك؟ فارتدع الناس عنه قليلا، فأتته حمادة بنت معاوية بن عبد اللَّه فقالت: يا عم، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم فلا تثبط عنه الناس فيقتل ابن خالي و إخوتي. فأبى إلا أن ينهى عنه، فيقال إنها قتلته، فأراد محمد الصلاة عليه، فقال ابنه عبد اللَّه:

يقتل أبي و تصلّي عليه، فنحّاه الحرس و صلّى محمد. ثم إنه استعمل على مكة الحسن بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر، و على اليمن القاسم بن إسحاق، فقتل القاسم قبل أن يصل إليها، و استعمل على الشام موسى بن عبدة ليذهب إليها و يدعو إلى محمد، فقتل محمد قبل أن يصل موسى. و كان محمد شديد الأدمة جسيما فيه تمتمة.

و روى عباس بن سفيان عن أشياخ له قالوا: لما ظهر محمد قال المنصور لإخوته: إن هذا الأحمق- يعني عبد اللَّه بن علي، و كان في سجنه- لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب فادخلوا عليه فشاوروه و لا تعلموه أنّي أمرتكم،

24

فدخلوا عليه جميعا، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم و ما جاء بكم جميعا و قد هجرتموني من دهر؟ قالوا: استأذنّا أمير المؤمنين فأذن لنا. قال: ليس هذا بشي‏ء فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد. قال: فما ترون ابن سلامة صانعا، يعني المنصور، قالوا: لا ندري. قال: إن البخل قد قتله فمروه أن يخرج الأموال و يعطي الأجناد فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله.

قال: و جهّز المنصور عيسى بن موسى لحرب محمد و كتب إليه‏ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً إلى قوله‏ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ‏ الآية [ (1)]. و لك عهد اللَّه و ميثاقه و ذمته و ذمة رسوله إن تبت و رجعت أؤمّنك و جميع أهل بيتك و أفعل لك و أعطيك ألف ألف درهم و ما سألت من الحوائج [ (2)]، فكتب جوابه إلى المنصور: من المهدي محمد بن عبد اللَّه‏ [طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ‏] إلى قوله‏ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ [ (3)] و أنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت عليّ، فإن الحق حقّنا، و إنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، ثم ذكر شرفه و أبوّته حتى إنّه قال: فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، و ابن أهونهم عذابا في النار، و أنا ابن خير الأخيار، و ابن خير الأشرار، و ابن خير أهل الجنة، و ابن خير أهل النار، و أنا أوفى بالعهد منك لأنك أعطيتني من العهد و الأمان ما أعطيته رجالا قبلي، فأيّ الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد اللَّه بن علي، أم أمان أبي مسلم [ (4)]. فأجابه المنصور: جلّ [ (5)] فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الغوغاء، لم يجعل اللَّه النساء كالعمومة بل جعل العمّ أبا، و أما ما ذكرت من كذا فأمره‏

____________

[ (1)] قرآن كريم- سورة المائدة- الآية 33 و 34.

[ (2)] انظر نص الكتاب في تاريخ الطبري 7/ 566 و ابن الأثير 5/ 536.

[ (3)] قرآن كريم- سورة القصص- الآيات 1- 5.

[ (4)] انظر الطبري 7/ 568 و ابن الأثير 5/ 537 و 538.

[ (5)] في نسخة القدسي 6/ 14 «خل» و التصويب من الطبري 7/ 568 و ابن الأثير 5/ 538.

25

كذا و لقد بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) و له أعمام أربعة فأجاب اثنان، أحدهما أبي، و أبى اثنان، أحدهما أبوك، فقطع اللَّه ولايتهما منه، و لا ينبغي لك و لا لمؤمن أن يفخر بأهل النار. و فخرك بأنك لم تلدك أمة فتعدّيت طورك و فخرت على من هو خير منك إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ما خيار بني أبيك إلا بنو إماء، ما ولد فيكم بعد وفاة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أفضل من علي بن الحسين و هو لأم ولد، و هو خير من جدّك، و ما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي، و جدّته أم ولد، و هو خير من أبيك، و لا مثل ابنه جعفر بن محمد، و هو خير منك، و أما قولك إنكم بنو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإن اللَّه قال في كتابه‏ ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏ [ (1)] و لكنكم بنو ابنته، و أما ما فخرت به من عليّ، و سابقته، فقد حضرت رسول اللَّه الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، و كان في ستة أهل الشورى فتركوه، ثم قتل عثمان و هو به متّهم، و قاتله طلحة و الزبير، و أبى سعد بيعته و أغلق دونه بابه، ثم طلبها بكل وجه، و قاتل عليها، و تفرّق عنه عسكره، و شكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكّم حكمين رضي بهما و أعطاهما عهده و ميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم قام بعده حسن فباعها من معاوية بدراهم و ثياب و لحق بالحجاز، و أسلم شيعته بيد معاوية و دفع الأمر إلى غير أهله، و أخذ مالا من غير ولائه [ (2)]، فإن كان لكم فيها شي‏ء فقد بعتموه. ثم خرج الحسين ابن عليّ على ابن مرجانة [ (3)] فكان الناس معه عليه حتى قتلوه ثم خرجتم على بني أميّة فقتلوكم و صلّبوكم حتى قتل يحيى بن يزيد بن علي بخراسان، و قتلوا رجالكم و أسروا الصبية و النساء، و حملوكم [ (4)] بلا وطاء في المحامل إلى الشام‏

____________

[ (1)] قرآن كريم- سورة الأحزاب- الآية 40.

[ (2)] في نسخة القدسي 6/ 15 «ولاته» و التصحيح من الطبري 7/ 570.

[ (3)] هو عبيد اللَّه بن زياد، و أمه مرجانة.

[ (4)] في تاريخ الطبري 7/ 570 «حملوهم».

26

حتى خرجنا على بني أمية فطلبنا بثأركم و أدركنا بدمائكم و فضّلنا سلفكم فاتخذتم ذلك علينا حجة. و ظننت إنما ذكرنا أباك و فضّلناه للتقدمة منا له على حمزة و العباس و جعفر، و ليس كما ظننت، و لقد خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، مجتمع عليهم بالفضل، و ابتلي أبوكم بالقتال و الحرب، فكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة فاحتججنا له و ذكرنا فضله رضي اللَّه عنه [ (1)].

و كان محمد قد أخرج من السجن بالمدينة محمد بن خالد القسريّ، فرأى القسريّ أن الأمر ضعيف، فكتب إلى المنصور في أمره، فبلغ محمدا فحبسه.

قال ابن عساكر: ذبح ابن حضير أحد أعوان محمد رياح بن عثمان في هذه السنة [ (2)]. و أما ابن معاوية فلما مضى إلى مكة كان في سبعين راكبا و سبعة أفراس فقاتل السريّ أمير مكة فقتل سبعة من أصحاب السريّ، فانهزم السريّ و دخل ابن معاوية مكة فخطب و نعى اليهم المنصور، و دعا لمحمد، ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به، فجمع جموعا تقدم بها على محمد، فلما كان بقديد بلغه مصرع محمد فانهزم إلى البصرة فلحق بإبراهيم ابن عبد اللَّه حتى قتل إبراهيم.

و ندب المنصور لقتال محمد ابن عمه عيسى بن موسى و قال في نفسه:

لا أبالي أيّهما قتل صاحبه، فجهّز مع عيسى أربعة آلاف فارس، و فيهم محمد ابن السفاح، فلما وصل إلى «فند» [ (3)] كتب إلى أهل المدينة في خرق الحرير يتألّفهم، فتفرّق عن محمد خلق، و سار منهم طائفة لتلقّي عيسى و التحيّز إليه، فاستشار محمد عبد الحميد بن جعفر فقال: أنت أعلم بضعف جمعك و قلّتهم، و بقوة خصمك و كثرة جنده، و الرأي أن تلحق بمصر، فو اللَّه لا يردّك‏

____________

[ (1)] انظر النص في الطبري 7/ 568- 571 و ابن الأثير 5/ 538- 541.

[ (2)] انظر تهذيب التاريخ الكبير لابن عساكر 5/ 334- 346.

[ (3)] فند: بفتح الفاء و سكون النون. اسم جبل بين مكة و المدينة قرب البحر. (ياقوت 4/ 277).

27

عنها رادّ فيقاتل الرجل بمثل رجاله و سلاحه، فصاح جبير بن عبد اللَّه: أعوذ باللَّه أن تخرج من المدينة

و قد ورد أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

(رأيتني في درع حصينة فأوّلتها المدينة) [ (1)].

ثم إنّ محمدا استشار: هل يخندق على نفسه، فاختلف عليه رأي أصحابه، فلما تيقّن قرب عيسى بن موسى منه، حفر خندق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و حفر فيه بيده تأسّيا بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم).

و عن عثمان الزبيري قال: اجتمع مع محمد جمع لم أر أكثر منه، إني لأحسبنا قد كنا مائة ألف، فلما دنا منا عيسى خطبنا محمد فقال: إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد و عدد، و قد حللتكم من بيعتي، فمن أحبّ فلينصرف، قال: فتسلّلوا حتى بقي في شرذمة. و خرج الناس من المدينة بأولادهم إلى الأعوص و الجبال، فلم يتعرّض لهم عيسى، بل جهّز خمسمائة إلى ذي الحليفة يمسكون طريق مكة على محمد، ثم راسله يدعوه إلى الطاعة و أن المنصور قد أمّنه، فأرسل إليه: إياك أن يقتلك من يدعوك إلى اللَّه فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك. فأرسل إليه عيسى: ليس بيننا إلا القتال، فإن أبيت إلا القتال نقاتلك على ما قاتل عليه خير آبائك، عليّ طلحة و الزبير على نكث بيعتهم له [ (2)].

و عن «ماهان» مولى قحطبة قال: لما صرنا إلى المدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة فطاف بعسكرنا حتى حزره، ثم ذهب عنا فرعبنا منه، حتى جعل عيسى و حميد بن قحطبة يقولان: فارس واحد يكون طليعة لأصحابه! فلما كان عنا مدّ البصر نظرنا إليه مقيما لا يزول، فقال حميد: ويحكم انظروا، فوجّه إليه فارسين، فوجدا دابّته عثرت به فتقوّس الجوشن في عنقه فقتله، فأخذا سلبه و رجعا بتنّور مذهّب لم ير مثله [ (3)]. قيل كان لمصعب جدّه أمير

____________

[ (1)] الطبري 7/ 581.

[ (2)] الطبري 7/ 585.

[ (3)] الطبري 7/ 585.

28

العراق. ثم إن عيسى أحاط بالمدينة في أثناء شهر رمضان، ثم دعا محمد إلى الطاعة ثلاثة أيام، ثم ساق بنفسه في خمسمائة فوقف بقرب السور فنادى:

يا أهل المدينة إن اللَّه قد حرّم دماء بعضنا على بعض، فهلمّوا إلى الأمان، فمن جاء إلينا فهو آمن، و من دخل داره أو المسجد أو ألقى سلاحه فهو آمن، خلّوا بيننا و بين صاحبنا فإمّا لنا و إما له، قال فشتموه، فانصرف يومئذ ففعل من الغد كذلك، ثم عبّأ جيشه في اليوم الثالث، و زحف فلم يلبث أن ظهر على المدينة، و لما التحم الحرب نادى: يا محمد إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتل حتى أعرض عليك الأمان، فلك الأمان على نفسك و من اتّبعك، و تعطى من المال كذا و كذا، فصاح: أله عن هذا، فقد علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع، و لا يقرّبني منكم طمع، ثم ترجّل. قال عثمان بن محمد بن خالد: فإنّي لأحسبه قتل يومئذ بيده سبعين رجلا [ (1)].

و روى محمد بن زيد قال: دعا عيسى عشرة من آل أبي طالب منهم القاسم بن حسن بن زيد بن حسن بن عليّ، قال: فجئنا سوق الحطّابين، فدعوناهم فسبّونا و رشقونا بالنّبل، و قالوا: هذا ابن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) معنا و نحن معه، فقال لهم القاسم: و أنا ابن رسول اللَّه، و أكثر من ترون معي بنو رسول اللَّه، و نحن ندعوكم إلى كتاب اللَّه و حقن دمائكم، و رجعنا، فأرسل عيسى حميد بن قحطبة في مائة [ (2)]. و جعل محمد ستور المسجد درائع لأصحابه، و كان مع الأفطس علم أصفر فيه صورة حية.

و قال عبد الحميد بن جعفر: كنا يومئذ مع محمد بن علي عدة أصحاب بدر، ثم لقينا عيسى فتبارز جماعة.

و عن مسعود الرحّال قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّي لأنظر إليهم عند أحجار الزيت، و أنا مشرف من سلع، إذ نظرت إلى رجل من أصحاب‏

____________

[ (1)] الطبري 7/ 586.

[ (2)] الطبري 7/ 587.

29

عيسى قد أقبل على فرس فدعا إلى البراز، فخرج إليه راجل عليه قباء أبيض، فنزل إليه الفارس، فقتله الراجل و رجع، ثم برز آخر من أصحاب عيسى، فبرز له ذلك الرجل، فقتله، ثم برز ثالث فقتله، فاعتوره أصحاب عيسى يرمونه، فأثبتوه، فأسرع فما وصل إلى أصحابه حتى خرّ صريعا، و دام القتال من بكرة إلى العصر، و طمّ أصحاب عيسى الخندق، و جاءت الخيل، و ذهب محمد يومئذ قبل الظهر، فاغتسل و تحنّط، ثم جاء. قال عبد اللَّه بن جعفر، فقلت له: بأبي أنت و أمي، مالك بما ترى طاقة، فاخرج تلحق بالحسن بن معاوية بمكة، فإنّ معه جلّ أصحابك، فقال: لو رحت لقتل هؤلاء، فو اللَّه لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، و أنت مني في سعة فاذهب حيث شئت [ (1)].

و قال إبراهيم بن محمد: رأيت محمدا عليه جبّة ممشّقة و هو على برذون، و ابن خضير [ (2)] يناشده اللَّه إلا مضى إلى البصرة، و محمد يقول: و اللَّه لا تبلوّن بي مرتين، و لكن اذهب فأنت في حلّ. فقال: و أين المذهب عنك؟ ثم مضى فأحرق الديوان و قتل رياحا في الحبس، ثم لحق محمدا بالثنيّة، فقاتل حتى قتل [ (3)].

و قيل: قتل مع رياح أخاه عباس بن عثمان، و كان مستقيم الطريقة، فعاب الناس ذلك عليه، ثم إن محمدا صلّى العصر و عرقب فرسه، و عرقب بنو شجاع دوابّهم، و كسروا أجفان سيوفهم، فقال لهم: قد بايعتموني و لست بمبايع حتى أقتل، ثم أنه حمل و هزم أصحاب عيسى مرتين، ثم جاء أصحاب عيسى من ناحية بني غفار، و جاءوا من خلف محمد و أصحابه، فنادى محمد حميد بن قحطبة: إن كنت فارسا فابرز، فلم يبرز له، و جعل حميد يدعو

____________

[ (1)] الطبري 7/ 589- 591.

[ (2)] في نسخة القدسي 6/ 18 «حصين» و التصحيح من الطبري 7/ 591 و ابن الأثير 5/ 547.

[ (3)] الطبري 7/ 591، ابن الأثير 5/ 547 و 548.

30

ابن خضير إلى الأمان، و يشحّ به عن الموت، و هو يشد على الناس بسيفه مترجّلا، و خالط الناس، فجاءته ضربة على أليته، و أخرى على عينه فخرّ، و قاتل محمد على جثته حتى قتل [ (1)]، و عهد الذين دخلوا المدينة من ناحية بني غفار فنصبوا علما أسود على المنارة، و دخل حميد بن قحطبة في زقاق أشجع، فهجم على محمد فقتله و هو غافل، و أخذ رأسه، و قتل معه جماعة.

و قيل: جاءت محمدا ضربة على أذنه، فبرك و جعل يذب عن نفسه بسيفه و يقول: ويحكم إن نبيكم [ (2)] مظلوم، فنزل حميد فحزّ رأسه.

و قيل: كان مع محمد سيف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذو الفقار، فقدّ الناس به، و جعل لا يقاربه أحد إلا قتله، فجاءه سهم فوجد الموت، فكسر السيف.

و روى عمرو مولى المتوكل، و كانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين، قال:

كان مع محمد يومئذ ذو الفقار، فلما أحس الموت أعطى السيف رجلا كان له عليه أربعمائة دينار، و قال: خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحدا من آل أبي طالب إلا أخذه منك و أعطاك حقك، فبقي السيف عنده حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعاه و أعطاه أربعمائة دينار و أخذ السيف، ثم صار [ (3)] إلى موسى [ (4)] فجرّبه على كلب، فانقطع السيف.

و قال الأصمعي: رأيت الرشيد بطوس متقلّدا سيفا فقال: ألا أريك ذا الفقار؟ قلت: بلى، قال: أسلل [ (5)] سيفي هذا قال: فرأيت فيه ثماني‏

____________

[ (1)] الطبري 7/ 594.

[ (2)] هكذا في الأصل و في نسخة القدسي 6/ 18 و الأصح ما في تاريخ الطبري 7/ 595 «أنا بن نبيّكم».

[ (3)] في نسخة القدسي 6/ 18 «سار» و التصحيح من الطبري 7/ 596 و ابن الأثير 5/ 549.

[ (4)] في نسخة القدسي 6/ 18 «ابن موسى» و التصحيح من الطبري. و هو الخليفة الملقب بالهادي.

(انظر: ابن الأثير 5/ 549).

[ (5)] في الطبري 7/ 596 «استلّ».

31

عشرة فقارة.

و كان مصرع محمد عند أحجار الزيت بعد العصر يوم الإثنين في رابع عشر رمضان سنة خمس هذه [ (1)].

و قال الواقدي: عاش ثلاثا و خمسين سنة.

و قيل: أذن عيسى في دفنه، و أمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنيّة الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز [ (2)].

و قيل: لما خرج حمزة بن عبد اللَّه بن محمد بن علي بن أبي طالب مع محمد، كان جعفر الصادق ينهاه، و كان من أشد الناس مع محمد، و كان جعفر يقول له: هو و اللَّه مقتول [ (3)].

و بعث عيسى بن موسى بالرأس إلى العراق، ثم طيف به في البلدان، و قبض عيسى على أموال بني الحسن.

و حدث أيوب بن عمر قال: لقي جعفر بن محمد أبا جعفر المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين ردّ عليّ قطيعتي عين أبي زياد آكل منها [ (4)]، قال: إياي تكلّم هذا [ (5)] الكلام! و اللَّه لأزهقنّ نفسك. قال: فلا تعجل عليّ، فقد بلغت ثلاثا و ستين سنة، و فيها مات أبي و جدي و علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، فرقّ له [ (6)]، فلما مات المنصور ردّ المهديّ على أولاد أبي جعفر عين أبي زياد.

____________

[ (1)] الطبري 7/ 597، ابن الأثير 5/ 554.

[ (2)] الطبري 7/ 600.

[ (3)] الطبري 7/ 601.

[ (4)] في تاريخ الطبري 7/ 603 «من سعفها».

[ (5)] في تاريخ الطبري 7/ 603 «بهذا».

[ (6)] في نسخة القدسي 6/ 19 «و لها»، و التصحيح من الطبري 7/ 603.

32

و قال محمد بن عثمان الزبيريّ: لما قتل محمد، مضى أخوه موسى و أبي و أنا و رجل من مزينة، فأتينا مكة، ثم سرنا إلى البصرة، فدخلناها ليلا، فمسكنا و أرسلنا إلى المنصور، فلما نظر إلى أبي قال: هيه أخرجت مع محمد؟

قال: قد كانت ذلك، فأمر به، فضربت عنقه، و هو عثمان بن محمد بن خالد ابن الزبير، ثم أمر بموسى فضرب بالسياط، ثم أمر بضرب عنقي، فكلّمه فيّ عمّه عيسى بن علي و قال: ما أحسبه بلغ، فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت غلاما تبعا لأبي، فضربت خمسين سوطا، ثم حبست حتى أخرجني المهديّ.

و قيل: بل قتل عثمان لأنه سأله أين المال؟ قال: دفعته إلى أمير المؤمنين محمد (رحمه اللَّه)، فسبّه، فجاوبه عثمان، فضرب عنقه [ (1)].

و قيل: قال له: أنت الخارج عليّ؟ قال: بايعت أنا و أنت رجلا بمكة، فوفيت أنا، و غدرت أنت.

و استعمل المنصور على المدينة عبد اللَّه بن الربيع الحارثي، فثارت عليه السودان بالمدينة. و سبب ذلك أن بعض جنده انتهب شيئا من السوق، فاجتمع الرؤساء إلى ابن الربيع فكلّموه، فلم ينكر و لا غيّر، ثم اشترى جنديّ من لحّام و أبى أن يوفّيه الثمن و شهر سيفه على اللحّام، فطعنه اللحام بشفرته في خاصرته فسقط، فتنادى الجزّارون و السودان على الجند و هم يذهبون إلى الجمعة، فقتلوهم بالعمد، فهرب ابن الربيع بالليل [ (2)]، و هذا تم في آخر العام.

و كان رءوس السودان ثلاثة: وثيق و يعقل [ (3)] و رمقة [ (4)]، فخرج ابن‏

____________

[ (1)] الطبري 7/ 607.

[ (2)] الطبري 7/ 609 و 610.

[ (3)] في نسخة القدسي 6/ 20 «معقل»، و التصحيح من الطبري 7/ 610 و 614.

[ (4)] في نسخة القدسي 6/ 20 «ربيعة»، و التصحيح من الطبري 7/ 610.

33

أبي سبرة من السجن، فخطب و دعا الناس إلى الطاعة، فسكن الناس، و رجع ابن الربيع و قطع يد «وثيق» و أيدي ثلاثة معه‏

بناء بغداد

في هذه السنة أسّست مدينة السلام «بغداد»، و هي التي تدعى مدينة المنصور.

سار المنصور يطلب موضعا يتّخذه بلدا، فبات ليلة، و كان في موضع القصر بيعة قسّ، فطاب له المبيت، و أقام يوما فلم ير إلا ما يحبّ، فقال:

هاهنا ابنوا فإنه طيّب، و تأتيه مادة الفرات و دجلة و الأنهار، فخطّ بغداد، و وضع أول لبنة بيده فقال: بسم اللَّه، و باللَّه، و الحمد للَّه، ابنوا على بركة اللَّه، و ذلك بعد أن بعث رجالا لهم فضل يتطلّبان موضعا، ثم وقع الاختيار على هذه البقعة، و سأل راهبا هناك عن أمر الأرض و صحّتها و قال: هل تجدون في كتبكم أنه يبنى هاهنا مدينة؟ قال: نعم يبنيها مقلاص، قال:

فأنا كنت أدعى بذلك، و كذلك لما بنى مدينة «الرافقة» [ (1)] قال له راهب:

إن إنسانا يبني هنا مدينة يقال له مقلاص، قال: أنا هو، فبناها على نحو من بغداد، لكنها أصغر.

و عن سليمان بن مجالد قال: أحضر [ (2)] المنصور الصّنّاع و الفعلة من البلاد، و أحضر المهندسين و الحكماء و العلماء، و كان ممن أحضر حجّاج بن أرطاة، و أبو حنيفة، و رسمت له بالرماد، بسورها، و أبوابها، و أسواقها، ثم أمر أن يعمل على ذلك الرسم.

و روى من وجه آخر أن المنصور قال لذلك الراهب: أريد أن أبني هنا

____________

[ (1)] في الأصل «الرافتة».

[ (2)] في الأصل «حصر».

34

مدينة، فقال: إنما يبنيها ملك يقال له: «أبو الدوانيق»، فضحك و قال:

أنا هو، و اختطّها و وكّل بها أربعة قوّاد، و ولّى أبا حنيفة القيام بعمل الآجر.

و قيل: كمل سورها في أربع سنين. و كانت البقعة مزرعة تدعى المباركة، لستّين نفسا، فعوّضهم المنصور و أعطاهم فأرضاهم، و جدّوا في البناء بعد انقضاء فتنة ابن حسن.

و قيل: ليس في الدنيا مدينة مدوّرة سواها، عمل في وسطها دار المملكة بحيث أنه إذا كان في قصره كان جميع أطراف البلد إليه سواء، و قد تم بناؤها المهم في عام، و سكنها و نقل إليها خزائنه و بيوت المال.

و قيل: سعتها مائة و ثلاثون جريبا، أنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف درهم.

قال بدر المعتضدي: قال لنا أمير المؤمنين: انظروا كم سعة مدينة المنصور، فحسبنا فإذا هي ميلين مكسّرين في ميلين.

و قيل مسافة ما بين كل باب و باب ألف و مائتا ذراع، و كان في هذا الوقت رخاء الأسعار بالعراق حتى بيع الكبش بدرهم و الحمل بأربعة دوانيق، و التمر ستون رطلا بدرهم، و الزيت ستة عشر رطلا بدرهم، و السمن ثمانية بدرهم.

قال أبو نعيم: أنا رأيت ينادى في جبّانة كندة: لحم الغنم ستون رطلا بدرهم، و العسل عشرة بدرهم.

و قال غيره: كل بغداد مبنيّة بالآجرّ، اللّبنة ذراع في ذراع، زنتها مائة رطل و سبعة عشر رطلا، و لها أربعة أبواب، بين الباب و الباب ثمانية و عشرون برجا، و عليها سوران، ثم بني الجامع و القصر، و كان في صدر القصر إيوان طوله عشرون ذراعا، عليه القبة الخضراء ارتفاعها ثمانون ذراعا. سقط رأسها

35

ليلة مطر و رعد عظيم في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة. و كان لا يدخل هذه المدينة أحد راكبا سوى المنصور و ابنه.

قال الصولي: قال أحمد بن أبي طاهر: ذرع بغداد يعني الجديدة قال:

ذرع الجانبين ثلاثة و خمسون ألف جريب. و في نسخة أخرى من غير رواية الصولي: إنها من الجانبين ثلاثة و أربعون ألف جريب و سبعمائة.

ثم قال الصولي: و ذكر ابن أبي طاهر أن عدد حمّاماتها كانت ذلك الوقت ستين ألفا. و قال: أقل ما يدبّر كلّ حمّام خمسة أنفس، و ذكر أن بإزاء كل حمّام خمسة مساجد.

قلت: كذا نقل الخطيب في تاريخه [ (1)]، و ما أعتقد أنا هذا قط و لا عشر ذلك.

ثم قال الخطيب: حدّثني هلال بن الحسن قال: كنت بحضرة جدّي إبراهيم بن هلال الصابي، فقال تاجر فذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمّام، فقال جدي: سبحان اللَّه! هذا سدس ما كنّا عددناه و حصرناه زمن الوزير المهلّبيّ، ثم كانت في دولة عضد اللَّه خمسة آلاف و كسرا.

و نقل ابن خلّكان [ (2)] أن استكمال بغداد كان في سنة تسع و أربعين و مائة، و هي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، و بغداد اليوم هي الجديدة التي في الجانب الشرقي، و فيها دار الخلافة، و قد كان السفاح بنى عند الأنبار مدينة الهاشمية و سكنها، ثم انتقل إلى الأنبار و بها توفي.

____________

[ (1)] تاريخ بغداد- ج 1/ 117.

[ (2)] وفيات الأعيان 2/ 154 و 290.

36

* خروج إبراهيم. و خرج إبراهيم بن عبد اللَّه بن حسن، أخو محمد المذكور بالبصرة.

قال مطهر بن الحارث: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة، و نحن عشرة أنفس، فدخلناها، ثم نزلنا على يحيى بن زياد بن حسّان النبطيّ.

و عن إبراهيم قال: اضطرّني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، و كان قد قدمها يطلبني، فتحيّرت، و لفظتني الأرض، فجعلت لا أجد مساغا، و وضع عليّ الطلب و الأرصاد، و دعا يوما الناس إلى غدائه، فدخلت في الناس، و أكلت، ثم خرجت و قد كفّ الطلب [ (1)].

و قد جرت لإبراهيم أمور في اختفائه، و ربما وقع به بعض الأعوان فيصطنعه و يطلقه لما يعلم من جبروت أبي جعفر، ثم اختفى بالبصرة، فجعل يدعو الناس فيستجيبون له لشدّة بغضهم للمنصور لبخله و عسفه.

قال ابن سعد [ (2)]: لما ظهر محمد بن عبد اللَّه و غلب على الحرمين وجّه أخاه إبراهيم إلى البصرة فدخلها في أول رمضان من سنة خمس فغلب عليها، و بيّض أهل البصرة و نزعوا السواد، و خرج معه من العلماء جماعة كثيرة.

ثم تأهّب لحرب المنصور.

قال ابن جرير [ (3)] و غيره: بايعه نميلة بن مرّة، و عفو اللَّه بن سفيان، و عبد الواحد بن زياد، و عمر بن سلمة الهجيميّ، و عبيد اللَّه [ (4)] بن يحيى الرّقاشيّ، و ندبوا له الناس، فأجاب طائفة حتى قاربوا أربعة آلاف، و شهر أمره،

____________

[ (1)] الطبري 7/ 623 و 624.

[ (2)] لم نجد هذا الخبر في طبقات ابن سعد، و إنما ذكر خروج محمد و أخيه إبراهيم في تلك السنة.

(6/ 530).

[ (3)] توسع ابن جرير الطبري في أخباره في تاريخه (7/ 622- 649).

[ (4)] في نسخة القدسي 6/ 22 «عبد» و التصحيح من الطبري 7/ 628 و ابن الأثير 5/ 563.

37

و قالوا له: لو نهضت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك، فنزل في دار أبي مروان النيسابورىّ [ (1)].

قال عفو اللَّه بن سفيان: أتيت إبراهيم يوما و هو مرعوب، فأخبرته بكتاب أخيه أنه ظهر بالمدينة، و أنه يأمره بالخروج، فوجم لها و اغتمّ، فأخذت أسهّل عليه و أقول: قد اجتمع لك أمرك، معك مضاء التغلبيّ و الطّهويّ و المغيرة، و أنا و جماعة، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه، و يصبح معك خلق من الناس، فطابت نفسه، و بلغ ذلك المنصور فجهّز جيشا إلى البصرة، ثم سار فنزل الكوفة ليكتفي شر الشيعة و فتقهم.

قال أبو الحسن الحذّاء: ألزم المنصور الناس بالسواد، فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد، يعني السوقة، ثم جعل يحبس أو يقتل كلّ من يتّهمه بالكوفة. و كان ابن ماعز الأسديّ يبايع لإبراهيم بالكوفة سرا. و قتل المنصور جماعة كثيرة عسفا و ظلما. و كان بالموصل ألفا فارس لمكان الخوارج، فطلبهم المنصور، فلما كانوا بباخمرا اعترض أهلها العسكر، و قالوا: لا ندعكم تجاوزونا لتنصروا أبا جعفر على إبراهيم، فقاتلوهم، فقتل منهم خمسمائة.

و أما أمير البصرة سفيان بن معاوية، فتهاون في أمر إبراهيم حتى عجز، و اتّسع الخرق، فبقي كلما قيل له: إبراهيم خارج، لم يعرّج على قول أحد، فلما خرج إبراهيم جعل أصحابه ينادون سفيان و هو محصور: أذكر بيعتك في دار المخزوميّين، فيقال: كان مداهنا لإبراهيم مما في قلبه على المنصور.

و كان ظهور إبراهيم في أول رمضان في الليل، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا، و قدم تلك الليلة أبو حمّاد الأثرم في ألفين، فنزل الرحبة، فكان إبراهيم أول شي‏ء أصاب دوابّ أولئك العسكر و أسلحتهم،

____________

[ (1)] انظر الطبري 7/ 628.

38

فتقوّى بها، ثم صلّى بالناس الصبح في الجامع، فتحصّن منه سفيان في دار الإمارة، و أقبل الخلق إلى إبراهيم من بين ناصر و ناظر: ثم نزل إليه سفيان بالأمان، و دخل إبراهيم الدار، و عفا عن الجند، و قيّد سفيان بقيد خفيف، فأقبل لحربه جعفر بن سليمان، و أخوه محمد بن سليمان، في ستمائة، فندب إبراهيم مضاء بن جعفر في خمسين من بين فارس و راجل، فهزمهم مضاء، و جرح محمد بن سليمان، و وجد إبراهيم في بيت المال ستمائة ألف أو أكثر، ففرّقها على أصحابه خمسين خمسين، و جهّز المغيرة في خمسين مقاتلا إلى الأهواز، فقدمها و قد صار معه نحو المائتين. و كان على الأهواز محمد بن الحصين، فالتقى المغيرة فانكسر ابن الحصين، و غلب المغيرة على الأهواز. ثم أراد إبراهيم المسير إلى الكوفة، و بعث إلى فارس عمرو بن شدّاد، فسار إليه من رامهرمز يعقوب بن الفضل، فاتّفقا و غلبا على إقليم فارس، فلو توجّه إبراهيم إلى إقليم فارس لتمّ له الأمر، و استعمل على واسط هارون بن سعد العجليّ عند ما قدم إليه من الكوفة، فسار إلى واسط، فجهّز المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسليّ [ (1)] في خمسة آلاف، فكان بينهما حرب و وقعات. و قد قتل من أهل واسط و البصرة في هذه الكائنة عدد كثير، ثم توادع الفريقان و كلّوا، فلما قتل إبراهيم كما سيأتي، سار هارون بن سعد العجليّ راجعا إلى البصرة، فتوفّي قبل أن يدخلها، نعم، و بقي إبراهيم سائر شهر رمضان ينفذ عمّاله إلى البلاد، حتى أتاه نعيّ أخيه محمد بالمدينة، قبل العيد بثلاث، ففتّ في عضده و بهت لذلك، و خرج يوم العيد إلى المصلّى فصلّى بالناس، يعرف فيه الحزن و الانكسار [ (2)].

و قيل: إن المنصور لما بلغه خروج إبراهيم قال: ما أدري ما أصنع،

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 23 «المسلمي»، و التصحيح من الطبري 7/ 637 و ابن الأثير 5/ 564.

[ (2)] الطبري 7/ 638.

39

ما في عسكري إلا ألفا رجل! فرّقت عساكري، مع ابني بالرّيّ ثلاثون ألفا، و مع محمد بن أشعث بإفريقية أربعون ألفا، و مع عيسى بن موسى بالحجاز ستة آلاف، و لئن سلمت من هذه لا يفارقني ثلاثون ألف فارس، ثم لم ينشب أن قدم عليه عيسى من الحجاز منصورا، فوجّهه على الناس لحرب إبراهيم، و كتب إلى سلم بن قتيبة فقدم إليه من الرّيّ.

قال سلم: فلما دخلت على المنصور قال لي: خرج ابنا عبد اللَّه، فاعمد إلى إبراهيم، و لا يرعبك جمعه فو اللَّه إنهما جملا بني هاشم المقتولان فابسط يدك وثق [ (1)].

و كتب سلم إلى البصرة يلاطفهم فلحقت به باهلة، فاستحث المنصور ابنه ليجهّز خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فسار بأربعة آلاف فارس، ففر منه المغيرة إلى البصرة، و دخل خازم الأهواز فأباحها [ (2)] ثلاثا، لكونهم نزعوا الطاعة، و مكث المنصور لا يأوي إلى فراشه نيّفا و خمسين ليلة.

قال حجاج بن قتيبة بن سلم: دخلت على المنصور تلك الأيام و قد جاءه فتق البصرة و فارس و واسط و المدائن و هو مطرق يتمثل:

و نصبت نفسي للرّماح دريّة [ (3)]* * * إن الرئيس لمثل ذاك [ (4)] فعول‏

و ما أظنّه يقدر على السلاح، للفتوق المحيطة به، و لمائة ألف سيف كامنة ينتظرون صيحة فيثبون، فوجدته صقرا أحوذيّا مشمّرا، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يمرسها و يعركها [ (5)].

____________

[ (1)] الطبري 7/ 639.

[ (2)] ناقصة من الأصل، و الإضافة من الطبري 7/ 639.

[ (3)] في نسخة القدسي 6/ 24 «دريئة» و التصحيح من الطبري 7/ 640.

[ (4)] في الأصل: «ذلك».

[ (5)] الطبري 7/ 641.

40

و عن عبد اللَّه بن جعفر المديني قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخمرا فعسكرنا بها، فأتانا ليلة، فقال: انطلق بنا نطوف في عسكرنا، قال: فسمع أصوات طنابير [ (1)] و غناء، فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى، فانطلقنا فسمعنا مثل ذلك فرجع و قال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا [ (2)].

و عن داود بن جعفر بن سليمان قال: أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف مقاتل.

و قال آخر: بل كان معه عشرة آلاف، و هذا أشبه. و كان مع عيسى ابن موسى خمسة عشر ألفا، و على طلائعه حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف.

و أما إبراهيم فأشاروا عليه أن يسلك غير الدّرب، فيبغت الكوفة، فقال: بل أبيّت عيسى.

و عن هريم قال: قلت لإبراهيم: إنك غير ظاهر على المنصور حتى تأتي الكوفة، فإن صارت لك بعد تحصّنه بها، لم تقم له بعدها قائمة، و إلا فدعني أسير إليها فأدعو إليك سرا، ثم أجهر، فإنّهم إن سمعوا داعيا أجابوه، و إن سمع المنصور هيعة بأرجاء الكوفة طار إلى حلوان، فقال: لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فتطأ خيل المنصور الصغير و الكبير [ (3)]، فتكون [ (4)] قد تعرضت لمأثم، فقلت: خرجت لقتال مثل المنصور، و أنت تتوقّى قتل الصغير و الكبير! أ ليس قد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوجّه السريّة فتقاتل، فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: أولئك مشركون، و هؤلاء أهل قبلتنا.

____________

[ (1)] طنابير: مفردها طنبور، آلة موسيقية.

[ (2)] الطبري 7/ 642.

[ (3)] في نسخة القدسي 6/ 25 «تحيل»، و التصحيح من الطبري 7/ 643.

[ (4)] عند القدسي 6/ 25 «فنكون» و التصحيح من الطبري.

41

و لما نزل «باخمرا» كتب إليه سلم بن قتيبة: إنك قد أصحرت و مثلك أنفس به على الموت، فخندق على نفسك، فإن كنت لم تفعل، فقد أعرى المنصور عسكره، فخفّ في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه، فعرض ذلك إبراهيم على قوّاده فقالوا: نخندق على نفوسنا و نحن ظاهرون عليهم! و اللَّه لا نفعل.

و قال بعضهم: أ نأتيه و هو في أيدينا متى أردنا؟ و قال آخر: لما التقى الجمعان قلت لإبراهيم: إن الصف إذا انهزمت تعبئته تداعى، فاجعلنا كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس، فتنادى أصحابه: لا لا، إلا تعبئة أهل الشام و قتالهم‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ (1)].

و قال آخر: أتيت إبراهيم فقلت: إنهم مصبحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس في السلاح و الكراع، و إنما معك [ (2)] رجال عراة، فدعنا نبيّتهم، فقال:

إني أكره القتل. فقلت: تريد الملك و تكره القتل! و التقوا «بباخمرا»، و هي على يومين من الكوفة، فاشتدّ الحرب، و التحم القتال، فانهزم حميد ابن قحطبة، و كان على المقدّمة، فانهزم الجيش، فناشدهم عيسى بن موسى اللَّه تعالى، و مرّ الناس، فثبت عيسى في مائة فارس من خواصّه، فقيل له:

لو تنحّيت فقال: لا أزول حتى أقتل أو أفتح، و لا يقال انهزم [ (3)].

و عن عيسى قال: لما رأى المنصور توجيهي إلى إبراهيم قال: إن المنجّمين يزعمون إنك لاقيه، و إن لك جولة، ثم يفي‏ء [ (4)] إليك أصحابك، فكان كما قال، فلقد رأيتني و ما معي ثلاثة أو أربعة، فقال غلامي: علام تقف؟

____________

[ (1)] قرآن كريم- سورة الصف- الآية 4.

[ (2)] في نسخة القدسي 6/ 25 «فعل» و التصحيح من الطبري 7/ 644.

[ (3)] الطبري 7/ 644 و 645.

[ (4)] في الأصل «بقي».

42

فقلت: و اللَّه لا ينظر إليّ أهل بيتي منهزما، ثم كان أكثر ما عندي أن أقول لمن مرّ بي من المنهزمين: أقرئوا أهل بيتي السلام، و قولوا: إني لم أجد فداء أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، و قد بذلتها لكم، فأنا لكذلك، إذ عمد [ (1)] ابنا سليمان لإبراهيم فخرجا من ورائه، فنظر أصحاب إبراهيم فإذا القتال من ورائهم، فكرّوا، فركبنا أعقابهم، فلو لا ابنا سليمان بن علي لافتضحنا، و كان من صنع اللَّه أن أصحابنا لما انهزموا، اعترض لهم نهر دون ثنيّتين عاليتين، فحالتا بينهم و بين الفرات، و لم يجدوا مخاضة، فكرّوا راجعين بأنفسهم، ثم انهزم أصحاب إبراهيم، فثبت هو في نحو من خمسمائة. و قيل بل ثبت في سبعين رجلا، ثم حمل حميد بن قحطبة في طائفة معه، و قاتلوا قتالا شديدا، حتى إن الفريقين قتلوا بعضهم بعضا، و جعل حميد يبعث بالرءوس إلى بين يدي عيسى، و ثبتوا عامّة يومهم يقتتلون، إلى أن جاء سهم غرب لا يدرى من رمى به، فوقع في حلق إبراهيم، فتنحّى عن موقفه، فأنزلوه، و هو يقول:

وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [ (2)]، أردنا أمرا و أراد اللَّه غيره، فاجتمع عليه أصحابه يحمونه، فأنكر حميد اجتماعهم، و أمر فحملوا عليه، فقاتلوا أشدّ قتال يكون، حتى انفرجوا عن إبراهيم، فنزل أصحاب حميد، فاحتزّوا رأس إبراهيم، و أتي به عيسى، فنزل و سجد للَّه، و بعث به إلى المنصور، و ذلك لخمس بقين من ذي القعدة، و عمره ثمان و أربعون سنة [ (3)].

و قيل: كان عليه قباء زرد، فآذاه الحرّ، فحلّ إزاره، و حسر عن صدره، فأصابت صدره نشّابه، فاعتنق فرسه، و كرّ راجعا، و وصل أوائل المنهزمين من عسكر المنصور إلى الكوفة، فتهيّأ المنصور للهرب، و أعدّ النجائب ليذهب إلى الرّيّ، فيقال: إن نوبخت المنجّم دخل عليه فقال: الظفر لك،

____________

[ (1)] في الأصل «صمد».

[ (2)] قرآن كريم- سورة الأحزاب- الآية 38.

[ (3)] الطبري 7/ 646 و 647.

43

و سيقتل إبراهيم، فلم يقبل منه، فقال: احبسني عندك، فإن لم يقتل إبراهيم و إلّا فاقتلني، فبات طائر اللّب، فلما كان الصباح أتي برأس إبراهيم، فتمثّل بيت معقّر البارقيّ:

فألقت عصاها و استقر بها النّوى‏* * * كما قرّ عينا بالإياب المسافر

قال خليفة بن خياط [ (1)]: صلى إبراهيم بن عبد اللَّه العيد بالناس أربعا، و خرج معه أبو خالد الأحمر و عيسى بن يونس و عبّاد بن العوام و هشيم و يزيد ابن هارون في طائفة من العلماء و لم يخرج معه شعبة، و كان أبو حنيفة يجاهر في أمره و يأمر بالخروج.

و حدّثني من سمع حماد بن زيد يقول: ما كان بالبصرة أحد إلا و قد تغيّر أيام إبراهيم إلا ابن عون.

و حدّثني ميسور بن بكر أنه سمع عبد الوارث يقول: فأتينا شعبة فقلنا:

كيف ترى؟ قال: أرى أن تخرجوا و تعينوه، فأتينا هشام بن أبي عبد اللَّه فلم يجبنا بشي‏ء، فأتينا سعيد بن أبي عروبة فقال: ما أرى بأسا أن يدخل رجل منزله، فإن دخل عليه داخل قاتله.

و قال عمر بن شبة: ثنا خلاد بن يزيد الباهلي سمع شعبة بن الحجاج يقول:

باخمرا بدر الصغرى.

و قال أبو عبيد الآجريّ: هي وقعة إبراهيم، و هي بإزاء هزابان داخل الصحراء.

و قال أبو نعيم: فلما قتل إبراهيم، هرب أهل البصرة بحرا و برا، و استخفى الناس، و قتل معه بشير الرحّال الأمير، و جماعة كثيرة.

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 422.

44

و قال محمد بن عبد اللَّه بن عمار: خرج مع إبراهيم خلق، و جميع أهل واسط، و ابنا هشيم و خالد بن عبد اللَّه الطحان، و يزيد بن هارون، و غيرهم.

و فيها خرجت الترك الخزريّة، و هم أهل صحراء القفجاق من باب الأبواب، و قتلوا بأرمينية خلقا كثيرا و سبوا الحريم.

45

سنة ست و أربعين و مائة

فيها توفي أشعث بن عبد الملك الحمراني، و الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب المدني. و حبيب بن الشهيد بخلف. و سنان الرهاوي. و عبد اللَّه بن سعيد ابن أبي هند المدني. و عوف الأعرابي. و محمد بن السائب الكلبي. و محمد بن أبي يحيى الأسلمي. و هشام بن عروة على الصحيح. و يزيد بن أبي عبيد، و يحيى بن أبي أنيسة الرهاوي.

و في صفر منها، تحوّل أبو جعفر المنصور، فنزل ببغداد قبل استتمام بنائها. و كان خالد بن برمك ممن أشار عليه بإنشائها، و نقل إليها خمسة أبواب كانت على واسط، عظيمة، فعمل لبغداد أربعة أبواب، كل باب داخله باب آخر. و بنيت مستديرة، و أنشئت دار الإمارة في وسطها، و عملوا لها سورين.

و قيل: إن الحجاج بن أرطاة هو الّذي اختطّ جامعها، فقيل: إن قبلتها منحرفة، و كان لا يدخل أحد المدينة راكبا، فشكا إلى المنصور عمه عيسى ابن علي أن المشي يشقّ عليه، فلم يأذن له، ثم بعد مدة أمر المنصور بإخراج الأسواق من المدينة خوفا من مبيت صاحب خبر بها، فبنيت الكرخ و باب المحوّل، و غير ذلك. و ظهر شحّ المنصور في بناء بغداد، و بالغ في المحاسبة،

46

حتى قال خالد بن الصلت- و كان على بناء ربع من بغداد-: رفعت إليه الحساب فبقيت عليّ خمسة عشر درهما فحبسني حتى أدّيتها.

فقال المدائني: حدثني الفضل بن الربيع أن المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة، طاف به، فأعجبه، لكنه استكثر النفقة، فقال لي: أحضر بنّاء فارها، فأحضرت بنّاء فقال: كيف عملت لنا في هذا القصر؟ و كم أخذت لكل ألف آجرّة؟ فبقي البنّاء لا يقدر أن يرد عليه مخافة المسيّب الّذي كان على العمل، فقال: مالك ساكت؟ قال: لا علم لي، قال: ويحك قل و أنت آمن، قال: و اللَّه لا أقف عليه و لا أدريه، فأخذ بيده و قال: تعال لا علّمك اللَّه خيرا، و أدخله الحجرة التي استحسنها، و قال: ابن لي طاقا يكون شبيها بالبيت لا تدخل فيه خشبا، قال: نعم، فأقبل على البناء، ثم أقبل يحصي جميع ما يدخل في الطاق من الآجرّ و الحصى، ففرغ في يومين، و دعا المسيّب فقال:

ادفع إليه أجره على حساب ما عمل معك، فأعطاه خمسة دراهم، فاستكثر ذلك المنصور، فقال: لا أرضى بذلك، فلم يزل حتى نقصه درهما، ثم إنه أخذ الوكلاء و المسيّب بحساب ما أنفقوا على نسبة ذلك، حتى فضل على المسيّب ستة آلاف درهم، فأخذها منه، فانظر إلى هذا البخل و الحرص من ملك الدنيا في زمانه.

و فيها عزل عن المدينة عبد اللَّه بن الربيع و وليها جعفر بن سليمان.

و قال الوليد بن مسلم: فيها غزوت قبرس [ (1)] مع العباس بن سفيان الخثعميّ، و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] في الأصل (قبرص).

47

سنة سبع و أربعين و مائة

فيها توفي إسماعيل بن علي الهاشمي، و حبيب بن صالح الحمصي، و سليمان ابن سليم قاضي حمص، و الصّلت بن بهرام الكوفي، و طلحة بن يحيى التيمي، و عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند في قول، و عم المنصور عبد اللَّه بن علي، و عبد الأعلى بن ميمون بن مهران، و عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و عبيد اللَّه ابن عمر العمري، و عثمان بن الأسود بخلف، و عتبة بن أبي حكيم الأزدي، و قرّة بن عبد الرحمن بن حيويل، و هشام بن حسّان بالبصرة، و أبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية في قول، و يزيد بن حازم أخو جرير.

و فيها بدّعت الترك بناحية أرمينية، و قتلوا أمما من المسلمين، و دخلوا تفليس [ (1)]، و كان حرب بن عبد اللَّه الراونديّ [ (2)] الّذي تنسب إليه الحربية من بغداد، مقيما بالموصل في ألفين، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، و كان المنصور قد وجّه إلى الموصل جبريل بن يحيى في عسكر، فانضمّوا كلهم و قصدوا الترك فالتقوا، فانهزم جبريل، و قتل حرب [ (3)].

____________

[ (1)] بفتح التاء أو كسرها. هي قصبة ناحية جرزان قرب باب الأبواب بأرمينية الأولى (ياقوت 2/ 35)

[ (2)] في نسخة القدسي 6/ 29 «الريوندي» و التصحيح من الطبري 8/ 7.

[ (3)] الطبري 8/ 7، ابن الأثير 5/ 577.

48

و ذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن المنصور حج سنة سبع و أربعين [ (1)].

و عزل عن الكوفة عيسى بن موسى، و طلبه إلى بغداد، فدفع إليه عبد اللَّه ابن عليّ سرا، ثم قال: يا عيسى، إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني و عنك، و أنت وليّ عهدي بعد المهديّ، و الخلافة صائرة إليك، فخذ، و اقتله، و إيّاك أن تخور أو تضعف، و سلّمه إليه، ثم كتب إليه غير مره من طرق الحج يسأله: ما فعلت، فكتب إليه: قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أنه قتله، و كان عيسى قد ستره عنده، و دعا كاتبه يونس بن فروة فقال: ما ترى؟

قال: أمرك بقتله سرا، و يدّعيه عليك علانية، ثم يقيدك به. قال: فما الرأي؟ قال: استره و اخفه، فلما قدم المنصور دسّ إلى عمومته من يحرّكهم على مسألة عمه عبد اللَّه بن عليّ، فكلموا المنصور، فقال: عليّ بعيسى، فأتاه، فقال: قد علمت أني دفعت إليك عمي ليكون في منزلك، قال: قد فعلت، قال: قد كلمني فيه أعمامي، فرأيت الصفح عنه، فقال: أو لم تأمرني بقتله؟ قال: لا، قال: قد أمرتني بقتله!. قال: كذبت، فقال لعمومته:

إن هذا قد أقرّ لكم بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: فشأنكم به، فأخرجوه إلى الرحبة، و اجتمع الناس، و شهر الأمر، فقام أحدهم و شهر سيفه، فقال له عيسى: أ فاعل أنت؟ قال: نعم قال: لا تعجلوا، ثم أحضر عبد اللَّه بن عليّ و قال للمنصور: شأنك بعمك، قال: فأدخلوه حتى أرى فيه رأيي، فجعله في بيت، ثم كان أمره ما كان [ (2)].

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 424. الطبري. ابن الأثير 5/ 583.

[ (2)] الطبري 8/ 7- 9.

49

و فيها خلع المنصور قبل ذلك من ولاية العهد بعده عيسى بن موسى، الّذي حارب له الأخوين إبراهيم و محمدا، و ظفر بهما، و توطّد ملك المنصور بهمّة عيسى، فكافأه و خلعه مكرها من ولاية العهد، و قدّم عليه ولده المهديّ، فقيل إنه أرضى عيسى بأن جعله وليّ العهد بعد ابنه المهديّ.

و كان السفاح لما احتضر جعل الخلافة للمنصور، ثم بعده لعيسى، و قد لاطفه المنصور، و كلّمه بألين الكلام في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين فكيف بالأيمان و العهود و المواثيق التي عليّ و على المسلمين، فلما رأى المنصور امتناعه تغيّر له، و أعرض عنه، و جعل يقدّم المهديّ عليه في المجالس، ثم شرع المنصور يدسّ من يحفر عليه بيته ليسقط عليه، فجعل يتحفّظ و يتمارض.

و قيل: بل سقاه المنصور فاستأذن في الذهاب إلى الكوفة ليتداوى، و كان الّذي جرّأه على ذلك طبيبه بختيشوع، و قال له: و اللَّه ما أجسر على معالجتك، و ما آمن على نفسي، فأذن له المنصور، و بلغت العلّة من عيسى كلّ مبلغ، حتى تمعّط شعره، ثم إنه نصل من علّته، ثم سعى موسى ولد عيسى بن موسى في أن يطيع أبوه المنصور، خوفا عليه منه و على نفسه، و دبّر حيلة أوحاها إلى المنصور، فقال: مر بخنقي قدّام أبي إن لم يخلع نفسه، قال: فبعث المنصور من فعل به ذلك، فصاح أبوه و أذعن بخلع نفسه، و قال: هذه يدي بالبيعة للمهديّ، و أشهدك أن نسواني طوالق، و عبيدي أحرار، و ما أملك في سبيل اللَّه.

و قيل: إن المنصور لما أراد البيعة للمهديّ بالعهد، تكلم الجند في ذلك فكان عيسى إذا ركب يسمعونه ما يكره، فشكاهم إلى المنصور، فلم يمنع في الباطن، و منع في الظاهر، فأسرفوا، حتى خلع الرجل نفسه.

و قيل: إن خالد بن برمك مضى إليه في ثلاثين نفسا برسالة المنصور،

50

فامتنع، فجاء خالد و قال: قد خلع نفسه، و استشهد أولئك الثلاثين، فشهدوا عليه [ (1)].

و قيل: بل بذل له المنصور على خلع نفسه خمسمائة ألف دينار حتى فعل.

و فيها استعمل المنصور محمد بن السفاح على البصرة، فاستعفى منها، فأعفاه، و انصرف إلى بغداد فمات بها [ (2)].

____________

[ (1)] الطبري 8/ 9- 20.

[ (2)] الطبري 8/ 25، ابن الأثير 5/ 582.

51

سنة ثمان و أربعين و مائة

فيها توفي جعفر بن محمد الصادق، و سليمان الأعمش، و شبل بن عباد مقري‏ء مكة، و زكريا بن أبي زائدة في قول، و عمرو بن الحارث الفقيه بمصر، و عبد اللَّه بن يزيد بن هرمز، و عبد الجليل بن حميد اليحصبي، و عمار بن سعد المصري، و العوّام بن حوشب، و محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، و محمد بن عجلان المديني الفقيه، و محمد بن الوليد الزبيدي الفقيه، و نعيم ابن حكيم المدائني، و أبو زرعة يحيى السّيبانّي [ (1)].

و فيها حج بالناس جعفر بن المنصور، و توجه حميد بن قحطبة إلى ثغر أرمينية، فلم يلق بأسا، و توطّدت الممالك للمنصور، و عظمت هيبته في النفوس، و دانت له الأمصار، و لم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس فقط، فإنّها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الداخل المرواني، لكنه لم يتلقّب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط، و كذلك بنوه.

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 31 «الشيبانيّ» و التصحيح من ابن الأثير 5/ 589 «سيبان: بطن من حمير».

52

سنة تسع و أربعين و مائة

فيها توفي ثابت بن عمارة بخلف، و زكريا بن أبي زائدة في قول، و سلم ابن قتيبة بن مسلم الباهليّ الأمير، و عبد الحميد بن يزيد الجذاميّ، و كهمس بن الحسن التميميّ، و المثنّى بن الصباح، و محمد بن الأشعث الخزاعيّ القائد، و الوضين بن عطاء، و أبو جناب الكلبي بخلف، و معروف بن سويد الجذاميّ المصري، و يعقوب بن مجاهد في قول.

و فيها غزا العباس بن محمد أرض الروم، و معه الحسن بن قحطبة، و محمد ابن الأشعث، فمات محمد في الطريق.

و فيها تكمّل بناء مدينة بغداد و خندقها.

و حج بالناس محمد بن الإمام إبراهيم، و ولي مكة، و صرف عنها عبد الصمد بن علي.

53

سنة خمسين و مائة

فيها توفي إبراهيم بن يزيد القرشي المكّي في قول، و جعفر بن المنصور ابن أبي جعفر، و فقيه مكة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، و عبيد اللَّه ابن أبي زياد القداح، و عثمان بن الأسود بخلف، و عبد اللَّه بن عوف بخلف، و عمر بن محمد بن زيد العمري، و أبو حنيفة النعمان الإمام، و أبو حزرة يعقوب بن مجاهد بخلف.

و فيها كان خروج أستاذسيس في جموع أهل هراة و سجستان و باذغيس [ (1)]، و تجمّع معه جيش لم يسمع بمثله قط، حتى قيل: كان في نحو من ثلاثمائة ألف مقاتل، و غلب على عامّة خراسان، و استفحل البلاء، فخرج لقتالهم الأجثم المروروذيّ بأهل مروالرّوذ، فاقتتلوا أشد قتال، فقتل الأجثم، و كثر القتل في جيشه، فبعث المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهديّ، فولّاه المهديّ محاربتهم، فسار في جيش كثيف، و استعمل على ميمنته الهيثم بن شعبة، و على ميسرته نهار بن حصين، و على المقدمة بكار بن سلم العقيليّ، ثم خندق على عسكره و التقى الجمعان، و ثبت الفريقان، و تفاقم الأمر إلى أن نزل النصر، فهزمهم المسلمون بخديعة عملوها، و كثر القتل في جيش‏

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 6/ 32 «بازغيس» بالزين، و التصحيح عن ياقوت 1/ 318، و هي بفتح الذال و كسر الغين المعجمة، ناحية تشتمل على قرى من أعمال هراة و مروالروذ.

54

أستاذسيس، و قتل منهم سبعون ألفا، و أسر بضعة عشر ألفا، و هرب أستاذسيس إلى جبل في طائفة، ثم ضربت أعناق الأسرى كلهم، و حاصروا أستاذسيس و أصحابه، حتى نزلوا على حكم أبي عون أحد القواد، فحكم بتقييد أستاذسيس و أولاده، و أن يطلق الباقون، و هم نحو من ثلاثين ألفا، فكساهم و من عليهم [ (1)].

و قيل: كانت الوقعة في عام أحد و خمسين.

و فيها عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة و ولّى الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي العلويّ. و أقام الموسم عبد الصمد بن علي [ (2)] فاللَّه أعلم.

____________

[ (1)] الطبري 8/ 29- 31، ابن الأثير 5/ 591- 593.

[ (2)] الطبري 8/ 32، ابن الأثير 5/ 593 و 594.