تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج34

- شمس الدين الذهبي المزيد...
354 /
7

[الطبقة الخمسون‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

سنة إحدى و تسعين و أربعمائة

[ابتداء دولة الإفرنج‏]

قال ابن الأثير: [ (1)] ابتداء دولة الإفرنج، لعنهم اللَّه، في سنة ثمان و سبعين [ (2)] فملكوا طليطلة و غيرها من الأندلس. ثمّ قصدوا صقلّيّة في سنة أربع و ثمانين فملكوها، و أخذوا بعض أطراف إفريقية.

[بدء حملات الإفرنج إلى بلاد الشام‏]

و خرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشّام، فجمع ملكهم بردويل جمعا كثيرا، و بعث إلى الملك رجار [ (3)] صاحب صقلّيّة يقول: أنا واصل إليك و سائر من عندك إلى إفريقية أفتحها، و أكون مجاورا لك. فاستشار رجار [ (3)] أكابر دولته، فقالوا: هذا جيّد لنا و له، و تصبح البلاد بلاد النّصرانيّة. فضرط ضرطة [ (4)] و قال:

و حقّ ديني هذا خير من كلامكم.

قالوا: و لم ذلك؟

قال: إذا وصل احتاج إلى كلفة كبيرة و مراكب و عساكر من عندي، فإن فتحوا إفريقية كانت لهم و يأخذون أكثر مغلّ بلادي، و إن لم يفتحوا رجعوا إلى بلادي و تأذّيت. و يقول تميم، يعني ابن باديس: غدرت و نقضت العهد. و نحن إن وجدنا قوّة أخذنا إفريقية.

ثمّ أحضر الرسول، إذا عزمتم على حرب المسلمين فالأفضل فتح بيت‏

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 272.

[ (2)] في الأصل: «سبعون»، و هو غلط.

[ (3)] في الأصل: «رجال».

[ (4)] في الكامل 10/ 272 «فرفع رجله و حبق حبقة عظيمة»، و مثله في: نهاية الأرب 28/ 249.

8

المقدس، تخلّصونه من أيديهم، و يكون لكم الفخر. و أمّا إفريقية فبيني و بين صاحبها عهود و أيمان.

فتركوه و قصدوا الشّام [ (1)].

و قيل: إنّ صاحب مصر لمّا رأى قوّة [ (2)] السّلجوقيّة و استيلائهم على الشّام و دخول أتسز إلى القاهرة و حصارها، كاتب الإفرنج يدعوهم إلى المجي‏ء إلى الشّام ليملكوه [ (3)].

[عبور الإفرنج خليج القسطنطينية إلى أنطاكية]

و قيل: إنّهم عبروا خليج القسطنطينيّة و قدموا بلاد قليج [ (4)] أرسلان بن سلمان بن قتلمش السّلجوقيّ، فالتقاهم، فهزموه في رجب سنة تسعين. و اجتازوا ببلاد ليون الأرمنيّ فسلكوها. و خرجوا إلى أنطاكية فحاصروها [ (5)]، فخاف ياغي سيان [ (6)] من النّصارى الّذين هم رعيّته، فأخرج المسلمين خاصّة لعمل الخندق أيضا، فعملوا فيه إلى العصر، و منعهم من الدخول، و أغلق الأبواب، و أمن غائلة النّصاري [ (7)].

و حاصرته الإفرنج تسعة أشهر، و هلك أكثر الإفرنج قتلا و موتا بالوباء و ظهر من شجاعة ياغي سيان و حزمه و رأيه ما لم يشاهد من غيره، و حفظ بيوت رعيّته النّصارى بما فيها [ (8)].

____________

[ (1)] نهاية الأرب 28/ 250.

[ (2)] في الأصل: «قوت».

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 272، 273، نهاية الأرب 28/ 249، 250.

[ (4)] في الكامل 10/ 274: «قلج».

[ (5)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 134، نهاية الأرب 28/ 251.

[ (6)] في الأصل: «سنان»، و الصحيح كما أثبتناه.

[ (7)] الخبر هنا ناقص، و هو في الكامل 10/ 274: «خاف من النصارى الذين بها، فأخرج المسلمين من أهلها، ليس معهم غيرهم، و أمرهم بحفر الخندق، ثم أخرج من الغد النصارى لعمل الخندق أيضا، ليس معهم مسلم، فعملوا فيه إلى العصر، فلما أرادوا دخول البلد منعهم، و قال لهم: أنطاكية لكم تهبونها لي حتى انظر ما يكون منّا و من الفرنج ..».

و انظر الخبر في: تاريخ ابن خلدون 5/ 20، و الإعلام و التبيين للحريري 8، و الحروب الصليبية لوليم الصوري 1/ 349، 350.

[ (8)] الكامل في التاريخ 10/ 274، تاريخ الزمان لابن العبري 123، زبدة الحلب 2/ 133، نهاية

9

ثمّ إنّ الإفرنج راسلوا الزّرّاد أحد المقدّمين، و كان متسلّما برجا من الوادي، فبذلوا له مالا، فعامد على المسلمين يطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة، فضربوا البوق وقت السّحر، ففتح ياغي سيان [ (1)] الباب، و هرب في ثلاثين فارسا، ثمّ هرب نائبة [ (2)] في جماعة [ (3)].

[استباحة الإفرنج أنطاكية]

و استبيحت أنطاكية، فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون. و ذلك في جمادى الأولى من سنة إحدى و تسعين. و أسقط في يد يغيسيان [ (4)] صاحبها، و أكل يديه ندما حيث لم يعد و يقاتل عن حرمه حتّى يقتل. فلشدّة ما لحقه سقط مغشيّا عليه، و أراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه حيل يتماسك به، بل قد خارت قوّته، فتركوه و نجوا. فاجتاز به أرمنيّ حطّاب، فرآه بآخر رمق، فقطع رأسه، و حمله إلى الإفرنج [ (5)].

[رواية سبط ابن الجوزيّ‏]

و قال صاحب «المرآة»: و كثر النّفير على الإفرنج، و بعث السّلطان بركياروق إلى العساكر يأمرهم بالمسير إلى عميد الدّولة للجهاد.

و تجهّز سيف الدّولة، فمنعه ابن مزيد. فجاءت الأخبار إلى بغداد بأنّ‏

____________

[ ()] الأرب 28/ 251، دول الإسلام 2/ 19، تاريخ ابن الوردي 3/ 10، الإعلام و التبيين 9.

[ (1)] في الأصل: «سنان»، و التصحيح من: زبدة الحلب 2/ 130.

[ (2)] في الأصل: «هرب في أمية».

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (تحقيق زعرور) 359 و (تحقيق سويّم) 25، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 135 و 136، الكامل في التاريخ 10/ 274، 275، تاريخ الزمان لابن العبري 124، زبدة الحلب 2/ 133، 134، نهاية الأرب 28/ 252، دول الإسلام 2/ 19، الإعلام و التبيين 9، الحروب الصليبية لوليم الصوري 1/ 334، 335، أعمال الفرنجة (لمؤرّخ مجهول) 66 و ما بعدها، الألكسياد لأنّا كومينا 156.

[ (4)] في الأصل: «يغيسنان»، و في البداية و النهاية 12/ 155 «باغيسيان».

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 275، تاريخ الزمان لابن العبري 124، نهاية الأرب 28/ 252، 253، المختصر في أخبار البشر 2/ 210، العبر 3/ 330، دول الإسلام 2/ 19، 20، مرآة الجنان 3/ 154، البداية و النهاية 12/ 155، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، تاريخ ابن الوردي 2/ 10، النجوم الزاهرة 5/ 146 و 147، الإعلام و التبيين 9، تاريخ الأزمنة 85، الحروب الصليبية لوليم الصوري 359، 360، أعمال الفرنجة (لمؤرّخ مجهول) 70.

10

أنطاكية أخذت، و أنّ الإفرنج صاروا إلى المعرّة. و كانوا في ألف ألف إنسان، فنصبوا عليها السّلالم، و دخلوها، و قتلوا منها مائة ألف إنسان، و سبوا مثل ذلك، و فعلوا بكفرطاب كذلك.

قلت: دافع أهل المعرّة عنها، و قاتلوا قتال الموت حتّى خذلوا، فقتل بها عشرون ألفا، فهذا أصحّ.

[رواية ابن القلانسي‏]

و قال أبو يعلى بن قلانسيّ [ (1)]: و أمّا أنطاكية فقتل بها [ (2)] و سبي بها من الرجال و النّساء [ (3)] و الأطفال ما لم [ (4)] يدركه حصر. و هرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصّنوا [ (5)].

قال أبو يعلى: [ (6)] و بعد ذلك أخذوا المعرّة في ذي الحجّة [ (7)].

[رواية ابن الأثير]

قال ابن الأثير: و لمّا سمع قوام [ (8)] الدّولة كبربوقا [ (9)] صاحب الموصل بذلك،

____________

[ (1)] في ذيل تاريخ دمشق 135.

[ (2)] في ذيل تاريخ دمشق: «منها و أسر».

[ (3)] في ذيل تاريخ دمشق: «النسوان».

[ (4)] في ذيل تاريخ دمشق: «ما لا».

[ (5)] في ذيل تاريخ دمشق: زيادة: «بها و سلم من كتب اللَّه سلامته».

[ (6)] في ذيل تاريخ دمشق 135.

[ (7)] لم يكن أخذ الإفرنج للمعرّة في شهر ذي الحجّة كما ذكر المؤلّف- (رحمه اللَّه)- هنا نقلا عن «ابن القلانسي»، فرواية ابن القلانسي تقول إنّ أخذهم لها كان في شهر المحرّم:

«و فيها توجّه الإفرنج إلى معرّة النعمان بأسرهم، و نزلوا عليها في اليوم التاسع و العشرين من ذي الحجّة، و قاتلوها و نصبوا عليها البرج و السلالم .. و أهلّت سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة في المحرّم منها زحف الإفرنج إلى سور معرّة النعمان من الناحية الشرقية و الشمالية، و أسندوا البرج إلى سورها و هو أعلى منه فكشفوا المسلمين عن السور. و لم يزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من محرّم، و صعدوا السور، و انكشف أهل البلد عنه و انهزموا بعد أن تردّدت إليهم رسل الإفرنج في التماس التقرير و التسليم و إعطاء الأمان على نفوسهم و أموالهم و دخول الشحنة إليهم، فمنع من ذلك الخلف بين أهلها و ما قضاه اللَّه تعالى و حكم به، و ملكوا البلد بعد صلاة المغرب ...».

[ (8)] في الأصل: «تواما».

[ (9)] في الكامل 10/ 276 «كربوقا»، و مثله في نهاية الأرب 28/ 253، و في المختصر في أخبار

11

جمع الجيوش، و سار إلى الشّام، و نزل بمرج دابق. فاجتمعت معه عساكر الشّام، تركها و عربها، سوى جند حلب. فاجتمع معه دقاق و طغتكين أتابك، و جناح الدّولة صاحب حمص، و أرسلان صاحب سنجار، و سليمان بن أرتق و غيرهم، فعظمت المصيبة على الإفرنج، و كانوا في وهن و قحط [ (1)] و سارت الجيوش فنازلتهم. و لكن أساء السّيرة كبربوقا [ (2)] في المسلمين، و أغضب الأمراء و تحامق، فأضمروا له الشّرّ. و أقامت الإفرنج في أنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة [ (3)] عشر يوما، و ليس لهم ما يأكلونه، و أكل ضعفاؤهم [ (4)] الميتة [ (5)] و ورق الشّجر، فبذلوا البلد بشرط الأمان، فلم يعطهم كبربوقا [ (6)].

[حربة المسيح عليه السّم المزعومة]

و كان بردويل [ (7)]، و صنجيل، و كندفري، و القمّص صاحب الرّها و بيمنت [ (8)] صاحب أنطاكية، و معهم راهب يراجعون إليه، فقال: إنّ المسيح كانت له حربة مدفونة بأنطاكيّة، فإن وجدتموها نصرتم. و دفن حربة في مكان عفّاه، و أمرهم بالصّوم و التّوبة ثلاثة أيّام، ثمّ أدخلهم في مكان، و أمر بحفره، فإذا بالحربة، فبشّرهم بالظّفر [ (9)].

____________

[ ()] البشر 2/ 210: «كربوغا».

[ (1)] النجوم الزاهرة 5/ 147، تاريخ الأزمنة 85، تاريخ الرهاوي (نشره الدكتور سهيل زكار) 2/ 457.

[ (2)] في الكامل 10/ 276: «كربوقا».

[ (3)] في الكامل: «اثني».

[ (4)] في الأصل: «ضعفائهم».

[ (5)] في الأصل: «الميتت».

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 276 و فيه: «كربوقا»، نهاية الأرب 28/ 253، 254، المختصر في أخبار البشر 2/ 210، 211، دول الإسلام 2/ 20، تاريخ ابن الوردي 2/ 10، الإعلام و التبيين 9، تاريخ الأزمنة 86.

[ (7)] هكذا في الأصل، و هو «بلدوين» أمير الرها.

[ (8)] هكذا. و هو «بوهيموند».

[ (9)] الكامل في التاريخ 10/ 277، نهاية الأرب 28/ 254، دول الإسلام 2/ 20، النجوم الزاهرة 5/ 147، 148، الإعلام و التبيين 10، تاريخ الأزمنة 86، الحروب الصليبية لوليم الصوري 1/ 396، أعمال الفرنجة 82، 83، تاريخ الرهاوي 2/ 457.

و قال ابن العبري: و رأى أحد ملوك الفرنج حلما فحفروا موضعا في بيعة القسيان عثروا فيه‏

12

و خرجوا للّقاء، و عملوا مصافّا، فولّى بعض العساكر حرب كبربوقا، لما في قلبهم منه. و ما كان ذا وقت ذا، فاشتغل بعضهم ببعض، و مالت عليهم الإفرنج، فهزمتهم، و هربوا من غير أن يقاتلوا، فظنّت الإفرنج أنّها مكيدة، إذ لم يجر قتال يوجب الهزيمة. و ثبت جماعة من المجاهدين، و قاتلوا خشية، فحطّمتهم الإفرنج، و استشهد يومئذ ألوف، و غنمت الإفرنج من المسلمين معظم ثقلهم، و دوّختهم [ (1)].

[دخول الإفرنج المعرّة]

ثمّ ساروا إلى المعرّة، فحاصروها أيّاما، ثمّ دخل المسلمين فشل و هلع، و ظنّوا أنّهم إذا تحصّنوا بالدّور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السّور إلى الدّور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم من السّور، فصعدت الإفرنج على السّلالم، و وضعوا فيهم السّيف ثلاثة أيّام، و قتلوا ما يزيد على مائة ألف، و ملكوا جميع ما فيها [ (2)].

____________

[ ()] على مسامير صليب ربّنا يسوع، فصاغوا منها صليبا و سنان رمح و اتخذوهما بمثابة راية و زحفوا إلى الأتراك. (تاريخ الزمان 124).

و قال في موضع آخر: و كان مع الإفرنج راهب مطاع فيهم و كان داهية من الرجال، فقال لهم:

إن فطروس السليح كان له عكازة ذات زجّ مدفونة بكنيسة القسيان، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون، و إلا فالهلاك متحقّق، و أمرهم بالصوم و التوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم و معهم عامّتهم و حفروا عليها في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر. (تاريخ مختصر الدول 196).

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 277، 278، نهاية الأرب 28/ 255، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، العبر 3/ 331، دول الإسلام 2/ 20، البداية و النهاية 12/ 155، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، النجوم الزاهرة 5/ 148.

[ (2)] تاريخ حلب للعظيميّ 360 (تحقيق زعرور) و 26 (بتحقيق سويّم)، الكامل في التاريخ 10/ 278، تاريخ الزمان لابن العبري 124، تاريخ مختصر الدول، له 197، أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 82، زبدة الحلب 2/ 141، 142، نهاية الأرب 28/ 255، 256، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، العبر 3/ 330، دول الإسلام 2/ 20، مرآة الجنان 3/ 154، البداية و النهاية 12/ 155، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، تاريخ ابن الوردي 2/ 10 و فيه: و في ذلك يقول بعض المعرّيّين، و أما أحسن ما جاءت تورية الإثنين و الخميس و الأحد:

معرّة الأذكياء قد مردت* * * عنّا و حقّ المليحة الحرد

في يوم الإثنين كان موعدهم* * * فما نجا من خميسهم أحد

الدرّة المضيّة 452، مآثر الإنافة 2/ 15، اتعاظ الحنفا 3/ 23، النجوم الزاهرة 5/ 146

13

[محاصرة الإفرنج عرقة]

و ساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، و نقّبوا أماكن. ثمّ صالحهم عليها صاحب شيزر [ (1)] ابن منقذ [ (2)].

[منازلة الإفرنج حمص‏]

فساروا و نازلوا حمص، ثمّ صالحهم جناح الدّولة على طريق إلى عكّا [ (3)].

[شغب الجند على السلطان بركياروق‏]

و فيها شغب الجند على السّلطان بركياروق [ (4)] و قالوا: لا نسكت لك حتّى تسلّم لنا مجد الملك القمّيّ المستوفي [ (5)]- و كان قد أساء السّيرة، و ضيّق الأرزاق-.

فقال: و اللَّه لا أمكّنهم منك.

و عزم على إخفائه، فقيل له: متى خرج عنك قتلوه، و لكن اشفع فيه.

فبعثه و قال للأمراء: السّلطان يشفع إليكم فيه. فثاروا به و قتلوه. ثمّ جاءوا و قبّلوا الأرض بين يدي بركياروق، فسكت [ (6)].

____________

[ ()] و 161، الإعلام و التبيين 9، شذرات الذهب 3/ 396، تاريخ الأزمنة 87 و فيه: قتلوا منهم نحو عشرة آلاف.

[ (1)] في الأصل: «شيراز» و هو وهم.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 278، تاريخ الزمان لابن العبري 124، نهارية الأرب 28/ 256، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، اتعاظ الحنفا 3/ 23 الإعلام و التبيين 10، تاريخ الأزمنة 87، أعمال الفرنجة 110.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 278 و فيه: «على طريق النواقير»، تاريخ الزمان 124، نهاية الأرب 28/ 256، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، تاريخ ابن الوردي 2/ 11، مآثر الإنافة 2/ 15، اتعاظ الحنفا 3/ 23، الإعلام و التبيين 10، شذرات الذهب 3/ 396، أعمال الفرنجة 109.

[ (4)] بركياروق: بفتح الباء الموحّدة، و سكون الراء و الكاف، و فتح الياء المثناة من تحتها، و بعد الألف راء مضمومة و واو ساكنة و قاف. (وفيات الأعيان 1/ 268، 269).

[ (5)] في الكامل: «مجد الملك البلاساني».

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 289، 290.

14

[خروج بيت المقدس من يد ابن أرتق‏]

و قال أبو يعلى: [ (1)] سار أمير الجيوش أحمد حتّى نازل بيت المقدس و حاصره، و أخذه من سقمان بن أرتق [ (2)].

____________

[ (1)] في ذيل تاريخ دمشق.

[ (2)] و الخبر في: أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 38، و الكامل في التاريخ 10/ 282، 283، و تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، و أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 82، و وفيات الأعيان 1/ 179، و نهاية الأرب 28/ 246، 247 و 256، و المختصر في أخبار البشر 2/ 209 (حوادث سنة 489 ه.)، و دول الإسلام 2/ 20، و تاريخ ابن الوردي 2/ 9 (حوادث سنة 489 ه.)،

الدرّة المضيّة 450، تاريخ سلاطين المماليك 229، اتعاظ الحنفا 3/ 22، النجوم الزاهرة 5/ 159 (489 ه).، تاريخ الأزمنة 81 (حوادث سنة 489 ه.)، تاريخ الرهاوي (نشر في الحروب الصليبية للدكتور سهيل زكار) 2/ 453.

و قال ابن خلّكان: «و كان الأفضل شاهنشاه المنعوت بأمير الجيوش قد تسلّمه من سكمان بن أرتق في يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى و تسعين، و قيل: في شعبان سنة تسع و ثمانين، و اللَّه أعلم بالصواب، و ولي فيه من قبله، فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فتسلّموه منه، و لو كان في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين. (وفيات الأعيان 1/ 179).

15

سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة

[مقتل أنر عامل بركياروق‏]

لمّا سار السّلطان بركياروق إلى خراسان، استعمل [ (1)] أنر [ (2)] على فارس و بلادها، و كان قد تغلّب عليها خوارج الأعراب، و اعتضدوا بصاحب كرمان ابن قاروت [ (3)]، فالتقاهم أنر، فهزموه و جاء مفلولا.

ثمّ ولي إمارة العراق، يعني قبل بركياروق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين له، و عسكر بأصبهان، ثمّ سار منها إلى إقطاعه بأذربيجان، و قد عاد، و انتشرت دعوة الباطنيّة بأصبهان، فانتدب لقتالهم، و حاصر قلعة لهم بأرض أصبهان. و اتّصل به مؤيّد الملك ابن نظام الملك، و جرت له أمور.

ثمّ كاتب غياث الدّين محمد بن ملك شاه، و هو إذ ذاك بكنجة، ثمّ سار إلى الرّيّ في نحو عشر آلاف، و همّ بالخروج على بركياروق، فوثب عليه ثلاث فقتلوه في رمضان بعد الإفطار. فوقعت الصّيحة، و نهبت خزائنه، و تفرّق جمعه.

ثمّ نقل إلى أصبهان، فدفن في داره [ (4)].

[استيلاء الإفرنج على بيت المقدس‏]

و فيها أحدق الإفرنج ببيت المقدس.

لمّا كسرت الإفرنج، خذلهم اللَّه، المسلمين على أنطاكية في العام‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و استعمل».

[ (2)] في الأصل: «أنز» بالزاي، و في نهاية الأرب 26/ 342 «أتسن».

[ (3)] في الكامل 10/ 281 «إيران شاه بن قاورت».

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 281، 282، تاريخ ابن خلدون 5/ 20، 21.

16

الماضي، قووا و طغوا، و كان تاج الدّولة تتش قد استولى على فلسطين و غيرها، و انتزع البلاد من نوّاب بني عبيد، فأقطع الأمير سقمان بن أرتق التّركيّ بيت المقدس، فرتّبه و حصّنه، فسار الأفضل بن بدر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سقمان و أخاه إيلغازي [ (1)]، و نصبوا على القدس نيّفا و أربعين منجنيقا، فهدموا في سوره.

و دام الحصار نيّفا و أربعين يوما، و أخذوه بالأمان في شعبان سنة تسع [ (2)] و ثمانين [ (3)].

و أنعم الأفضل على سقمان و أخيه، و أجزل لهم الصّلات [ (4)]. فسار سقمان و استولى على الرّها، و ذهب أخوه إلى العراق. و ولّي على القدس افتخار الدّولة، فدام فيه إلى هذا الوقت.

و سارت جيوش النّصرانيّة من حمص، و نازلت عكّا أيّاما، ثمّ ترحّلوا و أتوا القدس، فحاصروه شهرا و نصف، و دخلوا من الجانب الشّماليّ ضحوة نهار الجمعة لسبع بقين من شعبان، و استباحوه، فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون.

و احتمى جماعة ببرج داود، و نزلوا بعد ثلاث بالأمان، و ذهبوا إلى عسقلان [ (5)].

[رواية ابن الأثير عن دخول الإفرنج بيت المقدس‏]

قال ابن الأثير: [ (6)] قتلت الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين‏

____________

[ (1)] في الأصل: «بلغازي»، و التصحيح من الكامل 10/ 283.

[ (2)] في الأصل: «تسعة».

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 360 (و تحقيق سويّم) 26، أخبار مصر لابن ميسر 2/ 39، الكامل في التاريخ 10/ 282، 283، المختصر في أخبار البشر 2/ 211.

[ (4)] في الأصل: «الصلاة».

[ (5)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 137، تاريخ الفارقيّ 7268 الكامل في التاريخ 10/ 283، أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 82، نهاية الأرب 28/ 257، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، دول الإسلام 2/ 21، تاريخ ابن خلدون 5/ 21، تاريخ سلاطين المماليك 229، 230، اتعاظ الحنفا 3/ 24.

[ (6)] في الكامل في التاريخ 10/ 283، 284.

17

ألفا [ (1)]، منهم جماعة من العلماء و العبّاد و الزّهّاد، و ممّا أخذوا: أربعين قنديلا من الفضّة، وزن القنديل ثلاثة آلاف و ستّمائة درهم. و أخذوا تنّورا من فضّة، و زنه أربعون رطلا بالشّاميّ، و غنموا ما لا يحصى [ (2)].

و ورد المستنفرون من الشّام إلى بغداد صحبة القاضي أبي [ (3)] سعد الهرويّ [ (4)]، فأوردوا في الدّيوان كلاما أبكى العيون و جرح القلوب. و بعث الخليفة رسلا، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلانيّ [ (5)]، فردّوا من غير بلوغ أرب، و لا قضاء حاجة. و اختلف السّلاطين، و تمكّنت الإفرنج من الشّام [ (6)].

و للأبيورديّ:

____________

[ (1)] في الأصل: «ألف». و الخبر في: المنتظم 9/ 105 (17/ 47)، و تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، و وفيات الأعيان 1/ 179، و المختصر في أخبار البشر 2/ 211، و العبر 3/ 332، و دول الإسلام 2/ 21، و مرآة الجنان 3/ 154 و 158، و الجوهر الثمين 199، تاريخ ابن خلدون 5/ 21، تاريخ ابن الوردي 1/ 11، مآثر الإنافة 2/ 15 و فيه «تسعين ألف نفس»، اتعاظ الحنفا 3/ 23، تاريخ الخلفاء 427، الإعلام و التبيين 11 و فيه إنهم قتلوا من المسلمين في الحرم مائة ألف و سبوا مثلهم، شذرات الذهب 3/ 397، أخبار الدول 2/ 167، تاريخ الأزمنة 89، و يعترف مؤرّخ صليبيّ مجهول شهد احتلال الإفرنج لبيت المقدس، فيقول: «فلما ولج حجّاجنا المدينة جدّوا في قتل الشرقيين و مطاردتهم حتى قبة عمر، حيث تجمعوا و استسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله، حتى لقد فاض المعبد كله بدمائهم». (أعمال الفرنجة 118، 119) و انظر: الألكسياد لأنّا كومينا 166، و في تاريخ الرهاوي 2/ 459: «قتل في المدينة ثلاثون ألف مسلم».

[ (2)] المنتظم 9/ 108 (17/ 47)، تاريخ الزمان لابن العبري 124، 125، تاريخ مختصر الدول، له 197، وفيات الأعيان 1/ 179، نهاية الأرب 28/ 257، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، مرآة الجنان 3/ 158 (حوادث سنة 495 ه.)، البداية و النهاية 12/ 156، تاريخ ابن خلدون 3/ 21، اتعاظ الحنفا 3/ 23، النجوم الزاهرة 5/ 149، الإعلام و التبيين 11، شذرات الذهب 3/ 397، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 220.

[ (3)] في الأصل: «أبو» و هو غلط.

[ (4)] في نهاية الأرب 28/ 258 «القروي». و الصحيح ما أثبتناه.

[ (5)] في الكامل: «البلاساني» و «البلاسلاني».

[ (6)] نهاية الأرب 28/ 258، المختصر في أخبار البشر 2/ 211، و دول الإسلام 2/ 21، تاريخ ابن خلدون 5/ 21، النجوم الزاهرة 5/ 150، أخبار الدول 2/ 167.

18

مزجنا دماء [ (1)] بالدّموع السّواجم* * * فلم يبق [ (2)] منّا عرضة [ (3)] للمراحم [ (4)]

و شرّ سلاح المرء دمع يفيضه [ (5)]* * * إذا الحرب شبّت نارها بالصّوارم‏

فإيها بني الإسلام، إنّ وراءكم* * * وقائع يلحقن الذّرى [ (6)] بالمناسم‏

أ تهويمة في ظلّ أمن و غبطة* * * و عيش كنوّار الخميلة ناعم‏

و كيف تنام العين مل‏ء جفونها* * * على هفوات [ (7)] أيقظت كلّ نائم؟

و إخوانكم بالشّام يضحي مقيلهم* * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم‏

تسومهم الرّوم الهوان و أنتم [ (8)]* * * تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم‏

فكم [ (9)] من دماء قد أبيحت، و من دمي [ (10)]* * * توارى [ (11)] حياء حسنها بالمعاصم‏

بحيث السّيوف البيض محمرّة الظّبا* * * و سمر العوالي داميات اللّهاذم‏

يكاد [ (12)] لهنّ المستجنّ [ (13)] بطيبة* * * ينادي بأعلى الصّوت: يا آل هاشم‏

أرى أمّتي لا يشرعون إلى العدي* * * رماحهم، و الدّين واهي الدّعائم‏

و يجتنبون النّار خوفا من الرّدى* * * و لا يحسبون العار ضربة لازم‏

أ ترضى صناديد الأعاريب بالأذى،* * * و تغضي [ (14)] على ذلّ كماة الأعاجم‏

____________

[ (1)] في البداية و النهاية 12/ 156: «دمانا».

[ (2)] في الأصل: «يبقى» و هو غلط.

[ (3)] في الأصل: «عوضه»، و المثبت عن: الكامل 10/ 284، و تاريخ ابن الوردي 2/ 11، و في المختصر في أخبار البشر 2/ 211: «عرصة».

[ (4)] في النجوم الزاهرة 5/ 151: «للمراجم».

[ (5)] في البداية و النهاية: «يريقه».

[ (6)] في الأصل: «الردى»، و التصحيح من الكامل.

[ (7)] في الأصل: «هوان». و في المنتظم: «هنوات». و المثبت في الكامل 100/ 285، و المختصر 2/ 211، و في تاريخ ابن الوردي 2/ 11: «هبوات».

[ (8)] في الأصل: «و أنتموا».

[ (9)] في الكامل: «و كم» و مثله في المختصر.

[ (10)] في المختصر: «و من دم».

[ (11)] في الأصل: «تواري».

[ (12)] في المنتظم: «و كاد»، و مثله في النجوم الزاهرة 5/ 151.

[ (13)] في البداية و النهاية 12/ 156 «المستجير».

[ (14)] في الكامل 10/ 285: «و يفضي»، و كذا في البداية و النهاية. و في تاريخ ابن الوردي 2/ 11 «تقضي».

19

فليتهم إن لم يردّوا [ (1)] حميّة* * * عن الدّين، ضنّوا غيرة بالمحارم [ (2)]

[رواية سبط ابن الجوزيّ‏]

قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ [ (3)]: سارت الإفرنج و مقدّمهم كندفريّ [ (4)] في ألف ألف، بينهم خمسمائة ألف مقاتل، عملوا برجين من خشب مطلّين على السّور، فأحرق المسلمون البرج الّذي كان بباب صهيون، و قتلوا من فيه. و أمّا الآخر فزحفوا به حتّى ألصقوه بالسّور و حكموا به على البلد، و كشفوا من كان بإزائهم، و رموا بالمجانيق و السّهام رمية رجل واحد، فانهزم المسلمون من السّور.

قلت: هذه مجازفة بيّنة، بل قال ابن منقذ: إنّ جزءا كان بخيل، و إنّ قوما وقفوا على سورها بأمر الوالي في مضيق لا يكاد يعبر منه إلّا واحد بعد واحد.

قال: فكان عدد خيلهم ستّة آلاف [ (5)] و مائة فارس، و الرّجّالة ثمانية و أربعون ألفا. و لم تزل دار الإسلام منذ فتحها عمر رضي اللَّه عنه.

و كان الأفضل لمّا بلغه نزولهم على القدس تجهّز و سار من مصر في عشرين ألف، فوصل إلى عسقلان ثاني يوم الفتح، و لم يعلم. و راسل الإفرنج [ (6)].

____________

[ (1)] في المنتظم: «يذودوا»، و كذا في: الكامل 10/ 285، و في المختصر: «فليتهم إذا لم يذودوا»، و كذا في البداية و النهاية 12/ 157، و تاريخ ابن الوردي 2/ 11، و النجوم الزاهرة 5/ 151 و فيه «وليتهم».

[ (2)] وردت الأبيات: الخامس و السادس و السابع، و العاشر إلى آخرها ما عدا الأخير في: المنتظم، 9/ 108 (13/ 47، 48)، و كلها في: الكامل في التاريخ 10/ 284، 285 و فيه أبيات أخرى، و في المختصر في أخبار البشر 2/ 11 سبعة أبيات، و مثله في تاريخ ابن الوردي 2/ 11، و في النجوم الزاهرة 5/ 151 ستة أبيات، و زيادة بيت لم يذكره المؤلّف، و كلّها في:

تاريخ الخلفاء للسيوطي 427، 428.

[ (3)] في مرآة الزمان.

[ (4)] في الأصل: «كندهري»، و هو تصحيف. و هو «غودفري دي بويّون».

[ (5)] في الأصل: «ألف».

[ (6)] دول الإسلام 2/ 21، النجوم الزاهرة 5/ 149 و 150، الإعلام و التبيين 11، تاريخ الأزمنة 89.

20

قال ابن الأثير [ (1)]: فأعادوا الرّسول بالجواب، و لم يعلم المصريّون بشي‏ء، فبادروا السّلاح و الخيل، و أعجلتهم الإفرنج فهزموهم، و قتلوا منهم من قتل، و غنموا خيامهم بما فيها. و دخل الأفضل عسقلان، و تمزّق أصحابه. فحاصرته الإفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذهبا كثيرا، فردّوا إلى القدس [ (2)].

قال أبو يعلى ابن القلانسيّ [ (3)]: قتلوا بالقدس خلقا كثيرا، و جمعوا اليهود في الكنيسة و أحرقوها عليهم [ (4)]، و هدموا المشاهد.

[ابتداء دولة محمد بن ملك شاه‏]

و فيها ابتداء دولة محمد بن ملك شاه. لمّا مات أبوه ببغداد سار مع أخيه محمود و الخاتون تركان إلى أصبهان. ثمّ إنّ أخاه بركياروق أقطعه كنجة [ (5)]، و جعل له أتابكا، فلمّا قوي محمد قتل أتابك قتلغ تكين، و استولى على مملكة أرّان، و طلع شهما شجاعا مهيبا، قطع خطبة أخيه، و استوزره مؤيّد الملك عبد اللَّه ابن نظام الملك [ (6)]. فإنّه التجأ إليه بعد قتل مخدومه أنر [ (7)].

و اتّفق قتل مجد الملك الباسلانيّ [ (8)]، و استيحاش العسكر من بركياروق، ففارقوه و قدموا على محمد، و كثر عسكره، فطلب الرّيّ. و عرّج أخوه إلى أصبهان، فعصوا عليه، و لم يفتحوا له. فسار إلى خوزستان.

و أمّا محمد فاستولى على الرّيّ و بها زبيدة والدة السّلطان بركياروق،

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 286.

[ (2)] تاريخ الزمان لابن العبري 125، الجوهر الثمين 199، النجوم الزاهرة 5/ 149، الإعلام و التبيين 12، أعمال الفرنجة 124.

[ (3)] في ذيل تاريخ دمشق 137.

[ (4)] دول الإسلام 2/ 21، الإعلام و التبيين 12.

[ (5)] في المنتظم: «جنزة» و هما واحد. و في الطبعة الجديدة «كنجة» دون الإشارة إلى ما ورد في الطبعة الأولى.

[ (6)] المنتظم 9/ 109 (17/ 48)، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، العبر 3/ 333، دول الإسلام 2/ 21، تاريخ ابن خلدون 3/ 482.

[ (7)] في الأصل: «أنز»، و في نهاية الأرب 26/ 342: «أتسز».

[ (8)] في الكامل 10/ 288 «البلاساني»، و المثبت يتفق مع: نهاية الأرب 26/ 342، و الأصل. و في تاريخ ابن خلدون 3/ 482 «البارسلاني»، و 5/ 22 كما هو مثبت أعلاه.

21

فسجنها مؤيّد الملك الوزير، و صادرها و أمر بخنقها. و لكن أظفر اللَّه بركياروق بالمؤيّد فقتله [ (1)].

[الخطبة للسلطان محمد]

و سار سعد الدّولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السّلطان محمد، فخلع عليه، و ردّه إلى بغداد نائبا له، و أقيمت الخطبة ببغداد، و لقّب «غياث الدّنيا و الدّين» في آخر السّنة [ (2)].

[الغلاء و الوباء بخراسان‏]

و فيها، و في العام الماضي، كان بخراسان الغلاء المفرط، و الوباء، حتّى عجزوا عن الدّفن، و عظم البلاء [ (3)].

[نقل المصحف العثماني من طبرية إلى جامع دمشق‏]

و فيها نقل الأتابك طغتكين من طبريّة المصحف العثمانيّ خوفا عليه إلى دمشق، و خرج النّاس لتلقّيه، فأقرّه في خزانة بمقصورة الجامع [ (4)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 287، 288، نهاية الأرب 26/ 342، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، دول الإسلام 2/ 22، مرآة الجنان 3/ 154، البداية و النهاية 12/ 157، تاريخ ابن خلدون 3/ 482.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 289، تاريخ الزمان لابن العبري 125، نهاية الأرب 26/ 343، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، العبر 3/ 333، دول الإسلام 2/ 22، تاريخ ابن الوردي 2/ 11، تاريخ الخلفاء 428.

[ (3)] في المنتظم: «و فيها زادت الأسعار و منع القطر و بلغ الكر تسعين دينارا ببغداد و واسط، و مات الناس على الطرقات و اشتدّ أمر العيّارين في المحالّ» (9/ 109). البداية و النهاية 12/ 157 (17/ 48)، و الخبر في: الكامل في التاريخ 11/ 291.

[ (4)] جاء في الدرّة المضية 452 أن المسلمين نقلوا مصحف عثمان من المعرة إلى دمشق. و لم ينبّه محقّقه إلى هذا الوهم.

و جاء في: أخبار الدول للقرماني 2/ 167:

«و في هذه السنة أو في حدود ثماني عشرة و خمسمائة نقل المصحف العثماني من مدينة طبرية إلى جامع دمشق خوفا عليه من الكفار».

22

سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة

[دخول عسكر بركياروق الحلّة]

لمّا سار بركياروق إلى خوزستان دخلها بجميع من معه و هم في حال سيّئة. ثمّ سار عسكره إلى واسط، فظلموا النّاس، و نهبوا البلاد و سار إلى خدمته الأمير صدقة بن مزيد صاحب الحلّة [ (1)].

[إعادة الخطبة لبركياروق ببغداد]

ثمّ سار و دخل بغداد في سابع عشر [ (2)] صفر، و أعيدت خطبته [ (3)]، و تراجع إليه بعض الأمراء، و لم يؤاخذ كوهرائين، و خلع عليه [ (4)]، و قبض على وزير بغداد عميد الدّولة ابن جهير، و التزم بحمل مائة و ستّين ألف دينار [ (5)].

[هزيمة بركياروق أمام أخيه محمد]

ثمّ سار بالعساكر إلى شهرزور، و انضمّ إليه عسكر لجب، فالتقى الأخوان فكان محمّد في عشرين ألفا، و كان على ميمنته أمير آخر، و على مسيرته مؤيّد الملك، و النّظاميّة [ (6)].

____________

[ (1)] المنتظم 9/ 111 (17/ 52)، الكامل في التاريخ 10/ 293، دول الإسلام 2/ 22.

[ (2)] في الأصل: «في اثنا».

[ (3)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 293، نهاية الأرب 26/ 343، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، دول الإسلام 2/ 22، تاريخ ابن خلدون 3/ 482، تاريخ ابن الوردي 2/ 11، مآثر الإنافة 2/ 12، النجوم الزاهرة 5/ 165.

[ (4)] العبر 3/ 335.

[ (5)] المنتظم 9/ 113 (17/ 52، 53)، الكامل في التاريخ 10/ 293، 294.

[ (6)] تاريخ حلب للعظيميّ (تحقيق زعرور) 360 (تحقيق سويّم) 26، نهاية الأب 26/ 344، 345، تاريخ ابن خلدون 3/ 483 و 5/ 23.

23

و كان على ميمنة بركياروق كوهرائين [ (1)]، و الأمير صدقة، و على ميسرته كبربوقا صاحب الموصل. فهزم كوهرائين ميسرة محمد، و هزم أمير آخر بميسرة محمد ميمنة بركياروق، فعاد كوهرائين فكبا به الفرس، فأتاه فارس فقتله، و انهزمت عساكر بركياروق و ذلّ، و بقي في خمسين فارسا [ (2)]. و أسر وزيره الجديد الأعزّ أبو المحاسن، فبالغ مؤيّد الملك وزير محمد في احترامه، و كفّله عمادة بغداد، و إعادة الخطبة لمحمد، فساق إلى بغداد، و خطب لمحمد ثاني مرّة في نصف رجب [ (3)].

[ترجمة سعد الدولة كوهرائين‏]

و كان سعد الدّولة كوهرائين خادما كبيرا محتشما، ولي بغداد و خدم ملوكها، و رأى ما لم يره أمير من نفوذه الكلمة و العزّ. و كان حليما كريما حسن السّيرة. و كان خادما تركيّا للملك أبي كاليجار ابن سلطان الدّولة بن بهاء الدّولة بن عضد الدّولة ابن بويه. و بعث بن أبوه مع ابنه أبي نصر إلى بغداد، فلم يزل معه حتّى قدم السّلطان طغرلبك بغداد، فحبسه مع مولاه. ثمّ خدم السّلطان ألب أرسلان، و فداه بنفسه. وثب عليه يوسف الخوارزميّ، و كان صاحب صلاة، و تهجّد، و صيام، و معروف، (رحمه اللَّه) [ (4)].

[مسير بركياروق إلى نيسابور و غيرها]

و أمّا السّلطان بركياروق، فسار بعد الوقعة إلى إسفرائين، ثمّ دخل نيسابور، و ضيّق على رؤسائها. و عمل مصافّا مع أخيه سنجر، فانهزمت الفتيان.

و سار بركياروق إلى جرجان، ثمّ دخل البرّيّة في عسكر يسير، و طلب أصبهان،

____________

[ (1)] في تاريخ ابن خلدون 5/ 24 «كوهراس».

[ (2)] المنتظم 9/ 113 (17/ 53)، تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، نهاية الأرب 26/ 345، العبر 3/ 335، دول الإسلام 2/ 22.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 194، 195، نهاية الأرب 26/ 345، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، تاريخ ابن خلدون 3/ 483 و 5/ 23، 24، تاريخ ابن الوردي 2/ 11.

[ (4)] انظر ترجمة (سعد الدولة كوهرائين) في: المنتظم 9/ 115، 116 رقم 173 (17/ 56، 57 رقم 3694)، و الكامل في التاريخ 10/ 295، 296، دول الإسلام 2/ 22، تاريخ ابن خلدون 3/ 483 و 5/ 24 و فيه «كوهراس».

24

فسبقه أخوه محمد إليها [ (1)].

[فتح ابن باديس مدينة سفاقس‏]

و فيها فتح تميم بن المعزّ بن باديس مدينة سفاقس، و غيرها، و اتّسع سلطانه [ (2)].

[وقوع بيمند الإفرنجي في أسر كمشتكين‏]

و فيها لقي كمشتكين ابن الدّنشمند [ (3)] صاحب ملطية، و سيواس، بيمند الإفرنجيّ صاحب أنطاكية، بقرب ملطية، فأسر بيمند [ (4)].

[أخذ الإفرنج قلعة أنكوريّة]

و وصل في البحر سبعة قوامص [ (5)]، فأخذوا قلعة أنكوريّة [ (6)]، و قتلوا أهلها.

ثمّ التقاهم ابن الدّنشمند [ (7)].

قال ابن الأثير [ (8)]: فلم يفلت أحد من الإفرنج، و كانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا. كذا قال، و العهدة عليه.

ثمّ سار الإفرنج من أنطاكية، فالتقاهم و كسرهم.

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 296، نهاية الأرب 26/ 345، 346، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، العبر 3/ 335، دول الإسلام 2/ 22، تاريخ ابن خلدون 3/ 483، 484 و 5/ 24.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 298، البيان المغرب 1/ 302.

[ (3)] في نهاية الأرب 28/ 359 «الدانشمند»، و مثله في: المختصر في أخبار البشر 2/ 212 و فيه:

و قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معلّم التركمان، و المعلّم عندهم اسمه الدانشمند.

[ (4)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 360 (و تحقيق سويّم) 26، الكامل في التاريخ 10/ 300، نهاية الأرب 28/ 259، المختصر في أخبار البشر 2/ 212، العبر 3/ 335، مرآة الجنان 3/ 155، تاريخ ابن الوردي 2/ 11.

[ (5)] قوامص: مفردها «قمص»، و تجمع على «قمامصة»، كما في: نهاية الأرب 28/ 259.

[ (6)] أنكوريّة: هي مدينة أنقرة الآن عاصمة الجمهورية التركية.

[ (7)] العبر 3/ 335، 336.

[ (8)] في الكامل 10/ 300، و عنه ينقل النويري في نهاية الأرب 28/ 259، و المؤلّف في العبر 3/ 336، و ابن كثير في البداية و النهاية 12/ 158.

25

[وزارة الدّهستاني‏]

و وزر للخليفة أبو المحاسن عبد الجليل بن عليّ [ (1)] الدّهستانيّ [ (2)] جلال الدّولة، فجاء كتاب بركياروق يحثّه على اللّحاق به. فاستوزر الخليفة المستظهر باللَّه سديد الملك أبا المعالي الفضل بن عبد الرزاق الأصفهانيّ. قاله صاحب «المرآة».

[رواية فيها مجازفة لصاحب مرآة الزمان‏]

و فيها خرج سعد الدّولة الطواشيّ [ (3)] من مصر، فالتقى الإفرنج على عسقلان، و قاتل بنفسه حتى قتل، و حمل المسلمون على النّصارى فهزموهم إلى قيساريّة.

قال: فيقال إنّهم قتلوا من الإفرنج ثلاثمائة ألف [ (4)].

قلت: هذه مجازفة عظيمة من نوع المذكورة آنفا.

[القحط بالشام‏]

و فيها كان القحط بالشّام، و الخوف من الإفرنج [ (5)].

____________

[ (1)] في الأصل: «عبد الجليل عبد الجليل»، و التصحيح من: نهاية الأرب 26/ 344.

[ (2)] في نهاية الأرب: «الدهشاني». و المثبت عن الأصل، و الكامل في التاريخ. و في تاريخ ابن خلدون 5/ 23 «الرهستاني» بالراء.

و «الدّهستاني»: بكسر الدال المشدّدة و الهاء، و سكون السين المهملة.

[ (3)] في الأصل: «القرامسي»، و المثبت عن: اتعاظ الحنفا 3/ 32، و في النجوم الزاهرة 5/ 152 «القواسي».

[ (4)] المنتظم 9/ 114 (17/ 55) و فيه: «خرج الإفرنج ثلاثمائة ألف، فهزمهم المسلمون و قتلوهم فلم يسلم منهم سوى ثلاثة آلاف هربوا ليلا، و باقي الفلّ هربوا مجروحين». دول الإسلام 2/ 22، 23 و فيه: قيل قتل منهم مائة ألف، النجوم الزاهرة 5/ 152، و مثله في: الإعلام و التبيين 12.

[ (5)] أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 39، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 138، زبدة الحلب 2/ 143، اتعاظ الحنفا 3/ 25.

26

سنة أربع و تسعين و أربعمائة

[هزيمة السلطان محمد و ذبح وزيره مؤيّد الملك‏]

في وسطها كان مصافّ كبير بين السّلطانين: محمد، و بركياروق. كان مع بركياروق خمسون ألفا، فانهزم محمد، و أسر وزيره مؤيّد الملك، فذبحه بركياروق بيده. و كان بخيلا، سيّئ الخلق، مذموم السّيرة، إلّا أنّه كان من دهاة العالم، عاش خمسين سنة [ (1)].

[دخول بركياروق الرّيّ‏]

و دخل بركياروق الرّيّ و سجد للَّه، و جاء إلى خدمته صاحب الموصل كبربوقا، و نور الدولة دبيس ولد صدقة [ (2)].

[تحالف السلطان محمد و أخيه سنجر]

و انهزم محمد إلى خراسان، فأقام بجرجان، و راسل أخاه لأبويه الملك سنجار [ (3)] يطلب منه مالا و كسوة، فسيّر إليه ما طلب. ثمّ تحالفا و تعاهدا و اتّفقا.

و لم يكن بقي مع محمد غير ثلاثمائة فارس، فقدم إليه أخوه سنجر و انضمّ إليهما عسكر كثير، و تضرّر بالعسكر أهل خراسان [ (4)].

____________

[ (1)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 139، الكامل في التاريخ 10/ 303، 304 نهاية الأرب 26/ 347، المختصر في أخبار البشر 2/ 213، العبر 3/ 337، دول الإسلام 2/ 23، تاريخ ابن خلدون 3/ 484 و 5/ 24، 25، النجوم الزاهرة 5/ 167.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 305، تاريخ ابن خلدون 5/ 25.

[ (3)] هكذا في الأصل، و هو «سنجر».

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 305، تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، نهاية الأرب 36/ 347، العبر 3/ 337، تاريخ ابن خلدون 5/ 25.

27

[تراجع بركياروق إلى همذان‏]

و أمّا السّلطان بركياروق، فسار جيشه قريبا من مائة ألف، فغلت الأسعار، و استأذنته الأمراء في التّفرّق بالفلاة، فبقي في عسكر قليل، فبلغ ذلك أخويه، فقصداه و طويا المراحل، فتقهقر و نقصت هيبته، و قصد همذان، فبلغه أنّ أياز متولّيها قد راسل محمّدا ليكون معه، فسار إلى خوزستان، ثمّ خرج إلى حلوان [ (1)].

[مرض بركياروق‏]

و أمّا أياز فلم يقبله محمد، فخاف و هرب إلى عند بركياروق، فدخلت أصحاب محمد، و نهبوا حواصله، فيقال إنّهم الخمسمائة فرس العربيّة. و تكامل مع بركياروق خمسة آلاف ضعيف، قد ذهبت خيامهم و ثقلهم، و قدم بهم بغداد، و مرض، و بعث يشكو قلّة المال إلى الدّيوان، فتقرّر الأمر على خمسين ألف دينار حملت إليه، و مدّ أصحابه أيديهم إلى أموال الرّعية و ظلموهم [ (2)].

[خروج صاحب الحلّة عن الطاعة]

و خرج عن طاعته صاحب الحلّة، و خطب لأخيه محمد [ (3)].

[دخول السلطان محمد بغداد]

و في آخر العام وصل محمد و سنجر إلى بغداد، و جاء إلى خدمته إيلغازي بن أرتق. و تأخّر بركياروق و هو مريض إلى واسط، و أصحابه ينهبون القرى و المؤنة [ (4)]. و فرح الخليفة و النّاس بالسّلطان محمد [ (5)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 306، نهاية الأرب 26/ 348، العبر 3/ 337، 338، دول الإسلام 2/ 23، تاريخ ابن خلدون 5/ 25.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 307، نهاية الأرب 26/ 348، المختصر في أخبار البشر 2/ 213، العبر 3/ 338، دول الإسلام 2/ 23.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 308، نهاية الأرب 26/ 348، البداية و النهاية 12/ 160.

[ (4)] في الأصل: «و بالمونة».

[ (5)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 140، الكامل في التاريخ 10/ 309، 310، نهاية الأرب 26/ 347، 348، المختصر في أخبار البشر 2/ 213، دول الإسلام 2/ 23، تاريخ ابن خلدون 3/ 485، تاريخ ابن الوردي 2/ 12.

28

[ظهور الباطنيّة ببغداد]

و في حدودها ظهرت الباطنيّة ببغداد و نواحيها، و كثروا [ (1)].

[رواية ابن الجوزي عن الباطنية]

قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: [ (2)] و أوّل ما عرف من أخبار الباطنيّة، يعني الإسماعيليّة، أنّهم اجتمعوا فصلّوا العيد في ساوة، ففطن بهم الشّحنة، فأخذهم و حبسهم، ثم أطلقهم، [ثم اغتالوا] [ (3)] مؤذّنا من أهل ساوة [فاجتهدوا] [ (4)] أن يدخل في مذهبهم، فامتنع [ (5)]، فخافوا أن ينمّ عليهم، فقتلوه [ (6)]. فرفع ذلك إلى نظام الملك، فأخذ رجلا نجّارا اتّهمه بقتله، و هو أوّل من فتكوا به. و كانوا يقولون: قتلتم منّا نجّارا، فقتلنا به نظام الملك [ (7)].

ثمّ استفحل أمرهم بأصبهان.

و لمّا مات السّلطان ملك شاه، آل أمرهم إلى أنّهم كانوا يسرقون النّاس فيقتلونهم و يلقونهم بالآبار. فكان الإنسان إذا دنا [ (8)] وقت و لم يعد إلى منزله يئسوا [ (9)] منه [ (10)]. و بلغ من حيلهم امرأة [ (11)] على حصير لا تبرح منها، فدخلوا الدّار، يعني الأخوان، فأزالوها، فوجدوا تحت الحصير بئرا فيها أربعون [ (12)] قتيلا. فقتلوا المرأة، و هدموا الدّار.

و كانوا يجلسون ضريرا على باب زقاقهم، فإذا مرّ به إنسان سأله أن يقوده‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 313، العبر 3/ 338.

[ (2)] في المنتظم 9/ 120 (17/ 63) و ما بعدها.

[ (3)] في الأصل: «فسئلهم»، و المثبت بين الحاصرتين عن المنتظم.

[ (4)] إضافة من المنتظم.

[ (5)] في المنتظم: «أن يدخل معهم فلم يفعل».

[ (6)] في المنتظم: «فاغتالوه فقتلوه».

[ (7)] الكامل في التاريخ 10/ 313، نهاية الأرب 26/ 351.

[ (8)] في الأصل: «دنى».

[ (9)] في الأصل: «يأسوا».

[ (10)] نهاية الأرب 26/ 352.

[ (11)] في المنتظم 9/ 120: «و فتش الناس المواضع فوجدوا امرأة في دار لا تبرح فوق حصير ...».

[ (12)] في الأصل: «أربعين».

29

إلى رأس الزّقاق، فإذا فعل جذبه من في الدّار إليها فقتلوه. فجدّ أهل أصبهان فيهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا [ (1)].

و أوّل قلعة ملكوها بناحية أصبهان، تسمّى الرّوذبار [ (2)]، و كانت لقراج [ (3)] صاحب ملك شاه، و كان متّهما بمذهبهم. فلمّا مات ملك شاه أعطوه ألفا و مائتي دينار، فسلّمها إليهم في سنة ثلاث و ثمانين. و قيل: لم يكن ملك شاه مات.

[مقدّم الباطنيّة]

و كان مقدّمهم يقال له الحسن بن الصّبّاح، و أصله من مرو. و كان كاتبا لبعض الرّؤساء، ثمّ صار إلى مصر و تلقّى من دعاتهم، و عاد داعية للقوم، و حصّل هذه القلعة، و كان لا يدعو إلّا غنيّا [ (4)]، ثمّ يذكر له ما تمّ على أهل البيت من الظّلم، ثمّ يقول له: إذا كانت الأزارقة و الخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أميّة، فما سبب تخلّفك بنفسك عن إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طعمة للسّباع.

[طاعة الباطنيّة لمقدّمهم‏]

و كان ملك شاه نفّذ إليه يتهدّده و يأمره بالطّاعة، و يأمره أن يكفّ أصحابه عن قتل العلماء و الأمراء، فقال للرّسول: الجواب ما تراه. ثمّ قال لجماعة بين يديه:

أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجة، فمن ينهض بها؟ فاشرأبّ كلّ واحد منهم، و ظنّ الرسول أنّها حاجة [ (5)]، فأومى إلى شابّ فقال: أقتل نفسك. فجذب سكّينا، فقال بها في عاصمته [ (6)]، فخرّ ميتا.

و قال لآخر: إرم نفسك من القلعة. فألقى نفسه فتقطّع. فقال للرسول:

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 315، دول الإسلام 2/ 23.

[ (2)] في الأصل: «الدور نار»، و في المنتظم 9/ 121 «الروذناذ»، و المثبت عن: الفخري 300.

[ (3)] هكذا في الأصل، و في المنتظم 9/ 121: «لقماج».

[ (4)] هكذا في الأصل، و في المنتظم 9/ 121، و الكامل في التاريخ: «غبيا».

[ (5)] في المنتظم: «رسالة».

[ (6)] هكذا في الأصل. و في المنتظم، و الكامل في التاريخ: «غلصمته»، و مثله في البداية و النهاية 12/ 160.

30

قل له عندي من هؤلاء عشرون ألفا، هذا حدّ طاعتهم [ (1)].

فعاد الرسول و أخبر ملك شاه، فعجب، و أعرض عن كلامهم.

[حيلة للباطنية في الاستيلاء على قلعة]

و صار بأيديهم قلاع كثيرة، منها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، و كان حافظها رجلا تركيّا، فصادقه نجّار منهم، و أهدى له جارية، و قوسا [ (2)]، فوثق به، و كان يستنيبه في حفظ القلعة. فاستدعى النّجّار ثلاثين [ (3)] رجلا من أصحاب ابن عطّاش [ (4)]، و عمل دعوة، و دعا التّركيّ و أصحابه، و سقاهم الخمر، فلمّا سكروا تسلّق الثّلاثون [ (5)] بحبال إليه [ (6)]، فقتلوا أصحاب التّركيّ، و سلم هو وحده، فهرب. و تسلّموا القلعة.

و قطعوا الطّرقات ما بين فارس و خوزستان.

ثمّ ظفر جاولي بثلاثمائة منهم، فأحاط هو و جنده بهم فقتلوهم. و كان جماعة منهم في عسكر بركياروق، فاستغووا خلقا منهم، فوافقهم، فاستشعر أصحاب السّلطان منهم، و لبسوا السّلاح، ثمّ قتلوا منهم مائة رجل.

[من خزعبلات الباطنيّة]

و كان بنواحي المشان رجل منهم يتزهّد و يدّعي الكرامات. أحضر مرّة جديا مشويّا لأصحابه، و أمر بردّ عظامه إلى التّنّور، فردّت، و جعل على التّنّور طبقا. رفع الطّبق فوجدوا جديا يرعى حشيشا، و لم يروا نارا و لا رمادا. فتلطّف بعض أصحابه حتّى عرف بأنّ التّنّور كان يفضي إلى سرداب، و بينهما شقّ [ (7)] من‏

____________

[ (1)] البداية و النهاية 12/ 159، 160.

[ (2)] هكذا في الأصل. و في المنتظم: «و فرسا».

[ (3)] في الأصل: «ثلاثون»، و هو غلط.

[ (4)] في المنتظم: «عطاس»، بالسين المهملة: و المثبت يتفق مع: الكامل 10/ 316، و اسمه:

«أحمد بن عبد الملك بن عطاش». (تاريخ دولة آل سلجوق 90).

[ (5)] في الأصل: «الثلاثين».

[ (6)] في المنتظم 9/ 122: «فلما توسّطوا الشعب عاد عليهم و من معه من أصحابه، فقتلوهم فلم يفلت إلّا ثلاثة نفر تسلّقوا في الجبال ..».

[ (7)] في المنتظم: «طبق».

31

حديد يدور بلولب، فيفرك اللّولب، فتدور النّار، و يجي‏ء بدلها الجدي و المرعى.

و قال «الغزاليّ» في كتاب «سرّ العالمين»: شاهدت قصّة الحسن بن الصّبّاح لمّا تزهّد تحت حصن ألموت، فكان أهل الحصن يتمنّون صعوده إليهم، و يمتنع و يقول: أما ترون المنكر كيف فشا؟ و فسد النّاس. فبعثنا إليه خلقا [ (1)].

فخرج أمير الحصن يتصيّد، و كان أكثر تلامذته في الحصن، فأصعدوه إليهم و ملّكوه، و بعث إلى الأمير من قتله.

و لمّا كثرت قلاعهم، و اشتغل عنهم أولاد ملك شاه باختلافهم اغتالوا جماعة من الأمراء و الأعيان.

و للغزاليّ (رحمه اللَّه)- كتاب «فضائح الباطنيّة»، و لابن الباقلّانيّ، و القاضي عبد الجبّار، و جماعة: ردّ على الباطنيّة. و هم طائفة خبيثة، و يظهرون الزّهد، و المراقبة، و الكشف، فيضلّ بهم كلّ سليم الباطن.

[رواية ابن الأثير عن الباطنيّة]

قال «ابن الأثير» [ (2)] و في شعبان سنة أربع و تسعين أمر السّلطان بركياروق بقتل الباطنيّة، و هم الإسماعيليّة، و هم القرامطة.

قال: [ (3)] و تجرّد بأصبهان للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخجنديّ الفقيه الشّافعيّ، و جمع الجمّ الغفير بالأسلحة، و أمر بحفر أخاديد أوقدوا فيها النّيران، و جعل فيها رجلا لقّبوه مالكا، و جعلت العامّة يأتون و يلقونهم في النّار، إلى أن قتلوا منهم خلقا كثيرا.

إلى أن قال: [ (4)] و كان الحسن بن الصّبّاح رجلا شهما، كافيا، عالما بالهندسة، و الحساب، و النّجوم، و السّحر، و غير ذلك [ (5)].

____________

[ (1)] في الأصل: «خلق».

[ (2)] في الكامل في التاريخ 10/ 313، و انظر: تاريخ ابن خلدون 5/ 26، 27.

[ (3)] في الكامل 10/ 315.

[ (4)] في الكامل 10/ 316 و ما بعدها.

[ (5)] المختصر في أخبار البشر 2/ 214.

32

و كان رئيس الرّيّ أبو مسلم، فاتّهم ابن الصّبّاح بدخول جماعة من دعاة المصريّين عليه، فخافه ابن الصّبّاح و هرب، فلم يدركه أبو مسلم.

و كان ابن الصّبّاح من جملة تلامذة أحمد بن عطّاش الطّبيب الّذي ملك قلعة أصبهان. و سافر ابن الصّبّاح فطاف البلاد، و دخل على المستنصر صاحب مصر [ (1)]، فأكرمه و أعطاه مالا، و أمره أن يدعو النّاس إلى إمامته، فقال له الحسن بن الصّبّاح: فمن الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار [ (2)].

[الدعوة للمستعلي و نزار]

و لمّا هلك المستنصر و استخلف ولده المستعلي صار نزار هذا إلى الإسكندريّة، و دعي إلى نفسه، فاستجاب له خلق، و لقّب بالمصطفى لدين اللَّه.

و قام بأمر دولته ناصر الدّولة أفتكين مولى أمير الجيوش بدر. و هذا في سنة سبع و ثمانين و أربعمائة [ (3)].

[حصار المصريّين للإسكندرية]

فسار عسكر مصر لحصار الإسكندرية في سنة ثمان، فخرج ناصر الدّولة و طرهم، فردّوا خائبين [ (4)] ثمّ سار الأفضل فحاصر الإسكندريّة و أخذها، و أسر نزار، و أفتكين و عدّة.

و جرت أمور [ (5)].

____________

[ (1)] لفخري لابن طباطبا 300، المختصر في أخبار البشر 2/ 214.

[ (2)] المغرب في حلى المغرب 81.

[ (3)] أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 35، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 128، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 357 (و تحقيق سويّم) 23، تاريخ الفارقيّ 267 (حوادث سنة 489 ه.)،

الكامل في التاريخ 10/ 237، تاريخ مختصر الدول لابن العبري 195، أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 83، المغرب في حلى المغرب 81، وفيات الأعيان 1/ 179، نهاية الأرب 28/ 245، مرآة الجنان 3/ 158، الدرّة المضيّة 443، 444، اتعاظ الحنفا 3/ 12، 13.

[ (4)] أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 36، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 128، تاريخ الفارقيّ 267، أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 83، 84، المغرب في حلى المغرب 81، نهاية الأرب 28/ 245، اتعاظ الحنفا 3/ 14، شذرات الذهب 3/ 402.

[ (5)] أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 36، 37، نهاية الأرب 28/ 245، 246، مرآة الجنان 3/ 158، الدرّة المضيّة 444 و 446، 447، اتعاظ الحنفا 3/ 14، 15، شذرات الذهب 3/ 402.

33

[إقامة ابن الصبّاح بقلعة ألموت‏]

و دخل ابن الصّبّاح خراسان، و كاشغر، و النّواحي، يطوف على قوم يضلّهم. فلمّا رأى قلعة ألموت [ (1)] بقزوين أقام هناك، و طمع في إغوائهم.

و دعاهم في السّرّ، و أظهر الزّهد، و لبس المسوح، فتبعه أكثرهم.

و كان نائب ألموت رجلا أعجميّا علويّا، فيه بله و سلامة صدر، و كان حسن الظّنّ بالحسن، يجلس إليه، و يتبرّك فيه. فلمّا أحكم الحسن أمره دخل يوما على العلويّ فقال: أخرج من هذه القلعة. فتبسّم، و ظنّه يمزح، فأمر الحسن بعض أصحابه فأخرجوه، و أعطاه ماله.

فبعث نظام الملك لمّا بلغه الخبر عسكرا، فنازلوه ضايقوه، فبعث من قتل نظام الملك، و ترحّل العسكر عن ألموت.

ثمّ بعث السّلطان محمد بن ملك شاه العسكر و حاصروه [ (2)].

و من جملة ما استولوا عليه من القلاع: قلعة طبس [ (3)]، و زوزن [ (4)]، و فأين [ (5)]، وسيمكوه [ (6)]. و تأذّى بهم أهل البلد، و استغاثوا بالسّلطان، فبعث عسكرا حاصروه ثمانية أشهر، و فتحت، و قتل كلّ من فيها. و لهم عدّة قلاع سوى ما ذكرنا [ (7)].

____________

[ (1)] قلعة ألموت: معناها بالديلم: تعليم العقاب. (نهاية الأرب 26/ 353)، و قال أبو الفداء: إن بعض ملوك الديلم أرسل عقابا على الصيد فقعد على موضع ألموت، فرآه حصينا، فبنى عليه قلعة و سماها أله الراموت و معناه بلسان الديلم: تعليم العقاب. و يقال لذلك الموضع و ما يجاوره: طالقان. (المختصر في أخبار البشر 2/ 214) (و تاريخ ابن الوردي 2/ 13).

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 317.

[ (3)] طبس: بفتح أوله و ثانيه. مدينة في برّيّة بين نيسابور و أصبهان و كرمان. (معجم البلدان 4/ 20).

[ (4)] في الأصل: «روزن». بالراء في أولها، و التصحيح من: معجم البلدان 3/ 158 و فيه: «زوزن:

بضم أوله و قد يفتح، و سكون ثانيه، و زاي أخرى، و نون، كورة واسعة بين نيسابور و هراة، و يحسبونها في أعمال نيسابور».

[ (5)] قاين: بعد الألف ياء مثنّاة من تحت، و آخره نون. بلد قريب من طبس بين نيسابور و أصبهان.

و قال البشّاري: قاين قصبة قوهستان، صغيرة ضيّقة غير طيبة. (معجم البلدان 4/ 301).

[ (6)] في الكامل 10/ 318 «وسنمكوه»، و في نهاية الأرب 26/ 353 «سنملوه»، و في المختصر في أخبار البشر 2/ 214 «و ستمكوه» و قال: و هي بقرب أبهر.

[ (7)] الكامل في التاريخ 10/ 318، نهاية الأرب 26/ 353، المختصر في أخبار البشر 2/ 214 و فيه‏

34

قال: [ (1)] و كان تيران شاه ابن توران شاه بن قاروت [ (2)] بك السّلجوقيّ بكرمان قد قتل الإسماعيليّة الأتراك أصحاب الأمير إسماعيل، و كانوا قوما سنّة. قتل منهم ألفي رجل صبرا، و قطع أيدي ألفين. و نفق عليه أبو زرعة الكاتب، فحسّن له مذهب الباطنيّة، فأجاب. و كان عنده الفقيه أحمد بن الحسين البلخيّ الحنفيّ، و كان مطاعا في النّاس، فأحضره عنده ليلة، و أطال الجلوس، فلمّا خرج أتبعه من قتله فلما أصبح دخل عليه النّاس، و فيهم صاحب جيشه، فقال: أيّها الملك، من قتل هذا الفقيه؟

فقال: أنت شحنة البلد، تسألني من قتل هذا! و أنا أعرف قاتله!، و نهض.

ففارقه الشّحنة في ثلاثمائة فارس، و سار من كرمان إلى ناحية أصبهان.

فجهّز الملك خلفه ألفي فارس، فقاتلوهم و هزمهم. و قدم أصبهان و بها السّلطان محمد، فأكرمه.

و أمّا عسكر كرمان، فخرجوا على تيران شاه، و طردوه عن مدينة بردشير [ (3)] الّتي هي قصبة كرمان، و أقاموا عليهم ابن عمّه أرسلانشاه.

و أمّا تيران شاه فالتجأ إلى مدينة صغيرة، فمنعه [ (4)] أهلها و حاربوه، و أخذوا خزائنه، ثمّ تبعه عسكره، فأخذوه، و أخذوا أبا زرعة، فقتلهما أرسلان شاه [ (5)].

[لباس الدروع تحت الثياب خوفا من الباطنية]

و استفحل أمر الباطنيّة و كثروا، و صاروا يتهدّدون من لا يوافقهم بالقتل،

____________

[ ()] أسماء عدّة قلاع أخرى، و مثله في تاريخ ابن الوردي 2/ 13.

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 320.

[ (2)] في الكامل: «قاورت».

[ (3)] في الأصل: «بزدشر»، و المثبت عن: الكامل 10/ 321، و معجم البلدان 1/ 377 و فيه:

بردسير بكسر السين، و ياء ساكنة، و راء. أعظم مدينة بكرمان مما يلي المفازة التي بين كرمان و خراسان. و قال الرهني الكرماني: يقال إنها من بناء أردشير بابكان. و قال حمزة الأصبهاني:

بردسير تعريب أردشير، و أهل كرمان يسمّونها كواشير، و فيها قلعة حصينة.

[ (4)] في الأصل: «فمنعوه».

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 321.

35

حتّى صارت الأمراء يلبسون الدّروع تحت أثيابهم [ (1)]. و كان الوزير الأعزّ أبو المحاسن يلبس زرديّة تحت ثوبه. و أشارت الأمراء إلى بركياروق السّلطان بقصدهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم. فأذن في قتلهم. و ركب هو و العسكر و طلبوهم، و أخذوا جماعة من خيامهم.

و ممّن اتّهم و قتل بأنّه مقدّمهم الأمير محمد بن كاكويه صاحب يزد. و قتل جماعة برءاء سعى بهم أعداؤهم [ (2)].

[الباطنية في عهد المقتدي باللَّه‏]

و قد كان أهالي عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديما في أيّام المقتدي باللَّه، فأنهي حالهم إلى الوزير أبي شجاع، فطلبهم، فأنكروا و جحدوا، فأطلقهم [ (3)].

[اتّهام الهراسيّ بالباطنية]

و اتّهم الكيا الهراسيّ مدرّس النّظاميّة بأنّه باطنيّ فأمر السّلطان محمد بالقبض عليه، ثمّ شهد له ببراءة السّاحة، فأطلق [ (4)].

[حصار الأمير بزغش حصن طبس‏]

و فيها حاصر الأمير بزغش [ (5)]، و هو أكبر أمراء الملك سنجر، حصن طبس الّذي فيه الإسماعيليّة، و ضيّق عليهم، و خرّب كثيرا من أسوارها بالمنجنيق، و لم يبق إلّا أخذها، فرحل عنهم و تركهم، فبنوا السّور، و ملئوا القلعة ذخائر.

ثمّ عاودهم بزغش [ (5)] سنة سبع و تسعين [ (6)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل، و الصحيح: «ثيابهم» كما في: تاريخ الخلفاء 428.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 322، 323، نهاية الأرب 26/ 354، 355، المختصر في أخبار البشر 2/ 214، تاريخ ابن الوردي 2/ 13، النجوم الزاهرة 5/ 166.

[ (3)] الكامل 10/ 323.

[ (4)] الكامل 10/ 323.

[ (5)] في الأصل «برغش» بالراء. و التصحيح من الكامل 10/ 324.

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 324.

36

[مقتل كندفري صاحب القدس‏]

و فيها سار كندفري [ (1)] صاحب القدس إلى عكّا فحاصرها، فأصابه سهم فقتله [ (2)].

[انكسار بغدوين‏]

فسار أخوه بغدوين، و يقال: بردويل [ (3)]، إلى القدس في خمسمائة، فبلغ الملك دقاق صاحب دمشق، فنهض إليه هو و جناح الدّولة صاحب حمص، فانكسرت الإفرنج [ (4)].

[ملك الإفرنج سروج‏]

و فيها ملكت الإفرنج سروج، من بلاد الجزيرة، لأنّهم كانوا قد ملكوا الرّها بمكاتبة من أهلها النّصارى، و ليس بها من المسلمين إلّا القليل، فحاربهم سقمان، فهزموه في هذه السّنة. و ساروا إلى سروج، فأخذوها بالسّيف، و قتلوا و سبوا [ (5)].

[ملك الإفرنج حيفا]

و فيها ملكوا مدينة حيفا، و هي بقرب عكّا على البحر. أخذوها بالأمان [ (6)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل. و هو الدوق غودفري‏yerifdoG من مقاطعة بويون‏nolliuoB في بلجيكا (قصة الحضارة لول ديورنت 4/ 20، 21).

[ (2)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 360 (و تحقيق سويّم) 26، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 138، الكامل في التاريخ 10/ 324، نهاية الأرب 28/ 260، العبر 3/ 338، دول الإسلام 2/ 24، البداية و النهاية 12/ 160، تاريخ سلاطين المماليك 231، الإعلام و التبيين 12، شذرات الذهب 3/ 400.

[ (3)] و هو «بلدوين» صاحب الرها.

[ (4)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 360 (و تحقيق سويّم) 26، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 138، الكامل في التاريخ 10/ 324، نهاية الأرب 28/ 260، العبر 3/ 338، دول الإسلام 2/ 24، الإعلام و التبيين 12، 13.

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 325، نهاية الأرب 23/ 255 و 28/ 260، 261، المختصر في أخبار البشر 2/ 214، دول الإسلام 2/ 24، البداية و النهاية 12/ 160، تاريخ الخلفاء 428، الإعلام و التبيين 13، تاريخ الرهاوي 2/ 463.

[ (6)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 361 (و تحقيق سويّم) 26، ذيل تاريخ دمشق لابن‏

37

[ملكهم أرسوف‏]

و أخذوا أرسوف بالأمان [ (1)].

[ملكهم قيسارية]

و في رجب أخذوا قيساريّة بالسّيف، و قتلوا أهلها [ (2)].

[إعادة صلاة التراويح و القنوت‏]

و في رمضان أمر المستظهر باللَّه بفتح جامع القصر، و أن تصلّى فيه التّراويح، و أن يجهر بالبسملة، و لم يجر لهذا عادة. و إنّما تركوا الجهر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفة للشّيعة أصحاب مصر. و أمر أيضا بالقنوت على مذهب الشّافعيّ [ (3)].

[حكاية ابن قاضي جبلة أبي محمد عبيد اللَّه [ (4)] بن صليحة]

كانت جبلة تحت حكم ابن عمّار صاحب طرابلس، فتعانى ابن صليحة الجنديّة. و كان أبوه قاضيا، فطلع هو فارسا شجاعا، فأراد ابن عمّار أن يمسكه، فعصى عليه، و أقام الخطبة العبّاسيّة، و حوصر، فلم يقدروا عليه لمّا غلبت‏

____________

[ ()] القلانسي 139 و فيه: أخذوها بالسيف، و كذا في: الكامل في التاريخ 10/ 325، نهاية الأرب 23/ 255 و 28/ 260، العبر 3/ 338، دول الإسلام 2/ 24، اتعاظ الحنفا 3/ 26، تاريخ الخلفاء 428.

[ (1)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 139، الكامل في التاريخ 10/ 325، نهاية الأرب 23/ 256 و 28/ 260، المختصر في أخبار البشر 2/ 214، العبر 3/ 338، دول الإسلام 2/ 24، مرآة الجنان 3/ 156، اتعاظ الحنفا 3/ 26، النجوم الزاهرة 5/ 167، تاريخ الخلفاء 428.

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 139، الكامل في التاريخ 10/ 325، نهاية الأرب 23/ 256 و 28/ 260، المختصر في أخبار البشر 2/ 214، العبر 3/ 339، دول الإسلام 2/ 24، مرآة الجنان 3/ 156، البداية و النهاية 12/ 160، الدرّة المضيّة 453، تاريخ سلاطين المماليك 238، اتعاظ الحنفا 3/ 26 و 27، النجوم الزاهرة 5/ 167، تاريخ الخلفاء 428، الإعلام و التبيين 13.

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 361 (و تحقيق سويّم) 26، الكامل في التاريخ 10/ 325، نهاية الأرب 23/ 256، البداية و النهاية 12/ 160.

[ (4)] في تاريخ ابن خلدون 3/ 385: «عبد اللَّه».

38

الإفرنج إلى الشّام، فرحلت الإفرنج. ثمّ عاودوه، فأرجفهم بمجي‏ء [المصريين‏]، فرحلوا [ (1)]. ثمّ عادوا لحصاره، فقرّر مع رعيّته النّصارى أن يراسلوا الإفرنج، و يعدوهم إلى برج ليطلعوا منه، فبادروا و ندبوا ثلاثمائة من شجعانهم، فلم يزالوا يطلعون في الحبال واحدا واحدا، و كلّما طلع واحد قتله ابن صليحة، إلى أن قتلهم أجمعين، فلمّا طلع الضّوء صفّف الرّؤوس على السّور.

ثمّ إنّهم هدموا برجا، فأصبح و قد عمله. و كان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل. فحملوا مرّة عليه، فانهزموا، و جاء النّصر عليه، و أسر مقدّم الإفرنج.

ثمّ علم ابن صليحة أنّ الإفرنج لا ينامون عنه، فسلّم البلد إلى صاحب دمشق [ (2)].

و سار إلى بغداد بأمواله و خزائنه، و أخذ له السّلطان بركياروق شيئا كثيرا [ (3)].

[كسرة الإفرنج أمام قلج أرسلان‏]

و فيها أقبل جيش الإفرنج، نحو خمسين ألف، فمرّوا ببلاد قلج أرسلان،

____________

[ (1)] الخبر هنا مضطرب و فيه نقص، و هو في (الكامل في التاريخ 10/ 310): «و أقام الخطبة العباسية، فبذل ابن عمّار لدقاق بن تتش مالا ليقصده و يحصره، ففعل، و حصره، فلم يظفر منه بشي‏ء، و أصيب صاحبه أتابك طغتكين بنشّابة في ركبته و بقي أثرها.

و بقي أبو محمد مطاعا إلى أن جاء الفرنج، لعنهم اللَّه، فحصروها. فأظهر أن السلطان بركياروق قد توجّه إلى الشام، و شاع هذا، فرحل الفرنج، فلما تحقّقوا اشتغال السلطان عنهم عاودوا حصاره، فأظهر أنّ المصريّين قد توجّهوا لحربهم، فرحلوا ثانيا، ثم عادوا ..».

و انظر رواية مضطربة أخرى ينقلها ابن تغري بردي عن ياقوت الحموي في (معجم البلدان 2/ 105)، و ذكرها في: النجوم الزاهرة 5/ 111، و فيها اسم القاضي: «أبو محمد عبد اللَّه بن منصور بن الحسين التنوخي المعروف بابن ضليعة»، و أنه وثب على جبلة و استعان بالقاضي «جلال الدين» (كذا) ابن عمار صاحب طرابلس فتقوّى به على من بها من الروم، فأخرجهم منها و نادى بشعار المسلمين، و انتقل من كان بها من الروم إلى طرابلس فأحسن ابن عمّار إليهم. و صار إلى ابن ضليعة منها مال عظيم القدر.

انظر كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ عبر العصور (الطبعة الثانية) ج 1/ 380- 382.

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 139، الكامل في التاريخ 10/ 310، 311، المختصر في أخبار البشر 2/ 213، تاريخ ابن خلدون 3/ 485 و 5/ 25، تاريخ ابن الوردي 2/ 12.

[ (3)] ذيل تاريخ دمشق 139، الكامل 100/ 311، مرآة الزمان ج 12 ق 3/ ورقة 234 أ، المختصر في أخبار البشر 2/ 214، تاريخ ابن خلدون 3/ 485، تاريخ ابن الوردي 2/ 12.

39

فحشد و جمع و عرض ستّة آلاف فارس، و عمل له كمينا، فكسر الإفرنج كسرة مشهورة، و غنم ما لا يوصف [ (1)].

[جموع الإفرنج حسب وصف المستوفي‏]

قال «ابن منقذ»: حدّثني محمد المستوفي رسول جناح الدّولة إلى ملك الروم، أنّهم اعتبروا عدّتهم، فكانوا ثلاثمائة ألف و خمسة و أربعين ألف إنسان، و معهم خمسون حمل ذهب و فضّة و ديباج، فانضاف إليهم الّذين انهزموا من الوقعة المذكورة، فجمع قلج رسلان التّرك ببلاده، فزادوا على خمسين ألفا.

و غوّر الماء الّذي في طريقهم، و أحرق العشب، و أخلى [ (2)] القرى، فأقبلوا في أرض بلا ماء و لا مرعى.

[رواية رسول رضوان عن جموع الإفرنج‏]

قال: حدّثني رسول رضوان إلى ملك الإفرنج طتكين [ (3)] أنّه اجتمع مع الملك تنين [ (4)] صاحب هذا الجمع، فقال: خرجت من بلادي في أربعمائة ألف، منهم ألفا شرابيّ، و ألف طبّاخ، و ألف فرّاش، و سبعمائة بغل ديباج، و مال، و الخيّالة تزيد على خمسين ألفا، و لمّا سرت عن القسطنطينيّة أيّاما لم أجد مرفقا، و لا قبلت من صنجيل في هذه الطّريق، و لا أتمكّن من العودة لضعف النّاس و العطش و الجوع، فعند اليأس خرجت في ثلاثة نفر، معنا كلاب ديارات، و أوهمت أنّي أتصيّد، و سرت إلى البحر، و نزلت في مركب، و تركت العسكر.

و بلغني أنّ التّرك دخلوه، فلم يمنع أحد عن نفسه، و هلكوا بالموت و القتل.

و غنم التّركمان ما لا يوصف. ثمّ سار تنين و حجّ القدس، و رجع إلى بلاده في الفجر.

____________

[ (1)] يذكر النويري في حوادث سنة 495 ه. أن صنجيل لقي الملك قلج أرسلان صاحب قونية، و صنجيل في مائة ألف مقاتل و قلج في عدد يسير، و اقتتلوا، فانهزم الفرنج و أسر كثير منهم، و فاز قلج بالظفر و الغنيمة. و مضى صنجيل مهزوما في ثلاثمائة. (نهاية الأرب 28/ 261).

و انظر ما سيأتي في حوادث السنة التالية 495 ه. عن موقعة صنجيل عند طرابلس.

[ (2)] في الأصل: «و أخلا».

[ (3)] هكذا في الأصل.

[ (4)] هكذا في الأصل.

40

[انهزام المصريّين و الإفرنج عند عسقلان‏]

و فيها قدم عسكر المصريّين، فالتقاهم الإفرنج، فانهزم الفريقان بعد معركة كبيرة بقرب عسقلان [ (1)]، و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 40، ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 140، و جاء في الدرّة المضيّة 453: «و قتل سعد الدولة على عسقلان»، اتعاظ الحنفا 3/ 26.

41

سنة خمس و تسعين و أربعمائة

[وفاة المستعلي باللَّه العبيديّ‏]

فيها توفّي المستعلي باللَّه أحمد بن المستنصر باللَّه معدّ العبيديّ الشّيعي صاحب مصر [ (1)].

[خلافة الآمر بأحكام اللَّه العبيديّ‏]

و قام بعده ولده الآمر بأحكام اللَّه منصور، طفل له خمس سنين. و الأمور كلّها إلى أمير الجيوش الأفضل. أقام هذا الصّغير ليتمكّن من جميع الأمور، و ذلك في سابع عشر صفر [ (2)].

[المصافّ الثالث بين الأخوين محمد و بركياروق‏]

و كان المصافّ الثالث بين الأخوين محمد و بركياروق [ (3)]. كان محمد ببغداد

____________

[ (1)] انظر عن (وفاة المستعلي باللَّه) في: ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 141، و أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 40، و الكامل في التاريخ 10/ 328، و تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، و أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 85، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 1، 2، و المختصر في أخبار البشر 2/ 214، و العبر 3/ 341، و دول الإسلام 2/ 24، و مرآة الجنان 3/ 158، و البداية و النهاية 12/ 162، و تاريخ ابن الوردي 2/ 13، و الدرّة المضيّة 453، و الإشارة إلى من نال الوزارة 60، و اتعاظ الحنفا 3/ 27، 28، و النجوم الزاهرة 5/ 153، 154 و 168، و حسن المحاضرة 2/ 14، و تاريخ الخلفاء 428، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 221، و أخبار الدول للقرماني (الطبعة الجديدة) 2/ 244، 245، و تاريخ الأزمنة 92.

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق 141، الكامل في التاريخ 10/ 328، تاريخ مختصر الدول لابن العبري 197، أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر 87، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، دول الإسلام 2/ 24، تاريخ ابن الوردي 2/ 13، الدرّة المضيّة 461، الإشارة إلى من نال الوزارة 60.

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 361 (و تحقيق سويّم) 27، نهاية الأرب 26/ 349.

42

أوّل [السنة] [ (1)]، و رحل منها هو و أخوه سنجر، فقصد سنجر بلاده بخراسان، و قصد همذان السّلطان محمد. و سار بركياروق معه أربعة آلاف، و كان معه مثلها. فالتقوا بروذراور [ (2)]، و تصافّوا، و لم يجر بينهم قتال لشدّة البرد.

و تصافّوا من الغد، فكان الرجل يبرز، فيبارزه آخر، فإذا تقابلا اعتنق كلّ منهما صاحبه، و سلّم عليه، و يعود عنه [ (3)].

[مصالحة الأخوين‏]

ثمّ سعت الأمراء في الصّلح لما عمّ المسلمين من الضّرر و الوهن، فتقرّرت القاعدة على أن يكون بركياروق [السلطان‏] [ (4)]، و محمد الملك، و يضرب له ثلاث نوب، و يكون له جنزة [ (5)] و أعمالها و أذربيجان، و ديار بكر، و الموصل، و الجزيرة. و حلف كلّ واحد منهما لصاحبه. و انفصل الجمعان من غير حرب، و للَّه الحمد.

و سار كلّ أمير مع أقطاعه، هذا في ربيع الأوّل [ (6)].

[المصافّ الرابع بين الأخوين‏]

فلمّا كان في جمادى الأولى كان بينهما مصافّ رابع. و ذلك أنّ السّلطان محمدا سار إلى قزوين، و نسب الأمراء الّذين سعوا في صورة الصّلح إلى المخامرة، فكحّل الأمير أيدكين [ (7)]، و قتل الأمير سمل [ (8)]. و جاء إلى محمد الأمير

____________

[ (1)] إضافة على الأصل يقتضيها السياق.

[ (2)] في الأصل: «بدون ذود»، و المثبت عن: الكامل في التاريخ 10/ 329، و زبدة التواريخ للحسيني 164، و المختصر في أخبار البشر 2/ 215، و دول الإسلام 2/ 24.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 329- 331، زبدة التواريخ 163، 164، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، العبر 3/ 340، تاريخ ابن خلدون 3/ 486 و 5/ 27.

[ (4)] إضافة من (الكامل 10/ 331).

[ (5)] في الأصل: «خيرة»، و التصحيح من (الكامل).

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 331، نهاية الأرب 26/ 349، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، العبر 3/ 340، دول الإسلام 2/ 24، تاريخ ابن خلدون 3/ 486 و 5/ 27.

[ (7)] في: الكامل 10/ 332: «أيتكين»، و في تاريخ ابن خلدون 5/ 28 «أفتكين».

[ (8)] في: الكامل: «بسمل». و انظر: دول الإسلام 2/ 24، و في تاريخ ابن خلدون 5/ 28:

43

ينّال، و تجمّع العسكر، و قصده بركياروق، و كانت الوقعة عند الرّيّ، فانهزم عسكر محمد، و قصدوا نحو طبرستان، و لم يقتل غير رجل واحد، قتل صبرا [ (1)].

و مضت قطعة منهم نحو قزوين، و نهبت خزائن محمد. و انهزم في نفر يسير إلى أصبهان في سبعين فارسا، و حصّنها و نصب مجانيقها، و كان معه بها ألف فارس [ (2)]. و تبعه بركياروق بجيوش كثيرة تزيد على خمسة عشر ألف [ (3)]، فحاصره و ضيّق عليه.

و كان محمد يدور كلّ ليلة على السّور ثلاث مرّات. و عدمت الأقوات، فأخرج من البلد الضّعفاء [ (4)].

و استقرض محمد من أعيان البلد أموالا عظيمة، و عثّرهم و صادرهم، و اشتدّ عليهم القحط، و هانت فيهم الأمتعة. و كانت الأسعار على بركياروق رخيصة.

و دام البلاء إلى عيد الأضحى، فلمّا رأى محمد أموره في إدبار، فارق البلد، و ساق في مائة و خمسين فارسا، و معه الأمير ينّال، فحمل بركياروق وراءه عسكرا، فلم ينصحوا في طلبه، و زحف جيش بركياروق على أصبهان ليأخذوها، فقاتلهم أهل البلد قتال الحريم [ (5)]، فلم يقدروا عليهم. فأشار الأمراء على بركياروق بالرحيل، فرحل إلى همذان [ (6)].

____________

[ ()] «يشمك».

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 332، 333، زبدة التواريخ للحسيني 164، نهاية الأرب 26/ 349، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، العبر 3/ 340، دول الإسلام 2/ 24، 25.

[ (2)] في الكامل 10/ 333: «و كان معه في البلد ألف و مائة فارس و خمسمائة راجل».

[ (3)] زاد في الكامل: «و معها مائة ألف من الحواشي».

[ (4)] دول الإسلام 2/ 25، تاريخ ابن خلدون 5/ 28.

[ (5)] في الكامل 10/ 335: «قتال من يريد أن يحمي حريمه و ماله».

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 333- 335، نهاية الأرب 26/ 349، 350، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، العبر 3/ 340، دول الإسلام 2/ 25، البداية و النهاية 12/ 162، 163، تاريخ ابن خلدون 3/ 487 و 5/ 28، تاريخ ابن الوردي 2/ 13.

44

[منازلة ابن صنجيل طرابلس‏]

و فيها نازل ابن صنجيل الإفرنجيّ طرابلس، فسار عسكر دمشق مع صاحب حمص جناح الدّولة، فالتقوا، فانكسر المسلمون و رجعوا [ (1)].

[انهزام بردويل أمام عسكر المصريّين‏]

قال «ابن المظفّر سبط ابن الجوزيّ» [ (2)]: جهّز الأفضل عساكر مصر فوصلوا في رجب إلى عسقلان مع الأمير نصير الدّولة يمن. و خرج بردويل من القدس في سبعمائة، فكبس المصريّين، فثبتوا له، و قتلوا معظم رجاله، و انهزم هو في ثلاثة أنفار، و اختبأ في أجمة قصب. فأحاط المسلمون به و أحرقوا القصب، فهرب إلى يافا [ (3)].

[نجدة عسكر دمشق لطرابلس‏]

و أمّا عسكر دمشق، فعادوا و كشفوا عن طرابلس الإفرنج [ (4)].

[وفاة جناح الدولة صاحب حمص‏]

و مات صاحب حمص جناح الدّولة حسين بن ملاعب، و كان بطلا شجاعا مذكورا. قفز عليه ثلاثة من الباطنيّة يوم الجمعة في جامع حمص، فقتلوه، و قتلوا [ (5)].

____________

[ (1)] تاريخ حلب للعظيميّ (تحقيق زعرور) 361 (تحقيق سويّم) 27، ذيل تاريخ دمشق 140، 141، الكامل في التاريخ 10/ 343، 344 و سيعيد الخبر مفصّلا كما سيأتي قريبا، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 1، العبر 3/ 341، دول الإسلام 2/ 25، اتعاظ الحنفا 3/ 28 و فيه أن صنجيل أخذ طرابلس، و هذا و هم، لم يتنبّه إليه محقّقه. و ورد في (الإعلام و التبيين 13، 14): «و في سنة خمس و تسعين و أربعمائة نازل الفرنج طرابلس الشام، فتوجه لنصرتها عسكر مصر و عسكر دمشق و حمص، فبرز لهم بردويل صاحب القدس، فقتلوا معظم فرسانه و انهزم».

[ (2)] في (مرآة الزمان) ج 12 ق 3/ 248 أ.

[ (3)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 141، الكامل في التاريخ 10/ 345، 346، دول الإسلام 2/ 25.

[ (4)] مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي- ج 12/ ق 3/ 246 أ، و المطبوع ج 8 ق 1/ 3 طبعة حيدرآباد 1951، تاريخ الحريري (مخطوط) 5 أ، و المطبوع 14، دول الإسلام 2/ 25.

[ (5)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 142 (حوادث سنة 496 ه.)، دول الإسلام 2/ 25، النجوم الزاهرة 5/ 168، 169، الإعلام و التبيين 14.

45

[تسلّم شمس الملوك دقاق مدينة حمص‏]

فنازلها صاحب أنطاكية الّذي تملّكها بعد أسر بيمنت [ (1)] بالإفرنج، فصالحوه على مال. و جاء شمس الملوك دقاق فتسلّمها [ (2)].

[مقتل الوزير الدّهستاني‏]

و فيها قتل الوزير الأعزّ أبو المحاسن عبد الجليل الدّهستانيّ وزير بركياروق. جاءه شابّ أشقر، و قد ركب إلى خيمة السّلطان و هو نازل على أصبهان، فقيل: كان مملوكا لأبي سعيد الحدّاد الّذي قتله الوزير عام أوّل، و قيل: كان باطنيّا، فأثخن الوزير بالجراحات [ (3)].

[وزارة الميبذيّ‏]

و وزر بعده الخطير أبو منصور الميبذيّ [ (4)] الّذي كان وزر للسّلطان محمد.

و كان في حصار أصبهان متسلّما بعض السّور، و طالبه محمد بمال للجند، ففارقه في اللّيل و خرج إلى مدينة ميبذ [ (5)]، و تحصّن بها، فبعث بركياروق من حاصره، فنزل بالأمان. ثمّ رضي عنه بركياروق و استوزره [ (6)].

[الفتنة بين شحنة بغداد إيلغازي و العامّة]

و فيها كانت فتنة كبيرة بين شحنة بغداد إيلغازي بن أرتق و بين العامّة.

أتى جنديّ من أصحابه ملّاحا ليعبر به و بجماعة، فتأخّر، فرماه بنشّابة

____________

[ (1)] في الأصل: «بيميت»، و هو «بوهموند».

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 142 (حوادث سنة 496 ه.)، دول الإسلام 2/ 25، الإعلام و التبيين 14.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 335، تاريخ ابن خلدون 3/ 487 و 5/ 28.

[ (4)] في تاريخ ابن خلدون 5/ 28 «البذي».

[ (5)] ميبذ: بالفتح ثم السكون، و ضم الباء الموحّدة، و ذال معجمة. بلدة من نواحي أصبهان بها حصن حصين. و قيل إنها من نواحي يزد. و قال الإصطخري: و من نواحي كورة إصطخر ميبذ، فهي على هذا من نواحي فارس بينها و بين أصبهان. (معجم البلدان 5/ 240، 241).

[ (6)] زبدة التواريخ للحسيني 166، تاريخ دولة آل سلجوق 96- 114، الكامل في التاريخ 10/ 336، 337، تاريخ ابن خلدون 5/ 28.

46

فقتله، فأخذت [ (1)] العامّة القاتل، فجرّوه إلى باب النّوبيّ، فلقيهم ابن إيلغازي فخلّصه، فرجمتهم العامّة. فتألّم إيلغازي، و عبر بأصحابه إلى محلّة الملّاحين، فنهبوها، و انتشرت الشّطّار، فعاثوا هناك و بدّعوا، و غرق جماعة، و قتل آخرون.

و جمع إيلغازي التّركمان، و أراد نهب الجانب الغربيّ من بغداد، ثمّ لطف اللَّه تعالى [ (2)].

[وفاة قوام الدولة كبربوقا التركيّ‏]

و فيها ساق صاحب الموصل قوام الدّولة كبربوقا [ (3)] التّركيّ في ذي القعدة عند مدينة خويّ [ (4)].

و كان السّلطان بركياروق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان، فاستولى على أكثرها، و مرض ثلاثة عشر يوما، و دفن بخويّ. و أوصى أمراءه بطاعة سنقرجاه [ (5)]. فسار بهم و دخل الموصل، و أقام ثلاثة أيّام [ (6)].

[مقتل سنقرجاه صاحب الموصل‏]

و كان كبيروها قد كاتبوا الأمير موسى التّركمانيّ، و هو بحصن كيفا [ (7)]، ينوب عن كبربوقا. فسار مجدّا، فظنّ سنقرجاه أنّه قدم إلى خدمته، فخرج يتلقّاه، ثمّ ترجّل كلّ واحد منهما للآخر، و اعتنقا، و بكيا على كبربوقا، ثمّ ركبا، فقال سنقرجاه: أنا مقصودي المخدّة و المنصب، و أمّا الأموال و الولايات فلكم.

فقال موسى: الأمر في هذا إلى السّلطان.

ثمّ تنافسا في الحديث، فجذب سنقرجاه سيفه، و ضرب موسى صفحا

____________

[ (1)] في الأصل: «فأخذه».

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 337، 338، تاريخ ابن خلدون 3/ 487، 488.

[ (3)] في الكامل 10/ 341 «كربوقا»، و في المختصر 2/ 215 «كربوغا»، و هو كربوقا في: دول الإسلام 2/ 25، و «كربوغا» في: تاريخ ابن الوردي 2/ 13، و في الروضتين 1/ 67 «كربوقا».

[ (4)] خويّ: بلفظ تصغير خوّ. بلد مشهور من أعمال أذربيجان. (معجم البلدان 2/ 408).

[ (5)] في الكامل 10/ 342 «سنقرجه».

[ (6)] الكامل 10/ 341، 342، التاريخ الباهر 16 و فيه يجعل وفاته في سنة 494 ه.

[ (7)] كيفا: و يقال: كيبا، الظّنّ أنّها أرمنية. و هي بلدة و قلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد و جزيرة ابن عمر من ديار بكر. (معجم البلدان 2/ 265).

47

على رأسه فجرحه، فألقى موسى نفسه، و جذب سنقرجاه إلى الأرض ألقاه، و جذب بعض خواصّ موسى سكّينا قتل بها سنقرجاه. و دخل موسى البلد، و خلع على أصحاب سنقرجاه، و طيّب قلوبهم، و حكم على الموصل [ (1)].

[مقتل الأمير موسى التركماني‏]

ثمّ غدر به عسكره، و انضمّوا إلى شمس الدّولة جكرمش، فافتتح نصيبين، ثمّ نازل الموصل، و حاصر موسى مدّة، فأرسل موسى إلى سقمان بن أرتق يستنجد به، على أن أطلق له حصن كيفا [ (2)] و عشرة آلاف دينار. فسار من ديار بكر و نجده، فرحل عنه جكرمش.

فخرج موسى يتلقّى [ (3)] سقمان، فوثب عليه جماعة فقتلوه، [ (4)] و هرب خواصّه. و ملك سقمان حصن كيفا، فبقيت بيد ذرّيته إلى سنة بضع و عشرين و ستّمائة [ (5)]. و كان بها في دولة الملك ابن العادل محمود [ (6)] بن محمد بن قرا أرسلان [ (7)] بن داود بن سقمان بن أرتق صاحبها [ (8)].

[استيلاء جكرمش على الموصل و الخابور]

ثمّ سار جكرمش و حاصر الموصل، فتسلّمها صلحا، و أحسن السّيرة، و قتل الّذين وثبوا على موسى. و استولى بعد ذلك على الخابور، و غيره، و قوي أمره [ (9)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 342، تاريخ ابن خلدون 5/ 29، 30، تاريخ ابن الوردي 2/ 14، الروضتين 1/ 67.

[ (2)] تصحّف في تاريخ ابن خلدون 5/ 30 إلى «كبيعا».

[ (3)] في الأصل: «يتلقا».

[ (4)] و كان مقتله عند قرية كانت تسمّى كواثا. (المختصر في أخبار البشر 2/ 215)، تاريخ ابن خلدون 5/ 30، تاريخ ابن الوردي 2/ 14.

[ (5)] في الكامل 10/ 343: «سنة عشرين و ستمائة»، و في نسخة أخرى مخطوطة منه: «سنة خمس و عشرين و ستمائة».

[ (6)] في الكامل: «غازي بن قرا».

[ (7)] في الكامل: «أرسلان».

[ (8)] الكامل في التاريخ 10/ 343.

[ (9)] الكامل في التاريخ 10/ 343، المختصر في أخبار البشر 2/ 215، تاريخ ابن خلدون 5/ 30،

48

[موقعة صنجيل الأفرنجيّ عند طرابلس‏]

قال «ابن الأثير» [ (1)]: و كان صنجيل الإفرنجيّ، لعنه اللَّه، قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب الرّوم، فهزمه ابن قتلمش، و أسر خلقا من الإفرنج، و قتل خلقا، و غنم شيئا كثيرا. و بقي مع صنجيل ثلاثمائة، فوصل بهم إلى الشّام [ (2)]، فنازل طرابلس، فجاءت نجدة دمشق نحو ألفي فارس، و عسكر حمص، و غيرهم [ (3)]، فالتقوا على باب طرابلس، فرتّب صنجيل مائة في وجه أهل البلد، و مائة لملتقى عسكر دمشق، و خمسين فارسا للحمصيّين، و بقي هو في خمسين.

فأمّا عسكر حمص، فلم يثبتوا للحملة، و ولّوا مهزومين، و تبعهم عسكر دمشق.

و أمّا أهل البلد، فقتلوا المائة الّذين بارزتهم، فحمل صنجيل بالمائتين، فكسروا أهل طرابلس، و قتل منهم مقتلة [ (4)]، و حاصرهم، و أعانه أهل البرّ، فإنّ أكثرهم نصارى. ثمّ هادنهم على مال [ (5)].

____________

[ ()] تاريخ ابن الوردي 2/ 14، الروضتين 1/ 67.

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 343، 344، و انظر: تاريخ ابن الراهب، لأبي شاكر بطرس بن أبي الكرم بن المهذّب، بتحقيق لويس شيخو ص 72، طبعة بيروت 1903، و نهاية الأرب 28/ 261، 262.

[ (2)] راجع ما تقدّم في حوادث سنة 494 ه. بعنوان (انكسار بغدوين).

[ (3)] يضيف ابن الراهب إليهم: «جند حلب».

[ (4)] في الكامل 10/ 344: «و قتلوا منهم سبعة آلاف رجل».

[ (5)] هذا الخبر يستدعي التوقف لأمرين، الأول: أن الموقعة ربّما جرت عند أنطرطوس و ليس طرابلس. و الثاني: تغلّب خمسين من الإفرنج على ألفين من العسكر الحمصي، و تغلّب مائة آخرين على عسكر دمشق، ثم تغلّب مائتين من الإفرنج على عسكر طرابلس و قتل سبعة آلاف رجل! يقول ابن العبري: «كان سان جيل في طرسوس، و بلغ العرب أنّ جنوده قليلون، فأجمعوا على مبارزته و أقبلوا من طرابلس و دمشق و حمص، و لم يكن مع سان جيل إلا ثلاثمائة فارس لا غير وجّه المائة منهم نحو الدماشقة، و المائة نحو الطرابلسيين، و الخمسين نحو الحمصيين، و أبقى الخمسين لمؤازرته. و لما التقى الصفّان لاذ الحمصيّون و الدمشقيون بالفرار نحو الجبال، و كانوا أكثر من خمسة آلاف، و ظلّ الطرابلسيون و هم ثلاثة آلاف، فشدّ عليهم سان جيل في من معه‏

49

و نازل أنطرسوس، فافتتحها و قتل أهلها [ (1)].

[إطلاق سراح بيمند صاحب أنطاكية]

و فيها أطلق ابن الدّانشمند بيمند [ (2)] الإفرنجيّ صاحب أنطاكية، و كان أسره كما تقدّم، فباعه نفسه بمائة ألف دينار، و بإطلاق ابنة ياغي سنان [ (3)] صاحب أنطاكية، و كان أسرها لمّا أخذ أنطاكية من أبيها. فقدم أنطاكية، و قويت نفوس أهلها به. و أرسل إلى أهل قنّسرين و العواصم يطالبهم بالإمارة، و انزعج المسلمون [ (4)].

[حصار صنجيل لحصن الأكراد]

و فيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره، فجمع جناح الدّولة عسكرا ليسير إليه و ليكبسهم، فقتله كما قلت باطنيّ، بالجامع.

____________

[ ()] و هم خمسون، و طحطحهم، و تتبّع المنهزمين، و قتل من العرب نحو سبعة آلاف، و غادر قيليقية إلى طرابلس و شدّ عليها و احتلّ انطرطس و فتك بكل من بها من العرب. و دوخ عدّة قلاع».

(تاريخ الزمان 127).

و يذكر كلّ من «ابن القلانسي» و «سبط ابن الجوزي» أن القتال مع الإفرنج كان عند أنطرطوس، و ليس عند طرابلس. و قد جاء عند ابن القلانسي:

«و وردت مكاتبات فخر الملك ابن عمّار صاحب طرابلس يلتمس فيها المعونة على دفع ابن صنجيل النازل في عسكره من الإفرنج على طرابلس و يستصرخ بالعسكر الدمشقيّ، و يستغيث بهم، فأجيب إلى ما التمس، و نهض العسكر نحوه، و قد استدعى الأمير جناح الدولة صاحب حمص، فوصل أيضا في عسكره، فاجتمعوا في عدد دثر و قصدوا ناحية أنطرطوس، و نهد الفرنج إليهم في جمعهم و حشدهم، و تقارب الجيشان و التقيا هناك، فانفلّ عسكر المسلمين من عسكر المشركين و قتل منهم الخلق الكثير، و قفل من سلم إلى دمشق و حمص بعد فقد من فقد منهم و وصلوا في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة». (ذيل تاريخ دمشق 140، 141، مرآة الزمان (المخطوط) ج 12 ق 3/ ورقة 246 أ).

و انظر: تاريخ الحروب الصليبية، لستيفن رنسيمان 2/ 97، و كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ- الطبعة الثانية- ج 1/ 402- 404، و قد جاء في: الإعلام و التبيين 14 أن صنجيل وصل إلى بلاد الشام في ثلاثمائة ألف و حاصر طرابلس.

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 344، نهاية الأرب 28/ 262، المختصر في أخبار البشر 2/ 216، تاريخ ابن الوردي 2/ 14.

[ (2)] في الأصل: «بيمد».

[ (3)] في الكامل: «باغي سيان».

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 345.

50

و قيل: إنّ ربيبه الملك رضوان جهّز عليه من قتله [ (1)].

[منازلة صنجيل حمص‏]

و أصبح صنجيل حمص فنازلها [ (2)].

[محاصرة القمص عكّا]

و نزل القمّص على عكّا، و جدّ في حصارها و كاد أن يأخذها، فكشف عنها المسلمون [ (3)].

[محاصرة صاحب الرّها لبيروت‏]

و فيها سار القمّص صاحب الرّها إلى أن نازل بيروت، فحاصرها مدّة، ثمّ عجز عنها و ترحّل [ (4)].

[طمع صاحب سمرقند في خراسان‏]

و أمّا سنجر، فإنّه لمّا عاد من بغداد إلى خراسان خطب لأخيه محمد بجميع خراسان. و طمع صاحب سمرقند جبريل بن عمر في خراسان، و جمع عسكرا تملأ الأرض- قيل: كانوا مائة ألف، فيهم خلق من الكفّار- و قصد خراسان. و كان قد كاتبه كندغدي [ (5)] أحد أمراء سنجر، و أعلمه بمرض سنجر، و بأنّ السّلطانين في شغل بأنفسهما.

و عوفي سنجر، فسار لقصده في ستّة آلاف فارس، إلى أن وصل بلخ، فهرب كندغدي إلى خدمة قدرخان، و هو صاحب سمرقند جبريل بن عمر، ففرح بمقدمه، و سار معه فملك ترمذ، و قرب قدرخان بجيوشه إلى بلخ، فجاءت‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 345، نهاية الأرب 28/ 263، المختصر في أخبار البشر 2/ 216.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 345، نهاية الأرب 28/ 263، المختصر في أخبار البشر 2/ 216، دول الإسلام 2/ 25، تاريخ ابن الوردي 2/ 14، الإعلام و التبيين 14.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 345، دول الإسلام 2/ 25، تاريخ سلاطين المماليك 232، الإعلام و التبيين 14.

[ (4)] ذيل تاريخ دمشق 140، الكامل في التاريخ 10/ 345، دول الإسلام 2/ 25، الإعلام و التبيين 14.

[ (5)] في الأصل: «كندغري» بالراء، و التصحيح من: الكامل 10/ 347.

51

العيون إلى سنجر، أنّ قدرخان ذهب يتصيّد في ثلاثمائة فارس، فندب الأمير بزغش [ (1)] لقصده، فساق و لحقه و قاتله، فانهزم أصحاب قدرخان لقلّتهم، و أسر قدرخان و كندغدي [ (2)]، و أحضرا بين يدي سنجر، فقبّل قدرخان الأرض و اعتذر، فأمر به فقتل، و تملّس كندغدي [ (2)]، و نزل في قناة مشى فيها قدر فرسخين تحت الأرض، على ما به من النّقرس، و قتل فيها حيّتين، و طلع من القناة، فصادف أصحابه، فسار في ثلاثمائة فارس إلى غزنة [ (3)].

[وفاة كندغدي‏]

قال «ابن الأثير»: [ (4)] و قيل: بل جمع سنجر عساكر كثيرة، و التقى بصاحب سمرقند، و كثر القتل بين النّاس، و انهزم قدرخان صاحب سمرقند، و أسر، ثمّ قتل.

و حاصر سنجر ترمذ، و فيها كندغدي، [ (2)] فنزل بالأمان، و أمره بمفارقة بلاده، فسار إلى غزنة، فأكرمه صاحبها علاء الدّولة و بالغ، ثمّ خاف منه كندغدي [ (2)]، ثمّ هرب، فمات بناحية هراة [ (5)].

[تملّك سنجر بن محمد على سمرقند]

و أحضر السّلطان سنجر محمد بن سليمان بن بغراخان نائب مرو، و ملّكه سمرقند، و بعثه إليها. و هو من أولاد الخانيّة بما وراء النّهر، و أمّه ابنة [ (6)] السّلطان ملك شاه، و سنجر خاله، فدفع عن مملكة آبائه، فقصد مرو، و أقام بها إلى الآن، فعظم شأنه، و كثرت جموعه، إلّا أنّه انتصب له هاغوابك [ (7)]، و زاحمه في الملك، و جرت له معه حروب [ (8)].

____________

[ (1)] في الأصل: «برغش» بالراء، و التصحيح من: الكامل 10/ 348.

[ (2)] في الأصل: «كندغري».

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 347، 348، دول الإسلام 2/ 25، 26 (باختصار).

[ (4)] في الكامل 10/ 348.

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 348، 349.

[ (6)] في الأصل: «ابنة».

[ (7)] في الأصل: «صاغوابك»، و في: الكامل 10/ 350 «هاغوبك».

[ (8)] الكامل في التاريخ 10/ 350.

52

[استرجاع بلنسية من النصارى‏]

و فيها نازل المسلمون بلنسية [ (1)]، و استرجعوها من النّصارى بعد أن بقيت بأيديهم ثمانية أعوام، فجدّد محراب جامعها.

و دامت دار إسلام إلى أن أخذتها النّصارى المرّة الثّانية سنة ستّ و ثلاثين و ستّمائة [ (2)].

____________

[ (1)] بلنسية: السين مهملة مكسورة، و ياء خفيفة، كورة و مدينة مشهورة بالأندلس، متصلة بحوزة كورة تدمير، و هي شرقي تدمير و شرقي قرطبة، و هي برية بحرية.

[ (2)] البيان المغرب 4/ 41، 42، دول الإسلام 2/ 26، الإعلام و التبيين 14 (معجم البلدان 1/ 490).

53

سنة ست و تسعين و أربعمائة

[خلعة المستظهر باللَّه على ينّال بن أنوشتكين‏]

كان ينّال بن أنوشتكين الحساميّ من أمراء السّلطان محمد، فسار هو و أخوه عليّ من جهة محمد إلى الرّيّ، فورد إليه الأمير برسق من جهة السّلطان بركياروق، فاقتتلا بظاهر الرّيّ، فانهزم ينّال و سلك الجبال، و قتل خلق من أصحابه، فقدم بغداد في سبعمائة فارس، فأكرمه المستظهر باللَّه و خلع عليه، و اجتمع هو، و إيلغازي، و سقمان ابنا أرتق، و تحالفوا على مناصحة محمد، و ساروا إلى سيف الدّولة صدقة، فحلف لهم [ (1)].

[ظلم ينّال ببغداد]

و رجع ينّال فظلم ببغداد و عسف، و استطال عسكره على العامّة بالضّرب و الأذيّة البالغة و المصادرة. و تزوّج هو بأخت إيلغازي، فبعث الخليفة إليه ينهاه عن الظّلم، فلم ينته [ (2)].

[إفساد ينّال في البلاد]

و سار بعد أشهر إلى أوانا، فنهب و قطع الطّريق، و أقطع القرى لأصحابه، ثمّ شغب باجسرى، و قصد شهربان، فمنعه أهلها، فقاتلهم، فقتل منهم طائفة، و سار، لا سلّمه اللَّه، إلى أذربيجان قاصدا مخدومه السّلطان محمد [ (3)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 353، تاريخ ابن خلدون 3/ 488، 489 و 5/ 31.

[ (2)] في الأصل: «ينتهي». و الخبر في: المنتظم 9/ 135 (17/ 80، 81)، و الكامل في التاريخ 10/ 354، تاريخ ابن خلدون 3/ 489.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 354، 355، تاريخ ابن خلدون 3/ 489.

54

[الفتنة في بغداد]

و كان قد ورد قبله إلى بغداد كمشتكين شحنة من قبل بركياروق، و كان بها أيضا شحنة لمحمد، و هو إيلغازي بن أرتق، فحرّك الفتنة، و ترك الخطبة و الدّعوة للسّلطان، و اقتصروا على الدّعوة للخليفة لا غير [ (1)].

و جاء سقمان نجدة لأخيه، فعاث و أفسد و نهب، و اجتمع بأخيه فيها، و نهبا دجيلا، و لم يبقيا على أحد، و افتضّت الأبكار، و عملا ما لا تعمله التّتار، و غلت الأسعار [ (2)].

[مقاتلة سيف الدولة لكمشتكين‏]

و سار القيصريّ، و هو كمشتكين، إلى واسط، فتبعه سيف الدّولة بالعرب و هزمهم [ (3)].

[المصافّ الخامس بين بركياروق و أخيه‏]

و في جمادى الآخرة، كان المصافّ الخامس بين بركياروق و محمد على باب خويّ، فانهزم عسكر محمد، و انهزم هو إلى أرجيش [ (4)] من أعمال خلاط، ثمّ سار إلى خلاط. و اتّصل به الأمير عليّ صاحب أرزن الرّوم [ (5)].

[القبض على الوزير سديد الملك‏]

و في رجب قبض الخليفة على وزيره سديد الملك أبي المعالي، و حبس [ (6)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 355، 356، البداية و النهاية 12/ 163، تاريخ الخلفاء 428.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 356.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 357، 358.

[ (4)] أرجيش: بالفتح ثم السكون، و كسر الجيم، و ياء ساكنة، و شين معجمة. مدينة قديمة من نواحي أرمينية الكبرى قرب خلاط. و أكثر أهلها أرمن نصارى. (معجم البلدان 1/ 144).

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 359- 361، المختصر في أخبار البشر 2/ 216، العبر 3/ 343، دول الإسلام 2/ 26، البداية و النهاية 12/ 163، تاريخ ابن خلاط 3/ 489، 490 و 5/ 31، تاريخ ابن الوردي 2/ 14.

و في الأصل وقع: «أرزن الرومي»، و التصحيح من الكامل، و معجم البلدان 1/ 150 و فيه:

أرزن بالفتح ثم السكون، و فتح الزاي، و نون. و هي بلدة من بلاد أرمينية.

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 362، تاريخ ابن خلدون 3/ 490.

55

[وزارة ابن الموصلايا]

و ولي النّظر في الوزارة أبو سعيد بن الموصلايا [ (1)] الملقّب بأمين الدّولة [ (2)].

[تسلّم الملك دقاق الرحبة و حمص‏]

و فيها سار الملك دقاق إلى الرّحبة و حاصرها، و تسلّمها و حصّنها، و رجع و تسلّم أيضا حمص بعد صاحبها جناح الدّولة [ (3)].

[انهزام الإفرنج أمام عسكر مصر في يافا]

و فيها قدمت عساكر مصر، فحاصرت يافا و فيها الإفرنج، ثمّ التقوا هم و الإفرنج، فهزموهم و قتلوهم، و قتلوا من الإفرنج أربعمائة. و دخلوا في ثلاثمائة.

أسير [ (4)].

[زيارة الإفرنج لبيت المقدس‏]

ثمّ جاء الخلق من الإفرنج في البحر لزيارة بيت المقدس [ (5)].

[استمرار حصار طرابلس‏]

و فيها كان الحصار مستمرّا على طرابلس، و النّاس في بلاء من الإفرنج بالشّام [ (6)].

____________

[ (1)] في الأصل: «الموصلا»، و التصحيح من: الكامل، و نهاية الأرب.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 362، نهاية الأرب 23/ 256، تاريخ ابن خلدون 3/ 490.

[ (3)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 142، الكامل في التاريخ 10/ 363، زبدة الحلب 2/ 147، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 4، نهاية الأرب 27/ 73، المختصر في أخبار البشر 2/ 216، العبر 3/ 343، دول الإسلام 2/ 26، مرآة الجنان 3/ 159، البداية و النهاية 12/ 163، تاريخ ابن الوردي 2/ 14، الدرّة المضيّة 462، تاريخ سلاطين المماليك 3.

[ (4)] ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 142، 143، الكامل في التاريخ 10/ 364، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 5، العبر 3/ 343، دول الإسلام 2/ 26، اتعاظ الحنفا 3/ 26 و 32، الإعلام و التبيين 14، 15.

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 365.

[ (6)] الكامل في التاريخ 10/ 365، 366 و فيه: «و كان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام، و المواد تأتيها، و بها فخر الملك ابن عمّار، و كان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج، و يقتلون من وجدوا، و قصد بذلك أن يخلوا السواد ممّن يزرع لتقلّ المواد من الفرنج فيرحلوا عنه».

56

[استيلاء الإفرنج على كثير من الشام‏]

و فيها نازلت الإفرنج الرّستن، ثمّ ترحّلوا، و جرت لهم وقعات، و استولوا على شي‏ء كثير من الشّام، و هادنهم أمراء البلاد على مال يؤدّونه كلّ عام، فلا قوّة إلّا باللَّه.