تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج36

- شمس الدين الذهبي المزيد...
571 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

[الطبقة الثالثة و الخمسون‏]

[حوادث‏]

سنة إحدى و عشرين و خمسمائة

[حرب الخليفة و السلطان في بغداد]

قد ذكرنا أنّ أهل بغداد كانوا بالجانب الغربيّ، و عسكر محمود في الجانب الشّرقيّ، و تراموا بالنّشّاب. ثمّ إنّ جماعة من عسكر محمود حاولوا الدّخول إلى دار الخلافة من باب النّوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلى باب الغربة في رابع المحرّم، و معهم جمع من السّاسة و الرّعاع، فأخذوا مطارق الحدّادين، و كسروا باب الغربة، و دخلوا إلى التاج [ (1)] فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشّطّ، فخرج الجواري حاسرات تلطمن، و دخلن دار خاتون، و ضجّ الخلق، فبلغ الخليفة، فخرج من السّرداق، و ابن صدقة بين يديه، و قدّموا السّفن دفعة واحدة [ (2)]، و دخل عسكر الخليفة، و ألبسوا الملّاحين السّلاح، و كشفوا عنهم ... [ (3)]. و رمى العيّارون أنفسهم في الماء و عبروا. و صاح المسترشد باللَّه بنفسه، يا آل بني هاشم. فصدق النّاس معه القتال، و عسكر السّلطان مشغولون بالنّهب، فلمّا رأوا عسكر الخليفة ذلّوا و ولّوا الأدبار، و وقع فيهم السّيف، و اختفوا في السّراديب، فدخل وراءهم البغداديّون، و أسروا جماعة، و قتلوا جماعة من الأمراء [ (4)]. و نهب العامّة دور أصحاب السّلطان، و دار وزيره، و دار العزيز [ (5)] أبي نصر المستوفي، و أبي البركات الطّبيب و أخذ من داره ودائع و غيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف. و قتل من أصحاب السّلطان عدّة وافرة في الدّروب و المضايق.

____________

[ (1)] في الأصل: «الباج»، و المثبت عن المنتظم.

[ (2)] دول الإسلام 2/ 45، البداية و النهاية 12/ 197.

[ (3)] في الأصل بياض. و في المنتظم: «و ألبسوا الملّاحين السلاح، و رماة النشاب من ورائهم، و رمى ...».

[ (4)] العبر 4/ 48، 49.

[ (5)] في الأصل: «العزبر».

6

ثمّ عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرّم بالجيش، و هم ثلاثين ألف مقاتل بالعوامّ و أهل البرّ، و حفروا باللّيل خنادق عند أبواب الدّروب، و رتّب على أبواب المحالّ من يحفظها. و بقي القتال أيّاما إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، و تردّدت الرّسل، و مال الخليفة إلى الصّلح و التّحالف، فأذعن السّلطان و أحبّ ذلك، و راجع الطّاعة، و اطمأنّ النّاس، و طمّت الخنادق. و دخل أصحاب السّلطان يقولون: لنا ثلاثة أيّام ما أكلنا خبزا، و لو لا الصّلح لمتنا جوعا. فكانوا يسلقون القمح و يأكلونه. فما رئي [ (1)] سلطان حاصر فكان هو المحاصر، إلّا هذا. و ظهر منه حلم وافر عن العوامّ [ (2)].

[إرسال الخلع إلى ابن طراد]

و بعث الخليفة مع عليّ بن طراد إلى سنجر خلعا و سيفين، و طوقا، و لواءين، و يأمره بإبعاد دبيس من حضرته [ (3)].

[مقتل وزير سنجر]

و جاء الخبر بأنّ سنجر قتل من الباطنيّة اثني عشر ألفا [ (4)]، فقتلوا وزيره المعين [ (5)]، لأنّه كان يحرّض عليهم و على استئصالهم. فتجمّل رجل منهم، و خدم سائسا لبغال المعين، فلمّا وجد الفرصة وثب عليه و هو مطمئنّ فقتله، و قتل بعده، و كان هذا الوزير ذا دين و مروءة، و حسن سيرة [ (6)].

____________

[ (1)] في الأصل: «رأى»، و التصحيح من المنتظم.

[ (2)] المنتظم 10/ 2- 4 (17/ 241، 242)، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 376 (و تحقيق سويم) 42، الإنباء في تاريخ الخلفاء 216، كتاب الروضتين 1/ 74، العبر 4/ 49، مرآة الجنان 3/ 227، البداية و النهاية 12/ 197، عيون التواريخ 12/ 188، الكواكب الدرّية 93.

[ (3)] المنتظم 10/ 5 (17/ 244).

[ (4)] المنتظم 10/ 5 (17/ 244)، دول الإسلام 2/ 45 و فيه: «نحو عشرة آلاف»، العبر 4/ 49، مرآة الجنان 3/ 227، الكواكب الدرّية 92.

[ (5)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 377 (و تحقيق سويم) 42، الكواكب الدرّية 92.

[ (6)] مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 125، النجوم الزاهرة 5/ 232.

7

[مرض السلطان محمود]

و مرض السّلطان محمود في الميدان، و غشي عليه، و وقع من فرسه، و اشتدّ مرضه. ثمّ تماثل فركب، ثمّ انتكس، و أرجف بموته ثمّ خلع عليه و هو مريض، و أشار عليه الطّبيب بالرّواح من بغداد، فرحل يطلب همذان، و فوّض شحنكيّة بغداد إلى عماد الدّين زنكيّ [ (1)].

[القبض على المستوفي و الوزير]

و بعد أيّام جاء الخبر من همذان بأنّ السّلطان قبض على العزيز المستوفي و صادره و حبسه، و على الوزير فصادره فحبسه و كان السّبب أنّ الوزير تكلّم على العزيز، و أنّ برتقش [ (2)] الزّكويّ تكلّم على الوزير.

[وزارة أنوشروان‏]

ثمّ بعث السّلطان إلى أنوشروان بن خالد الملقّب بشرف الدّين، فاستوزره، فلم يكن له ما يتجهّز به حتّى بعث له الوزير جلال الدّين من عند الخليفة الخيم و الخيل، فرحل إلى أصبهان في أوّل رمضان في السّنة. أقام في الوزارة عشرة أشهر، و استعفى و عاد إلى بغداد [ (3)].

[تفويض بهروز ببغداد و الحلّة]

و في رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلى بغداد، و قد فوّض إليه السّلطان بغداد و الحلّة [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 4، 5 (17/ 243، 244)، ذيل تاريخ دمشق 218، العبر 4/ 49، مرآة الجنان 3/ 227.

[ (2)] في المنتظم: «يرتقش».

[ (3)] المنتظم 10/ 5 (17/ 244)، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 377 (و تحقيق سويم) 42، الكامل في التاريخ 10/ 642، تاريخ دولة آل سلجوق 140، الفخري 306، 307.

[ (4)] المنتظم 10/ 5 (17/ 244)، الكامل في التاريخ 10/ 647، المختصر في أخبار البشر 2/ 239.

8

[تفويض زنكي الموصل‏]

و فوّض إلى زنكيّ الموصل، فسار إليها [ (1)].

[وفاة مسعود بن آقسنقر]

و مات عزّ الدّين مسعود بن آقسنقر البرسقيّ في هذه السّنة. و كان قد وصل إلى الموصل بعد قتل والده، و اتّفق موته بالرّحبة [ (2)]، فإنّه سار إليها. و كان بطلا شجاعا، عالي الهمّة. ردّ إليه السلطان جميع إقطاع والده، و طمع في التّغلّب على الشّام، فسار بعساكره، فبدأ بالرّحبة، فحاصرها، و مرض مرضا حادّا، فتسلّم القلعة، و مات بعد ساعة، و بقي مطروحا على بساط، و تفرّق جيشه، و نهب بعضهم بعضا، فأراد غلمانه أن يقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكيّ لحاجة النّاس إلى من يقوم بإزاء الفرنج [ (3)]، لعنهم اللَّه.

[سؤال الأسفرائيني عن حديث‏]

و فيها سئل أبو الفتوح الأسفرائينيّ في مجلسه ببغداد عن‏

الحديث:

«لم يكذب إبراهيم إلّا ثلاث كذبات».

فقال: لم يصحّ [ (4)].

[خبر الأسفرائينيّ‏] أبو الفتوح الأسفرائينيّ، (رضوان اللَّه عليه) من كبار أهل السّنّة و من ذوي الكرامات الظاهرة. و ما نسب إليه من الاستخفاف بالقرآن كذب و زور هو و غيره‏

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 5 (17/ 244)، الكامل في التاريخ 10/ 647، تاريخ مختصر الدول 203، كتاب الروضتين 1/ 75، الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 1/ 167، بغية الطلب (قسم السلاجقة) 251، مرآة الجنان 3/ 277، الكواكب الدرّية 92.

[ (2)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 377 (و تحقيق سويم) 42، 43، الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 1/ 165، 166، تاريخ ابن الوردي 2/ 33، الدرّة المضيّة 500، عيون التواريخ 12/ 189، الكواكب الدرّية 92، النجوم الزاهرة 5/ 232.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 643، 644، تاريخ مختصر الدول 203، نهاية الأرب 27/ 77.

[ (4)] المنتظم 10/ 6 (17/ 245).

9

من الأشاعرة يصرّحون بتكفير من استخفّ بالمصاحف و شيخنا الذّهبيّ غيّر عادته بهم، و أذن برأيهم، و الحديث في الصّحيح.

و قال يوما على المنبر: قيل لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) كيف أصبحت؟ فقال: أعمى بين العميان، ضالّا بين الضّالّين. فاستحضره الوزير، فأقرّ، و أخذ يتأوّل تأويلات فاسدة، فقال الوزير للفقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميّة: لو قال هذا الشّافعيّ ما قبلنا منه، و يجب على هذا أن يجدّد إيمانه و توبته. فمنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس، و يشدّ الزّنّار، ثمّ يقطعه و يتوب، ثمّ يرحل.

فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، و كان أشعريا. فأعادوه إلى الجلوس، و كان يتكلّم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب العوامّ، فافتتن به خلق، و زادت الفتن ببغداد. و تعرّض أصحابه بمسجد ابن جردة [ (1)] فرجموه، و رجم معهم أبو الفتوح. و كان إذا ركب يلبس الحديد و معه السّيوف مسلّلة، ثمّ اجتاز بسوق الثّلاثاء، فرجم و رميت عليه الميتات، و مع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام اللَّه، إنّما هو عبارة و مجاز.

و لمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد، و غلّقت الأسواق [ (2)]، و كان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سنّيّ حنبليّ لا أشعريّ و لا قشيريّ و يصرخون بأبي الفتوح هذا. فمنعه المسترشد باللَّه من الجلوس، و أمره أن يخرج من بغداد.

و كان ابن صدقة يميل إلى السّنّة، فنصرهم.

ثمّ ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، و قد كتب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات. ففتّش على كاتبها، فإذا هو مؤدّب، فكبس بيته، فإذا فيه كراريس كذلك، فحمل إلى الدّيوان، و سئل عن ذلك، فأقرّ، و كان من أصحاب أبي الفتوح، فنودي عليه على حمار، و شهّر، و همّت العامّة بإحراقه. ثمّ أذن لأبي الفتوح، فجلس [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل: «ابن جروة». و المثبت عن المنتظم.

[ (2)] في الأصل: «الأصوات».

[ (3)] المنتظم 10/ 6، 7 (17/ 245، 246).

10

[ظهور الشيخ عبد القادر الحنبليّ‏]

و ظهر في هذه الأيّام الشيخ عبد القادر الحنبليّ، فجلس في الحلبة، فتشبّث به أهل السّنّة، و انتصروا بحسن اعتقاد النّاس فيه [ (1)].

[وقعة مرج الصّفّر]

قال ابن الأثير [ (2)]: كانت وقعة مرج الصّفّر بين المسلمين، أنّهم التقوا في أواخر ذي الحجّة، و اشتدّ القتال، فسقط طغتكين، فظنّ الجند أنّه قتل فانهزموا إلى دمشق، و ركب فرسه و لحقهم، فساقت الفرنج وراءهم، و بقيت رجّالة التّركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجّالة الفرنج، فقتلوا عامّتهم، و نهبوا عسكر الفرنج و خيامهم، ثمّ عادوا سالمين غانمين إلى دمشق.

و لمّا ردّت خيالة الفرنج من وراء طغتكين، رأوا رجّالتهم صرعى، و أموالهم قد راحت، فتمّوا منهزمين.

قال: و هذا من الغريب أنّ طائفتين تنهزمان [ (3)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 7 (17/ 246).

[ (2)] في الكامل 10/ 639.

[ (3)] و زاد في الكامل: «كل واحدة منهما من صاحبتها». و الخبر باختصار في: المختصر في أخبار البشر 2/ 238، و تاريخ ابن الوردي 2/ 33.

11

سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة

[وفاة ابن صدقة]

فيها توفّي ابن صدقة الوزير، و ناب في الوزارة عليّ بن طراد [ (1)].

[مصالحة السلطان محمود و سنجر]

و فيها ذهب السّلطان محمود إلى السّلطان سنجر، فاصطلحا بعد خشونة، ثمّ سلّم سنجر إليه دبيسا و قال: تعزل زنكيّ ابن آقسنقر عن الموصل و الشّام.

و تسلّم البلاد إلى دبيس، و تسأل الخليفة أن يرضى عنه. فأخذه و رحل [ (2)].

و قال أبو الحسن الزّاغونيّ: تقدّم إلى نقيب النّقباء ليخرج إلى سنجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، و تقدّم إلى شيخ الشّيوخ ليخرج، فرفع إلى الخزانة خمس عشر ألف دينار ليعفى [ (3)].

[الطموح للوزارة]

و تطاول للوزارة عزّ الدّولة بن المطّلب، و ابن الأنباريّ، و ناصح الدّولة ابن المسلمة، و أحمد بن نظام الملك، فمنعوا من الكلام في ذلك [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 8 (17/ 249)، الكامل في التاريخ 10/ 652، 653، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 127، النجوم الزاهرة 5/ 233.

[ (2)] في الأصل: «و دخل»، و المثبت عن المنتظم 10/ 9 (17/ 249)، العبر 4/ 50، تاريخ ابن الوردي 2/ 34، عيون التواريخ 12/ 197.

[ (3)] المنتظم 10/ 9 (17/ 249).

[ (4)] المنتظم 10/ 9 (17/ 9).

12

[ملك زنكيّ حلب‏]

و في أوّل السّنة سار عماد الدّين زنكيّ فملك حلب، و عظم شأنه، و اتّسعت دولته [ (1)].

____________

[ (1)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 381 (و تحقيق سويم) 43، الكامل في التاريخ 10/ 649، التاريخ الباهر 37، 38، تاريخ مختصر الدول 203، كتاب الروضتين 1/ 7 و 78، زيد الحلب 2/ 241، 242، بغية الطلب (قسم السلاجقة) 252، دول الإسلام 2/ 45، العبر 4/ 50، الدرّة المضيّة 502، عيون التواريخ 12/ 197، الكواكب الدرّية 3 (الحوادث 521 ه.).

13

سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة

[الختم على وقف مدرسة أبي حنيفة]

في المحرّم دخل السّلطان محمود بغداد، و أقام دبيس في بعض الطّريق، و اجتهد في أن يمكّن دبيس فامتنع. و أمر السّلطان بالختم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة و مطالبة العمّال بالحساب، و وكّل بقاضي القضاة الزّينبيّ كذلك. و كان قد قيل للسّلطان إنّ دخل المكان ثمانين ألفا، ما ينفق عليه عشرة [ (1)].

[وزارة عليّ بن طراد]

و في ربيع الآخر خلع المسترشد على أبي القاسم عليّ بن طراد و استوزره [ (2)].

[إقرار زنكيّ في مكانه‏]

و ضمن زنكيّ أن ينفّذ للسّلطان مائة ألف دينار، و خيلا، و ثيابا، على أن يقرّ في مكانه. و استقرّ الخليفة على مثل ذلك، على أن لا يولّي دبيس شيئا [ (3)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 11 (17/ 252)، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 130 و فيه: «و ما ينفق عليها ألف».

[ (2)] المنتظم 10/ 11 (17/ 252)، العبر 4/ 52.

[ (3)] المنتظم 10/ 11 (17/ 252)، زبدة الحلب 2/ 243، 244، العبر 4/ 52، مرآة الجنان 3/ 229، البداية و النهاية 12/ 199، عيون التواريخ 12/ 202، النجوم الزاهرة 5/ 234.

14

[بيع عقار للخليفة]

و باع الخليفة عقارا بالحرم، و قرئ لذلك، و ما زال يصحّح [ (1)].

[دخول دبيس بغداد]

ثمّ إنّ دبيسا دخل إلى بغداد بعد جلوس الوزير ابن طراد، و دخل دار السلطان، و ركب في الميدان و رآه النّاس.

[تسليم الحلّة بهروز]

و جاء زنكيّ فخدم [ (2)].

و سلّمت الحلّة و الشّحنكيّة إلى بهروز [ (3)].

[خطف دبيس ولدا للسلطان‏]

و كانت بنت سنجر التي عند ابن عمّها السّلطان محمود قد تسلّمت دبيسا من أبيها، فكانت تشدّ منه و تمانع عنه، فماتت، و مرض السّلطان محمود، فأخذ دبيس ولدا صغيرا لمحمود، فلم يعلم به حتّى قرب من بغداد، فهرب بهروز من الحلّة، فقصدها دبيس و دخلها في رمضان و بعث بهروز عرّف السّلطان، فطلب قزل و الأجهيليّ [ (4)] و قال: أنتما ضمنتما دبيسا، فلا أعرفه إلّا منكما [ (5)].

[أخذ دبيس الأموال من القرى‏]

و ساق الأجهيليّ يطلب العراق، فبعث دبيس إلى المسترشد: إن رضيت عنّي رددت أضعاف ما نفذ من الأموال. فقال النّاس: هذا لا يؤمن. و باتوا تحت السّلاح طول رمضان، و دبيس يجمع الأموال، و يأخذ من القرى، حتّى قيل إنّه‏

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 11 (17/ 252).

[ (2)] المنتظم 10/ 11 (17/ 252، 253).

[ (3)] المنتظم 10/ 12 (17/ 253).

[ (4)] هكذا في الأصل. و في المنتظم: «الأحمد بيكي» و «الأحمد يكي».

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 655، تاريخ الزمان 142، عيون التواريخ 12/ 202.

15

حصّل خمسمائة ألف دينار [ (1)]، و إنّه قد دوّن عشرة آلاف، بعد أن كان قد وصل في ثلاثمائة فارس.

[مساومة دبيس للسلطان‏]

ثمّ قدم الأجهيليّ بغداد، و قبّل يد الخليفة، و قصد الحلّة.

و جاء السّلطان إلى حلوان، فبعث دبيس إلى السّلطان رسالة [و خمسة و] [ (2)] خمسين مهرا عربيّة، و ثلاثة أحمال صناديق ذهب، و ذكر أنّه قد أعدّ إن رضي عنه الخليفة ثلاثمائة حصان، و مائتين ألف دينار، و إن لم يرض عنه دخل البرّيّة.

فبلغه أنّ السّلطان حنق عليه، فأخذ الصّبيّ و خرج من الحلّة، و سار إلى البصرة، و أخذ منها أموالا كثيرة. و قدم السّلطان بغداد، فبعث لحربه قزل في عشرة آلاف فارس، فسار دبيس و دخل البرّيّة [ (3)].

[غدر زنكيّ بسونج بن بوري‏]

و في سنة ثلاث أظهر عماد الدّين زنكيّ بن آقسنقر أنّه يريد جهاد الفرنج، و أرسل إلى تاج الملوك بوريّ يستنجده، فبعث له عسكرا بعد أن أخذ عليه العهد و الميثاق، و أمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة. ففعل فأكرمهم زنكيّ، و طمّنهم أيّاما، و غدر بهم، و قبض على سونج، و على أمراء أبيه، و نهب خيامهم، و حبسهم بحلب، و هرب جندهم.

ثمّ سار ليومه إلى حماة، فاستولى عليها، و نازل حمص و معه صاحبها خرخان فأمسكه، فحاصرها مدّة، و لم يقدر عليها و رجع إلى الموصل. و لم يطلق سونج و من معه حتّى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار.

ثمّ لم يتم ذلك. و مقت النّاس زنكيّ على قبيح فعله.

____________

[ (1)] دول الإسلام 2/ 46، العبر 4/ 52، مرآة الجنان 3/ 229، عيون التواريخ 12/ 202.

[ (2)] في الأصل: «و سأله خمسين»، و التصحيح و الإضافة من المنتظم 10/ 12 (17/ 254).

[ (3)] المنتظم 10/ 12، 13 (17/ 253، 254)، تاريخ الزمان 142، دول الإسلام 2/ 46، تاريخ ابن الوردي 2/ 34، البداية و النهاية 12/ 200، عيون التواريخ 12/ 202.

16

[مقتل ابن الخجنديّ‏]

و فيها و ثبت الباطنيّة على عبد اللّطيف بن الخجنديّ رئيس الشّافعيّة بأصبهان، ففتكوا به [ (1)].

[الفتنة في وادي التّيم‏]

و أمّا بهرام، فإنّه عتى و تمرّد على اللَّه، و حدّثته نفسه بقتل برق بن جندل من مقدّمي وادي التّيم لا لسبب، فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه. و تألّم النّاس لذلك لشهامته و حسنه و حداثة سنّه، و لعنوا من قتله علانية، فحملت الحميّة أخاه الضّحّاك [ (2)] و قومه على الأخذ بثأره، فتجمّعوا و تحالفوا على بذل المهج في طلب الثّأر. فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التّيم، و قد استعدّوا لحربه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، و بيّتوه و بذلوا السّيوف في البهراميّة، و بهرام في مخيّمه، فثار هو و أعوانه إلى السّلاح، فأزهقتهم سيوف القوم و خناجرهم و سهامهم، و قطع رأس بهرام لعنه اللَّه [ (3)].

[الانتقام من الباطنية في وادي التّيم‏]

ثمّ قام بعده صاحبه إسماعيل العجميّ، فجدّوا في الإضلال و الاستغواء، و عامله الوزير المزدقانيّ بما كان يعامل به بهراما، فلم يمهله اللَّه، و أمر الملك بوري بضرب عنقه في سابع عشر رمضان، و أحرق بدنه، و علّق رأسه، و انقلب البلد بالسّرور و حمد اللَّه و ثارت الأحداث و الشّطّار في الحال بالسّيوف و الخناجر يقتلون من رأوا من الباطنيّة و أعوانهم، و من يتّهم بمذهبهم [ (4)]، و تتبّعوهم حتّى‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 659، 660، عيون التواريخ 12/ 204 و فيه: «صدر الدين ملك العلماء مسعود الخجنديّ».

[ (2)] في المقفّى الكبير 2/ 518: «صخر»، و المثبت يتفق مع ذيل تاريخ دمشق.

[ (3)] انظر عن الفتنة في وادي التيم في:

تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 381 (و تحقيق سويم) 44، و ذيل تاريخ دمشق 221، 222، و الكامل في التاريخ 10/ 656، و نهاية الأرب 27/ 79، و الكواكب الدرّية 94، 95، و المقفّى الكبير 2/ 518.

[ (4)] في الكواكب الدرّية 95: «و من يتّهم بمدحهم».

17

أفنوهم، و امتلأت الطّرق و الأسواق بجيفهم. و كان يوما مشهودا أعزّ اللَّه فيه الإسلام و أهله. و أخذ جماعة أعيان منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصّائغ الباطنيّ الحلبيّ، و كان هذا الخادم رأس البلاء، فعوقب عقوبة شفت القلوب، ثمّ صلب هو و جماعة على السّور [ (1)].

[الحذر من الباطنيّة]

و بقي صاحب دمشق يوسف فيروز، و رئيس دمشق أبو الذّواد مفرّج بن الحسن بن الصّوفيّ يلبسان الدّروع، و يركبان و حولهما العبيد بالسّيوف، لأنّهما بالغا في استئصال شأفة الباطنيّة [ (2)].

[تسليم بانياس للفرنج‏]

و لمّا سمع إسماعيل الدّاعي و أعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا و ذلّوا، و سلّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج، و تسلّل هو و طائفة إلى البلاد الإفرنجيّة في الذّلّة و القلّة [ (3)].

[هلاك داعية الباطنية]

ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال، و هلك و في أوائل سنة أربع و عشرين [ (4)].

[موقعة جسر الخشب‏]

فلمّا عرف الفرنج بواقعة الباطنيّة، و انتقلت إليهم بانياس، قويت نفوسهم،

____________

[ (1)] انظر: المنتظم 10/ 13 (17/ 254)، و تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 382 (و تحقيق سويم) 44، و ذيل تاريخ دمشق 222- 224، و الكامل في التاريخ 10/ 656، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 130، الكواكب الدرّية 95، و عيون التواريخ 12/ 203.

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق 224.

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 381) (و تحقيق سويم) 44، ذيل تاريخ دمشق 224، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 130، الكواكب الدرّية 95.

[ (4)] ذيل تاريخ دمشق 224، الكامل في التاريخ 10/ 657، الكواكب الدرّية 95.

18

و طمعوا في دمشق، و حشدوا و تألّبوا، و تجمّعوا من الرّها، و أنطاكية، و طرابلس، و السّواحل، و القدس، و من البحر، و عليهم كندهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين، فكانوا نحوا من ستّين ألفا، ما بين فارس و راجل، فتأهّب تاج الملوك بوري، و طلب التّركمان و العرب، و أنفق الخزائن. و أقبل الملاعين قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخشب و الميدان في ذي القعدة من السّنة، و برز عسكر دمشق، و جاءت التّركمان و العرب، و عليهم الأمير مرّة [ (1)] بن ربيعة، و تعبّوا [ (2)] كراديس في عدّة جهات، فلم يبرز أحد من الفرنج، بل لزموا خيامهم، فأقام النّاس أيّاما هكذا، ثمّ وقع المصافّ، فحمل المسلمون، و ثبت الفرنج، فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم و يفتك بهم إلى أن فشلوا و خذلوا. ثمّ ولّى كليام مقدّم شجعانهم في فريق من الخيّالة، و وضع المسلمون فيهم السّيف، و غودروا صرعى، و غنم المسلمون غنيمة لا تحدّ و لا توصف، و هرب جيش الفرنج في اللّيل، و ابتهج الخلق بهذا الفتح المبين [ (3)].

و منهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربع كما يأتي، و انفرجت الكربة من نصر اللَّه تعالى ما لم يخطر ببال. و أمن النّاس، و خرجوا إلى ضياعهم، و تبدّلوا بالأمن بعد الخوف.

[قتل الباطنيّة بدمشق‏]

و فيها قتل من كان يرمى بمذهب الباطنيّة بدمشق، و كان عددهم ستّة آلاف [ (4)]

____________

[ (1)] في الأصل: «سري»، و المثبت عن: ذيل تاريخ دمشق 225، و الكواكب الدرّية 96.

[ (2)] في الكواكب: «و تفرقوا».

[ (3)] انظر عن موقعة جسر الخشب في: تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 382 (و تحقيق سويم) 44 و فيه إن الأمير سيف الدين سوار كان ممن أوقع بالإفرنج، فبعثت إليه أمدحه بالقصيدة التي أولها:

نأت من سليمى بعد قرب ديارها* * * و أقوت مغانيها و شطّ مزارها

و انظر: ذيل تاريخ دمشق 225، 226، و الكامل في التاريخ 10/ 657، 658، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 130، 131، و دول الإسلام 2/ 46، الدرّة المضيّة 503، و الإعلام و التبيين 25، و الكواكب الدرّية 96، تاريخ طرابلس 1/ 493- 495.

[ (4)] المنتظم 10/ 13 (17/ 254)، المختصر في أخبار البشر 3/ 3، العبر 4/ 52، مرآة الجنان‏

19

[قتل الأسداباذي ببغداد]

و كان قد قتل ببغداد من مديدة إبراهيم الأسداباذيّ، و هرب ابن أخيه بهرام إلى الشّام و أضلّ خلفاءه [ (1)] و استغواهم، ثمّ إنّ طغتكين ولّاه بانياس، فكانت هذه من سيّئات طغتكين، عفا اللَّه عنه [ (2)].

[قتال الباطنيّة في وادي التّيم‏]

و أقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو [ (3)] إلى مذهبه، فكثر بدمشق أتباعه. و ملك بهرام عدّة حصون من الجبال منها القدموس. و كان بوادي التّيم طوائف من الدّريّة و النّصيريّة و المجوس، و اسم كبيرهم الضّحّاك، فسار إليهم بهرام و حاربهم، فكبس الضّحّاك عسكر بهرام، و قتل طائفة منهم، و رجعوا إلى بانياس بأسوإ حال [ (4)].

[خيانة المزدقاني و قتله‏]

و كان المزدقانيّ [ (5)] وزير دمشق يعينهم و يقوّيهم. و أقام بدمشق أبا الوفاء، فكثر أتباعه و قويت شوكته، و صار حكمه في دمشق مثل حكم طغتكين. ثمّ إنّ المزدقانيّ راسل الفرنج، لعنهم اللَّه، ليسلّم إليهم دمشق، و يسلّموا إليه صور.

و تواعدوا إلى يوم جمعة، و قرّر المزدقانيّ مع الباطنيّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لا يمكّنون أحدا من الخروج، ليجي‏ء الفرنج و يملك دمشق.

فبلغ ذلك تاج الملوك بوري، فطلب المزدقانيّ و طمّنه، و قتله و علّق رأسه على باب القلعة، و بذل السّيف في الباطنيّة، فقتل منهم ستّة آلاف. و كان ذلك فتحا عظيما في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان. فخاف الّذين ببانياس و ذلّوا،

____________

[ (3)]/ 229، شذرات الذهب 4/ 66.

[ (1)] في الأصل: «خلفائها».

[ (2)] العبر 4/ 52، 53، شذرات الذهب 4/ 66.

[ (3)] في الأصل: «تدعو».

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 656، نهاية الأرب 27/ 79 و قد تقدّم هذا الخبر.

[ (5)] في نهاية الأرب: «المزدغاني»، و مثله في: العبر 4/ 54.

20

و سلّموا بانياس إلى الفرنج، و صاروا معهم، و قاسوا ذلّا و هوانا [ (1)].

[انكسار الفرنج‏]

و جاءت الفرنج و نازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النّفير عبد الوهّاب الواعظ الحنبليّ، و معه جماعة من التّجّار، و همّوا بكسر المنبر، فوعدوا بأن ينفّذ إلى السّلطان في ذلك. و تناخى عسكر دمشق و العرب و التّركمان، فكبسوا الفرنج، و ثبت الفريقان، و نصر اللَّه دينه فقتل من الفرنج خلق، و أسر منهم ثلاثمائة [ (2)]، و راحوا بشرّ خيبة، و للَّه الحمد.

____________

[ (1)] ذيل تاريخ دمشق 224، الكامل في التاريخ 10/ 657، نهاية الأرب 27/ 80، دول الإسلام 2/ 46، العبر 4/ 53، تاريخ ابن الوردي 2/ 34، 35، الدرّة المضيّة 503، مرآة الجنان 3/ 229، عيون التواريخ 12/ 203، شذرات الذهب 4/ 67.

[ (2)] ذيل تاريخ دمشق 225- 227، الكامل في التاريخ 10/ 658، نهاية الأرب 27/ 80، 81، دول الإسلام 2/ 46، العبر/ 53، مرآة الجنان 3/ 229.

21

سنة أربع و عشرين و خمسمائة

[المطر و الحريق بالموصل‏]

وردت أخبار بأنّ في جمادى الأولى ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل مطرا عظيما، و أمطر عليهم نارا أحرقت من البلد مواضع و دورا كثيرة، و هرب النّاس [ (1)].

[كسرة الإفرنج عند دمشق‏]

و فيها كسرت الإفرنج على دمشق، و قتل منهم نحو عشرة آلاف، و لم يفلت منهم سوى أربعين. وصل الخبر إلى بغداد بذلك، و كانت ملحمة عظيمة [ (2)].

[الملحمة بين ابن تاشفين و ابن تومرت‏]

و فيها كانت ملحمة كبرى بين ابن تاشفين، و بين جيش ابن تومرت، فقتل من الموحّدين ثلاثة عشر ألفا، و قتل قائدهم عبد اللَّه الونشريسيّ، ثم تحيّز عبد المؤمن بباقي الموحّدين. و جاء خبر الهزيمة إلى ابن تومرت و هو مريض، ثمّ مات في آخر السّنة [ (3)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 14 (17/ 256)، البداية و النهاية 12/ 200، تاريخ الخلفاء 435، أخبار الدول 2/ 172.

[ (2)] المنتظم 10/ 15 (17/ 257)، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 382 (و تحقيق سويم) 44.

[ (3)] دول الإسلام 2/ 46.

22

[غدر زنكي بسونج مرة أخرى‏]

و فيها راسل زنكيّ بن آقسنقر صاحب حلب تاج الملوك بوري يلتمس منه إنفاذ عسكره ليحارب الفرنج، فتوثّق منه بأيمان و عهود، و نفّذ إلى زنكيّ خمسمائة فارس، و أرسل إلى ولده سونج و هو على حماة أن يسير إلى زنكيّ، فأحسن ملتقاهم و أكرمهم، ثمّ عمل عليهم، و غدر بهم، و قبض على سونج و جماعة أمراء، و نهب خيامهم، و هرب الباقون [ (1)].

[تملّك زنكي حماة]

ثمّ زحف إلى حماة فتملّكها [ (2)]، ثمّ ساق إلى حمص، و غدر بصاحبها خرخان [ (3)] بن قراجا و اعتقله، و نهب أمواله، و تحلّف منه أن يسلّم حمص، ففعل، فأبى عليه بوّابه بها، فحاصرها زنكيّ مدّة، و رجع إلى الموصل [ (4)] و معه سونج، ثمّ أطلقه بمال كثير [ (5)].

[مقتل الخليفة الآمر]

و فيها قتل صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام اللَّه [ (6)].

____________

[ (1)] ذيل تاريخ دمشق 227، 228.

[ (2)] التاريخ الباهر 38، زبدة الحلب 2/ 246، الدرّة المضيّة 507.

[ (3)] في تاريخ حلب (بتحقيق زعرور) 383، و (تحقيق سويم) 45: «خيرخان»، و كذا في ذيل تاريخ دمشق، و زبدة الحلب 2/ 246.

[ (4)] في تاريخ حلب: فعاد إلى حمص. و المثبت يتفق مع ذيل تاريخ دمشق، و زبدة الحلب 2/ 247.

[ (5)] ذيل تاريخ دمشق 228، زبدة الحلب 2/ 247.

[ (6)] انظر عن مقتل الخليفة الآمر في: المنتظم 10/ 15 (17/ 257) و 10/ 16 رقم 17 (17/ 258 رقم 3959)، و تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 383 (و تحقيق سويم) 45، و ذيل تاريخ دمشق 228، و الكامل في التاريخ 10/ 664، 665، تاريخ مختصر الدول 203، و المغرب في حلى المغرب 84، 85، و أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 72، و المختصر في أخبار البشر 3/ 4، و العبر 4/ 63، و تاريخ ابن الوردي 2/ 35، و المواعظ و الاعتبار 2/ 291، و أخبار الدول المنقطعة و 91، و نهاية الأرب 28/ 294، و المختصر في أخبار البشر 2/ 4، و دول الإسلام 2/ 46، و تاريخ ابن الوردي 2/ 35، 88 و الدرّة المضيّة 504، 505،

23

[استيلاء سنجر على سمرقند]

و في سنة أربع قتل أمير سمرقند، فسار السّلطان سنجر فاستولى عليها، و نزل محمد خان من قلعتها بالأمان، و هو زوج بنت سنجر، و أقام سنجر بسمرقند مدّة [ (1)].

[انكسار الإفرنج أمام زنكيّ عند الأثارب‏]

و أمّا أهل حلب فكانوا مع الفرنج الّذين استولوا على حصن الأثارب في ضرّ شديد لقربهم منهم. و الأثارب على ثلاثة فراسخ من غربيّ حلب، فجاء عماد الدّين زنكيّ في هذا العام و حاصره، فسارت ملوك الفرنج لنجدته و للكشف عنه، فالتقاهم زنكيّ، و اشتدّ الحرب، و ثبت الفريقان ثباتا كلّيا ثمّ وقعت الكسرة على الملاعين، و وضع السّيف فيهم، و أسر فيهم خلق. و كان يوما عظيما.

و افتتح زنكي الحصن عنوة، و جعله دكّا [ (2)].

[محاصرة زنكيّ حارم‏]

ثمّ نزل على حارم، و هي بالقرب من أنطاكية، فحاصرها، و صالحهم على نصف دخلها. و منها ذلّت الفرنج، و علموا عجزهم عن زنكيّ، و اشتدّ أزر المسلمين [ (3)].

____________

[ ()] و البداية و النهاية 12/ 200، 201، و مآثر الإنافة 2/ 27، و صبح الأعشى 3/ 431، و عيون التواريخ 12/ 207، و الكواكب الدرّية 97، و اتعاظ الحنفا 3/ 129، و النجوم الزاهرة 5/ 175 و 235، و تاريخ الخلفاء 435، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 223، 224.

[ (1)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 382 (و تحقيق سويم) 45، الكامل في التاريخ 10/ 661، 662، نهاية الأرب 26/ 382، البداية و النهاية 12/ 200، عيون التواريخ 12/ 207.

[ (2)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 383 (و تحقيق سويم) 45، الكامل في التاريخ 10/ 662، 663، التاريخ الباهر 39- 42، المختصر في أخبار البشر 2/ 3، 4، العبر 4/ 55، تاريخ ابن الوردي 2/ 35، مرآة الجنان 3/ 230، الكواكب الدرّية 97.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 663، التاريخ الباهر 42، العبر 4/ 55، الكوكب الدرّية 97.

24

[انهزام صاحب ماردين أمام زنكيّ‏]

و عدّى زنكيّ الفرات [ (1)]، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين لقتاله، و نجده ابن عمّه داود بن سقمان من حصن كيفا [ (2)]، و صاحب آمد، حتّى صاروا في عشرين ألفا، فهزمهم زنكيّ، و أخذ بعض بلادهم [ (3)].

[خلافة الحافظ بمصر]

و فيها مات الآمر بأحكام اللَّه صاحب مصر، و ولي بعده الحافظ [ (4)].

[وفاة زوجة السلطان‏]

و فيها ماتت زوجة السّلطان محمود خاتون بنت السّلطان سنجر [ (5)].

[مقتل صاحب أنطاكية]

و فيها قتل بيمند صاحب أنطاكية [ (6)].

[وزارة ابن الصوفي بدمشق‏]

و فيها وزر بدمشق الرّئيس مفرّج ابن الصّوفيّ [ (7)].

____________

[ (1)] في الأصل: «الفراة».

[ (2)] الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 533.

[ (3)] الكامل في التاريخ 10/ 664.

[ (4)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 383 (و تحقيق سويم) 45، ذيل تاريخ دمشق 229، الكامل في التاريخ 10/ 665، أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 74، نهاية الأرب 28/ 296، الدرّة المضيّة 506.

[ (5)] الكامل في التاريخ 10/ 665، البداية و النهاية 12/ 200.

[ (6)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 382 (و تحقيق سويم) 45، الكامل في التاريخ 10/ 666.

[ (7)] تاريخ حلب للعظيميّ 382 (45)، الكامل في التاريخ 10/ 666، العبر 4/ 55.

25

[ظهور عقارب طيّارة]

و فيها ظهر عقارب طيارة، لها شوكتان، و خاف النّاس منها و قد قتلت جماعة أطفال [ (1)].

[ملك السلطان قلعة ألموت‏]

و فيها ملك السّلطان محمود قلعة ألموت [ (2)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 10/ 666، تاريخ مختصر الدول 203، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 133، العبر 4/ 55، مرآة الجنان 3/ 230 النجوم الزاهرة 5/ 236، البداية و النهاية 12/ 200، تاريخ الخميس 2/ 404، عيون التواريخ 12/ 207، الكواكب الدرية 97، شذرات الذهب 4/ 67، تاريخ الخلفاء 435 أخبار الدول 2/ 172.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 666، المختصر في أخبار البشر 3/ 4، العبر 4/ 55، تاريخ ابن الوردي 2/ 36.

26

و من سنة خمس و عشرين و خمسمائة

[رواية ابن الأثير عن دبيس‏]

و قد ساق «ابن الأثير» [ (1)] قصّة دبيس فقال: لمّا فارق البصرة قصد الشّام، لأنّه جاءه من طلبه إلى صرخد، و قد كان مات صاحبها، و غلبت سريّته على القلعة، و حدّثوها بما جرى على دبيس، فطلبته لتتزوّج به، و تسلّم إليه صرخد بما فيها [ (2)]. فجاء إلى الشّام في البرّيّة، فضلّ و نزل بأناس من كلب بالمرج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحبسه، و عرف زنكيّ صاحب الموصل، فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يطلق ولده سونج و من معه من الأمراء، و إن لم يفعل جاء و حاصره بدمشق، و فعل و فعل، فأجاب تاج الملوك، و سلّم إليه دبيسا، و جاءه ولده و الأمراء. و أيقن دبيس بالهلاك للعداوة البليغة الّتي بينه و بين زنكيّ، ففعل معه خلاف ما ظنّ، و بالغ في إكرامه، و غرم عليه أموالا كثيرة، و فعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك [ (3)].

و لمّا جرى على الباطنيّة ما ذكرناه عام ثلاثة و عشرين تحرّقوا على تاج الملوك، و ندبوا لقتله رجلين، فتوصّلا حتّى خدما في ركابه، ثمّ وثبا عليه في جمادى الآخرة سنة خمس، فجرحاه، فلم يصنعا شيئا، و هبروهما بالسّيوف، و خيط جرح بعنقه فبرأ، و الآخر بخاصرته، فتنسّر، و كان سببا لهلاكه [ (4)].

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 668.

[ (2)] بغية الطلب (قسم السلاجقة) 230، 231.

[ (3)] المنتظم 10/ 20 (17/ 263)، بغية الطلب (قسم السلاجقة) 231، المختصر في أخبار البشر 2/ 5، دول الإسلام 2/ 47، البداية و النهاية 12/ 202، عيون التواريخ 12/ 222.

[ (4)] سيأتي الخبر في موضعه، و هو في: المختصر في أخبار البشر 2/ 5، و تاريخ ابن الوردي 2/ 37، و الكواكب الدرّية 97، 98.

27

[وفاة الدبّاس‏]

و فيها توفّي الشّيخ حمّاد الدّبّاس الزّاهد ببغداد [ (1)].

[عودة زنكي إلى الموصل‏]

قال ابن واصل [ (2)]: و في المحرّم سنة خمس و عشرين توجّه زنكيّ راجعا من الشّام إلى الموصل [ (3)].

[ردّ العراق إلى زنكي‏]

و في ربيع الآخر من السّنة ردّ السّلطان محمود أمر العراق إلى زنكيّ، مضافا إلى ما بيده من الشّام و الجزيرتين [ (4)].

____________

[ (1)] انظر عن (الدبّاس) في: المنتظم 10/ 22، 23 رقم 25 (17/ 266 رقم 3968)، و الكامل في التاريخ 10/ 671، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 138، و دول الإسلام 2/ 47، و العبر 4/ 64، و تاريخ ابن الوردي 2/ 37، و مرآة الجنان 3/ 242، و النجوم الزاهرة 5/ 246، و شذرات الذهب 4/ 73، 74.

[ (2)] في مفرّج الكروب.

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 383 (و تحقيق سويم) 46، زبدة الحلب 2/ 247.

[ (4)] تاريخ حلب 383 (46)، الكامل في التاريخ 10/ 669، زبدة الحلب 2/ 244.

28

سنة خمس و عشرين و خمسمائة

[القبض على دبيس و بيعه‏]

فمن الحوادث أنّ دبيسا ضلّ في البرّيّة، فقبض عليه مخلد بن حسّان بن مكتوم الكلبيّ بأعمال دمشق، و تمزّق أصحابه و تقطّعوا، فلم يكن له منجى [ (1)] من العرب، فحمل إلى دمشق، فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكيّ بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار. و كان زنكيّ عدوّه، لكنّه أكرمه و خوّله المال و السّلاح، و قدّمه على نفسه [ (2)].

[وفاة المسترشد]

و توفّي للمسترشد ابن بالجدريّ، و عمره إحدى و عشرين [ (3)]

[الحرب بين السلطان داود و عمّه مسعود]

و توفّي السّلطان محمود، فأقاموا ابنه داود مكانه، و أقيمت له الخطبة ببلاد

____________

[ (1)] في الأصل: «منجا»، و كذا في المنتظم 10/ 20، و قد صحّحت كما أثبتناه في الطبعة الجديدة (17/ 263).

[ (2)] المنتظم 10/ 20 (17/ 263) و قد تقدّم قبل قليل، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 384 (و تحقيق سويم) 46، الكامل في التاريخ 10/ 668، 669، زبدة الحلب 20/ 249 و فيه: «و كان يظنّ دبيس أن أتابك زنكي يهلكه، فلما وصل إلى حلب أطلقه و أكرمه، و أنزله بحلب في دار لاجين، و أعطاه مائة ألف دينار، و خلع عليه خلعا فاخرة»، بغية الطلب (قسم السلاجقة) 244، 245.

[ (3)] المنتظم 10/ 20 (17/ 264).

29

الجبل و أذربيجان [ (1)]، و كثرت الأراجيف. و أراد داود قتال عمّه مسعود بقيام عمّه سنجر.

و كان طغرل يوم المصافّ على ميمنة عمّه، و كان على الميسرة خوارزم بن أتسز بن محمد، فبدأهم قراجا بالحملة، فحمل على القلب بعشرة آلاف، فعطف على حنيتي العشرة آلاف ميمنة سنجر و ميسرته، فصار في الوسط، و قاتلوا قتال الموت و أثخن قراجا بالجراحات، ثمّ أسروه، فانهزم الملك مسعود، و ذلك في ثامن رجب.

و قيل: و جاء مسعود مستأنسا إلى السّلطان سنجر، فأكرمه و أعاده إلى كنجة و صفح عنه [ (2)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 20، 21 (17/ 264)، التاريخ الباهر 43.

[ (2)] الكامل في التاريخ 10/ 669، 670، التاريخ الباهر 43، دول الإسلام 2/ 47، 48.

30

سنة ست و عشرين و خمسمائة

[الحرب على السلطنة في بغداد]

فيها سار الملك مسعود بن محمد إلى بغداد في عشرة آلاف فارس، و ورد قراجا [ (1)] السّاقي معه سلجوق شاه بن محمد أخو مسعود، و كلاهما يطلب السّلطنة. و انحدر زنكيّ من الموصل لينضمّ إلى مسعود أو سلجوق، فأرجف النّاس بمجي‏ء عمّهما سنجر، فعملت [ (2)] السّتور [ (3)] و جنى [ (4)] العقار، و خرجوا جريدة بأجمعهم متوجّهين لحرب سنجر، و ألزم المسترشد قراجا بالمسير، فكرهه و لم يجد بدّا من ذلك، و بعث سنجر يقول: أنا العبد، و مهما أريد منّي فعلت. فلم يقبل منه.

ثمّ خرج المسترشد بعد الجماعة، و قطعت خطبة سنجر، فقدم سنجر همذان، فكانت الوقعة قريبا من الدّينور [ (5)].

[رواية ابن الجوزي‏]

قال ابن الجوزيّ [ (6)]: و كان مع سنجر مائة ألف و ستّون ألفا. و كان مع قراجا

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 10/ 676: «قراجة».

[ (2)] تكرّرت في الأصل.

[ (3)] في المنتظم: «فعمل السور».

[ (4)] في المنتظم: «و جين».

[ (5)] المنتظم 10/ 25، 26 (17/ 270)، الكامل في التاريخ 10/ 676- 678، التاريخ الباهر 44، 45، زبدة التواريخ 197، 198، دول الإسلام 2/ 47، العبر 4/ 67، مرآة الجنان 3/ 250، البداية و النهاية 12/ 203، عيون التواريخ 12/ 250.

[ (6)] في المنتظم 10/ 25، 26 (17/ 270، 271).

31

و مسعود ثلاثون ألفا. و كانت ملحمة كبيرة، أحصي القتلى فكانوا أربعين ألفا، و قتل قراجا، و أجلس طغرل على سرير الملك، و عاد سنجر إلى بلاده [ (1)].

[هزيمة زنكي و دبيس‏]

و جاء زنكيّ و دبيس في سبعة آلاف [ (2)] ليأخذ بغداد، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد، و كسرة عسكره، فخرج من السّرداق بيده السّيف مجذوب، و سكن الأمر.

و خاف هو، و عاد من خانقين، و إذا بزنكيّ و دبيس قد قاربا بغداد من غربيّها، فعبر الخليفة إليهم في ألفين، و طلب المهادنة، فاشتطّا عليه، فحاربهما بنفسه و عسكره، فانكسرت ميسرته، فكشف الطّرحة و لبس البردة، و جذب السّيف، و حمل، فحمل العسكر، فانهزم زنكيّ و دبيس، و قتل من جيشهما مقتلة عظيمة، و طلب زنكيّ تكريت، و دبيس الفرات [ (3)] منهزمين [ (4)].

[هلاك بغدوين‏]

و فيها هلك بغدوين الرويس [ (5)] ملك الفرنج بعكّا، و كان شيخا مسنّا، داهية، و وقع في أسر المسلمين غير مرّة في الحروب و يتخلّص بمكره و حيله، و تملّك بعده القومص كندانحور، فلم يكن له رأس، فاضطربوا و اختلفوا و للَّه الحمد [ (6)].

____________

[ (1)] خبر الملحمة في: التاريخ الباهر 44، 45، و الكامل في التاريخ 10/ 676- 678، و المنتظم 10/ 25، 26 (17/ 270، 271)، و زبدة النصرة للبنداري 158، 159، و راحة الصدور للراوندي 201، و زبدة التواريخ للحسيني 199، و تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا- طبعة جرّوس برس- طرابلس 1413 ه/ 1993 م.) ج 1/ 51، و دول الإسلام 2/ 47، 48، و تاريخ ابن الوردي 2/ 37، 38، و عيون التواريخ 12/ 250، و شذرات الذهب 4/ 77.

[ (2)] في الإنباء في تاريخ الخلفاء 217: «في اثني عشر ألف فارس».

[ (3)] في الأصل: «الفراة».

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 678، تاريخ ابن سباط 1/ 52، تاريخ حلب للعظيميّ 384 (47)، الإنباء في تاريخ الخلفاء 217، التاريخ الباهر 45، 46، زبدة التواريخ 198، 199، تاريخ مختصر الدول 203، العبر 4/ 67، تاريخ ابن الوردي 2/ 38، الدرّة المضيّة 510، مرآة الجنان 3/ 250، البداية و النهاية 12/ 203، عيون التواريخ 12/ 250.

[ (5)] في الأصل: «الروس». و هو الملك «بلدوين الثاني».

[ (6)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 384 (و تحقيق سويم) 46 (حوادث 525 ه)، ذيل.

32

[تملّك شمس الملوك دمشق‏]

و تملّك دمشق شمس الملوك بعد أبيه تاج الملوك بوري بن طغتكين، فقام بالأمر، و خافته الفرنج، و مهّد الأمور، و أبطل بعض المظالم، و فرح النّاس بشهامته و فرط شجاعته، و احتملوا ظلمه [ (1)].

[وقعة همذان‏]

و فيها كانت وقعة بهمذان بين طغرل بن محمد و بين داود بن محمود بن محمد، فانتصر طغرل [ (2)].

[وزارة أنوشروان‏]

و فيها وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد بعد تمنّع، و استعفى [ (3)].

[هزيمة دبيس‏]

و عاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، فجمع و حشد. و كانت الحلّة و أعمالها في يد إقبال المسترشديّ، و أمدّ بعسكر من بغداد، فهزم دبيس، و حصل دبيس في أجمة فيها ماء و قصب ثلاثة أيّام، لا يأكل شيئا، حتّى أخرجه جمّاس [ (4)] على ظهره و خلّصه [ (5)].

____________

[ ()] تاريخ دمشق 233.

[ (1)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 384 (و تحقيق سويم) 47، ذيل تاريخ دمشق 234، الكامل في التاريخ 10/ 680، نهاية الأرب 27/ 82، الكواكب الدرّية 98.

[ (2)] المنتظم 10/ 26 (17/ 271)، تاريخ دولة آل سلجوق 145، 4/ 67 و فيه: «طغريل»، عيون التواريخ 12/ 250، البداية و النهاية 12/ 202.

[ (3)] في الأصل: «استعفا».

و الخبر في: المنتظم 10/ 26 (17/ 271)، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 217، و البداية و النهاية 12/ 204.

[ (4)] في الأصل: «حماس» بالحاء المهملة.

[ (5)] المنتظم 10/ 27 (17/ 271)، الكامل في التاريخ 10/ 679.

33

[قدوم الملك داود بغداد]

و قدم الملك داود بن محمد إلى بغداد [ (1)].

[القبض على الوزير شرف الدين‏]

و فيها قبض الخليفة على الوزير شرف الدّين، و أخذ سائر ما في دياره [ (2)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 27 (17/ 271)، الكامل في التاريخ 10/ 682.

[ (2)] (1) المنتظم 10/ 27 (17/ 271)، الكامل في التاريخ 10/ 682.

34

سنة سبع و عشرين و خمسمائة

[الخطبة بالسلطنة لمسعود]

خطب لمسعود بن محمد بالسّلطنة ببغداد في صفر، و من بعده لداود، و خلع عليهما و على الأمير آقسنقر الأحمديليّ [ (1)] مقدّم جيوش السّلطان محمود، و هو المقيم داود بعده في الملك [ (2)].

و استقرّ مسعود بهمذان [ (3)].

[انهزام طغرل‏]

و كانت وقعة انهزم فيها طغرل [ (4)].

[مقتل آقسنقر]

ثم قتل آقسنقر، قتلته الباطنيّة [ (5)].

____________

[ (1)] في المنتظم 10/ 29 «الأحمد بكى»، و في (17/ 275): «الأحمديكي»، و المثبت يتفق مع:

تاريخ دولة آل سلجوق.

[ (2)] المنتظم 10/ 29، (17/ 275)، الكامل في التاريخ 10/ 7686 زبدة التواريخ 200، 201، تاريخ دولة آل سلجوق 152، 153، تاريخ الزمان 145، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 145، دول الإسلام 2/ 48، الدرّة المضيّة 510، البداية و النهاية 12/ 204 النجوم الزاهرة 5/ 250.

[ (3)] المنتظم 10/ 29 (17/ 275)، ذيل تاريخ دمشق 238، الكامل في التاريخ 3/ 686، زبدة التواريخ 201، 202.

[ (4)] الكامل في التاريخ 10/ 686، ذيل تاريخ دمشق 238، زبدة التواريخ 202، 203، المنتظم 10/ 29 (17/ 276)، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 145، تاريخ ابن سباط 1/ 53، تاريخ دولة «آل سلجوق» 158.

[ (5)] المنتظم 10/ 29، (17/ 275)، الكامل في التاريخ 10/ 686، تاريخ دولة آل سلجوق‏

35

[غارة التركمان على بلاد طرابلس‏]

و فيها قصد أمير التّركمان الجزريّين [ (1)] بلاد الشّام، فأغاروا على بلاد طرابلس، و صموا و سبوا، فخرج ملك طرابلس بالفرنج، فتقهقر التّركمانيّ، ثمّ كرّوا عليه فهزموه، و قتلوا في الفرنج فأكثروا و أطنبوا، فالتجأ إلى حصن بعرين، فحاصرته التّركمان أيّاما. و خرج في اللّيل هاربا، فجمعت الفرنج لنجدته ملوكهم، و ردّ فواقع التّركمان و نال منهم [ (2)].

[الخلاف بين الفرنج‏]

و فيها وقع الخلف بين الفرنج بالشّام، و تحاربوا و قتل منهم، و لم يجر لهم بذلك سابقة [ (3)].

[وقعة الأمير سوار بالفرنج‏]

و فيها واقع الأمير سوار نائب زنكيّ على حلب الفرنج، فقتل من الفرنج نحو الألف، و للَّه الحمد [ (4)].

____________

[ (157، 158)].

[ (1)] في الأصل: «الجزريون».

[ (2)] الخبر في: ذيل تاريخ دمشق 240، و الكامل في التاريخ 11/ 7، 8، و المختصر في أخبار البشر 3/ 8، و مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (مخطوط) ج 16 ق 2/ 283، و عيون التواريخ 12/ 253، و دول الإسلام 2/ 48 و العبر 4/ 70 و تاريخ ابن الوردي 2/ 38، و البداية و النهاية 12/ 204، و تاريخ ابن سباط 1/ 54، و كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ 1/ 495، 496 (طبعة ثانية).

[ (3)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 385 (و تحقيق سويم) 47، الكامل في التاريخ 11/ 8.

[ (4)] تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 385 (و تحقيق سويم) 48، و فيه قال العظيمي:

و مدحته بقصيدة أولها:

تقلد النّصر و اشدد خلفك العذبا* * * لا يرجع اللَّه في شي‏ء إذا وهبا

و الخبر في: العبر/ 70، و عيون التواريخ 12/ 253.

36

[محاولة اغتيال شمس الملوك‏]

و فيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربه بسيف فلم يغن [ (1)] شيئا، و قتلوه بعد أن أقرّ على جماعة و ادّعى أنّه إنّما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظلمه و عسفه، فقتل معه جماعة [ (2)].

[مقتل سونج‏]

و قتل شمس الملوك أخاه سونج الّذي أسره زنكيّ، فحزن النّاس عليه [ (3)].

[انهزام دبيس بواسط]

و فيها جمع دبيس جمعا بواسط، و انضمّ إليه جماعة من واسط، فنفّذ الخليفة لحربه البازدار و إقبال الخادم، فهزموه و أسروا بختيار [ (4)].

[حصار المسترشد الموصل‏]

و عزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات و الأعلام إلى الجانب الغربيّ في شعبان، و نودي ببغداد: من تخلّف من الجند حلّ دمه.

ثمّ سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، و نفّذ إلى بهروز يقول له: تنزل عن القلعة، و تسلّم الأموال، و تدخل تحت الطّاعة. فقال: أنا رجل كبير عاجز، و لكن أنفّذ الإقامات و تقدمة. ففعل و عفى عنه.

و وصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان، فحاصرها ثمانين يوما [ (5)]، و كان القتال كلّ يوم. و وصل إليه أبو الهيج الكرديّ من الجبل في عساكر كثيرة.

____________

[ (1)] في الأصل: «فلم يغني».

[ (2)] الكامل في التاريخ 11/ 8، 9، و سيعاد هذا الخبر في السنة التالية. و انظر: المختصر في أخبار البشر 3/ 8، و تاريخ ابن الوردي 2/ 38، 39.

[ (3)] الكامل في التاريخ 11/ 9، الكواكب الدرّية 98، تاريخ ابن سباط 1/ 54، البداية و النهاية 12/ 204.

[ (4)] المنتظم 10/ 29 (17/ 276).

[ (5)] في المختصر في أخبار البشر 3/ 7 حاصرها ثلاثة أشهر، و المثبت يتفق مع العبر 4/ 70، و مرآة

37

ثمّ إنّ زنكيّ بعث إلى الخليفة: إنّي أعطيك الأموال، فترحل عنّا. فلم يجبه، ثمّ رحل، فقيل كان سبب رحيله أنّه بلغه أنّ السّلطان مسعودا قد غار و قتل الأحمديليّ، و خلع على دبيس [ (1)].

[وعظ ابن الجوزي بجامع المنصور]

و قال «ابن الجوزيّ» [ (2)]: و توفّي شيخنا ابن الزّاغونيّ، فأخذ بحلقته بجامع القصر أبو عليّ بن الرّاذانيّ، و لم أعطها لصغري، فحضرت عند الوزير أنوشروان، و أوردت فصلا في الوعظ، فأذن لي في الجلوس بجامع المنصور، فحضر مجلسي أوّل يوم الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف، و أبو عليّ ابن القاضي، و ابن قساميّ [ (3)]، و قوي اشتغالي بفنون العلم. و أخذت عن أبي بكر الدّينوريّ الفقه، و عن ابن الجواليقيّ اللّغة، و تتبّعت مشايخ الحديث.

[أخذ بانياس من الفرنج‏]

و فيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسّيف، و قلعتها بالأمان، فلمّا نزلوا أسروهم. و قدم شمس الملوك دمشق مؤيّدا منصورا، و الأسرى بين يديه و رءوس القتلى. و رأى [ (4)] النّاس ما أقرّ أعينهم [ (5)]، فللّه الحمد. و كان يوما مشهودا [ (6)].

____________

[ ()] الجنان 3/ 252.

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 5، 6، التاريخ الباهر 47، 48، المنتظم 10/ 30 (17/ 276)، تاريخ ابن سباط 1/ 53، تاريخ مختصر الدول 203، 204، تاريخ ابن الوردي 2/ 38، الدرّة المضيّة 510.

[ (2)] في المنتظم 10/ 30 (17/ 276، 277) بتصرّف.

[ (3)] في الأصل: «تشامي».

[ (4)] في الأصل: «و رأوا».

[ (5)] خبر بانياس في: الكامل في التاريخ 10/ 684، 685، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 145، و الأعلاق الخطيرة ق 2/ 141، و الكواكب الدرّية 99، و تاريخ ابن سباط 1/ 53.

[ (6)] ذيل تاريخ دمشق 236، 237، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 145، نهاية الأرب 27/ 83، المختصر في أخبار البشر 3/ 7، دول الإسلام 2/ 48، العبر 4/ 70، تاريخ ابن الوردي 2/ 38، الدرّة المضيّة 510، عيون التواريخ 12/ 253، الكواكب الدريّة 99، النجوم الزاهرة 5/ 250.

38

[وفاة صاحب مكة]

و فيها مات صاحب مكّة أبو فليتة، و ولي بعده أبو القاسم [ (1)].

[حصار مدينة أفراغة بالأندلس‏]

و فيها نازل ابن ردمير [ (2)] مدينة أفراغة، فحاصرها و بها ابن مردنش [ (3)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 9، تاريخ ابن الوردي 2/ 39.

[ (2)] في الأصل: «رذمير».

[ (3)] سيعاد الخبر في حوادث السنة التالية.

39

سنة ثمان و عشرين و خمسمائة

[الخلعة لإقبال الخادم‏]

فيها خلع على إقبال الخادم خلعة الملك، و لقّب بسيف الدّولة ملك العرب [ (1)].

[مصالحة زنكي‏]

و وقع الصّلح مع زنكيّ بن آقسنقر، و جاء منه الحمل [ (2)].

[وزارة ابن طراد]

و صرف عن الوزارة أنوشروان، و أعيد أبو القاسم بن طراد. و قبض على بطر الخادم و سجن و أخذت أمواله. و خلع على ابن طراد خلعة الوزارة، و أعطي فرسا برقية [ (3)]، و ثلاثة عشر حمل كوسات، و أعلاما [ (4)] و مهدا [ (5)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 34 (17/ 282)، في الإنباء في تاريخ الخلفاء 217 (حوادث سنة 525 ه) إقبال المعروف بجمال الدولة، و لقبه حسام الدين، سلطان الأمراء، ملك العرب، البداية و النهاية 12/ 206.

[ (2)] المنتظم 10/ 34 (17/ 282)، العبر 4/ 73، تاريخ ابن الوردي 2/ 39، عيون التواريخ 12/ 276.

[ (3)] في المنتظم: «طوق».

[ (4)] في المنتظم: «و أعطي ثلاثة عشر عملا كوسات و أعماما».

[ (5)] المنتظم 10/ 34 (17/ 282).

40

[الخلعة لابن الأنباري‏]

و قدم رسول السّلطان سنجر، فخلع عليه، و أرسل إلى سنجر مع رسوله و مع ابن الأنباريّ خلعا عظيمة الخطر بمائة و عشرين ألف دينار [ (1)].

[محاصرة بهروز]

و بعث الخليفة إلى بهروز الخادم، و هو بالقلعة، يطلب منه حملا فأبى، فبعث جيشا لقتاله، فحاصروه [ (2)].

[خدمة السّلحدار]

و قدم ألبقش [ (3)] السّلحدار التّركيّ طلبا للخدمة مع الخليفة [ (4)].

[استعراض الخليفة الجيش‏]

ثمّ إنّ الخليفة خلع على الأمراء، و عرض الجيش يوم العيد، و نادى: لا يختلظ بالجيش أحد. و من ركب بغلا أو حمارا أبيح دمه.

و خرج الوزير و صاحب المخزن و القاضي و نقيب النّقباء و أركان الدّولة في زيّ لم ير مثله من الخيل و الزّينة و العسكر و الملبس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس [ (5)].

[توطّد الملك لطغرل‏]

و عاد طغرل إلى همذان و انضمّت إليه عساكر كثيرة، و توطّد له الملك، و انحلّ أمر أخيه مسعود. و سببه أنّ الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه، فأشار دبيس على طغرل بأخذها، و إظهار أنّ الخليفة بعثها له. ففعل [ (6)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 35 (17/ 283)، العبر 4/ 72، مرآة الجنان 3/ 253.

[ (2)] المنتظم 10/ 35 (17/ 283).

[ (3)] في الأصل: «التقش»، و التصحيح من المنتظم.

[ (4)] المنتظم 10/ 35 (17/ 283).

[ (5)] المنتظم 10/ 35 (17/ 283).

[ (6)] المنتظم 10/ 35 (17/ 284)، الكامل في التاريخ 11/ 12، 13.

41

[الخلاف بين الخليفة و مسعود]

و بعث الخليفة يحثّ مسعودا على المجي‏ء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زيّ التّركمان، و خاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسا، فبعث إليه الخليفة تحفا كثيرة.

و عثر على بعض الأمراء أنّه يكاتب طغرل، فقبض عليه الخليفة، فهرب بقيّة الأمراء إلى مسعود، و قالوا: نحن عبيدك، فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة. فطلبهم الخليفة، فقال مسعود: قد التجئوا إليّ. فقال الخليفة: إنّما أفعل هذا لأجلك، أو يصيبك [ (1)] نوبة بعد نوبة.

و وقع الاختلاف بينهما، و شاش العسكر، و مدّوا أيديهم إلى أذى المسلمين، و تعذّر المشي بين المحالّ، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات، و تأخذ العسكر الّذين صاروا إليك. فرحل في آخر السّنة و الخواطر متوحّشة. فأقام بدار الغربة. و جاءت الأخبار بتوجّه طغرل إلى بغداد.

فلمّا كان يوم سلخ السّنة نفّذ إلى مسعود الخلع و التّاج، و أشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نعم [ (2)].

[هزيمة ابن ردمير و موته‏]

و فيها حاصر ملك الفرنج ابن ردمير [ (3)] مدينة أفراغة من شرق الأندلس، و كان إذ ذاك على قرطبة تاشفين ابن السّلطان، فجهّز الزّبير اللّمتونيّ بألفي فارس، و تجهّز أمير مرسيّة و بلنسية- يحيى بن غانية- في خمسمائة و تجهّز عبد اللَّه بن عياض صاحب لاردة في مائتين، فاجتمعوا و حملوا الميرة إلى أفراغة. و كان ابن عياض فارس زمانه، و كان ابن ردمير [ (3)] في اثني عشر ألف فارس. فأدركه العجب، و قال لأصحابه: اخرجوا خذوا هذه الميرة. و نفّذ قطعة من جيشه، فهزمهم ابن عياض، فساق ابن ردمير بنفسه، و التحم الحرب،

____________

[ (1)] في المنتظم: «و أنصبك».

[ (2)] المنتظم 10/ 35، 36 (17/ 284).

[ (3)] في الأصل: «رذمير».

42

و استحرّ القتل في الفرنج، و خرج أهل أفراغة الرّجال و النّساء، فنهبوا خيم الروم. فانهزم الطّاغية، و لم يفلت من جيشه إلّا القليل، و لحق بسرقسطة، فبقي يسأل عن كبار أصحابه، فيقال له: قتل فلان، قتل فلان، فمات غمّا بعد عشرين يوما. و كان بليّة على المسلمين، فأهلكه اللَّه [ (1)].

[فتح الموحّدين لتادلة]

و فيها خرج عبد المؤمن في الموحّدين من ... [ (2)] فافتتح تادلة و نواحيها، و سار في تلك الجبال يفتتح معمورة.

[حرب تاشفين للموحّدين‏]

و أقبل تاشفين من الأندلس باستدعاء ابنه، فانتدب لحرب الموحّدين.

[مسير الفرنج إلى حلب‏]

و فيها سار صاحب القدس بالفرنج، فقصد حلب، فخرج إليه عسكرها، فالتقوا، فانهزم المسلمون، و قتل منهم مائة فارس، ثمّ التقوا و نصر اللَّه [ (3)].

[محاولة اغتيال شمس الملوك‏]

و فيها وثب إيليا الطّغتكينيّ في الصّيد على شمس الملوك بأرض صيدنايا بالسّيف، فغطس عنها، و رمى بنفسه إلى الأرض، و ضربه ثانية، فوقعت في رقبة

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 33، 34 (حوادث 429 ه).

[ (2)] بياض في الأصل.

[ (3)] روى العظيمي هذا الخبر على هذا النحو:

«وصل الملك فلك بن كند صاحب القدس إلى أنطاكية و جمع و ظهر إلى نواز ثم قنّسرين، و كسروا أوائل عسكر حلب، و قتلوا أبا القاسم التركماني و أبا العلاء بن الخشّاب، و الأمير خليفة، و شاهنشاه بن بلك. و تحوّل الفرنج إلى النقرة، فصابحهم سيف الدين سوار و العسكر، فأوقعوا بسريّة منهم فقتلوهم، و عادوا برءوس و قلائع، فسرّ الناس من يومهم عوض ما ساءهم من أمسهم». (تاريخ حلب للعظيميّ- بتحقيق زعرور 385، 386، و تحقيق سويم 48) و انظر: زبدة الحلب 2/ 252، و ذيل تاريخ دمشق 240.

43

الفرس أتلفته. و تلاحقت الأجناد، فهرب إيليا، ثمّ ظفروا به، فقتله صبرا، و قتل جماعة بمجرّد قول إيليا فيهم، و بنى على أخيه حائطا، فمات جوعا. و بالغ في الظّلم و العسف، و بنى دار المسرّة بالقلعة، فجاءت بديعة الحسن [ (1)].

[خلاف الإسماعيلية و السّنّة بمصر]

و فيها جاءت الأخبار من مصر بخلف ولدي الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد و هما: حيدرة [ (2)]، و الحسن. و افترق الجند فرقتين، إحداهما مائلة إلى الإسماعيلية، و الأخرى إلى مذهب السّنّة. فاستظهرت السّنّة، و قتلوا خلقا من أولئك، و استحرّ القتل بالسّودان، و استقام أمر وليّ العهد حسن، و تتبّع من كان ينصر الإسماعيليّة من المقدّمين و الدّعاة، فأبادهم قتلا و تشريدا.

قال أبو يعلى حمزة [ (3)]: فورد كتاب الحافظ لدين اللَّه على شمس الملوك بهذا [ (4)] الخلاف [ (5)].

[نقض الفرنج الهدنة]

و فيها فسخت الفرنج الهدنة و أقبلت بخيلائها، فجمع شمس الملوك جيشه، و استدعى تركمان النّواحي، و برز في عساكره نحو حوران، فالتقوا. و كانت الفرنج في جمع كثيف، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيّاما، ثمّ غافلهم شمس الملوك، و نهض ببعض الجيش، و قصد عكّا و النّاصرة، فأغار و غنم، فانزعجت الفرنج، و ردّوا ذليلين، و طلبوا تجديد الهدنة [ (6)].

____________

[ (1)] ذيل تاريخ دمشق 241، 242، الكامل في التاريخ 11/ 8، 9 (حوادث 527 ه). و قد تقدّم هناك باختصار، و انظر: مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 147، 148، و نهاية الأرب 27/ 84، النجوم الزاهرة 5/ 252.

[ (2)] و كنيته: أبو تراب. (أخبار الدول المنقطعة 98).

[ (3)] في ذيل تاريخ دمشق 242.

[ (4)] في الأصل: «بهذه».

[ (5)] انظر تفاصيل الخبر في: أخبار الدول المنقطعة 96، و أخبار مصر لابن ميسّر 2/ 86، و نهاية الأرب 28/ 299، 300، و الدرّة المضيّة 514، 515، و المقفّى الكبير 3/ 416- 419، و اتعاظ الحنفا 3/ 149- 155.

[ (6)] ذيل تاريخ دمشق 242، 243، الكامل في التاريخ 11/ 11، 12، مرآة الزمان ج 8 ق 1 148، المختصر في أخبار البشر 3/ 8.

44

سنة تسع و عشرين و خمسمائة

[إخراج مسعود من بغداد]

قد ذكرنا أنّ الخليفة قال لمسعود: أرحل عنّا. و أنّه بعث إليه بالخلع و التّاج، ثمّ نفذ إليه الجاوليّ شحنة بغداد، مصانعا له على الخروج، و أمره إن هو دافع أن يرمي خيمته [ (1)]. ثمّ أحسّ منه أنّه قد باطن الأتراك، و اطّلع منه على سوء نيّة، فأخرج أمير المؤمنين سرادقه، و خرج أرباب الدّولة، فجاء الخبر بموت طغرل [ (2)]، فرحل مسعود جريدة، و تلاحقته العساكر، فوصل همذان، و اختلف عليه الجيش، و انفرد عنه قزل، و سنقر، و جماعة، فجهّز لحربهم، و فرّق شملهم، فجاء منهم إلى بغداد جماعة، و أخبروا سوء نيّته، منهم البازدار، و قزل، و سنقر [ (3)].

[القبض على أنوشروان‏]

و سار أنوشروان بأهله إلى خراسان لوزارة السّلطان مسعود، فأخذ في الطّريق [ (4)].

[استرجاع زنكي المعرّة]

و فيها افتتح الأتابك زنكيّ بن آق‏سنقر المعرّة، فأخذها من الفرنج. و كان لها

____________

[ (1)] في المنتظم: «أن يحط خيمه».

[ (2)] كتاب الروضتين 1/ 79، العبر 4/ 75 و فيه «طغريل»، تاريخ ابن الوردي 2/ 39.

[ (3)] المنتظم 10/ 41 (17/ 291)، و انظر: الكامل في التاريخ 11/ 19 و 24، 25، و التاريخ الباهر 49، كتاب الروضتين 1/ 79، العبر 4/ 75.

[ (4)] المنتظم 10/ 41 (17/ 291).

45

في أيديهم سبع، و ثلاثون سنة، و ردّ أملاكهم، و كثر الدّعاء له [ (1)].

[طاعة ابن زنكي للخليفة]

و فيها قدم الموصل ابن زنكيّ من عند والده بمفاتيح الموصل مذعنا بالطّاعة و العبوديّة للخليفة، فخرج الموكب لتلقّيه، و أكرم مورده. و نزل و قبّل العتبة [ (2)].

[موت رسول دبيس‏]

و جاء رسول دبيس يقول: أنا الخاطئ المقرّ بذنبه. فمات رسوله، فذهب هو إلى مسعود [ (3)].

[كتاب ابن الأنباريّ‏]

و جاء السّديد بن الأنباريّ من عند السّلطان سنجر، و معه كتابه يقول فيه:

أنا العبد المملوك.

ثمّ تواترت الأخبار بعزم مسعود على بغداد، و جمع و حشد، فبعث الخليفة إلى بكبة نائب البصرة، فوعد بالمجي‏ء.

و وصل إلى حلوان دبيس و هو سائس عسكر مسعود، فجهّز الخليفة ألفي فارس تقدّمه، و بعث إلى أتابك زنكيّ، و كان منازلا دمشق [ (4)].

[انفصال الأمراء عن جيش مسعود]

و بعث سنجر إلى مسعود أنّ هؤلاء الأمراء، و هم البازدار و ابن برسق، و قزل، و برتقش [ (5)]، ما يتركونك تنال غرضا لأنّهم عليك، و هم الّذين أفسدوا أمر

____________

[ (1)] زبدة الحلب 2/ 259، العبر 4/ 75.

[ (2)] المنتظم 10/ 42 (17/ 292).

[ (3)] المنتظم 10/ 42 (17/ 292).

[ (4)] المنتظم 10/ 42 (17/ 293).

[ (5)] في المنتظم: «يرتقش»، و مثله في: الإنباء في تاريخ الخلفاء 221 و فيه «يرتقش الفخري»،

46

أخيك طغرل، فابعث إليّ برءوسهم. فأطلعهم على الكتاب، فقبّلوا الأرض و قالوا: الآن علمنا أنّك صاف لنا، فابعث دبيسا في المقدّمة.

ثمّ اجتمعوا و قالوا: ما وراء هذا خير، و الرأي أن نمضي إلى أمير المؤمنين، فإنّ له [في‏] [ (1)] رقابنا عهدا. و كتبوا إليه: إنّا قد انفصلنا عن مسعود، و نحن في بلاد برسق، و نحن معك، و إلّا فاخطب لبعض أولاد السّلاطين، و نفّذه نكون في خدمته. فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه، فإنّي سائر إليكم. و تهيّأ للخروج، فلمّا سمع مسعود ساق لكبسهم، فانهزموا نحو العراق، فنهب أموالهم.

و جاءت الأخبار، فهيّأ لهم الخليفة الإقامات و الأموال [ (2)].

[مهاجمة مقدّمة جيش الخليفة]

و خرج عسكر بغداد و الخليفة، و انزعج البلد. و بعث مسعود خمسة آلاف ليكبسوا مقدّمة الخليفة، فبيّتوهم و أخذوا خيلهم و أموالهم، فأقبلوا عراة، و دخلوا بغداد في حال رديئة. فأطلق لهم ما أصلح أمرهم [ (3)].

و جاء الأمراء الكبار الأربعة في دجلة فأكرموا و خلع عليهم، و أطلق لهم ثمانون ألف دينار، و وعدوا بإعادة ما مضى لهم [ (4)].

[قطع الخطبة لمسعود]

و قطعت خطبة مسعود و خطب لسنجر، و داود [ (5)].

____________

[ ()] و زبدة النصرة 177 و فيه «يرتقش قران خوان»، و كذا في: الكامل 11/ 24 «يرتقش».

[ (1)] إضافة من المنتظم.

[ (2)] المنتظم 10/ 43 (17/ 293)، الكامل في التاريخ 11/ 24، 25.

[ (3)] مرآة الجنان 3/ 254، 255.

[ (4)] المنتظم 10/ 44 (17/ 294)، الكامل في التاريخ 11/ 25.

[ (5)] المنتظم 10/ 44 (17/ 294)، الكامل في التاريخ 11/ 25، التاريخ الباهر 49.

47

[استمالة مسعود الأطراف إليه‏]

ثمّ برز الخليفة، و سار في سبعة آلاف فارس، و كان مسعود بهمذان في ألف و خمسمائة فارس، ثمّ أفسد نيّات الأطراف بالمكاتبة، و استمالهم حتّى صار في نحو خمسة عشر ألف فارس، و تسلّل إليه ألفا فارس من عسكر المسترشد.

و نفّذ زنكي إلى الخليفة نجدة، فلم يلحق [ (1)].

[أسر المسترشد]

و وقع المصافّ في عاشر رمضان، فلمّا التقى الجمعان هرب جميع العسكر الّذين كانوا مع المسترشد، و كان على ميمنته قزل، و البازدار، و نور الدّولة الشّحنة، فحملوا على عسكر مسعود، فهزموهم ثلاثة فراسخ ثمّ عادوا فرأوا الميسرة قد غدرت، فأخذ كلّ واحد منهم طريقا، و أسر المسترشد و حاشيته، و أخذ ما معه، و كان معه خزائن عظيمة، فكانت صناديق الذّهب على سبعين بغلا [ (2)] أربعة آلاف ألف دينار، و كان الثّقل على خمسة آلاف [ (3)] جمل، و خزانة السّبق أربعمائة بغل.

و نادى مسعود: المال لكم، و الدّم لي، فمن قتل أقدته. و لم يقتل بين الصّفّين سوى خمسة أنفس غلطا.

و نادى: من أقام من أصحاب الخليفة قتل. فهرب النّاس، و أخذتهم التّركمان، و وصلوا بغداد و قد تشقّقت أرجلهم، و بقي الخليفة في الأسر [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 44، 45 (17/ 294، 295)، الكامل في التاريخ 11/ 25، مرآة الجنان 3/ 255.

[ (2)] في الفخري 302: «على مائة و سبعين بغلا».

[ (3)] في الفخري: «خمسمائة جبل».

[ (4)] انظر خبر أسر الخليفة المسترشد باللَّه في: تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 387، (و تحقيق سويم) 49، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 219، 220، و التاريخ الباهر 49، 50، و الكامل في التاريخ 11/ 24- 26، و المنتظم 10/ 43- 48 (17/ 295)، و ذيل تاريخ دمشق 248، 249، و تاريخ الزمان لابن العبري 147، 148، و تاريخ مختصر الدول، له 204، و زبدة الحلب 2/ 253، و التاريخ الباهر 49، 50، و كتاب الروضتين 79، و الفخري 302، 303، و مختصر التاريخ لابن الكازروني 221، 222، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 218

48

[كتاب الخليفة إلى أستاذ الدار]

و بعث بالوزير ابن طراد و قاضي القضاة الزّينبيّ، و بجماعة إلى قلعة، و بعث شحنة بغداد و معه كتاب من الخليفة إلى أستاذ الدّار، أمره مسعود بكتابته، فيه: «ليعتمد الحسين [ (1)] بن جهير مراعاة الرّعيّة [ (2)] و حمايتهم [ (3)]، فقد ظهر من الولد غياث الدّنيا و الدّين، أمتع [ (4)] اللَّه به في الخدمة ما صدقت به الظّنون [ (5)]. فليجتمع و كاتب الزّمام و كاتب المخزن إلى إخراج العمّال إلى النّواحي [ (6)]، فقد ندب من الجانب الغياثيّ هذا الشّحنة [ (7)] لذلك، و ليهتمّ بكسوة الكعبة، فنحن في إثر هذا المكتوب [ (8)].

[ثورة أهل بغداد]

و حضر عيد الفطر، فنفر أهل بغداد و وثبوا، و وثبوا [ (9)] على الخطيب، و كسروا المنبر و الشّبّاك، و منعوه من الخطبة، و حثوا في الأسواق على رءوسهم التّراب يبكون و يضجّون، و خرج النّساء حاسرات يندبن الخليفة في الطّرق‏

____________

[ (221،)] و خلاصة الذهب المسبوك 273، و تاريخ دولة آل سلجوق 164، 165، و بغية الطلب (قسم السلاجقة) 248، و المختصر في أخبار البشر 3/ 9، و مفرّج الكروب 1/ 58، و العبر 4/ 75، 76، و سير أعلام النبلاء 19/ 565، 568، و دول الإسلام 2/ 49، 50، و تاريخ ابن الوردي 2/ 39، و عيون التواريخ 12/ 292، 293، و فوات الوفيات 24812- 250، و مرآة الجنان 3/ 254، 255، و الدّرّة المضيّة 515، 516، و البداية و النهاية 12/ 207، 208، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 95، 96، و مآثر الإنافة 2/ 26، و الكواكب الدّرية 99، 100، و تاريخ ابن خلدون 5/ 60، 61، و تاريخ الخميس 2/ 404، و النجوم الزاهرة 5/ 256، و تاريخ الخلفاء 431- 435، و شذرات الذهب 4/ 86- 88، و تاريخ ابن سباط 1/ 58.

[ (1)] هكذا في الأصل، و أصل المنتظم المخطوط، و في المطبوع: «الحسن».

[ (2)] زاد في المنتظم: «و الاشتمال عليهم».

[ (3)] زاد في المنتظم: «و كفّ الأذى عنهم».

[ (4)] في المنتظم: «تبع».

[ (5)] في المنتظم: «ما صدق به الخدمة».

[ (6)] في المنتظم: «إلى نواحي الخاص لحراستها».

[ (7)] في المنتظم: «شحنة».

[ (8)] في المنتظم 10/ 45، 46 (17/ 295): «إن شاء اللَّه».

[ (9)] هكذا تكرّرت في الأصل.

49

و تحت التّاج، و همّوا برجم الشّحنة، و هاشوا عليهم، فاقتتل أجناده و العوامّ، فقتل من العوامّ مائة و ثلاثة و خمسون نفسا، و هرب أبو الكرم الوالي، و حاجب الباب إلى دار خاتون، و رمى أعوان الشّحنة الأبواب الحديد الّتي على السّور، و نقبوا فيه فتحات، و أشرفت بغداد على النّهب، فنادى الشّحنة: لا ينزل أحد في دار أحد، و لا يؤخذ لأحد شي‏ء، و السّلطان جاي [ (1)] بين يدي الخليفة، و على كتفه الغاشية [ (2)]. فسكن النّاس. و طلب السّلطان من الخليفة «نظر الخادم» فنفّذ أطلقه، و سار بالخليفة إلى داود، إلى مراغة [ (3)].

[زلزلة بغداد]

و قال ابن الجوزيّ [ (4)]: و زلزلت بغداد مرارا كثيرة، و دامت كلّ يوم خمس أو ستّ مرّات إلى ليلة الثّلاثاء، فلم تزل الأرض تميد من نصف اللّيل إلى الفجر، و النّاس يستغيثون [ (5)].

[تفاقم الأمر ببغداد]

و تصرّف عمّال السّلطان في بغداد، و عوّقوا قرى وليّ العهد، و ختموا على غلّاتها، فأفتكّ ذلك منهم بستّمائة دينار، فأطلقوها.

و تفاقم الأمر، و انقطع خبر العسكر، و استسلم النّاس [ (6)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل.

[ (2)] الغاشية: هي غاية سرج من أديم مخروز بالذهب يظنّها الناظر كلّها ذهبا يلقيها (الملك) على يديه يمينا و شمالا. (صبح الأعشى 2/ 127) و قال القلقشندي أيضا: تحمل بين يديه عند الركوب في المواكب الحفلة كالميادين و الأعياد و نحوها، و يحملها الركابدار رافعا لها على يديه يلفتها يمينا و شمالا. (صبح الأعشى 4/ 6).

[ (3)] المنتظم 10/ 43- 46 (17/ 296)، الإنباء في تاريخ الخلفاء 220، الكامل في التاريخ 11/ 26، الفخري 303، العبر 4/ 77.

[ (4)] في المنتظم 10/ 46 (17/ 296)، و انظر: الكامل في التاريخ 11/ 34.

[ (5)] و الخبر باختصار في: عيون التواريخ 12/ 296، و هو في الكواكب الدرّيّة 100، و مرآة الزمان ج 8 ق 1521، 157، و كشف الصلصلة 183، و البداية و النهاية 12/ 208.

[ (6)] المنتظم 10/ 46 (17/ 296، 297)، التاريخ الباهر 52.

50

[رسالة سنجر إلى مسعود بطاعة الخليفة]

ثمّ أرسل سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا و الدّين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين و يقبّل [ (1)] [الأرض‏] بين يديه، و تسأله العفو و الصّفح، و تتنصّل غاية التّنصّل، فقد ظهرت عندنا من الآيات السّماويّة و الأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة من العواصف و البروق و الزّلازل، و دوام ذلك عشرين يوما، و تشويش العساكر و انقلاب [ (2)] البلدان، و لقد خفت على نفسي من جانب اللَّه و ظهور آياته، و امتناع النّاس من الصّلوات في الجوامع، و منع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فاللَّه اللَّه بتلافي أمرك، و تعيد أمير المؤمنين إلى مقرّ عزّه، و تسلّم إليه دبيسا ليحكم فيه، و تحمل الغاشية بين يديه أنت و جميع الأمراء، كما جرت عادتنا و عادة آبائنا [ (3)].

فنفّذ مسعود بهذه المكاتبة مع الوزير، و نظر، فدخلا على الخليفة، و استأذنا لمسعود، فدخل و قبّل الأرض، و وقف يسأل العفو، فقال: قد عفي عن ذنبك، فأسكن [ (4)] و طب نفسا.

[شفاعة مسعود بدبيس‏]

ثمّ عامله مسعود بما أمره به عمّه، و سأل من الخليفة أن يشفّعه في دبيس، فأجابه، فأحضروه مكتوفا بين أربعة أمراء، و مع واحد سيف مجذوب، و كفن منشور، و ألقي بين يدي السّرير، و قال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا السّبب الموجب لما تمّ، فإذا زال السّبب زال الخلاف، و مهما تأمر نفعل به. و هو يبكي و يتضرّع و يقول: العفو عند المقدرة، و أنا أقلّ و أذلّ. فعفا عنه و قال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ .. [ (5)] فخلّوه، و قبّل يد أمير المؤمنين و أمرّها على‏

____________

[ (1)] في الأصل: «يقتل».

[ (2)] في الكواكب الدرّية 101: «و انفلات».

[ (3)] انظر النص في: المنتظم 10/ 47 (17/ 297)، و الكواكب الدرّية 100، و أخبار الدول 2/ 169، 170.

[ (4)] في الكواكب 101: «فاشكر».

[ (5)] سورة يوسف، الآية 92.

51

وجهه، و قال: بقرابتك من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) إلّا ما عفوت عنّي، و تركتني أعيش في الدّنيا، فإنّ الخوف منك قد برّح بي [ (1)].

[نقض سور بغداد]

و أمّا بكبة شحنة بغداد، فإنّه أمر بنقض السّور ببغداد، فنقض مواضع كثيرة. و قال: عمّرتموه بفرح، فانقضوه لذلك.

و ضربت لهم الدّبادب [ (2)]، و ردّوا الباب الحديد الّذي أخذ من جامع المنصور إلى مكانه [ (3)].

[قتل الباطنيّة الخليفة المسترشد]

و قدم رسول و معه عسكر يستحثّ مسعود أمر جهة عمّه على إعادة الخليفة إلى بغداد، فجاء في العسكر سبعة عشر [ (4)] من الباطنيّة، فذكر أنّ مسعودا ما علم بهم، فاللَّه أعلم، فركب السّلطان و العساكر لتلقّي الرسول، فهجمت الباطنيّة على الخليفة، ففتكوا به (رحمه اللَّه)، و قتلوا معه جماعة من أصحابه، فعلم العسكر، فأحاطوا بالسّرادق فخرج الباطنيّة و قد فرغوا من شغلهم، فقتلوا.

و جلس السّلطان للعزاء، و وقع النّحيب و البكاء، و ذلك على باب مراغة، و بها دفن [ (5)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 48 (17 (298)، الكواكب الدرّية 101.

[ (2)] الدبادب: الطبول.

[ (3)] المنتظم 10/ 48، 49 (17/ 298).

[ (4)] جاء في التاريخ الباهر 50: «فهجم على الخليفة أربعة عشر نفرا من الباطنية، و بقي خارج الخيمة عشرة رجال».

[ (5)] انظر عن مقتل المسترشد في: الإنباء في تاريخ الخلفاء 221، و الكامل في التاريخ 11/ 27، و التاريخ الباهر 50، و زبدة التواريخ 208، و وفيات الأعيان 5/ 201، و تاريخ دولة آل سلجوق 166، و تاريخ الزمان 148، و تاريخ مختصر الدول 204، و الفخري 303، و بغية الطلب (قسم السلاجقة) 248، و المختصر في أخبار البشر 3/ 9، و العبر 4/ 76، 77، و الدرّة المضيّة 517، و تاريخ الخميس 2/ 404، و تاريخ ابن خلدون 3/ 510، و الكواكب الدرّيّة 17، 102، و البداية و النهاية 12/ 208، و أخبار الدول 2/ 170، و الإعلام بوفيات الأعلام 217، و سير أعلام النبلاء 19/ 561.

52

و جاء الخبر، فطلب الرّاشد النّاس طول اللّيل فبايعوه ببغداد، فلمّا أصبح شاع قتله، فأغلق البلد، و وقع البكاء و النّحيب، و خرج النّاس حفاة مخرّقي الثّياب، و النّساء منشّرات الشّعور يلطمن، و يقلن فيه المراثي على عادتهنّ، لأنّ المسترشد كان محبّبا فيهم بمرّة، لما فيه من الشّجاعة و العدل و الرّفق بهم [ (1)].

فمن مراثي النّساء فيه:

يا صاحب القضيب و نور الخاتم‏* * * صار الحريم بعد قتلك رائم [ (2)]

اهتزّت الدّنيا و من عليها* * * بعد النّبيّ و من ولي عليها

قد صاحت البومة على السّرادق‏* * * يا سيّدي ذا كان في السّوابق‏

ترى تراك العين في حريمك‏* * * و الطّرحة السّواد على كريمك [ (3)]

و عمل العزاء في الدّيوان ثلاثة أيّام، تولّى ذلك ناصح الدّولة ابن جهير، و أبو الرّضا صاحب الدّيوان.

[بيعة الراشد بالخلافة]

ثمّ شرعوا في الهناء، و كتب السّلطان إلى الشّحنة بكبة أن يبايع [ (4)] للرّاشد.

____________

[ (1)] انظر عن مقتل الخليفة المسترشد باللَّه في: تاريخ حلب للعظيميّ 387، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 221، و المنتظم 10/ 49 (17/ 298، 299)، و ذيل تاريخ دمشق 249، 250، و الكامل في التاريخ 11/ 27، 28، و التاريخ الباهر 50، و كتاب الروضتين 79، و تاريخ دولة آل سلجوق 165، و تاريخ مختصر الدول 204، و تاريخ الزمان 149، و خريدة القصر (قسم العراق) ج 1/ 29، و مختصر التاريخ لابن الكازروني 222، و الفخري 303، و مفرّج الكروب 1/ 60، و النبراس 145، و مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 156، و زبدة التواريخ 208، و راحة الصدور 179، و خلاصة الذهب المسبوك 273، و المختصر في أخبار البشر 3/ 9، 10، و سير أعلام النبلاء 19/ 561- 573 رقم 325، و العبر 4/ 76، و دول الإسلام 2/ 50، و تاريخ ابن الوردي 2/ 39، و الدرّة المضيّة 516، 517، و عيون التواريخ 12/ 293، 294، و فوات الوفيات 2/ 248- 250، و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 7/ 257، و الكواكب الدرّية 101، 102، و مآثر الإنافة 2/ 25، و البداية و النهاية 12/ 208، و تاريخ ابن خلدون 5/ 61، و تاريخ الخميس 2/ 404، و النجوم الزاهرة 5/ 256، و تاريخ الخلفاء 435، و شذرات الذهب 4/ 88، و أخبار الدول 2/ 170، و تاريخ ابن سباط 1/ 59، 60.

[ (2)] في المنتظم: «مأتم».

[ (3)] الأبيات في: المنتظم 10/ 49، 50 (17/ 299).

[ (4)] في الأصل: «يتابع».

53

و جلس الرّاشد في الشّبّاك في الدّار المثمّنة المقتدريّة، و بايعه الشّحنة من خارج الشّبّاك، و ذلك في السّابع و العشرين من ذي القعدة. و ظهر للنّاس، و كان أبيض جسيما بحمرة مستحسنة. و كان يومئذ بين يديه أولاده و إخوته، و نادى بإقامة العدل و ردّ بعض المظالم [ (1)].

[ظهور التشيّع أيام الغدير]

و في أيّام الغدير ظهر التّشيّع، و مضى خلق إلى زيارة مشهد عليّ و مشهد الحسين [ (2)].

[منازلة زنكي دمشق‏]

و فيها نازل زنكي دمشق، و حاصرها أشدّ حصار، فقام بأمر البلدان أتمّ قيام، و أحبّه النّاس، فجاء زنكي رسول المسترشد باللَّه يأمره بالرحيل [ (3)].

[مسير سنجر إلى غزنة و هرب ملكها]

و في ذي القعدة سار السّلطان سنجر بالجيوش إلى غزنة فأشرف عليها، و هرب منه ملكها، فأمّنه و نهاه عن ظلم الرّعيّة، و أعاده إلى مملكته، و هو بهرام شاه. و رجع السّلطان فوصل بلخ في شوّال من سنة ثلاثين [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 50 (17/ 300)، التاريخ الباهر 50، الكامل في التاريخ 11/ 28، مآثر الإنافة 2/ 32، تاريخ حلب للعظيميّ (بتحقيق زعرور) 387 (و تحقيق سويم) 50، الإنباء في تاريخ الخلفاء 222، زبدة التواريخ 209، تاريخ الزمان 149، تاريخ مختصر الدول 20، الفخري 308، مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 158، المختصر في أخبار البشر 3/ 10، الكواكب الدرّية 102.

[ (2)] المنتظم 10/ 52 (17/ 302).

[ (3)] الإعتبار لابن منقذ 99، ذيل تاريخ دمشق 247، 248، الكامل في التاريخ 11/ 21، 22، زبدة الحلب 2/ 257، نهاية الأرب 27/ 130، المختصر في أخبار البشر 3/ 9، عيون التواريخ 12/ 295، 296، الدرّة المضيّة 519، تاريخ ابن الوردي 2/ 39، الكواكب الدرّيّة 103، تاريخ ابن سباط 1/ 57، 1.

[ (4)] الكامل في التاريخ 11/ 28- 30.

54

سنة ثلاثين و خمسمائة

[رفض الراشد باللَّه مضمون كتاب المسترشد]

جاء برتقش بأمور صعبة، فقالوا للراشد باللَّه: جاء مطالبا بخطّ كتبه المسترشد باللَّه لتخليص من أسره بمبلغ، و هو سبعمائة ألف دينار [ (1)]، و يطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاثمائة ألف، و بقسط على أهل بغداد خمسمائة ألف دينار. فاستشار الراشد الكبار، فأشاروا عليه بالتّجنيد، و أرسل الخليفة إلى برتقش [ (2)]: أمّا الأموال المضمونة فإنّما تكتب لإعادة الخليفة إلى داره، و ذلك لم يكن، و أنا مطالب بالثّأر، و أمّا مال البيعة، فلعمري، لكن ينبغي أن تعاد إلى أملاكي و إقطاعي، حتّى يتصوّر ذلك. و أمّا الرعيّة فلا سبيل لكم عليهم، و ما عندي إلّا السّيف.

ثمّ أحضر بكبة و خلع عليه، و أعطاه ثلاثة آلاف دينار، و قال له: دوّن بهذه العسكر كلّه. و جمع العساكر، و بعث إلى برتقش يقول: قد تركنا البلد مع الشّحنة و العميد، فلمّا جئت بهذه الأشياء فعلنا هذا.

[انزعاج أهل بغداد]

و انزعج أهل بغداد، و باتوا تحت السّلاح، و نقل النّاس إلى دار الخلافة و دار خاتون متاعهم، و قيل للخليفة إنّهم قد عزموا على كبس بغداد وقت الصّلاة، فركب العسكر، و حفظ النّاس البلد، و قطع الجسر، و جرى في أطراف البلد قتال قويّ [ (3)].

____________

[ (1)] في البداية و النهاية 12/ 210: «أربعمائة ألف دينار»، و مثله في الكواكب الدرّيّة 103.

[ (2)] في المنتظم 10/ 55، و الكامل في التاريخ 11/ 36، و التاريخ الباهر 51، و تاريخ دولة آل سلجوق 170: «برنقش»، و في تاريخ ابن سباط 1/ 63: «رتقش».

[ (3)] المنتظم 10/ 54، 55 (17/ 305، 306)، و انظر: الكامل في التاريخ 11/ 35، العبر