تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج39

- شمس الدين الذهبي المزيد...
415 /
5

[الطبقة السابعة و الخمسون‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

سنة إحدى و ستين و خمسمائة

[الرفض في عاشوراء]

ظهر في أيّام عاشوراء من الرّفض ببغداد أمر عظيم حتّى سبّوا الصّحابة، و كانوا في الكرخ إذا رأوا مكحّلا ضربوه [ (1)].

[وقوع الرّخص‏]

و وقع الرّخص حتّى أبيعت كارّة الدّقيق بعشرة قراريط [ (2)].

قال ابن الجوزيّ [ (3)]: و قد اشتريتها في زمن المسترشد باثنتي عشر دينارا [ (4)].

[هياج الكرج على بلاد الشام‏]

و فيها هاجت الكرج على بلاد الإسلام، و قتلوا و سبوا، و غنموا ما لا يحصى [ (5)].

[فتح المنيطرة]

و فيها افتتح نور الدّين حصن المنيطرة [ (6)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 217 (18/ 171)، العبر 4/ 174، مرآة الجنان 3/ 346، البداية و النهاية 12/ 251.

[ (2)] في المنتظم 10/ 218 (18/ 171) «باثني عشر قيراطا».

[ (3)] في المنتظم.

[ (4)] في الأصل: «دينار».

[ (5)] الكامل في التاريخ 11/ 323، دول الإسلام 2/ 75، العبر 4/ 174.

[ (6)] الكامل في التاريخ 11/ 322، التاريخ الباهر 131، كتاب الروضتين ج 2 ق 2/ 360 و 367

6

____________

[ ()] و 368، زبدة الحلب 2/ 322، النوادر السلطانية 38، وفيات الأعيان 7/ 47، المغرب في حلى المغرب 139، الكواكب الدرّية 169، و الإعلام بتاريخ أهل الإسلام لابن قاضي شهبة (مخطوط) 11/ 169، المختصر في أخبار البشر 3/ 43، و الإعلام و التبيين للحريري 29، و دول الإسلام 2/ 75 و فيه «المنيظرة»، و العبر 4/ 174، البداية و النهاية 12/ 251، و النجوم الزاهرة 5/ 350، تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ (تأليفنا) 5141، تاريخ ابن سباط 1/ 17. و «المنيطرة»: بضم الميم و فتح النون و سكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، و كسر الطاء المهملة، و فتح الراء، و في الآخر هاء. حصن بجبل لبنان. قال ياقوت: قريب من طرابلس. (معجم البلدان) و أقول: هو بين بعلبكّ و جبيل في جبل المنيطرة المعروف باسمه. و قد ذكر الحريري في (الإعلام و التبيين) أنه حصن قريب من كسروان. فعلّق محقّقه الدكتور مهدي رزق اللَّه أحمد (بالحاشية 220) فقال: لم أعثر عليها في كتب البلدان (أي كسروان)، و لكن يفهم من كتاب (السلوك) أنها من مناطق الدروز، و أن جبل كسروان متصل بسلسلة جبال لبنان.

و يقول خادم العلم محقق هذا الكتاب «عمر بن عبد السلام تدمري»: إن المنيطرة في قلب جبل لبنان، و في القسم الشمالي من كسروان، و هي ليست من مناطق الدروز. فليصحّح.

7

سنة اثنتين و ستين و خمسمائة

[إرسال العسكر لحرب شملة]

وقع الإرجاف بمجي‏ء شملة التّركمانيّ إلى قلعة الماهكيّ، و بعث يطلب و يتنطّع [ (1)]، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد، و بعث لحربه أكثر عسكر بغداد [ (2)].

[عودة ركب الحاجّ‏]

و قدم الرّكب، و أخبروا بالأمن و الرّخص و المياه، و أنّهم نقضوا القبّة الّتي بنيت بمكّة للمصريّين [ (3)].

[مشاركة قطب الدين لعمّه نور الدين الغزو]

و فيها قدم قطب الدّين من الموصل للغزو مع عمّه نور الدّين، فاجتمعا على حمص، و سارا بالجيوش، فأغاروا على بلاد حصن الأكراد، و حاصروا عرقة، و حاصروا حلبة، و أخذوا العريمة، و صافيتا. ثمّ صاموا رمضان بحمص، و ساروا إلى بانياس، فنازلوا حصن هونين و أحرقوه. و عزم نور الدّين على منازلة بيروت، فوقع خلف في العسكر، فعاد قطب الدّين إلى الموصل، و أعطاه أخوه بلد الرّقّة.

____________

[ (1)] في المنتظم: «و يقتطع».

[ (2)] المنتظم 10/ 220 (18/ 174)، مرآة الزمان 8/ 268.

[ (3)] المنتظم 10/ 220 (18/ 174).

8

[حريق اللّبّادين‏]

و فيها، قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [ (1)]: احترقت اللّبّادين، و باب السّاعات [ (2)] بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا، رقد طبّاخ هريسة على القدر و نام، فاحترقت دكّانه، و لعبت النّار في اللّبّادين، و تعدّت إلى دور كثيرة، و نهبت أموال عظيمة، و أقامت النّار تلعب أيّاما.

[مسير شير كوه إلى مصر]

و فيها كان مسير الأمير أسد الدّين شير كوه المسير الثّاني إلى مصر. جهّز السّلطان نور الدّين المعظّم جيوشه، و قيل: بل جهّز معه ألفي فارس، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدّة نيّف و خمسين يوما، فاستنجد شاور بالفرنج، فدخلوا مصر من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدّين من بين أيديهم، و تقدّم عن منزلته، ثمّ وقع بينه و بين المصريّين حرب على قلّة عسكره و كثرة عدوّه، فانتصر فيها أسد الدّين، و قتل من الفرنج ألوفا و أسر منهم سبعين فارسا [ (3)].

قال ابن الأثير [ (4)]: كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرّخ أنّ ألفي فارس تهزم عساكر مصر و الفرنج السّاحليّة.

____________

[ (1)] في مرآة الزمان 8/ 270، و انظر: دول الإسلام 2/ 75، 76.

[ (2)] باب الساعات: هو الباب الغربي للجامع الأموي و يعرف بباب الزيادة، سمّي بباب الساعات لأنه كان هناك منكاب الساعات يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير من نحاس، و حيّة من نحاس، و غراب، فإذا تمّت الساعة خرجت فصفرت العصافير، و صاح الغراب و سقطت حصاة. (الدارس في تاريخ المدارس 2/ 386، 387).

أما اللبّادين فهي محلّة في شرق جامع دمشق مكان النوفرة اليوم و ما حولها. (معجم الأماكن الطبوغرافية، للمنجد) و قد تصحّفت إلى «البلادين» في مرآة الجنان 3/ 370، و الخبر في: النجوم الزاهرة 5/ 373.

[ (3)] أخبار الدول المنقطعة 115، المختصر في أخبار البشر 2/ 43، مرآة الزمان 8/ 268، دول الإسلام 2/ 76، اتعاظ الحنفا 3/ 284.

[ (4)] في الكامل في التاريخ 11/ 326، و التاريخ الباهر 133، و العبر 4/ 176، و مرآة الجنان 3/ 370.

9

قلت: صدق و اللَّه ابن الأثير، و هذه تسمّى وقعة البابين، و هو موضع بالصّعيد، أدركته فيه الفرنج و المصريّون في جمادى الآخرة من السّنة، فعمل مشورة، فأشاروا بالتّعدية إلى الجانب الشّرقي و الرجوع إلى الشّام، و قالوا: إن انهزمنا إلى أين نلتجئ؟ فقال بزغش النّوريّ صاحب الشّقيف [ (1)]: من خاف القتل و الأسر فلا يخدم الملوك، و اللَّه لئن عدنا إلى نور الدّين من غير غلبة ليأخذنّ إقطاعاتنا و يطردنا.

فقال أسد الدّين: هذا رأيي. و قال صلاح الدّين كذلك، فوافق الأمراء، و نصبوا للملتقى، و جعلوا الثّقل في القلب حفظا له و تكثيرا للسّواد، و أقيم صلاح الدّين في القلب، و قال له عمّه أسد الدّين: إذا حملوا على القلب فلا تصدقوهم القتال، و تقهقروا، فإن ردّوا عنكم فارجعوا على أعقابهم. ثمّ اختار هو طائفة يثق بشجاعتهم، و وقف في الميمنة، فحملت الفرنج على القلب، فناوشوهم القتال، و اندفعوا بين أيديهم على بقيّتهم، فتبعتهم الفرنج، فحمل أسد الدّين على باقي الفرنج و المصريّين، فهزمهم، و وضع فيهم السّيف. فلمّا عاد الفرنج من حملتهم على القلب رأوا عسكرهم مهزوما، فولّوا و انهزموا، و نزل النّصر [ (2)].

ثمّ سار أسد الدّين إلى الصّعيد، فجبى خراجها، و أقام الفرنج بالقاهرة حتّى استراشوا، و قصدوا الإسكندرية و قد أخذها صلاح الدّين يوسف ابن أخي أسد الدّين، فحاصروها أربعة أشهر، و قاتل أهلها مع صلاح الدّين أشدّ قتال بجموعه، فترحّل الفرنج عن الإسكندريّة [ (3)].

____________

[ (1)] الشقيف: هو شقيف تيرون، حصن بجبل عامل شرقيّ صور.

[ (2)] الكامل في التاريخ 11/ 324- 326، التاريخ الباهر 132، 133، النوادر السلطانية 37، 38، زبدة الحلب 2/ 323، 324، كتاب الروضتين ج 1 ق 2/ 365، تاريخ الزمان 178 و 179، أخبار الدول المنقطعة 115، مفرّج الكروب 1/ 152، المختصر في أخبار البشر 3/ 43، 44، دول الإسلام 2/ 76، العبر 4/ 176، 177، تاريخ ابن الوردي 2/ 72، مرآة الجنان 3/ 370، البداية و النهاية 12/ 252، 253، الكواكب الدريّة 169- 171، اتعاظ الحنفا 3/ 282- 285، تاريخ ابن سباط 1/ 117، نهاية الأرب 28/ 335- 337، مرآة الزمان 8/ 268، 269.

[ (3)] الكامل 11/ 326، التاريخ الباهر 133، 134 الروضتين ج 1 ق 2/ 365، 366 و 370،

10

[المهادنة بين أسد الدين و شاور]

ثمّ وقعت مهادنة بين أسد الدّين و شاور على أن ينصرف أسد الدّين إلى الشّام، و يعطى خمسين ألف دينار. فأخذها و رجع [ (1)].

و استقرّ بالقاهرة شحنة للفرنج، و قطيعة مائة ألف دينار في السّنة [ (2)].

____________

[ ()] المغرب في حلى المغرب 94، نهاية الأرب 29/ 337، العبر 4/ 176، 177.

[ (1)] الكامل 11/ 326، التاريخ الباهر 134، نهاية الأرب 28/ 337، مرآة الزمان 8/ 269.

العبر 4/ 177، مرآة الجنان 3/ 370، البداية و النهاية 12/ 253.

[ (2)] الكامل 11/ 327، التاريخ الباهر 134، المختصر في أخبار البشر 3/ 44، نهاية الأرب 28/ 338، مرآة الزمان 8/ 269، العبر 4/ 177، مرآة الجنان 3/ 370، البداية و النهاية 12/ 253، اتعاظ الحنفا 3/ 287، النجوم الزاهرة 5/ 349.

11

سنة ثلاث و ستين و خمسمائة

[امتناع حجّ المصريّين‏]

لم يحجّ المصريّون لما فيه ملكهم من الويل و الاشتغال بحرب أسد الدّين [ (1)].

[رخص الورد ببغداد]

و رخص الورد ببغداد إلى أن أبيع كلّ ثمانين رطلا بقيراط [ (2)].

[وزارة البلديّ‏]

و فيها ولّي الوزير شرف الدّين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن البلديّ وزارة المستنجد باللَّه. و كان ناظرا بواسط [ (3)].

[مصالحة البهلوان و صاحب مراغة]

و فيها كان حرب و محاصرة من البهلوان لصاحب مراغة آقسنقر الأحمديليّ. ثمّ وقع الصّلح بعد مصافّ كبير [ (4)].

[مشيخة الشيوخ‏]

و فيها ولّي مشيخة الشّيوخ و الأوقاف بدمشق، و حمص، و حماه: أبو الفتح عمر بن عليّ بن حمّويه.

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 222 (18/ 176).

[ (2)] المنتظم 10/ 222 (18/ 176) و فيه: «بيع الورد مائة رطل بقيراط و حبّة»، و مثله في: مرآة الزمان 8/ 271، و النجوم الزاهرة 5/ 376، و تاريخ ابن الفرات، مجلّد 4 ج 4/ 1.

[ (3)] المنتظم 10/ 222 (18/ 176)، الكامل 11/ 332، البداية و النهاية 12/ 254.

[ (4)] الكامل 11/ 332.

12

سنة أربع و ستين و خمسمائة

[الإيقاع بالعيّارين‏]

فيها واقع غلمان الخليفة العيّارين بالدّجيل، و قتل كثير منهم، و جاءوا برءوسهم، و أخذ قائدهم، ثمّ صلب ببغداد و تسعة من اللّصوص [ (1)].

[مصادرة الأمير قيماز]

و فيها صودر الأمير قيماز ببغداد، و أخذ منه ثلاثون ألف دينار، و انكسر بذلك [ (2)].

[مسير أسد الدين إلى مصر]

و فيها كان مسير أسد الدّين إلى مصر المسير الثّالث، و ذلك أنّ الفرنج قصدت الدّيار المصريّة في جمع عظيم، و كان السّلطان نور الدّين في جهة الشّمال و نواحي الفرات، فطلعوا عليه من عسقلان، و أتوا بلبيس فحاصروها، و ملكوها، و استباحوها، ثمّ نزلوا على القاهرة، فحاصروها، فأحرق شاور مصر خوفا من الفرنج، فلمّا ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصّلح على ألف ألف دينار، يعجّل له بعضها. فأجابه به ملك الفرنج مرّي [ (3)] إلى ذلك، و حلف له، فحمل إليه شاور مائة ألف دينار و ماطله بالباقي [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 226 (18/ 182)، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 17.

[ (2)] المنتظم 10/ 227 (18/ 183).

[ (3)] يسمّى بالإنكليزيةIcirlamA ، و بالفرنسيةiruammA .

[ (4)] الكامل 11/ 335- 337، التاريخ الباهرة 137، 138، تاريخ ابن سباط 1/ 120، الروضتين ج 1 ق 2/ 391، تاريخ الزمان 181، أخبار الدول المنقطعة 116، سنا البرق‏

13

و كاتب في غضون ذلك الملك العادل نور الدّين يستنجد به، و سوّد كتابه، و جعل في طيّه ذوائب النّساء، و واصل كتبه يستحثّه، فكان بحلب، فساق أسد الدّين من حمص إلى حلب في ليلة [ (1)].

قال القاضي بهاء الدّين يوسف بن شدّاد [ (2)]: قال لي السّلطان صلاح الدّين: كنت أكره النّاس في الخروج إلى مصر هذه المرّة، و هذا معنى قوله:

فَعَسى‏ [ (3)] أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [ (4)].

[دعوة صلاح الدين لدخول مصر]

و قال ابن الأثير [ (5)]: حكي عن صلاح الدّين قال: لمّا وردت الكتب من مصر إلى نور الدّين أحضرني و أعلمني الحال، و قال: تمضي إلى عمّك أسد الدّين مع رسولي تحثّوه على الحضور. ففعلت، فلمّا سرنا عن حلب، ميلا لقيناه قادما، فقال له نور الدّين: تجهّز. فامتنع خوفا من غدرهم أوّلا، و عدم ما ينفقه في العسكر آخرا، فأعطاه نور الدّين الأموال و الرجال، و قال: إن تأخّرت عن مصر سرت أنا بنفسي، فإن ملكها الفرنج لا يبقى معهم بالشّام مقام.

____________

[ ()] الشامي 1/ 74، المغرب في حلى المغرب 95، 96، المختصر في أخبار البشر 3/ 47، تاريخ ابن الوردي 2/ 74، العبر 4/ 184، دول الإسلام 2/ 77، البداية و النهاية 12/ 255 و فيه: «و عجّل لهم من ذلك ثمانمائة ألف دينار»، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 24، 25.

[ (1)] الكامل 11/ 338، التاريخ الباهر 139، الروضتين ج 1 ق 2/ 391، 392، سنا البرق الشامي 1/ 75، زبدة الحلب 2/ 326.

[ (2)] في النوادر السلطانية 39.

[ (3)] في الأصل: «و عسى» و هو غلط.

[ (4)] سورة النساء، الآية 19، و النص في (النوادر): «كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة، و ما خرجت مع عمّي باختياري، و هذا معنى قوله سبحانه و تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏».

[ (5)] في الكامل 11/ 342، 343، و التاريخ الباهر 141، و انظر: النوادر السلطانية 38، 39، و الروضتين ج 1 ق 2/ 393، و المختصر في أخبار البشر 3/ 47.

14

فالتفت إليّ عمّي و قال: تجهّز يا يوسف. [قال‏]: فكأنّما ضرب قلبي بسكّين! فقلت: و اللَّه لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها. فلقد قاسيت بإلاسكندريّة من المشاقّ ما لا أنساه [ (1)].

فقال عمّي لنور الدّين: لا بدّ من مسيره معي. فترسم له. فأمرني نور الدّين و أنا أستقيله، و انقضى المجلس.

ثمّ قال نور الدّين: لا بدّ من مسيرك مع عمّك. فشكوت الضّائقة، فأعطاني ما تجهّزت به، و كأنّما أساق إلى الموت.

و كان نور الدّين مهيبا، مخوفا، مع لينه و رحمته، فسرت معه. فلمّا توفّي أعطاني اللَّه من الملك ما [لا] [ (2)] كنت أتوقّعه [ (3)].

[وزارة أسد الدين‏]

رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدّين، فجمع الجيوش، و سار إلى دمشق، و عرض الجيش، ثمّ سار إلى مصر في جيش عرمرم، فقيل: كانوا سبعين ألف فارس و راجل. فتقهقر الفرنج لمجيئه، و دخل القاهرة في ربيع الآخر، و جلس في الدّست، و خلع عليه العاضد خلع السّلطنة، و ولّاه وزارته [ (4)]، و هذه نسخة العهد:

«من عبد اللَّه أبي محمد عبد اللَّه بن يوسف العاضد [ (5)] لدين اللَّه أمير المؤمنين، إلى السّيّد الأجلّ، الملك المنصور، سلطان الجيوش، وليّ الأئمّة [ (6)]، أسد الدّين [ (7)]، هادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شير كوه‏

____________

[ (1)] تاريخ ابن سباط 1/ 122.

[ (2)] ما بين الحاصرتين ساقطة من الأصل. أضفتها من: الروضتين ج 1 ق 2/ 394.

[ (3)] العبارة في الكامل 11/ 343: «ثم توفّي فملّكني اللَّه تعالى ما لم أكن أطمع في بعضه».

[ (4)] التاريخ الباهر 139.

[ (5)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 402: «من عبد اللَّه و وليّه أبي محمد العاضد».

[ (6)] في الروضتين زيادة: «مجير الأمّة».

[ (7)] في الروضتين زيادة: «كامل قضاة المسلمين، و».

15

العاضديّ، عضّد اللَّه به الدّين، و متّع [ (1)] ببقائه أمير المؤمنين، و أدام أقدرته، و أعلى [ (2)] كلمته، سلام عليك، فإنّا نحمد اللَّه [ (3)] الّذي لا إله إلّا هو، و نسأله [ (4)] أن يصلّي على محمّد [ (5)] سيّد المرسلين، و على آله الطّاهرين، و الأئمّة المهديّين ..» ثمّ أتبع ذلك بخطبتين بليغتين، و أنّه ولّاه الوزارة، و فوّض إليه تدبير الدّولة.

و كتب هو في أعلى [ (6)] المنشور بخطّه: «هذا عهد لم يعهد [ (7)] لوزير بمثله، فتقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا [ (8)] لحملها [ (9)]، و الحجّة عليك عند اللَّه بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، و اسحب ذيل الفخار بأن اعتزّت بك بنو النّبوّة [ (10)]، و اتّخذ [ (11)] للفوز سبيلا وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [ (12)].

[قتل شاور]

و كان هذا قبل مقتل شاور، و هو أنّ أسد الدّين لمّا دخل القاهرة فأقام شاور بضيافته و ضيافة عسكره، و تردّد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدّين مالا ينفقه على جيشه، فماطله. فبعث إليه الفقيه ضياء الدّين عيسى بن محمد الهكّاريّ يقول: إنّ الجيش طلبوا نفقاتهم، و قد مطلتهم بها، و تغيّرت‏

____________

[ (1)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 403 «أمتع».

[ (2)] في الأصل: «أعلا» في الموضعين.

[ (3)] في الروضتين: «فإنه يحمد إليك اللَّه.

[ (4)] في الروضتين: «و يسأله».

[ (5)] في الروضتين: «على محمد خاتم النبيّين، و سيّد ..».

[ (6)] في الأصل: «أعلا» في الموضعين.

[ (7)] في الروضتين: «هذا عهد لا عهد»، و المثبت يتفق مع: مفرّج الكروب 1/ 164.

[ (8)] في الأصل: «أهل» و هو غلط.

[ (9)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 402، و مفرّج الكروب: «لحملة».

[ (10)] في الروضتين، و مفرّج الكروب: «بأن اعتزّت خدمتك إلى بنوة النبوة».

[ (11)] في المصدرين: «و اتّخذه».

[ (12)] سورة النحل، الآية 91.

16

قلوبهم، فإذا أبيت فكن على حذر منهم. فلم يؤثّر هذا عند شاور، و ركب على عادته، و أتى أسد الدّين مسترسلا، و قيل: إنّه تمارض، فجاء شاور يعوده [ (1)]، فاعترضه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب و جماعة من الأمراء النّوريّة، فقبضوا عليه، فجاءهم رسول يطلب رأس شاور، فذبح و حمل رأسه إليه [ (2)].

[موت شير كوه‏]

ثمّ لم يلبث أسد الدّين أن حضرته المنيّة بعد خمسة و ستّين يوما من ولايته [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل: «يعوضه».

[ (2)] الكامل 11/ 340، التاريخ الباهر 140، تاريخ ابن سباط 1/ 121، النوادر السلطانية 39، 40، الروضتين ج 1 ق 2/ 397 و 398، تاريخ الزمان 182، تاريخ مختصر الدول 212، أخبار الدول المنقطعة 116، سنا البرق الشامي 1/ 78، مفرّج الكروب 1/ 160- 167، المغرب في حلى المغرب 96، المختصر في أخبار البشر 3/ 45، 46، نهاية الأرب 28/ 342، 343، زبدة الحلب 2/ 327، مرآة الزمان 8/ 277، 278، و الدر المطلوب 35، و مرآة الجنان 3/ 374، البداية و النهاية 12/ 256، اتعاظ الحنفا 3/ 301، و النجوم الزاهرة 5/ 339 و 351، 352، تاريخ الخلفاء 444، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 232، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 29- 33، شفاء القلوب 26، 35.

[ (3)] انظر (وفاة شيركوه) في: الكامل في التاريخ 11/ 341، و التاريخ الباهر 141، و النوادر السلطانية 40، 41، و الروضتين ج 1 ق 2/ 405، و تاريخ مختصر الدول 212، و أخبار الدول المنقطعة 116، و سنا البرق الشامي 1/ 80، 81، و المغرب في حلى المغرب 96 و فيه: «فكانت مدّة وزارته ستين يوما»، و المختصر في أخبار البشر 3/ 47، و تاريخ ابن الوردي 2/ 75، و نهاية الأرب 28/ 343، و 357، و مفرّج الكروب 1/ 165، و اتعاظ الحنفا 3/ 304، و زبدة الحلب 3/ 4328، و مرآة الزمان 8/ 278، الدر المطلوب 35 و فيه: «فكانت مدّة وزارته ثمانية أشهر»! و 26 و 40 و فيه: «لم يقم في الوزارة غير أربعة أشهر، و قيل ثمانية أشهر على اختلاف الرواة في ذلك»، البداية و النهاية 12/ 256، النجوم الزاهرة 5/ 352، و تاريخ الخلفاء 444، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 232، و تاريخ ابن الفرات م 4/ ج 1/ 50- 55.

17

[تقليد صلاح الدين أمور الخليفة]

و قلّد العاضد الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف الأمور، و هو لقّبه الملك النّاصر، و كتب تقليده القاضي الفاضل. فقام بالسّلطنة أتمّ قيام [ (1)].

قال العماد في «البرق الشّاميّ» [ (2)] بعد أن ذكر استباحة الفرنج بلبيس:

فأناخوا على القاهرة معوّلين على المحاصرة في عاشر صفر، فخاف النّاس من نوبة بلبيس، فلو أنّ الفرنج لم يعمدوا بالسّوء في بلبيس لوثقت منهم القاهرة، و لم تدم المحاصرة. و أحرق شاور مصر، و خاف عليها منهم، فبقيت النّار تعمل فيها أربعة و خمسين يوما. و كان غرضه أن يأمن عليها من العدوّ الكافر.

ثمّ عرف العجز، فشرع في الحيل، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودّة، و أنّه يراه لدهره العمدة، فأحسن له العدّة، و وفّر لرجائه الجدّة، و قال: أمهلني حتّى أجمع لك الدّنانير، و أنفذ لك منها قناطير، و أطمعه [ (3)] في ألف ألف دينار معجّلة و منجّمة، و توثّق منه بمواثيق مستحكمة، ثمّ قال له: ترحل عنّا، و توسع الخناق، و تترك الشّقاق. و عجّل له مائة ألف دينار حيلة و خداعا، و وصل بكتبه نور الدّين مستصرخا مستنفرا، و في طيّها ذوائب مجزوزة و عصائب محزوزة، و بقي ينفّذ للفرنج في كلّ حين مالا، و يطلب منهم إمهالا، حتّى أتى الغوث، فسلب أسد الدّين القرار، و ساق في ليلة إلى حلب، و قال إنّ الفرنج قد استحكم في البلاد المصريّة طمعهم، و ليس في الوجود غيرك من يرغمهم، و متى تجمع العسكر؟ و كيف تدفعهم؟ فقال له:

خزانتي لك، فخذ منها ما تريد، و يصحبك أجنادي. و عجّل له بمائتي ألف دينار، و أمر خازنه وليّ الدّين إسماعيل بأن يعطيه ما يطلب. فقال: أمضي إلى الرحبة لجمع التّركمان.

____________

[ (1)] الروضتين ج 1 ق 2/ 406، أخبار الدول المنقطعة 116، نهاية الأرب 28/ 359، البداية و النهاية 12/ 256، النجوم الزاهرة 5/ 339، تاريخ الخلفاء 444، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 233.

[ (2)] في الجزء الضائع من الكتاب، و يوجد نحوه في الروضتين ج 1 ج 2/ 391، 392.

[ (3)] في الأصل: «أطعمه».

18

و ذهب نور الدّين ليتسلم قلعة جعبر، و حشد أسد الدّين و حشر، و أسرع نور الدّين بالعود إلى دمشق. و خرجنا إلى الفوّار، و أسد الدّين هناك في العسكر الجرّار، و أطلق لكلّ فارس عشرين دينارا، و رحلوا على قصد مصر.

و خيّم نور الدّين بمن أقام معه على رأس الماء، [ (1)] فجاء البشير برحيل الفرنج عن القاهرة عند وصول خبر العسكر، [ (2)] فدخلوا مصر في سابع [ (3)] ربيع الآخر، و تودّد شاور إلى أسد الدّين و تردّد، و تجدّد بينهما من الودّ ما تأكّد [ (4)].

ثمّ ساق «العماد» نحو ما قدّمنا، و أنّه قتل في سابع عشر ربيع الآخر.

ثمّ قال [ (5)]: «و لمّا فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيّام من التّعزية بأسد الدّين اختلفت آراؤهم، و اختلطت أهواؤهم، و كاد الشّمل لا ينتظم [ (6)]، فاجتمع الأمراء النّوريّة على كلمة واحدة، و أيد متساعدة، و عقدوا لصلاح الدّين الرأي و الراية، و أخلصوا له الولاء و الولاية، و قالوا: هذا مقام [ (7)] عمّه، و نحن بحكمه، و ألزموا صاحب القصر بتوليته، و نادت السّعادة بتلبيته، و شرع في ترتيب الملك و تربيته [ (8)]، و سلّط الجود على الموجود، و بسط الوفور للوفود».

قال القاضي بهاء الدّين بن شدّاد [ (9)]: و كانت الوصيّة إلى صلاح الدّين.

من عمّه، و لمّا فوّض إليه تاب من الخمر، و أعرض عن اللّهو [ (10)]. و لقد

____________

[ (1)] رأس الماء: من أرض حوران و تقع على طريق الحج، شمال درعا و جنوب دمشق.

[ (2)] الروضتين ج 1 ق 2/ 391- 393 و 464.

[ (3)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 398 «في الرابع».

[ (4)] الروضتين ج 1/ ق 2/ 398.

[ (5)] قول العماد في الروضتين ج 1 ق 2/ 409، و في سنا البرق الشامي 1/ 81.

[ (6)] زاد في الروضتين: «و الخلل لا يلتئم»، و مثله في: سنا البرق الشامي 1/ 81.

[ (7)] في الروضتين «هذا قائم مقامه»، و المثبت يتفق مع سنا البرق 1/ 81.

[ (8)] زاد في الروضتين: «و رفض ختوم الخزائن، و أبضّ رسوم المزاين»، و انظر: سنا البرق 1/ 81.

[ (9)] في النوادر السلطانية 40، 41.

[ (10)] تاريخ ابن سباط 1/ 124.

19

سمعته يقول لمّا يسّر اللَّه ديار مصر: علمت أنّه أراد فتح السّاحل، لأنّه أوقع ذلك في نفسي.

و قال ابن واصل [ (1)]: لمّا مات أسد الدّين كان ثمّ جماعة، منهم عين الدّولة الياروقيّ، و قطب الدّين خسرو الهذبانيّ [ (2)]، و سيف الدّين عليّ المشطوب [ (3)]، و شهاب الدّين محمود الحارميّ خال صلاح الدّين، و كلّ منهم تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاح الدّين ليولّيه الأمر، حمله على ذلك ضعف صلاح الدّين، و أنّه لا يجسر أحد على مخالفته، فامتنع و جبن، فألزم و أحضر إلى القصر، و خلع عليه، و لقّب بالملك النّاصر صلاح الدّين، و عاد إلى دار الوزارة، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء و لا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء الدّين عيسى الهكّاريّ، و أمال إليه المشطوب، ثمّ قال لشهاب الدّين:

هذا هو ابن أختك، و ملكه بك، و لم يزل به حتّى حلّفه له [ (4)]، ثمّ أتى قطب الدّين و قال: إنّ صلاح الدّين قد أطاعه النّاس، و لم يبق غيرك و غير عين الدّولة، و على كلّ حال، فالجامع بينك و بين صلاح الدّين أنّ أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. و وعده بزيادة إقطاعه، فلان و حلف [ (5)]. ثمّ ذهب ضياء الدّين و اجتمع بعين الدّولة الياروقيّ، و كان أكبر الجماعة، و أكثرهم جمعا، فلم تنفع رقاه، و قال: لا أخدم يوسف أبدا. و عاد إلى نور الدّين و معه غيره، فأنكر عليهم فراقهم له.

قال العماد [ (6)]: و كان بالقصر أستاذ خصيّ يلقّب مؤتمن الخلافة [ (7)]،

____________

[ (1)] في مفرّج الكروب 1/ 168.

[ (2)] في مفرّج الكروب: «قطب الدين خسرو بن تليل، و هو ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الّذي كان صاحب إربل».

[ (3)] في المفرّج: «سيف الدين علي بن أحمد المشطوب». و في التاريخ الباهر 255، و الروضتين ج 1 ق 2/ 406 «سيف الدين علي بن أحمد الهكاري».

[ (4)] في الأصل: «به». و المثبت عن: التاريخ الباهر، و الروضتين.

[ (5)] هكذا في الأصل. و في التاريخ الباهر و الروضتين: «فأطاع صلاح الدين أيضا».

[ (6)] قول العماد في (الروضتين ج 1 ق 2/ 450)، و سنا البرق الشامي 1/ 82.

[ (7)] اسمه «جعفر». كما في: مفرّج الكروب 1/ 174، و المواعظ و الاعتبار 1/ 97.

20

لأمره نفاذ، و به في الشّدّة عياذ، و له بتحيّل الحيل لياذ، و على القصر استحواذ، فتشمّر و تنمّر، و قال: من كسرى، و من كيقباذ [ (1)]؟. و تآمر هو و من شايعه و بايعه على مكاتبة الفرنج، فكاتبوهم خفية، فاتّفق أنّ تركمانيّا عبر بالبير البيضاء [ (2)]، فرأى نعلين جديدين مع إنسان، فأخذهما و جاء بهما إلى صلاح الدّين، فوجد في البطانة خرقا مكتوبة، مكتومة، مختومة، بالشرّ محتومة، و إذا هي إلى الفرنج من القصر، يرجون بالفرنج النّصر، فقال:

دلّوني على كاتب هذا الخطّ. فدلوه على يهوديّ من الرّهط، فلمّا أحضروه لفظ بالشّهادتين، و اعترف أنّه بأمر مؤتمن الخلافة كتبه، و استشعر الخصيّ العصيّ، و خشي أن تسبقه [ (3)] على شقّ العصا العصيّ، فلزم القصر. و أعرض عنه صلاح الدّين، ثمّ خرج إلى قرية له [ (4)]، فأنهض له السّلطان صلاح الدّين من أخذ رأسه في ذي القعدة.

و لمّا قتل هذا الخادم سار [ (5)] السّودان و ثاروا، و من استعار السّعير استعاروا، و أقاموا ثاني يوم قتله و جيّشوا، و كانوا أكثر من خمسين ألفا، من كلّ أنبس أغلس، أحمر أحمس [ (6)]، أجرى أجرس، ألسع أليس، أسود أسود، و أسحم حسامه يحسم، فحسبوا أنّ كلّ بيضاء شحمة، و كلّ سوداء فحمة [ (7)]، و حمراء لحمة، و أنّ كلّ ما أسدوه من العجاج مناله لحمة، فأقبلوا و نصرائهم‏

____________

[ (1)] النص في سنا البرق الشامي مختلف: «و كان بالقصر أستاذ، له على حكم القصر استحواذ، و بدا من شرار شرّه دخان، و من رشاش كيده رذاذ».

[ (2)] البير البيضاء: قريبة من بلبيس بينها و بين الخانكة، و مكانها اليوم عزبة أبي حبيب بناحية الزوامل في حوض يعرف الآن باسم حوض البيضاء. و في معجم البلدان: البيضاء اسم لأربع قرى في مصر، الأولى من كورة الشرقية (و هي المقصودة هنا)، و الثانية: غربيّ النيل بين مصر و الإسكندرية، و الثالثة: من ضواحي الإسكندرية، و الرابعة: قرب المحلّة.

(انظر: الروضتين ج 1 ق 2/ 450 حاشية 3).

[ (3)] في الأصل: «تشنقه»، و التحرير من: الروضتين ج 1 ق 2/ 451.

[ (4)] يقال لها: الخرقانية. و في سنا البرق الشامي 1/ 83: «و كان له قصر يقال له الخرقانية».

[ (5)] هكذا في الأصل. و في الروضتين ج 1 ق 2/ 451: «غار»، و مثله في سنا البرق 1/ 83.

[ (6)] في سنا البرق 1/ 83: «من كل أخضر ينظر من عينيه الموت الأحمر».

[ (7)] انظر: مجمع الأمثال للميداني 2/ 156.

21

زحمة، و ما في قلوبهم رحمة، فقال أصحابنا: إن فشلنا عنهم سلونا البقاء، و ما في عادتهم العادية شي‏ء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، و كان المقدّم الأمير أبو الهيجا [ (1)]، و اتّصلت الحرب بين القصرين، و دام الشّرّ يومين، و أخرجوا عن منازلهم العزيزة إلى الجيزة [ (2)]، و كانت لهم محلّة تسمّى المنصورة [ (3)]، فأخربت و حرثت.

و لمّا عرف نور الدّين النّصر، و استقرار ملك مصر، ارتاح سرّه، و انشرح صدره، و أمدّ الصّلاح بأخيه شمس الدّولة توران شاه [ (4)].

ملك إلدكز الريّ‏

قلت: و أمّا مملكة الرّيّ فكانت بيد إينانج يؤدّي حملا إلى إلدكز صاحب أذربيجان، فمنعه سنتين، و طالبه، فاعتذر بكثرة الجند و الحاشية، فقصده إلدكز، فالتقيا و عملا مصافّا، فانهزم إينانج، و تحصّن بقلعة، فحصره إلدكز فيها. ثمّ كاتب إينانج و أطمعهم، فقتلوه، و سلّموا البلد إلى إلدكز، فلم يف لهم بما وعد، و طردهم، فظفر خوارزم شاه بالّذي باشر قتل إينانج، فأخذه و صلبه. و أمّا إلدكز فعاد إلى همذان، و كان هذه المدّة قد سكنها [ (5)].

[تملّك شملة بلاد فارس و ردّه‏]

و فيها تملّك الأمير شملة صاحب خوزستان بلاد فارس، ثمّ حشد صاحبها و جمع، و حارب شملة و نصر عليه، فردّ شملة إلى بلاده [ (6)].

____________

[ (1)] في مفرّج الكروب 1/ 176 «أبو الهيجاء السمين»، و مثله في سنا البرق الشامي 1/ 84.

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 451: «و أخرجوا إلى الجيزة، و أذلّوا بالنفي عن منازلهم العزيزة».

[ (3)] محلّة المنصورة على باب زويلة. ذكرها المقريزي في (المواعظ و الاعتبار) و قال إنها كانت كبيرة متّسعة، و بها منازل عدّة للسودان، أمر صلاح الدين بتخريبها بعد وقعة سنة 564 التي نكّل فيها بالثائرين منهم. (الروضتين ج 1 ق 2/ 452 بالمتن و الحاشية).

[ (4)] سنا البرق الشامي 1/ 84.

[ (5)] الكامل 11/ 348، المختصر في أخبار البشر 3/ 48، تاريخ ابن الوردي 2/ 77، تاريخ ابن سباط 1/ 125.

[ (6)] الكامل 11/ 347.

22

[قتل ابني شاور و عمّهما]

و فيها قتل العاضد بالقصر: الكامل و أخاه ابني شاور و عمّهما في جمادى الآخرة. و ذلك أنّهم لاذوا بالقصر، و لو أنّهم جاءوا إلى أسد الدّين سلموا، فإنّه ساءه قتل شاور [ (1)].

[الزلزلة بصقلّية]

و فيها كانت الزّلزلة العظمى بصقلّية، و أهلك خلق كثير، فللّه الأمر من قبل و من بعد [ (2)].

____________

[ (1)] الكامل 11/ 340، الروضتين ج 1 ق 2/ 455، مفرّج الكروب 1/ 178، سنا البرق الشامي 1/ 85، البداية و النهاية 12/ 257، النجوم الزاهرة 5/ 352، البداية و النهاية 12/ 257، اتعاظ الحنفا 3/ 304.

[ (2)] لم يذكر السيوطي هذه الزلزلة في كتابه «كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة»، انظر:

ص 192.

23

سنة خمس و ستين و خمسمائة

[الزلازل في الشام‏]

وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشام وقع فيها نصف حلب، و يقال هلك من أهلها ثمانون ألفا. ذكره ابن الجوزيّ [ (1)].

و قال العماد الكاتب [ (2)]: تواصلت الأخبار من جميع بلاد الشّام بما أحدثت الزلزلة بها من الانهداد و الانهدام، و أنّ زلّات زلازلها حلّت و جلّت، و معاقد معاقلها انحلّت و اختلّت، و انبتّ ما فيها و تخلّت، و أنّ أسوارها علتها الأسواء و عرّتها، و قرّت بها النّواكب فنكبتها و ما أقرّتها، و انهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، و أنّ سماءها انفطرت، و شموسها كوّرت، و عيونها غوّرت و عوّرت. و ذكر فصلا طويلا في الزّلزلة و تهويلها [ (3)].

و قال أبو المظفّر بن الجوزيّ [ (4)] بعد أن أطنب في شأن هذه الزّلزلة و أسهب: لم ير النّاس زلزلة من أوّل الإسلام مثلها، أفنت العالم، و أخربت القلاع‏

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 230 (18/ 188).

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 1/ 467.

[ (3)] و انظر عن الزلازل في:

الكامل 11/ 354، 355، و التاريخ الباهر 145، النوادر السلطانية 43، و كتاب الروضتين ج ق 1/ 467- 469، و زبدة الحلب 2/ 330، 331، و سنا البرق الشامي 1/ 91- 93، و تاريخ الزمان 183، و مرآة الزمان 8/ 279، 280، و المختصر في أخبار البشر 3/ 49، و دول الإسلام 2/ 78، و العبر 4/ 189، و تاريخ ابن الوردي 2/ 78، و مرآة الجنان 3/ 378، و البداية و النهاية 12/ 261، و الكواكب الدرّية 189، و تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 94- 98، و تاريخ ابن خلدون 5/ 249، و اتعاظ الحنفا 3/ 318، و كشف الصلصلة 192، 193، و تاريخ ابن سباط 1/ 127، و تاريخ الحروب الصليبية 2/ 638، و تاريخ طرابلس 1/ 516.

[ (4)] في مرآة الزمان 8/ 280.

24

و البلاد. و فرّق نور الدّين في القلاع العساكر خوفا عليها، لأنّها بقيت بلا أسوار.

[نزول الفرنج على دمياط]

و فيها نزلت الفرنج على دمياط في صفر، فحاصروها واحدا و خمسين يوما، ثمّ رحلوا خائبين، و ذلك أنّ نور الدّين و صلاح الدّين أجلبا عليها برّا و بحرا، و أغارا على بلادهم.

قال ابن الأثير [ (1)]: بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخلوّ البلاد من المانع، فلمّا بلغهم ذلك رجعوا، و كان موضع المثل: خرجت النّعامة تطلب قرنين، فعادت بلاد أذنين.

و أخرج صلاح الدّين في هذه المرّة أموالا لا تحصى. حكي لي عنه أنّه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدّة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصريّة، سوى الثّياب و غيرها [ (2)].

[أخذ نور الدين سنجار]

و فيها توجّه نور الدّين إلى سنجار، فحاصرها حصارا شديدا، ثمّ أخذها بالأمان [ (3)]، ثمّ توجّه إلى الموصل و رتّب أمورها، و بنى بها جامعا، و وقف عليه الوقوف الجليلة [ (4)].

____________

[ (1)] في الكامل 11/ 352، و التاريخ الباهر 144.

[ (2)] و انظر الخبر أيضا في: سنا البرق الشامي 1/ 86، و الروضتين ج 1 ق 2/ 456- 462، و النوادر السلطانية 41- 43، و مفرّج الكروب 1/ 179- 184، و تاريخ الزمان 181، و المختصر في أخبار البشر 3/ 48، 49، و مرآة الزمان ج 8/ 279، و العبر 4/ 189، و دول الإسلام 2/ 78، و تاريخ ابن الوردي 2/ 77، و البداية و النهاية 12/ 260، و مرآة الجنان 3/ 378، و الكواكب الدرّية 185- 187، و النجوم الزاهرة 5/ 7، و تاريخ ابن سباط 1/ 126، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 231، و ذكر الحريري خبر دمياط في حوادث سنة 561، انظر: الإعلام و التبيين 29، و الصحيح في سنة 565 ه. و الدر المطلوب 41، و اتعاظ الحنفا 3/ 315، 316، و تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 82- 87.

[ (3)] الكامل 11/ 363 (حوادث سنة 566 ه.)، الدرّ المطلوب 45، العبر 4/ 190.

[ (4)] الكامل 11/ 364 (حوادث سنة 566 ه.)، دول الإسلام 2/ 78، العبر 4/ 190، مرآة

25

[دخول نجم الدين أيوب مصر]

و فيها دخل نجم الدّين أيّوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه [ (1)]، و كان يوما مشهودا، و تأدّب ابنه صلاح الدّين معه، و عرض عليه منصبه [ (2)].

[منازلة نور الدين الكرك‏]

و فيها سار نور الدّين، فنازل الكرك، و نصب عليها منجنيقين، و قاتلهم أشدّ القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم، فانهزموا [ (3)].

[أسر أمير حصن عكار]

و فيها طرق الفرنج حصن عكّار من المسلمين، و أسروا أميرها، و هو خطلخ السّلحدار مملوك نور الدّين [ (4)].

____________

[ ()] الجنان 3/ 378، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 104.

[ (1)] الكامل 11/ 353.

[ (2)] الروضتين ج 1 ق 2/ 466، سنا البرق الشامي 1/ 89، مفرّج الكروب 1/ 185، زبدة الحلب 2/ 329، نهاية الأرب 28/ 362، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 87/ 9.

[ (3)] الكامل 11/ 352، 353، التاريخ الباهر 144، سنا البرق الشامي 1/ 89، 90، النوادر السلطانية 45، زبدة الحلب 2/ 329، الروضتين ج 1 ق 2/ 464، 465، المختصر في أخبار البشر 3/ 49، العبر 4/ 190، دول الإسلام 2/ 78، البداية و النهاية 12/ 260، تاريخ ابن الوردي 2/ 78، الكواكب الدريّة 188، تاريخ ابن خلدون 5/ 249، تاريخ ابن سباط 1/ 127، و ذكر الحريري خبر الكرك في حوادث سنة 561 ه. (الإعلام و التبيين 30) و الصحيح في هذه السنة 565 ه.، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 93.

[ (4)] النوادر السلطانية 42 و فيه: «عكا» و هو غلط، لأنّ عكّا في هذه السنة كانت بيد الفرنج، و لا حاجة لأن يطرقوها، و الصواب «عكار» كما هو مثبت هنا، فهي بيد المسلمين.

و لم يتنبّه محقّق النوادر إلى هذا الوهم، فاقتضى التصحيح.

و الخبر في: الكامل 11/ 327 و 328 (حوادث 564 ه.)، و الروضتين ج 1 ق 2/ 374 و 375، و كتابنا: تاريخ طرابلس 1/ 515.

26

سنة ست و ستين و خمسمائة

[وفاة المستنجد باللَّه‏]

فيها وفاة المستنجد باللَّه، و ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السّماء منذ مرض، و كانت ترمي ضوءها على الحيطان [ (1)].

[خلافة المستضي‏ء باللَّه‏]

و بويع ابنه المستضي‏ء أبو محمد الحسن، و أمّه أرمينيّة، بايعه النّاس، و صلّى ليومه على المستنجد، و نادى برفع المكوس، و ردّ مظالم كثيرة، و أظهر من العدل و الكرم ما لم نره من الأعمار، قاله ابن الجوزيّ [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (وفاة المستنجد باللَّه) في: المنتظم 10/ 232 (18/ 190)، و 10/ 236 رقم 336 (18/ 195 رقم 4289)، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 226، و الكامل في التاريخ 11/ 360- 362، و التاريخ الباهر 150- 152، و الروضتين ج 1 ق 2/ 483- 485، و تاريخ الزمان 185، و تاريخ مختصر الدول 214، و سنا البرق الشامي 1/ 100، و مفرّج الكروب 1/ 193- 196، و مختصر التاريخ 233- 236، و مرآة الزمان 8/ 177، و زبدة التواريخ 282، و تاريخ إربل 1/ 196 و 243، و خلاصة الذهب المسبوك 276، و الفخري 316، و المختصر في أخبار البشر 3/ 49، و العبر 4/ 194، و دول الإسلام 2/ 79، و سير أعلام النبلاء 20/ 412- 418 رقم 274، و تاريخ ابن الوردي 2/ 78، و فوات الوفيات 4/ 358- 360، و مرآة الجنان 3/ 379، و البداية و النهاية 12/ 262، و تاريخ ابن خلدون 3/ 525، و الجوهر الثمين 210، 211، و نهاية الأرب 23/ 294- 300، و تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 118، و تاريخ الخميس 2/ 408، 409، و الكواكب الدرية 192- 194، و مآثر الإنافة 2/ 44- 49، و النجوم الزاهرة 5/ 386، و حسن المحاضرة 2/ 91، 92، و تاريخ الخلفاء 442- 444، و تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) 1/ 128، و شذرات الذهب 4/ 218، 219، و أخبار الدول 176، 177.

[ (2)] في المنتظم 10/ 232، 233 (18/ 190، 191)، العبر 4/ 192.

27

ثمّ قال: و احتجب المستضي‏ء عن أكثر النّاس، فلم يركب إلّا مع الخدم، و لم يدخل عليه غير قيماز [ (1)].

[كتاب التهنئة برحيل الفرنج عن دمياط]

و قال العماد الكاتب [ (2)]: أنشأت عن نور الدّين كتابا إلى العاضد، يهنّئه برحيل الفرنج عن دمياط. و كان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك في مصر خوفا منهم، و الاقتصار منهم على صلاح الدّين، فقلت: الخادم يهنّئ بما مضاه اللَّه من الظّفر الّذي أضحك سنّ الإيمان. ثمّ ذكر أنّ الفرنج لا تؤمن غائلتهم، و الرأي إبقاء التّرك بديار مصر.

[وفاة قطب الدين‏]

و لمّا بلغ نور الدّين وفاة أخيه قطب الدّين بالموصل، توجّه ليدبّر أحوالها [ (3)].

[دخول نور الدين الموصل‏]

و كان الخادم فخر الدين عبد المسيح قد تعرّض للحكم، و أقام سيف الدّين غازي مقام أبيه، فقال نور الدّين: أنا أولى بتدبير البلاد. فسار مارّا على قلعة جعبر، و استصحب معه العسكر [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 234 (18/ 192، 193)، العبر 4/ 192، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 123.

[ (2)] في: الروضتين.

[ (3)] انظر عن (وفاة قطب الدين) في: التاريخ الباهر 146- 150، و الروضتين ج 1 ق 2/ 472- 475، و تاريخ الزمان 183 (سنة 565 ه.)، تاريخ مختصر الدول 213 (سنة 565 ه.)، سنا البرق الشامي 1/ 93، مفرّج الكروب 1/ 188، نهاية الأرب 27/ 163 و 179، و مرآة الزمان 8/ 281، و تاريخ الخميس 2/ 408 و فيه وفاته سنة 559 ه.، و مرآة الجنان 3/ 378، و النجوم الزاهرة 5/ 383.

[ (4)] التاريخ الباهر 152، الروضتين ج 1 ق 2/ 475، تاريخ الزمان 183، 184، تاريخ مختصر الدول 213، سنا البرق اشامي 1/ 93، 94، نهاية الأرب 27/ 180، مرآة الزمان 8/ 282، النجوم الزاهرة 5/ 384، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 111- 113.

28

ثمّ سيّر من الرّقّة العماد الكاتب في الرّسليّة إلى الخليفة [ (1)].

ثمّ حاصر نور الدّين سنجار، و هدم سورها بالمجانيق، ثمّ تسلّمها، و سلّمها إلى ابن أخيه زنكي بن مودود [ (2)].

و قصد الموصل، فنزل عليها، خاض إليها دجلة من مخاضة دلّه عليها تركمانيّ. ثمّ أنعم نور الدّين على أولاد أخيه، و أقرّ غازيا عليها، و ألبسه التّشريف الّذي وصل إليه من الإمام المستضي‏ء. ثمّ دخل نور الدّين قلعة الموصل، فأقام بها سبعة عشر يوما، و جدّد مناشير ذوي المناصب، فكتب منشورا لقاضيها حجّة الدّين ابن الشّهرزوريّ، و توقيعا لنقيب العلويّين، و كتب منشورا بإسقاط المكوس [ (3)] و الضّرائب، فما أعيدت إلّا بعد وفاته [ (4)].

قال العماد [ (5)]: و كتبت له منشورا أيضا بإطلاق المكوس و الضّرائب في جميع بلاده.

قال [ (6)]: و حضر مجاهد الدّين قايماز صاحب إربل في الخدمة النّوريّة، و زخرت الموصل بأمواج هداياه. ثمّ ولّى نور الدّين سعد الدّين كمشتكين بقلعة الموصل عنه نائبا، و أمر فخر الدّين عبد المسيح بأن يكون له في خدمته‏

____________

[ (1)] التاريخ الباهر 152، الروضتين ج 1 ق 2/ 476، تاريخ الزمان 184، سنا البرق الشامي 1/ 95، 96، المختصر في أخبار البشر 3/ 50.

[ (2)] التاريخ الباهر 153، الروضتين ج 1 ق 2/ 476، تاريخ الزمان 184، سنا البرق الشامي 1/ 96، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 114.

[ (3)] المكوس: مفردها مكس، الضريبة، و هي كل ما يحصّل من الأموال لديوان السلطان، أو لأصحاب الإقطاعات أو لموظفي الدولة خارجا عن الخراج الشرعي. (صبح الأعشى 3/ 468، المواعظ و الاعتبار 1/ 103 و 2/ 121).

[ (4)] التاريخ الباهر 152- 154، الكامل 11/ 362- 365، سنا البرق الشامي 96، 97، الروضتين ج 1 ق 2/ 477- 480، زبدة الحلب 2/ 332، تاريخ مختصر الدول 214، تاريخ الزمان 184، 185، النوادر السلطانية 44، الأعلاق الخطيرة ج 2 ق 1/ 57، نهاية الأرب 27/ 163، المختصر في أخبار البشر 3/ 50، العبر 4/ 192، تاريخ ابن الوردي 2/ 78، البداية و النهاية 12/ 263، الكواكب الدرّية 190، 191، تاريخ ابن سباط 1/ 129.

[ (5)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 479، سنا البرق الشامي 1/ 97.

[ (6)] في الروضتين ج/ 1 ق 2/ 480، و سنا البرق الشامي 1/ 99.

29

بالشّام مصاحبا. و اقتطع عن صاحب الموصل: حرّان، و نصيبين، و الخابور [ (1)]، و عاد إلى سنجار، فأعاد إلى عمارة أسوارها، و دخل حلب في رجب [ (2)].

[أسر جماعة من الفرنج‏]

و كان ثلاثمائة فارس من الفرنج قد أغاروا، فصادفهم صاحب البيرة [ (3)] شهاب الدّين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق و هو يتصيّد، فقتل و أسر أكثرهم، و قدم بالأسارى على نور الدّين، و كان بينهم سبعة عشر فارسا، فيهم مقدّم الإسبتار الأعور بحصن الأكراد [ (4)].

و للعماد الكاتب في شهاب الدّين قصيدة مطلعها:

يروق ملوك الأرض صيد القنائص‏* * * و صيد شهاب الدّين صيد القوامص‏

[بناء مدرسة للشافعية و المالكية بمصر]

و فيها عمل صلاح الدّين بمصر حبس المعونة [ (5)] مدرسة للشّافعيّة، و بنى دار الغزل [ (6)] مدرسة للمالكيّة [ (7)].

____________

[ (1)] زاد في سنا البرق الشامي 99 «و المجدل».

[ (2)] النوادر السلطانية 44 و فيه: «فدخل حلب في شعبان من هذه السنة». و مثله في: الروضتين ج 1 ق 2/ 481، سنا البرق الشامي 1/ 99.

[ (3)] البيرة: قلعة في شرقي الفرات بين الرها و عين تاب. (معجم البلدان 1/ 526).

[ (4)] سنا البرق الشامي 1/ 106، مفرّج الكروب 1/ 188، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 123، 124.

[ (5)] كان بمصر داران للمعونة، كلّ منهما تعرف باسم حبس المعونة، إحداهما بالفسطاط، و الأخرى بالقاهرة، و اسمها مأخوذ من ظروف إنشائها إذ أنها بنيت بمعونة المسلمين لينزلها ولاتهم، ثم جعلت دارا للشرطة، ثم حوّلت في عهد العزيز باللَّه الفاطمي إلى سجن عرف باسم حبس المعونة، ثم حوّلها صلاح الدين إلى مدرسة للشافعية. (انظر: مفرّج الكروب 1/ 197 بالحاشية 4).

[ (6)] في الكامل 11/ 366 و مرآة الزمان 8/ 283: «دار العدل»، و هو تحريف، و المثبت يتفق مع: مفرّج الكروب 1/ 197، و الروضتين ج 1 ق 2/ 486، و سنا البرق الشامي 1/ 107، و المختصر في أخبار البشر 3/ 50، و نهاية الأرب 28/ 363.

[ (7)] كانت دار الغزل قبل ذلك قيسارية يباع فيها الغزل، و عرفت كذلك باسم المدرسة القمحية لأن القمح كان يوزّع على فقهائها من ضيعة بالفيّوم، أوقفها صلاح الدين عليها. (انظر:

30

[تقليد قضاء مصر]

و قلّد القضاء بديار مصر صدر الدّين عبد الملك بن درباس [ (1)].

[الغارة على الرملة، و عسقلان و غيرهما]

و خرج بجيوشه فأغار على الرملة و عسقلان، و أولي الكفر الخذلان، و هجم ربض غزّة، و رجع إلى مصر [ (2)].

[فتح قلعة أيلة]

و افتتح قلعة أيلة في السّنة، غزاها جنده في المراكب و استباحها قتلا و سبيا [ (3)].

[سماع صلاح الدين من السّلفي‏]

و فيها سار إلى الإسكندريّة ليشاهدها، و يرتّب قواعدها، و سمع بها حينئذ من السّلفيّ [ (4)].

____________

[ ()] مفرّج الكروب 1/ 98 حاشية 1).

[ (1)] الروضتين ج 1 ق 2/ 486، سنا البرق الشامي 1/ 107، نهاية الأرب 28/ 364، البداية و النهاية 12/ 263، اتعاظ الحنفا 3/ 319، النجوم الزاهرة 5/ 385، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 2330، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 125،

[ (2)] الكامل 11/ 365، الروضتين ج 1 ق 2/ 486، مفرّج الكروب 1/ 197، 198، سنا البرق الشامي 108، الدرّ المطلوب 47، اتعاظ الحنفا 3/ 320، النجوم الزاهرة 5/ 385، تاريخ ابن الفرات م 4/ 1/ 125، 126.

[ (3)] الكامل 11/ 365، سناء البرق الشامي 1/ 108، 109، مفرّج الكروب 1/ 198، 199، الروضتين ج 1 ق 2/ 486 و 490، 491، المختصر في أخبار البشر 3/ 50، تاريخ ابن الوردي 782، البداية و النهاية 12/ 263، الكواكب الدرّية 194، 195، اتعاظ الحنفا 3/ 320، تاريخ ابن سباط 1/ 130، النجوم الزاهرة 5/ 385، 386، شفاء القلوب 74، الدرّ المطلوب 47، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 126، 127.

[ (4)] النوادر السلطانية 9 و فيه: «تردّد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية- حرسها اللَّه تعالى- و روى عنه أحاديث كثيرة»، الروضتين ج 1 ق 2/ 486 دون خبر سماعه على السّلفي، و سنا البرق الشامي 1/ 109، و مفرّج الكروب 1/ 199، و تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 127.

31

[تحويل منازل العزّ إلى مدرسة للشافعية]

و فيها اشترى تقي الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب منازل [العزّ] [ (1)] بمصر، و صيّرها مدرسة للشّافعيّة.

[وفاة ابن الخلّال‏]

و في جمادى الآخرة توفّي بمصر القاضي ابن الخلّال صاحب ديوان الإنشاء بمصر [ (2)]، و لمّا كبر جلس في بيته. و كان القاضي الفاضل يوصل إليه كلّ ماله [ (3)].

[استيلاء الخزر على دوين‏]

و فيها ظهر ملك الخزر و فتح دوين، و هي بلدة قرب أذربيجان، و قتلوا من المسلمين بها ثلاثين ألفا [ (4)].

[ظهور مغربيّ دعيّ و قتله‏]

و فيها ظهر بدمشق مغربيّ فربط طائفة من الأغنياء، و أظهر التخاييل، ثم ادّعى الرّبوبيّة، فقتل، و للَّه الحمد [ (5)].

____________

[ (1)] في الأصل بياض. و المثبت من: الكامل 11/ 366، و الروضتين ج 1 ق 2/ 487. و سنا البرق الشامي 1/ 110، و المواعظ و الاعتبار 2/ 376 و 4/ 194، 195، و المختصر في أخبار البشر 3/ 50 و فيه «الغز» و هو تحريف، و نهاية الأرب 28/ 363، و مرآة الزمان 8/ 283 و فيه تحرّفت إلى: «مبارك المعز»، البداية و النهاية 12/ 263، اتعاظ الحنفا 3/ 320، و النجوم الزاهرة 5/ 386، و تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 128.

[ (2)] الكامل 11/ 366.

[ (3)] الروضتين ج 1 ق 2/ 487، خريدة القصر (قسم شعراء مصر) 1/ 235، سنا البرق الشامي 1/ 110، وفيات الأعيان 6/ 219- 224، و عيون التواريخ (مخطوط) 17/ 133 ب- 135- أ، عقد الجمان (مخطوط) 12/ 165 أ، ب، المختصر في أخبار البشر 3/ 50، مرآة الجنان 3/ 379 و فيه تحرّف إلى «ابن الجلال»، البداية و النهاية 12/ 264، اتعاظ الحنفا 3/ 322.

[ (4)] دول الإسلام 2/ 78، العبر 4/ 192 و «دوين»: مدينة في أرّان من آخر حدود أذربيجان بغرب تفليس.

[ (5)] الخبر ذكره أبو شامة نقلا عن ابن أبي طيِّئ، و هو بتفصيل أكثر مما هنا: «و ظهر في‏

32

____________

[ ()] مشغرى، قرية من قرى دمشق، رجل ادّعى النّبوّة، و كان من أهل المغرب، و أظهر من التخاييل و التمويهات ما فتن به الناس، و اتّبعه عالم عظيم من الفلّاحين و أهل السواد، و عصى على أهل دمشق، ثم هرب من مشغرى في الليل و صار إلى بلد حلب، و عاد إلى إفساد عقول الفلّاحين بما يريدهم من الشعبذة و التخاييل، و هوى امرأة و علّمها ذلك، و ادّعت أيضا النّبوّة». (الروضتين ج 1 ق 2/ 643) و هو باختصار في: الدرّ المطلوب 56، و دول الإسلام 2/ 79 و فيه اسمه: «معزّ الدين المغربي»، البداية و النهاية 12/ 291 (حوادث سنة 270 ه.).

33

سنة سبع و ستين و خمسمائة

[عزل ابن رئيس الرؤساء]

في هذه السّنة دخل نجاح الخادم على الوزير ابن رئيس الرؤساء و معه خطّ الخليفة بعزله، و أمر بطبق [ (1)] دواته، و حلّ أزراره، و إقامته من مسندة، و قبض على ولده أستاذ الدّار، ثمّ نهبت داره و دار ولده، و استنيب ابن جعفر ناظر المخزن في الوزارة [ (2)].

[الحريق ببغداد]

و فيها وقع حريق عظيم ببغداد [ (3)].

[هديّة صاحب البحرين‏]

و وصلت رسل صاحب البحرين إلى الخليفة بهدايا [ (4)].

[تدريس ابن الجوزي «بالحلبة»]

قال ابن الجوزيّ [ (5)]: و تكلّمت في رمضان بالحلبة، فتاب نحو مائتي رجل، و قطعت شعور مائة و عشرين منهم.

____________

[ (1)] في الأصل: «بطرق».

[ (2)] المنتظم 10/ 237، 238 (18/ 197)، دول الإسلام 2/ 79، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 187.

[ (3)] المنتظم 10/ 238 (18/ 197)، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 187.

[ (4)] المنتظم 10/ 238 (18/ 197)، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 187.

[ (5)] في المنتظم 10/ 237 (18/ 197)، و نقل عنه ابن الفرات في تاريخه م 4 ج 1/ 187.

34

[الخطبة للعباسيّين بمصر]

و وصل ابن عصرون [ (1)] رسولا، بأنّ أمير المؤمنين خطب له بمصر [ (2)]، و ضربت السّكّة باسمه، فغلّقت أسواق بغداد، و عملت القباب. و كانت قد قطعت من مصر خطبة بني العبّاس من أكثر من مائتي سنة [ (3)].

قال العماد [ (4)] (رحمه اللَّه): استفتح السّلطان سنة سبع بجامع مصر كلّ طاعة و سمع، و هو إقامة الخطب في الجمعة الأولى بمصر لبني العبّاس، و عفت البدعة، وصفت الشّرعة، و أقيمت الخطبة العبّاسيّة في الجمعة الثّانية بالقاهرة. و أعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء بالقصر، و جلس السّلطان صلاح الدّين للعزاء، و أغرب في الحزن و البكاء، و تسلّم القصر، بما فيه من خزائنه و دفائنه [ (5)].

[تعيين قراقوش زماما لقصر الخلفاء]

و لمّا قتل مؤتمن الخلافة صرف من هو زمام القصر، و صيّر زمامه بهاء

____________

[ (1)] هو شهاب الدين أبو المعالي المطهّر بن أبي عصرون، و سيأتي في المتن قريبا.

[ (2)] ذكر العماد في أخبار سنة 572 ه. أنّ الّذي خطب بمصر لبني العباس أولا هو: أبو عبد اللَّه محمد بن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي. و ذكر ذلك أيضا ابن الدبيثي في تاريخه. (الروضتين ج 1 ق 2/ 492) و انظر الاختلاف في: نهاية الأرب 28 (حوادث 567 ه.) و اتعاظ الحنفا 3/ 326، و النجوم الزاهرة 5/ 355، 356 و الخطبة 343.

[ (3)] المنتظم 10/ 237 (18/ 196)، و انظر: الكامل في التاريخ 11/ 371، و الروضتين ج 1 ق 2/ 493 و 502، تاريخ الزمان 187، المغرب في حلى المغرب 98، و دول الإسلام 2/ 80 و فيه: و كانت دولتهم من قبيل الثلاثمائة ... و كانت قد قطعت دعوة بني العباس من مصر من مائتين و عشر سنين، العبر 4/ 195 و فيه: «و كانت خطبة بني العباس قد قطعت من مصر من مائتي سنة و تسع سنين»، و مثله في: مرآة الجنان 3/ 379، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 236 و فيه: «و قد أقامت دولتهم بمصر نحو مائتين و ست سنين».

[ (4)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 494 جزء يسير من قول العماد، و هو في: سنا البرق الشامي 1/ 111.

[ (5)] المغرب في حلى المغرب 97، دول الإسلام 2/ 80.

35

الدّين قراقوش [ (1)]، فما دخل القصر شي‏ء و لا خرج إلّا بمرأى منه و مسمع، و لا حصل أهل القصر بعد ذلك على صفو مشرع. فلمّا توفّي العاضد أحيط على آل القصر في موضع جعل برسمهم على الانفراد، و قرّرت لهم الكسوات و الأزواد، فدامت زمانا، فجمعت رجالهم، و احترز عليهم، و منعوا من النّساء لئلّا يتناسلوا، و هم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. و قد نقص عددهم، و قلّص مددهم. و فرّق ما في القصر من الحرائر و الإماء، و أخذ ما يصلح له و لأمرائه من أخاير الذّخائر، و زواهر الجواهر، و نفائس الملابس، و محاسن العرائس، و قلائد الفرائد، و الدّرّة اليتيمة، و الياقوتة الغالية [ (2)] القيمة.

و وصف العماد أشياء، عديدة [ (3)].

قال [ (4)]: و استمرّ البيع فيما بقي عشر سنين، و من جملتها الكتب، و كانت خزانة الكتب مشتملة على نحو مائة و عشرين ألف مجلّدة [ (5)].

و انتقل إلى القصر الملك العادل سيف الدّين أبو بكر لمّا ناب عن أخيه، و استمرّت سكناه فيه [ (6)].

و كان صلاح الدّين لا يخرج عن أمر نور الدّين، و يعمل له عمل القويّ الأمين، و يرجع إلى رأيه المتين [ (7)].

____________

[ (1)] هو بهاء الدين قراقوش بن عبد اللَّه الأسدي المتوفى سنة 597 ه. (وفيات الأعيان 3/ 364- 371).

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 495 «و الياقوتة العالية الغالية».

[ (3)] الروضتين ج 1 ق 2/ 494، 495 و 506، سنا البرق الشامي 1/ 112.

[ (4)] قوله في الروضتين ج 1 ق 2/ 495 و 507، و سنا البرق الشامي 1/ 112، و النجوم الزاهرة 5/ 335.

[ (5)] الروضتين ج 1 ق 2/ 508، سنا البرق الشامي 1/ 111- 113، دول الإسلام 2/ 80 فيه:

«و كانت أزيد من مائة ألف مجلّد».

[ (6)] سنا البرق الشامي 1/ 113،

[ (7)] الروضتين ج 1 ق 2/ 503.

36

[كتاب البشارة بالخطبة لأمير المؤمنين‏]

و سيّر نور الدّين إلى الدّيوان العزيز بهذه البشارة شهاب الدّين المطهّر بن العلّامة شرف الدّين بن أبي عصرون، و أمرني بإنشاء بشارة عامّة تقرأ في سائر بلاد الإسلام [ (1)]:

«الحمد للَّه معلي الحقّ و معلنة، و موهي الباطل و موهنه». منها: «و لم يبق بتلك البلاد منبر إلّا و قد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضي‏ء بأمر اللَّه أمير المؤمنين، و تمهّدت جوامع الجمع، و تهدّمت صوامع البدع».

إلى أن قال: «و طالما سرت [ (2)] عليها الحقب الخوالي [ (3)]، و بقيت مائتين و ثمان سنين [ (4)] ممنوّة بدعوة المبطلين، مملوءة بحزب الشّياطين [ (5)]. فملّكنا اللَّه تلك البلاد، و مكّن لنا في الأرض، و أقدرنا على ما كنّا نؤمّله من [ (6)] إزالة الإلحاد و الرّفض.

و تقدّمنا إلى كلّ من استنبنا أن يقيم الدّعوة العبّاسيّة هنالك، و يورد الأدعياء و دعاة الإلحاد بها المهالك».

و قال من إنشائه في البشارة إلى الدّيوان العزيز.

«و صارت مصر سوق الفسوق، و دوحة شعب الإلحاد، و موطن دعوة الدّعيّ، و محلّ المحال و المحل، و قحط الضّلال و الجهل، و قد استولت بها

____________

[ (1)] إلى هنا في: سنا البرق الشامي 1/ 115 و لم يذكر شيئا من نصّ البشارة.

[ (2)] هكذا في الأصل. و في الروضتين ج 1 ق 2/ 502 «مرّت».

[ (3)] بعدها زيادة: «و آبت دونها الأيام و الليالي».

[ (4)] في الروضتين: «مائتين و ثمانين سنة». و المثبت أعلاه هو الصحيح إذ انقطعت الخطبة للعباسيين بمصر منذ دخلها الفاطميّون العبيديّون سنة 358 حتى أعيدت سنة 566 ه.

و انظر: مرآة الزمان 8/ 285.

[ (5)] انظر بعدها زيادة في: الروضتين ج 1 ق 2/ 502.

[ (6)] في الروضتين: «في».

37

جنود الشّياطين، و استعلت بها دعوة المعطّلين، و غلبت بها نجوى المبطلين، و تبطّلت الجماعات و الجمع، و استفحلت الشّناعات و البدع، و أفرخ الشّيطان بها و باض، و اشتهر الجور و استفاض، و استبدلت للعمائم السّواد بالبياض».

و للعماد قصيدة منها:

قد خطبنا للمستضي‏ء بمصر* * * نائب المصطفى إمام العصر

و خذلنا نصرة العضد [ (1)] العاضد* * * و القاصر الّذي بالقصر

و تركنا الدّعيّ يدعو ثبورا* * * و هو بالذّلّ تحت حجر و حصر [ (2)]

[وصول الخلع من الخليفة إلى دمشق‏]

و وصل الأستاذ عماد الدّين صندل [ (3)] الطّواشيّ المقتفويّ إلى دمشق رسولا من دار الخلافة في جواب البشارة بالخلع و التّشريفات لنور الدّين و صلاح الدّين في السّنة، و معه رسولان من الوزير، و من الأمير قطب الدّين قايماز.

و كان صندل قد ولّي أستاذيّةالدار المستضيئة بعد الكمال ابن رئيس‏

____________

[ (1)] قال أبو شامة: أراد بالعضد وزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء. (الروضتين ج 1 ق 2/ 503).

و هو: أبو الفرج عضد الدين محمد بن أبي الفتوح عبد اللَّه بن رئيس الرؤساء الّذي كان من قبل أستاذ الدار أيام المستنجد. و بعد وفاة المستنجد استولى عضد الدين على الوزارة و أخرج المستضي‏ء من حبسه و أخذ البيعة له، و قد عزله المستضي‏ء و سجنه، ثم أعاده إلى الوزارة. و في أواخر أيامه كان في طريق الحج، فتقدّم منه شخص، و صاح: مظلوم. ثم مدّ يده بشي‏ء، فظنّ عضد الدين أنه يتقدّم بمظلمة، و لكنه لم يلبث أن تلقّى طعنة بسكّين كانت بيد هذا المتظلّم، و عاونه في هجومه آخران، و قيل: إنهم جميعا كانوا من الباطنية.

(انظر: الفخري، و النجوم الزاهرة 6/ 81، 82).

[ (2)] الروضتين ج 1 ق 2/ 503 من جملة أبيات كثيرة.

[ (3)] في النجوم الزاهرة 6/ 64 و 76 «الحسن صندل». و هو: عماد الدين صندل بن عبد اللَّه الخادم.

38

الرؤساء. و لبس نور الدّين الخلع، و هي فرجيّة [ (1)]، و جبّة، و قباء، و طوق ذهب ألف دينار، و حصان بسرج خاصّ، و سيفان، و لواء، و حصان آخر بحليته يجنّب بين يديه. و قلّد السّيفين إشارة إلى الجمع له بين مصر و الشّام.

و خرج في دست السّلطنة، و اللّواء منشور، و الذّهب [ (2)] منثور إلى ظاهر دمشق، و انتهى إلى آخر الميدان، ثمّ عاد.

و سيّر إلى صلاح الدّين تشريف فائق، لكنّه دون ما ذكرناه لنور الدّين بقليل، فكان أوّل، هبة [ (3)] عبّاسيّة دخلت الدّيار المصريّة، و قضى أهلها منها العجب، و كان معها أعلام و بنود و أهب عبّاسيّة للخطباء بمصر [ (4)].

و سيّر إلى العماد الكاتب خلعة و مائة دينار من الدّيوان [ (5)].

قال: فسيّرت إلى الوزير هذه المدحة، و استزدت المنحة، و هي:

عسى أن تعود ليالي زرود [ (6)]

و هي طويلة منها:

نحولي من ناحلات الخصور* * * و ميلي إلى مائلات القدود

و تطميني طاميات الوشاح‏* * * و تعلّقني علقات العقود

____________

[ (1)] الفرجية: نوع من القباء المسترسل، و يصنع اليوم غالبا من الجوخ و له أكمام واسعة طويلة. (دوزي 327- 334) و هو اسم الثوب «الفوقاني» الخاص بطبقة العلماء، و كان النوع الّذي يمنحه السلطان أكثرها أناقة، فهو مبطّن، فراء السنجاب. (الملابس المملوكية 95).

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 505: «و النضار».

[ (3)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 506: «أهبة».

[ (4)] الروضتين ج 1 ق 2/ 506، سنا البرق الشامي 1/ 117، مرآة الزمان 8/ 285، دول الإسلام 2/ 80، العبر 4/ 195.

[ (5)] سنا البرق الشامي 1/ 118.

[ (6)] بقيّة البيت في: سنا البرق 1/ 118:

و تقضى المنى بنجاز الوعود

39

و ما العيش إلّا مبيت المحبّ‏* * * فوق التّرائب بين النّهود

و ما كنت أعلم أنّ الظّبا يوجره‏* * * قانصه للأسود

و خيل بنت النّجوم الصّعاد* * * بين العجّاج بأرض الصّعيد

سوابق قد ضمّرن للطّراد* * * بكلّ عتاق من الجرد قود

تخفق منها قلوب العداة* * * كما خفقت عذبات البنود

أذاعت، بمصر لداعي الهداة* * * و انتقمت من دعيّ اليهود

يعني بدعيّ اليهود العاضد، لأنّ جدّهم عبيد اللَّه قد جاء أنّه يهوديّ الأصل.

[رواية ابن الأثير في انقراض الدولة العبيدية]

و قال ابن الأثير [ (1)]:

فصل في انقراض الدّولة المصريّة و إقامة الدّولة العبّاسيّة بمصر و ذلك في المحرّم سنة سبع، فقطعت خطبة العاضد، و خطب فيها للمستضي‏ء بأمر اللَّه أمير المؤمنين. و سبب ذلك أنّ صلاح الدّين لما ثبّت قدمه، و ضعف أمر العاضد، و لم يبق من العساكر المصريّة أحد، كتب إليه نور الدّين يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريّين و امتناعهم، فلم يصغ إلى قوله، و أرسل إليه يلزمه بذلك. و اتّفق أنّ العاضد مرض، و كان صلاح الدّين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء؟ فمنهم من أقدم على المساعدة، و منهم من خاف. و كان قد دخل مصر أعجميّ يعرف بالأمير العالم، قد رأيته بالموصل، فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها.

فلمّا كان أوّل جمعة من المحرّم صعد المنبر قبل الخطيب، و دعا

____________

[ (1)] في الكامل 11/ 368: «ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر و انقراض الدولة العلوية»، و المثبت قريب من العنوان في: التاريخ الباهر 156 «ذكر انقراض الدولة العلوية بمصر و إقامة الخطبة العباسية بها».

40

للمستضي‏ء بأمر اللَّه، فلم ينكر ذلك أحد. فلمّا كانت الجمعة التّالية أمر صلاح الدّين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك، و لم ينتطح فيها عنزان [ (1)]. و العاضد شديد المرض، فتوفّي يوم عاشوراء، و استولى صلاح الدّين على القصر و ما حوى، و كان فيه من الجواهر و الأعلاق النّفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، فمنه القضيب الزّمرّد، طوله نحو قبضة و نصف، و الجبل الياقوت، و من الكتب الّتي بالخطوط المنسوبة نحو [مائة] ألف مجلّد [ (2)].

[بداية المنافرة بين صلاح الدين و نور الدين‏]

و ذكر أشياء، ثمّ قال [ (3)]: و في هذه السّنة حدث ما أوجب نفرة نور الدّين عن صلاح الدّين. أرسل نور الدّين إليه يأمره بجمع الجيش، و المسير لمنازلة الكرك، ليجي‏ء هو بجيشه و يحاصرانها. فكتب إلى نور الدّين يعرّفه أنّه قادم. فرحل على قصد الكرك و أتاها، و انتظر وصوله، فأتاه كتاب يعتذر باختلاف البلاد، فلم يقبل عذره. و كان خواصّ صلاح الدّين خوّفوه من الاجتماع، و همّ نور الدّين بالدّخول إلى مصر، و إخراج صلاح الدّين منها.

فبلغ صلاح الدّين ذلك، فجمع أهله، و أباه، و خاله الأمير شهاب الدّين الحارميّ، و سائر الأمراء، و أطلعهم على نيّة نور الدّين، و استشارهم فسكتوا،

____________

[ (1)] تاريخ ابن سباط 1/ 130، 131.

[ (2)] الكامل 11/ 369، 370 و ليس فيه عبارة: «نحو ألف مجلّد»، و المستدرك من: التاريخ الباهر 157، و انظر الخبر في سنا البرق الشامي 1/ 111، و زبدة الحلب 2/ 333، و الروضتين ج 1 ق 2/ 492، 494، و تاريخ الزمان 187، و مفرّج الكروب 1/ 200- 216، و النوادر السلطانية 35، و المغرب في حلى المغرب 141، و المختصر في أخبار البشر 3/ 50- 51، و العبر 2/ 194، 195، و دول الإسلام 2/ 80، و تاريخ ابن الوردي 2/ 79، و البداية و النهاية 12/ 264، و مرآة الجنان 3/ 379، و مآثر الإنافة 2/ 51، و السلوك ج 1 ق 1/ 44، و اتعاظ الحنفا 3/ 325، 326، و النجوم الزاهرة 5/ 355- 357، و شفاء القلوب 75، 76، و تاريخ ابن سباط 1/ 130، 131، و بدائع الزهور ج 1/ ق 1/ 234، 235.

[ (3)] في الكامل 11/ 371- 373، و التاريخ الباهر 158، 159.

41

فقال ابن أخيه تقي الدّين عمر: إذا جاء قاتلناه. و وافقه غيره من أهله، فسبّهم نجم الدّين أيّوب و احتدّ، و كان ذا رأي و مكر، و قال لتقي الدّين: اسكت، و زبره، و قال لصلاح الدّين: أنا أبوك، و هذا خالك، أ تظّن أنّ في هؤلاء من يريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا. فقال: و اللَّه لو رأيت أنا و هذا نور الدّين لم يمكننا إلّا أن ننزل و نقبّل الأرض، و لو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فما ظنّك بغيرنا؟! فكلّ من تراه من الأمراء لو رأى نور الدّين لما وسعه إلّا التّرجّل له.

و هذه البلاد له، و إن أراد عزلك فأيّ حاجة له إلى المجي‏ء؟ بل يطلبك بكتاب.

و تفرّقوا، و كتب أكثر الأمراء إلى نور الدّين بما تم. و لمّا خلا بولده قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع و تطلعهم على سرّك، و لو قصدك نور الدّين لم تر معك أحدا منهم.

ثمّ كتب إلى نور الدّين بإشارة والده نجم الدّين يتخضّع له، ففتر عنه [ (1)].

[اتخاذ الحمام للمراسلة]

قال العماد [ (2)]: و كان نور الدّين لا يقيم في البلاد [ (3)] أيّام الربيع و الصّيف محافظة على الثّغر، و صونا من الحيف، ليحمي البلاد بالسّيف [ (4)]. و هو متشوّق إلى أخبار مصر و أحوالها، فرأى اتّخاذ الحمام المناسب، و تدريجها

____________

[ (1)] الكامل 11/ 371- 373، التاريخ الباهر 158، 159، تاريخ الزمان 187، 188، زبدة الحلب 2/ 334، 335، الروضتين ج 1 ق 2/ 519، المختصر في أخبار البشر 3/ 52، دول الإسلام 2/ 80، العبر 4/ 195، 196، تاريخ ابن الوردي 2/ 780 البداية و النهاية 12/ 268، 269، تاريخ ابن خلدون 5/ 250، 251، السلوك ج 1 ق 1/ 48، 49، شفاء القلوب 81، 82، تاريخ ابن سباط 1/ 131، 132، النجوم الزاهرة 5/ 21- 23، تاريخ ابن الفرات م 4 ج 1/ 184- 186.

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 520، 521، و سنا البرق الشامي 1/ 119.

[ (3)] في الروضتين: «المدينة».

[ (4)] في الروضتين: «ليحمي البلاد من العدوّ بالسيف».

42

على الطّيران، لتحمل إليه الكتب بأخبار البلدان. و تقدّم إليّ بكتب منشور لأربابها، و إعذار أصحابها، و نودي بالتّهديد لمن اصطاد منها شيئا [ (1)].

[تفويض العماد بالتدريس و النظارة]

قال [ (2)]: و في رجب فوّض إليّ نور الدّين المدرسة الّتي عند حمّام القصير، و هي الّتي أنا منذ قدمت دمشق فيها ساكن. و كان فيها الشّيخ الكبير ابن عبد [ (3)] و قد استفاد من علمه كلّ حرّ و عبد، فتوفّي، و خلّف ولدين، استمرّا فيها على رسم الوالد، و درّسا بها، فخدعهما مغربيّ بالكيميا، فلزماه، و افتقرا به و أغنياه، و غاظ نور الدّين ذلك، و أحضرهما و وبّخهما، و رتّبني فيها مدرّسا و ناظرا.

[عبور الخطا نهر جيحون إلى خوارزم‏]

و فيها عبرت الخطا [ (4)] نهر جيحون يريدون خوارزم، فجمع خوارزم شاه ابن أرسلان بن أتسز بن محمد جيوشه و قصدهم، فمرض، فجهّز الجيش للمقتفي، فالتقوا و اشتدّ الحرب، ثمّ انهزم الخوارزميّون، و أسر مقدّمهم، و رجعت الخطا [ (5)].

____________

[ (1)] الكامل 11/ 375، التاريخ الباهر 159، الروضتين ج 1 ق 2/ 521، سنا البرق الشامي 1/ 119، عيون التواريخ (مخطوط) 17/ 137 أ، ب، البداية و النهاية 12/ 269، عقد الجمان (مخطوط) 12/ 172 أ، ب، المختصر في أخبار البشر 3/ 52، مرآة الزمان 8/ 285، 286، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 241.

[ (2)] العماد في: سنا البرق الشامي 1/ 119، 120، و انظر: البداية و النهاية 12/ 253 و قال إن المدرسة داخل باب الفرج، فنسبت إليه لسكناه بها، فيقال لها العماديّة.

[ (3)] هو أبو البركات خضر بن شبل بن عبد الحارث الدمشقيّ الواعظ المتوفى سنة 562 ه.

و سيأتي في التراجم برقم (54).

[ (4)] الخطا: اسم يطلق على سكان الصين عامّة.

[ (5)] الكامل 11/ 377- 379 (حوادث سنة 568 ه.)، تاريخ مختصر الدول 215.

43

سنة ثمان و ستين و خمسمائة

[تدريس ابن الجوزي بجامع المنصور]

قال ابن الجوزيّ: جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف [ (1)].

[التخوّف من عسكر همذان‏]

و فيها وقعت الأراجيف بمجي‏ء العسكر من همذان، فأخذ الخليفة في التّجنيد، و عمارة السّور، و جمع الغلّات، و عرض العساكر [ (2)].

[حفل ختان إخوة الخليفة]

و عمل ختان إخوته، إخوة الخليفة و أقاربه، فتفرّقت الخلع، و ذبح ألف رأس غنم، و ثلاثة آلاف دجاجة، و عشرون ألف خشكنانكة [ (3)]، و غير ذلك.

[حضور الخليفة مجلس ابن الجوزي‏]

و في رجب تقدّم إليّ بالجلوس بباب بدر ليسمع الخليفة، فكنت أجلس أسبوعا، و أبو الخير القزوينيّ إلى آخر رمضان، و جمعي عظيم، و جمعه يسير.

ثمّ شاع أنّ أمير المؤمنين لا يحضر إلّا مجلسي، فكانت زيادة عظيمة ببغداد [ (4)].

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 239 (18/ 199).

[ (2)] المنتظم 10/ 240 (18/ 199).

[ (3)] في المنتظم 10/ 240 (18/ 200): «و عملت إحدى و عشرون ألف خشكنانكة من ستين كارة سميذا». و هذا يوضح أن «الخوشكنانكة» قطعة حلوى، مرآة الزمان 8/ 292، 293.

[ (4)] المنتظم 10/ 240 (18/ 200).

44

[استيلاء قراقوش على طرابلس الغرب‏]

قال ابن الأثير [ (1)]: و فيها سار طائفة من التّرك مع قراقوش مملوك تقي الدّين عمر ابن أخي السّلطان صلاح الدّين إلى جبال نفّوسه، فاجتمع به بعض المقدّمين هناك، فاتّفقا و كثر جمعهما، و نزلا على طرابلس الغرب، فحاصراها مدّة، ثمّ فتحت، فاستولى عليها قراقوش، و سكنها، و كثرت عساكره [ (2)].

[فتح برقة و اليمن‏]

و فيها افتتح شمس الدّولة أخو صلاح الدّين برقة على يد غلام له تركيّ.

ثمّ سار و افتتح اليمن بعد ذلك. و قبض على ابن مهديّ الخارج باليمن. و كان شابّا أسود، منحلّ الاعتقاد [ (3)].

[حصار صلاح الدين الكرك‏]

و فيها سار صلاح الدّين بعساكر مصر يريد الكرك، و إنّما بدأ بها لقربها إليه، و كانت تمنع من يقصد الدّيار المصريّة، و تقطع القوافل، فحاصرها، و قاتل الفرنج، ثمّ رجع و لم يفتحها [ (4)].

____________

[ (1)] في الكامل 11/ 389.

[ (2)] مرآة الزمان 8/ 294، 295، المختصر في أخبار البشر 3/ 53، دول الإسلام 2/ 81، العبر 4/ 201، تاريخ ابن الوردي 2/ 81، مرآة الجنان 3/ 384، البداية و النهاية 12/ 271، الكواكب الدرّية 220، شفاء القلوب 82، تاريخ ابن سباط 1/ 133.

[ (3)] الكامل 11/ 396 و ما بعدها. (حوادث سنة 569 ه.)، الدرّ المطلوب 42 و 57، العبر 4/ 201.

[ (4)] الكامل 11/ 392، 393، النوادر السلطانية 45، 46، الروضتين ج 1 ق 2/ 526، 527 و 533- 542، سنا البرق الشامي 1/ 117، 118، زبدة الحلب 2/ 334، المغرب في حلى المغرب 142، المختصر في أخبار البشر 3/ 53، العبر 4/ 201، البداية و النهاية 12/ 270 و 271، 272، تاريخ ابن الوردي 2/ 81، مرآة الجنان 3/ 384، الكواكب الدرّية 220، تاريخ ابن سباط 1/ 134، الدرّ المطلوب 50، 51.

45

[وفاة خوارزم شاه‏]

و فيها مات خوارزم شاه أرسلان، و ملك بعده ابنه الصّغير محمود [ (1)].

[الحرب بين أبناء خوارزم شاه على الملك‏]

و كان ابنه الكبير علاء الدّين تكش غائبا نائبا لأبيه على الجند، فاستنجد بالخطا، و أقبل بهم، فاستعان أخوه محمود بصاحب نيسابور المؤيّد، و عملوا المصافّ، فأسر المؤيّد و ذبح صبرا، و هرب محمود، و أسرت أمّه فيما بعد، و قتلت، و ثبت قدم تكش في الملك، فجاءت رسل صاحب الخطا بأمور مشقّة، و اقتراحات صعبة، فقتل كلّ من عنده من الخطا، و نبذ إلى ملك الخطا، فسار محمود إلى ملك الخطا، فجهّز معه جيشا، فنازل خوارزم و حصرها، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون، فكانوا يغرقون، فرحلوا و ندموا، فسار محمود بهم، فأخذ مرو، فعادت الخطا إلى بلادها، و جعل محمود الغزّ من دأبه، و حاربهم و أولاهم ذلّا، ثمّ افتتح مدينة سرخس سنة ستّ و سبعين، ثمّ أخذ طوس [ (2)].

و أمّا نيسابور مملكتها، فتولّاها طغان شاه، بعد والده المؤيّد، و كان لعّابا، مسرفا على نفسه، ملك أربع عشرة سنة و مات [ (3)].

[انهزام الروم أمام مليح الأرمني‏]

و فيها، في جمادى الأولى هزم مليح بن لاون [ (4)] الأرمنيّ النّصرانيّ صاحب بلاد الدّروب و سيس عسكر الرّوم، لعنهم اللَّه تعالى. و ذلك أنّ نور

____________

[ (1)] انظر عن (وفاة خوارزم شاه) في: الكامل في التاريخ 11/ 337- 385، و تاريخ مختصر الدول 215، و المختصر في أخبار البشر 3/ 52، 53، و العبر 4/ 202، و دول الإسلام 2/ 81، و تاريخ ابن الوردي 2/ 81، و تاريخ ابن خلدون 5/ 83، و تاريخ ابن سباط 1/ 132 و نهاية الأرب 27/ 202، مآثر الإنافة 2/ 55.

[ (2)] دول الإسلام 2/ 81.

[ (3)] الكامل 11/ 377- 379، المختصر في أخبار البشر 3/ 853

[ (4)] يرد في المصادر العربية: «لاون» و «ليو» و «ليون» و «لاو».

46

الدّين، (رحمه اللَّه)، كان قد استخدم صاحب سيس هذا، و أقطعه و استماله، و ظهر له منه نصحه، و كان ملازما لخدمة نور الدّين، معينا له على الفرنج، و لمّا قيل لنور الدّين في معنى استخدامه و إعطائه بلاد سيس قال: أستعين به على قتال أهل ملّته، و أريح طائفة من عسكري، و أجعله سدّا بيننا و بين صاحب القسطنطينيّة. فجهّز إليه صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقاهم، و معه طائفة من عسكر المسلمين، فهزمهم، و كثر القتل و الأسر في الرّوم، و قويت شوكة مليح [ (1)].

[فتح نور الدين بهسنا و مرعش‏]

و فيها سار نور الدّين إلى بلاد الشّرق، فصلّى في جامع الموصل الّذي بناه، و تصدّق بمال عظيم، ثمّ ردّ و قطع الفرات، و قصد ناحية الروم، فافتتح بهسنا [ (2)]، و مرعش [ (3)].

[خضوع قلج أرسلان لشروط نور الدين‏]

و ردّ إلى الشّام، و معه ابن الدّانشمند، و وعده بخلاص بلاده، فبعث قلج أرسلان إلى نور الدّين يخضع له، و أن يردّ إلى ابن الدّانشمند قلاعه، فشرط عليه نور الدّين:

____________

[ (1)] الكامل 11/ 387، 388، و انظر: الروضتين ج 1 ق 2/ 547، و تاريخ الزمان 192، و سنا البرق الشامي 1/ 136، زبدة الحلب 2/ 337، دول الإسلام 2/ 81، 82، العبر 4/ 201.

[ (2)] في الأصل: «بهنسا»، و هو تحريف. قال أبو الفداء: بهسنا: بفتح الباء الموحّدة، و الهاء و سكون السين المهملة ثم نون و ألف. من حصون الشام الشمالية. (تقويم البلدان 264) و وصفه شيخ الربوة بأنه حصن مليح. (نخبة الدهر 206) و تكتب أيضا «بهسنى» بالألف المقصورة. و ورد في مرآة الجنان 3/ 384 «بهنسة».

[ (3)] الكامل 11/ 391، التاريخ الباهر 160، 161، النوادر السلطانية 45، زبدة الحلب 2/ 337، 338، مفرّج الكروب 1/ 233، سنا البرق الشامي 1/ 133، الروضتين ج 1 ق 2/ 542- 545، مرآة الزمان 8/ 294، 295، المختصر في أخبار البشر 3/ 53، دول الإسلام 2/ 82، العبر 4/ 202، تاريخ ابن الوردي 2/ 81، الكواكب الدريّة 217، 218، تاريخ ابن سباط 1/ 133، 134، الدرّ المنتخب 171، الإعلام و التبيين 30، عيون التواريخ (مخطوط) 17/ 147 ب، 148 أ، عقد الجمان (مخطوط) 12/ 175 أ، ب.

47

تجديد إسلامه، لأنّ قلج أرسلان اتّهمه بالزّندقة.

و أنّه متى طلب منه عسكره ينجد به.

و أن يزوّج بنت قلج أرسلان بابن أخيه سيف الدّين غازي صاحب الموصل.

ففعل. و بعث نور الدّين في خدمة ابن الدّانشمند عسكرا صحبة الأمير فخر الدّين عبد المسيح إلى ملطية و سيواس.

فلمّا مات نور الدّين عادت البلاد إلى قلج أرسلان [ (1)].

[تدريس القطب النيسابورىّ بالغزالية]

و فيها قدم القطب النّسابوريّ من حلب إلى دمشق، فدرّس بالغزاليّة [ (2)].

[بناء المدرسة العادلية]

و شرع نور الدّين في بناء مدرسة للشّافعيّة، و وضع محرابها، فمات و لم يتمّها [ (3)]. و بقي أمرها على حاله، إلى أن أزال الملك العادل ذلك البناء، و عملها مدرسة عظيمة، فهي العادليّة [ (4)].

____________

[ (1)] الروضتين ج 1 ق 2/ 543- 545، المختصر في أخبار البشر 3/ 53، زبدة الحلب 2/ 337، 338، مفرّج الكروب 1/ 233، مرآة الزمان 8/ 294.

[ (2)] هكذا هنا. و في الروضتين ج 1 ق 2/ 545 نقلا عن العماد: «مدرّس بزاوية الجامع الغربية، المعروفة بالشيخ نصر المقدسي (رحمه اللَّه)، و نزل بمدرسة الحاروق»، و انظر: سنا البرق الشامي 1/ 134، 135، و عيون التواريخ (مخطوط) 17/ 148 أ، و البداية و النهاية 12/ 270، و عقد الجمان (مخطوط) 12/ 225 ب، 226 أ، و مرآة الزمان 8/ 294.

[ (3)] الكامل 11/ 395.

[ (4)] الروضتين ج 1 ق 2/ 545، سنا البرق الشامي 1/ 135، مرآة الزمان 8/ 294.

48

سنة تسع و ستين و خمسمائة

[حريق الظفريّة]

في المحرّم وقع حريق بالظّفريّة، فاحترقت مواضع كثيرة [ (1)].

[تدريس ابن الجوزي بجامع المنصور]

قال ابن الجوزيّ [ (2)]: و جلست يوم عاشوراء في جامع المنصور، فحزر الجميع بمائة ألف، كذا قال.

[الازدحام على درس ابن الجوزي بالحربيّة]

قال [ (3)]: و سألني في ربيع الأوّل أهل الحربيّة أن أعمل عندهم مجلسا، فوعدتهم ليلة، فانقلبت بغداد، و عبر أهلها، و تلقّيت بشموع حزرت ألف شمعة، و ما رأيت البرّيّة إلّا مملوءة بالضّوء، و كان أمرا مفرطا، فلو قال قائل:

إنّ الخلق كانوا ثلاثمائة ألف لما أبعد.

[وصول التقادم من نور الدين إلى الخليفة بمصر]

و في رجب وصل ابن الشّهرزوريّ [ (4)] بتحف و تقادم للخليفة من نور الدّين، و فيها حمار مخطّط [كثوب‏] [ (5)] عتابيّ، و خرج الخلق للفرجة عليه.

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 242 (18/ 202).

[ (2)] في المنتظم 10/ 242 (18/ 202).

[ (3)] في المنتظم 10/ 243 (18/ 203).

[ (4)] في المنتظم، بطبعتيه القديمة و الحديثة: «ابن الهروي»، و المثبت يتفق مع: الكامل 11/ 395.

[ (5)] في الأصل بياض، و المثبت من المصادر. انظر: المنتظم 10/ 244 (18/ 204)،

49

و كان فيهم رجل عتّابيّ كثير الدّعاوى، و هو بليد، ناقص الفضيلة فقال رجل:

إن كان بعث إلينا حمار عتّابيّ، فنحن عندنا عتّابيّ حمار [ (1)].

[التدريس بالنظاميّة]

و فيها ولّي أبو الخير القزوينيّ تدريس النّظاميّة ببغداد [ (2)].

[خروج ابن أخي شملة و قتله‏]

و خرج ابن أخي شملة التّركمانيّ، و يعرف ابن سنكة [ (3)]، و أخذت قلعة في نواحي باذرايا ليتّخذها عونا له على الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن الميمنة، ثمّ حمي القتال، و ظفروا به، و جي‏ء برأسه إلى بغداد [ (4)].

[وقوع البرد]

و فيها وقع برد بالسّواد، هدم الدّور، و قتل جماعة و كثيرا من المواشي.

و قال ابن الجوزيّ [ (5)]: فحدّثني الثّقة أنّهم وزنوا بردة، فكانت سبعة أرطال.

قال: و كان عامّته كالنّارنج [ (6)].

[زيادة دجلة]

و في رمضان زادت دجلة زيادة عظيمة على كلّ زيادة تقدّمت منذ بنيت‏

____________

[ ()] و الروضتين ج 1 ق 2/ 525، 526، و الدرّ المطلوب 48، و يقصد بالحمار العتّابيّ حمار مخطّط من حمر الوحش التي تشبه في لونها القماش العتابي المخطط.tciD .ppuS -yzoD (

(.rA .

[ (1)] مرآة الزمان 8/ 293 و فيه: «يا قوم ليس بعجب أن يحمل الفتى حمار عتابي عندنا عتابي حمار»، و انظر: تاريخ الخلفاء 447.

[ (2)] المنتظم 10/ 244 (18/ 204).

[ (3)] في المنتظم 10/ 244 (18/ 204) «ابن سنكا»، و في الكامل في التاريخ 11/: «شنكا».

[ (4)] المنتظم 10/ 244 (18/ 204).

[ (5)] في المنتظم 10/ 244 (18/ 204).

[ (6)] الكامل 11/ 410، تاريخ الخميس 2/ 409، دول الإسلام 2/ 82، البداية و النهاية 12/ 273، تاريخ الخلفاء 447.

50

بغداد بذراع و كسر، و خرج النّاس إلى البحر، و أيسوا من البلد، و ضجّوا إلى اللَّه بالبكاء، و انهدمت دور كثيرة بمرّة. و كان آية من الآيات. و هلكت قرى و مزارع لا تحصى. و نصب يوم الجمعة منبر خارج السّور، و صلّى الخطيب بالنّاس هناك.

و في الجمعة الأخرى اجتمعوا بمسجد التّوبة. و دام الغرق أيّاما، و كثر الابتهال إلى اللَّه. و بقي الخلق و الأمراء كلّما سدّوا ثقبا و تعبوا عليه، غلبهم الماء و خرّبه، أو انفتح آخر عنده [ (1)].

[الأمطار بالموصل‏]

و جاءت أمطار [ (2)] هائلة بالموصل، و دامت أربعة أشهر، حتّى تهدّم بها نحو ألفي دار، و هلك خلق تحت الرّدم، و زادت الفرات زيادة كبيرة، و فاضت حتّى أهلكت قرى و مزارع.

و من العجب أنّ هذا الماء على هذه الصّفة، و دجيل قد هلكت مزارعة بالعطش [ (3)].

[تجدّد الخلاف بين السنّة و الرافضة]

و توفّي السّلطان نور الدّين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السّنّة و الرّافضة، فقتل من الطّائفتين خلق، و نهب ظاهر البلد.

[البشارة بفتح اليمن و كسر الفرنج‏]

و كان ممّا قدم به ابن الشّهرزوريّ من البشارة: فتح اليمن، و كسر الفرنج مرّة ثانية، و مقدّمهم الدّوقش، و كان أسيرا عند نور الدّين. أسره نوبة حارم، ففداه بخمسة و خمسين ألف دينار، و خمسمائة ثوب أطلس.

____________

[ (1)] المنتظم 10/ 244- 246 (18/ 204- 207)، الكامل 11/ 394، دول الإسلام 2/ 82، البداية و النهاية 12/ 273، تاريخ الخلفاء 447.

[ (2)] في المنتظم 10/ 247 (18/ 207): «أكلاك».

[ (3)] المنتظم 10/ 247 (18/ 207)، الكامل 11/ 409 و فيه أن الأمطار دامت أربعين يوما، دول الإسلام 2/ 82، البداية و النهاية 12/ 273، تاريخ الخلفاء 447.

51

و في كتابه يقول: «و لم ينج من عشرة آلاف غير عشرة حمر مستنفرة، فرّت من قسورة».

[وصول الفتوحات إلى النوبة]

و ذكر ابن الأثير [ (1)] أنّ صلاح الدّين لمّا استولى على مصر، و أراد أن يستبدّ بالأمر، خاف من نور الدّين، و عرف أنّه ربّما يقصده، و يأخذ منه مصر، فشرع هو و أهل بيته في تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إن حصرهم. فجهّز أخاه توران شاه إلى النّوبة، فافتتح منها.

[الفتوحات في اليمن‏]

فلمّا عاد تجهّز إلى اليمن بقصد عبد النّبيّ صاحب [زبيد] [ (2)]، و طرده عن اليمن. و حسّن لهم ذلك عمارة اليمنيّ. فسار في أكمل الهيبة و الأهبة، فلم يثبت له أهل زبيد، و تفرّقوا، فعمد العسكر إلى سور زبيد، و نصبوا السّلالم، و طلعوا، فأسروا عبد النّبيّ و زوجته الحرّة، و كانت صالحة، كثيرة الصّدقة، فعذّبوا عبد النّبيّ، و استخرجوا منه أموالا كثيرة، ثمّ سار توران شاه إلى عدن، و هي لياسر، فهزموه و أسروه. ثمّ سار فافتتح حصون اليمن، و هي قلعة تعز [ (3)]، و قلعة الجند [ (4)]. و استناب بعدن عزّ الدّين عثمان بن الزّنجبيليّ، و بزبيد سيف الدّولة مبارك بن منقذ [ (5)].

____________

[ (1)] في الكامل 11/ 386، 387 و 396.

[ (2)] إضافة على الأصل من: الكامل 11/ 396.

[ (3)] في الكامل 11/ 398 «قلعة التعكر».

[ (4)] الجند: بتحريك الجيم و النون بالفتح.

[ (5)] الكامل 11/ 396- 398، النوادر السلطانية 46، الروضتين ج 1 ق 2/ 551- 555، زبدة الحلب 2/ 339، 340، النكت العصرية 352- 355، مفرّج الكروب 1/ 238- 240، سنا البرق الشامي 1/ 140، تاريخ الزمان 189، المغرب في حلى المغرب 142، و المختصر في أخبار البشر 3/ 54، العبر 4/ 201 و 207، دول الإسلام 2/ 83، تاريخ ابن الوردي 2/ 82، مرآة الجنان 3/ 384، البداية و النهاية 12/ 273، 274، مآثر الإنافة

52

و زاد أبو المظفّر السّبط فقال [ (1)]: يقال إنّه افتتح [ثمانين‏] [ (2)] حصنا و مدينة، و قتل عبد النّبيّ بن مهديّ.

[إخراج المحفوظ في خزائن مصر]

و ذكر ابن أبي طيِّئ قال [ (3)]: في هذه السّنة وصل الموفّق بن القيسرانيّ إلى مصر رسولا من نور الدّين، فاجتمع بصلاح الدّين، و أنهى إليه رسالة، و طالبه بحساب جميع ما حصّله من ارتفاع البلاد، فصعب ذلك عليه، و أراد شقّ العصا، ثمّ ثاب، و أمر النّوّاب بالحساب، ثمّ عرضه على ابن القيسرانيّ، و أراه جرائد [ (4)] الأجناد بالإقطاع. ثمّ أرسل معه هديّة على يد الفقيه عيسى، و هي ختمة بخطّ ابن البوّاب، و ختمة بخطّ مهلهل، و ختمة بخطّ الحاكم البغداديّ، و ربعة مكتوبة بالذّهب بخطّ يأنس [ (5)]، و ربعة عشرة أجزاء بخطّ

____________

[ (2)]/ 54، الكواكب الدرّية 221- 223، السلوك ج 1 ق 1/ 52، تاريخ ابن سباط 1/ 134، الدرّة المطلوب 42 و 57.

[ (1)] في مرآة الزمان 8/ 299.

[ (2)] في الأصل بياض، و المستدرك من: مرآة الزمان.

[ (3)] قوله نقله أبو شامة في الروضتين ج 1 ق 2/ 558، 559.

[ (4)] في الأصل: «جوائز».

[ (5)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 668: «ختمة ثلاثون جزءا مغشّاة بأطلس أزرق، مضبّبة بصفائح ذهب، و عليها أقفال ذهب، مكتوبة بذهب، بخط يأنس».

و يقول خادم العلم محقق هذا الكتاب «عمر عبد السلام تدمري»:

إنّ يأنس المذكور كان من الخطّاطين بدار العلم بطرابلس الشام في عهد أمرائها من بني عمّار، و عند ما سقطت طرابلس بيد الصليبيين سنة 502 ه./ 1109 م، انتقل إلى شيزر و أقام عند أمرائها من بني منقذ عدّة سنوات، و نسخ لوالد أسامة بن منقذ ختمتين من المصحف الشريف، و وصفه أسامة بيانس الناسخ و قال إنه قريب الطبقة في الخط من طريقة ابن البوّاب. و قال إنه انتقل بعد ذلك إلى مصر في سنة 506 ه./ 1113 م.

فاستخدم في خزانة الكتب الأفضلية فكان الأفضل ابن بدر الجمالي يؤدّي إليه عشرة دنانير في الشهر، و ثلاث رزم كسوة في السنة، بالإضافة إلى الهبات و الرسوم. (انظر: الاعتبار لأسامة بن منقذ 208، و الوافي بالوفيات 17/ 687- في ترجمة العاضد صاحب مصر-، و اتعاظ الحنفا 3/ 51، و كتابنا: الحياة الثقافية في طرابلس الشام- ص 49، و كتابنا: دار العلم بطرابلس في القرن الخامس الهجريّ- ص 41، و كتابنا: «لبنان» في العصر

53

راشد، و ثلاثة أحجار بلخش [ (1)]، و ستّ قصبات زمرّد، و قطعة ياقوت وزن بسبعة مثاقيل، و حجر أزرق ستّة مثاقيل [ (2)]، و مائة عقد جوهر، وزنها ثمانمائة و سبعة و خمسون مثقالا، و خمسون قارورة دهن بلسان، و عشرون قطعة بلّور، و أربع عشرة [ (3)] قطعة جزع، و إبريق يشم [ (4)] و طشت [ (5)] يشم، و صحون صينيّ، و زبادي أربعون، و كرتان عود قماريّ [ (6)]، وزن إحداهما [ (7)] ثلاثون رطلا بالمصريّ، و الأخرى أحد و عشرون، و مائة ثوب أطلس، و أربعة و عشرون بقيارا [ (8)] مذهّبة، و خمسون ثوبا حرير [ (9)]، و حلّة فلغلي [ (10)] مذهّب، و حلّة مرايش صفراء [ (11)] و غير ذلك من القماش، و قيمتها مائتان و خمسة [ (12)] و عشرون ألف دينار، و عدّة من الخيل، و الغلمان، و الجواري [ (13)]، و السّلاح، و لم تصل إلى نور الدّين، لأنّه مات. فمنها ما أعيد، و منها ما استهلك، لأنّ‏

____________

[ ()] الفاطمي- القسم الحضاريّ- ص 240).

[ (1)] بلخش: بفتح الباء و اللام، و سكون الخاء المعجمة، و في الآخر شين معجمة. معدن من الأحجار الكريمة، يؤخذ من نواحي بلخشان. و العجم تقول: بذخشان، بذال معجمة، و هي متاخمة لبلاد الترك.

[ (2)] زاد في الروضتين ج 1 ق 2/ 558 «و سدس».

[ (3)] في الأصل: «و أربعة عشر».

[ (4)] اليشم أو اليشب: حجر ثمين قريب من الزبرجد منه الأبيض و الأصفر و الزيتي. (انظر:

مفرّج الكروب 1/ 224 حاشية 3).

[ (5)] في الأصل: «سشت».

[ (6)] «قماري» ليست في الروضتين ج 1 ق 2/ 559

[ (7)] في الأصل: «أحديهما».

[ (8)] في الأصل: «بقيار» و المثبت عن الروضتين. و هي السّجادة السوداء من وبر الجمل، و هي أيضا نوع من العمائم الكبار للوزراء و رجال العلم. (انظر: السلوك ج 1 ق 1/ 55 الحاشية 4).

[ (9)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 559: «أربعة و عشرون ثوبا حريري، أربعة و عشرون ثوبا من الوشي حريرية بيض».

[ (10)] في الأصل: «قلقلى».

[ (11)] زاد في الروضتين: «مذهّبه».

[ (12)] في الأصل: «و خمس».

[ (13)] في الأصل: «الجوار».

54

الفقيه عيسى و ابن القيسرانيّ وضعا عليها من نهبها و استبدّا [ (1)] بأكثرها.

و قيل ردّت كلّها إلى صلاح الدّين. و كان معها خمسة أحمال مال [ (2)].

[مهادنة الصالح إسماعيل للفرنج‏]

و تحرّكت الفرنج بالسّواحل، و كان بدمشق الملك الصّالح إسماعيل ابن السّلطان نور الدّين، صبيّ عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدّين صاحب مصر. و بلغ صلاح الدّين نزول الملاعين على بانياس، فصالحهم الأمراء و أهل دمشق، و هادنوهم على مال و أسارى يطلقون. فكتب إلى جماعة يوبّخهم، فكتب إلى الشّيخ شرف الدّين بن أبي عصرون يخبره أنّه لمّا أتاه كتاب الملك الصّالح تجهّز للجهاد و خرج، و سار أربع مراحل، فجاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذلّ الإسلام، من رفع القطيعة، و إطلاق الأسارى، و سيّدنا المسيح أوّل من جرّد لسانه الّذي تغمد له السّيوف و تجرّد. و كتب في ذي الحجّة من السّنة [ (3)].

مصرع الّذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد

كانت دولة العاضد و ذرّيّته لذيذة لأناس، و هم يتقلّبون في نعيمها، فأخّروا و أبعدوا. فذكر جمال الدّين بن واصل [ (4)]، و غيره، أنّ في سنة تسع و ستّين، أراد جماعة من شيعة العبيديّين و محبّيهم إقامة الدّعوة، و ردّها إلى العاضد، فكان منهم عمارة اليمنيّ، و عبد الصّمد الكاتب، و القاضي هبة اللَّه ابن كامل، و داعي الدّعاة ابن عبد القويّ، و غيرهم من الجند و الأعيان و الحاشية، و وافقهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدّين، و عيّنوا الخليفة و الوزير، و تقاسموا الدّور، و اتّفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلّيّة و الشّام يقصدون مصر، ليشغلوا صلاح الدّين بهم، و يحلو لهم الوقت، ليتمّ أمرهم و مكرهم.

____________

[ (1)] في الأصل: «وضعوا عليهم من نهبهم و استبدّوا».

[ (2)] في الروضتين ج 1 ق 2/ 559: «كان معها عشرة صناديق مالا لم يعلم مقداره»، البداية و النهاية 12/ 274.

[ (3)] الكامل 11/ 408.

[ (4)] في مفرّج الكروب 1/ 229 و 2/ 16، 17.