تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج41

- شمس الدين الذهبي المزيد...
404 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً

الطبقة التاسعة و الخمسون‏

ذكر الوقائع الكائنة سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة

[وقوع البرد]

في المحرّم وقع بناحية نهر الملك برد أهلك الزّرع و قتل المواشي، وزنت منه بردة فكانت رطلين بالعراقيّ.

[تدريس النظامية]

و في صفر انفصل رضيّ الدّين أبو الخير القزوينيّ عن تدريس النّظاميّة، و ولي أبو طالب المبارك بن المبارك الكرخيّ، و خلع عليه من الدّيوان العزيز بطراحة [ (1)].

[منع الوعّاظ]

و في رجب أمر الخليفة منع الوعّاظ كلّهم إلّا ابن الجوزيّ.

[مولود بأذن واحدة]

و ولد بالعراق ولد طول جبهته شبر و أربعة أصابع، و له أذن واحدة.

[خطبة الملثّم للناصر لدين اللَّه‏]

و فيها وردت الأخبار بأنّ عليّ بن إسحاق الملثّم خطب للنّاصر لدين اللَّه بمعظم بلاد المغرب، و خالف بني عبد المؤمن [ (2)].

____________

[ (1)] الكامل 11/ 552.

[ (2)] العبر 4/ 424.

6

[مسير السلطان إلى الموصل‏]

و فيها سار السّلطان الملك النّاصر قاصدا الموصل، فلمّا قارب حلب تلقّاه صاحبها الملك العادل أخوه، ثمّ عدّى الفرات إلى حرّان، و كانت إذ ذاك لمظفّر الدّين ابن صاحب إربل، و قد بذل خطّه بخمسين ألف دينار يوم وصول السّلطان إلى حرّان برسم النّفقة، فأقام السّلطان أيّاما لم ير للمال أثرا، فغضب على مظفّر الدّين و اعتقله، ثمّ عفا عنه، و كتب له تشريفا بعد أن تسلّم منه حرّان، و الرّها، ثمّ أعادهما إليه في آخر العام. و سار إلى الموصل فحاصرها و ضايقها، و بذلت العامّة نفوسهم في القتال بكلّ ممكن لكون بنت السلطان نور الدّين، و هي زوجة صاحب الموصل عزّ الدّين سارت إلى صلاح الدّين قبل أن ينازل البلد، و خضعت له تطلب الصّلح و الإحسان، فردّها خائبة، ثمّ إنّه ندم، و رأى أنّه عاجز عن أخذ البلد عنوة، فأتت الأخبار بوفاة شاه أرمن صاحب خلاط، و بوفاة نور الدّين محمد صاحب حصن كيفا و آمد، فتقسّم فكره، و اختلفت آراء أمرائه، فلم يلبث أن جاءته رسل أمراء خلاط بتعجيل المسير إليهم، فأسرع إليهم، و جعل على مقدّمته ابن عمّه ناصر الدّين محمد بن شيركوه و مظفّر الدّين كوكبوري ابن صاحب إربل إلى خلاط، فوجد الأمير بكتمر مملوك شاه أرمن قد تملّك، فنزلا بقربها.

و وصل الملك شمس الدّين البهلوان محمد بن ألدكز بجيش أذربيجان ليأخذ خلاط فنزل أيضا بقربها. و كان الوزير بها مجد الدّين عبد اللَّه بن الموفّق بن رشيق، فكاتب صلاح الدّين مرّة، و صلاح الدّين أخرى [ (1)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 511- 514، زبدة الحلب 3/ 82، مفرّج الكروب 2/ 168، تاريخ الزمان 203، تاريخ مختصر الدول 219، 220، النوادر السلطانية 67- 69، المختصر في أخبار البشر 3/ 69، مضمار الحقائق 212- 218، العبر 4/ 241، دول الإسلام 2/ 91، تاريخ ابن الوردي 2/ 94، مرآة الجنان 3/ 418، 419، البداية و النهاية 12/ 315، 316، العسجد المسبوك 194، المغرب في حلى المغرب 151، تاريخ ابن خلدون 5/ 303، السلوك ج 1 ق 1/ 89، 90، شفاء القلوب 114- 116، تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) 1/ 169.

7

[منازلة صلاح الدين ميّافارقين‏]

و وصل صلاح الدّين ميّافارقين فنازلها و حاصرها، و كتب إلى مقدّمته يأمرهم بالعود إليه فعادوا، و تسلّمها بأمان، و سلّمها إلى مملوكه سنقر في جمادى الأولى. فأتته رسل البهلوان بما فيه المصلحة و أن يرجع عن خلاط، فأجاب: على أن ترحل أنت أيضا إلى بلادك [ (1)].

[منازلة الموصل‏]

ثمّ عاد صلاح الدّين فنازل الموصل و ضايقها، فخرج إليه جماعة من النّساء الأتابكيّات فخضعن له، فأكرمهنّ و قبل شفاعتهنّ. و استقرّ الأمر على أن يكون عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي صاحب سنجار هو المتكلّم، فتوسّط بأن تكون بلاد شهرزور و حصونها للسّلطان، و تضرب السّكّة باسمه و الخطبة له بالموصل، و أن تكون الموصل لصاحبها، و أن يكون طوعه [ (2)].

[مرض السلطان‏]

ثمّ رجع السّلطان فتمرّض بحرّان مديدة، و اشتدّ مرضه، و تناثر شعر رأسه و لحيته، و أرجفوا بموته. ثمّ عوفي [ (3)].

____________

[ (1)] النوادر السلطانية 69، الكامل في التاريخ 11/ 515، تاريخ الزمان 203، تاريخ مختصر الدول 220، زبدة الحلب 3/ 82، المغرب في حلى المغرب 151، الروضتين 2/ 61، الدرّ المطلوب 78، تاريخ ابن الوردي 2/ 94، البداية و النهاية 12/ 316، المختصر في أخبار البشر 3/ 69، مرآة الجنان 3/ 419، تاريخ ابن خلدون 5/ 303، السلوك ج 1 ق 1/ 89، العسجد المسبوك 194، شفاء القلوب 114، تاريخ ابن سباط 1/ 169، 170.

[ (2)] النوادر السلطانية 69، 70، مضمار الحقائق 219، 220، الكامل في التاريخ 11/ 515، 516، زبدة الحلب 3/ 82، 83، تاريخ الزمان 203، تاريخ مختصر الدول 220، المغرب في حلي المغرب 151، المختصر في أخبار البشر 3/ 69، الروضتين 2/ 61، الدرّ المطلوب 78، تاريخ ابن الوردي 2/ 94، 95، البداية و النهاية 12/ 316، مرآة الجنان 3/ 419، تاريخ ابن خلدون 5/ 303، السلوك ج 1 ق 1/ 89، العسجد المسبوك 194، شفاء القلوب 114، 115، تاريخ ابن سباط 1/ 170.

[ (3)] النوادر السلطانية 71، الكامل في التاريخ 11/ 517، 518، تاريخ الزمان 203، تاريخ‏

8

[وفاة صاحب حمص‏]

و توفّي ناصر الدّين محمد بن أسد الدّين صاحب حمص، فأنعم بها السّلطان على ولده الملك المجاهد أسد الدّين شيركوه بن محمد. و سنّه يومئذ ثلاث عشرة سنة، و امتدّت أيّامه [ (1)].

[مصالحة أهل خلاط للبهلوان‏]

و أمّا أهل خلاط فإنّهم اصطلحوا مع البهلوان محمد [ (2)]، و صاروا من حزبه.

[فتنة التركمان و الأكراد]

قال ابن الأثير [ (3)]: و فيها ابتداء الفتنة بين التّركمان و الأكراد بالموصل، و الجزيرة، و شهرزور، و أذربيجان، و الشّام. و قتل فيها من الخلق ما لا يحصى، و دامت عدّة سنين. و تقطّعت الطّرق، و أريقت الدّماء، و نهبت الأموال.

و سببها أنّ تركمانيّة تزوّجت بتركمانيّ، فاجتازوا بأكراد، فطلبوا منهم وليمة العرس، فامتنعوا و جرى بينهم خصام آل إلى القتال، فقتل الزّوج،

____________

[ ()] مختصر الدول 220، زبدة الحلب 3/ 83، المغرب 151، الروضتين 2/ 61، المختصر في أخبار البشر 3/ 69، الدر المطلوب 78، تاريخ ابن الوردي 2/ 95، مرآة الجنان 3/ 419، البداية و النهاية 12/ 316، تاريخ ابن خلدون 5/ 304، السلوك ج 1 ق 1/ 89، العسجد المسبوك 194، شفاء القلوب 116، تاريخ ابن سباط 1/ 170.

[ (1)] النوادر السلطانية 71، الكامل في التاريخ 11/ 518، تاريخ الزمان 204، مضمار الحقائق 228، زبدة الحلب 3/ 83، 94، مفرّج الكروب 2/ 174، وفيات الأعيان 2/ 480 و 3/ 244 و 5/ 206 و 7/ 172، و المختصر في أخبار البشر 3/ 69، 70، الدرّ المطلوب 80، دول الإسلام 2/ 92، سير أعلام النبلاء 21/ 143، 144 رقم 72، العبر 4/ 246، تاريخ ابن الوردي 2/ 95، البداية و النهاية 12/ 317، الوافي بالوفيات 3/ 154، تاريخ ابن خلدون 5/ 304، العسجد المسبوك 195، 196، النجوم الزاهرة 6/ 98، تاريخ ابن سباط 1/ 171، شذرات الذهب 4/ 273.

[ (2)] هو محمد بن ألدكز. توفي في السنة التالية 582 ه. (المختصر في أخبار البشر 3/ 70، مرآة الزمان 8/ 384).

[ (3)] في الكامل 11/ 519.

9

فهاجت الفتنة، و قامت التّركمان على ساق، و قتلوا جمعا من الأكراد، فتناخت الأكراد و قتلوا في التّركمان. و تفاقم الشّرّ و دام، إلى أن جمع الأمير مجاهد الدّين قايماز (رحمه اللَّه) عنده جمعا من رءوس التّركمان و الأكراد و أصلح بينهم، و أعطاهم الخلع و الثّياب، و أخرج عليهم مالا جمّا، فانقطعت الفتنة [ (1)].

[استيلاء ابن غانية على بلاد إفريقية]

و فيها استولى ابن غانية الملثّم على أكثر بلاد إفريقية كما ذكرنا في سنة ثمانين استطرادا [ (2)].

____________

[ (1)] العبر 4/ 241، 242.

[ (2)] الكامل 11/ 519.

10

سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة

[اعتدال صحّة السلطان‏]

في أوّلها صح مزاج السّلطان بحرّان فرحل عنها، و معه ولداه الظّاهر، و العزيز، و أخوه العادل، و قدم الشّام. فبذل العادل بلاد حلب لأولاد أخيه، فشكره السّلطان على ذلك، و ملّكها للسّلطان الملك الظّاهر غازي ولده. و سيّر أخاه العادل إلى مصر، و نزل على نواحي البلقاء.

و قيل إنّ الملك الظّاهر لمّا تزوّج بابنة العادل نزل له العادل عن حلب، و قال: أنا ألزم خدمة أخي و أقنع بما أعطاني. و سمح بهذا لأنّ السّلطان أخاه كان في مرضه قد أوصى إليه على أولاده و ممالكه، فأعجبه ذلك [ (1)].

[رواية المنجّمين عن خراب العالم‏]

قال العماد الكاتب: أجمع المنجّمون في سنة اثنتين و ثمانين في جميع البلاد بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السّتّة [ (2)] في الميزان بطوفان الرّيح في سائر البلدان. و خوّفوا بذلك من لا توثّق له باليقين، و لا إحكام له في الدّين من ملوك الأعاجم و الروم، و أشعروهم من تأثيرات النّجوم، فشرعوا في حفر مغارات على التّخوم، و تعميق بيوت في الأسراب و توثيقها، و شدّ منافسها على الرّيح، و نقلوا إليها الماء و الأزواد و انتقلوا إليها، و انتظروا الميعاد و سلطاننا متنمّر من أباطيل المنجّمين، موقن أنّ قولهم مبنيّ‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 524، 525.

[ (2)] في الكامل 11/ 528 «تجتمع الكواكب الخمسة»، و المثبت يتفق مع البداية و النهاية 12/ 319، و العبر 4/ 246.

11

على الكذب و التّخمين. فلمّا كانت اللّيلة الّتي عيّنها المنجّمون لمثل ريح عاد، و نحن جلوس عند السّلطان، و الشّموع توقد، و ما يتحرّك لنا نسيم، و لم نر ليلة مثلها في ركودها [ (1)].

و عمل في ذلك جماعة من الشّعراء. فممّا عمل أبو الغنائم محمد بن المعلّم فيما ورّخه أبو المظفّر السّنة في «المرآة» [ (2)]:

قل لأبي الفضل قول معترف [ (3)]* * * مضى جمادى و جاءنا رجب‏

و ما جرت زعزعا كما حكموا* * * و لا بدا كوكب له ذنب‏

كلّا، و لا أظلّت [ (4)] ذكاء و لا* * * أبدت أذى في أقرانها [ (5)] الشّهب‏

يقضي عليها من ليس يعلم ما* * * يقضى عليه هذا هو العجب [ (6)]

قد بان كذب المنجّمين و في‏* * * أيّ مقال [ (7)] قالوا و ما كذبوا؟

[ (8)]

[فتنة عاشوراء]

قال ابن البزوريّ: و في يوم عاشوراء سنة اثنتين قال محمد بن القادسيّ فرش الرّماد في الأسواق ببغداد، و علّقت المسوح، و ناح أهل الكرخ‏

____________

[ (1)] العبر 4/ 246، 247.

[ (2)] مرآة الزمان 8/ 387.

[ (3)] في المرآة: «معتبر».

[ (4)] في المرآة: «أظلمت».

[ (5)] في المرآة: «قرانها».

[ (6)] في المرآة بعده: بيت هو:

فارم بتقويمك الفرات و الأسطرلاب‏* * * خير من ضبوة الخشب‏

[ (7)] في المرآة: «مثال».

[ (8)] في المرآة زيادة: (8/ 387، 388):

مدبّر الأمر واحد ليس إلّاه‏* * * و في كلّ حادث سبب‏

لا المشتري سالم و لا زحل‏* * * باق و لا زهرة و لا قطب‏

تبارك اللَّه حصحص الحقّ‏* * * و انجاب التمادي و زالت الريب‏

فليبطل المدّعون ما صنعوا* * * في كتبهم و لتحرق الكتب‏

12

و المختارة، و خرج النّساء حاسرات يلطمن و ينحن من باب البدريّة إلى باب حجرة الخليفة، و الخلع تفاض عليهنّ و على المنشدين من الرجال.

و تعدّى الأمر إلى سبّ الصّحابة. و كان أهل الكرخ يصيحون: ما بقي كتمان. و أقاموا ابنة قرايا، و كان الظّهير ابن العطّار قد كبس دار أبيها، و أخرج منها كتبا في سبّ الصّحابة، فقطع يديه و رجليه، و رجمته العوامّ حتّى مات، فقامت هذه المرأة تحت منظرة الخليفة و حولها خلائق و هي تنشد أشعار العوني و تقول: العنوا راكبة الجمل. و تذكر حديث الإفك.

قال: و كلّ ذلك منسوب إلى أستاذ الدّار، و هو مجد الدّين ابن الصّاحب، ثمّ قتل بعد [ (1)].

[خلاف الفرنج‏]

و فيها وقع الخلاف بين الفرنج- لعنهم اللَّه- و تفرّقت كلمتهم، و كان في ذلك سعادة الإسلام [ (2)].

[غدر أرناط صاحب الكرك‏]

و فيها غدر اللّعين أرناط صاحب الكرك، فقطع الطّريق على قافلة كبيرة جاءت من مصر، فقتل و أسر، ثمّ شنّ الغارات على المسلمين، و نبذ العهد.

فتجهّز السّلطان صلاح الدّين لحربه، و طلب العساكر من البلاد، و نذر إن ظفر به ليقتلنّه، فأظفره اللَّه به كما يأتي [ (3)].

____________

[ (1)] دول الإسلام 2/ 92 (باختصار)، العبر 4/ 274.

[ (2)] مرآة الزمان 8/ 389، دول الإسلام 2/ 92.

[ (3)] الكامل في التاريخ 11/ 527، 528، تاريخ الزمان 207، مرآة الزمان 8/ 389، المختصر في أخبار البشر 3/ 71، دول الإسلام 2/ 92، تاريخ ابن الوردي 2/ 96، السلوك ج 1 ق 1/ 92، شفاء القلوب 118، تاريخ ابن سباط 1/ 173.

13

[خروج طغتكين عن طاعة صلاح الدين‏]

أنبأنا ابن البزوريّ في «الذّيل» قال: و قدم الحاجّ بغداد، و أخبروا أنّ سيف الإسلام طغتكين أخا صلاح الدّين خرج عن الطّاعة، و ترك مراضي الدّيوان و اتّباعه، و استولى على مكّة و أهلها، و خطب لأخيه [ (1)].

و أخبروا أنّ قفل الكعبة عسر عليهم فتحه، و ازدحم النّاس، فمات منهم أربعة و ثلاثون نفسا.

[مزاعم المنجّمين‏]

قال: و في هذه السّنة كان المنجّمون يزعمون أنّ في تاسع جمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان، و هو القران الخامس، و يدلّ ذلك على رياح شديدة، و هلاك مدن كثيرة، فلم ير إلّا الخير. و أخبرت أنّ الهواء توقّف في الشّهر المذكور على أهل السّواد، فلم يكن لهم ما يذرّون به الغلّة [ (2)].

و كان الخليفة أمر بأخذ خطوط المنجمّين بذلك، فكتبوا سوى قايماز، و كان حاذقا بالنّجوم، فإنّه كتب: لا يتم من ذلك شي‏ء. و خرج. فقال له منجّم: ما هذا؟ قال: إن كان كما تزعمون من هلاك العالم من يواقفني؟ و إن كان ما قلته حظيت عندهم.

[عقد قران الخليفة الناصر]

و فيها عقد أمير المؤمنين الناصر على الجهة سلجوق خاتون بنت قلج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم بوكالة من أخيها كيخسرو، و سار لإحضارها الحافظ يوسف بن أحمد شيخ الرّباط الأرجوانيّ.

____________

[ (1)] مرآة الزمان 8/ 388.

[ (2)] الكامل 11/ 528، مرآة الزمان 8/ 385 و 387.

14

[الفتنة بين الرافضة و السّنّة]

و فيها جرت فتنة عظيمة بين الرافضة و السّنّة قتل فيها خلق كثير، و غلبوا أهل الكرخ [ (1)].

[الفتن بأصبهان‏]

و فيها وردت الأخبار بالفتن بأصبهان، و القتال و النّهب، و إحراق المدارس، و قتل الأطفال، فقتل أربعة آلاف نفس. و سببه اختلاف المذاهب بعد وفاة زعيم أصبهان البلهوان. ثمّ ملك بعده أخوه فهذّب البلاد.

[إمرة الركب العراقي‏]

و أمير الركب العراقي في هذه الأعوام طاشتكين المستنجديّ [ (2)].

كثرة الخلف بين الأمم و الطوائف‏]

و في هذه الأيام كثر الخلف بديار بكر و الجزيرة بين الأكراد و التّركمان، و بين الفرنج و الروم و الأرمن، و بين الإسماعيليّة و ال [- سّنّة] [ (3)]. و قتلت الإسماعيليّة ابن نيسان والد الّذي أخذ منه صلاح الدين آمد.

[تصادم الطيور في الجوّ]

و وقع بين الكراكيّ و اللّقالق و الإوزّ، و صارت تصطدم بالجوّ و تتساقط جرحى و كسرى، و امتار النّاس منها بأرض حرّان. قاله عبد اللّطيف.

____________

[ (1)] دول الإسلام 2/ 92.

[ (2)] مرآة الزمان 8/ 389.

[ (3)] في الأصل بياض.

15

سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة

[اتفاقات الأوائل‏]

أوّل يوم في السّنة كان أوّل أيام الأسبوع، و أوّل السّنة الشّمسيّة و أول سنيّ الفرس، و الشّمس و القمر في أوّل البروج. و كان ذلك من الاتّفاقات العجيبة. قاله لنا ابن البزوريّ.

[نقابة النقباء]

قال: و في صفر عزل نقيب النّقباء ابن الرمّال بأبي القاسم قثم بن طلحة الزّينبيّ.

[قتل مجد الدين ابن الصاحب‏]

و في ربيع الأوّل استدعي مجد الدّين هبة اللَّه ابن الصّاحب أستاذ الدّار إلى باطن دار الخلافة، فقتل بها [ (1)]. و كان قد ارتفعت رتبته و علا شأنه و تولّى قتله ياقوت النّاصريّ، و علّق رأسه على باب داره. و ولي أستاذيّةالدار قوام الدّين أبو طالب يحيى بن زيادة، نقلا من حجابة الباب النّوبيّ و أمر بكشف تركة ابن الصّاحب، فكانت ألف ألف دينار و خمسة و ثلاثين ألف دينار، سوى الأقمشة و الآلات و الأملاك. و تقدّم أن لا يتعرّض إلى ما يخصّ أولاده من أملاكهم الّتي باسمهم [ (2)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 11/ 562.

[ (2)] دول الإسلام 2/ 92، 93.

16

و قال سبط الجوزيّ [ (1)]: قرّبه النّاصر تقريبا زائدا [ (2)]، فبسط يده في الأموال، و سفك الدّماء، و سبّ الصحابة ظاهرا، و بطر بطرا شديدا، و عزم على تغيير الدّولة.

إلى أن قال: وثب عليه في الدّهليز ياقوت شحنة بغداد فقتله، و وجد له ما لم يوجد في دور الخلفاء.

[إحراق النقيب‏]

قلت: و توفّي النّقيب عبد الملك بن عليّ بالسّجن، و كان خاصّا بابن الصّاحب و المنفّذ لمراسمه، و أخرج، فلمّا رأت العامّة تابوته رموه، و شدّوا في رجله حبلا و سحبوه، و أحرقوه بباب المراتب.

[نيابة الوزارة]

و في شوّال عزل ابن الدريج عن نيابة الوزارة، ثمّ نفّذ إلى جلال الدّين أبي المظفّر عبيد اللَّه بن يونس فولي الأمر. ثمّ استدعي يوم الجمعة إلى باب الحجرة، و خلع عليه خلعة الوزارة الكاملة، و لقّب يومئذ جلال الدّين، و قبّل يد الخليفة و قال له: قلّدتك أمور الرعيّة فقدّم تقوى اللَّه أمامك [ (3)].

[وفاة ابن الدامغانيّ‏]

و قد كان ابن يونس يشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدّامغانيّ، و توقّف مرّة في سماع قوله. فلمّا كان هذا اليوم كان قاضي القضاة ممّن مشى بين يديه. فقيل إنّه قال: لعن اللَّه طول العمر. ثمّ مات بعد أيّام في ذي الحجّة [ (4)]، فولّي قضاء القضاة بالعراق أبو طالب عليّ بن عليّ بن البخاريّ.

____________

[ (1)] يوجد نقص في المطبوع من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي في أثناء حوادث سنة 583 ه.

حتى 585 ه.

[ (2)] في الأصل: «قرّبه الناصر تقريب زائد».

[ (3)] الكامل في التاريخ 11/ 562.

[ (4)] الكامل 11/ 563.

17

[هدم مملكة السلطان طغرل‏]

و فيها أرسل السّلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد السّلجوقيّ إلى الدّيوان يطلب أن تعمّر دار المملكة ليجي‏ء و ينزلها، و أن يسمّى في الخطبة. فأمر الخليفة فهدمت المملكة و أعيد رسوله بغير جواب [ (1)]. و كان مستضعف الملك مع البهلوان ليس له غير الاسم. فلمّا توفّي البهلوان قويت نفسه و عسكر، و انضمّ إليه أمراء.

[الحرب بين الركب العراقي و الركب الشامي‏]

و حجّ بالركب العراقيّ مجير الدّين طاشتكين على عادته.

و حجّ من الشّام الأمير شمس الدّين محمد بن عبد الملك، المعروف بابن المقدّم، فضرب كوساته، و تقدّم من عرفات قبل أصحاب الخليفة، فأرسل طاشتكين يلومه، فلم يفكّر فيه، فركب طاشتكين في أجناده، إلى قتاله، و تبعه خلق من ركب العراق. و وقع الحرب، و قتل من ركب الشّام خلق [ (2)].

[وفاة ابن المقدّم‏]

ثمّ أسر ابن المقدّم، و جي‏ء به إلى خيمة طاشتكين، و خيطت جراحاته، ثمّ مات بمنى و دفن بها [ (3)].

قلت: و قد كان من كبار الأمراء النّوريّة و ولي نيابة دمشق للسّلطان صلاح الدّين و هو واقف المدرسة المقدّميّة.

[إحراق ضياع الكرك و الشوبك‏]

و فيها كتب السّلطان صلاح الدّين إلى الأمصار يستدعي الأجناد إلى‏

____________

[ (1)] الكامل 11/ 560.

[ (2)] الكامل 11/ 559، دول الإسلام 2/ 93.

[ (3)] الكامل 11/ 560 و دفن بمقبرة المعلّى، دول الإسلام 2/ 93.

18

الجهاد. و برز في أوّل السّنة، و نزل على أرض بصرى مرتقبا [ (1)] مجي‏ء الحاجّ ليخفرهم من الفرنج. و سار إلى الكرك و الشّوبك، فأحرق ضياعهما، و أقام هناك شهرين.

[الإغارة على طبريّة]

و اجتمعت الجيوش برأس الماء عند ولده الأفضل، فجهّز بعثا فأغاروا على طبريّة.

[هزيمة الفرنج بصفّوريّة]

و قدم من الشّرق مظفّر الدّين صاحب إربل بالعساكر، و قدم بدر الدّين و لدرم على عسكر حلب، و قايماز النّجميّ على عسكر دمشق، فساروا مدلجين حتّى صبّحوا صفّوريّة، فخرجت الفرنج فنصر اللَّه المسلمين، و قتل من الفرنج خلق من الإسبتار، و أسروا خلقا [ (2)].

[موقعة حطّين‏]

و أسرع السّلطان حتّى نزل بعشترا، و عرض العساكر و أنفق فيهم، و سار بهم و قد ملئوا الفضاء فنزل الأردنّ، و نزل معظم العساكر. و سار إلى طبريّة فأخذها عنوة، فتأهّبت الفرنج و حشدوا، و جاءوا من كلّ فجّ و أقبلوا، فرتّب عساكره في مقابلهم و صابحهم و بايتهم.

و كان المسلمون اثني عشر ألف فارس و خلق من الرجّالة. و قيل كان الفرنج ثمانين ألفا ما بين فارس و راجل. و التجئوا إلى جبل حطّين، فأحاط المسلمون بهم من كلّ جانب، فهرب القومّص لعنه اللَّه، و وقع القتال، فكانت‏

____________

[ (1)] في الأصل: «مرتقب».

[ (2)] النوادر السلطانية 74، الكامل في التاريخ 11/ 529، 530، تاريخ الزمان 207، تاريخ مختصر الدول 220، زبدة الحلب 3/ 91، الفتح القسي 59، المختصر في أخبار البشر 3/ 71، دول الإسلام 2/ 93، تاريخ ابن الوردي 2/ 96، البداية و النهاية 12/ 320، تاريخ ابن خلدون 5/ 305، السلوك ج 1 ق 1/ 92، شفاء القلوب 119، تاريخ ابن سباط 174، 175.

19

الدّائرة على الفرنج، و أسر خلق منهم الملك كي، و أخوه جفري، و صاحب جبيل، و هنفري بن هنفري، و الإبرنس أرناط صاحب الكرك، و ابن صاحب إسكندرونة، و صاحب مرقيّة [ (1)].

و ما أحلى قول العماد الكاتب [ (2)]: «فمن شاهد القتلى يومئذ قال: ما هناك أسير، و من عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل».

قلت: و لا عهد للإسلام بالشّام بمثل هذه الوقعة من زمن الصّحابة.

فقتل السّلطان صاحب الكرك بيده لأنّه تكلّم بما أغضب صلاح الدّين، فتنمّر و قام إليه طيّر رأسه، فأرعب الباقون.

و قال ابن شدّاد [ (3)]: بل كان السّلطان نذر أن يقتله لأنّه سار ليملك الحجاز، و غدر و أخذ قفلا كبيرا، و هو الّذي كان مقدّم الفرنج نوبة الرملة لمّا كبسوا صلاح الدّين و كسروه سنة ثلاث و سبعين.

و كان أرناط فارس الفرنج في زمانه، و قد وقع في أسر الملك نور الدّين، و حبسه مدّة بقلعة حلب. فلمّا مات نور الدّين و ذهب ابنه إلى حلب و قصده صلاح الدّين غير مرّة ليأخذ حلب أطلق أرناط و جماعة من كبار الفرنج ليعينوه على صلاح الدّين.

ثمّ قيّد جميع الأسارى و حملوا إلى الحصون، و أخذ السّلطان يومئذ منهم صليب الصّلبوت.

____________

[ (1)] انظر عن موقعة حطين في: الفتح القسّي في الفتح القدسي 61- 84، و النوادر السلطانية 75- 79، و الكامل في التاريخ 11/ 534- 583، و تاريخ الزمان 208، 209، و مرآة الزمان 8/ 392، 393، و زبدة الحلب 3/ 92- 96، و المختصر في أخبار البشر 3/ 71، 72، و تاريخ ابن الوردي 2/ 96، و مرآة الجنان 3/ 424، و البداية و النهاية 12/ 320، و دول الإسلام 2/ 93، 94، و تاريخ ابن خلدون 5/ 305، 306، و مشارع الأشواق لابن النحاس 2/ 837، 934، 935، و السلوك ج 1 ق 1/ 93، و شفاء القلوب 119- 121، و تاريخ ابن سباط 1/ 176، 177.

[ (2)] في البرق الشامي.

[ (3)] في النوادر السلطانية.

20

و كانت وقعة حطّين هذه في نصف ربيع الآخر، و لم ينج فيها من الفرنج إلّا القليل، و هي من أعظم الفتح في الإسلام.

و قيل كان للفرنج أربعين ألفا.

و أبيع فيها الأسير بدمشق بدينار فلله الحمد.

قال أبو المظفّر بن الجوزيّ [ (1)]: خيّم السّلطان على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفا من الفرسان سوى الرّجّالة، و خرج الفرنج من عكّا، فلم يدعوا بها محتلما. فنزلوا صفّوريّة، و تقدّم السّلطان إلى طبريّة، فنصب عليها المجانيق، و افتتحها في ربيع الآخر، و تقدّمت الفرنج فنزلوا لوبية من الغد، و ملك المسلمون عليهم الماء، و كان يوما حارّا. و التهب الغور عليهم، و أضرم مظفّر الدّين النّار في الزّروع، و أحاط بهم المسلمون طول اللّيل، فلمّا طلع الفجر قاتلوا إلى الظّهر، و صعدوا إلى تلّ حطّين و النّار تضرم حولهم، و ساق القومّص على حميّة و حرق، و طلع إلى صفد [ (2)]، و عملت السّيوف في الفرنج، و انكسر [ (3)] من الملوك جماعة، و جي‏ء بصليب الصّلبوت إلى السّلطان، و هو مرصّع بالجواهر و اليواقيت في غلاف من ذهب. فأسر ملك الفرنج درباس الكرديّ، و أسر إبرنس الكرك إبراهيم غلام المهرانيّ.

قال: و استدعاهم السّلطان، فجلس الملك عن يمينه، و يليه إبرنس الكرك، فنظر السّلطان إلى الملك و هو يلهث عطشا، فأمر له بماء و ثلج، فشرب و سقى البرنس، فقال السّلطان: ما أذنت لك في سقيه. و التفت إلى البرنس فقال: يا ملعون يا غدّار، حلفت و نكثت. و جعل يعدّد عليه غدراته.

ثمّ قام إليه فضربه حلّ كتفه، و تمّمه المماليك، فطار عقل الملك، فأمّنه السّلطان و قال: هذا كلب غدر غير مرّة.

____________

[ (1)] في مرآة الزمان 8/ 393.

[ (2)] في مرآة الزمان 8/ 393 «صفت».

[ (3)] هكذا في الأصل. و لعلّ الصحيح «و أسر».

21

إلى أن قال: و أبيعت الأسارى بثمن بخس، حتّى باع فقير أسيرا بنعل، فقيل له في ذلك فقال: أردت هوانهم.

و وصل القاضي ابن أبي عصرون [ (1)] دمشق و صليب الصّلبوت منكّسا بين يديه [ (2)]، و عاد السّلطان إلى طبريّة، و آمن صاحبتها، فخرجت بأموالها إلى عكّا. و أمّا القومّص فسار من صفد إلى طرابلس فمات بها، فقيل: مات من جراحات أصابته. و قيل: إنّ امرأته سمّته.

قال القاضي جمال الدّين بن واصل [ (3)]: اجتمعت الجحافل على رأس الماء عند الملك الأفضل ابن السّلطان، فتأخّرت العساكر الحلبيّة لانشغالها بفرنج أنطاكية و بالأرمن، فدخل الملك مظفّر صاحب حماه فأخمد ثائرتهم، ثمّ ردّ إلى حماه و معه فخر الدّين مسعود بن الزّعفرانيّ على عساكر الموصل و عسكر ماردين، فلحقوا السّلطان بعشترا، ثمّ ساروا، و أحاطت جيوشه بحيرة طبرية عند قرية الصّفيرة، ثمّ نازل طبريّة فافتتحها في ساعة من نهار.

[رواية ابن الأثير]

و حكى ابن الأثير [ (4)] عمّن أخبره عن الملك الأفضل قال: كنت إلى جانب والدي السّلطان في مصافّ حطّين، و هو أوّل مصافّ شاهدته، فلمّا صار ملك الفرنج على التّلّة حملوا حملة منكرة علينا، حتّى ألحقوا المسلمين بوالدي، فنظرت إليه و قد اربدّ لونه، و أمسك بلحيته، و تقدّم و هو يصيح:

كذب الشّيطان. فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا إلى التّلّ. فلمّا رأيت ذلك صحت: هزمناهم، هزمناهم. فعاد الفرنج و حملوا حملة ثانية حتّى‏

____________

[ (1)] هو أبو سعد عبد اللَّه بن أبي السريّ محمد بن هبة اللَّه بن مطهر بن علي بن أبي عصرون بن أبي السري التميمي، الحديثي، ثم الموصلي، الفقيه الشافعيّ، الملقّب شرف الدين. توفي سنة 585 ه. بدمشق. و سيأتي في وفيات هذا الجزء برقم (174).

[ (2)] مشارع الأشواق 2/ 935.

[ (3)] في مفرّج الكروب.

[ (4)] في الكامل في التاريخ 11/ 536، 537.

22

ألحقوا المسلمين بوالدي، و فعل مثل ما فعل أوّلا، و عطف المسلمون عليهم و ألحقوهم بالتّلّ، فصحت أنا: هزمناهم. فقال والدي: اسكت، ما نهزمهم حتّى تسقط تلك الخيمة، يعني خيمة الملك.

قال: فهو يقول لي و إذا الخيمة قد سقطت، فنزل أبي و سجد شكرا للَّه، و بكى من فرحه.

و كان سبب سقوطها أنّهم عطشوا، و كانوا يرجون بالحملات الخلاص، فلمّا لم يجدوه نزلوا عن خيلهم و جلسوا، فصعد المسلمون إليهم، و ألقوا خيمة ملكهم، و أسروهم كلّهم.

[رواية ابن شدّاد]

قال القاضي بهاء الدّين بن شدّاد [ (1)]: و حدّثني من أثق به أنّه لقي بحوران شخصا واحدا و معه طنب خيمة، و فيه نيّف و ثلاثون أسيرا يجرّهم وحده بخذلان وقع عليهم.

[إنشاء العماد]

و من إنشاء عماديّ [ (2)] إلى الخليفة: «الحمد للَّه الّذي أعاد الإسلام جديدا ..

إلى أن قال: و نورد البشرى بما أنعم اللَّه تعالى في يوم الخميس الثّالث و العشرين من ربيع الآخر إلى الخميس الآخر، عمل [ (3)] سبع ليال و ثمانية أيّام حسوما، فيوم الخميس فتحت طبريّة، و يوم الجمعة و السّبت نودي [ (4)] الفرنج فكسروا كسرة ما لهم بعدها قائمة.

____________

[ (1)] في النوادر السلطانية.

[ (2)] إنشاء عماديّ: هو ما كتبه العماد الأصبهاني الكاتب.

[ (3)] في مشارع الأشواق 2/ 936 «تلك»، و مثله في: مرآة الزمان 8/ 395.

[ (4)] في مشارع الأشواق 2/ 936 «نوزل».

23

و في يوم الخميس سلخ الشّهر فتحت عكّا بالأمان، و رفعت بها أعلام الإيمان، و هي أمّ البلاد، و أخت إرم ذات العماد» [ (1)].

إلى أن قال: «فأمّا القتلى و الأسرى فإنّها تزيد على ثلاثين ألفا [ (2)]، يعني في وقعة حطّين و ما حولها في هذا الأسبوع».

و قد ذكر العماد (رحمه اللَّه) أيضا أنّه خلّص من هذه السّنة من أسر الكفر أكثر من عشرين ألف أسير، و وقع في الأسر من الكفّار مائة ألف أسير. هكذا قال.

[تتابع الفتوحات‏]

ثمّ سار السّلطان إلى عكّا فوصلها بعد خمسة أيّام من الوقعة، فأخذها بالأمان، و ملكها بلا مشقّة. و بلغ السّلطان الملك العادل هذا النّصر العظيم، فخرج من مصر بالجيوش، فمرّ بيافا و مجدل فافتتحهما عنوة، و غنم من الأموال ما لا يوصف. ثمّ فتح اللَّه النّاصرة و صفّوريّة على يد مظفّر الدّين صاحب إربل عنوة، و فتحت قيساريّة على يد و لدرم و غرس الدّين قليج عنوة، و نابلس على يد حسان الدّين لاجين بالأمان بعد قتال شديد، ثمّ حصن الفولة بالأمان [ (3)].

[فتح تبنين و صيدا و بيروت و جبيل‏]

ثمّ نازل السّلطان تبنين فافتتحها، ثمّ صيدا فافتتحها، ثمّ بيروت، ثم‏

____________

[ (1)] إرم ذات العماد هي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، سورة الفجر، الآية 7.

قال ياقوت: إرم ذات العماد: قيل: هي الإسكندرية، و أكثرهم يقولون: هي دمشق، و قيل: إنها بلاد باليمن بين حضر موت و صنعاء من بناء شدّاد بن عاد. (معجم البلدان 1/ 155).

[ (2)] مشارع الأشواق 2/ 935، 936.

[ (3)] النوادر السلطانية 79، تاريخ الزمان 209، تاريخ مختصر الدول 220، الكامل في التاريخ 11/ 538- 540، زبدة الحلب 3/ 57، المختصر في أخبار البشر 3/ 72، دول الإسلام 2 ج 94، العبر 4/ 248، تاريخ ابن الوردي 2/ 96، مرآة الجنان 3/ 424، البداية و النهاية 12/ 322، مشارع الأشواق 2/ 936، و فيه حصن «الغولة»، بالغين، السلوك ج 1 ق 1/ 94، 95، شفاء القلوب 122- 124، تاريخ ابن سباط 1/ 177، 178.

24

جبيل، ثمّ سار إلى عسقلان فحاصرها و ضيّق عليها بالقتال و المجانيق، ثمّ أخذها بالأمان. و أخذ الرملة، و الدّاروم، و غزّة، و بيت جبريل، و النّطرون بالأمان [ (1)].

[فتح بيت المقدس‏]

ثمّ سار مؤيّدا منصورا إلى البيت المقدّس، فنزل من غربيّه في نصف رجب، و كان بها يومئذ ستّون ألف مقاتل. فقاتلهم المسلمون أشدّ قتال، ثمّ انتقل السّلطان بعد خمس إلى الجانب الشّماليّ من البلد و نصب المجانيق و وقع الجدّ، فطلب الفرنج الأمان، فأمّنهم بعد تمنّع، و قرّر على كلّ رجل عشرة دنانير، و على كلّ امرأة خمسة دنانير، و على كلّ صغير و صغيرة دينارين فإنّ من عجز أمهل أربعين يوما، ثمّ يسترقّ. فأجابوا إلى ذلك. و جمع المال فكان سبعمائة ألف دينار، فقسّمه في الجيش. و بقي ثلاثون ألفا ليس فيهم [ (2)] فكاك، فاستعبدهم و فرّقهم. و خلّص من أسارى المسلمين عشرين ألفا.

و خرج منها البترك بأموال لا تحصى، فأراد الأمراء الغدر به فمنعهم و خفره و قال: الوفاء خير من الغدر، و هذا البترك عندهم أعظم رتبة من ملك الفرنج [ (3)].

و كان ببيت المقدس أيضا من الكبار صاحب الرملة ياليان ابن ياوران، و هو دون ملك الفرنج في الرّتبة بقليل، و خلق كثير من كبار فرسانهم.

و كان الموت أهون عليهم من أخذ المسلمين القدس من أيديهم إذ هو

____________

[ (1)] النوادر السلطانية 80، الفتح القسي 99- 108، الكامل في التاريخ 11/ 541- 543، تاريخ الزمان 209، تاريخ مختصر الدول 220، زبدة الحلب 3/ 97، مرآة الزمان 8/ 396، المختصر في أخبار البشر 3/ 72، دول الإسلام 2/ 94، العبر 4/ 248، تاريخ ابن الوردي 2/ 96، مرآة الجنان 3/ 424، البداية و النهاية 12/ 322، مشارع الأشواق 2/ 936، 936، و فيه «بيت جبرين»، السلوك ج 1 ق 1/ 94، 95، شفاء القلوب 122- 124، تاريخ ابن سباط 1/ 178.

[ (2)] في مشارع الأشواق 2/ 937 «ليس معهم».

[ (3)] مشارع الأشواق 2/ 937.

25

بيت عبادتهم الأعظم، و محلّ تجسّد النّاسوت فيما زعموا باللّاهوت- تعالى اللَّه و تقدّس عمّا يقولون علوّا كبيرا- و به قمامة الّتي تدعى القيامة محلّ ضلالتهم و قبلة جهالتهم، زعموا أنّ المسيح دفن بعد الصّلب بها ثلاثة أيّام، ثمّ قام من القبر، و صعد إلى السّماء، فبالغوا في تحصينه بكلّ طريق. فنازله السّلطان، و ما وجد عليه موضعا أقرب من جهة الشّمال فنزل عليه، و اشتدّ الحرب، و بقيت الفرسان تخرج من المدينة و تحمل و تقاتل أشدّ القتال و أقواه، ثمّ إنّ المسلمين حملوا عليهم يوما حتّى أدخلوهم القدس، و لصقوا بالخندق، ثمّ جدوا في النّقوب، و تتابع الرمي بالمجانيق من الفريقين، و وقع الجدّ، و اجتمعت الفرنج، و اتّفقوا على طلب الأمان، فامتنع السّلطان- أيّده اللَّه- من إجابتهم فقال: لا أفعل فيه إلّا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه من نحو تسعين سنة. فرجعت رسلهم خائبين. فخرج صاحب الرملة ياليان بنفسه فطلب الأمان فلم يعط، فاستعطف السّلطان فامتنع، فلمّا أيس قال: نحن خلق كثير و إنّما يفترّون عن القتال رجاء الأمان و رغبة في الحياة، و إذا رأينا أنّ الموت لا بدّ منه لنقتلنّ أبناءنا و نساءنا، و تحرّق أموالنا، و لا ندع لكم شيئا، فإذا فرغنا أخربنا الصّخرة و الأقصى، و قتلنا الأسرى، و هم خمسة آلاف مسلم، و قتلنا الدّوابّ، ثمّ خرجنا إليكم و قاتلنا قتال الموت، فلا يقتل منّا رجل حتّى يقتل رجلا و نموت أعزّاء.

فاستشار حينئذ السّلطان أمراءه فقالوا: المصلحة الأمان. و قالوا:

نحسب أنهم أسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم. فأمّنهم بشرط أن يزن كلّ رجل عشرة دنانير، و كلّ امرأة خمسة دنانير، و الطّفل دينارين.

ثمّ رفعت أعلام الإسلام على السّور، و رتّب السّلطان أمناءه على أبواب القدس ليأخذوا المال ممّن يخرج، و كان بها ستّون ألفا سوى النّساء و الولدان. و وزن ياليان من عنده عن ثمانية عشر ألف رجل. ثمّ بعد ذلك أسر منها عشرة آلاف نفس فقراء لم يقدروا على شراء أنفسهم.

ثمّ إنّ جماعة من الأمراء ادّعوا أنّ لهم في القدس رعيّة، فكان يطلقهم.

26

كمظفّر الدّين ابن صاحب إربل ادّعى أنّ جماعة من أهل الرّها بالقدس و عدّتهم ألف نفس. و كذلك صاحب البيرة ادّعى أنّ فيها خمسمائة نفس من أهل البيرة.

[تطهير قبة الصخرة و المسجد الأقصى‏]

و كان على رأس قبّة الصّخرة صليب كبير مذهّب، فطلع المسلمون و رموه، و ضجّ الخلق ضجّة عظيمة إلى الغاية.

و كان المسجد الأقصى مشغولا بالخنازير و الخبث و الأبنية، بنت الدّاوية في غربيّه مساكن و فيها المراحيض، و سدّوا المحراب، فبادر المسلمون إلى تنظيفه و تطهيره، و بسطوا فيه البسط الفاخرة، و علّقت القناديل، و خطب به النّاس يوم الجمعة، و هو رابع شعبان [ (1)]، القاضي محيي الدين بن الزّكيّ.

و تسامع النّاس، و تسارعوا من كلّ فجّ و قرب و بعد للزّيارة، و ازدحموا يوم هذه الجمعة حتّى فاتوا الإحصاء.

و حضر السّلطان فصلّى بقبّة الصّخرة، و فرح إذ جعله اللَّه تعالى في هذا الفتح ثانيا لعمر رضي اللَّه عنه، فاستفتح القاضي خطبته بقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ [ (2)]، ثمّ أوّل الأنعام، و آخر سبحان، و أوّل الكهف، و حمدلة النّمل، و أوّل سبإ، و فاطر، ثمّ قال: الحمد للَّه معزّ الإسلام [ (3)] ينصره .. إلى آخرها. ثمّ خطب ثلاث جمع بعدها من إنشائه [ (4)].

____________

[ (1)] مشارع الأشواق 2/ 937.

[ (2)] سورة الأنعام، الآية 45.

[ (3)] كتب فوقها في الأصل: «الدين».

[ (4)] انظر عن فتح بيت المقدس في: الفتح القسي 112- 115، و النوادر السلطانية 81، 82، و الكامل في التاريخ 11/ 546- 553، و مفرّج الكروب 2/ 213- 217، و زبدة الحلب 3/ 98- 100، و تاريخ الزمان 210- 212، و تاريخ مختصر الدول 220، 221، و الأعلاق الخطيرة 2/ 204- 220، و المغرب في حلى المغرب 154. و مرآة الزمان 8/ 397- 400، و نهاية الأرب 28/ 403- 405، و المختصر في أخبار البشر 3/ 72، 73، و الدرّ المطلوب 84- 93، و العبر 4/ 248، و دول الإسلام 2/ 94، 95، و تاريخ‏

27

[عمل منبر الأقصى‏]

و قد كان الملك نور الدّين أنشأ منبرا برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعا في أن يفتتحه، و لم تزل نفسه تحدّثه بفتحه، و كان بحلب نجّار فائق الصّنعة، فعمل لنور الدّين هذا المنبر على أحسن نعت و أجمله و أبدعه، فاحترق جامع حلب، فنصب فيه لمّا جدّد المنبر المذكور، ثمّ عمل النّجّار المذكور و يعرف بالأخترينيّ، نسبة إلى قرية أخترين، محرابا من نسبة ذلك المنبر، فلمّا افتتح السّلطان بيت المقدس أمر بنقل المنبر إلى جانب محراب الأقصى، فللّه الحمد على هذه النّعم الّتي لا تحصى [ (1)].

و قد كانت الفرنج بنوا على الصّخرة كنيسة، و غيّروا أوضاعها و صوّروها، و نصبوا مذبحا، و عملوا على موضع القدم قبّة لطيفة مذهّبة بأعمدة رخام، فخرّبت تلك الأبنية عن الصّخرة و أبرزت. و كانت الفرنج قد قطعوا منها قطعا، و حملوها إلى القسطنطينية و إلى صقلّيّة، حتّى قيل كانوا يبيعونها بوزنها ذهبا.

و حضر الملك المظفّر تقيّ الدّين فحمل إليها أحمالا من ماء الورد فغسّلها بها، و كنس ساحاتها بيده، و غسّل جدرانها، ثمّ بخّرها بالطّيب [ (2)].

و حضر الملك الأفضل ابن السّلطان ففرش فيها بسطا نفيسة و رتّب الأئمّة، و المؤذّنين، و القوّام. ثمّ عيّن السّلطان كنيسة صندجية و صيّرها مدرسة للشّافعيّة و وقف عليها وقوفا جليلة. و قرّر دار البترك الأعظم رباطا للفقراء، و محا آثار النّصرانيّة، و أمر بإغلاق كنيسة قمامة، و منع النّصارى من زيارتها.

ثمّ تقرّر بعد على من زارها ضريبة تؤخذ منه.

____________

[ ()] ابن الوردي 2/ 97، 98، و مرآة الجنان 3/ 424، و البداية و النهاية 12/ 323- 327، و الإعلام و التبيين 33، 34، و تاريخ ابن خلدون 5/ 309- 311، و السلوك ج 1 ق 1/ 96، 97، و شفاء القلوب 128- 151، و تاريخ ابن سباط 1/ 180، 181.

[ (1)] نهاية الأرب 28/ 45.

[ (2)] مشارع الأشواق 2/ 937.

28

و لمّا افتتح عمر بيت المقدس أقرّ هذه الكنيسة و لم يهدمها، و لهذا أبقاها السّلطان.

و للنّسّابة محمد بن سعد الجوانيّ نقيب الأشراف بمصر:

أ ترى مناما ما بعيني أبصر* * * القدس يفتح و النّصارى تكسر؟

و قمامة قمت من الرجس الّذي‏* * * بزواله و زوالها يتطهّر

و مليكهم في القيد مصفود و لم‏* * * ير قبل هذا لهم ملكا يؤسر

قد جاء نصر اللَّه و الفتح الّذي‏* * * وعد الرسول فسبّحوا و استغفروا

يا يوسف الصّدّيق أنت بفتحها* * * فاروقها عمر الإمام الأطهر

[رواية سبط ابن الجوزي‏]

قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [ (1)]: و لمّا افتتح السّلطان عكّا راح إلى تبنين فتسلّمها بالأمان، و تسلّم صيدا، و بيروت، و جبيل، و غزّة [ (2)]، و الدّاروم، و الرملة، و بيت جبريل [ (3)]، و بلد الخليل، (و نازل عسقلان فقتل عليها حسام الدّين ابن المهرانيّ ثمّ تسلّمها) [ (4)]، فكان مدّة استيلاء الفرنج عليها خمسا و ثلاثين سنة.

إلى أن قال: ملك السلطان هذه الأماكن في أربعين يوما أولها ثامن عشرين جمادى الأولى، ثم نازل القدس.

إلى أن قال: و خلّص من الأسر بعكا أربعة آلاف، و من القدس ثلاثة آلاف فلله الحمد.

____________

[ (1)] في مرآة الزمان 8/ 396، 397.

[ (2)] في مرآة الزمان 8/ 396 «و غيرها» بدل «و غزّة» و هو وهم.

[ (3)] في مرآة الزمان 8/ 396 «بيت جبرين» بالنون: و المثبت هو الصحيح. قارن بمفرّج الكروب 2/ 210، و نهاية الأرب 28/ 402.

[ (4)] ما بين القوسين ليس في مرآة الزمان.

29

[فتح عسقلان‏]

و قال ابن الأثير [ (1)]: سار السّلطان عن بيروت نحو عسقلان، و اجتمع بأخيه العادل سيف الدّين، و نازلوها في سادس جمادى الآخرة، و زحفوا عليها مرّة بعد أخرى، و أخذت بالأمان في سلخ الشّهر و سار أهلها إلى بيت المقدس.

و تسلّم البلد لثلاث بقين من رجب. و أنقذه اللَّه من النّصارى الأنجاس بعد إحدى و تسعين سنة.

[الصلاة في المسجد الأقصى‏]

فلمّا كان يوم الجمعة رابع شعبان أقيمت الجمعة بالمسجد الأقصى، و خطب للنّاس قاضي القضاة محيي الدّين بن الزّكيّ [ (2)] خطبة موثّقة بليغة.

و ابتدأ السّلطان في إصلاح المسجد الأقصى و الصّخرة، و محو آثار الفرنج و شعارهم. و تنافس الملوك معه في عمل المآثر الحسنة و الآثار الجميلة، فرزقنا اللَّه شكر هذه النّعم، و رحم اللَّه صلاح الدّين و أسكنه الجنّة.

[وقعة حطّين يصفها العماد]

و للعماد الكاتب يصف وقعة حطّين: «حتى إذا أسفر الصّباح خرج إلى (...) [ (3)] تحرق نيران الفصال أهل النّار، و رنّت القسيّ، و غنّت الأوتار، و اليوم ذاك، و الحرب شاك، و سقط عليهم فيض، و ماء الغيظ منهم غيض، و قد و قد الحرّ، و استشرى الشّرّ، و وقع الكرّ و الفرّ، و الجوّ محرق، و الجوى مقلق، و أصبح الجيش على تعبية، و النّصر على تلبية.

قال: و برّح بالفرنج العطش، و أبت عثرتها تنتعش، فرمى بعض المطّوّعة

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 11/ 545.

[ (2)] هو محمد بن علي بن محمد قاضي دمشق و الخطيب و الإمام. توفي سنة 598 ه. (وفيات الأعيان 4/ 229 رقم 594) و ستأتي ترجمته في الجزء التالي من هذا الكتاب إن شاء اللَّه.

[ (3)] في الأصل بياض.

30

المجاهدين النّار في الحشيش، فتأجّج عليهم استعارها، فرجا الفرنج فرجا، و طلب قلبهم المحرج مخرجا. و كلّما خرجوا جرحوا، و برّح بهم حرّ الحرب فما برحوا، فشوتهم نار السّهام و أشوتهم، و صمتت عليه قلوب القسيّ القاسية و أصمتهم.

و قال: و فتحوا في يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى، فجئنا إلى كنيستها العظمى، فأزحنا عنها البؤسى بالنّعمى، و حضر الأجلّ الفاضل فرتّب بها المنبر و القبلة».

و أوّل من خطب بها جمال الدّين عبد اللّطيف بن أبي النّجيب السّهرورديّ، و ولّاه السّلطان بها القضاء و الخطابة و الأوقاف.

و قال في حصار القدس: «أقامت المنجنيقات على حصانته حدّ الرجم، و واقعت ثنايا شرفاته بالهتم، و تطايرت الصّخور في نصرة الصّخرة المباركة، و حجرت على حكم السّور بسفه الأحجار المتداركة، و حسرت النّقوب عن عروس البلد نقب الأسوار، و انكشفت للعيون انكشاف الأسرار».

[حصار صور]

و في رمضان توجّه صلاح الدّين فنازل صور و نصب عليها المجانيق، و كان قد اجتمع بها خلق لا يحصون من الفرنج، فقاتلهم قتالا شديدا، و حاصرها إلى آخر السنة و ترحّل عنها.

و كان قد خرج أصطول صور في اللّيل فكبس أصطول المسلمين، و أسروا المقدّم و الرّئيس و خمس قطع، و قتلوا خلقا من المسلمين في أواخر شوّال. فعظم ذلك على السّلطان و تألّم، و هجم الشّتاء و الأمطار، فرحل في ثاني ذي القعدة، و أقام بمدينة عكّا شهرين في خواصّه [ (1)].

____________

[ (1)] انظر عن حصار صور في: الفتح القسي 153، و النوادر السلطانية 83، و الكامل في التاريخ 11/ 553- 555، و زبدة الحلب 3/ 100، و تاريخ الزمان 212، و تاريخ مختصر الدول 221، 222، و المغرب في حلى المغرب 155، و المختصر في أخبار البشر

31

سنة أربع و ثمانين و خمسمائة

[فتح بلاد الساحل الشمالية]

ترحّل السّلطان صلاح الدّين عن صور لأنّه تعذّر عليه فتحها لكثرة من فيها و قوّة شوكتهم. و نزل على حصن كوكب [ (1)] في وسط المحرّم، فوجده لا يرام، فرتّب عليه قايماز النّجميّ في خمسمائة فارس، ثمّ قدم دمشق و أقام بها مديدة. و رحل إلى بعلبكّ فرتّب أمورها، ثمّ اجتمع هو و الملك عماد الدّين زنكيّ بن مودود، و صاحب سنجار على بحيرة قدس، و كان قد جاء إلى السّلطان لأجل الغزاة، فجعله على ميمنته، و جعل مظفّر الدّين ابن صاحب إربل على الميسرة. ثمّ سار السّلطان فنزل بأرض حصن الأكراد في ربيع الآخر، و بثّ العساكر في تخريب ضياع الفرنج، و قطّع أشجارهم و نهبهم.

ثمّ رحل إلى أنطرطوس، فافتتحها عنوة، و سار إلى جبلة [ (2)] فتسلّمها

____________

[ ()] 3/ 73، و مفرّج الكروب 2/ 242- 244، و نهاية الأرب 28/ 405، 406، و دول الإسلام 2/ 95، و تاريخ ابن الوردي 2/ 98، و مرآة الزمان 8/ 400، و الإعلام و التبيين 38، 39، و البداية و النهاية 12/ 327، و تاريخ ابن خلدون 5/ 311، و السلوك/ 1 ق 1/ 97، و شفاء القلوب 151، و تاريخ ابن سباط 1/ 182.

[ (1)] انظر عن حصار حصن كوكب في: الفتح القسي 204، و النوادر السلطانية 84، و الكامل في التاريخ 12/ 5، 6، و زبدة الحلب 3/ 101، و المختصر في أخبار البشر 3/ 74، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و البداية و النهاية 12/ 329، و تاريخ ابن خلدون 5/ 311، و الإعلام و التبيين 39، و السلوك ج 1 ق 1/ 99، و شفاء القلوب 153، و تاريخ ابن سباط 1/ 183.

و كوكب: اسم قلعة على الجبل المطلّ على مدينة طبرية. (معجم البلدان 4/ 494).

[ (2)] انظر عن فتح جبلة في: الفتح القسي 233، 234، و النوادر السلطانية 87- 89، و الكامل في التاريخ 12/ 7، 8، و تاريخ الزمان 213، و زبدة الحلب 3/ 102، 103، و مفرّج الكروب 2/ 258، و الروضتين 2/ 127، و معجم البلدان 2/ 26، و المختصر في أخبار البشر 3/ 24، و الدرّ المطلوب 95، و المغرب في حلى المغرب 156، و دول الإسلام‏

32

عنوة في ساعتين- ثمّ تسلّم بكّاس و الشّغر [ (1)] و سلّمها إلى الأمير غرز الدّين قليج والد الأميرين سيف الدّين و عماد الدّين.

ثمّ سيّر ولده الملك الظّاهر إلى سرمانية فهدمها.

قال العماد الكاتب: فهذه ستّ مدن و قلاع فتحت في ستّ جمع تباع:

جبلة، و اللّاذقيّة، و صهيون، و الشّغر [ (2)]، و بكّاس [ (3)]، و سرمانية [ (4)].

[فتح برزية و دربساك و بغراس‏]

ثمّ نازل السّلطان حصن برزية [ (5)] في جمادى الآخرة، و ضربه بالمجانيق و أخذه بالأمان، و سلّمه إلى الأمير عزّ الدّين بن شمس الدّين بن المقدّم.

____________

[ ()] 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و البداية و النهاية 12/ 330، و تاريخ ابن خلدون 5/ 312، و السلوك ج 1 ق 1/ 100، و الإعلام و التبيين 39، و شفاء القلوب 154، و تاريخ ابن سباط 1/ 184، و مشارع الأشواق 2/ 937، 938 و فيه سقط اسم جبلة، و جاء في المطبوع: «و سار إلى ساعتين»!.

[ (1)] انظر عن فتح بكاس و الشغر في: النوادر السلطانية 91، و الفتح القسي 245- 247، و الكامل في التاريخ 13/ 12، 13، و زبدة الحلب 3/ 104، و تاريخ الزمان 213، و تاريخ مختصر الدول 222، و المغرب 157، و المختصر في أخبار البشر 3/ 74، و البداية و النهاية 12/ 330، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و تاريخ ابن خلدون 5/ 314، و السلوك ج 1 ق 1/ 100، و شفاء القلوب 156 و تاريخ ابن سباط 1/ 185.

[ (2)] الشّغر: قلعة حصينة مقابلها أخرى يقال لها بكاس على رأس جبلين، و هما قريب أنطاكية.

(معجم البلدان 3/ 352).

[ (3)] بكّاس: بالفتح. قلعة من نواحي حلب على شاطئ نهر العاصي. (معجم البلدان 1/ 474).

[ (4)] سرمانية: بليدة مشهورة من أعمال حلب، أهلها إسماعيلية. (معجم البلدان 3/ 215، تقويم البلدان 264، مراصد الاطلاع 2/ 710) و يقال: سرمينية.

[ (5)] برزية: برزوية، حصن قرب الساحل على سنّ جبل شاهق. بفتح أوله و سكون ثانيه، و فتح الزاي و الياء. (معجم البلدان 2/ 383). انظر عن فتح برزية في: النوادر السلطانية 92، و الفتح القسي 248- 254، و الكامل في التاريخ 12/ 14، و زبدة الحلب 3/ 105، و المغرب في حلى المغرب 158، و المختصر في أخبار البشر 3/ 75، و نهاية الأرب 28/ 408، و مفرّج الكروب 2/ 265- 267، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و البداية و النهاية 12/ 330 و فيه تحرّف الاسم إلى «بدرية»، و تاريخ ابن خلدون 5/ 314، 315، و شفاء القلوب 156، و تاريخ ابن سباط 1/ 186.

33

ثمّ رحل إلى دربساك [ (1)] فتسلّمها، ثمّ رحل إلى بغراس [ (2)] فتسلّمها.

[مهادنة صاحب أنطاكية]

ثمّ عزم على قصد أنطاكية، فرغب صاحبها البرنس في الهدنة، فهادنه السّلطان. ثم رحل. و ودّعه عماد الدّين زنكيّ، و عاد إلى سنجار [ (3)].

[دخول السلطان حلب و دمشق‏]

و أقام السّلطان بحلب أياما، ثمّ قدم حماه و ضيفه تقيّ الدّين عمر، فأعطاه الجبلة و اللّاذقية. و سار على طريق بعلبكّ في شعبان، و دخل دمشق و خرج منها في أوائل رمضان طالبا للغزاة [ (4)].

____________

[ (1)] دربساك: بفتح أوله و سكون ثانيه، و فتح الباء و السين و هي قلعة منيعة قريبة من أنطاكية.

و في الكامل: «درب سالك». انظر عن فتحها في: الفتح القسي 255، 256، و النوادر السلطانية 93، و الكامل في التاريخ 12/ 17، 18، و مفرّج الكروب 2/ 268، و الروضتين 2/ 132، و زبدة الحلب 3/ 106، و المختصر 3/ 75، و نهاية الأرب 28/ 409، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و الإعلام و التبيين 39 و فيه «دربّاك»، و المغرب 158، و البداية و النهاية 12/ 330، و صبح الأعشى 4/ 122، و تاريخ ابن خلدون 5/ 315، و النجوم الزاهرة 6/ 41، و شفاء القلوب 156، 157، و تاريخ ابن سباط 1/ 187.

[ (2)] بغراس: مدينة بينها و بين أنطاكية أربعة فراسخ. (معجم البلدان 1/ 467). انظر عن فتحها في: النوادر السلطانية 93، 94، و الفتح القسي 257- 259، و الكامل في التاريخ 12/ 18، 19، و زبدة الحلب 3/ 106، و المغرب 158، و مفرّج الكرب 2/ 268، 269، و نهاية الأرب 28/ 409، 410، و المختصر 3/ 75، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و الإعلام و التبيين 39، و البداية و النهاية 12/ 330، و تاريخ ابن خلدون 5/ 315، و تاريخ ابن سباط 1/ 187.

[ (3)] النوادر السلطانية 94، الفتح القسي 260، 261، الكامل في التاريخ 12/ 19، 20، تاريخ الزمان 214، تاريخ مختصر الدول 222، المغرب 158، نهاية الأرب 28/ 410، المختصر 3/ 75، الإعلام و التبيين 39، الدرّ المطلوب 95، مسالك الأبصار (مخطوط) ج 16/ ق 2/ 386، دول الإسلام 2/ 96، تاريخ ابن الوردي 2/ 99، البداية و النهاية 12/ 330، تاريخ ابن خلدون 5/ 316، السلوك ج 1 ق 1/ 100، شفاء القلوب 157، مشارع الأشواق 2/ 938، تاريخ ابن سباط 1/ 187، 7188 تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ (تأليفنا) 1/ 539، 540.

[ (4)] الفتح القسي 262، الكامل 12/ 20، المختصر 3/ 75، نهاية الأرب 28/ 410، ابن الوردي 2/ 99، الإعلام و التبيين 39، تاريخ ابن سباط 1/ 188.

34

[فتح تبنين و الشوبك‏]

و أمّا الملك العادل أخوه فكان نازلا على تبنين بعساكر مصر متحرّزا على البلاد من غائلة العدوّ. و كان صهره سعد الدّين كمشتية الأسديّ موكّلا بحصار الكرك، فضاقت الميرة عليهم، و يئسوا من نجدة تأتيهم، فتضرّعوا إلى الملك العادل، و تردّدت الرّسل بينهم، و هو يشدّد حتّى دخلوا تحت حكمه، و سلّموا الحصن إلى المسلمين في رمضان لفرط ما نالهم من الجوع و القحط. ثمّ تسلّم السّلطان الشّوبك بالأمان [ (1)].

[فتح صفد]

و سار السّلطان إلى صفد فنازلها، و وصل إليه أخوه العادل، و دام الحصار عليها إلى ثامن شوّال و أخذت بالأمان. و كان أهلها قد قاربت ذخائرهم و أقواتهم أن تنفد، فلهذا سلّموها. و لو اتكل أخذها و أخذ الكرك إلى فتحها بأسباب الحصار و النّقوب لطال الأمر جدّا [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن فتح الكرك و الشوبك في: الفتح القسي 266، 267، و الكامل في التاريخ 12/ 20، 21، و زبدة الحلب 3/ 107. و المختصر 3/ 75، و الدرّ المطلوب 95، و الإعلام و التبيين 39، و تاريخ ابن الوردي 2/ 99، و مفرّج الكروب 2/ 271، 272، و نهاية الأرب 28/ 410، 411، و تاريخ ابن خلدون 5/ 316، و السلوك ج 1 ق 1 ج/ 101، و تاريخ ابن سباط 1/ 188، و مرآة الزمان 8/ 405 (حوادث سنة 586 ه.).

[ (2)] انظر عن فتح صفد في: الفتح القسي 270- 275، و النوادر السلطانية 96، و الكامل في التاريخ 12/ 22، 23، و زبدة الحلب 3/ 108، و تاريخ الزمان 214، و المختصر 3/ 75، 76، و الإعلام و التبيين 39، و نهاية الأرب 28/ 411، و مفرّج الكروب 2/ 232، و المغرب 158، و الدر المطلوب 95، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 100، و البداية و النهاية 12/ 330، و تاريخ ابن خلدون 5/ 316، و السلوك ج 1 ق 1/ 101، و شفاء القلوب 158، و تاريخ ابن سباط 1/ 189.

35

[فتح حصن كوكب‏]

ثمّ سار إلى حصن كوكب و نازلها و حاصرها، و أخذها بالأمان في نصف ذي القعدة [ (1)].

[تعبيد السلطان في القدس‏]

ثمّ قصد بيت المقدس فدخلها في ثامن ذي الحجّة هو و أخوه فعيّد.

و سار إلى عسقلان فرتّب أمورها، و جهّز أخاه إلى مصر. ثم رحل صوب عكّا و وصلها في آخر السّنة [ (2)].

[رواية سبط ابن الجوزي‏]

قال صاحب «مرآة الزمان» [ (3)]: و وكّل صلاح الدّين بحصار كوكب قايماز النّجميّ، و وكّل بصفد طغريل، و بعث إلى الكرك و الشّوبك كوجبا؟ و هو صهر السّلطان. و سار في السّاحل ففتح أنطرسوس، و كان بها برجان عظيمان، فخرّبهما، و قتل من كان فيهما [ (4)].

و أمّا جبلة فأرسل قاضيها منصور بن نبيل يشير على السّلطان بقصدها، و أخذ أمانا لأهل جبلة. و كان إبرنس أنطاكية قد سلّمها إلى القاضي منصور

____________

[ (1)] انظر عن أخذ كوكب في: الفتح القسّي 270- 275، و النوادر السلطانية 96. و الكامل في التاريخ 12/ 22، 23، و مفرّج الكروب 2/ 272- 276، و تاريخ الزمان 214، و المغرب 159، و نهاية الأرب 28/ 411، 412، و زبدة الحلب 3/ 108، و المختصر 3/ 75، 76، و الدرّ المطلوب 95، و الإعلام و التبيين 39، و دول الإسلام 2/ 96، و تاريخ ابن الوردي 2/ 100، و البداية و النهاية 12/ 330، و تاريخ ابن خلدون 5/ 316، 31، و السلوك ج 1 ق 1/ 101، و شفاء القلوب 158، و تاريخ ابن سباط 1/ 189.

[ (2)] الفتح القسّي 275، 276، النوادر السلطانية 96، الكامل 12/ 23، مفرّج الكروب 2/ 276، المغرب 159، زبدة الحلب 3/ 108، المختصر 3/ 76، الإعلام و التبيين 39، 40، نهاية الأرب 28/ 412، دول الإسلام 2/ 96، تاريخ ابن الوردي 2/ 100، البداية و النهاية 12/ 331، تاريخ ابن خلدون 5/ 317، شفاء القلوب 158، تاريخ ابن سباط 1891.

[ (3)] لم أجد قوله في المطبوع من مرآة الزمان. و القائل هو «ابن الأثير» في: الكامل 12/ 5، 6.

[ (4)] الكامل 12/ 7.

36

و وثق به في حفظها، فنازلها صلاح الدّين و أخذها. و امتنع عليه الحصن يوما، و تسلّمه بالأمان [ (1)].

و سار إلى اللّاذقيّة، و هي بلد كبير على السّاحل، بها قلعتان على تلّ، و لها ميناء من أحسن المواضع، و هي من أطيب البلاد، فحصرها أيّاما، و افتتحها، و أخذ منها غنائم كثيرة [ (2)]، ثمّ نازل القلعتين، و غلّقت النّقوب، فصاحوا بالأمان، و ساروا إلى أنطاكية.

قال العماد: و لقد كثر تأسّفي على تلك العمارات كيف زالت، و على تلك الحالات كيف حالت.

[فتح صهيون‏]

و سار فنازل صهيون، و هي حصينة في طرف الجبل، ليس لها خندق محفور إلّا من ناحية واحدة، طوله ستّون ذراعا، نقر في حجر، و لها ثلاثة أسوار. و كان على قلّتها علم طويل عليه صليب. فلمّا شارفها المسلمون وقع الصّليب، فاستبشروا و نصبوا عليها المناجيق، و أخذوها بالأمان في ثلاثة أيّام [ (3)]، ثمّ سلّمها إلى الأمير ناصر الدّين منكورس [ (4)] بن الأمير خمارتكين، فسكنها و حصّنها. و كان من سادة الأمراء و عقلائهم. توفّي و هو مالك صهيون. و ولي بعده ولده مظفّر الدّين عثمان، ثمّ وليها بعده سيف الدّين محمد بن عثمان إلى بعد السّبعين و ستّمائة.

[فتح الحصون الشمالية]

و بثّ السّلطان عسكره و أولاده فأخذوا حصون تلك النّاحية مثل‏

____________

[ (1)] الكامل 12/ 7.

[ (2)] الكامل 12/ 9، مشارع الأشواق 2/ 938.

[ (3)] مشارع الأشواق 2/ 938.

[ (4)] في الكامل 12/ 11 «منكوبرس».

37

بلاطنس، و قلعة الجماهرين، و بكّاس، و الشّغر، و سرمانية [ (1)]، و دربساك [ (2)]، و بغراس، و برزية.

قال: و علوّ قلعة برزية خمسمائة و نيّف و سبعون ذراعا، لأنّها على سنّ جبل شاهق، و من جوانبها أودية [ (3)]، فسلّم دربساك إلى علم الدّين سليمان بن جندر، و هي قلعة قريبة من أنطاكية.

[مهادنة صاحب أنطاكية]

ثمّ سار يقصد أنطاكية، فراسله صاحبها و قدّم له. و كانت العساكر المشرقيّة قد ضجرت خصوصا عماد الدّين صاحب سنجار، فطال عليه المقام. فهادن السّلطان صاحب أنطاكية ثمانية أشهر على أن يطلق الأسارى.

و دخل إلى حلب فبات بها و عاد إلى دمشق. و أعطى تقي الدّين عمر صاحب حماه جبلة و اللّاذقية [ (4)].

[رواية ابن الأثير عن فتوحات الشمال‏]

و قال ابن الأثير [ (5)]: نزل صلاح الدّين تحت حصن الأكراد، و كنت معهم، فأتاه قاضي جبلة منصور بن نبيل، و كان مسموع القول عند بيمند صاحب أنطاكية و جبلة، و له الحرمة الوافرة، و يحكم على جميع المسلمين بجبلة و نواحيها، فحملته غيرة الدّين على قصد السّلطان، و تكفّل له بفتح جبلة و اللّاذقية و البلاد الشّماليّة، فسار صلاح الدّين معه فأخذ أنطرطوس، و سار إلى المرقب و هو من حصونهم الّتي لا ترام، و لا تحدّث أحد نفسه بملكه لعلوّه و امتناعه، و لا طريق إلى جبلة إلّا من تحته.

____________

[ (1)] في الكامل 12/ 13 «سرمينيّة»، و تحرّفت في مشارع الأشواق 2/ 938 إلى «شرمانية» بالشين المعجمة، و ضبط محقّق الكتاب الشين بالضمّ، و هو غلط.

[ (2)] تحرّفت إلى «درب شاك» في: مشارع الأشواق 2/ 938.

[ (3)] مشارع الأشواق 2/ 938.

[ (4)] الكامل 12/ 19، 20.

[ (5)] في الكامل 12/ 7.

38

ثمّ ساق عزّ الدّين ابن الأثير فتوحات الحصون المذكورة بعبارة طويلة واضحة، لأنّ عزّ الدّين حضر هذه الفتوحات الشّمالية. ثمّ ذكر بعدها فتح الكرك، و الشّوبك و ما جاور تلك النّاحية من الحصون الصّغار. ثم ذكر فتح صفد، و كوكب، إلى أن قال [ (1)]: فتسلّم حصن كوكب في نصف ذي القعدة، و أمّنهم و سيّرهم إلى صور، فاجتمع بها شياطين الفرنج و شجعانهم، و اشتدّت شوكتهم، و تابعوا الرّسل إلى جزائر البحر يستغيثون، و الأمداد كلّ قليل تأتيهم. و كان ذلك بتفريط صلاح الدّين في إطلاق كلّ من حضره، حتّى عضّ بنانه ندما و أسفا حيث لم ينفعه ذلك. و تمّ للمسلمين بفتح كوكب من حد أيلة إلى بيروت، لا يفصل بين ذلك غير مدينة صور.

[نيابة الوزارة]

أنبأني ابن البزوريّ قال: و في المحرّم خرج الوزير جلال الدّين بن يونس للقاء السّلطان طغرل بن رسلان شاه في العساكر الدّيوانيّة، و استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن البخاريّ.

[المصافّ بين طغرل و الوزير ابن يونس‏]

و في ربيع الأوّل كان المصافّ بين الوزير ابن يونس و طغرل، و حرّض الوزير أصحابه و كان فيما يقول: من هاب خاب، و من أقدم أصاب، و لكلّ أجل كتاب. فلمّا ظهر له تقاعس عساكره عن الإقدام، و زلّت بهم الأقدام، تأسّف على فوت المرام، و ثبت في نفر يسير كالأسير، و بيده سيف مشهور، و مصحف منشور، لا يقدم لهيبته أحد عليه، بل ينظرون إليه. و أقدم بعض خواصّ طغرل و جاء فأخذ بعنان دابّته، و قادها إلى خيمته، ثمّ أنزله و أجلسه، فجاء إليه السّلطان في خواصّه و وزيره، فلزم معهم قانون الوزارة، و لم يقم إليهم، فعجبوا من فعله، و كلّمهم بكلام خشن، فلم يزل السّلطان طغرل له مكرما، و لمنزلته محترما، إلى حين عوده [ (2)].

____________

[ (1)] في الكامل 12/ 23.

[ (2)] الكامل 12/ 24، 25، المختصر 3/ 76.

39

[رواية سبط ابن الجوزي عن ابن يونس‏]

و أمّا أبو المظفّر فقال في «المرآة» [ (1)]: أخذ ابن يونس و كان محلوق الرأس، فأحضر بين يدي السّلطان طغرل، فألبسه طرطورا أحمر فيه خلاخل، و جعل يضحك عليه، و لم يرجع إلى بغداد من العسكر إلّا القليل، تقطّعوا في الجبال، و ماتوا جوعا و عطشا، و عمل النّاس الأشعار فيها.

قال: ثمّ كتب الخليفة إلى بكتمر صاحب خلاط ليطلب ابن يونس من طغرل، و كان قزل أخو البهلوان قد حشد و جمع، و التقى طغرل على همذان، فانهزم طغرل [ (2)] إلى خلاط و معه ابن يونس، فأنكر عليه بكتمر ما فعله بالوزير و بعسكر الخليفة، فقال: هم بدءوني و بغوا عليّ.

فقال له: أطلق الوزير. فلم يمكنه مخالفته فأطلقه، فبعث إليه بكتمر الخيل و المماليك، فردّ الجميع، و أخذ بغلين ببردعتين، و ركب هو بغلا و غلامه آخر، و سار في زيّ صوفيّ، و قدم الموصل، فانحدر في سفينة متنكّرا.

[العزل عن نيابة الوزارة]

و في ربيع الأوّل عزل قاضي القضاة أبو طالب عن نيابة الوزارة.

[وزارة بغداد]

و في شعبان ولّي الوزارة ببغداد شهاب الدّين أبو المعالي سعيد بن حديدة.

____________

[ (1)] القول غير موجود في المطبوع من: مرآة الزمان حيث سقطت حوادث 584 و 585 ه.

[ (2)] جاء في «آثار الأول في ترتيب الدول» للعبّاسي ص 104: «و لما حارب السلطان طغرل السلجوقي لقزل أرسلان في المرة الأولى لمخامرة عسكره عليه، انكسر و بقي السلطان أسيرا مع غلمانه راكبا على فرسه و الجتر على رأسه، و قد هربت عساكره، و تقدّمت جموعه، و نهبت أثقاله، فتقدّم قزل أرسلان و ترجّل عن فرسه و قبّل الأرض بين يديه، و قال له: يا خوند أنت السلطان و نحن عبيد و مماليك و خواجه تاشية نتخاصم مع بعضنا بعض، و نتقاتل و نصطلح، فارجع إلى همذان و نحن بين يديك، ففعل ذلك مدة. و هذا من جميل مقابلة النّعم بالشكر».

40

[قضاء القضاة]

و في رمضان عزل أبو طالب عليّ بن عليّ عن قضاء القضاة، و قلّده فخر الدّين أبو الحسن محمد بن جعفر العبّاسيّ.

[ضعف تدبير الوزارة]

و فيه وصل الوزير جلال الدّين في سفينة من الموصل، و صعد إلى داره مختفيا. و بلغ الخليفة فكتب إلى ابن حديدة يقول: اين هو ابن يونس؟ فقال:

يكون اليوم بتكريت. فقال له الخليفة: بهذه المعرفة تدبّر دولتي؟ ابن يونس في بيته.

و كان ابن حديدة بقوانين التّجارة أعرف منه بقوانين الوزارة.

[ولاية الأستاذ دارية]

و في شوّال عزل عن الأستاذ داريّة أبو طالب بن زيادة و ولّي عليّ بن بختيار.

[ظهور الباطنية بالقاهرة]

و فيها ثار بالقاهرة اثنا عشر من بقايا شيعة الباطنيّة باللّيل، و نادوا: يال عليّ يال عليّ. و صاحوا في الدّروب ليلبّي أحد دعوتهم، فما التفت إليهم أحد. فاختفوا [ (1)].

[استرجاع السلطان عسقلان‏]

و فيها وهب السّلطان أخاه العادل سيف الدّين الكرك، و استعاد منه عسقلان.

____________

[ (1)] الكامل 12/ 24، مفرّج الكروب 2/ 276، نهاية الأرب 28/ 412.

41

سنة خمس و ثمانين و خمسمائة

[اعتذار شحنة أصبهان‏]

في أوّلها قدم الخادم فرج شحنة أصبهان رسولا من السّلطان طغرل، فقدّم تحفا و هدايا، و مضمون الرسالة الاستغفار و الاعتذار، لاجئا إلى الدّيوان لتقال عثرته.

[الخطبة لوليّ العهد]

و في صفر أمر الخليفة بالدّعاء بالخطبة لوليّ عهده أبي نصر محمد، و نقش اسمه على الدّينار و الدّرهم، و أن يكتب بذلك إلى سائر البلاد [ (1)].

[ولاية ابن يونس المخزن‏]

و في صفر أيضا ولّي أبو المظفّر عبيد اللَّه بن يونس الّذي كان وزيرا و كسره طغرل صدرا بالمخزن المعمور.

[عزل ابن حديدة]

و فيه عزل الوزير ابن حديدة. و كانت ولايته أقلّ من شهر.

[وصول صليب الصلبوت إلى باب النوبيّ‏]

و في ربيع الأوّل وصل القاسم بن الشّهرزوريّ رسولا من السّلطان صلاح الدّين و صحبته صليب الصّلبوت الّتي تزعم النّصارى أنّ عيسى (عليه السلام) صلب عليه. فألقي بين يدي عتبة باب النّوبيّ، فبقي أيّاما [ (2)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 42، البداية و النهاية 12/ 332.

[ (2)] البداية و النهاية 12/ 332.

42

[محاصرة قلعة الحديثة]

و في جمادى توجّه مجير الدّين طاشتكين الحاجّ في جيش فنزل على قلعة الحديثة و حاصرها.

[تقليد نيابة الوزارة]

و في رجب قلّد مؤيّد الدّين محمد بن القصّاب نيابة الوزارة.

[مقتل زعيم قلعة تكريت‏]

و في شوّال قتل زعيم قلعة تكريت، و تسلّمها نواب الخليفة [ (1)].

[عزل صدر المخزن‏]

و في ذي القعدة عزل صدر المخزن أبو المظفّر عبيد اللَّه بن يونس.

[وصول شباب من الفرنج‏]

و فيها وصل جماعة من الفرنج شباب ملاح مرد في القيود من جهة صلاح الدّين إلى الدّيوان العزيز، فقال فيهم قوام الدّين يحيى بن زيادة:

أبدى بدورا على غصون‏* * * أسرى يقادون في القيود

قد نظموا في الحبال حسرى‏* * * نظم الجمانات في العقود

إن سكنوا هؤلاء نارا* * * فهي إذا جنّة الخلود

[تسليم أرناط حصن الشقيف و غدره‏]

و فيها سار السّلطان صلاح الدّين من عكّا إلى دمشق فدخلها في صفر، ثم توجّه إلى شقيف أرنون [ (2)] فأقام بمرج برغوث [ (3)] أيّاما، ثمّ أتى مرج‏

____________

[ (1)] الكامل 12/ 42.

[ (2)] في الأصل: «أزبون»، و في الكامل 9/ 199 طبعة المنيرية «أرنوم»، و كذا في نهاية الأرب 28/ 413، و المثبت هو الصحيح، قلعة حصينة بين بانياس و الساحل. (معجم البلدان) و هي حاليا في جنوب لبنان.

[ (3)] مرج برغوث بالقرب من صيدا.

43

عيون [ (1)]، فنزل أرناط [ (2)] صاحب الشّقيف وحيدا إلى خدمة السّلطان فخلع عليه و احترمه، و كان من أكبر الفرنج و كان يعرف العربيّة، و له معرفة بالتّواريخ، فسلّم الحصن من غير تعب و قال: لا أقدر أساكن الفرنج، و التمس المقام بدمشق، ثمّ بدا منه غدر فقبض عليه و حبسه بدمشق، و وكّل بالحصن من يحاصره [ (3)].

[مقتل الفرنج عند صيدا و عكا]

ثمّ بلغ إلى السّلطان أنّ الفرنج قد جمعوا و حشدوا و جيّشوا من مدينة صور، و ساروا لحصار صيدا و عكّا ليستردّوها، فسار إليهم فالتقاهم، فظهر الفرنج و قتل في سبيل اللَّه طائفة. ثمّ كرّ المسلمون عليهم فردّوهم حتّى ازدحموا على جسر هناك، فغرق مائتا نفس [ (4)].

[القتال على عكا]

ثمّ سار السّلطان إلى تبنين فرتّب أمورها، و سار إلى عكّا فأشرف عليها، و قرّر بها أميرين: سيف الدّين عليّ المشطوب الكرديّ، و بهاء الدّين قراقوش الخادم الأبيض، و عاد فلم يلبث أن نازلت الفرنج عكّا، و جاءت من البرّ و البحر، فسار السّلطان حتّى نزل قبالتهم و حاربهم مرّات عديدة، و طال القتال عليهم، و اشتدّ البلاء، و قتل خلق من الفرنج و المسلمين إلى أن دخلت السّنة الآتية و الأمر كذلك [ (5)].

____________

[ (1)] مرج عيون: مرجعيون، في الشمال الشرقي من الشقيف.

[ (2)] أرناط هو: رينالد، و يعرف بريجنالد صاحب صيدا.

[ (3)] الفتح القسّي 285- 292، النوادر السلطانية 97- 103، مفرّج الكروب 2/ 282- 290، الكامل في التاريخ 12/ 27- 30، زبدة الحلب 3/ 108- 110، تاريخ الزمان 214، المختصر 3/ 76، نهاية الأرب 28/ 413، 414، تاريخ ابن الوردي 2/ 100، تاريخ ابن خلدون 5/ 317، السلوك ج 1 ق 1/ 102، شفاء القلوب 159، 160، تاريخ ابن سباط 1/ 190، 191.

[ (4)] المصادر السابقة.

[ (5)] ستأتي مصادر موقعة عكا بعد قليل.

44

[نيابة دمشق‏]

و فيها ولّي نيابة دمشق الأمير بدر الدّين مودود أخو الملك العادل لأمّه.

[رواية ابن الأثير عن تحشّدات الفرنج‏]

و قال ابن الأثير [ (1)]: اجتمع بصور عالم لا يعدّ و لا يحصى، و من الأموال ما لا يفنى. ثمّ إنّ الرّهبان و القسوس و جماعة من المشهورين لبسوا السّواد، و أظهروا الحزن على بيت المقدس، فأخذهم بترك القدس، و دخل بهم بلاد الفرنج يطوف بهم و يستنفرون الفرنج، و صوّروا صورة المسيح و صورة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يضرب المسيح و قد جرحه، فعظم ذلك على الفرنج، و حشدوا و جمعوا حتّى تهيّأ لهم من الرجال و الأموال ما لا يتطرّق إليه الإحصاء، فحدّثني رجل من حصن الأكراد من أجناد أصحابه الّذين سلّموه إلى الفرنج قديما، و كان قد تاب و ندم على ما كان منه في الغارة مع الفرنج على الإسلام.

قال [ (2)]: دخل عليّ [ (3)] جماعة من الفرنج من أهل حصن الأكراد إلى البلاد البحريّة في أربعة شواني يستنجدون. قال: و انتهى بنا الطّواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها و قد ملأنا الشّواني نقرة.

قال ابن الأثير [ (4)]: فخرجوا على الصّعب و الذّلول برّا و بحرا من كلّ فجّ عميق، و لو لا أنّ اللَّه لطف بالمسلمين و أهلك ملك الألمان لمّا خرج إلى الشّام، و إلّا كان يقال إنّ الشّام و مصر كانتا للمسلمين.

قال [ (5)]: و نازلوا عكّا في منتصف رجب، و لم يبق للمسلمين إليها

____________

[ (1)] في الكامل 12/ 32.

[ (2)] في الكامل 12/ 33.

[ (3)] في الكامل 12/ 33 «دخل مع».

[ (4)] في الكامل 12/ 33، و عنه ينقل ابن النحاس في: مشارع الأشواق 2/ 939.

[ (5)] في الكامل 12/ 34.

45

طريق، فنزل صلاح الدّين على تلّ كيسان، و سيّر الكتب إلى ملوك الأطراف يطلب العساكر، فأتاه عسكر الموصل و ديار بكر و الجزيرة، و أتاه تقيّ الدّين ابن أخيه [ (1)].

قال ابن الأثير [ (2)]: فكان بين الفريقين حروب كثيرة، فقاتلهم صلاح الدّين في أوّل شعبان، فلم ينل منهم غرضا، و بات النّاس على تعبئة، و باكروا القتال من الغد، و صبر الفريقان صبرا حار له من رآه إلى الظّهر، فحمل عليهم تقيّ الدّين حملة منكرة من الميمنة على من يليه فأزاحهم عن مواقفهم، و التجئوا إلى من يليهم، و ملك تقيّ الدّين مكانهم و التصق بعكّا. و دخل المسلمون البلد، و خرجوا منه، و زال الحصر. و أدخل إليهم صلاح الدّين ما أراد من الرجال و الذّخائر [ (3)]، و لو أنّ المسلمين لزموا القتال إلى اللّيل لبلغوا ما أرادوا. و أدخل إليهم صلاح الدّين الأمير حسام الدّين السّمين.

[ذكر الوقعة الكبرى‏]

قال [ (4)]: و بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كلّ يوم يغادون القتال و يراوحونه، و الفرنج لا يظهرون من معسكرهم و لا يفارقونه حتّى تجمّعوا للمشورة، فقالوا: عساكر مصر لم تحضر، و الحال مع صلاح الدّين هكذا. و الرأي أنّنا نلقى المسلمين غدا لعلّنا نظفر بهم. و كان كثير [ (5)] من عساكر السّلطان غائبا، بعضها في مقابل أنطاكية خوفا من صاحب أنطاكية، و بعضها في حمص مقابل طرابلس، و عسكر في مقابل صور، و عسكر مصر بالإسكندريّة و دمياط، و أصبح صلاح الدّين و عسكره على غير أهبة، فخرجت الفرنج من الغد كأنّهم الجراد المنتشر، قد ملئوا الطّول و العرض، و طلبوا ميمنة الإسلام و عليها تقيّ الدّين عمر، فردفه السّلطان برجال، فعطفت الفرنج‏

____________

[ (1)] مشارع الأشواق 2/ 940.

[ (2)] في الكامل 12/ 34، 35.

[ (3)] مشارع الأشواق 2/ 940.

[ (4)] ابن الأثير في الكامل 12/ 36.

[ (5)] في الأصل «كثيرا».

46

نحو القلب، و حملوا حملة رجل واحد، فانهزم المسلمون، و ثبت بعضهم، فاستشهد جماعة، منهم الأمير مجلس، و الظّهير أخو الفقيه عيسى الهكّاريّ، و كان متولّي بيت المقدس، و الحاجب خليل الهكّاريّ. ثمّ ساقوا إلى التّلّ الّذي عليه خيمة صلاح الدّين فقتلوا و نهبوا، و قتلوا شيخنا جمال الدّين بن رواحة، و انحدروا إلى الجانب الآخر من التّلّ، فوضعوا السّيف فيمن لقوة، ثمّ رجعوا خوفا أن ينقطعوا عن أصحابهم، فحملت ميسرة المسلمين عليهم فقاتلوهم، و تراجع كثير من القلب، فحمل بهم السّلطان في أقفية الفرنج و هم مشغولون بالميسرة، فأخذتهم سيوف اللَّه من كلّ جانب، فلم يفلت منهم أحد، بل قتل أكثرهم، و أسر الباقون، فيهم مقدّم الدّاوية الّذي كان السّلطان قد أسره و أطلقه، فقتله الآن. و كانت عدّة القتلى عشرة آلاف، فأمر بهم فألقوا في النّهر الّذي يشرب منه الفرنج. و كان أكثرهم من فرسان الفرنج [ (1)].

قال القاضي ابن شدّاد [ (2)]: لقد رأيتهم يلقون في النّهر فحزرتهم بدون سبعة آلاف.

قال غيره: و قتل من المسلمين نحو مائة و خمسين نفرا، و كان من جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كنّ يقاتلن على الخيل [ (3)].

و أمّا المنهزمون فبلغ بعضهم إلى دمشق، و منهم من رجع من طبريّة [ (4)].

قال العماد الكاتب [ (5)]: العجب أنّ الّذين ثبتوا نحو ألف [ (6)] ردّوا مائة ألف، و كان الواحد يقول: قتلت من الفرنج ثلاثين، قتلت أربعين.

و جافت الأرض من نتن القتلى، و انحرفت الأمزجة و تمرّض صلاح‏

____________

[ (1)] الكامل 12/ 36- 39، مشارع الأشواق 2/ 940.

[ (2)] في النوادر السلطانية.

[ (3)] في الكامل 12/ 39.

[ (4)] في الكامل 12/ 39.

[ (5)] في الفتح القسّي.

[ (6)] في مشارع الأشواق 2/ 940 «أن الذين ثبتوا من المسلمين ردّوا».

47

الدّين، و حصل له قولنج كان يعتاده. فأشار الأمراء عليه بالانتقال من المنزلة، و ترك مضايقة الفرنج، و أن يبعد عنهم، فإن رحلوا فقد كفينا شرّهم، و إن أقاموا عدنا، و أيضا فلو وقع إرجاف، يعني بوفاتك، لهلك النّاس، فرحل إلى الخرّوبة [ (1)] في رابع عشر رمضان.

[محاصرة الفرنج عكا]

و أخذت الفرنج في محاصرة عكّا، و عملوا عليها الخندق، و عملوا سورا من تراب الخندق و جاءوا بما لم يكن في الحساب.

و اشتغل صلاح الدّين بمرضه، و تمكّن الفرنج و عملوا ما أرادوا. و كان من بعكّا يخرجون إليهم كلّ يوم و يقاتلونهم.

و في نصف شوّال و صل العادل بالمصريّين، فقويت النّفوس، و أحضر معه من آلات الحصار شيئا كثيرا [ (2)]. و جمع صلاح الدّين من الرّجّالة خلائق، و عزم على الزّحف.

و جاءه الأصطول المصريّ عليه الأمير لؤلؤ، و كان شهما، شجاعا، خبيرا بالبحر، ميمون النّقيبة، فوقع على بطسة للفرنج فأخذها، و حوّل ما فيها إلى عكّا فسكنت نفوس أهلها و قوي جنانهم [ (3)].

قال [ (4)]: و دخل صفر من سنة ستّ و ثمانين، فسمع الفرنج أنّ صلاح الدّين قد سار يتصيّد، و رأوا اليزك الّذي عليهم قليلا [ (5)]، فخرجوا من خندقهم على اليزك العصر، فحمي القتال إلى اللّيل و قتل خلق من الفريقين، و عاد الفرنج إلى سورهم.

و جاءت السّلطان الأمداد، و ذهب الشّتاء فتقدّم من الخرّوبة نحو عكّا،

____________

[ (1)] الخرّوبة: حصن بسواحل بحر الشام مشرف على عكا. (معجم البلدان 2/ 362).

[ (2)] مشارع الأشواق 2/ 940.

[ (3)] الكامل 12/ 41.

[ (4)] في الكامل 12/ 44.

[ (5)] في الأصل: «قليل» و هو غلط نحوي.

48

فنزل بتلّ كيسان و قاتل الفرنج كلّ يوم و هم لا يسأمون [ (1)]. إلى أن قال [ (2)]:

و افترقوا فرقتين، فرقة تقابله، و فرقة تقاتل عكّا. و دام القتال ثمانية أيّام متتابعة [ (3)].

ثمّ ساق قصّة الأبراج الخشب الّتي يأتي خبرها، و قال: فكان يوما مشهودا لم ير النّاس مثله، و المسلمون ينظرون و يفرحون، و قد أسفرت وجوههم بنصر اللَّه [ (4)]. إلى أن قال:

[ذكر وصول ملك الألمان إلى الشّام‏]

و الألمان نوع من أكثر الفرنج عددا و أشدّهم بأسا. و كان قد أزعجه أخذ بيت المقدس، فجمع العساكر و سار، فلمّا وصل إلى القسطنطينيّة عجز ملكها عن منعهم من العبور في بلاده، فساروا و عبروا خليج قسطنطينية، و مرّوا بمملكة قلج أرسلان، فثار بهم التّركمان، فما زالوا يسايرونهم و يقتلون من انفرد و يسرقونهم. و كان الثّلج كثيرا فأهلكهم البرد و الجوع، و ماتت خيلهم لعدم العلف و البرد، و تمّ عليهم شي‏ء ما سمع بمثله. فلمّا قاربوا قونية خرج قطب الدّين ملك شاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فلم يقربهم، و كان قد حجر على والده، و تفرّق أولاده، و غلب كلّ واحد على ناحية من بلاده.

فنازلوا قونية و أرسلوا إلى قلج أرسلان هديّة و قالوا: ما قصدنا بلادك، إنّما قصدنا بيت المقدس. و طلبوا منه أن يأذن لرعيّته في إخراج سوق، و شبعوا و تزوّدوا. و طلبوا من صاحب الروم جماعة تخفرهم من لصوص التّركمان، فنفّذ معهم خمسة و عشرين أميرا، فما قدروا على منع الحراميّة لكثرتهم، فغضب ملك الألمان، و قبض على أولئك الأمراء، و قيّدهم و نهب متاعهم، ثمّ‏

____________

[ (1)] الكامل 12/ 44، 45.

[ (2)] في الكامل 12/ 45.

[ (3)] مشارع الأشواق 2/ 940، 941.

[ (4)] الكامل 12/ 46، 47.

49

منهم من خلّص، و منهم من مات في الأسر [ (1)].

[رواية ابن واصل‏]

و قال ابن واصل [ (2)]: جمع قطب الدّين صاحب قونية العساكر و التقاهم فكسروه كسرة عظيمة، و هجموا قونية بالسّيف، و قتلوا منها عالما عظيما.

و وصل إلى السّلطان مناصحة من ملك الأرمن صاحب قلعة الروم: «كتاب المخلص الدّاعي الكاغيكوس [ (3)]» أنّ ملك الألمان خرج من دياره، و دخل بلاد الهنكر، ثمّ أرض مقدّم الروم، فقهره و أخذ رهائنه و ولده و أخاه في جماعة، و أخذ منه أموالا عظيمة إلى الغاية.

و سار ملك الألمان حتّى أتى بلاد الأرمن، فأمدّهم صاحبها بالأقوات و خضع لهم، ثمّ ساروا نحو أنطاكية فنزل ملكهم يغتسل في نهر هناك، فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل، و كفى اللَّه شرّه [ (4)].

و قيل: بل غرق في مخاضة، أخذ فرسه التّيّار. و قيل: بل سبح فمرض أيّاما و مات [ (5)].

و سار في الملك بعده ولده، و سار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه، و أحبّ بعضهم العود إلى بلاده، و مال بعضهم إلى تملّك أخ له فرجعوا، فسار من ثبت معه فوصلوا إلى أنطاكية، فكانوا نيّفا و أربعين ألفا، فوقع فيهم الوباء و تبرّم بهم صاحب أنطاكية، و حسّن لهم المسير إلى الفرنج الّذين على عكّا، فساروا على جبلة و اللّاذقيّة، و تخطّف المسلمون منهم فبلغوا طرابلس، و أقاموا بها أيّاما، فكثر فيهم الموت، و لم يبق منهم إلّا نحو ألف رجل،

____________

[ (1)] الكامل 12/ 48، 49.

[ (2)] في مفرّج الكروب 2/ 320، و عنه نقل ابن الفرات في تاريخه.

[ (3)] هكذا في الأصل، و مثله في النوادر السلطانية 124، و في مفرّج الكروب «الكاغيلوس» باللام، و مثله في تاريخ ابن الفرات، مجلّد 4 ج 1/ 216.

[ (4)] الكامل 12/ 49، مشارع الأشواق 2/ 941.

[ (5)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 216.

50

و ركبوا في البحر إلى الفرنج الّذين على عكّا، فلمّا وصلوا و رأوا ما نالهم و ما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرق بهم المراكب، و لم ينج منهم أحد. و ردّ اللَّه كيدهم في نحرهم [ (1)].

قال ابن واصل [ (2)]: ورد كتاب الملك الظّاهر من حلب إلى والده يخبره أنّه قد صحّ أنّ ملك الألمان قد خرج من جهة القسطنطينيّة في عدّة عظيمة، قيل إنّهم مائتا ألف و ستّون ألفا تريد الإسلام و البلاد.

قلت: كان هلاك هذه الأمّة من الآيات العظيمة المشهورة. و كان الحامل لخروجهم من أقصى البحار أخذ بيت المقدس من أيديهم.

قال ابن واصل [ (3)]: وصل إلى السّلطان كتاب كاغيكوس الأرمنيّ صاحب قلعة الروم، و هو للأرمن كالخليفة عندنا.

نسخة الكتاب: «كتاب الدّاعي المخلص الكاغيكوس: فما أطالع به مولانا [ (4)] و مالكنا السّلطان الملك النّاصر، جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل و الإحسان، صلاح الدّين و الدّنيا [ (5)]، من أمر ملك الألمان، و ما جرى له، فإنّه خرج من دياره، و دخل بلاد الهنكر [ (6)] غصبا ثمّ دخل أرض مقدّم الروم، و فتح البلاد و نهبها، و أخذ رهائن ملكها، ولده و أخاه، و أربعين نفرا من جلسائه [ (7)]، و أخذ منه خمسين قنطارا ذهبا، و خمسين قنطارا فضّة، و ثياب أطلس [ (8)] مبلغا عظيما، و اغتصب المراكب، و عدّى بها إلى هذا الجانب، يعني في خليج قسطنطينيّة.

____________

[ (1)] الكامل 12/ 49، 50، تاريخ الزمان 218، تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ (تأليفنا) 1/ 541، مشارع الأشواق 2/ 941.

[ (2)] في مفرّج الكروب 2/ 317.

[ (3)] في مفرّج الكروب 2/ 320.

[ (4)] في تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 216 «مما أطالع به علوم مولانا».

[ (5)] في تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 217 «صلاح الدين و الدين».

[ (6)] الهنكر هم: الهنغاريّون، أو المجريّون.

[ (7)] في تاريخ ابن الفرات: «خلصائه».

[ (8)] في تاريخ ابن الفرات: «ثياب طلس».

51

قال: و دخل إلى حدود بلاد قلج أرسلان، و ردّ الرهائن، و بقي سائرا ثلاثة أيّام، و تركمان الأوج يلقونه بالأغنام و الأبقار و الخيل و البضائع، فتداخلهم الطّمع و تجمّعوا له من جميع البلاد، و وقع القتال بين التّركمان و بينهم، و ضايقوه ثلاثة و ثلاثين يوما و هو سائر. و لمّا قرب من قونية جمع ابن قلج أرسلان العساكر، فضرب معه المصافّ، فكسره ملك الألمان كسرة عظيمة، و سار حتّى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع عظيمة، فردّهم مكسورين، و هجم قونية بالسّيف، و قتل منهم عالما عظيما من المسلمين، و أقام بها خمسة أيّام، فطلب قلج أرسلان منه الأمان فآمنه، و أخذ منه رهائن عشرين من أكابر دولته، و أشار على الملك أن يمرّوا على طرطوس [ (1)] ففعل.

و قبل وصوله بعث إليّ رسولا، فأنفذ المملوك خاتما، و صحبته ما سأل، و جماعة إليه، فكثرت عليه العساكر و نزل على نهر فأكل خبزا و نام، ثمّ تاقت نفسه إلى الاستحمام ففعل، و تحرّك عليه مرض عظيم و مات بعد أيّام قلائل.

و أمّا لافون فسار لتلقّيه، فلمّا علم بهذا احتمى بحصن له. و أمّا ابن ملك الألمان فكان أبوه منذ خرج نصب ولده هذا عوضه، و تأصّرت [ (2)] قواعده، فلمّا بلغه هرب رسل لافون نفّذ يستعطفهم فأحضرهم و قال: إنّ أبي كان شيخا كبيرا، و إنّما قصد هذه الدّيار لأجل حجّ بيت المقدس و أنا الّذي دبّرت الملك، فمن أطاعني و إلّا قصدت بلاده. و استعطف لافون، و اقتضى الحال الاجتماع به ضرورة. و بالجملة قد عرض عسكره، فكانوا اثنين و أربعين ألف فارس، و أمّا الرّجّالة فلا يحصون، و هم أجناس متفاوتة، و هم على سياسة عظيمة، حتّى إنّ من جنى منهم جناية قتل. و لقد جنى كبير منهم على غلامه فجاوز الحدّ في ضربه، فاجتمعت القسوس للحكم فأمروا بذبحه، فشفع إلى الملك منهم خلق، فلم يلتفت إلى ذلك و ذبحه. و قد حرّموا الملاذّ

____________

[ (1)] هكذا في الأصل، و المراد: «طرسوس».

[ (2)] في تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 218 «تأكّدت».

52

على أنفسهم، و لم يلبسوا إلّا الحديد، و هم من الصّبر على الذّلّ و التّعب و الشّقاء على حال عظيم» [ (1)]. انتهى الكتاب.

فلمّا هلك ملكهم سار بهم ولده إلى أنطاكية، و عمّهم المرض، و صار معظمهم حملة عصيّ و ركّاب حمير. فتبرّم بهم صاحب أنطاكية، و حسّن لهم قصد حلب، فأبوا و طلبوا قلعته ليودعوا فيها الخزائن، فأخلاها لهم، ففاز بما وضعوه بها و جاءت فرقة من الألمانية إلى بغراس، و ظنّوا أنّها للنّصارى، ففتح و اليها الباب، و خرج أصحابه فتسلّموا صناديق أموال، و قتلوا كثيرا منهم. ثمّ خرج جند حلب و تلقطوهم. و كان الواحد يأسر جماعة، فهانوا في النّفوس بعد الهيبة و الرعب منهم، و بيعوا في الأسواق بأبخس ثمن [ (2)].

قال ابن شدّاد [ (3)]: مرض ابن ملك الألمان مرضا عظيما في بلاد ابن لاون [ (4)]، و أقام معه خمسة و عشرون فارسا و أربعون داويا، و نفّذ عسكره نحو أنطاكية، حتّى يقطعوا الطّريق، و رتّبهم ثلاث فرق لكثرتهم. فاجتازت فرقة تحت بغراس، فأخذ عسكر بغراس مع قلّته مائتي رجل منهم. و سار بعض عسكر البلاد فكشف أخبارهم، فوقعوا على فرقة منهم، فقتلوا و أسروا زهاء خمسمائة [ (5)].

و قال ابن شدّاد [ (6)]: حضرت من يخبر السّلطان عنهم و يقول: هم ضعفاء قليلو الخيل و العدّة، أكثر ثقلهم على حمير و خيل ضعيفة، و لم أر مع كثير منهم طارقة [ (7)] و لا رمحا، فسألتهم عن ذلك فقالوا: أقمنا بمرج و خم أيّاما، و قلّت أزوادنا و أحطابنا، فأوقدنا معظم عددنا، و ذبحنا الخيل و أكلناها.

____________

[ (1)] النوادر السلطانية 124، 125، مفرّج الكروب 2/ 320، 321، تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 216- 219.

[ (2)] المصادر نفسها.

[ (3)] في النوادر السلطانية 125.

[ (4)] هكذا في الأصل، و هو «ابن لافون» كما في المصادر.

[ (5)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 219، 220.

[ (6)] في النوادر السلطانية 127.

[ (7)] طارقة، جمعها طوارق، و هي نوع من الرماح الثقيلة.

53

و مات الكند [ (1)] الّذي على الفرقة الواحدة، و طمع ابن لاون [ (2)] حتّى عزم على أخذ مال الملك لضعفه و مرضه، و قلّة من أقام معه، فشاور السّلطان الأمراء، فوقع الاتّفاق على تسيير بعض العساكر إلى طريقهم. فكان أوّل من سار الملك المنصور محمد بن المظفّر، ثمّ عزّ الدّين ابن المقدّم صاحب بعرين و فامية، ثمّ الأمجد صاحب بعلبكّ، ثمّ سابق الدّين عثمان ابن الدّاية صاحب شيزر، ثمّ عسكر حماه. ثمّ سار الملك الظّاهر إلى حفظ حلب، فخفّت الميمنة، فانتقل إليها الملك العادل، و وقع في العسكر مرض كثير، و كذلك في العدوّ.

و تقدّم السّلطان يهدم سور طبريّة، و يافا، و أرسوف، و قيساريّة، و صيدا، و جبيل، و انتقل أهلها إلى بيروت [ (3)].

و في رجب سار ملك الألمانيّين من أنطاكية إلى اللّاذقيّة ثمّ إلى طرابلس، و كان قد سار إليه المركيس صاحب صور، فقوّى قلبه، و سلك به السّاحل، فكانت عدّة من معه لمّا وصل إلى طرابلس خمسة آلاف [ (4)] بعد ذلك الجيش العظيم. ثمّ إنّه نزل من البحر، و سار معظم أصحابه في السّاحل، فثارت عليه ريح، فأهلكت من أصحابه ثلاثة مراكب، فوصل إلى عكّا في جمع قليل في رمضان، فلم يظهر له وقع، ثمّ هلك على عكّا في ثاني عشر ذي الحجّة سنة ستّ و ثمانين، فسبحان من أبادهم و محقهم.

____________

[ (1)] تعريب للفظ: «الكونت» أي الأمير.

[ (2)] هكذا في الأصل، و هو «ابن لافون».

[ (3)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 220- 222.

[ (4)] قيل إنهم كانوا في طريقهم قبيل طرابلس 15 ألفا. (الفتح القسّي 424)، و قيل في موضع آخر منه إنهم كانوا 42 ألفا عند طرطوس، و عند ما و صلوا إلى طرابلس نقص نصفهم.

(393 و 396)، و قيل في نحو ألفي فارس. (زبدة الحلب 3/ 115) و قيل في نفر يسير.

(مرآة الزمان ج 8 ق 1/ 403، البداية و النهاية 12/ 341) و المثبت عن ابن الفرات‏

54

و يوم وصول ملك الألمان إلى عكّا ركبت الفرنج و أظهروا قوّة و أرجفوا، و حملوا على يزك المسلمين، فركب السّلطان، و وقع الحرب، و دام إلى اللّيل و كانت الدّائرة على الكفّار، و لم يزل السّيف يعمل فيهم حتّى دخلوا خيامهم. و لم يقتل يومئذ من المسلمين إلّا رجلان، لكن جرح جماعة [ (1)].

و لمّا مات طاغية الألمان حزنت عليه الفرنج، و أشعلوا نيرانا هائلة بحيث لم يبق خيمة إلّا أوقد فيها النّار. و مات لهم كند عظيم، و وقع الوباء فيهم و المرض، و مرض كندهري، و صار يموت في اليوم المائة و أكثر في معسكرهم. و استأمن منهم خلق عظيم، أخرجهم الجوع، و قالوا للسّلطان:

نحن نركب البحر في مراكب صغار، و نكسب من النّصارى، و يكون الكسب لنا و لك. فأعطاهم السّلطان مركبا فركبوا فيه، و تحفّزوا لمراكب التّجّار النّصارى، و أتوا بالغنائم إلى السّلطان فأعطاهم الجميع، فلمّا رأوا هذا أسلم جماعة منهم.

و استشهد في هذه السّنة سبعة أمراء على عكّا [ (2)].

[استشهاد الأمير جمال الدين بن ألدكز]

و التقى شواني المسلمين و شواني الفرنج في البحر، و أحرقت للفرنج شواني برجالها، و أحاطت مراكب العدوّ بشينيّ مقدّمه الأمير جمال الدّين محمد بن ألدكز [ (3)]، فترامى ملّاحو الشّيني إلى الميناء، فقاتل جمال الدّين، فعرضوا عليه الأمان فقال: ما أضع يدي إلّا في يد مقدّمكم الكبير. فجاء مقدّمهم إليه، فعانقه جمال الدّين و ماسكه و شحطه، فوقعا في البحر و غرقا معا [ (4)].

____________

[ (1)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 227.

[ (2)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 244 و منهم: الأمير سوار.

[ (3)] تصحّف في تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 244 إلى «ارلكلن».

[ (4)] تاريخ ابن الفرات 4/ 1/ 244.