تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج42

- شمس الدين الذهبي المزيد...
496 /
5

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

[الطبقة الستّون‏]

سنة إحدى و تسعين و خمسمائة

[استيلاء مؤيّد الدين على همذان‏]

أنبأنا ابن البزوريّ قال: في المحرّم وصل الخبر على جناح طائر باستيلاء الوزير مؤيّد الدّين محمد بن القصّاب على همذان، و ضربت الطّبول [ (1)].

[عناية الناصر بالحمام‏]

قلت: و اعتنى الناصر لدين اللَّه هذه المدّة بالحمام اعتناء عظيما.

[انتهاب الريّ‏]

قال: و ولّى مؤيّد الدّين كلّ بلد أميرا، و اجتمع بختلغ إنج [ (2)] فخلع عليه، و اتّفقا على الخوارزميّة و قتالهم، فقصد الوزير دامغان و قصد خلتغ إنج الريّ فدخلها و تحصّن بها، و خالف فيها الوزير فحصره، ففارقها ختلغ إنج، و دخلها الوزير و أنهبها عسكر بغداد. ثمّ ولّاها فلك الدّين سنقر النّاصريّ [ (3)].

[دخول خوارزم شاه همذان‏]

ثمّ سار فحارب ختلغ إنج، فانكسر ختلغ إنج و نجا بنفسه، و رجع الوزير فدخل همذان. فنفّذ خوارزم شاه يعتب على الوزير، و يتهدّده لما فعل‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 111، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 445.

[ (2)] في الكامل: «قتلغ إينانج».

[ (3)] البداية و النهاية 13/ 11.

6

في أطراف بلاده، فاستعدّ الوزير للملتقى، فتوفّي دون ذلك، و جيّش خوارزم شاه، و قصد همذان، و حارب العسكر فهزمهم، و نبش الوزير ليشيع الخبر أنّه قتل في المعركة. ثمّ عاد إلى خراسان [ (1)].

[تأمير كوكج على البهلوانية]

ثمّ إنّ المماليك البهلوانيّة أمّروا عليهم كوكج [ (2)]، و ملكوا الريّ، و أخرجوا فلك الدّين سنقر [ (3)].

[خروج العزيز لأخذ دمشق‏]

و فيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق، فبادر الملك الأفضل منها و ساق إلى عمّه العادل، و هو بقلعة جعبر، و طلب نجدته، ثمّ عطف إلى أخيه الظّاهر يستنجده. فساق العادل و سبق الأفضل إلى دمشق، و قام معهما كبار الأمراء، فردّ العزيز منهزما، و سار وراءه العادل و الأفضل فيمن معهما من الأسديّة و الأكراد، فلمّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل و قيامهم معه، خاف أن يملك مصر، و لا يسلّم إليه دمشق، فبعث في السّرّ إلى العزيز يأمره بالثّبات، و أن يجعل على بلبيس من يحفظها، و تكفّل بأنّه يمنع الأفضل، فجهّز العزيز النّاصريّة مع فخر الدّين جركس، فنزلوا ببلبيس، و جاء الأفضل و العادل فنازلوهم، فأراد الأفضل مناجزتهم و دخول مصر، فمنعه العادل من الأمرين و قال: هذه عساكر الإسلام، فإذا قتلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ، و البلاد بتحكّمك. و أخذ يراوغه.

و جاء القاضي الفاضل في الصّلح، و وقعت المطاولة، و استقرّ العادل بمصر عند العزيز، و رجع الأفضل.

____________

[ (1)] الكامل 12/ 111، 112.

[ (2)] يرد: «كوكج» و «كوكجه».

[ (3)] الكامل 12/ 117، 118.

7

هذا ملخّص ما قاله «ابن الأثير» [ (1)].

[تجديد الهدنة]

و في هذه المدّة جدّد العزيز الهدنة مع ملك الفرنج كندهري، و زاد في المدّة.

ثم لم يلبث كندهري أن سقط من مكان بعكّا فمات، و اختلفت أحوال الفرنج قليلا.

[سوء تدبير الوزير ضياء الدين‏]

قال ابن واصل [ (2)] و غيره: لمّا عزم العزيز على قصد الشّام ثانيا، أشار العقلاء على الملك الأفضل بملاطفة أخيه العزيز، و لو فعل لصلح حاله، و أرضى منه العزيز بإقامة السّكّة و الخطبة له بدمشق، لكن قبل ما أشار به وزيره الضّياء بن الأثير، من اعتصامه بعمّه العادل و الالتجاء إليه، و كان ذلك من فاسد الرأي، حتّى استولى عمه على الأمر، و غلب على السّلطنة.

[إقبال الأفضل على الزهد]

و لمّا رجع الأفضل من بلبيس أقبل أيضا على الزّهد و العبادة و فوّض الأمور إلى ابن الأثير، فاختلّت به غاية الاختلال [ (3)].

[قدوم ابن شملة بغداد]

و فيها قدم بغداد شمس الدّين عليّ بن سوسيان بن شملة، و معه نساء أبيه و جواريه، فتلقّى بالموكب الشّريف. و كان صبيّا بديع الجمال، تضرب بحسنة الأمثال [ (4)].

____________

[ (1)] في الكامل في التاريخ 12/ 118- 120، و انظر: مفرّج الكروب 3/ 50- 54، و زبدة الحلب 3/ 133- 135، و المختصر 3/ 91، و الدرّ المطلوب 127، و تاريخ ابن الوردي 2/ 111، و العسجد المسبوك 234، 235، و مرآة الجنان 3/ 473، و البداية و النهاية 13/ 11، و تاريخ ابن خلدون 5/ 331، 332، و تاريخ ابن سباط 1/ 217، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 103- 106.

[ (2)] في مفرّج الكروب 3/ 41.

[ (3)] مفرّج الكروب 3/ 55، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 130، البداية و النهاية 13/ 11.

[ (4)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 445.

8

و قال أبو شامة [ (1)]: فيها قدم العزيز إلى الشّام أيضا و نزل على الغوار، ثمّ رحل إلى مصر لمّا سمع بقدوم العساكر مع عمّه العادل و أخيه الأفضل، فتبعاه إلى مصر، و خرج القاضي الفاضل فأصلح الحال، فدخل العادل مصر مع العزيز و أقام عنده، و ردّ الملك الأفضل إلى دمشق.

[وقعة الزّلّاقة بالمغرب‏]

و فيها كانت بالمغرب وقعة الزّلّاقة، و كانت ملحمة عظيمة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، و بين الفنش [ (2)] ملك طليطلة لعنه اللَّه تعالى.

كان الفنش قد استولى على عامّة جزيرة الأندلس، و قهر ولاتها، و كان يعقوب ببرّ العدوة مشغولا عن نصرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه، و بين الأندلس و بين سبتة كان أدقّ ما يكون من عرض البحر، و عرضه ثلاثة فراسخ، و يسمى العدوة، و زقاق سبتة، و غير ذلك. و منه دخل المسلمون في المراكب لمّا افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبد الملك. و استصرى الفونش و استفحل أمره، و اتّسع ملكه، و كتب إلى يعقوب ينخّيه في الدّخول إليه، فأخذته حميّة الإسلام، و سار فنزل على زقاق سبتة، و جمع المراكب، و عرض جيوشه، فكانوا مائة ألف مرتزقة، و مائة ألف مطوّعة، و عدّوا كلّهم، و وصل إلى موضع يقال له «الزّلّاقة»، و جاءه الفنش في مائتي ألف و أربعين ألفا، فالتقوا، فنصر اللَّه دينه، و نجا الفونش في عدد يسير إلى طليطلة، و غنم المسلمون غنيمة لا تحصى.

قال أبو شامة [ (3)]: كان عدّة من قتل من الفرنج مائة ألف و ستّة و أربعين ألفا، و أسر ثلاثون ألفا، و أخذ من الخيام مائة ألف خيمة و خمسون ألفا، و من‏

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 7.

[ (2)] و هو ألفونس الثامن.

[ (3)] في ذيل الروضتين 7، 8.

9

الخيل ثمانون ألف رأس، و من البغال مائة ألف، و من الحمير أربعمائة ألف حمار، تحمل أثقالهم، لأنّهم لا جمال عندهم، و من الأموال و الجواهر و القماش ما لا يحصى.

قال: و بيع الأسير بدرهم، و السّيف بنصف، و الحصان بخمسة دراهم، و الحمار بدرهم. و قسّم يعقوب الملقّب بأمير المؤمنين الغنائم على مقتضى الشّريعة فاستغنوا للأبد.

و أمّا الفنش فوصل بلده على أسوأ حال، فحلق رأسه و نكّس صليبه، و آلى أن لا ينام على فراشه و لا يقرب النّساء، و لا يركب حتّى يأخذ بالثّأر.

و أقام يجمع من الجزائر و البلاد و يستعدّ.

قال: و قيل إنّما كانت هذه الوقعة في سنة تسعين، و هذا وهم، إنّما كانت في سنة إحدى و تسعين في تاسع شعبان [ (1)].

____________

[ (1)] انظر عن (وقعة الزلّاقة) في: الكامل في التاريخ 12/ 113- 116، و تاريخ مختصر الدول 224، و ذيل الروضتين 7، 8، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 446- 448، و 449، و المختصر 3/ 91، و الدرّ المطلوب 127، و دول الإسلام 2/ 102، 103، و مرآة الجنان 3/ 472، و البداية و النهاية 13/ 10، 11، و تاريخ ابن الوردي 2/ 111، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 127- 130، و النجوم الزاهرة 6/ 137، 138، و تاريخ ابن سباط 1/ 216، و شذرات الذهب 4/ 306.

10

سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة

[نيابة ابن البخاري بالوزارة]

فيها استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ البخاريّ [ (1)].

[ولاية طاشتكين خوزستان‏]

و فيها أفرج عن الأمير مجير الدّين طاشتكين الحاجّ، و ولّي مملكة بلاد خوزستان، و وسم بالملك، و أنعم عليه بكوسات [ (2)] و أعلام.

[دخول العزيز و عمّه دمشق‏]

و قال أبو شامة [ (3)]: و فيها قدم الملك العزيز ثالثا إلى الشّام و معه عمّه الملك العادل.

قلت: فحاصرا دمشق مدّة يسيرة، و وقعت المخامرة من عسكر دمشق ففتحوا الأبواب، و دخل العزيز و العادل في رجب.

قال ابن الأثير [ (4)]: كان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بعمّه، و قد بلغ من وثوقه أنّه أدخله بلده و هو غائب عنه. و قد كان أرسل إليه أخوه‏

____________

[ (1)] خلاصة الذهب المسبوك 283، مختصر التاريخ لابن الكازروني 250.

[ (2)] الكوسات: صنوجات من نحاس تشبه الترس الصغير قال القلقشندي: و الّذي يضرب بالصنوج النحاس بعضها على بعض الكوسيّ. (صبح الأعشى 4/ 9 و 13).

[ (3)] في ذيل الروضتين 9.

[ (4)] في الكامل 12/ 122، 123.

11

الظّاهر يقول: أخرج عمّنا من بيننا، فإنّه لا يجي‏ء علينا منه خير، و أنا أعرف به منك، و أنا زوج ابنته.

فردّ عليه الأفضل: أنت سيّئ الظّنّ، و أيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا؟

و لمّا تقرّر العادل بمصر استمال الملك العزيز، و قرّر معه أن يخرج إلى دمشق، و يملك دمشق و يسلّمها إليه، فسار معه و قصدوها، و استمالوا أميرا فسلّم إليهم باب شرقيّ، و فتحه و دخل منه العادل و وقف العزيز بالميدان [ (1)].

فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك، خرج إلى أخيه و دخل به البلد، و اجتمعا بالعادل و قد نزلا في دار أسد الدّين شيركوه، فبقيا أياما كذلك، ثمّ أرسلا إلى الأفضل ليتحوّل من القلعة، فخرج و سلّم القلعة إلى أخيه [ (2)].

قلت: رجع العزيز إلى مصر، و أقام العادل بدمشق، فتغلّب عليها، و أخرج أولاد أخيه صلاح الدّين عنها، و أنزل الأفضل في صرخد.

و قال أبو شامة [ (3)]: انفصل الحال على أن خرج الأفضل إلى صرخد، و تسلّم البلد الملك العزيز، و سلّمها إلى عمه، و أسقط ما فيها من المكوس، و بقيت بها الخطبة و السّكّة باسم الملك العزيز.

و قال في «الروضتين» [ (4)]: فيها نزل العزيز بقلعة دمشق، و دخل هو و أخوه الأفضل متصاحبين إلى الضّريح النّاصريّ، و صلّى الجمعة عند ضريح والده. و دخل دار الأمير سامة في جوار التّربة، و أمر القاضي محيي الدّين أن يبنيها مدرسة للتربة، فهي المدرسة العزيزيّة. و وقف عليها قرية محجّة.

____________

[ (1)] هو الميدان الأخضر، كما في الكامل 12/ 122.

[ (2)] الكامل 12/ 121- 123، مفرّج الكروب 3/ 62- 70، المختصر 3/ 92، الدرّ المطلوب 128، العسجد المسبوك 237، تاريخ ابن الوردي 2/ 111، دول الإسلام 2/ 103، مرآة الجنان 3/ 473، البداية و النهاية 13/ 12، تاريخ ابن خلدون 5/ 232، السلوك ج 1 ق 1/ 129، تاريخ ابن سباط 1/ 217، 218.

[ (3)] في الذيل على الروضتين 10.

[ (4)] ص 10.

12

قلت: ما أحسن قول ملك البلاغة القاضي الفاضل (رحمه اللَّه) و رضي عنه: أمّا هذا البيت فإنّ الآباء منه اتّفقوا فملكوا، و أنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا، إذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه، و إذا خرق ثوب فما يليه إلّا تمزيقه، و إذا كان اللَّه مع خصم فمن يطيقه؟

قال أبو شامة [ (1)]: و أخذت قلعة بصرى من الملك الظّافر خضر ابن صلاح الدّين، أخذها أخوه.

[هبوب ريح سوداء]

قال: و فيها بعد خروج النّاس من مكّة هبّت ريح سوداء عمت الدنيا، و وقع على الناس رمل أحمر، و وقع من الركن اليمانيّ قطعة، و تجرّد البيت مرارا [ (2)].

[طلب خوارزم شاه السلطنة ببغداد]

و من خبر خوارزم شاه أنّه كان قد قطع نهر جيحون في خمسين ألفا، ثمّ وصل همذان و شحن على البلاد إلى باب بغداد، و بعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة، و إعادة دار السّلطنة إلى ما كانت، و أن يجي‏ء إلى بغداد، و أن يكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السّلجوقيّة. فانزعج الخليفة و أهل بغداد، و غلت الأسعار.

[حصار طليطلة]

قال [ (3)]: و فيها كانت وقعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفنش. و كان الفنش قد حشد و جمع جمعا أكثر من الأوّل، و وقع المصاف، فكسره‏

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 10.

[ (2)] الكامل 12/ 123، ذيل الروضتين 10، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 448، 449، البداية و النهاية 13/ 12.

[ (3)] القائل أبو شامة في ذيل الروضتين 8.

13

يعقوب، و ساق خلفه إلى طليطلة و نازلها، و ضربها بالمنجنيق، و ضيّق عليها، و لم يبق إلّا أخذها، فخرج إليه والدة الفنش و بناته و حريمه، و بكين بين يديه، و سألنه إبقاء البلد عليهنّ، فرقّ لهنّ و منّ عليهنّ بالبلد. و لو فتح طليطلة لفتح إلى مدينة النّحاس.

و عاد إلى قرطبة و قسّم الغنائم، و صالح الفنش مدّة [ (1)].

و قيل: إنّ هذه الوقعة كانت في سنة إحدى و تسعين.

و فيها و في الّتي قبلها عاث ابن غانية الملثّم، و خلت له إفريقية، و كان بالبرّيّة مع العرب، فعاود إفريقية، و خرّبت عساكره البلاد. فلهذا صالح يعقوب الفرنج و رجع إلى المغرب لحرب الملثّم.

____________

[ (1)] الكامل 12/ 113- 116، ذيل الروضتين 7، 8، المختصر 3/ 91، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 449، الدرّ المطلوب 127، دول الإسلام 2/ 102، 103، تاريخ ابن الوردي 2/ 111، مرآة الجنان 3/ 472، تاريخ مختصر الدول 224، البداية و النهاية 13/ 10، 11، النجوم الزاهرة 6/ 137، 138، تاريخ ابن سباط 1/ 217، شذرات الذهب 4/ 306.

14

سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة

[إكرام أبي الهيجاء السمين ببغداد]

فيها وصل الأمير أبو الهيجا الكرديّ، المعروف بالسّمين. كان مفرط السّمن، و من أعيان أمراء الشّام. ترك خدمة الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين و قدم بغداد، فتلقّى و أكرم، و بالغوا في احترامه [ (1)].

[اعتقال أبي الهيجاء]

ثمّ جرت من أجناده ناقصة لمّا جرّدوا و حاربوا عسكر الدّيوان، فكان هو ببغداد فاعتقل [ (2)].

[سلطنة العزيز بمصر و الشام‏]

و فيها خطب و ضربت السّكّة للملك العزيز، كما خطب له عام أوّل بدمشق، و تمّت له سلطنة مصر و الشّام، مع كون عمّه العادل صاحب دمشق، و أخيه صاحب حلب [ (3)].

[قطع بركة المسافة من واسط إلى بغداد]

و في جمادى الآخرة جرى بركة السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم و ليلة، و هذا لم يسبق إلى مثله، و خلع عليه خلع سنيّة، و حصل له مال [ (4)].

____________

[ (1)] الكامل 12/ 125، مفرّج الكروب 3/ 70، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 452.

[ (2)] لم يذكر ابن الأثير أن أبا الهيجاء اعتقل. انظر الكامل 12/ 125، و مفرّج الكروب 3/ 70.

[ (3)] مفرّج الكروب 3/ 69.

[ (4)] تقدّم خبر عنه في سنة 587 ه.

15

[وفاة أبي الهيجاء]

ثم خلع على أبي الهيجاء السّمين، و أمر أن ينزل بهمذان، و توفّي بعد شهر [ (1)].

[توجّه الرسول إلى غزنة]

و فيها توجّه مجير الدّين الحسن بن الربيع رسولا إلى شهاب الدّين الغوريّ صاحب غزنة.

[انقضاض كوكب‏]

أنبأنا ابن البزوريّ قال: و انقضّ في شوّال كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، و اهتزّت الدّور و الأماكن، فاستغاث الناس، و أعلنوا بالدّعاء، و ظنّوا ذلك من أمارات القيامة [ (2)].

[مقتل ملك اليمن‏]

قال: و فيها ملك إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بلد اليمن بعد أبيه، و أساء في ولايته، و ادّعى أنّه قرشيّ، و خطب لنفسه، و تسمّى بالهادي، ثمّ قتل [ (3)].

[فتح يافا]

قال أبو شامة [ (4)]: و في شوّالها فتح العادل يافا عنوة و أخربها، و كان قد

____________

[ (1)] الكامل 12/ 125، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 458، 459 (في المتوفين سنة 594 ه.)،

البداية و النهاية 13/ 15.

[ (2)] انظر البداية و النهاية 13/ 13، 14.

[ (3)] الكامل 12/ 129، 130، مفرّج الكروب 3/ 72 و 73.

[ (4)] في ذيل الروضتين 10.

16

أتاها أربعون فارسا نجدة، فلمّا عاينوا الغلبة دخلوا الكنيسة و أغلقوا بابها، ثمّ قتل بعضهم بعضا، فكسر المسلمون الباب فوجدوهم صرعى، و هذا ثالث فتح لها، لأنّها فتحت أيّام بيت المقدس، ثمّ استرجعها الإنكتير، ثمّ أخذها ثاني مرّة صلاح الدّين، ثمّ افتتحها في هذا الوقت الملك العادل، ثمّ ملكتها الفرنج، ثمّ افتتحها السّلطان الملك النّاصر رابعا، ثمّ خرّبت [ (1)].

[كتاب الفاضل يصف البرق و الريح‏]

كتب الفاضل إلى محيي الدّين بن الزّكيّ يقول: «و ممّا جرى من المعضلات بأس من اللَّه طرق و نحن نيام، و ظنّ النّاس أنّه اليوم الموعود، و لا يحسب المجلس أنّي أرسلت القلم محرّفا، و القول مجزّفا، فالأمر أعظم، و لكنّ اللَّه سلّم. إنّ اللَّه تعالى أتى بساعة كالسّاعة، كادت تكون للدّنيا السّاعة، في الثّلث الأوّل من ليلة الجمعة تاسع عشر [ (2)] جمادى الآخرة، أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة و بروق خاطفة، و رياح عاصفة، قوي الهواء [ (3)] بها، و اشتدّ هبوبها [ (4)]، و ارتفعت لها صعقات [ (5)]، فرجفت الجدران، و اصطفقت، و تلاقت على بعدها، و اعتنقت، و ثار عجاج [ (6)]، فقيل: لعلّ هذه قد انطبقت [ (7)].

و توالت البروق على نظام، فلا يحسب إلّا أنّ جهنّم قد سال منها واد، و زاد

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 126، مفرّج الكروب 3/ 75، الأعلاق الخطيرة 2/ 256، ذيل الروضتين 10، 11، الدرّ المطلوب 130، دول الإسلام 2/ 103، مرآة الجنان 3/ 475، السلوك ج 1 ق 1/ 104، تاريخ ابن سباط 1/ 218 و 221، المختصر 3/ 93، تاريخ ابن الوردي 2/ 112، تاريخ ابن خلدون 5/ 333، شفاء القلوب 204، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 134 (حوادث سنة 594 ه.).

[ (2)] في البداية و النهاية 13/ 13 «في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة».

[ (3)] في البداية و النهاية 13/ 13 «قوي الجو».

[ (4)] في البداية و النهاية 13/ 13 بعدها: «قد أثبت لها أعنّة مطلقات».

[ (5)] في البداية و النهاية 13/ 13 «صفقات».

[ (6)] في البداية و النهاية 13/ 13 «و ثار السماء و الأرض عجاجا».

[ (7)] في البداية و النهاية 13/ 13 «حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت».

17

عصف الريح إلى أن تغطّت النّجوم [ (1)]، و كانت تسكن و تعود عودا عنيفا، ففرّ النّاس و النّساء و الأطفال، و خرجوا من دورهم لا يستطيعون حيلة، و لا يهتدون سبيلا، بل يستغيثون ربّهم، و يذكرون دينهم. و لا يستغربون العذاب، لأنّهم على موجباته مصرّون و في وقت وقوع واقعاته باستحقاقه مقرّون، معتصمين بالمساجد الجامعة، و ملتقين الآية النّازلة من السّماء بالأعناق الخاضعة، بوجوه عانية، و نفوس عن الأموال و الأهل سالية. قد انقطعت من الحياة علقهم، و عميت عن النّجاة طرقهم، فدامت إلى الثّلث الأخير، و أصبح كلّ يسلّم [ (2)] على رفيقه، و يهنّيه بسلامة طريقه، و يرى أنّه بعث بعد النّفخة، و أفاق بعد الصّرخة [ (3)]. و تكسّر عدّة مراكب في البحار، و تقلّعت الأشجار الكبار، و من كان نائما في الطّرق من المسافرين دفنته الرّيح حيّا، و ركب فما أغنى الفرار شيئا، و الخطب أشقّ، و ما قضيت بعض الحقّ. فما من عباد اللَّه من رأى القيامة عيانا إلّا أهل بلدنا، فما اقتصّ الأوّلون مثلها في المثلات، و الحمد للَّه الّذي جعلنا نخبر عنها و لا تخبر عنّا». في كلام طويل [ (4)].

[أخذ الفرنج بيروت‏]

و فيها أخذت الفرنج بيروت، و كان أميرها الأمير عزّ الدّين سامة لمّا سمع بوصول العدوّ إلى صيدا هرب، فملكها الفرنج ثاني يوم. و فيه صنّف:

سلّم الحصن ما عليك ملامه‏* * * ما يلام الّذي يروم السّلامه‏

فعطاء الحصون من غير حرب [ (5)]* * * سنّة سنّها ببيروت سامه [ (6)]

____________

[ (1)] في البداية و النهاية 13/ 13 «إلى أن أطفأ سرج النجوم».

[ (2)] في البداية و النهاية 13/ 14 «مسلم».

[ (3)] في البداية و النهاية 13/ 14 «بعد الصيحة و الصرخة».

[ (4)] النص في البداية و النهاية 13/ 13، 14 باختلاف و زيادة.

[ (5)] و في رواية:

إنّ أخذ الحصون لا عن قتال‏

[ (6)] البيتان لأحد الدماشقة و قد زاد بيتا ثالثا:

18

____________

[ ()]

أبعد اللَّه تاجرا سنّ ذا البيع‏* * * و أخزى بخزيه من أسامه‏

و الأبيات و الخبر في:

الكامل في التاريخ 12/ 127، و الروضتين 2/ 233، و الذيل 11، و مفرّج الكروب 3/ 74، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 453، و الأعلاق الخطيرة 2/ 103 2/ 103، و زبدة الحلب 3/ 141، و تاريخ مختصر الدول 225، و العسجد المسبوك 240، و المختصر في أخبار البشر 3/ 93، و دول الإسلام 2/ 103، و تاريخ ابن الوردي 2/ 82، و مرآة الجنان 3/ 475، و البداية و النهاية 13/ 15، و تاريخ ابن خلدون 5/ 333، و السلوك ج 1 ق 1/ 140، و تاريخ بيروت لصالح بن يحيى 21، و شفاء القلوب 203، 204، و تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) 1/ 219، 220، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 133 و فيه اختلاف في لفظ الأبيات.

19

سنة أربع و تسعين و خمسمائة

[نزول الفرنج على تبنين‏]

فيها نزلت الفرنج على تبنين، و قدم منهم جمع كبير في البحر، فانتشروا بالسّاحل، و كثروا، و خاف النّاس، فنفّذ الملك العادل صاحب دمشق القاضي محيي الدّين إلى صاحب مصر الملك العزيز مستصرخا، فجاء العزيز، فترحّل الفرنج بعد أن قرّرت معهم الهدنة خمس سنين و ثمانية أشهر [ (1)].

[الحجّ من الشام‏]

و حجّ بالنّاس من الشّام قراجا [ (2)].

[ملك خوارزم شاه بخارى‏]

و فيها ملك علاء الدّين خوارزم شاه، و اسمه تكش بن ايل رسلان بخارى، و كان لصاحب الخطا، و جرى له معهم حروب و خطوب، و انتصر عليهم، و قتل خلقا منهم، و ساق وراءهم، ثمّ حاصرهم مدّة، و افتتحها عنوة، و عفى عن الرعيّة، و كان يقع في مدّة الحصار بين الفريقين سبّ. و تقول الخوارزميّة: يا أجناد الكفّار أنتم تعينون الخطا علينا، أنتم مرتدّة.

____________

[ (1)] مفرّج الكروب 3/ 75، 76، ذيل الروضتين 13، الدرّ المطلوب 133، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 455، 456، المختصر في أخبار البشر 3/ 93، 94، دول الإسلام 2/ 104، تاريخ ابن الوردي 2/ 112، 113، البداية و النهاية 13/ 16، تاريخ ابن خلدون 5/ 333، السلوك ج 1 ق 1/ 141، شفاء القلوب 204، تاريخ ابن سباط 1/ 222، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 134، 135.

[ (2)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 456.

20

و كان خوارزم شاه أعور، فعمد أهل بخارى إلى كلب أعور، و ألبسوه قباء، و رموه في المنجنيق عليهم، و قالوا: هذا سلطانكم تكش [ (1)].

[موت أمير القدس‏]

و فيها مات سنقر الكبير أمير القدس. و ولّي بعده صارم الدّين خطلوا الفرّخشاهيّ [ (2)].

[ملك أرسلان شاه الموصل‏]

و فيها سار ملك الموصل نور الدّين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود فنازل نصيبين، و أخذها من ابن عمّه قطب الدّين، فسار إلى الملك العادل و استجار به، فسار معه بعسكره، و قصدا نصيبين، فتركها أرسلان شاه، و سار إلى بلده و دخلها، و عاد قطب الدّين فدخل نصيبين شاكرا للعادل. و أراد الرجوع في خدمته إلى دمشق فردّه.

[منازلة ماردين‏]

و نازل العادل ماردين، و حاصرها أشهرا، و ملك ربضها، ثمّ رحل عنها [ (3)].

____________

[ (1)] الكامل 12/ 135- 138، البداية و النهاية 13/ 16، 17.

[ (2)] في مفرّج الكروب 3/ 76 «ختلج مملوك عزّ الدين فرخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب»، تاريخ ابن الفرات ج 8 ق 2/ 138.

[ (3)] الكامل 12/ 138، مفرّج الكروب 3/ 80، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 459.

21

سنة خمس و تسعين و خمسمائة

[عصيان نائب الريّ‏]

في ربيع الأوّل قصد علاء الدّين خوارزم شاه الريّ، و كان قد عصى عليه نائبة بها، فحاصره و ظفر به، و همّ بقتله، ثمّ حبسه [ (1)].

[لبس خوارزم شاه خلعة الخليفة]

و فيه نفّذ الخليفة إلى علاء الدّين خوارزم شاه تشريفا و تقليدا بما في يده من الممالك، فقبّل الأرض و لبس الخلعة [ (2)].

[مقتل الوزير نظام الملك‏]

ثمّ سار و فتح قلعة من قلاع الإسماعيليّة على باب قزوين، و حصر ألموت، ثمّ عاد، فوثبت الباطنيّة على وزيره نظام الملك مسعود بن عليّ فقتلوه [ (3)].

[مقتل رئيس الشافعية]

و قتلت الإسماعيليّة في حصار الألموت رئيس الشّافعيّة صدر الدّين محمد بن الوزّان [ (4)].

____________

[ (1)] الكامل 12/ 152، 153، و المختار من تاريخ ابن الجزري 61، و تاريخ ابن خلدون ج 5 ق 1/ 205.

[ (2)] الكامل 12/ 152، 153.

[ (3)] الكامل 12/ 153.

[ (4)] الكامل 12/ 153.

22

[عمارة سور ثان ببغداد]

و فيها تقدّم بعمارة سور ثان على بغداد، و جدّوا في بنائه إلى أن فرغ [ (1)].

[سلطنة محمد بن يعقوب المغرب و الأندلس‏]

و فيها ولي سلطنة المغرب و الأندلس محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بعد موت والده [ (2)].

[الإفراج عن سبط ابن الجوزي‏]

و في وسط السّنة أخرج أبو الفرج بن الجوزيّ من سجن واسط مكرّما، و تلقّاه الأعيان، و خلع عليه، و أذن له في الجلوس، فجلس و كان يوما مشهودا [ (3)].

[فتنة الفخر الرازيّ بخراسان‏]

و فيها كانت بخراسان الفتنة الهائلة للفخر الرّازيّ صاحب التّصانيف.

أنبأني ابن البزوريّ قال: سببها أنّه فارق بهاء الدّين صاحب باميان [ (4)]، و قصد غياث الدّين الغوريّ خال بهاء الدّين، فالتقاه و بجّله و أنزله، و بنى له مدرسة، و قصده الفقهاء من النّواحي، فعظم ذلك على الكرّاميّة، و هم خلق بهراة. و كان أشدّ النّاس عليه ابن عمّ غياث الدّين و زوج بنته، و هو الملك ضياء الدّين، فاتّفق حضور الفقهاء الكرّاميّة [ (5)]، و الحنفيّة، و الشّافعيّة، و فيهم‏

____________

[ (1)] المختار من تاريخ ابن الجزري 62، و البداية و النهاية 13/ 19.

[ (2)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 467.

[ (3)] ذيل الروضتين 15، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 468، البداية و النهاية 13/ 20.

[ (4)] باميان: بلدة و كورة في الجبال بين بلخ و هراة و غزنة. (معجم البلدان 1/ 330).

[ (5)] انظر عن (الكرّاميّة) في: الفرق بين الفرق للبغدادي 130- 138، و التبصير في الدين و تمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين 99- 104.

23

فخر الدّين الرّازيّ، و القاضي مجد الدّين بن عبد المجيد بن عمر بن القدوة، و كان محترما، إماما، زاهدا، فتكلّم الفخر، فاعترضه ابن القدوة، و اتّسع الجدال و البحث و طال، فنهض السّلطان غياث الدّين، و استطال الفخر على ابن القدوة بحيث أنّه شتمه و بالغ في إهانته، و انقضى المجلس، فشكا الملك ضياء الدّين إلى ابن عمّه ما جرى من الفخر بعد انقضاء المجلس، و ذمّ الفخر، و نسبه إلى الزّندقة و الفلسفة، فلم يحتفل السّلطان بقوله، فلمّا كان من الغد جلس ابن عمّ المجد بن القدوة في الجامع للوعظ فقال: لا إله إلّا اللَّه ربّنا آمنّا بما أنزلت و اتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشّاهدين. أيّها النّاس إنّا لا نقول إلّا ما صحّ عندنا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أمّا قول أرسطاطاليس، و كفريّات ابن سينا، و فلسفة الفارابيّ، فلا نعلمها، فلأيّ شي‏ء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ عن دين اللَّه؟ و بكى، فضجّ النّاس، و بكى الكرّاميّة، و استغاثوا، و ثار النّاس من كلّ جانب و استعرت الفتنة، و كادوا يقتتلون و يجري ما يهلك به خلق كثير، فبلغ ذلك السّلطان، فأرسل الأجناد و سكّنهم، و وعدهم بإخراج الفخر، و أحضره و أمره بالخروج [ (1)].

[الفتنة بدمشق‏]

و فيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغنيّ بينه و بين الأشعريّة، و همّوا بقتله. ثمّ أخرج من دمشق.

و تفصيل ذلك في ترجمته إن شاء اللَّه تعالى.

[موت الملك العزيز]

و في أوّلها مات الملك العزيز [ (2)].

____________

[ (1)] المختار من تاريخ ابن الجزري 62- 64، اللمعات البرقية في النكات التاريخية لابن طولون 22، 23.

[ (2)] انظر عن (الملك العزيز) في: التاريخ الباهر 194، و الكامل في التاريخ 12/ 140، و التاريخ المنصوري 7، و ذيل الروضتين 16 (في وفيات سنة 596 ه.)، و تاريخ الزمان‏

24

[النزاع بين الأمراء الأيوبيّين‏]

و كان سيف الدّين أركش [ (1)]، الأسديّ بالصّعيد، فقدم القاهرة فوجد الملك المنصور سلطانا، و قد استولى فخر الدّين شركس [ (2)] على الأمور، فحلّف أركش الأمراء على أن يسلطنوا الأفضل، و أرسلوا النّجب بالكتب إليه.

و انعزل عنهم شركس، و زين الدّين قراجا، و قراسنقر، ثمّ لمّا قرب من مصر هربوا إلى القدس. فسار الأفضل من صرخد و دخل مصر، فأخذ ابن العزيز و صار أتابكه، و سار بالجيوش فحاصر دمشق و بها العادل قد ساق على البريد من ماردين، و ترك عليها الجيش مع ولده الكامل، و دخل دمشق قبل أن يصل الأفضل بيومين. و أحرق جميع ما كان خارج باب الجابية من الفنادق و الحوانيت، و أحرق النّيرب و أبواب الطّواحين، و قطعت الأنهار، و اشتدّ الأمر، و أحرقت بيادر غلّة حرستا.

و دخل الأفضل من باب السّلامة، و ضجّت العوامّ بشعاره، و كان محبوبا إلى النّاس، و بلغ الخبر العادل، فكاد يستسلم فتماسك، و وصل الّذين دخلوا

____________

[ ()] 231، و تاريخ مختصر الدول 225، و مفرّج الكروب 3/ 82، 83، و زبدة الحلب 3/ 142، و مرآة الزمان ج 8 2/ 460، و الجامع المختصر لابن الساعي 9/ 6، 7، و وفيات الأعيان 3/ 251- 253، رقم 414، و تلخيص مجمع الآداب ج 4 ق 2/ 773، 774، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 320 رقم 467، و المختصر في أخبار البشر 3/ 95، و الدرّ المطلوب 136، و العبر 4/ 286، و دول الإسلام 2/ 104، و سير أعلام النبلاء 21/ 291- 294 رقم 152، و العسجد المسبوك 247، 248، و تاريخ ابن الوردي 2/ 113، و البداية و النهاية 13/ 18، و مرآة الجنان 3/ 479، و تاريخ ابن خلدون 5/ 335، و مآثر الإنافة 2/ 61، و السلوك ج 1 ق 1/ 143، 144، و المواعظ و الاعتبار 1/ 248، و شفاء القلوب 205، و تاريخ ابن سباط 1/ 222، 223، و شذرات الذهب 4/ 319، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 252، و أخبار الدول 195، و الجوهر الثمين 2/ 20- 22، و المغرب 195، و مورد اللطافة (مخطوط) ورقة 90 ب، و مستفاد الرحلة و الاغتراب للسبتي 145، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 143- 148.

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 461 «يازكش».

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 461 «سركش».

25

إلى باب البريد، و كانوا قليلين، فوثب عليهم أصحاب العادل و أخرجوهم. ثمّ قدم صاحب حلب، و صاحب حمص، و همّوا بالزّحف. ثمّ قوي العادل بمجي‏ء الأمراء الّذين كانوا بالقدس، و ضعف الأفضل. ثمّ وقعت كبسة على عسكره المصريّين. و بقي الحصار إلى سنة ستّ و تسعين [ (1)].

[ظهور الدّعيّ بدمشق‏]

و فيها ظهر بدمشق الدّاعي العجميّ المدّعي أنّه عيسى بن مريم، و أفسد طائفة، و أضلّهم، فأفتى العلماء بقتله، فصلبه الصّارم برغش العادليّ [ (2)].

[قيام العامّة على الرافضة بدمشق‏]

و فيها قامت العامّة على الرّافضة، و أخرجوهم إلى باب الصّغير من دمشق، و نبشوا وثّابا المرحّل من قبره، و علّقوا رأسه مع كلبين ميّتين [ (3)].

[ولاية ابن الشهرزوريّ القضاء]

و فيها ولّي قضاء القضاة بالعراق ضياء الدّين أبو القاسم بن الشّهرزوريّ [ (4)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 143- 145، زبدة الحلب 3/ 143، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 461- 463، مفرّج الكروب 3/ 93- 101، التاريخ المنصوري 9، 10، تاريخ الزمان 231، المختصر في أخبار البشر 3/ 95- 96، الدرّ المطلوب 138، 139، دول الإسلام 2/ 104، 105، تاريخ ابن الوردي 2/ 113، 114، البداية و النهاية 13/ 18، 19، العسجد المسبوك 248، 249، تاريخ ابن خلدون 5/ 335، 336، السلوك ج 1 ق 1/ 149، النجوم الزاهرة 6/ 147- 149، شفاء القلوب 205- 207، تاريخ ابن سباط 1/ 224، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 149- 157.

[ (2)] ذيل الروضتين 16 (حوادث سنة 596 ه.).

[ (3)] ذيل الروضتين 16 (حوادث سنة 596 ه.).

[ (4)] خلاصة الذهب المسبوك للإربلي 283، 284 و فيه: «أبو الفضائل القاسم»، مختصر التاريخ لابن الكازروني 251، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 460، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 165، البداية و النهاية 143/ 20.

26

سنة ست و تسعين و خمسمائة

[وفاة السلطان خوارزم شاه‏]

فيها مات السّلطان علاء الدّين خوارزم شاه تكش، و قام بعده ابنه محمد [ (1)].

[حصار دمشق‏]

و فيها كان الملك الأفضل و الملك الظّاهر على حصار دمشق، و العساكر جاثمة بمنزلتهم، قد حفروا عليها خندقا من أرض اللّوان إلى يلدا احترازا من مهاجمة الدّمشقيّين لهم. و عظم الغلاء بدمشق، و زاد البلاء، و كادت أن تعدم الأقوات بالكلّيّة، و نفذت أموال الملك العادل على الأمراء و الجند، و أكثر الاستدانة من التّجّار و الأكابر.

و كان يدبّر الأمور بعقل و مكر و دهاء، حتّى تماسك أمره. ثمّ فارقه جماعة أمراء، فكتب إلى ابنه الكامل: أن أسرع إليّ بالعساكر، و خذ من قلعة جعبر ما تنفقه في العساكر. فسار الكامل و دخل جعبر، و أخذ منها أربعمائة ألف دينار، و سار إلى دمشق، و توانى الأخوان عن معارضته، فدخل البلد

____________

[ (1)] انظر عن (خوارزم شاه) في: الكامل في التاريخ 12/ 156- 158، و تاريخ مختصر الدول 225، و تاريخ الزمان 232، و ذيل الروضتين 17، و نهاية الأرب 27/ 205، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 471، و المختصر في أخبار البشر 3/ 98، 99، و إنسان العيون (مخطوط) ورقة 103، و الجامع المختصر لابن الساعي 9/ 24، 25، و العسجد المسبوك 255، 256، و دول الإسلام 2/ 105، و المختار من تاريخ ابن الجزري 73، و تاريخ ابن الوردي 2/ 116، و مرآة الجنان 3/ 484، و البداية و النهاية 12/ 22، 23، و العبر 4/ 292، و النجوم الزاهرة 6/ 155، و تاريخ ابن سباط 1/ 230، 231، و أخبار الدول 276.

27

و قوي به أبوه، و ضعف أمر الظّاهر و الأفضل، و وقع بينهما على مملوك للظّاهر كان مليحا أخذه الأفضل و أخفاه.

ثمّ رحل الأفضل و الظّاهر إلى رأس الماء و افترقا. و هجم الشّناء، و ردّ الأفضل إلى مصر، و الظّاهر إلى حلب. فخرج العادل يتبع الأفضل، فأدركه عند الغرابيّ من رمل مصر، و دخل العادل القاهرة، فرجع الأفضل إلى صرخد منحوسا [ (1)].

[إكرام ابن أخي خوارزم شاه‏]

و كان في أوّل السّنة قد وصل ابن أخي السّلطان خوارزم شاه مستغفرا عن عمّه ممّا أقدم عليه من مواجهة الدّيوان بطلب الخطبة، فأكرم مورده.

[رفع الحصار عن دمشق‏]

قال القاضي جمال الدّين بن واصل [ (2)]: ثمّ سار الأفضل و الظّاهر إلى رأس الماء، و عزما على المقام به إلى أن ينسلخ الشّتاء، فتواترت الأمطار، و غلت الأسعار، فاتّفقا على الرحيل و تأخير الحصار إلى الربيع.

[الحرب بين الأفضل و العادل‏]

و دخل الأفضل مصر، و تفرّق عسكره لرعي دوابّهم، بعد أن خامر منهم طائفة كبيرة إلى العادل. و رحل العادل فدخل الرمل، فرام الأفضل جمع العساكر، فتعذّر عليه، فخرج في عسكر قليل، و نزل السّائح، و عمل المصافّ‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 155، 156، ذيل الروضتين 16، مفرّج الكروب 3/ 108، 109، زبدة الحلب 3/ 146، 147، التاريخ المنصوري 11، تاريخ الزمان 232، المختصر في أخبار البشر 3/ 97، 98، الدرّ المطلوب 140، 141، تاريخ مختصر الدول 225، العسجد المسبوك 254، دول الإسلام 2/ 105، تاريخ ابن الوردي 2/ 115، مرآة الجنان 3/ 484، البداية و النهاية 13/ 21، 22، تاريخ ابن خلدون 5/ 337، السلوك ج 1 ق 1/ 150، 151، النجوم الزاهرة 6/ 149- 151، شفاء القلوب 207- 210، تاريخ ابن سباط 1/ 227، 228.

[ (2)] في مفرّج الكروب 3/ 107.

28

مع عمّه، فانكسر و ولّى، و المصريّون منهزمين، و كان بعضهم مخامرين و تخاذلوا عنه. فاضطرّ إلى أن ترك مصر، و تعوّض بميّافارقين، و حاني [ (1)]، و سميساط. و دخل العادل القاهرة في الحادي و العشرين من ربيع الآخر.

و اجتمع به الأفضل، ثمّ سافر إلى صرخد [ (2)].

[ملك العادل الديار المصرية]

ثمّ طلب العادل ابنه الكامل، و ملك الدّيار المصريّة، و جعل ابنه الكامل نائبا عنه، فناب عنه قريبا من عشرين سنة، ثمّ استقلّ بالملك بعده عشرين سنة و أشهرا [ (3)].

و أنبأنا ابن البزوريّ قال: في ربيع الآخر التقى عسكر العادل و عسكر الأفضل، فانهزم عسكر الأفضل و هو إلى القاهرة، فساق العادل و نزل محاصرا القاهرة، فأرسل الأفضل إلى عمّه يقنع منه ببعض بلاده، فقال للعادل: أريد دمشق، فلم يجبه. ثمّ آل الأمر إلى أن رضي بميّافارقين و خرج من مصر، و دخلها العادل فعمل أتابكيّة الملك المنصور عليّ بن العزيز، ثمّ لم يبرح يتلطّف و يتألّف الأمراء إلى أن ملك الدّيار المصريّة، و خطب لنفسه و قال: هذا صبيّ يحتاج إلى المكتب. ثمّ قطع خطبة الصّبيّ [ (4)].

____________

[ (1)] حاني: مدينة معروفة بديار بكر، فيها معدن الحديد (معجم البلدان 2/ 188).

[ (2)] الكامل في التاريخ 12/ 155، 156، مفرّج الكروب 3/ 108، 109، زبدة الحلب 3/ 146، 147، التاريخ المنصوري 11، تاريخ الزمان 232، تاريخ مختصر الدول 225، الدرّ المطلوب 140، 141، العسجد المسبوك 254، دول الإسلام 2/ 205، مرآة الجنان 3/ 484، البداية و النهاية 13/ 21، 22، تاريخ ابن خلدون 5/ 337، المختصر 3/ 97، 97، تاريخ ابن الوردي 2/ 115، السلوك ج 1 ق 1/ 150، 151، النجوم الزاهرة 6/ 149- 151، شفاء القلوب 207- 210، تاريخ ابن سباط 1/ 227، 228، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 172- 174.

[ (3)] الكامل في التاريخ 12/ 155، مفرّج الكروب 3/ 114، المختصر 3/ 98، التاريخ المنصوري 13، تاريخ ابن سباط 1/ 229.

[ (4)] تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 176، 177.

29

[وصول رسول الملثّمين إلى بغداد]

و فيها قدم بغداد من المغرب رسول الملثّمة من مخدومه إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن غانية الملثّم المايرقيّ الخارج على بني عبد المؤمن، فتلقّى بالموكب الشّريف، و أخبر أنّ مرسلة أقام الدّعوة للخليفة ببلاده بلاد المغرب [ (1)].

أنبأني ابن البزوريّ قال: أخبرت أنّ الرسول المذكور كان ملثّما لا يظهر منه سوى عينيه. و أقام ببغداد أيّاما، و أعطي لواء أسود و خلعا، و أعيد إلى مرسلة.

[الحجّ العراقي‏]

و حجّ من العراق بالنّاس سنقر النّاصريّ، و يعرف بوجه السّبع.

[حضور الملك الكامل إلى مصر]

و لمّا تمكّن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر من مملكة مصر سيّر الأميرين علم الدّين كرجيّ الأسديّ، و أسد الدّين سراسنقر ليحضرا ولده الملك الكامل، فدخل الكامل إلى القاهرة في أواخر رمضان من السّنة [ (2)].

و خرج العادل بأمراء الدّولة المصريّة بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خلاط، و حثّهم على ذلك.

[سلطنة الكامل على مصر]

فلمّا كان سابع عشر شوّال ركب بالسّناجق و السّيوف المجذّبة في الدّست، فلم يجسر أحد من الأمراء أن ينطق. و أمر الخطباء فخطبوا باسمه كما ذكرنا. ثمّ لم يلبث إلّا أيّاما يسيرة حتّى سلطن ولده الملك الكامل على الدّيار المصريّة [ (3)].

____________

[ (1)] المختار من تاريخ ابن الجزري 73، البداية و النهاية 13/ 23، العسجد المسبوك 2/ 254.

[ (2)] تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 178، 179.

[ (3)] انظر: مفرّج الكروب 3/ 112، 113، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 471.

30

و قدم عليه أخوه لأمّه صاحب المدرسة الفلكيّة بدمشق فلك الدّين سليمان بن سروة بن جلدك.

[نقص النيل و اشتداد البلاء بمصر]

و فيها كان نقص النّيل، و الغلاء و الوباء المفرط، و خربت ديار مصر، وجلا أهلها عنها، و اشتدّ البلاء في سنة سبع، و أكلوا الجيف، ثمّ أكلوا الآدميّين. و مات بديار مصر أمم لا يحصيهم إلّا اللَّه. و كسر النّيل من ثلاثة عشر ذراعا إلّا ثلاثة أصابع. و قيل لم يكمل أربعة عشر ذراعا [ (1)].

____________

[ (1)] ذيل الروضتين 19، مفرّج الكروب 3/ 115، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 471، المختصر 3/ 98، الدرّ المطلوب 140، دول الإسلام 2/ 105، تاريخ ابن الوردي 2/ 118، العسجد المسبوك 256، مرآة الجنان 3/ 484، النجوم الزاهرة 6/ 159، تاريخ ابن سباط 1/ 230، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 254، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 182.

31

سنة سبع و تسعين و خمسمائة

[أخبار الغلاء الفاحش في مصر و أكل الناس بعضهم بعضا]

قال الموفّق عبد اللّطيف [ (1)]: دخلت سنة سبع مفترسة لأسباب الحياة، و يئسوا من زيادة النّيل، و ارتفعت الأسعار، و أقحطت البلاد، و ضوى أهل السّواد و الريف إلى أمّهات البلاد، و جلى كثير إلى البلاد النّائية، و مزّقوا كلّ ممزّق. و دخل منهم خلق إلى القاهرة، و اشتدّ بهم الجوع، و وقع فيهم الموت عند نزول الشّمس الحمل. و وبي‏ء الهواء، و أكلوا الميتات و البعر. ثمّ تعدّوا إلى أكل الصّغار، و كثيرا ما يعثر عليهم و معهم صغار مشويّون أو مطبوخون، فيأمر السّلطان بإحراق الفاعل.

رأيت صغيرا مشويّا مع رجل و امرأة أحضرا فقالا: نحن أبواه. فأمر بإحراقهما.

و وجد بمصر رجل قد جرّدت عظامه و بقي قفصا. و فشا أكل بني آدم و اشتهر. و وجد كثيرا.

و حكى لي عدّة نساء أنّه يتوثّب عليهنّ لاقتناص أولادهنّ و يحامين عليهنّ بجهدهنّ. و لقد أحرق من النّساء بمصر في أيّام يسيرة ثلاثون امرأة، كلّ منهنّ تقرّ أنّها أكلت جماعة.

و رأيت امرأة أحضرت إلى الوالي و في عنقها طفل مشويّ، فضربت أكثر من مائتي سوط، على أن تقرّ، فلا تخبر جوابا، بل تجدها قد انخلعت عن الطّباع البشريّة، ثمّ سجنت فماتت.

____________

[ (1)] في كتاب: الإفادة و الإعتبار 223 و ما بعدها.

32

و حكى لنا رجل أنّه كان له صديق، فدعاه ليأكل، فوجد عنده فقراء قدّامهم طبيخ كثير اللّحم، و ليس معه خبز، فرابه ذلك، و طلب المرحاض، فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدميّين و باللّحم الطّريّ، فارتاع و خرج هاربا.

و قد جرى لثلاثة من الأطبّاء ممّن ينتابني، أمّا أحدهم فإنّ أباه خرج فلم يرجع. و الآخر فأعطته امرأة درهمين و مضى معها، فلمّا توغّلت به مضايق الطّرق استراب و امتنع، و شنّع عليها، فتركت دراهمها و انسلّت. و أمّا الثّالث فإنّ رجلا استصحبه إلى مريضة إلى الشّارع، و جعل في أثناء الطّريق يتصدّق بالكسر و يقول: هذا وقت اغتنام الأجر. ثمّ أكثر حتّى ارتاب منه الطّبيب، و دخل معه دارا خربة، فتوقّف في الدّرج، و فتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول: هل حصل صيد ينفع؟ فجزع الطّبيب، و ألقى نفسه إلى إصطبل، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله، فأخفى قصّته خوفا منه أيضا فقال: قد علمت حالك، فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون النّاس بالحيل.

و وجدنا طفيحا [ (1)] عند عطّار عدّة خوابي مملوءة بلحم الآدميّين في الملح، فسألوه فقال: خفت دوام الجدب فيهزل النّاس.

و كان جماعة قد أووا إلى الجزيرة، فعثر عليهم، و طلبوا ليقتلوا فهربوا، فأخبرني الثّقة أنّ الّذي وجد في بيوتهم أربعمائة جمجمة.

ثمّ ساق غير حكاية، و قال: و جميع ما شاهدناه لم نتقصّده و لا تتبّعنا مظانّه، و إنّما هو شي‏ء صادفناه اتّفاقا.

و حكى لي من أثق به أنّه اجتاز على امرأة و بين يديها ميّت قد انتفخ و انفجر، و هي تأكل من أفخاذه، فأنكر عليها، فزعمت أنّه زوجها.

ثمّ قال: و أشباه هذا كثير جدّا.

____________

[ (1)] في الأصل: «صفيح».

33

و ممّا شاع أيضا نبش القبور، و أكل الموتى، فأخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندريّة بكثرة ما عاين لها من ذلك، يعني من أكل بني آدم، و أنّه عاين خمس أرؤس صغار مطبوخة في قدر. و هذا المقدار كاف، و اعتقد أنّي قد قصّرت.

و أمّا موت الفقراء جوعا فشي‏ء لا يعلمه إلّا اللَّه تعالى، فالّذي شاهدنا بالقاهرة و مصر و هو أنّ الماشي لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميّت، أو من هو في السّياق، و كان يرفع من القاهرة كلّ يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمسمائة.

و أمّا مصر فليس لموتاها عدد، يرمون و لا يوارون، ثمّ عجزوا عن رميهم، فبقوا في الأسواق و الدّكاكين.

و أمّا الضّواحي و القرى، فهلك أهلها قاطبة إلّا من شاء اللَّه. و المسافر يمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، و تجد البيوت مفتّحة و أهلها موتى. حدّثني بذلك غير واحد.

و قال لي بعضهم إنّه مرّ ببلد ذكرنا أنّ فيها أربعمائة نول للحياكة، فوجدناها خرابا، و أنّ الحائك في جورة حياكته ميّت، و أهله موتى حوله، فحضرني قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ‏ [ (1)] قال: ثمّ انتقلنا إلى بلد آخر، فوجدناه ليس به أنيس، و احتجنا إلى الإقامة به لأجل الزّراعة، فاستأجرنا من ينقل الموتى ممّا حولنا إلى النيل، كلّ عشرة بدرهم. و خبّرت عن صياد بفوهة تنّيس أنّه مرّ به في بعض يوم اربعمائة آدميّ يقذف بهم النّيل إلى البحر. و أمّا أنا فمررت على النّيل، فمرّ بي في ساعة نحو عشرة موتى.

و أمّا طريق الشّام فصارت منزرعة ببني آدم، و عادت مأدبة بلحومهم للطّير و السّباع. و كثيرا ما كانت المرأة تتخلّص من صبيتها في الزّحام،

____________

[ (1)] سورة يس، الآية 29.

34

فينتظرون حتّى يموتوا، و أمّا بيع الأحرار فشاع و ذاع، و عرض عليّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد. و سألتني امرأة أن أشتري ابنتها و قالت: جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم. فعرّفتها أنّ هذا حرام فقالت: خذها هديّة. و قد أبيع خلق، و جلبوا إلى العراق، و خراسان. هذا، و هم عاكفون على شهواتهم، منغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنّهم مستثنون. و كانوا يزنون بالنّساء حتّى إنّ منهم من يقول إنّه قنص خمسين بكرا، و منهم من يقول سبعين. كلّ ذلك بالكسر.

و أمّا مصر فخلا معظمها، و أمّا بيوت الخليج و زقاق البركة و المقس و ما تاخم ذلك، فلم يبق فيها بيت مسكون، و لم يبق وقود النّاس عوض الأحطاب إلى الخشب من السّقوف و البيوت الخالية. و قد استغنى طائفة كبيرة من النّاس في هذه النّوبة.

و أمّا النّيل فإنّه اخترق في برهوده اختراقا كبيرا، و صار المقياس في أرض جرز، و انحسر الماء عنه نحو الجزيرة، و ظهر في وسطه جزيرة عظيمة و مقطّعات أبنية، و تغيّر ريحه و طعمه، ثمّ تزايد التّغيّر، ثمّ انكشف أمره عن خضرة طحلبيّة، كلما تطاولت الأيّام ظهرت و كثرت كالّتي ظهرت في البيت من السّنة الخالية.

و لم تزل الخضرة تتزايد إلى أواخر شعبان، ثمّ ذهبت، و بقي في الماء أجزاء نباتيّة منبتة، و طاب طعمه و ريحه، ثمّ أخذ ينمى و يقوى جريه إلى نصف رمضان، فقاس ابن أبي الردار قاع البركة فكان ذراعين، و زاد زيادة ضعيفة إلى ثامن ذي الحجّة، ثمّ وقف ثلاثة أيّام، فأيقن النّاس بالبلاء، و استسلموا للهلاك، ثمّ إنّه أخذ في زيادات قويّة، فبلغ في ثالث ذي الحجّة خمسة عشر ذراعا، و ستة عشر إصبعا، ثمّ انحطّ من يومه، و مسّ بعض البلاد تحلة القسم، و أروى الغربيّة و نحوها، غير أنّ القرى خالية كما قال تعالى:

فَأَصْبَحُوا لا يُرى‏ إِلَّا مَساكِنُهُمْ‏ [ (1)]. و زرع الأمراء بعض البلاد. و نهاية سعر الإردبّ خمسة دنانير. و أمّا بقوص، و الإسكندريّة فبلغ ستّة دنانير.

____________

[ (1)] سورة الأحقاف، الآية 25.

35

و دخلت سنة ثمان و تسعين و الأحوال على حالها أو في تزيّد إلى زهاء نصف السّنة. و تناقص موت الفقراء لقلّتهم، لا لارتفاع السّبب الموجب، و تناقص أكل الآدميّين ثمّ عدم، و قلّ خطف الأطعمة من الأسواق لفناء الصّعاليك، ثمّ انحطّ الإردبّ إلى ثلاثة دنانير لقلّة النّاس، و خفّت القاهرة.

و حكي لي أنّه كان بمصر سبعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلّا خمسة عشر منسجا، فقس على هذا أمر باقي الصّنّاع من سائر الأصناف.

و أمّا الدّجاج فعدم رأسا، لو لا أنّه جلب من الشّام. و حكي لي أنّ رجلا جلب من الشّام دجاجا بستّين دينارا، باعها بنحو ثمانمائة دينار، فلمّا وجد البيض بيع بيضة بدرهم، ثمّ كثر.

و أمّا الفراريج فاشتريّ الفرّوج بمائة درهم، ثمّ أبيع بدينار مديدة.

و قال في أمر الخراب: فأمّا الهلاليّة، و معظم الخليج، و حارة السّاسة، و المقس، و ما تاخم ذلك، فلم يبق فيها أنيس، و إنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها.

قال: و الّذي تحت قلم ديوان الحشريّة في الموتى و ضمّته الميضأة في مدّة اثنتين و عشرين شهرا مائة ألف و أحد عشر ألفا إلّا شيئا يسيرا.

قلت: هذا في القاهرة.

قال: و هذا مع كثرته نزر في جنب ما هلك بمصر و الحواضر، و كلّه نزر في جنب ما هلك بالإقليم.

و سمعنا من الثّقات عن الإسكندريّة أنّ الإمام صلّى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، و أنّ تركة انتقلت في مدّة شهر إلى أربعة عشر وارثا. و أنّ طائفة يزيدون على عشرين ألفا انتقلوا إلى برقة و أعمالها، فعمروها و قطنوا بها، و كانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء مصر على يد الوزير اليازوريّ، و نزح عنها أهلها.

و من عجيب لشيخ من أطبّاء اليهود ممّن ينتابني أنّه استدعاه رجل ذو

36

شارة و شهرة، فلمّا صار في المنزل أغلق الباب و وثب عليه فجعل في عنقه وهقا، و مرت المريض خصيتيه، و لم يكن لهما معرفة بالقتل، فطالت المناوشة، و علا ضجيجه، فتسامع النّاس، و دخلوا فخلّصوا الشّيخ. و به رمق، و قد وجبت خصاه، و كسرت ثنيّتاه، و حمل إلى منزله، و أحضر ذاك إلى الوالي فقال: ما حملك على هذا؟ قال: الجوع. فضربه و نفاه [ (1)].

خبر الزّلزلة

في سحر يوم الإثنين السّادس و العشرين من شعبان ارتاع النّاس، و هبّوا من مضاجعهم مدهوشين، و ضجّوا إلى اللَّه تعالى، و لبثت مدّة. و كانت حركتها كالغربلة، أو كخفق جناح الطّائر. و انقضت على ثلاث زحفات قويّة، مادت الأبنية، و اصطفقت الأبواب، و تداعى من الأبنية الواهي و العالي. ثمّ تواترت الأخبار بحدوثها في هذه السّاعة في البلاد النّائية، فصحّ عندي أنّها تحرّكت من قوص إلى دمياط و الإسكندريّة، ثمّ بلاد السّاحل بأسرها، و الشّام طولا و عرضا، و تعفّت بلاد كثيرة، و هلك من النّاس خلق عظيم و أمم لا تحصى، و لا أعرف في الشّام أحسن سلامة منها من القدس. و أنكت في بلاد الفرنج أكثر. و سمعت أنّها وصلت إلى خلاط و إلى فارس. و أنّ البحر ارتطم و تشوّهت مناظرة، و صار قرنا كالأطواد، و عادت المراكب على الأرض. ثمّ تراجعت المياه، و طفا سمك كثير على سواحله.

و وردت كتب من الشّام بأمر الزّلزلة، و اتّصل بي [ (2)] كتابان أوردتهما

____________

[ (1)] و انظر (خبر الغلاء بمصر) في: الكامل في التاريخ 12/ 170، و ذيل الروضتين 19، و تاريخ الزمان 234، و مفرّج الكروب 3/ 127، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 477، 478، و التاريخ المنصوري 14، و المختصر 3/ 101، و الدرّ المطلوب 149، و الجامع المختصر 9/ 47، و العسجد المسبوك 265، و دول الإسلام 2/ 106، و تاريخ ابن الوردي 2/ 118، و البداية و النهاية 13/ 22، و 26، و تاريخ ابن الفرات 4 ق 2/ 207- 209، و المختار من تاريخ ابن الجزري 74، 75، و السلوك ج 1 ق 1/ 157، 158، و النجوم الزاهرة 6/ 173، و تاريخ ابن سباط 1/ 234، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 254.

[ (2)] الضمير هنا يعود إلى الموفّق عبد اللطيف البغدادي، و هو يروي هذا الخبر في كتابه: الإفادة

37

بلفظهما، يقول في أحدهما: زلزلة كادت لها الأرض تسير سيرا، و الجبال تمور مورا، و ما ظنّ أحد من الخلق إلّا أنّها زلزلة السّاعة، و أتت في الوقت على دفعتين، فأمّا الدّفعة الأولى فاستمرّت مقدار ساعة أو تزيد عليها، و أمّا الثّانية فكانت دونها، و لكن أشدّ منها. و تأثّر منها بعض القلاع، فأوّلها قلعة حماه.

و في الكتاب الآخر إنّها دامت بمقدار ما قرأ سورة «الكهف»، و أنّ بانياس سقط بعضها، و صفد لم يسلم بها إلّا ولد صاحبها لا غير، و نابلس لم يبق بها جدار قائم سوى حارة السّمرة، و كذلك أكثر حوران، غارت و لم يعرف لدار بها موضع يقال فيه هذه القرية الفلانيّة.

قلت: هذا كذب و فجور من كاتب هذه المكاتبة أما استحى من اللَّه تعالى! ثمّ قال فيه: و يقال إنّ عرقة خسف بها، و كذلك صافيتا.

قال الموفّق [ (1)]: و أخبرونا أنّ بالمقس تلّا عظيما عليه رمم كثيرة فأتيناه و رأيناه و حدسناه بعشرة آلاف فصاعدا، و هم على طبقات في قرب العهد و بعده، فرأينا من شكل العظام و مفاصلها و كيفيّة اتّصالها و تناسبها و أوضاعها ما أفادنا علما لا نستفيده من الكتب. ثمّ إنّنا دخلنا مصر، فرأينا فيها دروبا و أسواقا عظيمة كانت [ (2)] مغتصّة بالزّحام، و الجميع خال ليس فيه إلّا عابر سبيل.

و خرجنا إلى سكرجة فرعون، فرأينا الأقطار كلّها مغتصّة بالجثث و الرّمم، و قد غلبت على الآكام بحيث جلّلتها. و رأينا في هذه الأسكرجة، و هي عظيمة، الجماجم بيضاء و سوداء و دكناء. و قد أخفى كثرتها و تراكمها

____________

[ ()] و الاعتبار، و نشر باسم «مختصر أخبار مصر» و قد نشره غاستون فييت، لندن، سنة 1800 م، و كتب المؤلّف كتابه في سنة 600 ه.

[ (1)] هو عبد اللطيف البغدادي في كتابه: الإفادة و الاعتبار.

[ (2)] في الأصل: «كان».

38

سائر العظام، حتّى كأنّها رءوس لم يكن معها أبدان، أو كأنّها بيدر بطّيخ.

قال أبو شامة [ (1)]: و جاءت في شعبان سنة سبع زلزلة هائلة عمّت الدّنيا في ساعة واحدة، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير، ثمّ امتدّت إلى الشّام، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق فيها جدار قائم إلّا حارة السّامرة. و مات تحت الهدم ثلاثون ألفا. و هدمت عكّا و صور، و جميع قلاع السّاحل.

قلت: هذا نقله الإمام أبو شامة من «مرآة الزّمان» [ (2)] و مصنّفه شمس الدّين يوسف (رحمه اللَّه) كثير الحشف و المجازفة، و إلّا من عنده ورع لم يطلق هذه العبارات على جميع الممالك. و قوله: فلم يبق منهما جدار قائم، مجازفة أيضا. و قوله: هدمت جميع قلاع السّاحل، فيه بعض ما فيه كما ترى، فلا تعتمد على تهويله.

قال أبو شامة [ (3)]: و رمت بعض المنارة الشّرقيّة بجامع دمشق، و أكثر الكلّاسة، و المارستان النّوريّ، و عامّة دور دمشق إلّا القليل. و هرب النّاس إلى الميادين، و سقط من الجامع ستّ عشرة شرفة، و تشقّقت قبّة النّسر، و تهدّمت بانياس، و هونين، و تبنين. و خرج قوم من بعلبكّ يجمعون الرّيباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان فماتوا، و تهدّمت قلعة بعلبكّ مع عظم حجارتها، و انفرق البحر، فصار أطوادا. و قذف بالمراكب إلى السّاحل فتكسّرت.

و أحصي من هلك في هذه السّنة فكان ألف ألف و مائة ألف إنسان.

ثمّ قال: نقلت ذلك من «تاريخ» أبي المظفّر سبط ابن الجوزيّ [ (4)].

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 20.

[ (2)] ج 8 ق 2/ 477.

[ (3)] في ذيل الروضتين 20.

[ (4)] انظر (خبر الزلزلة) في: الإفادة و الاعتبار للبغدادي 270، و ذيل الروضتين 20، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 477، و الكامل في التاريخ 12/ 170، 171، و التاريخ المنصوري (طبعة

39

[منازلة الأفضل و الظاهر دمشق‏]

و قال ابن الأثير [ (1)]: لمّا ملك العادل مصر و قطع خطبة المنصور ولد العزيز لم يرض الأمراء بذلك، و راسلوا الظّاهر صاحب حلب، و الأفضل بصرخد، و تكرّرت المكاتبات يدعونهما إلى قصد دمشق ليخرج العادل، فإذا خرج إليهم أسلموه و تحوّلوا إليهما. و فشا الخبر و عرف العادل، فكتب إلى ابنه بدمشق يأمره أن يحاصر صرخد، فعلم الأفضل، فسار إلى حلب، فخرج معه الظّاهر و نازلا دمشق، و اتّفقا على أن يكون دمشق للأفضل، ثمّ يسيرون إلى مصر، فإذا تملّكاها صارت مصر للأفضل، و صارت الشّام كلّها للظّاهر.

رجعنا إلى قول أبي شامة، قال [ (2)]: و في ذي القعدة حوصرت دمشق، جاء الأفضل و الظّاهر، و نجدهما من بانياس حسام الدّين بشارة، و قاتلوا أهل دمشق أيّاما، و كان بها المعظّم عيسى. و بلغ أباه فقدم من مصر، و نزل نابلس، و بعث إلى الأمراء مكاتبات، فصرفهم إليه. ثمّ زحف أبناء صلاح الدّين المذكوران على دمشق، فوصلوا إلى باب الفراديس، و أحرقوا فندق تقيّ الدّين، و حاربهم الملك المعظّم، و حفظ البلد، و بقوا نحو شهرين، ثمّ بعث العادل، فأوقع الخلف بين الأخوين فرحلوا. ثمّ قدم العادل، و جهّز المعظّم مع شركس، و قراجا، فحاصروا حسام الدّين بشارة ببانياس، فقاتلهم و قتل ولده، و أخرجوه عن البلد، و تسلّمها شركس، و تسلّم قراجا صرخد.

____________

[ ()] موسكو) 234، (طبعة دمشق) 25، و الجامع المختصر 9/ 53، و الدرّ المطلوب 149، و المختصر في أخبار البشر 3/ 101، و العسجد المسبوك 267، و المختار من تاريخ ابن الجزري 75، و دول الإسلام 2/ 106، و تاريخ ابن الوردي 2/ 118، و مرآة الجنان 3/ 488، 489، و البداية و النهاية 13/ 27، 28، و تاريخ ابن سباط 1/ 234، و السلوك ج 1 ق 1/ 135، و كشف الصلصلة 194.

[ (1)] في الكامل 12/ 160.

[ (2)] في ذيل الروضتين 19.

40

قلت: ذكر المؤيّد [ (1)] أنّ الملك الأفضل سلّم صرخد إلى زين الدّين قراجا، و نقل أمّه و أهله منها إلى حمص.

و اشتدّ حصار الأخوين لدمشق، و تعلّق النّقّابون بسورها، فلمّا شاهد الظّاهر ذلك قال لأخيه: دمشق لي. فقال: حرمي على الأرض ليس لنا موضع، فهب البلد لك فأحفظه له حتّى تملك مصر. فامتنع الظّاهر فقال الأفضل: يا أمراء اتركوا القتال و نصالح عمّي. فتفرّقت الكلمة، و رحل الظّاهر.

ثمّ ذهب الأفضل و قنع بسميساط [ (2)].

[الاستيلاء على مرو]

و أنبأنا ابن البزوريّ قال: و فيها سار غياث الدّين و شهاب الدّين ملكا الغور من غزنة في جنودهما إلى خراسان، و بها الأمير جقر، فأكرماه و استوليا على مرو، و سيّرا جقر إلى هراة مكرّما، لأنّهما و عداه بالجميل. ثمّ سلّما مرو إلى هندوخان بن ملك شاه بن علاء الدّين خوارزم شاه، و كان قد هرب من عمّه محمد إلى غياث الدّين [ (3)].

[انتهاب نيسابور]

ثمّ سار غياث الدّين فملك سرخس صلحا، و سلّمها إلى الأمير زنكي بن مسعود أحد أولاد عمّه، ثمّ سار إلى طوس، فتسلّمها بعد أيّام، ثمّ قصد

____________

[ (1)] هو أبو الفداء صاحب كتاب «المختصر في أخبار البشر» 3/ 99.

[ (2)] الكامل في التاريخ 12/ 160- 163، مفرّج الكروب 3/ 120- 129، تاريخ مختصر الدول 226، تاريخ الزمان 232، 233، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 479، 480، المختصر 3/ 99، 100، العسجد المسبوك 260، دول الإسلام 2/ 106، البداية و النهاية 13/ 27، تاريخ ابن الوردي 2/ 117، السلوك ج 1 ق 1/ 155، 156، شفاء القلوب 210- 212، تاريخ ابن سباط 1/ 232، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 203- 207.

[ (3)] انظر: الكامل في التاريخ 12/ 157.

41

نيسابور و بها عليّ شاه ابن السّلطان خوارزم شاه، و قد استنابه عليها أخوه قطب الدّين محمد، فراسله في تسليمها، فامتنع و أظهر القوّة، فقال غياث الدّين لجيوشه: إن دخلتموها فسحت لكم في نهبها. فزحفوا و جدّوا حتّى أخذوا البلد، و وقعوا في النّهب. ثمّ أمر غياث الدّين بكفّ النّهب، و أن يرد كلّ شخص ما نهب، فردّوه جميعا [ (1)].

أخبرت عن بعض التّجّار قال: كنت بها، فنهب لي شي‏ء في جملته قليل سكّر و بساط، فحين نودي في العسكر بردّ ما نهبوه ردّوه عدا بساطي و السّكّر، و كنت رأيت ما أخذ منّي في أيدي جماعة، فطلبته فقالوا: السّكّر شربناه، و نسألك أن لا تشيع ذلك، و إن أردت الثّمن أعطيناك، فجعلتهم منه في حلّ.

ثمّ خرجت إلى ظاهر البلد، فرأيت البساط ملقى على باب الجسر، لا يجسر أحد أن يأخذه، فأخذته [ (2)].

[أسر عليّ شاه‏]

و انهزمت الخوارزميّة، و أسر عليّ شاه المذكور، و أحضر بين يدي السّلطان غياث الدّين راجلا، فصعب عليه، و أنكر على من أسره، و أركبه فرسا. فلمّا استقرّ به المجلس أحضره، فقال له عليّ شاه: هكذا تفعل بأولاد الملوك؟ فقال: لا، بل هكذا. و أخذه بيده و أجلسه على سريره، و طيّب قلبه، و سيّر من كان صحبته من الأمراء إلى هراة. و استناب بها ضياء الدّين محمد بن عليّ بن عمر، و ولّاه حرب خراسان، و لقّبه الملك علاء الدّين، و أضاف إليه الأمراء. ثمّ سلّم عليّ شاه إلى أخيه شهاب الدّين الغوريّ [ (3)].

____________

[ (1)] الكامل 12/ 165، 166، الجامع المختصر لابن الساعي 9/ 51، 52، المختصر في أخبار البشر 3/ 100، المختار من تاريخ ابن الجزري 75، 76، تاريخ ابن الوردي 2/ 168، العسجد المسبوك 261، 262.

[ (2)] الكامل 12/ 166.

[ (3)] الكامل 12/ 166.

42

[فتوحات الغورية في بلاد الهند]

ثمّ رحل السّلطان غياث الدّين نحو هراة، و سار أخوه شهاب الدّين نحو قهستان، و ملك بلاد الإسماعيليّة و طردهم عنها، و أظهر بها دين الإسلام، و أقام بها، فسأل صاحبها السّلطان غياث الدّين أن يرحّل أخاه عنها، ففعل ذلك، و أمر أخاه، فأبى عليه، فعاوده فرحل عنها إلى بلاد الهند مغاضبا لأخيه، و أرسل مملوكه قطب الدّين أيبك فحارب عسكر الهند فهزمهم، و انضمّ إليه عالم كثير. و ملك شهاب الدّين مدينة عظيمة من مدن الهند بعد أن هرب ملكها عنها، فعلم أنّه لا يمكن حفظها إلّا بمقامه بها، و ذلك لا يمكنه، فصالح صاحبها على مال، و رحل عنها [ (1)].

[خبر الزلزلة بالبلاد الشامية]

قال ابن البزوريّ: و زلزلت الأرض بالجزيرة، و الشّام، و مصر، فأخربت الزّلزلة أماكن كثيرة جدّا بدمشق، و حمص، و حماه، و استولى الخراب على صور، و عكّا، و نابلس، و طرابلس، و انخسفت قرية من أعمال بصرى، و خربت عدّة قلاع [ (2)].

[تغلّب ابن سيف الإسلام على اليمن‏]

و فيها اهتمّ عبد الرحمن بن حمزة [ (3)] العلويّ المتغلّب على بلاد اليمن بجمع العساكر، فجمع اثني عشر ألف فارس، و نحوها رجّالة، فخاف منه الملك المعزّ إسماعيل ابن سيف الإسلام صاحب اليمن. ثمّ إنّ أمراء ابن‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 164- 167، المختصر في أخبار البشر 3/ 100، تاريخ ابن الوردي 2/ 117، العسجد المسبوك 261- 264، البداية و النهاية 13/ 27، تاريخ ابن سباط 1/ 233.

[ (2)] تقدّم خبر الزلزلة و مصادره قبل قليل.

[ (3)] في مفرّج الكروب 3/ 136 «عبد اللَّه بن عبد اللَّه الحسني»، و مثله في: تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 229، و المختار من تاريخ ابن الجزري 76، 77 و في الكامل 12/ 171 «عبد اللَّه بن حمزة».

43

حمزة اجتمعوا للمشورة، فوقعت عليهم صاعقة، فبلغ ذلك إسماعيل، فسار لوقته و حارب عسكر ابن حمزة فهزمهم، و قتل منهم ستّة آلاف، و تمكّن من اليمن، و قهر الرعيّة، و ادّعى الخلافة و أنّه أمويّ [ (1)].

[عودة القاضي مجد الدين من الرسلية]

و في ذي القعدة عاد القاضي مجد الدّين يحيى بن الربيع مدرّس النّظاميّة، و كان قد نفّذ رسولا إلى شهاب الدّين الغوريّ.

[خروج طاشتكين لمحاربة ابن سيف الإسلام‏]

و فيها قدم الأمير مجد الدّين طاشتكين بعسكره من خوزستان. ثمّ توجّه في خامس ذي القعدة حاجّا [ (2)] و محاربا للمعز إسماعيل ابن سيف الإسلام.

و خرج نائب الوزارة نصير الدّين ناصر بن مهديّ فتوجّه إلى الحلّة لاستعراض العساكر الّتي تحجّ مع طاشتكين. فاستعرضهم، و توجّهوا. فلمّا وصل طاشتكين أرسل إلى إسماعيل يحذّره عواقب فعله و ينكر عليه، فلم يردعه العتب، فراسل طاشتكين أمراء اليمن يحثّهم على محاربته و يأمرهم بالجهاد. و كانوا كارهين ما ادّعاه إسماعيل من ادّعاء الإمامة، فأجاب أكثرهم إلى ذلك.

و كان إسماعيل يركب في أبّهة الملك، و يحترز كثيرا على نفسه، فتحالف الغرابليّ [ (3)] فضربه حلّ كتفه، و ضربه السّابق بدر أمعاه، و ناديا بشعار الدّولة العبّاسيّة [ (4)]، فلبّى دعوتهما جمع من الأمراء. و نزلا من خوفهما مركبا، و هبّت لهم الريح، فسارا في خمسة أيّام فوصلا جدّة، ثمّ أتيا مكّة، فخلع‏

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 171، 172، مفرّج الكروب 3/ 136 (في حوادث سنة 599 ه.)، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 229، 230، و وفيات الأعيان 2/ 524.

[ (2)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 280.

[ (3)] في تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 234 «الفرابلي» بالفاء.

[ (4)] مفرّج الكروب 3/ 137.

44

عليهما طاشتكين، و نفّذ بهما إلى بغداد، فاختارا أن يكونا في خدمة طاشتكين بخوزستان [ (1)].

[الخلعة لطغرل المستنجدي‏]

و فيها خلع على الأمير طغرل المستنجديّ زعيم البلاد الجبليّة.

[الغلاء ببلاد الشّراة]

و فيها وقع الغلاء المفرط ببلاد الشّراة [ (2)].

____________

[ (1)] المختار من تاريخ ابن الجزري 77.

[ (2)] الكامل 12/ 172، و هي بين الحجاز و اليمن.

45

سنة ثمان و تسعين و خمسمائة

[تقليد قضاء القضاة ببغداد]

في المحرّم خلع ببغداد على أبي الحسن عليّ بن سلمان الحلّي [ (1)] و قلّد قضاء القضاة.

[طلب ابن قتادة إمارة مكة]

و في رابع عشر صفر وصل الأمير طاشتكين من مكّة و في صحبته أبو أيّوب حنظلة بن قتادة بن إدريس العلويّ المتغلّب أبوه على مكّة يسأل أن يقرّ والده على الإمارة.

[أخذ برغش للقفل و قتله‏]

و فيها خرج قفل كبير من بغداد إلى الشّام، فأخذهم برغش مملوك بن مهارش، و قتل من القفل نفر يسير، فرجع التّجّار فقراء، فتقدّم الخليفة إلى علاء الدّين تتامش بالخروج في عسكره، فقصد برغش و أصحابه، فظفر بهم و قتلهم، و جي‏ء برءوسهم فألقيت بباب النّوبيّ، و ردّت الأموال إلى أربابها، و تأرّج عرف هذه المنقبة في أقاصي البلاد.

[إقامة الحجّ‏]

و قدم طاشتكين ليقيم للنّاس الحجّ [ (2)].

____________

[ (1)] في الأصل: «الخلي» بالخاء المعجمة، و في خلاصة الذهب المسبوك للإربلي لابن الكازروني 252 «علي بن عبد اللَّه بن سليمان الحلي»، و في البداية و النهاية 13/ 32 «الجيلي» بالجيم و الياء المثنّاة بنقطتين من تحتها.

[ (2)] في تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 240 «و حج بالناس في هذه السنة، أمير الحاج العراقي،

46

[الترسّل إلى صاحب غزنة]

و فيها سار في الرسليّة مدرّس النظاميّة يحيى بن الربيع إلى شهاب الدّين صاحب غزنة.

[تناقص الغلاء و زيادة النيل‏]

و في وسط السّنة تناقص الغلاء و الوباء عن إقليم مصر، و خفّ الإقليم من النّاس. ثمّ زاد النّيل كما قدّمنا في السّنة الماضية.

[لقاء العادل بالأفضل‏]

و فيها خرج العادل من دمشق طالبا حلب، و كان الملك الأفضل بحمص عند صاحبها، و هو زوج أخته، فالتقى عمّه العادل إلى ثنيّة العقاب، فأكرمه و عوّضه عن ميّافارقين سميساط، و سروج، و قلعة نجم [ (1)].

[مصالحة الظاهرة للعادل‏]

ثمّ نزل العادل على حماه، فصالحه الملك الظّاهر، فرجع العادل [ (2)].

[الزلزلة في الشام و قبرس‏]

و جاءت في شعبان زلزلة عظيمة شقّقت قلعة حمص، و أخربت حصن الأكراد، و تعدّت إلى قبرس، و أخربت [ (3)] بنابلس ما بقي.

قال العزّ النّسّابة: هذه هي الزّلزلة العظمى الّتي هدمت بلاد السّاحل، صور، و طرابلس، و عرقة، و رمت بدمشق رءوس المؤذّن، و قتلت مغربيّا بالكلّاسة و مملوكا [ (4)].

____________

[ ()] الخليفي العباسي»، المختار من تاريخ ابن الجزري 78، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 510.

ذيل الروضتين 29.

[ (1)] مفرّج الكروب 3/ 132، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 510.

[ (2)] مفرّج الكروب 3/ 132، تاريخ ابن الفرات ج 8 ق 2/ 226.

[ (3)] في الأصل: «و أخبرت».

[ (4)] انظر الكامل 12/ 198 (حوادث سنة 600 ه). و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 510.

47

[بناء الجامع المظفّري‏]

و قال سبط ابن الجوزيّ [ (1)]: فيها شرع الشّيخ أبو عمر في بناء جامع الجبل و كان بقاسيون [رجل فاميّ‏] [ (2)] اسمه محاسن، فأنفق في أساسه ما كان يمتلكه، فبلغ مظفّر الدّين صاحب إربل، فبعث مالا لبنائه.

قلت: و من ثمّ قيل له الجامع المظفّري، و نسب إلى مظفّر الدّين [ (3)].

[تملّك الناصر باليمن‏]

و فيها كانت قتلة المعزّ ابن سيف الإسلام صاحب اليمن، كما ذكرنا في ترجمته، و أقيم في الملك بعده أخوه الملك النّاصر.

قال ابن واصل [ (4)]: كان له سريّة، فعصت في قلعة منيعة، و عندها أموال لا تحصى، و نقل عنها أنّها ما تسلّم الحصن إلّا إلى رجل من بيت السّلطان.

و كان لسعد الدّين شاهنشاه ابن الملك المظفّر عمر ولد يقال له سليمان، قد افتقر و حمل الركوة، و حجّ بين الفقراء.

ثمّ إنه كاتب والدة الملك النّاصر بن سيف الإسلام، و كانت قد تغلّبت على زبيد، و هي تنتظر وصول أحد من آل أيّوب تتزوّجه و تملّكه، و بعثت إلى مكّة تكشف أخبار الملوك، فكتب إليها علامة، و عرّفها بسليمان هذا، فاستحضرته و خلعت عليه، و تزوّجته، و ملكته اليمن، فملأها ظلما و جورا، و اطّرح المملكة، و أعرض عنها. و كتب إلى السّلطان الملك العادل كتابا أوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ [ (5)]. فاستقلّ العادل عقله، و فكّر فيمن يبعث ليملك اليمن [ (6)].

____________

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 510.

[ (2)] في الأصل بياض، و المستدرك من المرآة.

[ (3)] البداية و النهاية 13/ 32.

[ (4)] في مفرّج الكروب 3/ 138، 139.

[ (5)] سورة النمل، الآية 30.

[ (6)] تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 232، 233.

48

سنة تسع و تسعين و خمسمائة

[تموّج النجوم و تطايرها]

أنبأنا ابن البزوريّ قال: في سلخ المحرّم ماجت النّجوم، و تطايرت كتطاير الجراد، و دام ذلك إلى الفجر، و انزعج الخلق، و خافوا و ضجّوا بالدّعاء إلى اللَّه تعالى. و لم يعهد ذلك إلّا عند ظهور رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (1)].

[منازلة ماردين‏]

قال: و فيها جمع الملك العادل عسكرا عديدا، و فرّق عليهم العدد و الأموال، و قدّم عليهم ولده الأشرف موسى، و أمره أن يحاصر ماردين. فقطع صاحب ماردين الميرة على عسكر العادل، و أمر أهل القلاع أن يقطعوا السّبل و الميرة، و التقى طائفة من هؤلاء، فاقتتلوا و انهزم عسكر ماردين بعد أن قطعوا الطّرق و تعذّر سلوكها.

و سار جماعة من عسكر العادل إلى راس عين، و بقي الملك الأشرف فلم ينل غرضه.

و دخل الملك الظّاهر صاحب حلب في الصّلح، فأجاب العادل على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة و خمسين ألف دينار، و أن يخطب له في بلاده، و أن يضرب السّكّة باسمه، و يكون عسكر ماردين في خدمته، فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك [ (2)].

____________

[ (1)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 513، البداية و النهاية 13/ 34.

[ (2)] مفرّج الكروب 3/ 139، الكامل في التاريخ 12/ 179، 180، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 248، 249، تاريخ مختصر الدول 226، الجامع المختصر 9/ 99، 100، المختار من تاريخ ابن الجزري 80. تاريخ ابن الوردي 2/ 171، العسجد المسبوك 2/ 275.

49

[رواية ابن الجوزي عن النجوم‏]

و ذكر عنه ابن الجوزيّ [ (1)] مثل ما قدّمنا من موج النّجوم و تطايرها.

و قال العزّ النّسّابة: رئي في السّماء نجوم متكاثفة متطايرة، شديدة الاضطراب إلى غاية.

[عمارة أسوار قلعة دمشق‏]

و فيها شرع العادل في عمارة أسوار قلعة دمشق [ (2)].

[موت غياث الدين الغوري‏]

و فيها مات السّلطان غياث الدّين الغوريّ، و قبض أخوه السّلطان شهاب الدّين ألب غازي على جماعة من خواصّ أخيه و أتباعه و صادرهم، و بالغ في التّنكيل بامرأة أخيه، و أخذ أموالها، و سيّرها إلى الهند على أسوأ حال، و هدم تربتها، و نبش أبويها، و رمى بعظامهم [ (3)].

[إلزام المنصور علي بالإقامة في الرها]

و فيها سيّر الملك العادل المنصور عليّ بن الملك العزيز، و قيل اسمه محمد [ (4)]، إلى مدينة الرّها، و ألزمه المقام بها. و كان بدمشق هو و أمّه و إخوته، فخاف العادل من ميل الرّعيّة إليه، و أن يتملّك دمشق فأبعده [ (5)].

____________

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 513.

[ (2)] مفرّج الكروب 3/ 141، البداية و النهاية 13/ 34.

[ (3)] انظر عن (غياث الدين الغوري) في: الكامل في التاريخ 12/ 180- 182، و البداية و النهاية 13/ 34، و ستأتي مصادر ترجمته في الترجمة في الوفيات.

[ (4)] هكذا في الكامل.

[ (5)] الكامل 12/ 184، الجامع المختصر 9/ 101، مفرّج الكروب 3/ 140، 141، العبر 4/ 306، المختار من تاريخ ابن الجزري 81، المختصر في أخبار البشر 3/ 103، تاريخ ابن الوردي 2/ 172.

50

[إرسال الخليفة الخلع للملك العادل‏]

و فيها بعث الخليفة الناصر لدين اللَّه إلى الملك العادل و أولاده بسراويلات الفتوّة و معها الخلع [ (1)].

[تملّك الأشرف حرّان و الرها]

و كان الأشرف بحرّان، ملّكه أبوه بها مع الرّها و غيرها في عام أوّل.

[محاربة صاحب سيس لصاحب أنطاكية]

و فيها خرج ابن لاون صاحب سيس لحرب البرنس صاحب أنطاكية، و عاث و أفسد.

[قدوم الفرنج إلى عكا]

و قدم عكّا خلق من الفرنج و تحرّكوا، فاهتمّ لهم العادل، ثمّ ترحّلوا لأجل الغلاء و القحط بعكّا، و خافوا لا يقطع العادل عن عكا الميرة [ (2)].

[انتصار صاحب حماه على الفرنج‏]

و فيها سار صاحب حماه الملك المنصور و نزل ببعرين، فقصده الفرنج من حصن الأكراد و طرابلس و غيرها، فالتقوا فهزمهم و قتل و أسر، و ذلك في رمضان.

ثمّ لم ينشب أن خرج جمع منهم في أربعمائة فارس و ألف و مائتي راجل، فالتقاهم صاحب حماه فكسرهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و أسر جماعة، و ذلك في رمضان. و مدحه الشّعراء (رحمه اللَّه تعالى) [ (3)].

____________

[ (1)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 513، البداية و النهاية 13/ 34.

[ (2)] مفرّج الكروب 3/ 135 و 140، تاريخ ابن الفرات: 44 ق 2/ 245.

[ (3)] مفرّج الكروب 3/ 141- 150، تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 249، 250.

51

سنة ستمائة

[كسرة صاحب الموصل‏]

قال سبط ابن الجوزيّ [ (1)]: فيها سار نور الدّين صاحب الموصل إلى تلعفر [ (2)]، فأخذها و كانت لابن عمّه قطب الدّين بن عماد الدّين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بالملك الأشرف جاره فجمع جمعا كثيرا و ساق، فعمل مصافّا مع صاحب الموصل فكسره الأشرف، و أسر جماعة من أمرائه، منهم مبارز الدّين سنقر الحلبيّ، و ابنه غازي [ (3)].

[زواج الأشرف‏]

ثم اصطلحا في آخر السّنة. و تزوّج الأشرف بأخت نور الدّين، و هي السّتّ الأتابكيّة صاحبة التّربة بقاسيون [ (4)].

[احتراق خزانة السلاح بدمشق‏]

و فيها احترقت خزانة السّلاح بدمشق، و ذهب جميع ما كان فيها.

____________

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 518.

[ (2)] في مفرّج الكروب 3/ 156 «تليعفر».

و في تقويم البلدان 284 «تلّ أعفر» من إقليم الجزيرة. قال: التلّ معروف. و أعفر بفتح الألف و سكون العين المهملة و فتح الفاء ثم راء مهملة. و هكذا وردت في مرآة الزمان.

و قال ابن الأثير في اللباب 1/ 219 في نسبة التّلعفري: بفتح التاء المنقوطة باثنتين من فوقها و اللام و العين المهملة و فتح الفاء و في آخرها الراء. موضع بنواحي الموصل.

[ (3)] الكامل في التاريخ 12/ 192، مفرّج الكروب 3/ 155- 157، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 518، تاريخ الزمان 242، الدر المطلوب 157، المختصر في أخبار البشر 3/ 75، تاريخ ابن الوردي 2/ 121، 122، تاريخ ابن خلدون 5/ 239، 240، تاريخ ابن سباط 1/ 235.

[ (4)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 518.

52

[أخذ العملة من مخزن الأيتام‏]

و فيها أخذت العملة المشهورة من مخزن الأيتام بقيسارية الفرش لأيتام الأمير سيف الدّين بن السّلّار، و مبلغها ستّة عشر ألف دينار. و بقيت سنين، ثمّ ظهرت على ابن الدّخينة، و قد حبس بسببها جماعة.

[انتهاب أسطول الفرنج فوّه بمصر]

و في رمضان توجّه أسطول الفرنج- لعنهم اللَّه- من عكّا في البحر عشرون قطعة، و دخلوا يوم العيد من فم رشيد في النّيل إلى بليدة فوّه [ (1)]، فنهبوها و استباحوها و رجعوا، و لم يتجاسروا على هذا منذ فتحت ديار مصر [ (2)].

و قد دخلوا من عند دمياط في النّيل أيضا في سنة سبع و ستّمائة إلى قرية نورة، ففعلوا نحو ذلك.

[محاصرة صاحب سيس لأنطاكية]

و فيها نزل صاحب سيس على أنطاكية و جدّ في حصارها، فخرج صاحب حلب و خيّم على حارم، فخاف صاحب سيس على بلاده، و ترحّل. ثمّ بعد أيّام هجم أنطاكية بمواطأة من أهلها، فقابله البرنس ساعة، ثمّ التجأ إلى القلعة، و نادى بشعار الملك الظّاهر، و سرّح بطاقة إلى حلب، فنجده صاحب حلب، فبلغ ذلك صاحب سيس، ففرّ إلى بلاده.

____________

[ (1)] فوّه: بالضم ثم التشديد. (معجم البلدان 4/ 280).

[ (2)] مفرّج الكروب 3/ 161، الكامل في التاريخ 12/ 198، تاريخ الزمان 243، ذيل الروضتين 50، المختصر في أخبار البشر 3/ 106، العسجد المسبوك 287، دول الإسلام 3/ 107، المختار من تاريخ ابن الجزري 88، العبر 5/ 311، الدرّ المطلوب 155، تاريخ ابن الوردي 2/ 122، مرآة الجنان 3/ 498 و فيه «قوّة» بالقاف، و هو تحريف، السلوك ج 1 ق 1/ 163، تاريخ ابن سباط 1/ 236.

53

[تجمّع الفرنج بعكا بقصد القدس‏]

و فيها أقبلت الفرنج من كلّ فجّ عميق لعكّا قاصدين على قصد بيت المقدس، فخرج العادل و نزل على الطّور، و جاءته النّجدة من الأطراف، و أقبلت الفرنج تغير على بلاد الإسلام و تأسر و تسبي. و استمرّ الحال على ذلك شهورا [ (1)].

[أخذ الفرنج القسطنطينية من الروم‏]

و أمّا القسطنطينيّة فلم تزل بيد الروم من قبل الإسلام، فلمّا كان في هذا الأوان أقبلت الفرنج في جمع عظيم و نازلوها إلى أن ملكوها [ (2)].

[استعادة الروم قسطنطينية]

قال ابن واصل [ (3)]: ثمّ لم تزل في أيدي الفرنج إلى سنة ستّين و ستّمائة، فقصدتها الروم و أخذوها من أيدي الفرنج [ (4)]، فهي بأيديهم إلى الآن، يعني سنة بضع و سبعين و ستّمائة [ (5)].

[الظفر برءوس الباطنية بواسط]

و فيها ظفر متولّي واسط برءوس الباطنيّة محمد بن طالب بن عصيّة و معه طائفة، فقتلوا بواسط و للَّه الحمد. و كانوا أربعين نفسا [ (6)].

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 194، مفرّج الكروب 3/ 159، المختصر في أخبار البشر 3/ 105، دول الإسلام 2/ 107، 108، العسجد المسبوك 285، تاريخ ابن الوردي 2/ 122، تاريخ ابن خلدون 5/ 340، السلوك ج 1 ق 1/ 163، تاريخ ابن سباط 1/ 236، البداية و النهاية 13/ 36.

[ (2)] الكامل 12/ 190- 192، مفرّج الكروب 3/ 160، تاريخ الزمان 241، تاريخ مختصر الدول 7227 228، المختصر 3/ 105، العسجد المسبوك 284، دول الإسلام 2/ 108، تاريخ ابن الوردي 2/ 122، البداية و النهاية 13/ 36، 37، السلوك ج 1 ق 1/ 163، تاريخ ابن سباط 1/ 236.

[ (3)] في مفرّج الكروب 3/ 160.

[ (4)] المصادر السابقة.

[ (5)] هذا قول المؤلّف «الذهبي»- (رحمه اللَّه)- و هو يؤلّف كتابه هذا في السنة المذكورة.

[ (6)] الكامل 12/ 197.

54

بسم اللَّه الرحمن الرّحيم‏

[تراجم رجال هذه الطبقة]

سنة إحدى و تسعين و خمسمائة

- حرف الألف-

1- أحمد بن أبي المجد إبراهيم بن محمد بن محمد بن حسّان بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرّحمن ابن سيف اللَّه خالد بن الوليد بن المغيرة [ (1)].

الحافظ رشيد الدّين أبو بكر المخزوميّ، المنيعيّ، الشّبذيّ، بالإعجام و الحركة، و شبذ: من أعمال أبيورد.

كان شيخا من أهل العلم. ذكره أبو العلاء الفرضيّ فقال: سمع: أبا المعالي الفارسيّ، و عبد الجبّار الحواريّ، و وجيها الشّحّاميّ، و عبد الوهّاب بن شاه الشاذياخيّ [ (2)]، و غيرهم.

و أجاز لجميع المسلمين في المحرّم سنة إحدى و تسعين و خمسمائة.

و ابنه رشيد الدّين محمد، سمع من أبيه، و غيره. و خرّج لنفسه.

2- أحمد بن بدر بن الفرج [ (3)].

____________

[ (1)] لم أجد مصدرا لترجمته، و هو ليس من المتوفين في هذه السنة بالتأكيد إذ لم يذكر المؤلّف- (رحمه اللَّه)- تاريخا لذلك، و إنما تاريخ إجازته للمسلمين.

[ (2)] الشاذياخي: بفتح الشين المعجمة، و الذال المعجمة الساكنة، و الياء المفتوحة المنقوطة باثنتين من تحتها بين الألفين. و في آخرها الخاء المعجمة. نسبة إلى شاذياخ و هو باب نيسابور. (الأنساب 7/ 241).

[ (3)] انظر عن (أحمد بن بدر) في: الوافي بالوفيات 6/ 263 رقم 2751.