تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج43

- شمس الدين الذهبي المزيد...
408 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

[الطبقة الحادية و الستون‏]

سنة إحدى و ستمائة و مما تمّ فيها:

[عزل وليّ العهد]

فيها عزل النّاصر لدين اللَّه ولده أبا نصر محمدا عن ولاية العهد، بعد أن خطب له بولاية العهد سبع عشرة سنة، و مال إلى ولده عليّ و رشّحه للخلافة، فاخترم في إبّان شبابه، فاضطرّ النّاصر إلى إعادة عدّة الدين أبي نصر و هو الخليفة الظّاهر [ (1)].

[الحريق بدار الخلافة]

قال أبو شامة [ (2)]: و فيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة لم ير مثله، و احترقت جميع خزانة السّلاح و الأمتعة و قدور النفط. ثم قال: و قيمة ما ذهب ثلاثة آلاف دينار و سبعمائة ألف دينار [ (3)].

[دفاع المنصور عن حماه‏]

قال [ (4)]: و فيها أخذت الفرنج النساء من على العاصي بظاهر حماه،

____________

[ (1)] الكامل في التاريخ 12/ 205، 206، ذيل الروضتين 50، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 522، 523، العسجد المسبوك 2/ 293، الجامع المختصر 9/ 144، البداية و النهاية 13/ 40، مفرّج الكروب 3/ 168، 169.

[ (2)] في ذيل الروضتين 51.

[ (3)] انظر عن (خبر الحريق أيضا) في: الكامل في التاريخ 12/ 206، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 523، و دول الإسلام 2/ 108، و العسجد المسبوك 2/ 293، و البداية و النهاية 13/ 41.

[ (4)] في ذيل الروضتين 51.

6

فخرج الملك المنصور إليهم، و ثبت و أبلى بلاء حسنا، و كسر عسكره و ثبت هو، و لو لا وقوفه لراحت حماه [ (1)].

[مهادنة العادل للفرنج‏]

و فيها كانت جموع الفرنج نازلين بمرج عكّا، و الملك العادل بجيوشه نازل في قبالتهم مرابطهم، و الرسل تتردّد في معنى الصلح، ثم آخر الأمر تقررت الهدنة مدة بأن تكون يافا لهم و مغلّ الرّملة و لدّ، ثم ترحّل العادل إلى مصر، و تفرّقت العساكر إلى أوطانهم [ (2)].

[غارة الفرنج على حمص‏]

و فيها أغارت الفرنج على حمص، و قتلوا و بدّعوا، و ردّوا غانمين [ (3)].

[محاصرة حماه‏]

و فيها بعث صاحب حماه عسكرا فحاصروا المرقب و كادوا يفتحونه، لو لا قتل أميرهم مبارز الدين أقجا، جاءه سهم فقتله [ (4)].

____________

[ (1)] انظر خبر (حماه أيضا) في: مفرّج الكروب لابن واصل 3/ 162، 163، و مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ج 8 ق 2/ 523، و التاريخ المنصوري 44، و المختصر في أخبار البشر 3/ 106، و نهاية الأرب للنويري 29/ 40 (حوادث سنة 603 ه.)، و الدرّ المطلوب لابن أيبك 158، و تاريخ ابن الوردي 2/ 122، و تاريخ ابن الفرات (مخطوطة فيينا 814) ج 5/ ورقة 16، و تاريخ ابن خلدون 5/ 340، و السلوك للمقريزي ج 1 ق 1/ 164، و الإعلام و التبيين للحريري 46، و شفاء القلوب للحنبلي 215، و النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 6/ 186، و تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) ج 1/ 239، 240، و شذرات الذهب لابن العماد 5/ 2، و تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ- (تأليفنا- طبعة 2- ج 1/ 545).

[ (2)] انظر خبر (الهدنة) في: مفرّج الكروب 3/ 162، و المختصر في أخبار البشر 3/ 106، و تاريخ ابن الوردي 2/ 122، و تاريخ ابن خلدون 5/ 340، و السلوك ج 1 ق 1/ 164، و الإعلام و التبيين 46، و دول الإسلام 2/ 108، و تاريخ ابن سباط 1/ 239، و شفاء القلوب 214.

[ (3)] مفرّج الكروب 3/ 164.

[ (4)] مفرّج الكروب 3/ 165، دول الإسلام 2/ 108 و فيه: «أقجبا».

7

[منازلة العادل طرابلس‏]

ثم في أواخر العام أغارت فرنج طرابلس على جبلة و اللاذقية، و كان عليها عسكر الحلبيين، فهزمتهم الفرنج، و قتل من المسلمين خلق، و حصل الوهن في الإسلام، و طمعت الملاعين في البلاد، فأهمّ العادل أمرهم، ثم خرج من مصر في سنة ثلاث و ستمائة، و أسرع حتى نازل عكّا، فصالحه أهلها على إطلاق جميع ما في أيديهم من أسرى المسلمين، فقبل الأسرى و ترحّل عنهم، ثم قدم دمشق و تهيّأ للغزاة، و علم أنّ الفرنج عدوّ ملعون، و سار حتى نزل على بحيرة قدس [ (1)]، و استدعى العساكر و الملوك فأقبلوا إليه، و أشاع قصد طرابلس، ثم سار فنازل حصن الأكراد، و افتتح منه برجا، و أسر منه خمسمائة، ثم توجّه إلى قلعة قريبة من طرابلس و حاصرها فافتتحها، ثم سار إلى مدينة طرابلس فنازلها، و نصب عليها المجانيق، و قطع جميع أشجارها، و خرّب أعمالها، و قطعوا عنها العين، و بقي أياما إلى أن أيس [ (2)] من جنده فشلا و مللا، فعاد إلى حمص، فبعث إليه صاحب طرابلس يخضع له، و بعث له هدايا و ثلاثمائة أسير، و التمس الصّلح فصالحه، و ذلّت له الفرنج و للَّه الحمد [ (3)].

[الحجّ من الشام‏]

و فيها حجّ من الشام صارم الدّين بزغش العادليّ، و زين الدين قراجا صاحب صرخد [ (4)].

____________

[ (1)] قدس: بالتحريك. و هي بحيرة في الجنوب من حمص.

[ (2)] أيس: بالعامّية، من «يئس».

[ (3)] مفرّج الكروب 3/ 166، 167 (حوادث 601 ه.) و 3/ 172، 173 (حوادث سنة 603 ه.)، التاريخ المنصوري 52، 53، زبدة الحلب 3/ 158، 159، المختصر في أخبار البشر 3/ 108، الدر المطلوب 160، تاريخ ابن الوردي 2/ 124، السلوك ج 1 ق 1/ 166، 167، شفاء القلوب 125، تاريخ الأيوبيين لابن العميد 127، تاريخ ابن سباط 1/ 241 و 242 (حوادث 603 و 604 ه.).

[ (4)] ذيل الروضتين 51، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 524 و فيه: «برغش» بالراء المهملة.

8

[تغلّب الفرنج على القسطنطينية]

و قال العز النّسّابة: فيها تغلّبت الفرنج على القسطنطينية و أخرجوا الرّوم منها بعد حصر و قتل، و حازوا مملكتها و انتهبوا ذخائرها، و وصل ما نهب منها إلى الشام و إلى مصر [ (1)].

[مولود برأسين و أربعة أرجل‏]

و قال محمد بن محمد القادسيّ في «تاريخه»: إنّ امرأة بقطفتا [ (2)] ولدت ولدا برأسين و أربعة أرجل و يدين، فتوفّي، و طيف به [ (3)].

[هزيمة الكرج أمام صاحب خلاط]

و فيها كان خروج الكرج على بلاد أذربيجان فعاثوا و قتلوا و سبوا، و اشتدّ البلاء، و وصلوا إلى أعمال خلاط، فجمع صاحب خلاط عسكره، و نجده عسكر أرزن الروم، فالتقوا الكرج، فنصرهم اللَّه على الكرج- لعنهم اللَّه- و قتل في المصافّ مقدّم الكرج، و غنم المسلمون و قتلوا مقتلة كبيرة [ (4)].

____________

[ (1)] ذيل الروضتين 52، تاريخ الخلفاء 456.

[ (2)] قطفتا: بضم الطاء المهملة و سكون الفاء. محلّة مشهورة بالجانب الغربي من بغداد.

[ (3)] انظر خبر (المولود) في: الكامل في التاريخ 12/ 206، و الجامع المختصر لابن الساعي 9/ 145، و العسجد المسبوك 2/ 293، و البداية و النهاية 13/ 43، و تاريخ الخلفاء 456.

[ (4)] انظر خبر (الكرج) في: الكامل في التاريخ 12/ 204، 205، و الجامع المختصر 9/ 151، و تاريخ مختصر الدول لابن العبري 228، و البداية و النهاية 13/ 41، و العسجد المسبوك 2/ 292، و دول الإسلام 2/ 109 (حوادث سنة 602 ه.).

9

سنة اثنتين و ستمائة

[وزارة نصير الدين العلويّ‏]

فيها استوزر الخليفة الوزير نصير الدين ناصر بن مهديّ العلويّ الحسنيّ، و خلع عليه خلعة الوزارة، فركب و بين يديه دواة عليها ألف مثقال، و وراءه المهد الأصفر و ألوية الحمد و الكوسات، و العهد منشور قدّامه، و الأمراء بين يديه مشاة [ (1)].

[هرب الوزير ابن حديدة]

و فيها هرب الوزير أبو جعفر محمد بن حديدة الأنصاريّ المعزول من دار الوزير نصير الدين بن مهديّ، و كان محبوسا عنده ليعذّبه و يصادره، فحلق لحيته و رأسه و هرب، فلم يظهر خبره إلّا من مراغة بعد مدّة، و عاد إلى بغداد [ (2)].

[غارة الأرمن على حلب‏]

و فيها أغار ابن لاون الأرمنيّ على حلب، و استباح نواحي حارم، فبعث الملك الظاهر غازي إليه جيشا، عليهم ميمون الكرديّ، فتهاون، فكبسهم ابن لاون، و قتل جماعة من العسكر، و ثبت أيبك فطيس، و بلغ الخبر الملك الظاهر فخرج و قصد حارم، فهرب ابن لاون إلى بلاده [ (3)].

____________

[ (1)] خبر الوزارة في: ذيل الروضتين 52، 53، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 525.

[ (2)] خبر هرب الوزير في ذيل الروضتين 2/ 53 و فيه تحرّفت «مراغة» إلى «فراغه»، و ذيل مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 526.

[ (3)] انظر خبر (ابن لاون) في: الكامل في التاريخ 12/ 238، 239، و ذيل الروضتين 53،

10

[منازلة دنيسر]

و فيها توجّه ناصر الدّين الأرتقيّ صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة أهلها، فجاء الملك الأشرف موسى فنازل دنيسر، فرجع ناصر الدّين إلى ماردين بعد أن خسر مائة ألف دينار، و لم ينل شيئا [ (1)].

[تسليم ترمذ للخطأ]

و فيها سلّم خوارزم شاه محمد إلى الخطا ترمذ، فتألّم الناس من ذلك، ثم بان أنّه إنّما فعل ذلك مكيدة ليتمكّن بذلك من ملك خراسان، لأنّه لمّا ملك خراسان قصد بلاد الخطا و أخذها و استباحها و بدّع [ (2)].

[حرب الكرج و عسكر خلاط]

و فيها قصدت الكرج أعمال خلاط فقتلوا و أسروا و بدّعوا، فلم يخرج إليهم عسكر خلاط، لأنّ صاحبها صبيّ، فلمّا اشتد البلاء على المسلمين تناخوا، و حرّض بعضهم بعضا، و تجمّعت العساكر و المطوّعة، و عملوا مصافّا مع الكرج، و أمسكوا على الكرج مضيق الوادي، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، و بعد ذلك تزوّج صاحب أذربيجان أبو بكر ابن البهلوان بابنة ملك الكرج، لأنّ الكرج تابعت الغارات على بلاده، فهادنهم [ (3)].

____________

[ ()] و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 526، و مفرّج الكروب 3/ 170، و زبدة الحلب 3/ 155- 158 (حوادث 601 و 602 ه.)، و البداية و النهاية 12/ 43.

[ (1)] انظر خبر (دنيسر) في: ذيل الروضتين 53، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 526، و المختار من تاريخ ابن الجزري 89، 90، و الجامع المختصر 9/ 206، و تاريخ ابن خلدون 5/ 378، 379، و النجوم الزاهرة 6/ 189 و أورده ابن الأثير مفصّلا في حوادث سنة 603 ه. من:

الكامل في التاريخ 25312- 255 و انظر: الإمارات الأرتقية في الجزيرة و الشام للدكتور عماد الدين خليل- ص 168، 169 (طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت 1400 ه./ 1980 م.).

[ (2)] انظر خبر (ترمذ) في: الكامل في التاريخ 12/ 231 و العسجد المسبوك 2/ 303، 304، و المختار من تاريخ ابن الجزري 90.

[ (3)] انظر خبر (خلاط) في: الكامل في التاريخ 12/ 240، و الجامع المختصر 9/ 177، و دول‏

11

[خروف بوجه آدميّ‏]

و فيها حمل إلى إربل خروف وجهه وجه آدميّ، و تعجّب النّاس منه [ (1)].

[حصار مراغة]

و فيها اتّفق علاء الدّين صاحب مراغة و مظفّر الدّين صاحب إربل على قصد أذربيجان و أخذها، لاشتغال ابن البهلوان بالخمور، و إهماله أمر المملكة، فسارا نحو تبريز، و طلب صاحبها النّجدة من مملوك أبيه آيدغمش صاحب الرّيّ و أصبهان، و كان حينئذ ببلاد الإسماعيلية، فنجده، ثم أرسل إلى صاحب إربل يقول: إنّا كنّا نسمع عنك أنّك تحبّ الخير و العلم، و كنّا نعتقد فيك، و الآن قد ظهر لنا ضدّ ذلك لقصدك قتال المسلمين، أما لك عقل تجي‏ء إلينا و أنت صاحب قرية، و نحن لنا من باب خراسان إلى خلاط و إربل، ثم قدّر أنّك هزمت هذا السلطان، أما تعلم أنّ له مماليك أنا أحدهم؟ فلمّا سمع مظفّر الدّين ذلك عاد خائفا. ثمّ قصد آيدغمش و ابن البهلوان مراغة و حاصروها، فصالحهم صاحبها على تسليم بعض حصونه، و داهن [ (2)].

[محاصرة آيدغمش للإسماعيلية]

و فيها سار الملك آيدغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين، فقتل و أسر و نهب، و حاصرهم فافتتح خمس قلاع، و صمّم على حصار الألموت و استئصال شأفتهم [ (3)].

____________

[ ()] الإسلام 2/ 109، و البداية و النهاية 13/ 43، و المختار من تاريخ ابن الجزري 90، و العسجد المسبوك 2/ 304.

[ (1)] انظر خبر (الخروف) في: الكامل في التاريخ 12/ 242، و الجامع المختصر 9/ 176، و العبر 5/ 3، و المختار من تاريخ ابن الجزري 91، و العسجد المسبوك 2/ 307 و قد تكرّر مرتين.

[ (2)] انظر خبر (مراغة) في: الكامل في التاريخ 12/ 236، 237.

[ (3)] انظر خبر (الإسماعيلية) في: الكامل في التاريخ 12/ 238، و العسجد المسبوك 2/ 304 و فيه «أيتغمش»، و دول الإسلام 2/ 109.

12

[مواقعة الخوارزمية]

و فيها واقع آيدغمش طائفة من الخوارزمية نحو عشرة آلاف، فكسرهم، و كانوا قد عاثوا و أفسدوا و قتلوا [ (1)].

[غارات ابن ليون على حلب‏]

و فيها توالت الغارات من الكلب ابن ليون [ (2)] الأرمنيّ صاحب سيس على أعمال حلب، فسبى و نهب و حرّق، فجهّز صاحب حلب عسكرا لحربهم، فاقتتلوا و كان الظّفر للأرمن- لعنهم اللَّه [ (3)].

____________

[ (1)] انظر عن (الخوارزمية) في: الكامل في التاريخ 12/ 238، و دول الإسلام 2/ 109.

[ (2)] يرد «ليون» و «لاون».

[ (3)] انظر خبر (ابن ليون) في: الكامل في التاريخ 12/ 238، 239، و مفرّج الكروب 3/ 170، و زبدة الحلب 3/ 157، 158، و دول الإسلام 2/ 109.

13

سنة ثلاث و ستمائة

[أمير الركب العراقي في الشام‏]

فيها فارق أمير الركب العراقي الركب و قصد الشام، و هو الأمير وجه السّبع، فقصده الأعيان و الحجّاج و بكوا و سألوه، فقال: أمير المؤمنين محسن إليّ، و ما أشكو إلّا الوزير ابن مهديّ، فإنّه يقصدني لقربي من الخليفة، و ما عن الرّوح عوض. و قدم الشام، فأكرمه العادل و بنوه [ (1)].

[ولاية القضاء ببغداد]

و فيها ولي قضاء القضاة ببغداد عماد الدّين أبو القاسم عبد اللَّه بن الحسين ابن الدّامغانيّ [ (2)].

[القبض على الركن عبد السلام‏]

و فيها قبض الخليفة على الركن عبد السّلام بن عبد الوهّاب ابن الشيخ عبد القادر فاستأصله، و كان قد بلغه فسقه و فجوره [ (3)].

[حجّ ابن مازة]

و فيها قدم بغداد حاجّا العلّامة برهان الدّين محمد بن عمر بن مازة الملقّب صدر جهان، و تلقّاه الأعيان، و حملت إليه الإقامات، و كان معه‏

____________

[ (1)] انظر عن (أمير الركب) في: الكامل في التاريخ 12/ 258 و فيه اسمه «مظفّر الدين سنقر»، و ذيل الروضتين 55، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 528، 529.

[ (2)] انظر عن (القضاء) في: ذيل الروضتين 55، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 529.

[ (3)] انظر عن (الركن عبد السلام) في: ذيل الروضتين 55، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 529.

14

ثلاثمائة فقيه، و كان زعيم بخارى يؤدّي الخراج إلى الخطا، و ينوب عنهم بالبلد، و يظلم و يعسف، حتّى لقّبوه «صدر جهنّم» [ (1)].

[منازلة الفرنج حمص‏]

و فيها نزلت الفرنج على حمص، فسار من حلب المبارز يوسف نجدة، و وقع مصافّ أسر فيه الصّمصام ابن العلائيّ، و خادم صاحب حمص [ (2)].

[الفتن بخراسان‏]

و فيها كانت بخراسان فتن و حروب، قوي فيها خوارزم شاه و اتّسع ملكه، و افتتح بلخ و غير مدينة من ممالك خراسان.

[الحرب بين خوارزم شاه و سونج‏]

و فيها التقى خوارزم شاه و سونج بالقرب من الطّالقان، فلمّا تصافّ الجيشان حمل الملك سونج و هو وحده بين الصّفّين، و ساق إلى القلب، ثمّ ترجّل، و رمى عنه سلاحه، و قبّل الأرض، و قال: العفو. فظنّ خوارزم شاه أنّه سكران، فلمّا علم صحوه سبّه و ذمّه و قال: من يثق إلى مثل هذا. و كان نائبا لغياث الدين الغوريّ على الطّالقان، فاستولى خوارزم شاه عليها، و قرّر بها نوّابه [ (3)].

____________

[ (1)] انظر عن (ابن مازة) في: الكامل في التاريخ 12/ 257، 258 و فيه «ابن مارة» بالراء، و ذيل الروضتين 57، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 529، و تاريخ الخميس 2/ 410.

[ (2)] انظر خبر (حمص) في: ذيل الروضتين 57، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 529.

[ (3)] انظر خبر (خوارزم شاه) في: الكامل في التاريخ 12/ 245، 246، و الجامع المختصر 9/ 204، و العسجد المسبوك 2/ 308.

15

سنة أربع و ستمائة

[ملك ابن البهلوان مدينة مراغة]

فيها ملك السّلطان نصرة الدين أبو بكر ابن البهلوان مدينة مراغة، و ذلك أنّ صاحبها علاء الدّين ابن قراسنقر مات و خلّف ابنا طفلا فملّكوه، ثم مات [ (1)].

[حرب خوارزم شاه و الخطا]

و فيها عبر خوارزم شاه إلى بلاد الخطا بجميع جيوشه و جيش بخارى و سمرقند، و حشد أهل الخطا فجرى بينهم وقعات و دام القتال.

قال ابن الأثير [ (2)]: في سنة أربع عبر علاء الدّين محمد ابن خوارزم شاه- قلت: و لقبه خوارزم شاه- إلى ما وراء النّهر لقتال الخطا، و كانوا قد طالت أيّامهم ببلاد تركستان و ما وراء النّهر! و ثقلت وطأتهم على أهلها، و لهم في كلّ بلد نائب، و هم يسكنون الخركاوات [ (3)] على عادتهم، و كان مقامهم بنواحي كاشغر و أوزكند و بلاساغون. و كان سلطان سمرقند و بخارى مقهورا معهم، فكاتب علاء الدّين و طلب منه النّجدة على أن يحمل إليه ما يحمله إلى الخطا و يريح الإسلام منهم.

____________

[ (1)] انظر عن (ابن البهلوان) في: الكامل في التاريخ 12/ 275، الجامع المختصر 9/ 242، و العسجد المسبوك 2/ 320، 321 و فيه: «نصرة الدولة».

[ (2)] في الكامل 12/ 259 و ما بعدها.

[ (3)] في الكامل: الخركاهات، و المعنى واحد، و هي: الخيم.

16

قلت [ (1)]: ثمّ اشتدّ القتال في بعض الأيّام بين المسلمين و الخطا، فانهزم المسلمون هزيمة شنيعة و أسر خلق، منهم السلطان خوارزم شاه و أمير من أمرائه الكبار، أسرهما رجل واحد و وصل المنكسرون إلى خوارزم، و تخبّطت الأمور. و أمّا خوارزم شاه فأظهر أنّه غلام لذلك الأمير، و جعل يخدمه و يخلّعه خفّه، فقام الّذي أسرهما و عظّم الأمير و قال: لو لا أنّ القوم عرفوا بك عندي لأطلقتك، ثمّ تركه أيّاما، فقال الأمير: إنّي أخاف أن يظنّ أهلي أنّي قتلت فيقتسمون مالي، فأهلك، و أحبّ أن تقرّر عليّ شيئا من المال حتّى أحمله إليك، و قال: أريد رجلا عاقلا يذهب بكتابي إليهم. فقال: إنّ أصحابنا لا يعرفون أهلك. قال: فهذا غلامي أثق به، فهو يمضي إن أذنت. فأذن له الخطائيّ فسيّره، و بعث معه الخطائيّ من يخفّره إلى قريب خوارزم، فخفروه، و وصل السلطان خوارزم شاه بهذه الحيلة سالما، و فرح به النّاس و زيّنت البلاد. و أمّا ذاك الأمير، و هو ابن شهاب الدّين مسعود، فقال له الّذي استأسره: إنّ خوارزم شاه قد عدم. فقال له: أما تعرفه؟ قال: لا. قال: هو أسيرك الّذي كان عندك. فقال: لم لا عرفتني حتّى كنت خدمته و سرت بين يديه إلى مملكته. قال: خفتكم عليه. فقال الخطائيّ: فسر بنا إليه. فسارا إليه.

ثمّ أتته الأخبار بما فعله أخوه عليّ شاه و كزلك خان، فسار ثمّ تبعه جيشه. و كان قبل غزوة الخطا قد أمّر أخاه على طبرستان و جرجان، و أمّر كزكان [ (2)] على نيسابور و هو نسيبه، و ولّى جلدك مدينة الجام، و ولّى أمين الدّين مدينة زوزن- و أمين الدّين كان من أكبر أمرائه، و كان حمّالا قبل ذلك، و هو الّذي ملك كرمان، و قتل حسين بن جرميك [ (3)]- و صالحه غياث الدّين الغوري و خضع له، و أمّر على مرو و سرخس نوابا، ثمّ جمع عساكره و عبر جيحون، و اجتمع بسلطان سمرقند، و جرى حرب الخطا الّذي ذكرناه.

____________

[ (1)] القول لابن الأثير.

[ (2)] هكذا بخط المؤلّف، و هو كزلك خان المذكور قبل قليل، كما في: الكامل 12/ 264.

[ (3)] هكذا بخط الذهبي مجود التقييد، و في المطبوع من كامل ابن الأثير: خرميل (12/ 260 فما بعد).

17

فأمّا ابن جرميك نائب هراة فإنّه رأى صنيع عسكر السلطان خوارزم شاه بالرعيّة من النّهب و الفتك، فأمسك منهم جماعة، و بعث إلى السّلطان يعرّفه ما صنعوا، فغضب و أمره بإرسال الجند لحاجته إليهم في قتال الخطا، و قال:

إنّي قد أمرت عزّ الدّين جلدك صاحب الجام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله و تدبيره. و كتب إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة، و يقبض على ابن جرميك. فسار في ألفي فارس- و قد كان أبوه طغرل متولّي هراة في دولة سنجر، فجلدك- إليها بالأشواق و يؤثرها على جميع خراسان. فلمّا خرج لتلقّيه نزلا و اعتنقا، ثمّ أحاط أصحابه بابن جرميك فهرب غلمانه إلى البلد، فأمر الوزير بغلق هراة و استعدّ للحصار، فنازل جلدك هراة، و أرسل إلى الوزير يتهدّده بأنّه إن لم يسلّم البلد قتل مخدومه ابن جرميك، فنادى الوزير بشعار السلطان غياث الدّين محمود الغوريّ، فقدّموا ابن جرميك إلى السّور فحدّث الوزير في التسليم فلم يقبل، فذبحوه. ثمّ أمر خوارزم شاه في كتبه إلى أمين الدّين صاحب زوزن، و إلى كزلك خان متولّي نيسابور بالمسير لحصار هراة، فسارا و نازلاها في عشرة آلاف، و اشتدّ القتال، و قد كان ابن جرميك قد حصّنها، و عمل لها أربعة أسوار، و حفر خندقها و ملأها بالميرة، و أشاع أنّي قد بقيت أخاف على هراة شيئا، و هو أن تسكر المياه الّتي لها، ثمّ ترسل عليها دفعة واحدة فينهدم سورها. فلمّا بلغ أولئك قوله فعلوا ذلك، فأحاطت المياه بها و لم تصل إلى السّور لارتفاع المدينة، بل ارتفع الماء في الخندق، و كثر الوحل بظاهر البلد، فتأخّر لذلك العسكر عنها، و هذا كان قصد ابن جرميك، فأقاموا أيّاما حتّى نشف الماء.

و لمّا أسر خوارزم شاه- كما قدّمنا- سار كزلك خان مسرعا إلى نيسابور، و حصّنها، و عزم على السّلطنة. و كذلك همّ بالسّلطنة عليّ شاه و دعا إلى نفسه، و اختبطت خراسان. فلمّا خلص خوارزم شاه و جاء هرب كزلك خان بأمواله نحو العراق، و هرب عليّ شاه ملتجئا إلى غياث الدّين الغوريّ، فتلقّاه و أكرمه.

18

و أمّا خوارزم شاه فإنّه استعمل على نيسابور نائبا، و جاء فتمّم حصار هراة، و لم ينل منها غرضا بحسن تدبير وزيرها. فأرسل إليه خوارزم شاه يقول: إنّك وعدت عسكري أنّك تسلّم إليّ البلد إذا حضرت. فقال: لا أفعل، أنتم غدّارون لا تبقون على أحد، و البلد للسّلطان غياث الدّين. فاتّفق جماعة من أهل هراة، و قالوا: أهلك النّاس من الجوع، و تعطّلت المعايش، و هذه ستّة أشهر. فأرسل الوزير من يمسكهم، فثارت فتنة في البلد و عظمت، فتداركها الوزير بنفسه، و كتب إلى خوارزم شاه، فزحف على البلد و هم مختبطون فملكها، و لم يبق على الوزير و قتله، و ذلك في سنة خمس. ثمّ سلّم البلد إلى خاله أمير ملك، فرمّ شعثه. ثمّ أمر خاله أن يسير إلى السّلطان غياث الدّين محمود بن غياث الدّين، فيقبض عليه و على عليّ شاه، فسار لحربهما، فأرسل غياث الدّين يبذل له الطّاعة، فأعطاه الأمان، فنزل غياث الدّين من فيروزكوه، فقبض عليه و على عليّ شاه. ثمّ جاء الأمر من خوارزم شاه بقتلهما، فقتلهما في وقت واحد من سنة خمس الآتية [ (1)].

[تملّك ابن العادل خلاط]

و فيها تملّك الأوحد أيّوب ابن العادل مدينة خلاط بعد حرب جرت بينه و بين بلبان صاحبها. و قتل بعد ذلك بلبان على يد ابن صاحب الروم مغيث الدّين طغرل شاه، و ساق القصّة ابن الأثير في «تاريخه» [ (2)] و ابن واصل [ (3)] و غيرهما.

و خلاط مملكة عظيمة و هي قصبة أرمينية، و بلادها متّسعة حتّى قيل:

إنّها في وقت كانت تقارب الدّيار المصريّة، و هذا مبالغة، و كانت لشاه‏

____________

[ (1)] انظر الخبر أيضا في: الجامع المختصر 9/ 237- 239، و المختصر في أخبار البشر 3/ 109، 110، و البداية و النهاية 13/ 47، 48، و العسجد المسبوك 2/ 314- 319، و نهاية الأرب 27/ 225، و تاريخ ابن سباط 1/ 244، و تاريخ الخميس 2/ 410.

[ (2)] الكامل: 12/ 272.

[ (3)] مفرج الكروب: 3/ 175 فما بعد.

19

أرمن بن سكمان، ثمّ لمملوكه بكتمر، فقتل بكتمر سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، فملكها ولده. ثمّ غلب عليها بلبان مملوك شاه أرمن. و كان الملك الأوحد قد ملّكه أبوه ميّافارقين و أعمالها بعد موت السّلطان صلاح الدّين، فافتتح مدينة موش و غيرها، و طمع في مملكة خلاط و قصدها، فالتقاه بلبان فكسره، فردّ إلى ميّافارقين، فحشد و جمع، و أنجده أبوه بجيش فالتقى هو و بلبان، فانهزم بلبان و تحصّن بالبلد، و استنجد بطغرل شاه السّلجوقيّ صاحب أرزن الروم، فجاء و هزم عنه الأوحد، ثمّ سار السّلجوقيّ و بلبان فحاصرا حصن موش، فغدر السّلجوقيّ ببلبان و قتله، و ساق إلى خلاط ليملكها فمنعه أهلها، فساق إلى منازكرد [ (1)] فمنعه أهلها، فردّ إلى بلاده، و استدعى أهل خلاط الأوحد فملّكوه، و ملك أكثر أرمينية. فهاجت عليه الكرج و تابعوا الغارات على البلاد، و اعتزل جماعة من أمراء خلاط و عصوا بقلعة، فسار لنجدته الأشرف موسى في جيوشه، و تسلّموا القلعة بالأمان. ثمّ سار الأوحد ليقرّر قواعد ملازكرد، فوثب أهل خلاط و عصوا، فكرّ الأوحد و حاصرهم، و دخل و بذل السيف فقتل خلقا، و أسر الأعيان. و كان شهما سفّاكا للدّماء، فتوطّدت له الممالك [ (2)].

[محاصرة الفرنج حمص‏]

و فيها اتّفق الفرنج من طرابلس و حصن الأكراد على الإغارة بأعمال حمص، ثمّ حاصروها، فعجز صاحبها أسد الدّين عنهم، و نجده الظّاهر صاحب حلب بعسكر قاوموا الفرنج. ثمّ إنّ السّلطان سيف الدّين سار من‏

____________

[ (1)] و يقال فيها: ملازكرد- باللام- كما هو معروف.

[ (2)] انظر خبر (خلاط) في: ذيل الروضتين 60، 61، و المختصر في أخبار البشر 3/ 108، 109، و تاريخ الزمان لابن العبري 246، و الدرّ المطلوب 161، و تاريخ الأيوبيين لابن العميد 127، و مرآة الجنان 4/ 5، و تاريخ ابن الوردي 2/ 124، و العبر 5/ 9، و البداية و النهاية 13/ 47، و العسجد المسبوك 2/ 319، و تاريخ ابن خلدون 5/ 340، و السلوك ج 1 ق 1/ 619، و النجوم الزاهرة 6/ 193، و تاريخ ابن سباط 1/ 243، و الجامع المختصر 9/ 242.

20

مصر بالجيوش و قصد عكّا، فصالحه صاحبها، ثمّ سار فنزل على بحيرة حمص [ (1)]، فأغار على بلاد طرابلس، و أخذ حصنا صغيرا من أعمالها [ (2)]. و قد مرّ ذلك استطرادا في سنة إحدى و ستّمائة.

____________

[ (1)] هي بحيرة قدس التي مرّ ذكرها في حوادث سنة 601 ه.

[ (2)] أفادت بعض المصادر أنّ «العادل» خرّب في طريقه حصن القليعات شماليّ طرابلس على الساحل. انظر: الكامل في التاريخ 12/ 274، و التاريخ المنصوري 53، و تاريخ الأيوبيين لابن العميد 127، و شفاء القلوب 215.

21

سنة خمس و ستمائة

[رسلية السهرورديّ‏]

فيها قدم الشّام شهاب الدّين السّهرورديّ في الرّسلية، و رجع و معه شمس الدّين ألدكز بالتّقادم و التّحف، فأعرض عن السّهرورديّ، و نقموا عليه حيث مدّ يده إلى الأموال بالشّام و قبل العطايا، و حضر دعوات الأمراء، فأخذت منه الرّبط و منع من الوعظ، فقال: ما قبلتها إلّا لأفرّقها في فقراء بغداد، و شرع يفرّق ذلك [ (1)].

[زلزلة نيسابور]

قال أبو شامة [ (2)]: و فيها زلزلت نيسابور زلزلة عظيمة دامت عشرة أيّام، فمات تحت الرّدم خلق عظيم [ (3)].

[منازلة الكرج مدينة أرجيش‏]

و فيها نازلت الكرج مدينة أرجيش فافتتحوها بالسّيف ثمّ أحرقوها، و أصبحت خاوية على عروشها، و لم يبق بها أحد، و لم يروّع الكرج أحد، فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون، و عجز عنهم الملك الأوحد ابن العادل و هي له [ (4)].

____________

[ (1)] خبر السهروردي في: ذيل الروضتين 64، و البداية و النهاية 13/ 51، 52، و نهاية الأرب 29/ 43.

[ (2)] في ذيل الروضتين 65.

[ (3)] انظر عن (الزلزلة) أيضا في: الكامل في التاريخ 12/ 283، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 539، و العسجد المسبوك 2/ 326، و دول الإسلام 2/ 111، و كشف الصلصلة 189.

[ (4)] انظر خبر (أرجيش) في: الكامل في التاريخ 12/ 279، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 541

22

[غارة كيخسرو على بلاد سيس‏]

و فيها خرج كيخسرو صاحب الروم و قصد بلاد سيس، و افتتح حصنا بالأمان [ (1)]، و نجده عسكر حلب، و أغار و سبى و غنم.

[فتح هراة]

و فيها افتتح خوارزم شاه مدينة هراة مرّة ثانية.

____________

[ ()] و فيه: «أرخس»، و العسجد المسبوك 2/ 324، 325، و تاريخ الخميس 2/ 410، و مفرّج الكروب 3/ 183، و دول الإسلام 2/ 111.

[ (1)] يعرف بغرقوس، كما في مفرّج الكروب 3/ 187، و الخبر باختصار في: دول الإسلام 2/ 111، و زبدة الحلب 3/ 159 و فيه «برنوس»، و في المختصر في أخبار البشر 3/ 111 «فرقوس».

23

سنة ست و ستمائة

[منازلة الكرج مدينة خلاط]

فيها نزلت الكرج على خلاط فضايقوها و كادوا يأخذونها، و كان بها الأوحد ابن الملك العادل، فقال لملك الكرج إيواني منجّمه: ما تبيت اللّيلة إلّا في قلعة خلاط. فاتّفق أنّه شرب و سكر، و ركب في جيوشه و قصد باب البلد، فخرج إليه المسلمون، و وقع القتال، فعثر به فرسه فوقع، فتكاثر عليه المسلمون، و قتل حوله جماعة من خواصّه، و أسر، فما بات إلّا بالقلعة، و هرب جيشه. و قيل: جرى ذلك في سنة سبع [ (1)].

[حصار سنجار]

و فيها نزل السّلطان الملك العادل على سنجار بجيوش عظيمة، و ضربها بالمجانيق أشهرا، و كاد أن يفتحها، فأرسل الملك الظّاهر من حلب أخاه المؤيّد مسعودا إلى العادل يشفع في أهل سنجار و صاحبها قطب الدّين محمد بن زنكي بن مودود، فلم يشفّعه. و مات المؤيّد في السّفر برأس عين، و كرهت المشارقة مجاورة الملك العادل، فاتّفقوا عليه مع صاحب إربل و تشفّعوا إليه، فرحل بعد أن أخذ نصيبين و الخابور و نزل حرّان، و كانت هذه من سيّئات العادل، يدع جهاد الفرنج و يقاتل المسلمين، فإنّا للَّه [ (2)].

____________

[ (1)] انظر خبر (خلاط) في: ذيل الروضتين 67، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 540، 541، و دول الإسلام 2/ 111، و تاريخ الخميس 2/ 410، و المختصر في أخبار البشر 3/ 113 (حوادث 607 ه.) و مفرّج الكروب 3/ 201، و الدر المطلوب 169، 172، و تاريخ ابن الوردي 2/ 127، و السلوك ج 1 ق 1/ 171، و تاريخ ابن سباط 1/ 249.

[ (2)] انظر خبر (سنجار) في: الكامل في التاريخ 12/ 284، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 541،

24

[رواية ابن الأثير عن الحرب بين خوارزم شاه و الخطا]

و قال ابن الأثير في «الكامل» [ (1)]: لمّا استقرّ أمر خراسان لخوارزم شاه محمّد بن تكش عبر جيحون في هذه السنة في جحفل عظيم، فجمع الخطا جموعهم، و المقدّم عليهم طاينكو [ (2)]، و كان شيخا مسنّا لقي الحروب، و كان مؤيّدا فيها مدبّرا، فكانت وقعة لم يشهد مثلها، انكسر فيها الخطا و قتل خلق كثير، و أسر طاينكو فجي‏ء به إلى خوارزم شاه، فأجلسه معه على السّرير و احترمه، ثمّ سيّره إلى خوارزم، و افتتح خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر قهرا و صلحا حتّى بلغ أوزكند، و جعل نائبة عليها، و رجع إلى خوارزم و في خدمته ملك سمرقند، و كان من أحسن النّاس صورة، فزوّجه خوارزم شاه بابنته، و ردّه و ردّ معه شحنة يكون بسمرقند على قاعدة ملك الخطا مع صاحب سمرقند. فتعب صاحب سمرقند بالخوارزمية، و ندم لما رأى من سوء سيرتهم و قبح معاملتهم النّاس، و أرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلّمها إليه، و يعود إلى طاعته. ثمّ أمر بقتل كلّ من عنده من الخوارزميين و وسّط جماعة من أعيانهم، و علّقهم في الأسواق، و مضى إلى القلعة ليقتل زوجته بنت خوارزم شاه، فأغلقت الأبواب، و منعت عن نفسها هي و جواريها، و بعثت تقول له: أنا امرأة، و قتل مثلي قبيح، فاتّق اللَّه فيّ. فتركها و ضيّق عليها. و جاء الخبر إلى السّلطان والدها، فغضب و قامت قيامته، و أمر بقتل كلّ من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمّه و خوّفته، فاقتصر على قتل كلّ سمرقنديّ بها، فنهته أيضا فانتهى. و أمر جيشه بالتّجهّز إلى ما وراء النّهر، فسار و سار في ساقتهم، و نازل سمرقند، و أرسل إلى صاحبها يقول له: قد

____________

[ ()] و زبدة الحلب 3/ 162، و ذيل الروضتين 67، و مفرّج الكروب 3/ 193- 195، و دول الإسلام 2/ 111، و المختصر في أخبار البشر 3/ 112، و البداية و النهاية 13/ 52، و العسجد المسبوك 2/ 331، و تاريخ ابن سباط 1/ 247، و نهاية الأرب 29/ 49، 50.

[ (1)] ج 12/ 267- 271 (حوادث سنة 604 ه.).

[ (2)] هكذا في أصل المؤلّف. و في الكامل: «طاينكوه»، و في نسخة أخرى «طايتكو».

25

فعلت ما لم يفعله مسلم و لا كافر و لا عاقل، و قد عفا اللَّه عمّا سلف، فاخرج عن البلاد إلى حيث شئت. فامتنع، فزحف عليه، و نصب السّلالم على السّور، و أخذ سمرقند، و وقع القتل و النّهب ثلاثة أيّام، فيقال: إنّهم قتلوا بها مائتي ألف، و سلم درب الغرباء و التّجار بحماية. ثمّ زحفوا على القلعة، فأخذت، و أسر الملك، فلمّا أحضر قبّل الأرض و طلب العفو، فقتله صبرا، و استعمل نوّابا على سمرقند.

و أمّا الخطا فلمّا ذهبوا مهزومين اجتمعوا عند ملكهم و لم يكن شهد الوقعة. و كان طائفة من التّتار قد خرجوا من بلادهم أطراف الصّين قديما فنزلوا وراء بلاد تركستان، فكان بينهم و بين الخطا حروب في هذا القرب، فلمّا سمعوا أنّ خوارزم شاه كسر الخطا قصدوهم مع مقدّمهم كشلوخان [ (1)]، فلمّا رأى ذلك ملك الخطا كتب إلى خوارزم شاه: أمّا ما كان منك من أخذ بلادنا و قتل رجالنا فمعفوّ عنه، فقد أتانا من هذا العدوّ ما لا قبل لنا به، فإن انتصروا علينا و أخذونا فلا دافع لهم عنك، و المصلحة أن تسير إلينا في عساكرك، و تنجدنا على حربهم. فكاتب خوارزم شاه مقدّم التّتار كشلوخان:

إنّني معك على قتال الخطا. و كاتب ملك الخطا: إنّني قادم لنصرتكم. و سار في جيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فلم يخالطهم، بل أوهم كلّا من الطّائفتين أنّه معهم، و أنّه كمين لهم، فالتقوا فانهزم الخطا أقبح هزيمة، فمال حينئذ خوارزم شاه مع التّتار عليهم قتلا و أسرا، فلم يفلت منهم إلّا القليل مع ملكهم لجئوا إلى جبال منيعة و تحصّنوا بها، و انضمّ إلى خوارزم شاه منهم طائفة كبيرة، و صاروا في جيشه. فأرسل يمنّ على كشلوخان، فاعترف له و أرسل إليه بأن يتقاسما مملكة الخطا كما اتّفقا على إبادتهم، فقال خوارزم شاه: ليس لك عندي إلّا السّيف، فإن قنعت بالمسالمة و إلّا سرت إليك. ثمّ سار حتّى قاربه، ثمّ تبيّن له أنّه لا طاقة له بالتّتر، فأخذ يراوغهم و يبيّتهم و يتخطّفهم، فأرسل إليه كشلوخان: ليس هذا فعل الملوك، هذا فعل اللّصوص،

____________

[ (1)] و يقال فيه: كشلي خان.

26

فإن كنت سلطانا فاعمل مصافّا. فجعل يغالطه و لا يجيبه، لكنّه أمر أهل فرغانة و الشّاش و أسبيجاب [ (1)] و كاسان و تلك البلاد النّزهة العامرة بالجلاء و الجفل إلى سمرقند و غيرها، ثمّ خرّبها جميعها خوفا من التّتار أن يملكوها.

ثمّ اتّفق خروج جنكزخان و التّتار الّذين أخربوا خراسان على كشلوخان، فاشتغل بحربهم مدّة عن السّلطان خوارزم شاه فرجع إلى بلاد خراسان.

قلت: و كان هذا الوقت أوّل ظهور الطّاغية جنكزخان، و أوّل خروجه من أراضيهم إلى نواحي التّرك و فرغانة. و أراضيهم براري من بلاد الصّين.

قال الموفّق عبد اللّطيف بن يوسف في خبر التّتار: هو حديث يأكل الأحاديث، و خبر يطوي الأخبار، و تاريخ ينسي التّواريخ، و نازلة تصغّر كلّ نازلة، و فادحة تطبق الأرض و تملؤها ما بين الطّول و العرض. و هذه الأمّة لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنّهم في جوارهم، و بينهم و بين تنكت [ (2)] أربعة أشهر. و هم بالنّسبة إلى التّرك عراض الوجوه، واسعو الصّدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة في الجسم و الرأي، تصل إليهم أخبار الأمم، و لا تصل أخبارهم إلى الأمم، و قلّما يقدر جاسوس أن يتمكّن منهم، لأنّ الغريب لا يتشبّه بهم، و إذا أرادوا جهة كتموا أمرهم و نهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتّى يدخلوه، و لا عسكر حتّى يخالطوه، فلهذا تفسد على النّاس وجوه الحيل، و تضيق طرق الهرب، و يسبقون التّأهّب و الاستعداد. و نساؤهم يقاتلن كرجالهم، و ربّما كان للمرأة رضيع فتعلّقه في عنقها و ترمي بالقوس. يرد على البلد منهم أوّلا نفر يسير حتّى يطمع فيهم أهله، فينتشرون وراءهم حتّى يبعدوا و ذاك النّفر منهزمون بين أيديهم، ثمّ ينهالون عليهم كقطع اللّيل فيعجلونهم عن المدينة فيجعلونهم كالحصيد، و يدخلون المدينة فيقتلون النّساء و الصّبيان بغير استثناء. و أمّا الرجال فربّما أبقوا منهم من كان ذا صنعة أو له قوّة في الخدمة.

____________

[ (1)] و يقال فيها: أسفيجاب- بالفاء- و هو من قلب الباء الفارسية إلى فاء.

[ (2)] مدينة من مدن الشاس، وراء نهر سيحون.

27

قال: و الغالب على سلاحهم النّشّاب و كلّهم يصنعه، و نصولهم قروب و حديد و عظام. و يطعنون بالسّيوف أكثر ممّا يضربون بها. و لهم جواشن من جلود و خفاف واقية. و خيلهم تأكل الكلأ رطبا و يابسا، و ما وجدت من ورق و خشب، و إذا نزلوا عنها أطلقوها. و سروجهم صغار خفاف ليس لها قيمة.

و أكلهم لحم أيّ حيوان وجد و تمسّه النار تحلّة القسم. و ليس في قتلهم استثناء و لا إبقاء. و كأنّ قصدهم إفناء النّوع، و فعلوا ذلك بجميع خراسان، و لم يسلم منهم إلّا أصبهان و غزنة.

قال: و يظهر من حالهم أنهم لا يقصدون الملك و المال بل إبادة العالم ليرجع يبابا.

و قال غيره: هذه القبيلة الخبيثة تعرف بالتّمرجيّ سكّان البراري قاطع الصّين، و مشتاهم بموضع يعرف بأرغون. و هم طائفة مشهورة بالشّرّ و الغدر.

و سبب ظهورهم أنّ إقليم الصّين متّسع مسيرة دورة ستّة أشهر، و يقال: إنّه يحويه صور [ (1)] واحد لا ينقطع إلّا عند الجبال و الأنهار. قلت: و هذا بعيد و هو ممكن [ (2)].

و الصّين ستّ ممالك، و لهم ملك حاكم على الممالك السّتّة، و هو قانهم [ (3)] الأكبر المقيم بطمخاج [ (4)]، و هو كالخليفة للمسلمين. و كان سلطان أحد الممالك السّتّة و هو دوس خان قد تزوّج بعمّة جنكزخان، فحضر زائرا لعمّته و قد مات زوجها. و كان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان، فأعلمتهما أنّ الملك لم يخلّف ولدا، و أشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام و انضمّ إليه خلق من المغول. ثمّ سيّر التّقادم [ (5)] إلى الخان الكبير، فاستشاط

____________

[ (1)] هكذا بخط المؤلف، و المشهور «سور» بالسين.

[ (2)] بل هو موجود معروف مشهور، و هو سور الصين العظيم.

[ (3)] يكتب «قان» و «خان» كما سيأتي.

[ (4)] في حاشية الأصل كتب أيضا: «طوغاج». و المثبت يتفق مع الكامل في التاريخ.

[ (5)] التقادم: الهدايا.

28

غضبا، و أمر بقطع أذناب الخيل الّتي أهديت و طردها، و قتل الرّسل، لكون التّتار لم يتقدّم لهم سابقة بتملّك، إنّما هم بادية الصّين. فلمّا سمع جنكزخان و صاحبه كشلوخان تحالفا على التّعاضد، و أظهرا الخلاف للخان، و أتتهما أمم كثيرة من التّتار. و علم الخان قوّتهم و شرّهم، فأرسل يؤانسهم، و يظهر مع ذلك أنّه ينذرهم و يهدّدهم، فلم يغن ذلك شيئا، ثمّ قصدهم و قصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا الخان الأعظم أقبح كسرة، و نجا بنفسه، و ملك جنكزخان بلاده و استفحل شرّه. فراسله الخان بالمسالمة، و رضي بما بقي في يده من الممالك، فسالموه. و استمرّ الملك بين جنكزخان و كشلوخان على المشاركة. ثمّ سارا إلى بلاد ساقون من نواحي الصّين فملكاها. فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكزخان و وقعت الوحشة، فطلب ابن كشلوخان قبالق و المالق، فصالحه ملكها ممدود خان بن أرسلان و ملك كاشغر من التّرك، و قوي، و بعد صيته، فجرّد لحربه جنكزخان ولده دوشي خان في عشرين ألفا، فحاربه و ظفر به دوشي خان. و استقلّ جنكزخان، و دانت له التّتار و انقادت له، و وضع لهم قواعد يرجعون إليها، فالتزموا بها و أوجبوها على نفوسهم، بحيث إنّه من خالف شيئا منها فقد ضلّ و وجب قتله. و اعتقدوا فيه و تألّهوه، و بالغوا في طاعته و التزام ياسته [ (1)]. ثمّ وقع مصافّ في بلاد التّرك بين دوشي خان و السّلطان خوارزم شاه محمّد، فانهزم دوشي خان بعد أن أنكى في جيش محمّد. و عاد محمّد إلى بلاد سمرقند و هو في همّ و فكر لما رأى من صبر التّتار و قتالهم و كثرتهم. و ستأتي أخبارهم فيما بعد عند ظهورهم على خوارزم شاه، و أخذهم ممالكه سنة سبع عشرة.

____________

[ (1)] الياسة: قانون التتار و شريعتهم.

29

سنة سبع و ستمائة

[عصيان سنجر الناصري و القبض عليه‏]

فيها عصى قطب الدّين سنجر النّاصريّ بتستر بعد موت طاشتكين أمير الحاجّ و هو حموه، فأرسل إليه الخليفة النّاصر عزّ الدّين نجاح الشّرابيّ، و الوزير مؤيّد الدّين القمّيّ نائب الوزارة، فلمّا قربوا من ششتر [ (1)] هرب سنجر بأمواله و أهله إلى صاحب شيراز أتابك موسى، فحلف له أن لا يسلمه، ثمّ غدر به و أسره و أخذ أمواله و فسق بنسائه، ثم بعثه مقيّدا، فأدخل بغداد على بغل [ (2)].

[الإجازة للناصر لدين اللَّه‏]

و فيها أظهر النّاصر لدين اللَّه الإجازة الّتي أخذت له من الشّيوخ، و خرّج عنهم جزءا أو خرّج له، و هو المسمّى ب «روح العارفين»، و أجازه للأكابر، فكتب: «أجزنا لهم ما سألوا على شرط الإجازة الصّحيحة، و كتب العبد الفقير إلى اللَّه أبو العبّاس أحمد أمير المؤمنين». و سلّمت إجازة الشّافعيّة إلى الإمام ضياء الدّين عبد الوهّاب بن سكينة المتوفّى في هذه السّنة، و إجازة الحنفيّة إلى ضياء الدّين أحمد بن مسعود التّركستانيّ، و إجازة الحنبليّة إلى عماد الدّين نصر بن عبد الرّزّاق الجيليّ، و إجازة المالكيّة إلى تقيّ الدّين عليّ بن جابر المغربيّ التّاجر [ (3)].

____________

[ (1)] هي تستر، و هذا لفظ آخر لها، و هي تلفظ اليوم هكذا بالشين المعجمة، و هي مدينة بالأحواز.

[ (2)] انظر خبر (سنجر) في: الكامل في التاريخ 12/ 289، 290، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 544، و العسجد المسبوك 2/ 333، 334.

[ (3)] انظر خبر (الإجازة) في: ذيل الروضتين 69، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 543، 544.

30

[مجلس ابن الجوزيّ بدمشق‏]

و فيها، قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ [ (1)]: خرجت من دمشق بنيّة الغزاة إلى نابلس، و كان الملك المعظّم بها، فجلست بجامع دمشق في ربيع الأوّل، فكان النّاس من مشهد زين العابدين إلى باب النّاطفيّين، و كان القيام في الصّحن أكثر، و حزروا بثلاثين ألفا، و كان يوما لم ير بدمشق و لا بغيرها مثله. و كان قد اجتمع عندي شعور كثيرة من التّائبين، و كنت وقفت على حكاية أبي قدامة الشّاميّ مع تلك المرأة الّتي قطعت شعرها و قالت: اجعله قيدا لفرسك في سبيل اللَّه، فعملت من الّتي اجتمعت عندي شكلا لخيل المجاهدين و كرفسارات، فأمرت بإحضارها على الأعناق، فكانت ثلاث مائة شكال، فلمّا رآها النّاس ضجّوا ضجّة عظيمة و قطعوا مثلها، و قامت القيامة، و كان المعتمد والي دمشق حاضرا، و قام فجمع الأعيان. فلمّا نزلت من المنبر قام يطرّق لي، و مشى بين يديّ إلى باب النّاطفيّين، فتقدّم إلى فرسي فأمسك بركابي، و خرجنا من باب الفرج إلى المصلّى، و جميع من كان بالجامع بين يديّ، و سرنا إلى الكسوة و معنا خلق مثل الترّاب، فكان من قرية زملكا فقط نحو ثلاث مائة رجل بالعدد و السّلاح، و من غيرها خلق خرجوا احتسابا.

و جئنا إلى عقبة فيق [ (2)] و الوقت مخوف من الفرنج، فأتينا نابلس، و خرج المعظّم فالتقانا و فرح بنا، و جلست بجامع نابلس، و أحضرت الشّعور، فأخذها المعظّم، و جعلها على وجهه و بكى، و لم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم، فخدمنا و خرجنا نحو بلاد الفرنج، فأخربنا و هدّمنا و أسرنا جماعة، و قتلنا جماعة، و عدنا سالمين مع المعظّم إلى الطّور، فشرع المعظّم في عمارة حصن عليه، و بناه إلى آخر سنة ثمان فتكامل سوره، و بنى فيه مدّة بعد ذلك، و لا نحصي ما غرم عليه [ (3)].

____________

[ (1)] في مرآة الزمان: 8/ ق 2/ 544- 545.

[ (2)] بين دمشق و طبرية و منها ينحدر إلى غور الأردن.

[ (3)] و انظر الخبر أيضا في: ذيل الروضتين 69، 70، و البداية و النهاية 13/ 58.

31

[حجّ ابن جندر]

و حجّ بالنّاس سيف الدّين عليّ بن سليمان بن جندر من أمراء حلب [ (1)].

[تحالف الملوك على العادل‏]

و فيها اتّفقت الملوك على الملك العادل، منهم: سلطان الروم، و صاحب الموصل، و صاحب إربل، و صاحب حلب، و صاحب الجزيرة، اتّفقوا على مشاققة العادل، و أن تكون الخطبة بالسّلطنة لصاحب الروم خسرو شاه بن قليج أرسلان، فأرسلوا إلى الكرج بالخروج إلى جهة خلاط، و خرج كلّ منهم بعساكره إلى طرف بلاده ليجتمع بصاحبه على قصد العادل، و كان هو بحرّان و عنده صهره صاحب آمد، فنزل الكرج على خلاط مع مقدّمهم إيوانيّ، و صاحبها يومئذ الأوحد ابن الملك العادل كما تقدّم، و أنّه أسر فأكرمه الأوحد، و طالع بذلك والده فطار فرحا، و علم بذلك الملوك المذكورون فتفرّقت آراؤهم و صالحوا العادل، و اشترى إيواني نفسه بثمانين ألف دينار، و بألفي أسير من المسلمين، و بتسليم إحدى و عشرين قلعة متاخمة لأعمال خلاط كان قد تغلّب عليها، و بتزويج بنته لأخي الأوحد، و أن يكون الكرج معه أبدا سلما، فاستأذن الأوحد والده في ذلك، فأمضاه، و أطلقه و عاد إلى ملكه، و حمل بعض ما ذكرنا، و سومح بالباقي، فلمّا صارت خلاط للملك الأشرف تزوّج بابنة إيواني [ (2)].

[موت صاحب الموصل‏]

و فيها كان إملاك نور الدّين أرسلان شاه صاحب الموصل على ابنة

____________

[ (1)] خبر الحج في: ذيل الروضتين 70، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 546.

[ (2)] انظر خبر (الحلف) في: ذيل الروضتين 75، و مفرّج الكروب 3/ 201، و المختصر لأبي الفداء 3/ 113، و الدر المطلوب 169 و 172، و نهاية الأرب 29/ 47، 48، و تاريخ ابن الوردي 2/ 127، 128، و تاريخ الخميس 2/ 410، و السلوك ج 1 ق 1/ 171، و تاريخ ابن سباط 1/ 148، 249.

32

العادل بقلعة دمشق على صداق ثلاثين ألف دينار، و كان العقد مع وكيله، ثمّ ظهر أنّه قد مات بالموصل من أيّام و قام ولده عزّ الدّين [ (1)].

[ظهور عملة لبني السلار]

و فيها ظهرت عملة بني السّلّار السّتّة عشر ألف دينار على ابن الدّخينة [ (2)] بعد طول مكثه في الحبس، و موت زوجته تحت الضّرب و عصره مرّات و عصر بناته و ابنه، و ما قرّوا بشي‏ء. و كان أكثر الذّهب مدفونا تحته بسجن القلعة، و انكشف أمرها بأيسر حال من جهة منصور ابن السّلّار، فإنّه بحث عنها بسبب أنّه حبس عليها، و جمع من المبلغ عشرة آلاف دينار و مائتين، ثمّ مات ابن الدّخينة في الحبس، و صلب ميتا بقيساريّة الفرش.

[الشروع في بناء معالم بدمشق‏]

و فيها شرع في بناء المصلّى بظاهر دمشق، و عملت أبواب الجامع من جهة باب البريد، و بني شاذروان الفوّارة، و عمل بها المسجد، و رتّب له إمام [ (3)].

____________

[ (1)] انظر عن (صاحب الموصل) في: الكامل في التاريخ 12/ 291- 293، و التاريخ الباهر 189- 201، و تاريخ إربل 1/ 57، و ذيل الروضتين 70، و تاريخ مختصر الدول 229، و تاريخ الزمان 249 و مفرّج الكروب 3/ 302، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 546، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 210، رقم 1162، و بغية الطلب (تراجم السلاجقة) 302- 304 رقم 31، و وفيات الأعيان 1/ 193، 194، و الدرّ المطلوب 169، و المختصر في أخبار البشر 3/ 13، و دول الإسلام 2/ 113، و العبر 5/ 21، و سير أعلام النبلاء 21/ 496، 497 رقم 256، و تاريخ ابن الوردي 2/ 128، و مرآة الجنان 4/ 13، 14، و البداية و النهاية 13/ 57- 61، و الوافي بالوفيات 8/ 341 رقم 3769، و العسجد المسبوك 2/ 334، 335، و السلوك ج 1 ق 1/ 172، و النجوم الزاهرة 6/ 200، و تاريخ ابن سباط 1/ 249، و شذرات الذهب 5/ 24.

[ (2)] في ذيل الروضتين 76 «الدخنية» بتقديم النون.

[ (3)] الخبر في: ذيل الروضتين 76، و البداية و النهاية 13/ 57، و نهاية الأرب 29/ 52، 53.

33

[غارة القبرصي إلى ساحل دمياط]

و فيها توجّه البال القبرصيّ [ (1)]- لعنه اللَّه- في مراكب من عكّا، توجّه إلى ساحل دمياط و أرسى غربيّها، و طلع و سار في البرّ بجيوشه فكبس قرية نورة و سبى أهلها، و ردّ إلى مراكبه [ (2)].

[نقصان دجلة]

و فيها نقصت دجلة نقصا مفرطا، حتّى خاض النّاس دجلة فوق بغداد، و هذا أمر لم يعهد مثله، قاله ابن الأثير [ (3)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل بالصاد. و هي بالسين كما هو مشهور.

[ (2)] انظر خبر (القبرصي) في: ذيل الروضتين 77، و البداية و النهاية 13/ 57، و نهاية الأرب 29/ 53.

[ (3)] في الكامل في التاريخ 12/ 294، 295.

34

سنة ثمان و ستمائة

[التخييم على الطور]

استهلّت و الملك العادل مخيّم على الطّور، و ابنه المعظّم مباشر للعمارة [ (1)].

[انكسار الفرنج عند طليطلة]

و جاء الخبر من جهة طرابلس بأنّ الأخبار تتابعت إليها في البحر أنّ ابن عبد المؤمن كسر الفرنج بأرض طليطلة كسرة عظيمة أباد فيها خلقا منهم، و نازل طليطلة [ (2)].

[الزلزلة بمصر و الأردن‏]

قال أبو شامة [ (3)]: و فيها كانت زلزلة عظيمة هدمت أماكن بمصر و القاهرة و أبرجة و دورا بالكرك و الشّوبك، و هلك جماعة [ (4)].

[تحوّل باطنية حصن الألموت إلى الإسلام‏]

قال: و فيها قدم رسول من جلال الدّين حسن صاحب الألموت يخبر بأنّهم قد تبرّءوا من الباطنيّة، و بنوا المساجد و الجوامع، و صاموا رمضان، فسرّ الخليفة بذلك [ (5)].

____________

[ (1)] ذيل الروضتين 77.

[ (2)] انظر خبر (طليطلة) في: ذيل الروضتين 77، 78، و البداية و النهاية 13/ 62.

[ (3)] في ذيل الروضتين: 78.

[ (4)] و انظر خبر (الزلزلة) أيضا في: البداية و النهاية 13/ 62، و السلوك ج 1 ق 1/ 175، و كشف الصلصلة 198.

[ (5)] انظر خبر (الباطنية) في: ذيل الروضتين 78، و مفرّج الكروب 3/ 211، و المختصر في‏

35

[الأمر بقراءة «مسند» الإمام أحمد]

و فيها أمر الخليفة بأن يقرأ «مسند» الإمام أحمد بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفيّ الدّين محمد بن سعد الموسويّ بالإجازة له من النّاصر لدين اللَّه [ (1)].

[نهب الركب العراقي‏]

و فيها نهب الرّكب العراقيّ، و كان أميرهم علاء الدّين محمد بن ياقوت.

و حجّ من الشّام الصّمصام إسماعيل النّجميّ بالنّاس، و فيهم ربيعة خاتون أخت العادل، فوثبت الإسماعيليّة بمنى على ابن عمّ قتادة أمير مكّة، و كان يشبه قتادة، فظنّوه إياه فقتلوه عند الجمرة، و ثار عبيد مكّة و أوباشها، و صعدوا على جبل منى، و كبّروا، و رموا النّاس بالمقاليع و النّشّاب، و نهبوا النّاس، و ذلك يوم العيد و ثانيه، و قتلوا جماعة، فقال ابن أبي فراس لابن ياقوت: أرحل بنا، فلمّا حصلت الأثقال على الجمال حمل قتادة و عبيده فأخذوا الركب، و قال قتادة: ما كان المقصود إلّا أنا، و اللَّه لا أبقيت من حجّ العراق أحدا. و هرب ابن ياقوت إلى ركب الشّاميّين، و استجار بربيعة خاتون، و معه أمّ جلال الدّين صاحب الألموت، فأرسلت ربيعة إلى قتادة رسالة مع ابن السّلّار تقول له: ما ذنب النّاس، قد قتلت القاتل، و جعلت ذلك سببا إلى نهب المسلمين، و استحللت دماءهم في الشّهر الحرام و الحرم، و قد عرفت من نحن، و اللَّه لئن لم تنته لأفعلنّ و أصنعنّ. فجاء إليه ابن السّلّار و خوّفه و قال: ارجع عن هذا و إلّا قصدك الخليفة من العراق و نحن من الشّام. فكفّ و طلب مائة ألف دينار، فجمع ثلاثون ألفا من العراقيّين، و بقي النّاس حول مخيّم ربيعة بين قتيل و جريح، و جائع و منهوب، و قال قتادة: ما فعل هذا إلّا الخليفة، و لئن عاد أحد حجّ من بغداد لأقتلنّ الجميع.

____________

[ ()] أخبار البشر 3/ 114، و الكامل في التاريخ 12/ 298، و العسجد المسبوك 2/ 338، و البداية و النهاية 13/ 62، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 555.

[ (1)] انظر خبر (المسند) في: ذيل الروضتين 78، و مرآة الزمان ج 8، ق 2/ 556.

36

و يقال: إنّه أخذ من النّهب ما قيمته ألفا ألف دينار، و أذن للنّاس في دخول مكّة، فدخل الأصحّاء، فطافوا أيّ طواف، و رحلوا إلى المدينة، و دخلوا بغداد على غاية من الفقر و الهوان، و لم ينتطح فيها عنزان [ (1)].

[قدوم آيدغمش إلى بغداد]

و فيها قدم آيدغمش صاحب همذان و أصبهان و الرّيّ إلى بغداد هاربا من منكلي، و كان قد تمكّن من البلاد، و بعد صيته، و كثرت جيوشه، و حاصر أبا بكر بن البهلوان، فخرج عليه منكلي و هو من المماليك، و نازعه الأمر فكثر جموعه. و كان يوم قدوم آيدغمش إلى بغداد يوما مشهودا في الاحتفال، و أقام ببغداد سنتين [ (2)].

____________

[ (1)] انظر خبر (الركب) في: الكامل في التاريخ 12/ 297، و مفرّج الكروب 3/ 210، و ذيل الروضتين 78، 79، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 556، 557، و البداية و النهاية 13/ 62، و العسجد المسبوك 2/ 338، و دول الإسلام 2/ 114، و السلوك ج 1 ق 1/ 175، 176، و شفاء الغرام (بتحقيقنا) ج 2/ 370- 373، و مرآة الجنان 4/ 15، و شذرات الذهب 5/ 32.

[ (2)] انظر خبر (آيدغمش) في: الكامل في التاريخ 12/ 296، و العسجد المسبوك 2/ 337.

37

سنة تسع و ستمائة

[نكبة سامة الجبليّ‏]

قال أبو شامة [ (1)]: فيها نكبة سامة [ (2)] الجبليّ صاحب دار سامة الّتي صيّرت مدرسة الباذرائيّة. و كان من الأمراء الكبار، و هو الّذي قيل عنه: إنّه سلّم بيروت إلى الفرنج.

و قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ [ (3)]: اجتمع الملك العادل و أولاده بدمياط، و كان سامة بالقاهرة قد استوحش منهم، و اتّهموه بمكاتبة الظّاهر صاحب حلب، و حكى لي المعظّم: أنّه وجد له كتبا و أجوبة إليه، فخرج سامة من القاهرة كأنّه يتصيّد، ثمّ ساق إلى الشّام بمماليكه، و طلب قلاعه و هما:

كوكب و عجلون، فأرسل والي بلبيس بطاقة إلى العادل، فقال العادل: من ساق خلفه فله أمواله و قلاعه. فركب المعظّم و أنا معه، فقال لي: أنا أريد أن أسوق فسق أنت مع قماشي، و ساق في ثمانية، إلى غزّة في ثلاثة أيّام، فسبق سامة. و أمّا سامة فانقطع عنه مماليكه و من كان معه، و بقي وحده و به نقرس، فوصل الدّاروم، فرآه بعض الصّيادين فعرفه، فقال له: انزل. قال: هذه ألف دينار و أوصلني إلى الشّام، فأخذها الصّيّاد، و جاء رفاقه فعرفوه أيضا، فأخذوه على طريق الخليل ليحملوه إلى عجلون، فدخلوا به. قال: و أنزل في صهيون، و بعث إليه المعظّم بثياب و لاطفه و قال: أنت شيخ كبير و بك نقرس،

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 80.

[ (2)] هكذا في الأصل، و في المصادر «أسامة» بإضافة الهمزة في أوله.

[ (3)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 560، 561.

38

و ما يصلح لك قلعة، فسلّم إليّ عجلون و كوكب، و أنا أحلف لك على مالك و ملكك، و تعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع و شتم المعظّم، فيئس منه و حبسه بالكرك، و استولى على قلاعه و أمواله، فكان قيمة ما أخذ له ألف دينار، و خرّبت قلعة كوكب إلى الأرض عجزا عن حفظها [ (1)].

[اصطلاح الظاهر و العادل‏]

و فيها في المحرّم اصطلح الملك الظّاهر مع عمّه العادل، و تزوّج بابنته، و كان العقد بدمشق بوكيلين على خمسين ألف دينار، و هي ضيفة خاتون شقيقة الملك الكامل، و نثر النّثار على الشّهود و القرّاء، و بعثت إلى حلب في الحال.

و كان جهازها على ثلاثمائة جمل، و خمسين بغلا، و معها مائتا جارية. فلمّا أدخلت على الظّاهر مشى لها خطوات، و قدّم لها خمس عقود جوهر، قيمتها ثلاثمائة ألف و خمسون ألف درهم، و أشياء نفيسة. و كان عرسا مشهودا [ (2)].

[الخلع لصاحب مكة]

و فيها بعث الخليفة مع الرّكب لقتادة صاحب مكّة خلعا و مالا حتّى لا يؤذي الرّكب [ (3)].

[استيلاء صاحب عكا على أنطاكية]

و فيها استولى ألبان صاحب عكّا على أنطاكية، و شنّ الغارات على التّركمان، و شرّدهم، فاجتمعوا له و أخذوا عليه المضايق، و حصل في واد

____________

[ (1)] و انظر خبر (سامة أيضا) في: الكامل في التاريخ 12/ 300، و مفرّج الكروب 3/ 209، 210، و المختصر في أخبار البشر 3/ 114، و السلوك ج 1 ق 1/ 175، و فيه مجرّد إشارة، و نهاية الأرب 29/ 59.

[ (2)] انظر خبر (العرس) في: زبدة الحلب 3/ 164، و المختصر في أخبار البشر 3/ 114، و مفرّج الكروب 3/ 212- 214، و تاريخ ابن الوردي 2/ 130، و السلوك ج 1 ق 1/ 176، و تاريخ ابن سباط 1/ 251.

[ (3)] مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 561، ذيل الروضتين 81.

39

فقتلوه، و قتلوا جميع رجاله، قاله أبو شامة [ (1)]. و هو الّذي كان قد هجم على فوّة و نورة [ (2)] و قتل و سبى.

[عزل الوزير ابن شكر]

و فيها عزل العادل وزيره صفيّ الدّين بن شكر، و صادره و نفاه إلى الشّرق [ (3)].

[وقعة العقاب بالأندلس‏]

و فيها كانت الوقعة المشهورة بوقعة العقاب بالأندلس بين محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقّب بالنّاصر، و بين الفرنج، و نصر اللَّه الإسلام، و استشهد بها خلق كثير [ (4)].

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 81 و فيه: «البال» باللام.

[ (2)] في ذيل الروضتين: «بورة».

[ (3)] انظر عن (ابن شكر) في: ذيل الروضتين 81، و السلوك ج 1 ق 1/ 176.

[ (4)] انظر خبر (موقعة العقاب) في: دول الإسلام 2/ 114.

40

سنة عشر و ستمائة

[عمارة الأحمدية باليمن‏]

قال ابن الأثير في «كامله» [ (1)]: فيها عمّرت مدينة على السّاحل باليمن، و سمّيت الأحمدية، و أخربت مرباط و ظفار خرّبهما صاحبهما محمود بن محمد الحميريّ صاحب حضرموت. و كان مبدأ ملكه في سنة ستّ مائة، و من شأنه أنّه كان له مركب يكريه للتّجار، ثمّ توصّل إلى أن وزر لصاحب مرباط. و كان ذا كرم و شجاعة. ثمّ ملك مرباط بعد موت صاحبها، فأحبّه أهلها لحسن سيرته. و بنى هذه المدينة و عندها عين عذبة كبيرة، ثمّ حصّنها و حفر خندقها، و كان يحبّ المديح [ (2)].

[وصول الفيل إلى دمشق‏]

قال أبو شامة [ (3)]: و فيها وصل الفيل إلى دمشق ليحمل هدية إلى صاحب الكرج.

[ولادة العزيز]

و فيها ولد الملك العزيز محمد بن الظّاهر صاحب حلب [ (4)].

____________

[ (1)] ج 12/ 197، 198 (في حوادث سنة 600 ه.).

[ (2)] و الخبر باختصار شديد في: المختصر في أخبار البشر 3/ 105، 106 (حوادث سنة 600 ه.)، و مثله في: البداية و النهاية 13/ 37.

[ (3)] في ذيل الروضتين 83.

[ (4)] انظر خبر (العزيز) في: ذيل الروضتين 83، و زبدة الحلب 3/ 165، و مفرّج الكروب 3/ 220، 221، و المختصر في أخبار البشر 3/ 115، و البداية و النهاية 13/ 65، و السلوك‏

41

[ردّ الظافر من الحج‏]

و فيها قدم الملك الظّافر خضر ابن السلطان صلاح الدّين من حلب ليحجّ، و رحل بالرّكب من بصرى، فسلكوا طريق تيماء، فدخلوا المدينة و أحرم بالحجّ، فلمّا وصل إلى بدر ردّ من الطّريق.

قال أبو المظفّر السّبط [ (1)]: كان يعقوب ابن الخيّاط معه، فلمّا وصل إلى بدر وجد عسكر الكامل ابن عمّه قد سبقه خوفا على اليمن، فقالوا له: ترجع.

فقال: قد بقي بيني و بين مكّة مسافة يسيرة، و اللَّه ما قصدي اليمن، فقيّدوني و احتاطوا بي حتّى أحجّ و أرجع! فلم يلتفتوا إليه و ردّوه، قال يعقوب:

و رجعت معه و لم أحجّ.

قال أبو شامة [ (2)]: و حكى لي والدي، و كان قد حجّ معهم، قال: شقّ على النّاس ما جرى عليه، و أراد كثير منهم أن يقاتلوا الّذين صدّوه عن الحجّ، فنهاهم و فعل ما فعل النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين صدّ عن البيت، فقصّر عن شعره، و ذبح ما تيسّر، و لبس ثيابه، و رجع و عيون النّاس باكية، و لهم ضجيج لأجله [ (3)].

[خندق حلب‏]

و فيها حفر خندق حلب، فظهر قطع ذهب و فضّة، فكان الذّهب نحو عشرة أرطال صوريّ، و الفضّة بضعة و ستّين رطلا، و كان على هيئة اللّبن [ (4)].

____________

[ ()] ج 1 ق 1/ 177.

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 564.

[ (2)] في ذيل الروضتين 83.

[ (3)] و انظر الخبر أيضا باختصار في: البداية و النهاية 13/ 65 و السلوك ج 1 ق 1/ 177، 178، و نهاية الأرب 29/ 63، 64.

[ (4)] انظر خبر (الخندق) في: ذيل الروضتين 84، و السلوك ج 1 ق 1/ 178.

42

[خلاص خوارزم شاه من أسر التتار]

قال أبو شامة [ (1)]: فيها ورد الخبر بخلاص خوارزم شاه من أسر التّتار و عوده إلى ملكه، و ذلك أنّه كان منازلا لطوائف من التّتار بعساكره، فخطر له أن يكشف أمورهم بنفسه، فسار و دخل عسكرهم في زيّ التّتر هو و ثلاثة، فأنكروهم و قبضوا عليهم، و ضربوا اثنين فماتا تحت الضّرب، و لم يقرّا و رسّموا على خوارزم شاه و رفيقه، فهربا في اللّيل [ (2)].

[مقتل آيدغمش‏]

و في المحرّم قتل آيدغمش صاحب همذان و الرّيّ. و كان قد قدم في سنة ثمان فأنعموا عليه، و أعطاه الخليفة الكوسات، و جهّزه من بغداد إلى همذان، فبيّته التّركمان و قتلوه، و حملوا رأسه إلى منكلي، فعظم قتله على الخليفة.

و تمكّن منكلي من الممالك، و استفحل أمره [ (3)].

[ولادة العزيز]

و في ذي الحجّة ولد الملك العزيز بحلب من ضيفة بنت العادل، قال ابن واصل [ (4)]: فزيّنت حلب، فصاغ له عشرة مهود من الذّهب و الفضّة، و نسج للطّفل ثلاث فرجيّات من اللّؤلؤ و الياقوت، و درعان، و خوذتان، و بركسطوان من اللّؤلؤ، و غير ذلك، و ثلاثة سروج مجوهرة، و ثلاثة سيوف غلّفها بالذّهب و الياقوت، و رماح استها [ (5)] جوهر منظوم، و فرحوا به فرحا زائدا.

____________

[ (1)] في ذي الروضتين 83، 84.

[ (2)] و انظر خبر (خوارزم شاه أيضا) في: دول الإسلام 2/ 114، 115، و البداية و النهاية 13/ 65.

[ (3)] انظر خبر (قتل ايدغمش) في: الكامل في التاريخ 12/ 301، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 567، و المختصر في أخبار البشر 3/ 115، و دول الإسلام 2/ 115، و العسجد المسبوك 2/ 342، و النجوم الزاهرة 6/ 208، و شذرات الذهب 5/ 41.

[ (4)] في مفرّج الكروب 3/ 221.

[ (5)] هكذا في الأصل. و في مفرّج الكروب: «أسنّتها».

43

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

[تراجم رجال هذه الطبقة]

سنة إحدى و ستّمائة

[حرف الألف‏]

1- أحمد بن سالم بن أبي عبد اللَّه، أبو العباس المقدسيّ المرداويّ [ (1)] الزّاهد.

سمع من: أبي طاهر السّلفي، و عبد اللَّه بن برّيّ.

سئل الشّيخ الموفّق [ (2)] عنه، فقال: كان ذا دين و ورع و زهادة، و كان محبّبا إلى النّاس، كريم النّفس، كثير الضّيافة.

و قال الضّياء: كان ثقة، ديّنا، خيّرا، جوادا، كثير الخير و الصّلاة، و كان يحفظ كثيرا من الأحاديث و الفقه، و كان كثير النّفع، قليل الشّر، لا يكاد أحد يصحبه إلّا و ينتفع به. توفّي في المحرّم، و قبره بزرع يتبرّك به، و عندهم من أخذته حمّى، فأخذ من ترابه و علّقه عليه، عوفي بإذن اللَّه. و كان من العاملين للَّه- عزّ و جلّ-. و هو والد شيخنا محمد، و شيخنا.

قلت: روى عنه الضّياء، و وصفه غير واحد بالزّهد و العبادة و المكاشفة.

و عمل له الضّياء ترجمة طويلة.

____________

[ (1)] منسوب إلى «مردا» قرية بالقرب من نابلس.

[ (2)] يعني موفق الدين أبا محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفّى سنة 620 ه.

44

2- أحمد بن سليمان [ (1)] بن أحمد بن سلمان بن أبي شريك.

المحدّث المفيد، أبو العبّاس الحربيّ المقرئ الملقّب بالسّكّر.

ولد سنة أربعين أو قبيلها. و قرأ القراءات على أبي الفضل أحمد بن محمد بن شنيف، و يعقوب بن يوسف الحربيّ، و بواسط على أبي الفتح نصر اللَّه ابن الكيّال، و ابن الباقلانيّ.

و سمع من سعيد بن أحمد ابن البنّاء و هو أكبر شيخ له، و من: أبي الفتح بن البطّي، و ظافر بن معاوية الحربيّ، و أصحاب ابن بيان، و أبي طالب بن يوسف فأكثر.

و كان عالي الهمّة، حريصا على السّماع و الكتابة، رحل إلى الشّام و سمع بدمشق، و القدس، و بمكّة.

قال أبو عبد اللَّه الدّبيثيّ [ (2)]: كان مفيدا لأصحاب الحديث، خرّج مشيخة لأهل الحربيّة. و كان ثقة تلّاء للقرآن، ربّما قرأ الختمة في ركعة أو ركعتين. سمعنا منه و سمع منّا. و سألت يوسف بن يعقوب الحربيّ عن سبب تلقيبه بالسّكّر، قال: كان صغيرا فأحبه أبوه، و كان إذا أقبل عليه و هو بين جماعة أخذه، و ضمّه إليه و قبّله، فكان يلام في إفراط حبّه له فيقول: هو أحلى في قلبي من السّكّر، و يكرّر ذكر السّكر، فلقّب بالسّكّر.

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن سليمان) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 56، 57، رقم 867، و فيه «سلمان»، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 185، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 524، و الجامع لابن الساعي 9/ 154، 155، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 314، و العبر 5/ 1، و المشتبه 1/ 363، و معرفة القراء الكبار 2/ 580، رقم 539 و فيه: «سلمان»، و المختصر المحتاج إليه 1/ 182، و مرآة الجنان 4/ 2، و الوافي بالوفيات 6/ 399، 400 رقم 2912، و غاية النهاية 1/ 58 رقم 248، و عقد الجمان 17/ ورقة 281، 282، و النجوم الزاهرة 6/ 188، و شذرات الذهب 5/ 2.

[ (2)] في تاريخه المعروف ب «ذيل تاريخ مدينة السلام بغداد» ورقة 185.

45

و قال المنذريّ [ (1)]: أقرأ، و حدّث بالشّام و بغداد. و كان مفيدا لأصحاب الحديث. توفّي في عاشر صفر.

قلت: روى عنه: الدّبيثيّ، و الضّياء، و ابن خليل، و جماعة.

3- أحمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن نفاذة [ (2)] الأديب البارع، بدر الدّين السّلميّ الدّمشقيّ.

شاعر محسن، روى عنه الشّهاب القوصيّ قصائد، و قال: توفّي في المحرّم، و كان رئيسا، بارع الأدب، عاش ستّين سنة.

قلت: له ديوان موجود.

4- أحمد [ (3)] ابن خطيب الموصل [ (4)]، أبي الفضل عبد اللَّه بن أحمد بن محمد الطّوسيّ ثمّ الموصليّ، أبو طاهر.

ولد بالموصل سنة سبع عشرة و خمسمائة.

و سمع من: جدّه أبي نصر الطّوسيّ، و أبي البركات محمد بن محمد بن خميس، و ببغداد من عبد الخالق بن أحمد اليوسفيّ، و غيره.

____________

[ (1)] في التكملة لوفيات النقلة 2/ 56.

[ (2)] انظر عن (أحمد بن عبد الرحمن) في: خريدة القصر (قسم شعراء الشام) ج 1/ 329، و الوافي بالوفيات 7/ 39- 44 رقم 2974، و فيه «نفاده»، بالدال المهملة، و فوات الوفيات 1/ 84- 86 رقم 37 و فيه «نفاده» بالدال المهملة، و عقود الجمان للزركشي، ورقة 30، و الغصون اليانعة 26.

[ (3)] أورد المؤلّف- (رحمه اللَّه)- هذه الترجمة في وفيات سنة 602 ه. و كتب بالحاشية عندها:

«أحمد بن عبد اللَّه ابن خطيب الموصل أبو طاهر يحوّل من سنة اثنتين إلى هنا». و قد فعل ذلك في كتبه الأخرى.

[ (4)] انظر عن (ابن خطيب الموصل) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 96 رقم 946 (في وفيات 602 ه.)، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 191 (في وفيات 602 ه.)، و سير أعلام النبلاء 21/ 421 رقم 216، و المختصر المحتاج إليه 1/ 188، و الوافي بالوفيات 7/ 85، 86 رقم 3028.

46

و ولي خطابة الموصل زمانا هو و أبوه و جدّه، و حدّثوا، و حدّث أيضا أخوه عبد المحسن، و عمّاه عبد الرحمن، و عبد الوهّاب.

و قد قدم الشام، و ولي خطابة حمص مديدة، و رجع.

روى عنه: يوسف بن خليل، و التقيّ اليلدانيّ، و جماعة. و كان ينشئ الخطب، و له شعر جيّد [ (1)] و فضائل، و أجاز لابن أبي الخير و غيره.

و توفّي سنة اثنتين، و قيل: سنة إحدى و ستّمائة في جمادى الآخرة.

5- أحمد بن عتيق [ (2)] بن الحسن بن زياد بن جرج [ (3)].

أبو جعفر البلنسيّ الذّهبيّ، و يكنّى أيضا: أبا العبّاس.

قال الأبّار [ (4)]: أخذ القراءات عن أبي عبد اللَّه بن حميد، و العربيّة و الآداب عن أبي محمد عبدون، و سمع من أبي الحسن بن النّعمة، و غيره.

و مهر في علم النّظر، و كان أحد الأذكياء، له غوص على الدّقائق. صنّف كتاب «الإعلام بفوائد مسلم» و كتاب «حسن العبارة في فضل الخلافة و الإمارة» و له «فتاو» بديعة. و اتّصل بالسّلطان، و أقرأ النّاس العربيّة. و توفّي في شوّال و له سبع و أربعون سنة.

قلت: و كان من علماء الطّبّ، و مات بتلمسان.

و ذكره تاج الدّين بن حمّويه، فقال: أبو جعفر أحمد بن القاسم بن محمد بن سعيد- كذا سمّاه- فقيه متقن. كان مقدّما على فقهاء الحضرة، لأنّهم في تلك البلاد يميّزون فقهاء الجند، فهم رؤساء و نقباء يراجعونهم في‏

____________

[ (1)] ذكر الصفدي قطعة من شعره في: الوافي بالوفيات 7/ 86.

[ (2)] انظر عن (أحمد بن عتيق) في: تكملة الصلة لابن الأبّار 1/ 95، و المغرب في حلى المغرب 2/ 321، و الغصون اليانعة 36، و الديباج المذهب 52، و الوافي بالوفيات 7/ 176 رقم 3112، و بغية الوعاة 1/ 334 رقم 633، و لم يذكره كحّالة مع أنّه من المؤلفين.

[ (3)] في التكملة: «فرج»، و المثبت هو الصحيح على الأرجح. انظر: المشتبه 1/ 152.

[ (4)] في التكملة 1/ 95.

47

مصالحهم، و إليهم القسمة و التّفرقة عليهم فيما يصل إليهم من وظائفهم، و لكلّ قوم منهم موضع مقرّر للجلوس بدار السّلطان، و لأكثرهم أرزاق مقرّرة على بيت المال، إذ لا مدارس هناك و لا أوقاف إلّا أوقاف المساجد. و كان هذا الفقيه حسن السّيرة مع أصحابه، مشتغلا بمنافعهم، كثير المعارف، حسن الأخلاق، جالسته كثيرا. و له مشاركة في بعض الرياضيّ، و يقرئ الطّبّ و الحساب.

6- أحمد بن عليّ بن محمد بن حيّان [ (1)].

أبو العبّاس الأسديّ، الكوفيّ.

سمع: أبا البركات عمر بن إبراهيم العلويّ، و أبا الحسن محمد بن غبرة.

روى عنه الدّبيثيّ، و غيره.

و توفّي في رمضان.

7- أحمد بن عليّ بن ثابت [ (2)] البغداديّ.

الأزجيّ، الكاتب، أبو عبد اللَّه الدّنبانيّ [ (3)].

حدّث عن أبي الفضل الأرمويّ.

و مات في شوال [ (4)].

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن علي بن حيّان) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 73 رقم 902، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 206، 207، و المختصر المحتاج إليه 1/ 199.

[ (2)] انظر عن (أحمد بن علي بن ثابت) في: الإستدراك لابن نقطة 2/ 640، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 75 رقم 906، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 207، و المشتبه 1/ 294، و توضيح المشتبه 4/ 75، و لسان الميزان 1/ 229 رقم 716.

[ (3)] في التكملة للمنذري، و تاريخ ابن الدبيثي: «الدنبان». و في المشتبه: «الدنبائي» بالهمزة و قال المؤلّف- (رحمه اللَّه)-: «بدال يابسة مضمومة و نون موحّدة». و قد وهم فأثبته بالهمزة قبل الياء، و قد استدركه ابن ناصر الدمشقيّ فقال في (التوضيح 4/ 75): صوابه الدنباني، بنون بعد الألف من غير همز، لأنه نسب إلى جدّه، فهو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن الدنبان. كذا نسبه ابن نقطة، و غيره». و وقع في (لسان الميزان): «المعروف بابن الدينار»، و هو تصحيف.

[ (4)] و قال ابن النجار: كان مغفّلا، و لم يكن من أهل الرواية طريقة و اعتقادا، و كان يتشيّع.

(لسان الميزان).

48

8- إبراهيم بن سلامة بن نصر المقدسيّ.

سمع أبا المعالي بن صابر.

روى عنه: الحافظ الضّياء، و قال: تزوّج على زوجته، فسحر و اختلّ عقله، و بقي يريد يلقي نفسه في المصانع، و كان أهله لا يكادون يغفلون عنه، ثمّ غفلوا عنه فقتل نفسه. قاتل اللَّه من آذاه.

رئيت له منامات حسنة.

9- أسعد بن أحمد بن محمد [ (1)].

الفقيه أبو البركات البلديّ، الحنبليّ، ثمّ الشّافعيّ.

تفقّه على أبي يعلى محمد بن محمد بن الفرّاء، ثمّ تفقّه على أبي المحاسن يوسف بن بندار الشّافعيّ. و سمع من أبي الوقت. و سمع بدمشق من ابن عساكر. و تعانى الكتابة و التّصرّف، و كان أديبا بليغا شاعرا، متديّنا.

10- أنجب بن أحمد بن مكارم [ (2)] الأزجيّ.

المعروف بابن الدّجاجيّ، و بابن سروان [ (3)].

حدّث عن محمد بن أحمد بن صرما.

و توفّي في جمادى الأولى.

روى عنه: ابن النّجّار.

11- إلياس بن جامع بن عليّ [ (4)].

____________

[ (1)] انظر عن (أسعد بن أحمد) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 68 رقم 891، و تكمل إكمال الإكمال لابن الصابوني 133، 134 رقم 94، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 255.

[ (2)] انظر عن (أنجب بن أحمد) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 65، 66 رقم 884، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 273.

[ (3)] في الأصل: «شروان» بالشين المعجمة. و المثبت عن تكملة المنذري حيث قيّده بالحروف فقال: «و سروان: بفتح السين و سكون الراء المهملتين، و فتح الواو و بعد الألف نون».

[ (4)] انظر عن (إلياس بن جامع) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 64، 65 رقم 882، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 277، 278، و تاريخ إربل 1/ 191، و الجامع المختصر

49

أبو الفضل الإربلّيّ، الشّاهد، المحدّث.

ولد سنة إحدى و خمسين، و ارتحل إلى بغداد سنة اثنتين و سبعين، و أقام بالنّظاميّة و تفقّه. و سمع من: شهدة، و عيسى الدّوشابيّ، و عبد الحقّ بن يوسف، و الأسعد بن يلدرك، و أبي العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، و خلق كثير.

و كان وافر الهمّة، كثير الكتابة، بارعا في معرفة الشّروط، ثقة صدوقا، له تخاريج مفيدة.

و روى الكثير بإربل [ (1)]، و بها توفّي في ربيع الآخر و له خمسون سنة.

[حرف الباء]

12- بقاء بن أبي شاكر [ (2)] بن بقاء.

أبو محمد الحريميّ، و يعرف بابن العليق [ (3)]- بكسر لامه.

سمع: ابن البطّي، و جماعة.

____________

[ ()] لابن الساعي 9/ 165، و تلخيص مجمع الآداب 1/ 366 و 3/ 81، و المختصر المحتاج إليه 1/ 260، و المشتبه 1/ 126 (الحامي)، و طبقات الشافعية للإسنويّ 1/ 125، 126، و طبقات الشافعية لابن كثير، ورقة 152 ب، و البداية و النهاية 13/ 42 و فيه: «أبو الفضل بن الياس»، و هو غلط، و العقد المذهب لابن الملقّن، ورقة 165، و توضيح المشتبه 2/ 133 (الحامي) و 5/ 89 (سروان)، و تبصير المنتبه 2/ 680، و عقد الجمان للعيني، 17/ ورقة 281.

[ (1)] لم يفرد له ابن المستوفي ترجمة في تاريخ إربل، بل ذكره عرضا.

[ (2)] انظر عن (بقاء بن أبي شاكر) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 76 رقم 909، و فيه: «بقاء بن أبي شكر»، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 280، 281، و الجامع المختصر 9/ 160، و تلخيص مجمع الآداب 5/ رقم 165، و المختصر المحتاج إليه 1/ 161، و ميزان الاعتدال 1/ 339، 340 رقم 1251، و المغني في الضعفاء 1/ 109 رقم 943، و فيه: «بقاء بن شاكر» و هو غلط، و المشتبه 2/ 470 (العليق)، و توضيح المشتبه 6/ 340 (العليق)، و لسان الميزان 2/ 41 رقم 415 و فيه: «بقاء بن شاكر» و هو غلط.

قال ابن النجار، و ابن ناصر الدين: هو بقاء بن أحمد بن بقاء.

[ (3)] قال المؤلّف- (رحمه اللَّه)- في المشتبه 2/ 470 بكسر اللام و كأنها إمالة و قال ابن ناصر الدين: هو بضم، و تشديد اللام ممالة، تليها مثنّاة تحت ساكنة، ثم قاف.

50

قال ابن نقطة: دجّال، زوّر ألف طبقة على عبد الوهّاب الأنماطيّ و ابن خيرون، و كشط أسماء، و ألحق اسمه. و كان يظهر الزّهد، فدخلت عليه و أنا صبيّ مع أصحاب أبي، فأخرج مشطا و قال: هذا مشط فاطمة- (عليها السلام)- و هذه محبرة أحمد بن حنبل. و لم يزل على كذبه حتّى أراح اللَّه منه في آخر السّنة بطريق مكّة.

و قال ابن النّجّار: كان سيّئ الحال في صباه، تزهّد و صحب الفقراء و انقطع، و نفق سوقه، و زاره الكبار، و أقبلت عليه الدّنيا، و بنى رباطا، و كثر أتباعه. وقع بإجازات فيها قاضي المارستان و طبقته، فكشط فيها، و أثبت في الكشط اسمه، و رماها في زيت فاختفى الكشط، و بعث بها إلى ابن الجوزيّ و عبد الرّزّاق، فنقلاها له و لم يفهما، ثمّ أخفى أصل ذلك، و أظهر النّقل فسمع بها الطّلبة اعتمادا عليهما. و قد ألحق اسمه في أكثر من ألف جزء.

بيعت كتبه فاشتريتها كلّها، فلقد رأيت من تزويره ما لم يبلغه كذّاب، فلا تحلّ الرواية عنه.

ثمّ طوّل ابن النّجّار ترجمته و هتكه. مات في عشر السّبعين. و ذكر أنّه كان يظهر الصّوم للأتراك، و يمدّ لهم كسرا و طعاما خشنا، فإذا خرجوا أغلق الباب، و أكل الطّيّبات.

13- بوزبا الأمير [ (1)] أبو سعيد التّقويّ.

مملوك تقيّ الدّين عمر صاحب حماة.

كان من جملة العسكر الّذين دخلوا المغرب، و خدموا مع السّلطان ابن عبد المؤمن.

جاء الخبر في هذا العام بأنّه مات غريقا.

____________

[ (1)] انظر عن (بوزبا الأمير) في: ذيل مرآة الزمان لليونيني 2/ 134، و الوافي بالوفيات 10/ 324 رقم 4835.

51

[حرف الثاء]

14- ثابت بن أحمد [ (1)]، أبو البركات الحربيّ.

المعروف بابن القاضي. سمع أبا القاسم ابن السّمرقنديّ، و غيره.

قال ابن الدّبيثيّ [ (2)]: تركه النّاس لتزويره السّماعات، و لم أسمع منه شيئا، و توفّي في ربيع الأوّل.

[حرف الحاء]

15- الحسن بن الحسن بن عليّ [ (3)].

الفقيه الأجلّ مجد الدّين أبو المجد الأنصاريّ، الدّمشقيّ، الشّافعيّ النّحّاس، المنسوب إليه حمّام النّحّاس بطريق الصّالحية.

سمع: أبا المظفّر الفلكيّ، و أبا طاهر السّلفيّ، و ابن عساكر. و تفقّه على أبي سعد بن [أبي‏] عصرون [ (4)].

روى عنه: الشّهاب القوصيّ، و غيره.

و توفّي في الثّالث و العشرين من جمادى الآخرة.

و هو والد العماد عبد اللَّه الأصمّ.

____________

[ (1)] انظر عن (ثابت بن أحمد) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 60 رقم 876، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 289، و ميزان الاعتدال 1/ 36 رقم 1353، و لسان الميزان 2/ 74 رقم 286.

[ (2)] في تاريخه، الورقة 289.

[ (3)] انظر عن (الحسن بن الحسن) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 69 رقم 894، و طبقات الشافعية لابن كثير، ورقة 152 ب، و العقد المذهب، ورقة 231.

[ (4)] و قال المنذري: «و به تميّز».

52

16- الحسن بن محمد [ (1)] بن عبدوس [ (2)].

الأديب أبو عليّ الواسطيّ الشّاعر، نزيل بغداد.

نحويّ فاضل، لغويّ، له شعر جيّد، مدح الكبار.

و توفّي في صفر [ (3)].

[حرف الخاء]

17- الخضر بن عبد الجبّار بن جمعة بن عمر.

أبو القاسم التّميميّ الدّمشقيّ.

سمع: أبا العشائر محمد بن خليل.

أخذ عنه: ابن الأنماطيّ، و التّاج محمد بن أبي جعفر، و ابن نسيم، و جماعة «جزء» ابن أبي ثابت.

و كان يلقّب بالمهذّب.

____________

[ (1)] انظر عن (الحسن بن محمد) في: الكامل في التاريخ 12/ 207، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 56 رقم 866، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 16، و الجامع المختصر 9/ 153، 154، و تلخيص مجمع الآداب 4/ 628 و فيه وفاته سنة 600 ه.، و الغصون اليانعة لابن سعيد (القاهرة 1945) 12- 18، و المختار من تاريخ ابن الجزري 89، و الوافي بالوفيات 12/ 228، 229 رقم 205، و المستفاد من ذيل تاريخ بغداد 106، 107 رقم 70، و العسجد المسبوك 2/ 295 و فيه: «الحسين»، و طبقات النحاة و اللغويين لابن قاضي شهبة، ورقة 131، و بغية الوعاة 1/ 523 رقم 1081.

[ (2)] عبدوس: بضم العين. كما قال السيوطي في (بغية الوعاة).

[ (3)] و قال المنذري: حدّث بشي‏ء من شعره، و كان فاضلا عارفا بالنحو و اللغة، و قال الشعر الحسن.

و قال ابن الأثير: اجتمعت به بالموصل، و ردها مادحا لصاحبها نور الدين أرسلان شاه و غيره من المقدّمين، و كان نعم الرجل، حسن الصحبة و العشرة.

و قال القفطي: سكن بغداد، و قرأ الأدب على مصدّق بن شبيب و كتب الصحاح بخطّه، و مدح الناصر لدين اللَّه بقصائد، و صار من شعراء الديوان المختصّين بالإنشاد في التهاني و التعازي، و كان فاضلا، قيّما بالأدب، حسن المعاني، مليح الإيراد، ساكنا، جميل الهيئة، طيّب الأخلاق، متودّدا ظريفا.

أورد له ابن النجار قطعتين من شعره.

53

توفّي في جمادى الآخرة و له ستّ و ستّون سنة.

[حرف الذال‏]

18- ذاكر اللَّه [ (1)] بن إبراهيم بن محمد.

أبو الفرج الحربي، القارئ، المذكّر، المعروف بابن البرنيّ [ (2)].

سمع: أبا الحسين محمد بن أبي يعلى الفرّاء، و عبد الرحمن بن عليّ بن الأشقر.

روى عنه: الدّبيثيّ، و الضّياء، و ابن خليل. و أجاز لأحمد بن أبي الخير، و غيره.

و هو أخو المظفّر [ (3)] ابن البرنيّ.

توفّي في ثامن عشر صفر.

[حرف الراء]

19- رضوان [ (4)] بن محمد بن محفوظ بن الحسن ابن الرئيس القاسم.

ابن الفضل الثّقفيّ الأصبهانيّ، أبو شجاع.

ولد سنة ستّ و عشرين و خمسمائة [ (5)].

____________

[ (1)] انظر عن (ذاكر اللَّه) في: إكمال الإكمال لابن نقطة (الظاهرية) ورقة 51، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 5، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 57 رقم 869، و الجامع المختصر 9/ 155، و المختصر المحتاج إليه 2/ 68 رقم 663، و المشتبه 1/ 58، و توضيح المشتبه 1/ 417.

[ (2)] قال المنذري: بفتح الباء الموحدة و سكون الراء المهملة و كسر النون (التكملة: 2/ 257).

[ (3)] سيأتي ذكره في وفيات سنة 607 من هذه الطبقة (الترجمة: 371).

[ (4)] كانت هذه الترجمة في آخر الطبقة ذكرها المؤلف ضمن من توفّوا بعد سنة ستمائة على التقريب و إلى سنة عشر. و قد حولناها تلبية لرغبة المؤلف حيث وضع إشارة بهذا المعنى في موضعها من السنة فقال: «رضوان الثقفي، يحول من آخر الطبقة إلى هنا». كما أشار عند نهاية ترجمته الواردة في آخر الطبقة بقوله: «يحول» (الورقة: 89).

[ (5)] في الأصل و بخط الذهبي: «ستمائة». و هو سبق قلم منه.

54

و سمع: زاهر الشّحّاميّ، و ابن أبي ذر الصّالحانيّ.

روى عنه: الضّياء، و ابن خليل، و غيرهما.

و أجاز لابن أبي الخير، و لابن أبي عمر، و للفخر عليّ، و لعمر بن أبي عصرون، و عدّة.

قرأت وفاته بخطّ شيخنا ابن الظّاهريّ: سنة إحدى و ستّمائة.

[حرف الضاد]

20- ضياء بن صالح [ (1)] بن كامل بن أبي غالب.

أبو المظفّر البغداديّ، الخفّاف، ابن أخي المفيد المبارك بن كامل.

أجاز له: أبو محمد سبط الخيّاط، و أبو منصور بن خيرون، و جماعة.

و سكن دمشق، و قد ورد بغداد تاجرا سنة سبع و تسعين، و حدّث و رجع، و بدمشق توفّي.

[حرف العين‏]

21- عائشة [ (2)]، و تدعى: فرحة، بنت أبي طاهر عبد الجبّار بن هبة اللَّه ابن البندار.

من بيت حديث و رواية. روت عن أحمد بن عليّ ابن الأشقر.

و هي زوجة محمد بن مشّق المحدّث.

22- عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن سالم [ (3)].

أبو محمد البلنسيّ، المؤدّب، الزّاهد.

قرأ القراءات و أدّب بالقرآن، و سمع من أبي الحسن ابن النّعمة.

____________

[ (1)] انظر عن (ضياء بن صالح) في: تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 87، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 71، 72 رقم 899، و تلخيص مجمع الآداب ج 4 ق 4/ 791، 792، و المختصر المحتاج إليه 2/ 117 رقم 737.

[ (2)] انظر عن (عائشة) في: التكملة لوفيات النقلة 2/ 66 رقم 885.

[ (3)] انظر عن (عبد اللَّه بن أحمد) في: التكملة لكتاب الصلة لابن الأبّار 2/ 877.