تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج44

- شمس الدين الذهبي المزيد...
522 /
5

[المجلد الرابع و الأربعون (سنة 611- 620)]

بسم اللَّه الرحمن الرّحيم‏

[الطبقة الثانية و الستون‏]

سنة إحدى عشرة و ستّمائة

[ملك خوارزم شاه كرمان و مكران و السّند]

قال ابن الأثير [ (1)]: فيها وصل الخبر أنّ السّلطان خوارزم شاه ملك كرمان و مكران و السّند، و سبب ذلك أنّ من جملة أمرائه تاج الدّين أبا بكر، الّذي أسلفنا أنّه كان جمّالا، ثمّ سعد بأن صار سيروان السلطان، فرأى منه جلدا و أمانة، فقدّمه، فقال له: ولّني مدينة زوزن. فولّاه، فوجده ذا رأي و حزم و شجاعة، فلما ولّاه سيّر إليه يقول: إنّ بلاد مكران مجاورة لبلدي، فلو أضفت إليّ عسكرا لأخذتها، فنفذ إليه جيشا فسار به إليها، و صاحبها حرب بن محمد بن أبي الفضل، من أولاد الملوك، فقاتله فلم يقو به، و أخذ أبو بكر بلاده سريعا، و سار منها إلى نواحي مكران، فملكها جميعها إلى السّند، و سار منها إلى هرمز، و هي مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها مليك [ (2)]، و خطب بها لخوارزم شاه، و حمل إليه أموالا، و خطب لخوارزم شاه بهلوات [ (3)]. و كان خوارزم يصيّف بأرض سمرقند لأجل التّتار، و كان سريع السّير، إذا قصد جهة يسبق خبره إليها [ (4)].

____________

[ (1)] في الكامل: 12/ 303- 304 و قال: «هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي سنة كانت، إنما هي إما هذه السنة أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، لأن الّذي أخبر بها كان من أجناد الموصل، و سافر إلى تلك البلاد، و أقام بها عدة سنين، و سار مع الأمير أبي بكر الّذي فتح كرمان ثم عاد فأخبرني بها على شك من وقتها، و قد حضرها».

[ (2)] في الكامل «ملنك».

[ (3)] هكذا في الأصل. و في الكامل 12/ 304 «قلهات» و هو الصواب. و هي مدينة بعمان على ساحل البحر، كما في (معجم البلدان).

[ (4)] و الخبر باختصار شديد في: دول الإسلام 2/ 115، و البداية و النهاية 13/ 67، و العسجد المسبوك 345، 346.

6

[قصد الفرنج بلاد الإسماعيلية]

و فيها قصدت الفرنج بلاد الإسماعيليّة، و نزلوا على حصن الخوابي، و جدّوا في الحصار، و كانوا حنقين على الإسماعيلية بسبب قتلهم ابن البرنس صاحب أنطاكية، شابّ ابن ثمان عشرة سنة، وثبوا عليه عام أوّل، فخرج الملك الظّاهر بعسكره ليكشف عنهم، فترحّلت الفرنج عن الحصن [ (1)].

[تبليط جامع دمشق‏]

و فيها شرع في تبليط جامع دمشق، فابتدئ بمكان السّبع الكبير، و كانت أرضه قد تكسّر رخامها و تحفّرت [ (2)].

[تدريس النورية]

و فيها ولي تدريس النّوريّة جمال الدّين محمود الحصيريّ [ (3)].

[وفاة صاحب اليمن‏]

و فيها توفّي صاحب اليمن ابن سيف الإسلام، و استولى على اليمن شاهنشاه ابن تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فتزوج بأمّ المتوفّى، ثمّ نفّذ الملك الكامل صاحب مصر ولده الملك المسعود أقسيس [ (4)] إلى اليمن فتملّكها، و كان شجاعا فاتكا ظالما جبّارا، قيل: إنّه قتل باليمن ثمان مائة نفس، منهم أكابر [ (5)].

[أخذ المعظّم قلعة صرخد]

و فيها أخذ الملك المعظّم من ابن قراجا قلعة صرخد، و عوّضه عنها مالا

____________

[ (1)] انظر خبر (بلاد الإسماعيلية) في: زبدة الحلب 3/ 166، 167، و مفرّج الكروب 3/ 224، و السلوك ج 1 ق 1/ 179 و 180.

[ (2)] انظر خبر (تبليط الجامع) في: ذيل الروضتين 86، و البداية و النهاية 12/ 67، و السلوك ج 1 ق 1/ 180.

[ (3)] انظر خبر (تدريس النورية) في: ذيل الروضتين 86.

[ (4)] و يقال فيه: «آتسيس»، و «أطسيز»، و معناه بالتركية: بلا اسم.

[ (5)] انظر خبر (اليمن) في: ذيل الروضتين 86، و دول الإسلام 2/ 115، و غاية الأماني 403، 404.

7

و إقطاعا، ثمّ أعطاها لمملوكه عزّ الدّين أيبك المعظّميّ، فبقيت في يده إلى أن أخرجه عنها الملك الصّالح أيّوب [ (1)].

[حجّ الملك المعظّم‏]

و فيها حجّ الملك المعظّم، فسار من الكرك على الهجن، و معه عزّ الدّين أيبك صاحب صرخد، و عماد الدّين بن موسك، و الظّهير بن سنقر الحلبيّ، و جدّد البرك و المصانع، و أحسن إلى النّاس، و تلقّاه سالم صاحب المدينة، و قدّم له خيلا، و كانت وقفة الجمعة، و قدم معه الشّام صاحب المدينة [ (2)].

____________

[ (1)] انظر خبر (قلعة صرخد) في: ذيل الروضتين 86 و 87 و كان إخراج الصالح عنها سنة 644 ه.،

و انظر: البداية و النهاية 13/ 67.

[ (2)] انظر خبر (الحج) في: ذيل الروضتين 87، و البداية و النهاية 13/ 67، و السلوك ج 1 ق 1/ 180، و شفاء الغرام 2/ 373.

8

سنة اثنتي عشرة و ستّمائة

[بناء المدرسة العادلية]

فيها شرعوا في بناء المدرسة العادليّة [ (1)].

[غارة الفرنج على بلاد الإسماعيلية]

و فيها أغار الفرنج على بلاد الإسماعيلية، و أخذوا ثلاثمائة نفس [ (2)].

[غارة الكرج على أذربيجان‏]

و فيها أغارت الكرج على أذربيجان، فحازوا ذخائرها، و ما يزيد على مائة ألف أسير. قاله أبو شامة [ (3)].

[استيلاء الملك المسعود على اليمن‏]

و فيها استولى الملك المسعود ابن الكامل على اليمن بلا حرب، و انضمّ [ (4)] ابن عمّه سليمان شاه [ (5)] بعائلته إلى قلعة تعزّ، فحاصره و أخذه، و بعث به إلى مصر، هو و زوجته بنت سيف الإسلام [ (6)].

____________

[ (1)] انظر عن (بناء العادلية) في: ذيل الروضتين 89، و نهاية الأرب 29/ 69، و البداية و النهاية 13/ 68.

[ (2)] انظر عن (غارة الفرنج) في: ذيل الروضتين 89، و البداية و النهاية 13/ 69.

[ (3)] في ذيل الروضتين 89.

[ (4)] كتب المؤلف: «و انضم إليه» ثم ضرب على «إليه»، و هو الصواب.

[ (5)] هو ابن تقي الدّين عمر. (و انظر: ذيل الروضتين 89).

[ (6)] و انظر الخبر في: المختصر في أخبار البشر 3/ 116، و مفرّج الكروب 3/ 227، و تاريخ المسلمين لابن العميد 128 (حوادث سنة 611 ه.) و الدرّ المطلوب 182، و العبر 5/ 39، و دول الإسلام 2/ 115، و تاريخ ابن الوردي 2/ 132، 133، و مرآة الجنان 4/ 23، و تاريخ ابن خلدون 5/ 343، و مآثر الإنافة 2/ 69، 70، و السلوك ج 1 ق 1/ 281، و تاريخ ابن سباط 1/ 255، و غاية الأماني 404.

9

[حصار المدينة]

و في صفر نزل قتادة على المدينة و حاصرها، لغيبة سالم أميرها، و قطع كثيرا من نخيلها، و قتل جماعة، ثمّ رحل عنها خائبا [ (1)].

[ملك خوارزم شاه غزنة]

و فيها ملك خوارزم شاه بلد غزنة و أعمالها، عمل على صاحبها تاج الدّين ألدز نائبة قتلغ تكين، و كاتب خوارزم شاه، و كان ألدز في الصّيد، فجاء خوارزم شاه فهجمها، فلمّا بلغ ألدز الخبر هرب على وجهه إلى لهاوور، و جلس خوارزم شاه على تخت الملك بها، ثمّ قال لقتلغ تكين: كيف كان حالك مع ألدز؟ قال:

كلانا مماليك السّلطان شهاب الدّين، و لم يكن ألدز يقيم بغزنة ألّا في الصّيف، و أنا الحاكم بها. فقال: إذا كنت لا ترعى لرفيقك مع ذلك [ (2)]، فكيف يكون حالي معك؟ فقبض عليه، و صادره حتّى استصفاه، ثمّ قتله، و ترك ولده جلال الدين خوارزم شاه بغزنة.

قال ابن الأثير [ (3)]: و قيل إنّ ذلك كان في سنة ثلاث عشرة.

و أمّا ألدز فإنّه افتتح لهاوور فلم يقنع بها، و سار ليفتح دهلة، فالتقى هو و صاحبها شمس الدّين الترمش، مملوك أيبك مملوك شهاب الدّين [ (4)]، فانكسر ألدز و قتل. و كان ألدز موصوفا بالعدل و المروءة و الإحسان إلى التّجّار [ (5)].

[ولاية القضاء بدمشق‏]

و فيها عزل زكيّ الدّين الطّاهر ابن محيي الدّين عن قضاء دمشق، و ولّي‏

____________

[ (1)] انظر عن (حصار المدينة) في: ذيل الروضتين 89، و البداية و النهاية 13/ 69.

[ (2)] هكذا في الأصل، و في الكامل لابن الأثير: «إذا كنت لا ترعى لرفيقك و من أحسن إليك صحبته و إحسانه ...» (الكامل: 12/ 310).

[ (3)] في الكامل: 12/ 310.

[ (4)] يعني: مملوك أيبك الّذي هو مملوك شهاب الدّين الغوري.

[ (5)] الكامل 12/ 311، تاريخ مختصر الدول 231، العسجد المسبوك 2/ 349- 351، و دول الإسلام 2/ 115، و المختصر في أخبار البشر 3/ 116.

10

جمال الدّين أبو القاسم عبد الصّمد ابن الحرستانيّ، فقضى بالحقّ، و حكم بالعدل [ (1)].

[إبطال ضمان الخمر]

و فيها بطّل العادل ضمان الخمر و القيان، فلم يكرّر ذلك إلى بعد موته [ (2)].

[السهروردي رسولا]

و فيها وصل السّهرورديّ رسولا من الخلافة إلى العادل، و نزل بجوسق العادل [ (3)].

[قتال قتادة]

و فيها سار من دمشق سالم أمير المدينة بمن استخدمه من التّركمان و الرّجال، ليقاتل قتادة صاحب مكّة، فمات في الطّريق، و قام ابن أخيه جمّاز بعده، فمضى بأولئك و قصد قتادة، فانهزم إلى الينبع، فتبعوه و حصروه بقلعتها، و حصل لحميد بن راجب من الغنيمة مائة فرس، و حميد من عرب طيّ، و عادّ الّذين استخدموا صحبة النّاهض بن الجرخيّ خادم المعتمد، و معهم كثير ممّا غنموه من عسكر قتادة، و من وقعة وادي الصّفراء، من نساء و طبيان سبوهم، و ظهر فيهم أشراف علويّون، فتسلّمهم أشراف دمشق ليواسوهم من الوقف [ (4)].

[كسر الفرنج‏]

و فيها كسر كيكاوس صاحب الرّوم الفرنج الّذين ملكوا أنطاكية، و أخذها منهم [ (5)].

____________

[ (1)] انظر خبر (القضاء بدمشق) في: ذيل الروضتين 89، و السلوك ج 1 ق 1/ 185، و البداية و النهاية 13/ 68، 69، و نهاية الأرب 29/ 69.

[ (2)] أي إلى سنة 615 ه. كما في: الروضتين 89، و الخبر في: نهاية الأرب 29/ 69.

[ (3)] ذيل الروضتين 89، نهاية الأرب 29/ 70، و مفرّج الكروب 3/ 232.

[ (4)] انظر خبر (قتادة) في: ذيل الروضتين 89، 90، و نهاية الأرب 29/ 67- 69، و البداية و النهاية 13/ 69.

[ (5)] انظر خبر (كسر الفرنج) في: ذيل الروضتين 90، و البداية و النهاية 13/ 69، و مفرّج الكروب 3/ 233.

11

[أخذ غزنة]

و فيها أخذ خوارزم شاه غزنة بغير قتال [ (1)].

[أخذ أنطاكية]

و أخذ ابن لاون أنطاكية من الفرنج، ثمّ عاد أخذها صاحب طرابلس [ (2)] من ابن لاون.

[حركة التتار]

و يقال: فيها كانت حركة التّتار إلى قصد بلاد التّرك.

[انهزام منكلي‏]

و فيها انهزم منكلي الّذي غلب على همذان و أصبهان و الرّيّ فقتل، و استقرّت القواعد، على أنّ بلاده للخليفة، و بعضها لجلال الدّين الصّبّاحي ملك الإسماعيليّة و صاحب الألموت و قلاعها، بعضها لأزبك بن البهلوان. و لكن كان الخليفة في شغل شاغل، و حزن عظيم بموت ابنه عليّ عن المسرّة بهلاك منكلي [ (3)].

____________

[ (1)] خبر خوارزم شاه في: ذيل الروضتين 90.

[ (2)] في ذيل الروضتين 90 «أبوس الطرابلس»، و في البداية و النهاية 13/ 69، «ابريس طرابلس»، و الصواب: «ابرنس» بمعنى الأمير، كما في: مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 572، و مفرّج الكروب 3/ 233.

[ (3)] الخبر في: ذيل الروضتين 91، 92، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 572، 573، و المختصر في أخبار البشر 3/ 116، و انظر: مفرّج الكروب 3/ 229، 230.

12

سنة ثلاث عشرة و ستّمائة

[ترميم قبّة النسر]

قال أبو شامة [ (1)]: فيها أحضرت الأوتار الخشب لأجل نسر قبّة الجامع [ (2)]، و عدّتها أربعة، كلّ واحد منها اثنان و ثلاثون ذراعا بالنّجّار [ (3)]، قطعت من الغوطة، و كان الدّخول بها من باب الفرج إلى المدرسة العادليّة إلى باب النّاطفانيّين، و أقيم لها هناك الصّواري، و رفعت لأجل القرنة، ثمّ مدّدت [ (4)].

[ترميم خندق باب السّر]

و فيها شرع في تحرير خندق باب السّرّ، و هو الباب المقابل لدار الطّعم العتيقة المجاورة لنهر بأناس، و كان المعظّم و مماليكه و الجند ينقلون التّراب بالقفاف على قرابيس سروجهم، و كان عمله كلّ يوم على طائفة من أهل البلد، و عمل فيه الفقهاء و الصّوفيّة [ (5)].

[الفتنة بين أهل الشاغور و العقيدة]

قال [ (6)]: و فيها كانت الحادثة بين أهل الشّاغور و العقيبة و حملهم السّلاح، و قتالهم بالرّحبة و الصّيارف، و ركوب العسكر ملبسا للفصل بين الفريقين، و حضر

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 92.

[ (2)] في ذيل الروضتين: «لأجل قبّة النسر في الجامع بدمشق».

[ (3)] في ذيل الروضتين: «بذراع النجارين».

[ (4)] و انظر الخبر في: البداية و النهاية 13/ 71.

[ (5)] انظر خبر (ترميم الخندق) في: ذيل الروضتين 92، و دول الإسلام 2/ 116، و البداية و النهاية 13/ 71.

[ (6)] أي أبو شامة في ذيل الروضتين 92، و الخبر أيضا في: نهاية الأرب 29/ 71، و البداية و النهاية 13/ 71.

13

المعظّم بنفسه لإطفاء الفتنة، فقبض على جماعة من كبار الحارات، منهم رئيس الشّاغور، و حبسهم.

[مسير المعظّم إلى الأشرف‏]

و فيها سار المعظّم على الهجن إلى أخيه الملك الأشرف، و اجتمع به بظاهر حرّان، ففاوضه في أمر حلب عند ما بلغه موت صاحبها الملك الظّاهر، و كان قد سبق من الأشرف الاتّفاق مع القائم بأمرها، فرجع المعظّم بعد سبعة عشر يوما، و لم يظهر إلّا أنّه كان يتصيّد [ (1)].

[بناء المصلّى بظاهر دمشق‏]

و فيها فرغ من بناء المصلّى بظاهر دمشق، و رتّب له خطيب، و هو الشيخ صدر الدّين، معيد الفلكيّة، ثمّ ولّي بعده بهاء الدّين بن أبي اليسر، ثمّ بنو حسّان [ (2)].

قلت: و هم إلى الآن.

[وعظ سبط ابن الجوزي بخلاط]

قال سبط الجوزيّ [ (3)]: و فيها ذهبت إلى خلاط، و وعظت بها، و حضر الملك الأشرف.

[رسليّة ابن أبي عصرون‏]

و فيها ذهب شهاب الدّين عبد السّلام بن أبي عصرون، رسولا من الملك العزيز محمّد ابن الظّاهر صاحب حلب، يسأل تقليدا من الدّيوان بحلب [ (4)].

____________

[ (1)] انظر خبر (مسير المعظم) في: ذيل الروضتين 92.

[ (2)] الخبر في: ذيل الروضتين 92، 93، و البداية و النهاية 13/ 71.

[ (3)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 574.

[ (4)] انظر خبر (الرسلية) في: ذيل الروضتين 93، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 574.

14

[وعظ سبط ابن الجوزيّ‏]

و فيها وعظ ابن الجوزيّ [ (1)] بحرّان، و حضره الأشرف، و فخر الدّين ابن تيميّة، و كان يوما مشهودا [ (2)].

[وقوع البرد بالبصرة]

قال ابن الأثير [ (3)]: فيها وقع بالبصرة برد قيل: إنّ أصغره كان مثل النّارنجة الكبيرة. قال: قيل في أكبره ما يستحي الإنسان أن يذكره [ (4)].

قلت: أرض العراق قد وقع فيه هذا البرد الكبار غير مرّة.

____________

[ (1)] المراد به «سبط ابن الجوزي».

[ (2)] الخبر في: مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 574.

[ (3)] في الكامل 12/ 314، 315.

[ (4)] قال ابن الأثير: «فكسر كثيرا من رءوس النخيل».

15

سنة أربع عشرة و ستّمائة

[زيادة دجلة]

فيها كان الغرق ببغداد بزيادة دجلة، و ركب الخليفة شبّارة، و خاطب النّاس، و جعل يتأوّه لهم و يقول: لو كان هذا يردّ عنكم بمال أو حرب، دفعته عنكم.

قال أبو شامة [ (1)]- و قد نقله من كلام أبي المظفّر سبط الجوزيّ [ (2)]، إن شاء اللَّه: فانهدمت بغداد بأسرها، و المحالّ، و وصل الماء إلى رأس السّور، و لم يبق له أن يطفح على السّور إلّا مقدار إصبعين، و أيقن النّاس بالهلاك، و دام ثماني أيّام [ (3)]، ثمّ نقص الماء، و بقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها! [ (4)].

قلت: هذا من خسف أبي المظفّر، فهو مجازف.

[قدوم خوارزم شاه إلى بغداد]

قال أبو المظفّر [ (5)]: و فيها قدم خوارزم شاه محمّد بن تكش في أربعمائة ألف، و قيل: في ستّمائة ألف، فوصل همذان قاصدا بغداد، فاستعدّ الخليفة، و فرّق الأموال و العدد، و راسله مع الشيخ شهاب الدّين السّهرورديّ، فأهانه و لم يحتفل به، و استدعاه، و أوقفه إلى جانب الخيمة، و لم يجلسه، قال: فحكى شهاب الدّين، قال: استدعاني إلى خيمة عظيمة لها دهليز لم أر مثله في الدّنيا، و هو من أطلس [ (6)]، و الأطناب حرير، و في الدّهليز ملوك العجم على طبقاتهم، كصاحب أصبهان،

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 100.

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 582.

[ (3)] عبارة سبط ابن الجوزي: «و دام سبع ليال و ثمانية أيّام حسوما».

[ (4)] و الخبر أيضا في: البداية و النهاية 13/ 75، و العسجد المسبوك 2/ 357، 358.

[ (5)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 582.

[ (6)] في المرآة: «و الدهليز و الشقة أطلس».

16

و صاحب همذان، و الرّيّ، قال: ثمّ دخلنا إلى خيمة أخرى و في دهليزها ملوك ما وراء النّهر، ثم دخلنا عليه و هو شابّ، له شعرات، قاعد على تخت ساذج، و عليه قباء بخاريّ يساوي خمسة دراهم، و على رأسه قطعة جلد تساوي درهما، فسلّمت عليه فلم يردّ، و لا أمرني بالجلوس، فشرعت فخطبت خطبة بليغة، ذكرت فيها فضل بني العبّاس، و وصفت الخليفة بالزّهد و الورع و التّقيّ و الدّين، و التّرجمان يعيد عليه قولي، فلمّا فرغت قال للتّرجمان: قل له هذا الّذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا أجي‏ء و أقيم خليفة يكون بهذه الصّفة، ثمّ ردّنا بغير جواب، و نزل عليهم بهمذان الثّلج، فهلكت خيلهم، و ركب الملك خوارزم شاه يوما فعثر به فرسه، فتطيّر، و وقع الفساد في عساكره، و قلّت الميرة، و كان معه سبعون ألفا من الخطا، فردّه اللَّه تعالى عن بغداد.

و قال أبو شامة [ (1)]: ذكر محمد بن محمد النّسويّ في كتابه الّذي ذكر فيه وقائع التّتار مع علاء الدّين محمد، و مع ولده جلال الدّين [ (2)]، قال: حكى لي القاضي مجير الدّين عمر بن سعد الخوارزميّ، أنّه أرسل إلى بغداد مرارا، آخرها مطالبة الدّيوان بما كان لبني سلجوق من الحكم و الملك ببغداد، فأبوا ذلك، و أصحب المذكور في عوده شهاب الدّين السّهرورديّ رسولا مدافعا. قال: و كان عند السّلطان من حسن الاعتقاد برفيع منزلته ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام و الاحترام تمييزا له عن سائر الرّسل الواردة عليه في الدّيوان، فوقف قائما في صحن الدّار، فلمّا استقرّ المجلس بالشّيخ، قال: إنّ من سنّة الدّاعي للدّولة القاهرة أن يقدّم على أداء رسالته حديثا. فأذن له السّلطان، و جلس على ركبتيه تأدّبا عند سماع الحديث، فذكر الشّيخ حديثا معناه التّحذير من أذيّة آل العباس. فقال السّلطان: ما آذيت أحدا من آل العبّاس و لا قصدتهم بسوء و قد بلغني أنّ في محابس أمير المؤمنين خلقا منهم يتناسلون بها، فلو أعاد الشيخ هذا الحديث على مسامع أمير المؤمنين كان أولى و أنفع. فعاد الشّيخ و الوحشة قائمة، ثمّ عزم على قصد بغداد، و قسّم نواحيها إقطاعا

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 101.

[ (2)] هو الكتاب المطبوع باسم «سيرة السلطان جلال الدّين منكبرتي».

17

و عملا، و سار إلى أن علا عقبة أسدآباد، فنزلت عليه ثلوج غطّت الخراكي و الخيام، و بقي ثلاثة أيّام، فعظم إذ ذاك البلاء، و شمل الهلاك خلقا من الرّجال، و لم ينج شي‏ء من الجمال، و تلفت أيدي رجال و أرجل آخرين، فرجع السّلطان عن وجهه ذلك على خيبة ممّا همّ به.

[وصول الفرنج إلى عين جالوت‏]

و فيها تجمّع الفرنج و أقبلوا من البحر بفارسهم و راجلهم لأجل قصد بيت المقدس، و تتابعت الأمداد من رومية الكبرى، الّتي هي دار الطّاغية الأعظم المعروف بالبابا، لعنه اللَّه، و تجمّعوا كلّهم بعكّا، عازمين على استيفاء الثّأر ممّا تمّ عليهم في الدّولة الصّلاحيّة، فجفل الملك العادل لمّا خرجوا عليه، و وصلوا إلى عين جالوت، و كان على بيسان فأحرقها، و تقدّم إلى جهة عجلون، و وصل الفوّار [ (1)]، فقطع الفرنج خلفه الأردنّ، و أوقعوا باليزك، و عادوا [ (2)] على البلاد، و جاء الأمر إلى المعتمد والي دمشق بالاهتمام و الاستعداد و استخدام الرّجال، و تدريب دروب قصر حجّاج، و الشّاغور، و طرق البساتين، و تغريق أراضي داريّا، و اختبط البلد، و أرسل العادل إلى ملوك البلاد يستحثّ العساكر، و نزل مرج الصّفّر، و ضجّ النّاس بالدّعاء، ثمّ رجع الفرنج نحو عكّا بما حازوه من النّهب و الأسارى، فوصل الملك المجاهد صاحب حمص، ففرح به النّاس.

قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [ (3)]: فيها انفسخت الهدنة بين المسلمين و الفرنج، و جاء العادل من مصر بالعساكر، فنزل بيسان، و المعظّم عنده في عسكر الشّام، فخرج الفرنج من عكّا، عليهم ملك الهنكر، فنزلوا عين جالوت في خمسة عشر ألفا، و كان شجاعا، خرج معه جميع ملوك السّاحل، فقصد العادل، فتأخّر العادل و تقهقر، فقال له المعظّم: إلى أين؟ فشتمه بالعجميّة، و قال: بمن أقاتل؟ أقطعت الشّام مماليكك و تركت أولاد النّاس. و ساق فعبر الشّريعة [ (4)].

____________

[ (1)] في الذيل لأبي شامة: «الغور».

[ (2)] في ذيل الروضتين: «و غاروا».

[ (3)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 583.

[ (4)] الشريعة: نهر الأردن.

18

و جاء الهنكر إلى بيسان، و بها الأسواق و الغلال و المواشي و شي‏ء كثير، فأخذت الفرنج الجميع، و رحلوا منها بعد ثلاثة أيّام إلى قصير الغور [ (1)]، و وصل أوائلهم إلى خربة اللّصوص و الجولان، و أقاموا يقتلون و يسبون، ثمّ عادوا إلى الغور، و نزلوا تحت الطّور، فأقاموا أيّاما يقاتلون من فيه و يحاصرونهم، و كان معهم سلّم عظيم، فزحفوا و نصبوه، فأحرقه المسلمون بالنّفط، و قتل تحته جماعة من أعيان الفرنج، منهم بعض الملوك. و استشهد يومئذ الأمير بدر الدّين محمد بن أبي القاسم، و سيف الدّين ابن المرزبان، و كان في الطّور أبطال المسلمين، فاتّفقوا على أنّهم يقاتلوا قتال الموت، ثمّ رحل الفرنج عنهم إلى عكّا، و جاء المعظّم فأطلق لأهل الطّور الأموال، و خلع عليهم. ثمّ اتّفق العادل و ابنه المعظّم على خراب الطّور كما يأتي.

و أمّا ابن أخت الهنكر فقصد جبل صيدا في خمسمائة من الفرنج إلى جزّين [ (2)]، فأخلاها أهلها، فنزلها الفرنج ليستريحوا، فتحدّرت عليهم الرجال من الجبل، فأخذوا خيولهم و قتلوا عامّتهم، و أسر مقدّمهم ابن أخت الهنكر.

و قيل: إنّه لم يسلم من الفرنج إلّا ثلاثة أنفس.

قلت: و كثرت جيوش الفرنج بالسّاحل، و غنموا ما لا يوصف، ثم قصدوا مصر لخلوّها من الجيش، و كانت عساكر الإسلام مفرّقة، ففرقة كانت بالطّور محصورين، و فرقة ذهبت مع المعظّم يزكا على القدس عسكروا بنابلس، و فرقة مع السّلطان في وجه العدوّ عن دمشق، و أشرف المسلمون على خطّة صعبة، و كان الملك العادل مع جبن فيه، حازما سائسا، خاف أن يلتقي العدوّ و هو في قلّ من النّاس أن ينكسر و لا تقوم للإسلام بعده قائمة، فاندفع بين أيديهم قليلا قليلا حتّى كفى اللَّه شرّهم [ (3)].

____________

[ (1)] هو القصر المعروف بقصر ابن معين الدين.

[ (2)] جزّين: بلدة شرقيّ صيدا، بجنوب لبنان. و قد تصحّفت في المرآة إلى «جزيز».

[ (3)] انظر خبر (الفرنج) في: الكامل في التاريخ 12/ 320، 321، و التاريخ المنصوري 73، و ذيل الروضتين 102، و تاريخ الزمان 252، و زبدة الحلب 3/ 180، و مفرّج الكروب 1/ 254- 257، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 583، و المختصر في أخبار البشر 3/ 118، و الدرّ المطلوب 187 و 190، 191، و نهاية الأرب 29/ 78- 81، و دول الإسلام 2/ 116، 117، و تاريخ ابن الوردي 2/ 134، و الإعلام و التبيين 47، و تاريخ ابن خلدون 5/ 344، و البداية و النهاية 13/ 76، 77، و السلوك ج 1 ق 1/ 186، 187، و شفاء القلوب 224، 225، و تاريخ ابن سباط 1/ 259.

19

سنة خمس عشرة و ستّمائة

[نزول الفرنج على دمياط]

في ربيع الأوّل نزلت الفرنج على دمياط، فبعث الملك العادل العساكر التي عنده بمرج الصّفّر إلى ابنه الملك الكامل، و طلب ابنه المعظّم و قال له: قد بنيت هذا الطّور و هو يكون سبب خراب الشام، و أرى المصلحة أن تخرّبه ليتوفر من فيه على حفظ دمياط. فتوقّف المعظّم، ثم أرضاه بمال و وعده ببلاد، فأجاب و أخلاه و خرّبه، و كان قد غرم على بنائه أموالا لا تحصى.

قال ابن واصل [ (1)]: لمّا طالت إقامة جيوش الفرنج بمرج عكّا، أشار عقلاؤهم بقصد الدّيار المصريّة و قالوا: صلاح الدّين إنّما استولى على البلاد بتملّكه مصر. فصمّموا، و ركبوا البحر إلى دمياط، فنزلوا على برّ جيزتها، و زحفوا على برج السّلسلة، و كان مشحونا بالرّجال، و كان الكامل قد أقبل و نزل ببرّ دمياط، و دام الحصار و النّزال أربعة أشهر، و جاءت الكامل النّجدات من الشّام، و مات الملك العادل في وسط الشّدّة، و استراح.

و في ربيع الآخر كسر الملك الأشرف ابن العادل ملك الرّوم كيكاوس. ثمّ جمع الأشرف عساكره و عسكر حلب، و دخل بلد الفرنج ليشغلهم بأنفسهم عن قصد دمياط، فنزل على صافيثا و حصن الأكراد، فخرج ملك الرّوم و وصل إلى رعبان يريد أن يملك حلب، فنزل إليه الملك الأفضل من سميساط، فأخذا رعبان و تلّ باشر، فردّ الملك الأشرف إلى حلب، و نزل على الباب و بزاعة، و قدّم بين يديه العرب. و قدم الرّوم يعملون [ (2)] مصافا مع العرب فكسرهم العرب. و بعث الأشرف نجدة من عسكره إلى دمياط.

____________

[ (1)] في: مفرج الكروب 3/ 258 و ما بعدها.

[ (2)] في الأصل: «يعملوا».

20

و في جمادى الأولى أخذت الفرنج من دمياط برج السّلسلة، فبعث الكامل يستصرخ بأبيه، فدقّ أبوه- لمّا بلغه الخبر- بيده، و مرض مرضة الموت.

قال أبو شامة [ (1)]: و ضرب شيخنا علم الدّين السّخاويّ بيد على يد، و رأيته يعظّم أمر البرج، و قال: هو قفل الدّيار المصريّة [ (2)]. و قد رأيته [ (3)] و هو برج عال في وسط النّيل، و دمياط بحذائه من شرقيّة، و الجيزة بحذائه على حافّة النّيل من غربيّه، و في ناحيتيه سلسلتان، تمتدّ إحداهما على النّيل إلى دمياط، و الأخرى على النّيل إلى الجيزة، تمنعان عبور المراكب من البحر المالح [ (4)].

[نصرة المعظّم على الفرنج‏]

و في جمادى الآخرة التقى المعظّم و الفرنج على القيمون [ (5)]، فنصره اللَّه، و قتل منهم خلقا، و أسر مائة فارس [ (6)].

[رسلية خوارزم شاه‏]

قال [ (7)]: و فيها وصل رسول خوارزم شاه علاء الدّين محمد بن تكش إلى العادل، فبعث في جوابه الخطيب جمال الدّين محمد الدّولعيّ، و النّجم خليل قاضي العسكر، فوصلا إلى همذان، فوجدا خوارزم شاه قد اندفع من بين يدي‏

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 109.

[ (2)] هكذا أجاب حينما سأله عز الدّين بن عبد السلام.

[ (3)] رآه أبو شامة سنة 628.

[ (4)] انظر خبر (نزول الفرنج على دمياط) في: الكامل في التاريخ 12/ 323، و مفرّج الكروب 3/ 258- 261، و الدرّ المطلوب 195، و ذيل الروضتين 109، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 585، و المختصر في أخبار البشر 3/ 118، و نهاية الأرب 23/ 78- 81، و دول الإسلام 2/ 117، و تاريخ ابن الوردي 2/ 134، و البداية و النهاية 13/ 78، 79، و الإعلام و التبيين 48، و تاريخ ابن خلدون 5/ 344، و السلوك ج 1 ق 1/ 188، 189، و تاريخ ابن سباط 1/ 260، 261، و تاريخ الخلفاء 456.

[ (5)] القيمون: حصن قرب الرملة بفلسطين.

[ (6)] الخبر في ذيل الروضتين 109.

[ (7)] القائل هو أبو شامة في ذيل الروضتين 109، 110.

21

الخطا و التّتار، و قد خامر عليه عسكره، فسار إلى بخارى، فاجتمع المذكوران بولده جلال الدّين، فأخبرهما بوفاة العادل الّذي أرسلهما. و كان الخطيب قد استناب ابنه يونس و لم تكن له أهليّة، فولّي الموفّق عمر بن يوسف خطيب بيت الأبار إلى أن يقدم الدّولعيّ.

[ضمان الخمر بدمشق‏]

و في رجب أدار الملك المعظّم المكوس و الخمور و ما كان أبوه أبطله، فقيل: إنّه ضمّن الخمر بدمشق و الخنا [ (1)] بثلاثمائة ألف درهم. قال أبو المظفّر [ (2)]:

فقلت له: قد خلفت سيف الدّين غازي ابن أخي نور الدّين، فإنّه كذا فعل لمّا مات نور الدّين. فاعتذر بقلّة المال و دفع الفرنج، ثمّ سار إلى بانياس و تبنين، و راسل الصّارم متولّي تبنين، بأن يسلّم الحصون، فأجابه، و خرّب بانياس و تبنين، و قد كانت قفلا للبلاد و ملجأ للعباد، و أعطى جميع الّتي كانت لسركس لأخيه العزيز عثمان، و زوّجه بابنة سركس، و أظهر أنّه ما خرّب هذا إلّا خوفا من استيلاء الفرنج.

[تغلّب الكامل على الفرنج بدمياط]

و بعث الكامل إليه يستنجد به، و عدّى الفرنج دمياط، فأخلى لهم العساكر الخيام فطمعوا، ثمّ عاد عليهم الكامل فطحنهم و قتل خلقا، فعادوا إلى دمياط [ (3)].

[وفاة كيكاوس‏]

و فيها توفّي صاحب الرّوم كيكاوس، و كان ظالما، فاتكا، جبّارا، فاسقا [ (4)].

____________

[ (1)] الخنا: الفحش.

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 597.

[ (3)] نهاية الأرب 29/ 87، الكامل في التاريخ 12/ 352، 353.

[ (4)] قيل إنه مات هذه السنة، و قيل في السنة التالية. و لهذا سيذكره المؤلّف- (رحمه اللَّه)- مرتين، برقم (321) و (400)، و سأذكر هناك مصادره.

22

[وفاة الملك القاهر]

و فيها توفّي الملك القاهر عزّ الدّين مسعود بن رسلان [ (1)] بن مسعود بن مودود بن زنكيّ بن آقسنقر صاحب الموصل، مسموما فيما قيل، و ترك ابنه محمودا و هو صغير، فأخرج الأمير بدر الدّين لؤلؤ أخا القاهر زنكيّا من الموصل، ثمّ استولى عليها، و تسمّى بالملك الرّحيم.

و قيل: إنّه أدخل محمودا حمّاما حاميا حتّى اشتدّ كربه، فاستغاث: «اسقوني ماء، ثمّ اقتلوني»، فسقوه، ثمّ خنق [ (2)].

[خوارزم شاه و رسل جنكيزخان‏]

و فيها عاد السّلطان خوارزم شاه محمّد إلى نيسابور، و أقام بها مدّة، و قد بلغه أنّ التّتار- خذلهم اللَّه تعالى- قاصدون مملكة ما وراء النّهر، و جاءه من جنكس‏خان [ (3)] رسل و هم محمود الخوارزميّ، و خواجا عليّ البخاريّ، و معهم من طرف هدايا التّرك من المسك و غيره، و الرّسالة تشتمل على التّهنئة بسلامة خوارزم شاه، و يطلب منه المسالمة و الهدنة، و قال: إنّ الخان الأعظم يسلّم عليك و يقول: ليس يخفى عليّ عظم شأنك، و ما بلغت من سلطانك، و نفوذ حكمك على الأقاليم، و أنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، و أنت عندي مثل أعزّ أولادي، و غير خاف عنك أنّني ملكت الصّين، و أنت أخبر النّاس ببلادي، و إنّها مثارات العساكر و الخيول، و معادن الذّهب و الفضّة، و فيها كفاية عن طلب غيرها، فإن رأيت أن نعقد بيننا المودّة، و تأمر التّجّار بالسّفر لتعمّ المصلحتين [ (4)]؟ فعلت.

فأحضر السّلطان خوارزم شاه محمودا الخوارزميّ و قال: أنت منّا و إلينا، و لا بدّ لك من مولاة فينا. و وعده بالإحسان، إن صدقه، و أعطاه معضدة مجوهرة نفيسة، و شرط عليه أن يكون عينا له على جنكزخان، فأجابه، ثمّ قال له: اصدقني،

____________

[ (1)] هكذا هنا. و حين يترجم المؤلّف- (رحمه اللَّه)- لوفاته يذكره «أرسلان».

[ (2)] انظر عن (القاهر) في الوفيات، برقم (333) و سأذكر مصادره هناك.

[ (3)] جنكس: و تكتب جنكز، و جنكيز، و هو طاغية التتر الأكبر.

[ (4)] كذا في الأصل بخط المصنف، و الصواب: المصلحتان.

23

أ جنكز خان ملك طمغاج الصّين؟ قال: نعم. فقال: ما ترى في المصلحة؟ قال:

الاتّفاق. فأجاب إلى ملتمس جنكزخان. قال: فسرّ جنكزخان بذلك، و استمرّ الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجّار، و كان خال السّلطان خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النّهر، و معه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التّجّار، و كاتب السّلطان يقول: إنّ هؤلاء القوم قد جاءوا بزيّ التّجّار، و ما قصدهم إلّا إفساد الحال و أن يجسّوا البلاد، فإن أذنت لي فيهم. فأذن له بالاحتياط عليهم. و قبض عليهم، و اصطفى أموالهم. فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إنّك أعطيت أمانك للتّجّار، فغدرت، و الغدر قبيح، و هو من سلطان الإسلام أقبح، فإن زعمت أنّ الّذي فعله خالك بغير أمرك، فسلّمه إلينا، و إلا فسوف [ (1)] تشاهد منّي ما تعرفني به. فحصل عند خوارزم شاه من الرّعب ما خامر عقله، فتجلّد، و أمر بقتل الرّسل، فقتلوا، فيا لها حركة لما هدرت من دماء الإسلام، أجرت بكل نقطة سيلا من الدّم، ثمّ إنّه اعتمد، من التّدبير الرّدي‏ء لمّا بلغه سير جنكزخان إليه أنّه أمر بعمل سور سمرقند، ثمّ شحنها بالرّجال، فلم تغن شيئا، و ولّت سعادته، و قضي الأمر [ (2)].

قال المؤيّد عماد الدّين في «تاريخه»: قال النّسويّ كاتب الإنشاء الّذي لخوارزم شاه: مملكة الصّين دورها ستّة أشهر، و هي ستة أجزاء، كلّ جزء عليه ملك، و يحكم على الكلّ الخان الأكبر يقال له الطّرخان، و هذا كان معاصر خوارزم شاه محمّد، و قد ورث الملك كابرا عن كابر، بل كافرا عن كافر. و إقامته بطوغاج في وسط الصّين. و كان دوشي خان أحد السّتّة متزوّجا بعمّة جنكزخان الّذي فعل الأفاعيل و أباد الأمم. و جنكزخان من أمراء بادية الصّين، و هم أهل شرّ و عتوّ، فمات دوشي المذكور، فعمدت زوجته إلى ابن أخيها جنكزخان و قد جاءها زائرا فملّكته، و كان الملكان اللّذان هما مجاوران لهم هما: كشلي خان، و فلان خان، فرضيا بجنكزخان، و عاضداه، فلمّا أنهي الأمر إلى القان ألطور أنكر

____________

[ (1)] في الأصل: «سوف».

[ (2)] خبر (خوارزم شاه و جنكيزخان) في: الكامل في التاريخ 12/ 359 و ما بعدها، و تاريخ الخميس 2/ 411.

24

و لم يرض، و استحقر جنكزخان، فغضب له المذكوران و خرجا معه و عملوا المصافّ، فانهزم ألطور خان و ذلّ، ثمّ طلب الصّلح، فصالحوه، و قووا و اتّفقوا، فمات أحدهما، ثمّ مات كشلوخان، و تملّك ولده، فطمع جنكزخان في الولد، و تمكّن و كثر جنده و هم المغل، و حارب الولد، و هزمه و استولى على بلاده، ثمّ نفّذ رسولا إلى خوارزم شاه كما ذكرنا.

25

سنة ستّ عشرة و ستّمائة

[موت خوارزم شاه‏]

فيها وصل الخبر بانجفال السّلطان خوارزم شاه عن جيحون، فاضطربت مدينة خوارزم، و قلقت خاتون والدة السّلطان، و أمرت بقتل من كان معتقلا بخوارزم من الملوك، و كان بها نحو عشرين ملكا، و خرجت من خوارزم و معها خزائن السّلطان و حرمه، و ساقت إلى قلعة إيلال بمازندران، ثمّ أسرت. و أما السلطان فإنّه لم يزل منهزما إلى أن قدم نيسابور، و لم يقم بها إلّا ساعة واحدة رعبا من التّتار، ثمّ ساق إلى أن وصل إلى مرج همذان و معه بقايا عسكره نحو عشرين ألفا، و لم يشعر إلّا و قد أحدق به العدوّ، فقاتلهم بنفسه، و شمل القتل كلّ من كان في صحبته، و لجأ في نفر يسير إلى الجبل، ثمّ منها إلى الاستدار و هي أمنع ناحية في مازندران، ثمّ سار إلى حافّة البحر، و أقام بقرية ينوّر المسجد و يصلّي فيه إماما بجماعة، و يقرأ القرآن، و يبكي، فلم يلبث حتّى كبسه التّتار، فهرب، و ركب في مركب، فوقع فيه النّشّاب، و خاض خلفه طائفة، فصدّهم عمق الماء عن لحوقه، فبقي في لجّة و لحقته علّة ذات الجنب، فقال: سبحان اللَّه مالك الملوك لم يبق لنا من مملكتنا مع سعتها قدر ذراعين ندفن فيها، فاعتبروا يا أولي الأبصار. فلمّا وصل إلى الجزيرة الّتي هناك، أقام بها طريدا وحيدا، و المرض يزداد به، ثمّ مات و كفّن في شاش فرّاش كان معه، في سنة سبع عشرة [ (1)].

[تخريب أسوار القدس‏]

و في أوّل السنة أخرب المعظّم أسوار القدس خوفا من استيلاء الفرنج عليه، و قد كان يومئذ على أتمّ العمارة و أحسن الأحوال و كثرة السّكّان [ (2)].

____________

[ (1)] انظر خبر (موت خوارزم شاه) في: الكامل في التاريخ 12/ 369، 370، و ستأتي ترجمته في وفيات سنة 617 ه. برقم (478) و أحشد هناك مصادرها.

[ (2)] انظر عن (تخريب أسوار القدس) في: ذيل الروضتين 115، و مفرّج الكروب 4/ 32، و الدرّ

26

قال أبو المظفّر [ (1)]: كان المعظّم قد توجّه إلى أخيه الكامل إلى دمياط و الكشف عنها، و بلغه أنّ طائفة من الفرنج على عزم القدس، فاتّفق هو و الأمراء على تخريبه، و قالوا: قد خلا الشّام من العساكر، فلو أخذته الفرنج حكموا على الشّام. و كان بالقدس أخوه الملك العزيز و عزّ الدّين أيبك أستاذ دار، فكتب المعظّم إليهما يأمرهما بخرابه، فتوقّفا. و قالا: نحن نحفظه، فأتاهما أمر مؤكّد بخرابه، فشرعوا في الخراب في أوّل المحرّم، و وقع في البلد ضجّة، و خرج الرّجال و النّساء إلى الصّخرة، فقطّعوا شعورهم، و مزّقوا ثيابهم، و خرجوا هاربين، و تركوا أثقالهم، و ما شكّوا أنّ الفرنج تصبّحهم، و امتلأت بهم الطّرقات، فبعضهم قصد مصر، و بعضهم إلى الكرك، و بعضهم إلى دمشق، و هلكت البنات من الحفاء، و مات خلق من الجوع و العطش، و نهب ما في البلد، و بيع الشي‏ء بعشر ثمنه، حتى أبيع قنطار الزّيت بعشرة دراهم، و رطل النّحاس بنصف درهم، و على هذا النّمط، و ذمّ الشّعراء المعظّم، و قالوا:

في رجب حلّل المحرّم [ (2)]* * * و خرّب القدس في المحرّم‏

و قال مجد الدّين محمد بن عبد اللَّه قاضي الطّور:

مررت على القدس الشّريف مسلّما* * * على ما تبقّى من ربوع كأنجم‏

ففاضت دموع العين منّي صبابة* * * على ما مضى في عصرنا المتقدّم‏

و قد رام علج أن يعفّي رسومه‏* * * و شمّر عن كفّي لئيم مذمّم‏

فقلت له: شلّت يمينك خلّها* * * لمعتبر أو سائل أو مسلّم‏

فلو كان يفدى بالنّفوس فديته‏* * * و هذا صحيح الظّنّ في كلّ مسلم [ (3)]

____________

[ ()] المطلوب 202، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 601، و المختصر في أخبار البشر 3/ 122، و العبر 5/ 95، و دول الإسلام 2/ 119، و تاريخ ابن الوردي 2/ 137، و مرآة الجنان 4/ 31، و البداية و النهاية 13/ 83، و الإعلام و التبيين 52، و السلوك ج 1 ق 1/ 204، و شفاء القلوب 305، و تاريخ ابن سباط 1/ 267.

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 601.

[ (2)] في المرآة 602 «حلل الحميا»، و مثله في: البداية و النهاية 13/ 83.

[ (3)] الأبيات في: ذيل الروضتين 116 و قد سقطت منه كلمة «صحيح» في الشطر الأخير.

27

[استيلاء الفرنج على دمياط]

قال ابن الأثير [ (1)]: لمّا ملكت الفرنج برج السّلسلة قطعوا السّلاسل لتدخل مراكبهم في النّيل و يتحكّموا [ (2)] في البرّ، فنصب الملك الكامل عوض السّلاسل جسرا عظيما، فقاتلوا عليه قتالا شديدا حتّى قطعوه، فأخذ الكامل عدّة مراكب كبار، و ملأها حجارة و غرّقها في النّيل، فمنعت المراكب من سلوك النّيل.

فقصدت الفرنج خليجا يعرف بالأزرق، كان النّيل يجري قديما عليه، فحفروه و عمّقوه، و أجروا الماء فيه، و أصعدوا مراكبهم فيه إلى بورة، فلمّا صاروا في بورة حاذوا الملك الكامل و قاتلوه في الماء، و زحفوا إليه غير مرّة.

و أما دمياط فلم يتغير عليها شي‏ء، لأنّ الميرة متّصلة بهم، و النّيل يحجز بينهم، و أبوابها مفتّحة، فاتّفق موت الملك العادل، فضعفت النّفوس.

و كان عماد الدّين أحمد بن المشطوب أكبر أمير بمصر، و الأمراء ينقادون له، فاتّفق مع جماعة، و أرادوا خلع الكامل و تمليك أخيه الفائز، فبلغ الخبر الكامل، ففارق المنزلة ليلا، و سار إلى قرية أشمون، فأصبح العسكر و قد فقدوا سلطانهم، فلم يقف الأخ على أخيه، و تركوا خيامهم، و عبرت الفرنج النّيل إلى برّ دمياط آمنين في ذي القعدة، و حازوا المعسكر بما فيه، و كان شيئا عظيما، فملكه الفرنج بلا تعب.

ثمّ لطف اللَّه و وصل المعظّم بعد هذا بيومين، و النّاس في أمر مريج [ (3)]، فقوّى قلب أخيه و ثبّته، و أخرجوا ابن المشطوب إلى الشّام. و أمّا العربان فتجمّعت و عاثت، فكانوا أشدّ على المسلمين من الفرنج.

قال [ (4)]: و أحاط الفرنج بدمياط و قاتلوها برّا و بحرا، و عملوا عليهم خندقا

____________

[ (1)] في الكامل 12/ 324 و ما بعدها. (حوادث سنة 614 ه).

[ (2)] في الأصل: «و يتحكمون».

[ (3)] أمر مريج: أي: مختلط.

[ (4)] ابن الأثير في الكامل 12/ 326.

28

يمنعهم، و هذه عادتهم، و أداموا القتال، و اشتدّ الأمر على أهلها، و تعذّرت عليهم الأقوات و غيرها، و سئموا القتال، لأنّ الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، و لم يكن بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال عليهم بالنّوبة، و مع هذا فصبروا صبرا لم يسمع بمثله، و كثر القتل فيهم و الجراح و الموت، و دام الحصار عليهم إلى السّابع و العشرين من شعبان من سنة ستّ عشرة، فعجز من بقي بها عن الحفظ لقلّتهم، و تعذّر القوت عليهم، فسلّموا بالأمان، و أقام طائفة عجزوا عن الحركة.

و بثّت الفرنج سراياهم ينهبون و يقتلون، و شرعوا في تحصين دمياط و بالغوا في ذلك، و بقي الكامل في أطراف بلاده يحميها. و تسامع الفرنج بفتح دمياط، فأقبلوا إليها من كلّ فجّ عميق، و أضحت دار هجرتهم، و خاف النّاس كافة من الفرنج.

و أشرف الإسلام على خطّة خسف، أقبل التّتار من المشرق، و أقبل الفرنج من المغرب، و أراد أهل مصر الجلاء عنها فمنعهم الكامل، و تابع كتبه على أخويه المعظّم و الأشرف يحثّهما على الحضور، و كان الأشرف مشغولا بما دهمه من اختلاف الكلمة عليه ببلاده عند موت القاهر صاحب الموصل. و بقي الكامل مدّة طويلة مرابطا في مقابلة الفرنج إلى سنة ثمان عشرة، فنجده الأشرف. و كان الفرنج قد ساروا من دمياط و قصدوا الكامل، و نزلوا مقابله و بينهما بحر أشمون [ (1)]، و هو خليج من النّيل، و بقوا يرمون بالمنجنيق و الجرخ [ (2)] إلى عسكر المسلمين، و قد تيقّنوا هم و كلّ النّاس أنهم يملكون الدّيار المصريّة.

و أمّا الكامل فتلقّى الأشرف و سرّ بقدومه، و سار المعظّم فقصد دمياط، و اتّفق الأشرف و الكامل على قتال الفرنج، و تقرّبوا، و تقدّمت شواني المسلمين، فقابلت شواني الفرنج، و أخذوا للفرنج ثلاث قطع بما فيها، فقويت النّفوس،

____________

[ (1)] هكذا في الأصل، و في كامل ابن الأثير 12/ 328 «أشموم» بالميم. قال ابن دقماق: و هي بضم الألف و سكون الشين المعجمة و في آخرها ميم، و قيل نون. قاله السمعاني. (الانتصار 68).

[ (2)] الجرخ: آلة من آلات الحرب القديمة، و هي قذافة ترمى عنها السهام و النفط (معجم دوزي:

2/ 174).

29

و تردّدت الرّسل في الصّلح، و بذل المسلمون لهم تسليم بيت المقدس، و عسقلان، و طبريّة، و صيدا، و جبلة، و اللّاذقية، و جميع ما فتحه صلاح الدّين- (رحمه اللَّه)- سوى الكرك، فلم يرضوا، و طلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب بين المقدس ليعمّروه بها، فلم يتمّ أمر، و قالوا: لا بدّ من الكرك.

فاضطرّ المسلمون إلى قتالهم، و كان الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا [ (1)] معهم ما يقوتهم عدّة أيّام، ظنّا منهم أنّ العساكر الإسلاميّة لا تقوم لهم، و أنّ القرى تبقى بأيديهم و تكفيهم. فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض الّتي عليها الفرنج ففجّروا النّيل، فركب أكثر تلك الأرض، و لم يبق للفرنج جهة يسلكونها غير جهة واحدة ضيّقة، فنصب الكامل الجسور على النّيل، و عبرت العساكر، فملكوا الطّريق الّتي يسلكها الفرنج إلى دمياط، و لم يبق لهم خلاص، و وصل إليهم مركب كبير و حوله عدّة حرّاقات، فوقع عليها شواني المسلمين، و ظفر المسلمون بذلك كلّه، فسقط في أيدي الفرنج، و أحاطت بهم عساكر المسلمين، و اشتدّ عليهم الأمر، فأحرقوا خيامهم و مجانيقهم و أثقالهم، و أرادوا الزّحف إلى المسلمين فعجزوا و ذلّوا. فراسلوا الكامل يطلبون الأمان ليسلّموا دمياط بلا عوض، فبينما المراسلات متردّدة، إذ أقبل جمع كبير لهم رهج [ (2)] شديد و جلبة عظيمة من جهة دمياط، فظنّه المسلمون نجدة للفرنج، فإذا به الملك المعظّم، فخذل الفرنج، لعنهم اللَّه، و سلّموا دمياط، و استقرّت القاعدة في سابع رجب سنة ثمان عشرة، و تسلّمها المسلمون بعد يومين، و كان يوما مشهودا فدخلها العسكر، فرأوها حصينة قد بالغ الفرنج في تحصينها بحيث بقيت لا ترام، فللّه الحمد على ما أنعم به. و هذا كلّه ساقه ابن الأثير [ (3)]- (رحمه اللَّه)- متتابعا في سنة أربع عشرة.

و قال غيره- و هو سعد الدّين مسعود بن حمّويه فيما أنبأنا-: لمّا تقرر الصّلح جلس السّلطان في خيمته، و حضر عنده الملوك، فكان على يمين السّلطان‏

____________

[ (1)] في المطبوع ص 26 من الطبقة الثانية و الستين: «يستصبحوا»، و هو غلط.

[ (2)] الرهج: الغبار.

[ (3)] في الكامل 12/ 324- 331.

30

صاحب حمص الملك المجاهد، و دونه الملك الأشرف شاه أرمن، و دونه الملك المعظم عيسى، و دونه صاحب حماة، و دونه الحافظ صاحب جعبر، و مقدّم نجدة حلب، و مقدّم نجدة الموصل، و مقدّم نجدة ماردين، و مقدّم نجدة إربل، و مقدّم نجدة ميّافارقين، و كان على يساره نائب الباب، و صاحب عكّا، و صاحب قبرص، و صاحب طرابلس، و صاحب صيدا، و عشرون من الكنود لهم قلاع في المغرب، و مقدّم الدّاوية، و مقدّم الإسبتار. و كان يوما مشهودا. فرسم السّلطان بمبايعتهم و كان يحمل إليهم في كلّ يوم خمسين ألف رغيف، و مائتي إردبّ شعير، و كانوا يبيعون عددهم بالخبز ممّا نالهم من الجوع. فلمّا سلّموا دمياط أطلق السّلطان رهائنهم، و بقي صاحب عكّا حتّى يطلقوا رهائن السّلطان. فأبطئوا، فركب السّلطان و معه صاحب عكّا، و كان خلقة هائلة، فأخرج السّلطان من صدر قبائه صليب الصّلبوت، الّذي كان صلاح الدّين أخذه من خزائن خلفاء مصر، فلمّا رآه صاحب عكّا رمى بنفسه إلى الأرض، و شكر السّلطان، و قال: هذا عندنا أعظم من دمياط. و قال له السّلطان: خذ هذا تذكارا من عندي، و اركب في مركب، و رح نفّذ رهائننا، فلم يفعل، و بعث الصّليب مع قسّيس.

و حكى بعضهم [ (1)] قال: و في شعبان أخذت الفرنج دمياط، و كان المعظّم قد جهّز إليها ناهض الدّين ابن الجرخي [ (2)] في خمسمائة راجل، فهجموا على الخندق، فقتل الناهض و من كان معه، و ضعف أهل دمياط المساكين، و وقع فيهم الوباء و الغلاء، و عجز الملك الكامل عن نصرتهم، فسلّموها بالأمان، و فتحوا للفرنج، فغدروا، لعنهم اللَّه، و قتلوا و أسروا، و جعلوا الجامع كنيسة، و بعثوا بالمصاحف و رءوس القتلى إلى الجزائر.

و كان بدمياط الشّيخ أبو الحسن بن قفل [ (3)] الزّاهد صاحب زاوية، فما تعرّضوا له.

____________

[ (1)] هو سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 603.

[ (2)] تحرّف في المرآة إلى «الحرجي». و المثبت يتفق مع: ذيل الروضتين 116.

[ (3)] هكذا في ذيل الروضتين 117، و في المرآة 603 «أبو الحسن بن الفضل».

31

قال أبو شامة [ (1)]: أنا رأيته بدمياط سنة ثمان و عشرين.

و بلغ الكامل و المعظّم فبكيا بكاء شديدا، و قال الكامل للمعظّم: ما في مقامك فائدة، فانزل إلى الشّام و شوّش خواطر الفرنج، و اجمع العساكر من الشّرق.

قال ابن واصل [ (2)] في أخذ دمياط: و حين جرى هذا الأمر الفظيع، ابتنى الملك الكامل مدينة، و سمّاها المنصورة عند مفرق البحرين الآخذ أحدهما إلى دمياط، و الآخر إلى أشمون، و مصبّه في بحيرة تنّيس، ثمّ نزلها بجيشه، و بنى عليها سورا.

و ذكر ابن واصل: أنّ تملّك الفرنج دمياط كان في عاشر رمضان.

قال أبو المظفّر [ (3)]: فكتب إليّ المعظّم و أنا بدمشق بتحريض النّاس على الجهاد و يقول: إنّي كشفت ضياع الشّام فوجدتها ألفي قرية، منها ألف و ستّمائة قرية أملاك لأهلها، و أربعمائة سلطانيّة، و كم مقدار ما يقيم هذه الأربعمائة من العساكر؟ فأريد أن تخرج الدّماشقة ليذبّوا عن أملاكهم. فقرأت عليهم كتابه في الميعاد، فتقاعدوا، فكان تقاعدهم سببا لأخذ الخمس و الثّمن من أموالهم.

و كتب إليّ: إذا لم يخرجوا فسر أنت إليّ. فخرجت إلى السّاحل، و قد نزل على قيساريّة، فأقمنا حتّى افتتحها عنوة، ثمّ نزل على حصن البقر فافتتحه و هدمه، و قدم دمشق [ (4)].

____________

[ (1)] في الذيل 117.

[ (2)] في مفرّج الكروب 4/ 33.

[ (3)] في المرآة 8/ 604.

[ (4)] انظر عن (أخذ دمياط) أيضا في: تاريخ الزمان 253، و زبدة الحلب 3/ 188، و المختصر في أخبار البشر 3/ 122، و الدرّ المطلوب 203، و تاريخ المسلمين لابن العميد 133، و دول الإسلام 2/ 119، و العبر 5/ 59، و مرآة الجنان 4/ 31، 32، و تاريخ ابن الوردي 2/ 137، و البداية و النهاية 13/ 83، 84، و الإعلام و التبيين 53، و تاريخ ابن خلدون 5/ 344، 345، و السلوك ج 1 ق 1/ 201، و النجوم الزاهرة 6/ 238، و تاريخ ابن سباط 1/ 268، 269، و شذرات الذهب 5/ 66، و تاريخ الخلفاء 456.

32

[لباس قاضي القضاة]

و فيها ألبس الملك المعظّم قاضي القضاة زكيّ الدّين الطّاهر، القباء و الكلوتة بمجلس الحكم بداره.

قال أبو المظفّر [ (1)]: كان في قلب المعظّم منه حزازات، كان يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه [ (2)]، و كان يشكو إليّ مرارا. و مرضت ستّ الشام عمّة المعظّم، و كانت أوصت بدارها مدرسة، فأحضرت القاضي المذكور و الشّهود، و أوصت إلى القاضي، و بلغ ذلك المعظّم فعزّ عليه، و قال: يحضر إلى دار عمّتي بغير إذني و يسمع كلامها. ثمّ اتّفق أنّ القاضي أحضر جابي العزيزيّة و طلب منه حسابا، فأغلظ له، فأمر بضربه، فضرب بين يديه كما تفعل الولاة. فوجد المعظّم سبيلا إلى إظهار ما في نفسه، و كان الجمال المصريّ وكيل بيت المال عدوّا للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي و الشّهود حاضرون، فبعث المعظّم بقجة فيها قباء و كلوتة [ (3)]، و أمر أن يحكم بهما بين النّاس، فقام من خوفه فلبسهما، و حكم بين اثنين.

قال أبو شامة [ (4)]: جابي المدرسة هو السّديد سالم بن عبد الرّزّاق خطيب عقربا، و جاء الّذي ألبسه الخلعة إلى عند شيخنا السّخاويّ، فتأوّه الشّيخ و ضرب بيده على الأخرى، فكان ممّا حكى أن قال: أمرني السّلطان أن أقول له: السّلطان يسلّم عليك و يقول لك: الخليفة (سلام اللَّه عليه) إذا أراد أن يشرّف أحدا خلع عليه من ملابسه، و نحن نسلك طريقه. و فتحت البقجة، فلمّا رآها وجم، فأمرته بترك التّوقّف، فمدّ يده و وضع القباء على كتفيه، و وضع عمامته و حطّ الكلوتة على رأسه، ثمّ قام و دخل بيته.

____________

[ (1)] في المرآة ج 8 ق 2/ 604.

[ (2)] أي الملك العادل.

[ (3)] الكلوتة: تلبس على الرأس بدون عمامة.stnemete VsedsmoNsedellia tteDeriannoitciD

. 387.p - 3481turieB ,nabiLudeiriarbiL -yzoD .R -sebarAselzehc

[ (4)] في ذيل الروضتين 117- 118.

33

قال أبو شامة [ (1)]: و من لطف اللَّه به أن كان المجلس في داره، ثمّ لزم بيته، و لم تطل حياته بعدها، و مات في صفر سنة سبع عشرة، رمى قطعا من كبده، و تأسّف النّاس لما جرى عليه، و كان يحبّ أهل الخير، و يزور الصّالحين. و بقي نوابه يحكمون بين النّاس: ابن الشّيرازيّ، و ابن سنيّ الدّولة، و شرف الدّين ابن الموصليّ الحنفيّ، كان يحكم بالطّرخانيّة بجيرون، ثمّ بعد مدّة أضيف إليهم الجمال المصريّ.

و قال أبو المظفّر [ (2)]: كانت واقعة قبيحة، و لقد قلت له يوما: ما فعلت هذا إلّا بصاحب الشّرع؟ و لقد وجب عليك دية القاضي، فقال: هو أحوجني إلى هذا، و لقد ندمت. و اتّفق أنّ المعظّم بعث إلى الشّرف بن عنين- حين تزهّد- خمرا و نردا، و قال: سبّح بهذا! فكتب إليه [ (3)]:

يا أيّها الملك المعظّم، سنّة* * * أحدثتها تبقى على الآباد

تجري الملوك على طريقك بعدها* * * خلع القضاة و تحفة الزهّاد [ (4)]

____________

[ (1)] المصدر نفسه.

[ (2)] في: مرآة 8/ 605.

[ (3)] انظر ديوانه 93.

[ (4)] انظر البيتين في: ذيل الروضتين 118، و نهاية الأرب 29/ 100، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 605/ 606، و البداية و النهاية 13/ 84، و تاريخ الخلفاء 457.

34

سنة سبع عشرة و ستّمائة

[كسرة بدر الدين لؤلؤ]

فيها قصد مظفّر الدّين صاحب إربل الموصل، فخرج إليه بدر الدّين لؤلؤ، فكسره مظفّر الدّين، و أفلت لؤلؤ وحده، و نازل مظفّر الدّين الموصل، فجاء الملك الأشرف من حرّان نجدة للؤلؤ، ثمّ وقع الصّلح [ (1)].

[فتنة ابن المشطوب‏]

و فيها كانت فتنة ابن المشطوب، لما كان المعظّم بديار مصر عام أوّل، بلغه أنّ الملك الفائز أخاه قد اتّفق مع الأمير عماد الدّين ابن المشطوب أحد الأمراء الكبار على أخيه الكامل، و قد استحلف للفائز العساكر. فعرف الكامل فرحل إلى أشموم، و همّ بالتوجّه إلى اليمن، و يئس من البلاد، فقال له المعظّم: لا بأس عليك، و ركب و جاء إلى خيمة ابن المشطوب، فخرج إلى خدمته بغير خفّ، و ركب معه، فسيّر معه، فأبعد به، و قال: أخي الأشرف قد طلبك فسر إليه مسرعا. فقال: ما معي غلماني و لا قماشي، فوكّل به جماعة، و قال: هؤلاء في خدمتك. و أعطاه نفقة خمسمائة دينار، و قال: كلّ شي‏ء تريد يلحقك في الحال.

فسار، و جهّز المعظّم جميع أحواله خلفه، ثمّ رجع إلى مخيّمه، فجاء الكامل إليه و قبّل الأرض بين يديه.

و أمّا الفائز فخاف خوفا عظيما، و اجتاز ابن المشطوب على دمشق و حماة، و عدّى الفرات إلى الأشرف فتلقّاه و أكرمه، فصار يركب بالشّبّابة، و يعمل له موكبا

____________

[ (1)] انظر الخبر في: الكامل في التاريخ 12/ 339- 341 (حوادث سنة 615 ه.)، و زبدة الحلب 3/ 187، و مفرّج الكروب 4/ 25- 28، و نهاية الأرب 29/ 106، و العسجد المسبوك 2/ 380، 381، و المختار من تاريخ ابن الجزري 91.

35

كالأشرف، فأعطاه أرجيش [ (1)]، فتجبّر، و خامر على الأشرف، و طلع إلى ماردين، ثمّ قصد سنجار في هذه السّنة، و ساعده صاحب ماردين، فسار لحربه الملك الأشرف، فدخل ابن المشطوب إلى تلعفر [ (2)]، فأنزله بدر الدّين لؤلؤ صاحب الموصل بالأمان، و حمله معه إلى الموصل، ثمّ قيّدة و بعث به إلى الأشرف، فألقاه في الجبّ، فمات بالقمل و الجوع.

و كان عماد الدّين ابن نور الدّين صاحب قرقيسيا مع الأشرف، فكاتب ابن المشطوب، فعلم الأشرف فحبسه و بعث به مع العلم قيصر المعروف بتعاسيف إلى قرقيسيا و عانة، فعلّقه تحت القلعتين و عذّبه، و تسلّم تعاسيف جميع بلاده، و أراد الأشرف أن يرميه في الجبّ، فشفع فيه الملك المعظّم، فأطلقه، فسار إلى دمشق فأحسن إليه المعظّم، و اشترى بستان ابن حيّوس بنواحي العقيبة، و بنى فيه قبّة، و أقام به إلى أن مات، و دفن بالقبّة، و هي على الطّريق في آخر عمارة العقيبة من شماليّها بغرب [ (3)].

[زواج عدّة أمراء]

و فيها تزوّج الأخوان المنصور إبراهيم، و المسعود أحمد، ابنا أسد الدّين، بابنتي الملك العادل، أختي الصّالح إسماعيل لأبويه، و تزوّج أخوهما يعقوب بابنة المعظّم، و تزوّج عمر ابن المعظّم بابنة أسد الدّين، و مهر كلّ منهنّ ثلاثون ألف دينار.

[تدريس ابن الشيرازي‏]

و درّس بالعزيزيّة القاضي ابن الشّيرازيّ.

____________

[ (1)] أرجيش: مدينة من نواحي أرمينية قرب خلاط.

[ (2)] لا تزال قائمة عامرة إلى يومنا في شمال العراق.

[ (3)] انظر عن (فتنة ابن المشطوب) في: ذيل الروضتين 116، 121، 122، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 608، 609، و زبدة الحلب 3/ 187، 188، 189، 190، و المختصر في أخبار البشر 3/ 125، و نهاية الأرب 29/ 90- 92، و مفرّج الكروب 4/ 28- 30 و 71، 72.

36

[عزاء ابن حمويه‏]

و فيها عمل عزاء شيخ الشيوخ ابن حمّويه [ (1)] بجامع دمشق، فتكلّم واعظ و أنشد أبيات ابن سينا:

«هبطت إليك من المحلّ الأرفع»

فأنكر القاضي الجمال المصريّ و قال: هذه الأبيات قول زنديق، و أمره بالنّزول فتعصّب له جماعة، فتمّم و نزل، و سكّن المعتمد العصبيّة بعد أن جذبت سكاكين.

[عزل ابن الشيرازي‏]

ثمّ عزل ابن الشّيرازيّ من العزيزيّة بالآمديّ [ (2)].

[موت صاحب سنجار]

و فيها قتل صاحب سنجار أخاه، فسار الملك الأشرف إليها فأخذها، و عوّض صاحبها الرّقة، فنزل من سنجار بأهله، و هو آخر ملوك البيت الأتابكيّ، و مدّة ملكهم أربع و تسعون سنة، و مات بعد أن تسلّم الرّقة بقليل، و انقصف شبابه و لم يمتّع بعد قتل أخيه [ (3)].

[وقعة البرلّس‏]

و في رجب كانت وقعة البرلّس، و كانت وقعة هائلة بين الفرنج و الكامل، قتل الكامل منهم عشرة آلاف، و أخذ غنائمهم و خيلهم، و انهزموا إلى دمياط [ (4)].

____________

[ (1)] هو أبو الحسن محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه الجويني. انظر ترجمته برقم (487).

[ (2)] انظر: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 298.

[ (3)] انظر عن (موت صاحب سنجار) في: الكامل في التاريخ 12/ 355، 356 (حوادث سنة 616 ه.)، و مفرّج الكروب 4/ 31، و المختصر في أخبار البشر 3/ 122، و ذيل الروضتين 120، و زبدة الحلب 3/ 189، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 609، و نهاية الأرب 29/ 106، و السلوك ج 1 ق 1/ 204، و تاريخ ابن سباط 1/ 261.

[ (4)] خبر موقعة البرلّس في: ذيل الروضتين 122.

37

[ولاية دمشق‏]

و فيها عزل المعتمد عن ولاية دمشق، و ولّي الغرس خليل [ (1)].

[حجّ المعتمد]

و حجّ فيها المعتمد بالرّكب [ (2)].

[مقتل آقباش الناصري‏]

و حجّ بركب بغداد آقباش النّاصريّ، فقتل بمكّة، و عاد ركب العراق مع الشّاميّين، و كان مع آقباش تقليد بإمرة مكّة لحسن بن قتادة بن إدريس، لأنّ أباه مات في وسط العام، فجاءه بعرفات راجح أخو حسن و قال: أنا أكبر ولد قتادة فولّني، و ظنّ حسن أن آقباش قد ولّى راجحا، فغلّق مكّة، ثمّ نزل آقباش بشبيكة، و ركب ليسكّن الفتنة و يصلح بين الأخوين، فبرز عبيد حسن يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا إليه، و ثاروا به، فانهزم أصحابه و بقي وحده، فجاء عبد فعرقب فرسه، فوقع، فقتلوه، و حملوا رأسه على رمح فنصب بالمسعى.

و أرادوا نهب العراقيّين، فقام المعتمد في الأمر، و خوّف الحسن من الكامل و المعظّم.

و كان آقباش قد اشتراه النّاصر لدين اللَّه و هو أمرد بخمسة آلاف دينار، و لم يكن بالعراق أحسن منه صورة، و كان عاقلا متواضعا، و حزن عليه الخليفة [ (3)].

[خروج التّتار]

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزيّ [ (4)]: كان أوّل ظهورهم بما وراء النّهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بخارى و سمرقند و قتلوا أهلها، و حاصروا خوارزم شاه، ثمّ‏

____________

[ (1)] ذيل الروضتين 22 و فيه «الغرز».

[ (2)] ذيل الروضتين 122.

[ (3)] انظر (مقتل آقباش) في: ذيل الروضتين 123، 124.

[ (4)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 609، 610.

38

بعد ذلك عبروا النّهر، فوجدوا الخطا قد كسروا خوارزم شاه، فانضمّ إليهم الخطا و صاروا تبعا لهم. و كان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان، فلم يجد التّتار أحدا في وجههم، فطووا البلاد قتلا و سبيا، و ساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان و قزوين في هذه السّنة، و توجّهوا إلى أذربيجان.

و قال ابن الأثير في كامله [ (1)]: لقد بقيت مدّة معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما، لهما، كارها لذكرها، أقدّم رجلا و أوخّر أخرى، فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيّ الإسلام، فيا ليت أمّي لم تلدني، و يا ليتني متّ قبل حدوثها. ثمّ حثّني جماعة على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل [ (2)] يتضمّن ذكر الحادثة العظمى و المصيبة الكبرى الّتي عقمت [ (3)] الدّهور عن مثلها، عمّت الخلائق، و خصّت المسلمين، فلو قال قائل: إنّ العالم منذ خلقه اللَّه إلى الآن لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإنّ التّواريخ لم تتضمّن ما يقاربها. و من أعظم ما يذكرون فعل بخت‏نصّر ببني إسرائيل بالبيت المقدّس، و ما البيت المقدّس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين؟! و ما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟! فهذه الحادثة الّتي استطار شررها و عمّ ضررها، و سارت في البلاد كالسّحاب استدبرته الرّيح، فإنّ قوما خرجوا من أطراف الصّين فقصدوا بلاد تركستان، مثل كاشغر، و بلاشغون [ (4)]، ثمّ منها إلى بخارى، و سمرقند فيملكونها، و يفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا و تخريبا و قتلا و إبادة إلى الرّيّ و همذان إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون أذربيجان و نواحيها و يخرّبونها و يستبيحونها في أقلّ من سنة، أمر لم يسمع بمثله.

ثمّ ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنه، و لم يسلم غير القلعة الّتي فيها ملكهم، و عبروا من عندها إلى بلد اللّان و اللّكز فقتلوا و أسروا،

____________

[ (1)] الكامل: 12/ 358 و ما بعدها.

[ (2)] في المطبوع من كامل ابن الأثير: «الفعل».

[ (3)] في المطبوع من الكامل: «عقّت»، و في نسخة أخرى كما هنا.

[ (4)] و تكتب «بلاساغون» أيضا. و قد كتب المؤلّف- (رحمه اللَّه)- في حاشية الأصل: «بلاد شاغون».

39

ثم قصدوا بلاد قفجاق، و هم من أكثر التّرك عددا، فقتلوا من وقف، و هرب الباقون إلى الشّعراء [ (1)] و الغياض و رءوس الجبال، و فارقوا بلادهم، و استولى التّتر عليها.

و مضى طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة و أعمالها، و سجستان و كرمان، ففعلوا مثل هؤلاء بل أشدّ، هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإنّ الإسكندر الّذي ملك الدّنيا لم يملكها في هذه السّرعة، و إنّما ملكها في نحو عشر سنين، و لم يقتل أحدا، إنّما رضي بالطّاعة. و هؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض و أحسنه و أعمره في نحو سنة، و لم يبق أحد في البلاد الّتي لم يطرقوها إلّا و هو خائف يترقّب وصولهم إليه. ثمّ إنّهم لم يحتاجوا إلى ميرة، و مددهم يأتيهم، فإنّهم معه الأغنام و البقر و الخيل، يأكلون لحومها لا غير. و أمّا خيلهم فإنّهم تحفر الأرض بحوافرها، و تأكل عروق النّبات، و لا تعرف الشّعير. و أمّا ديانتهم فإنّهم يسجدون للشّمس عند طلوعها، و لا يحرّمون شيئا، و يأكلون جميع الدّوابّ و بني آدم [ (2)]. و لا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد، فإذا جاء الولد لا يعرف أبوه. و تهيّأ لهم أخذ الممالك، لأنّ خوارزم شاه محمّدا كان قد استولى على البلاد، و قهر ملوكها و قتلهم، فلمّا انهزم من التّتار لم يبق في البلاد من يمنعهم و لا من يحميها، ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا.

و هم نوع من التّرك، مساكنهم جبال طمغاج، بينها و بين بلاد الشّرق أكثر من ستّة أشهر، و كان ملكهم جنكزخان قد فارق بلاده، و سار إلى نواحي تركستان، و سيّر معه جماعة من الأتراك التّجّار، و معهم شي‏ء كثير من النّقرة و القندز [ (3)] و غير ذلك، إلى بلاد ما وراء النّهر ليشتروا له ثيابا و كسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد التّرك تسمّى أوترار، و هي آخر ولاية خوارزم شاه، و له بها نائب. فلمّا ورد عليه‏

____________

[ (1)] الشّعراء- بوزن الصحراء- الشجر الكثير. و لم يذكر ابن الأثير هذه الكلمة في الكامل.

[ (2)] ليس في (الكامل) ما يفيد أكلهم لبني آدم.

[ (3)] كتب المؤلف في الحاشية: «و القندس». أما في المطبوع من تاريخ ابن الأثير فوقعت: «القندر» بالراء، خطأ.

40

هذه الطّائفة، أرسل عرّف السّلطان [ (1)]، فبعث يأمره بقتلهم و أخذ ما معهم، و كان شيئا كثيرا.

و كان بعد مملكته مملكة الخطا، و قد سدّ الطّرق من بلاد تركستان و ما بعدها من البلاد، لأنّ طائفة من التّتار أيضا كانوا قد خرجوا من قديم الزّمان و البلاد للخطأ. فلمّا ملك خوارزم شاه، و كسر الخطا، و استولى على بلادهم، استولى هؤلاء التّتار على تركستان، و صاروا يحاربون نوّاب خوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات و غيرها. و قيل غير ذلك.

فلمّا قتل أولئك التّجّار، بعث جواسيس يكشفون له جيش جنكزخان، فمضوا و سلكوا المفاوز و الجبال، و عادوا بعد مدّة، و أخبروا بأنهم يفوقون الإحصاء، و أنّهم من أصبر خلق اللَّه على القتال، لا يعرفون هزيمة، و يعملون سلاحهم بأيديهم. فندم خوارزم شاه على قتل تجّارهم، و حصل عنده فكر زائد، فأحضر الفقيه شهاب الدّين الخيوقيّ فاستشاره، فقال: اجمع عساكرك و يكون النّفير عامّا، فإنّه يجب على الإسلام ذلك، ثمّ تسير بالجيوش إلى جانب سيحون، و هو نهر كبير يفصل بين التّرك و بلاد ما وراء النّهر، فتكون هناك، فإذا وصل إليه العدوّ و قد سار مسافة بعيدة، لقيناه و نحن مستريحون، و هم في غاية التّعب.

فجمع الأمراء و استشارهم، فلم يوافقوه على هذا، بل قالوا: الرّأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا، و يسلكون هذه الجبال و الوعر، فإنّهم جاهلون بطرقها، و نحن عارفون بها، فنقوى حينئذ عليهم و يهلكون.

فبينما هم كذلك إذ قدم رسول جنكزخان يتهدّد خوارزم شاه و يقول: تقتلون تجّاري و تأخذون أموالهم، استعدّوا للحرب، فها أنا واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به. و كان قد سار و ملك كاشغر و بلاساغون و أزال عنها التّتار الأوّلين، فلم يظهر لهم أثر، و لا بقي لهم خبر، بل أبادهم، فقتل خوارزم شاه الرّسول، و أمّا أصحابه فحلق لحاهم، و ردّهم إلى جنكزخان يقولون له: إنّه سائر إليك. و بادر

____________

[ (1)] هكذا بخط المؤلف، و في كامل ابن الأثير: «أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم و يذكر له ما معهم من الأموال».

41

خوارزم شاه ليسبق خبره و يكبس التّتار، فقطع مسيرة أربعة أشهر [ (1)]، فوصل إلى بيوت التّتار، فما وجد فيها إلّا الحريم فاستباحها، و كان التّتار قد ساروا إلى محاربة ملك من ملوك التّرك يقال له كشلوخان فهزموه، و غنموا أمواله، و عادوا، فجاءهم الصّريخ بما جرى، فجدّوا في السّير فأدركوا خوارزم شاه، و عملوا معه مصافّا لم يسمع بمثله، و اقتتلوا أشدّ قتال، و بقوا في الحرب ثلاثة أيّام و لياليها، و قتل من الطّائفتين خلق لا يحصون، و ثبت المسلمون و أبلوا بلاء حسنا، و علموا أنّهم إن انهزموا لم يبق للمسلمين باقية، و أنّهم يؤخذون لبعدهم عن الدّيار. و أمّا الكفّار التّتار فصبروا لاستنقاذ أموالهم و حريمهم، و اشتدّ بهم الأمر حتّى كان أحدهم ينزل عن فرسه و قرنه [ (2)] راجل، فيقتلان بالسّكاكين. و جرى الدّم حتّى زلقت الخيل فيه من كثرته، و استفرغ الفريقان وسعهم في الصّبر. و هذا القتال كلّه مع ابن جنكزخان، فإنّ أباه لم يحضر الوقعة، و لم يشعر بها، و قتل من المسلمين عشرون ألفا، و من الكفّار ما لا يحصى.

فلمّا كانت اللّيلة الرّابعة نزل بعضهم مقابل بعضهم، فلمّا كان اللّيل أوقد التّتار نيرانهم، و تركوها بحالها و ساروا، و كذلك فعل المسلمون أيضا، كلّ منهم قد سئم القتال. و رجع المسلمون إلى بخارى، فاستعدّوا للحصار لعلم خوارزم شاه بعجزه، لأنّ طائفة من التّتار لم يقدر أن يظفر بهم، فكيف إذا جاءوا بأجمعهم مع ملكهم جنكزخان؟ فأمر أهل بخارى و سمرقند يستعدّون للحصار، و جعل ببخارى عشرين ألف فارس، و في سمرقند خمسين ألف فارس، و قال: احفظوا البلاد حتّى أعود إلى خوارزم و أجمع العساكر و أعود. ثمّ عبر النّهر و نزل على بلخ، فعسكر هناك.

و أمّا التّتار فإنّهم أقبلوا، فنازلوا بخارى و حاصروها ثلاثة أيّام و زحفوا، ففرّ من بها من العساكر، و طلبوا خراسان في اللّيل، فأصبح البلد خاليا من العسكر،

____________

[ (1)] كتب المؤلف «أيام» ثم كتب في الحاشية «أشهر» تصحيحا لها، و هي كذلك عند ابن الأثير (الكامل: 12/ 364).

[ (2)] يعني: الّذي يقاتله من الأعداء.

42

فأخرجوا القاضي بدر الدّين ابن قاضي خان ليطلب لهم الأمان، فأعطوهم الأمان، و اعتصم طائفة من العسكر بالقلعة، ففتحت أبواب بخارى للتّتار في رابع ذي الحجّة سنة ستّ عشرة، فدخلت التّتار و لم يتعرّضوا إلى أحد، بل طلبوا الحواصل السّلطانيّة، و طلبوا منهم المساعدة على قتال من بالقلعة، و أظهروا العدل. و دخل جنكزخان، لعنه اللَّه، و أحاط بالقلعة، و نادى في البلد أن لا يتخلّف أحد، و من تخلّف قتل، فحضروا كلّهم لطمّ الخندق، و طمّوه بالتّراب و الأخشاب، حتّى إنّ التّتار كانوا يأخذون المنابر و ربعات الكتاب العزيز فيلقونها في الخندق، فإنّا للَّه، و إنّا إليه راجعون. ثمّ زحفوا على القلعة و بها أربعمائة فارس، فمنعوها اثني عشر يوما، فوصلت النّقوب إلى سورها. و اشتدّ القتال، فغضب جنكزخان و ردّ أصحابه ذلك اليوم، و باكرهم من الغد، و جدّوا في القتال، فدخلوا القلعة، و صدقهم أهلها [ (1)] حتّى قتلوا عن آخرهم. ثمّ أمر جنكزخان أن يكتب له رءوس البلد، ففعلوا، ثمّ أحضرهم فقال: أريد منكم النّقرة الّتي باعكم خوارزم شاه فإنّها لي. فأحضر كلّ من عنده شي‏ء منها، ثمّ أمرهم بالخروج من البلد، فخرجوا مجرّدين، فأمر التّتار أن ينهبوا البلد، فنهبوه، و قتلوا من وجدوا به. و أمر التّتار أن يقتسموا المسلمين، فتمزّقوا كل ممزّق، و أصبحت بخارى خاوية على عروشها، و سبوا النّساء. و من النّاس من قاتل حتّى قتل، و كذا فعل الإمام ركن الدّين إمام‏زاده، و القاضي صدر الدّين و أولادهم. ثمّ ألقت التّتار النّار في البلد و المدارس و المساجد. و عذّبوا الرؤساء في طلب المال.

ثمّ رحلوا نحو سمرقند و قد تحقّقوا عجز خوارزم شاه عنهم، و استصحبوا أسارى بخارى معهم مشاة في أقبح حال، و من عجز قتلوه، فأحاطوا أيضا بسمرقند، و بها خمسون ألف مقاتل، فخرج إليهم الشّجعان من الرّجّالة و غيرهم، فانهزموا لهم و أطمعوهم، و لم يخرج من الخمسين ألف أحد لما قد وقر في قلوبهم من الرّعب، و كان التّتار قد أكمنوا لهم، فلمّا جازت الرّجال ذلك الكمين، خرجوا عليهم و حالوا بينهم و بين البلد، فلم يسلم منهم أحد.

____________

[ (1)] أي صدقوهم القتال.

43

قال: و كانوا على ما قيل سبعين ألفا رحمهم اللَّه، فضعفت نفوس الجند و العامّة، و أيقنوا بالهلاك، و طلب الجند الأمان، فأجابوهم، و فتحوا البلد، و خرجوا إلى التّتار بأهاليهم و أموالهم، فقال لهم التّتار: ادفعوا إلينا سلاحكم و خيلكم و أموالكم، و نحن نسيّركم إلى مأمنكم. ففعلوا ذلك، فلمّا كان رابع يوم نادوا في العوامّ: ليخرجوا كلّهم، و من تأخّر قتل، فخرج الجميع، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بخارى، نهبوا و سبوا و أحرقوا الجامع، و ذلك في المحرّم من هذه السّنة.

ثمّ سيّر جنكزخان عشرين ألف فارس خلف خوارزم شاه، فأتوا جيحون، فعملوا من الخشب مثل الأحواض، و ألبسوها جلود البقر لئلّا يدخلها الماء، و وضعوا فيها سلاحهم و أمتعتهم، و ألقوا الخيل في الماء، و أمسكوا بأذنابها، و تلك الحياض مشدودة إليهم، فكان الفرس يجذب الرجل، و الرجل يجذب الحوض، فعبروا كلّهم، فلم يشعر خوارزم شاه إلّا و قد خالطوه. و اختلفت الخطا عليه، كما ذكرنا، و انهزم، و ساقوا وراءه إلى أن ركب البحر إلى قلعة له فأيسوا منه، و قصدوا الرّيّ و بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت، و صادفوا في الطّريق والدة خوارزم شاه و نساءه و خزائنه، و كان قصدها أصبهان، فأخذوها و سيّروها برمّتها إلى جنكزخان و هو بسمرقند.

ثمّ دخلوا الرّيّ و قتلوا و سبوا، و وصلوا إلى زنجان فبدّعوا، ثمّ عطفوا إلى قزوين فحاصروها و أخذوها بالسّيف، و قتل من الفريقين ما لا يحصى، قيل: بلغوا أربعين ألفا.

ثمّ ساروا إلى أذربيجان فاستباحوها. ثمّ نازلوا تبريز و بها ابن البهلوان، فصالحهم على مال و تحف، فساروا عنه ليشتّوا على ساحل البحر، لأنّه قليل البرد و به المرعى، فوصلوا إلى موقان، و تطرّقوا إلى بلاد الكرج، فبرز لهم من الكرج عشرة آلاف مقاتل، فحاربوهم ثمّ انهزموا، فتبعهم التّتار إلى قرب تفليس و ذلك في ذي القعدة من سنة سبع عشرة.

ثمّ ساروا إلى مراغة، و كانت لامرأة، فحاصروها، ثمّ ملكوها بالسّيف،

44

و قتلوا ما لا يحصى، و اختفى خلق، فكان التّتار يأخذون الأسرى و يقولون: نادوا في الدّروب: إنّ التّتار قد رحلوا. فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيقتلونه، حتّى قيل إنّ رجلا من التّتار دخل دربا فيه ما يزيد على مائة رجل، فما زال يقتل واحدا واحدا حتّى أفناهم، و لا يمدّ أحد منهم يده إليه بسوء، نعوذ باللَّه من الخذلان.

ثمّ رحلوا إلى نحو إربل فاجتمع بعض عسكر العراق و عسكر الموصل مع مظفّر الدّين، فلمّا سمعوا باجتماع العساكر تقهقروا ظنّا منهم أنّ العسكر يتبعهم، فلمّا لم يروا أحدا تبعهم أقاموا. و أقام العسكر عند دقوقا، ثمّ عادوا إلى بلادهم إلى همذان و غيرها، و جعلوا لهم بها شحنة، و أرسلوا إليه يأمرونه ليطلب لهم من أهلها أموالا و قماشا، و لم يكن خلّوا لهم شيئا، فاجتمع العامّة عند الرئيس بهمذان، و معهم رجل فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفّار، فقال لهم الرئيس العلويّ: كيف الحيلة و نحن نعجز عنهم؟ فما لنا إلّا مصانعتهم بالأموال.

فقالوا له: أنت أشدّ علينا من الكفّار، و أغلظوا له، فقال: أنا واحد منكم فاصنعوا ما شئتم، فوثبوا على الشّحنة فقتلوه، و تحصّنوا، فتقدّم التّتار و حاصروهم، فخرج لحربهم العامّة، و الرئيس و الفقيه في أوائلهم، فقتلوا من التّتار خلقا، و جرح الفقيه عدّة جراحات، و افترقوا، ثمّ خرجوا من الغد، فاقتتلوا أشدّ قتال، و قتل من التّتر أكثر من اليوم الأوّل. و أرادوا الخروج في اليوم الثّالث فعجز الفقيه عن الرّكوب من الجراحات، و طلب النّاس الرئيس، فإذا به قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو و أهله إلى قلعة هناك، فتحصّن بها. و بقي النّاس حيارى، إلّا أنّهم اجتمعت كلمتهم على الجهاد إلى أن يموتوا. و كان التّتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلمّا لم يروا أحدا خرج لقتالهم طمعوا، و استدلّوا على ضعفهم، فقصدوهم و قاتلوهم و ذلك في رجب في سنة ثمان عشرة و ستّمائة.

و دخلوا البلد بالسّيف، و قاتلهم النّاس في الدّروب، و بطل السّلاح للزحمة، و اقتتلوا بالسّكاكين، فقتل ما لا يحصى. ثمّ ألقي في همذان النّار فأحرقوها، و رحلوا إلى تبريز و قد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان، و كان لا يزال منهمكا على الخمور، يبقى الشّهر و الشّهرين لا يظهر، و إذا سمع هيعة طار، و له جميع‏

45

بلاد أذربيجان و أرّان، ثمّ قصد نقجوان، و سيّر نساءه و أهله إلى خويّ، فقام بأمر تبريز شمس الدّين الطّغرائيّ، و جمع كلمة أهلها، و حصّن البلد، فلمّا سمع التّتار بقوّتهم أرسلوا يطلبون منهم مالا و ثيابا، فسيّروا لهم ذلك.

ثمّ رحلوا إلى بيلقان فحصروها، فطلب أهلها رسولا يقرّرون معه الصّلح، فأرسل إليهم مقدّما كبيرا فقتلوه، فزحفت التّتار على البلد و افتتحوه عنوة في رمضان من سنة ثمان عشرة، و لم يبقوا على صغير و لا كبير، و كانوا يفجرون بالمرأة، ثمّ يقتلونها.

ثمّ ساروا إلى كنجة و هي أمّ بلاد أرّان، فعلموا كثرة أهلها و شجاعتهم، فلم يقدموا عليها و طلبوا منها حملا، فأعطوا ما طلبوا.

و ساروا عنهم إلى الكرج، و الكرج قد استعدّوا لهم، فالتقوا، فانهزم الكرج و أخذهم السّيف، فلم يفلت منهم إلّا الشّريد، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا، و عاث التّتار في بلاد الكرج و أفسدوا.

ثمّ قصدوا دربند شروان، فحاصروا مدينة شماخي ثمّ افتتحوها عنوة. ثمّ أرادوا عبور الدّربند فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا إلى شروان شاه، يقولون: أرسل إلينا رسولا. فأرسل عشرة من كبار أصحابه، فأخذوا أحدهم، فقتلوه، ثمّ قالوا للباقين: إن أنتم عرّفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان و إلّا قتلناكم. فقالوا: إنّ هذا الدّربند ليس فيه طريق البتّة، و لكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطّرق. فساروا معهم في تلك البلاد إلى ذلك الطّريق فعبروا فيه.

فلمّا عبروا دربند شروان ساروا في تلك الأراضي و فيها أمم كثيرة منهم اللّان و اللّكز و طوائف من التّرك، فنهبوا و قتلوا كثيرا من اللّكز و هم كفّار و مسلمون. ثمّ وصلوا إلى اللّان و هم أمم كثيرة، فجمعوا جمعا من القفجاق فقاتلوهم فلم يظفروا بهم. فأرسلت التّتار إلى القفجاق يقولون: نحن و أنتم جنس واحد، و هؤلاء اللّان ليسوا منكم حتّى تنصروهم، و لا دينهم مثل دينكم، و نحن نعاهدكم أنّنا لا نتعرض إليكم، و نحمل إليكم من الأموال و المتاع ما شئتم.

فوافقوهم على ذلك، و انعزلوا عن اللّان، فأوقع التّتار باللّان و قتلوا منهم خلقا،

46

و سبوا، و ساروا بعد ذلك إلى القفجاق و هم آمنون متفرّقون فبيّتوهم و أوقعوا بهم، كعادتهم و مكرهم، لعنهم اللَّه، ففرّ من سلم و اعتصم بالغياض، و بعضهم التحق ببلاد الرّوس.

و أقام هؤلاء التّتار في بلاد القفجاق، و هي كثيرة المرعى في الشّتاء، و وصلوا إلى مدينة سوداق و هي مدينة القفجاق و هي على بحر خزريّة [ (1)]، و إليها تصل التّجّار و المراكب يشترون الرّقيق و البرطاسيّ [ (2)] و غير ذلك. و بحر خزريّة هذا متّصل بخليج قسطنطينيّة.

و لمّا وصلت هذه الطّائفة من التّتار إلى سوداق ملكوها، و تفرّق أهلها، فبعضهم هرب إلى الجبال، و بعضهم ركب البحر، ثمّ أقام التّتار ببلاد القفجاق إلى سنة عشرين و ستّمائة.

و أمّا الطّاغية جنكزخان فإنّه- بعد ما سيّر هذه الطّائفة المذكورة، فهزمت خوارزم شاه- قسّم أصحابه عدّة أقسام، فسيّر كلّ قسم إلى ناحية، فسيّر طائفة إلى ترمذ، و طائفة إلى كلاثة و هي حصينة على جانب جيحون. و سارت كلّ طائفة إلى الجهة الّتي أمرت بقصدها و استولت عليها قتلا و سبيا و تخريبا، فلمّا فرغوا من ذلك عادوا إلى الملك جنكزخان و هو بسمرقند، فجهّز جيشا عظيما مع أحد أولاده لحرب جلال الدّين ابن علاء الدّين خوارزم شاه، و سيّر جيشا آخر فعبروا جيحون.

آخر كلام عزّ الدّين ابن الأثير (رحمه اللَّه).

قلت: و نازلت التّتار خوارزم، فحاصروها ثلاثة أشهر، و استولوا عليها في صفر سنة ثماني عشرة، و نزل عليها أوكتاي الّذي ولي الأمر بعد أبيه جنكزخان، و معه باجي ملك في جيش عرمرم مائة ألف أو يزيدون. و لمّا لم يجدوا بها حجارة

____________

[ (1)] يعني: بحر الخزر، و هو بحر قزوين.

[ (2)] البرطاسي: ضرب من الفراء يجلب من برطاس المدينة الواقعة شمال بحر قزوين (معجم دوزي:

1/ 293، و راجع معجم البلدان لياقوت: 1/ 567).

47

عمدوا إلى أصول التّوت فقطعوها و دوّروها، و رموا بها بدلا عن حجارة المنجنيق، و حرص أوكتاي كل الحرص أن يتسلّمها بالأمان و لا يؤذي فيها، فأجابه الأكابر، غير أنّ السّفهة غلبوهم على رأيهم بإغرائهم، و جرى عليها حرب لم يسمع بمثله، بحيث إنّه كانت تؤخذ المحلّة منها فيقاتل أهلها، ثمّ ينضمّون إلى المحلّة الّتي تليها فيقاتلون، إلى أن أخذت محلة بعد محلّة، حتّى لم يبق معهم إلّا ثلاث محالّ، فتزاحم بها الخلائق، فطلبوا الأمان حينئذ، فلم يؤمّنوا و قتلوهم صبرا. هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدّين النّسويّ.

قلت: و ممّا أخذت التّتار: نيسابور، و مرو، و هراة، و بلخ، و ترمذ، و سرخس، و طوس، و خوارزم، و سائر مدن خراسان. و ذهب تحت السّيف أمم لا يحصيها إلّا اللَّه تعالى.

و قال الموفّق عبد اللّطيف: انشعب من التّتار فرقتان كما ينشعب من جهنّم لسانان: فرقة قصدت أذربيجان و أرّان ثمّ بلاد الكرج، و فرقة أتت على همذان و أصبهان، و خالطت حلوان تقصد بغداد.

أمّا الأولى فأفسدت البلاد التي مرّت عليها، فلما وصلوا إلى بلاد الخزر جمع الكرج جموعهم و لقوهم، فانهزموا،- يعني الكرج- و قتل من صميمهم ثمانية آلاف، و من الأتباع و الفلاحين عدد كثير. و تقنطر ملك الكرج فتداركه الأمراء فاستنقذوه من أنيابهم العضل، و اعتصم ببعض القلاع، و التّتر يموجون في البلاد بالإفساد، و يعضّون على من سلم الأنامل من الغيظ، انفرد منهم فارس، فقال ملك الخزر: أما عندنا من يخرج إليه؟ فانتخى بطل من الكرج و خرج إليه، فما عتّم أن قتله التّتريّ و اقتاد فرسه و رجع رويدا، و أخذ يفسر الفرس ليعلم سنّه، فعجب ملك الخزر و قال: انظروا كأنّه قد وزن فيه الثّمن.

ثمّ حشد الكرج نوبة أخرى، و استنجدوا بعسكر أرزن الروم، و قال النّاس:

إنّهم لا يرجعون. فلمّا اشتدّت شوكة الكرج رجع التّتر بغير أمر معروف، و لا سبب مخوّف، بل لسعادة لحقت، و أيام بقيت، و كان هذا سنة ثمان عشرة، و أنا بأرزن.

و رجع التّتر إلى شروان فأخذوها بالسّيف و قتلوا أهلها، و تجاوزوا الدّربند

48

قسرا بالسّيف، و عبروا إلى أمم القفجق [ (1)] و اللّان فغسلوهم بالسّيف.

ثمّ مات ملك الخزر و كان شابّا، و تولّت أخته، و سيّرت إلى الملك المغيث صاحب أرزن تخطب أحد ولديه، الصّغير، و هو ابن بنت بكتمر صاحب خلاط، و هو مليح عمره سبع عشرة سنة فزوّجها به، و شاع الخبر أنّه تنصّر.

و خرج في هذه السّنة من رقيق التّرك ما لم تجر به العادة، حتّى فاضوا على البلاد، و كلّهم وصلوا من ناحية تفليس، و هم من فضلات سيوف التّتر، و كلّ واحد يحكي هول ما عاين، حكت جارية منهم قال: عوت كلاب بلادنا عويّا [ (2)] شديدا و قامت على أذنابها، و أهلها يضربونها فلا ترتدّ، فبعد ثلاث ساعات أو أربع فاض الجبل بعساكر التّتر، فابتدءوا بالكلاب ثمّ بالنّاس.

و أرض القفجاق واسعة، معتدلة الهواء، عذبة المياه، تتفجر ينابيعها، و تتخرّق عيونها، و هي أرض حرّة طيّبة التّربة، و غنمهم كثيرة النّتاج، تلد النّعجة الأربعة في البطن و الخمسة، و قلّما تلد واحدا، و غنمهم عالي الهضبة، يكاد الكبش يركب.

و أمّا الفرقة الّتي قصدت بغداد، فردّهم اللَّه بقوة العقل و حسن التدبير، أمّا أوّلا، فإنّ صاحب إربل شحن الدّربندات بالأكراد، و إليهم ينتهي العلم باللّصوصيّة، فسلّطهم عليهم يسرقونهم و يقتلونهم صبرا في نومهم، فيصبحون و قد نكبوا نكبات في جهات لا يدرون من أين و لا كيف.

ثمّ إنّ الخليفة جمع الجموع و عسكر العساكر و حشر، فنادى، و أقبلت إليه البعوث من كلّ حدب ينسلون، فلمّا سمعوا بوصول رسول التّتر تقدّموا إلى صاحب إربل بأن يحتفل و يظهر جميع عسكره، و يدخل بينهم من العوامّ و الفلّاحين من يشتبه بهم. فلمّا وصل الرّسول إربل تلقّاه عساكر قطعت قلبه،

____________

[ (1)] و ترد «القفجاق».

[ (2)] كذا بخط المصنف مجوّدة، و لم يذكروا هذا الوزن في مصادر (عوى) ففي القاموس: عوى يعوي عيا و عواء و عوة و عوية.

49

و صاروا يتكرّرون عليه، كلّما مرّ بقوم سبقوه و عادوا و قفوا بين يديه، فلمّا دخل في ولاية دقوقا عبّئ له من العساكر أضعاف ذلك و صاحبها من مماليك الخليفة، فأمر أن تضرب خيم عظيمة، و بسط بين يديها بسطا قد نصف فرسخ، و نصبت سدّة عالية فوق تخت يصعد إليه بدرج، و أظهر زينة عظيمة، و وقف عشرون ألفا بسيوف مجرّدة. فلمّا وصل الرسول يشقّ تلك العساكر أتى حدّ البسط، فأمر أن يترجّل فتمنّع من ذلك، فهمّوا به، فلمّا وصل إلى بين يدي التّخت، أمر بالسّجود كرها و الصّيحات تأخذه، و روعات السّيوف تذهله. ثمّ أخرج إلى بغداد فلقيته عساكر بغداد، صغّرت في عينه ما رأى، لم يتركوا ببغداد فرسا و لا جملا و لا حمارا حتّى أركبوه رجلا و معه شي‏ء من السّلاح، و أكثرهم بالأعلام و البرك أسطوانات [ (1)]، و خلق يلعبون بالنّفط و يرمون بالبندق الزّجاج فيه النّفط، فامتلأت البرّيّة بالنّيران. فلمّا وصل إلى بغداد خرج إليه صميم العسكر بأصناف العدد الفاخرة المسجّفة بالأطلس المكلّل بالجواهر على الخيل المسوّمة. فلمّا وصل إلى باب النّوبيّ إلى الصّخرة التي يقبّلها الملوك قيل لهم: مرتبتكم دون ذلك، فأمر أن يقبّل أسفل منها، ثمّ حمل إلى دار، ثمّ أخرجوا باللّيل خفية على طريق غير مسلوكة، و ردّوا إلى إربل، و قيل للرسول: إنّما هرّبناك في الخفية خوفا عليك من العامّة، ففصل و قد امتلأ قلبه رعبا و دماغه خبالا، و أبثّ قومه ما أثبته عيانه، فعلموا أنّهم لا قبل لهم ببغداد، فرجعوا خائبين.

و أمّا أهل أصبهان ففتحوا أبواب المدينة، و قالوا لهم: ادخلوا، فدخل منهم قوم، فما شربوا أنفاسهم حتّى أهريقت دماؤهم، فكرّوا راجعين. و كذلك فعل أهل رستاقاتهم.

قال: و سئل الملك الأشرف عنهم، فقال: ما أقول في قوم لم يؤخذ منهم أسير قطّ، لكن يقاتل إلى أن يقتل أو يخلص. و لما وصلت إلى أرزن الرّوم وجدت هذه الكلمة قد سيّرها ملك الكرج فيما وصف من حروبهم، و أمّا قتلاهم‏

____________

[ (1)] و تسمى: «البركستوان» و تجمع بالألف و التاء، قال دوزي: ورد ذكرها في تاريخ المماليك حيث ترجمها كاترمير بما معناه: جل مزركش. (انظر معجم دوزي: 1/ 308).

50

فلا ينتهي العادّ إلى حدّ إلّا و الحال توجب أضعافه، و لا يقال: كم قتل من بلد كذا؟ و إنّما يقال: كم بقي؟! و اجتمعت بتاجر سروج كان يترجم لهم، قال: اجتمع التّجّار من جميع البلاد إلى نيسابور يتحصّنون بها، فنزل عليها التّتر فأخذوها في أربعة و عشرين يوما، و أتوا على أهلها بالقتل، و عليها بالإحراق و الخراب حتّى غادروها كأن لم تغن بالأمس. و هربت منهم مرّات و أقع في الأسر. ثمّ هرب في المرّة الأخيرة و تعلّق بجبل، فلمّا رحلوا طالبين هراة، قال: نزلنا و كنّا سبعة، فأحصينا القتلى خمسمائة ألف و خمسين ألفا، و وجدنا الأموال ملقاة، و جزنا ببلاد الملاحدة و هي على عمارتها لم يتشعّث منها شي‏ء.

و حكى لنا تاجر آخر واسطيّ قال: إنّه اختفى بجبل و خرج بعد أيّام، فرأى الأرض مسطوحة بالقتلى و الأموال و المواشي، و كنت أنا و عشرة سلمنا، و لو كانت معنا عقولنا لأخذنا من الأموال ما يفوت الآمال، و إنّما أخذنا حمل دقيق على جمل.

قال الموفّق: و ممّا أهلكوه بلاد فرغانة و هي سبع ممالك، مسيرة أربعة أشهر، و كلّ من هرب منهم تحيّلوا في قتله بكل ممكن، و إذا اجتمعوا في مجالس أنسهم و نزهة قلوبهم أحضروا قوما من الأسارى، و أخذوا يمثّلون بواحد، واحد، بأن يقطعوا منه عضوا بعد عضو، و كلّما اضطرب و صاح تضاحكوا و أعجبوا، و ربما حطّوا السّيف في جوفه أو ليّته قليلا، و متى التمس الشّخص رحمتهم ازدادوا قساوة. و إذا وقع لهم نساء فائقات في الحسن تمتّعوا بهنّ أياما ثمّ قتلوهنّ.

و حكت لي امرأة بحلب أنّهم ذبحوا ولدها و شربوا الدّم، ثمّ نام الذّابح فقامت فذبحته، و هربت هي و زوجها.

و قد كان السّلطان خوارزم شاه محمد بن تكش سارقا هجّاما، و كان عسكره أو شابا [ (1)]، ليس لهم ديوان و لا إقطاع، و أكثرهم أتراك كفّار أو مسلمون جهّال، لا

____________

[ (1)] الأوشاب: الأخلاط من الناس و الأوباش.

51

يعرف تعبئة العسكر في المصافّ، و لم يتعوّد أصحابه إلّا المهاجمة، و ليس لهم زرد و لا دروع، و قتالهم بالنّشاب. و كان يقتل بعض القبيلة، و يستخدم باقيها، و في قلوبهم الضّغائن. و لم يكن فيه شي‏ء من المداراة لا لأصحابه و لا لأعدائه، خرج عليه هؤلاء التّتار و هم بنو أب، بكلمة واحدة، و قلب واحد، و رئيس واحد مطاع، فلم يمكن أن يقف مثل خوارزم شاه بين أيديهم، و ورد إلى البلاد منهم ما لم يعهد، و البلاد خالية عن ملك، فلم يبق عند أحد منهم دفاع، و صاروا كالغنم لا تدفع عنها ذابحا. فلمّا وصل التّتر إلى أصبهان لم يرتع أهلها لأنّهم معوّدون بحمل السّلاح، فلم يكن عندهم أحقر من هذا العدوّ. إلى أن قال: و اللَّه سبحانه يحبّ العدل و العمارة و يأمر بهما، و هؤلاء الملاعين يبغضونهما، إذ لا دين لهم و لا عقل، و كلّ حيوان ردي‏ء الخلق ففيه خلق آخر حميد كالكلب و الخنزير و الذّئب و النّمر، و هؤلاء فقد جمعوا من كلّ حيوان ردي‏ء خلقه، فاجتمعت فيهم الرداءات محضة.

قال ابن واصل [ (1)]: بعث جنكزخان جيشا فعبروا جيحون، و تسلّموا بلخ بالأمان، و قرروا بها شحنة و لم ينهبوها. ثمّ قصدوا قلعة الطّالقان و هي لا ترام حصانة و ارتفاعا، و بها الشّجعان، فحصروها ستّة أشهر و عجزوا عنها، فسار إليها جنكزخان بنفسه، و حصرها و معه خلائق من المسلمين أسرى، فنازلها أربعة أشهر و قتل عليها خلائق، ثمّ أمر فجمع له من الأخشاب ما أمكن، و صاروا يعملون صفّا من خشب و صفّا من تراب، و ما زالوا حتّى صار تلا يوازي القلعة، و صعدت الرجال فيه، و نصبوا عليه المجانيق فرمت إلى وسط القلعة، فخرج من بها على حميّة و حملوا على التّتر، فنجت الخيّالة و سلكوا الجبال، و قتلت الرجّالة، و استباحت التّتر القلعة.

ثمّ جهّز جنكزخان الجيش إلى مرو و بها من المقاتلة نحو مائتي ألف من جند و عرب و تجّار، فعسكروا بظاهرها عازمين على لقاء العدوّ، فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ انهزم المسلمون و قتل أكثرهم. ثمّ نازلت التّتر مرو و جدّوا في‏

____________

[ (1)] في مفرج الكروب 4/ 57.

52

حصارها أربعة أيّام فتسلّموها بالأمان، و خرج إليهم أميرها، فخلع عليه ابن جنكزخان و وعده بولاية مرو، و قال: أريد أن تعرض عليّ أصحابك لننظر من يصلح لخدمتنا حتّى نعطيه إقطاعا. فلمّا حضروا قبض عليهم، و أمرهم أن يكتبوا له تجّار البلد و أعيانه في جريدة [و أرباب‏] الصّنائع [في جريدة] [ (1)]، ففعلوا. ثمّ ضربت أعناق الجند و الأمير، ثمّ صادر الأعيان و عذّبهم حتّى استصفاهم، و قسم نساء مرو و ذراريها و أسراها، ثمّ أمر بإحراق البلد فأحرق ثلاثة أيّام، ثمّ أمر بقتل العامّة كافة، فأحصيت القتلى بها فكانوا سبعمائة ألف.

ثمّ ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيّام، و بها عسكر عجزوا عن التّتر، فأخذ البلد ثمّ أخرجوا النّاس فقتلوهم، و سبوا الحريم، و عاقبوا ذوي المال.

و سارت فرقة إلى طوس فبدّعوا بها. ثمّ ساروا إلى هراة فحصروها عشرة أيّام و أخذوها بالأمان، ثمّ قتلوا بعض أهلها، و جعلوا بها شحنة.

ثمّ ساروا إلى غزنة فالتقاهم السّلطان جلال الدّين فكسرهم، فوثب أهل هراة و قتلوا الشّحنة، فلمّا رجع المنهزمون قتلوا عامّة أهل هراة، و سبوا الذّرّية و أحرقوا البلد. و رجعوا إلى جنكزخان و هو بالطّالقان يبثّ جيوشه، و كان قد نفّذ جيشا عظيما لحصار خوارزم، فنازلوها خمسة أشهر، و بها عسكر و شجعان، فقتل خلائق من الفريقين، ثم أخذت عنوة، و قتل أهلها، ثمّ سلّطوا عليها نهر جيحون فغرقت و تهدّمت [ (2)].

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين إضافة على الأصل.

[ (2)] انظر خبر (التتر) في: الكامل في التاريخ 12/ 358- 388، و التاريخ المنصوري 80- 90، و تاريخ مختصر الدول 233- 236، و تاريخ الزمان ج 8 ق 2/ 258، 259، و مفرّج الكروب 4/ 34- 64، و سيرة جلال الدين منكوبرتي للنسوي 87 و ما بعدها، و مرآة الجنان 4/ 40، 41، و المختصر لأبي الفداء 3/ 127، و نهاية الأرب 27/ 239- 258، و المختار من تاريخ ابن الجزري 91- 105، و العبر 5/ 64- 66، و تاريخ ابن الوردي 2/ 140- 142، و البداية و النهاية 13/ 86- 89، و العسجد المسبوك 2/ 270- 280، و تاريخ ابن خلدون 3/ 534، 535، و السلوك ج 1 ق 1/ 204، 205، و تاريخ الخميس 2/ 411، و النجوم الزاهرة 6/ 248، و تاريخ الخلفاء 467- 470، و تاريخ ابن سباط 1/ 270- 277، و شذرات الذهب 5/ 72، 73.

53

سنة ثمان عشرة و ستّمائة

[الحرب بين جلال الدين و جنكزخان‏]

فيها التقى السّلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه هو و تولّي خان مقدّم التّتار، فكسرهم جلال الدّين و ركب أكتافهم قتلا بالسّيف، و قتل مقدّمهم تولّي خان بن جنكزخان، و أسر خلقا من التّتار. فلمّا وصل الخبر إلى جنكزخان قامت قيامته و لم يقرّ له قرار دون أن جمع التّتار، و سار يجدّ السّير إلى حافّة السّند.

و كان جلال الدّين قد انثنى عنه أخوه و جماعة من العسكر فضاق عليه الوقت في استرجاعهم لقرب التّتار منه، فركب في شوّال سنة ثمان عشرة فالتقى الجمعان، و ثبت السّلطان جلال الدّين في شرذمة، ثمّ حمل بنفسه على قلب جنكزخان فمزّقه، و ولّى جنكزخان منهزما و كادت الدّائرة تدور عليه لو لا أنّه أفرد كمينا قبل المصافّ نحو عشرة آلاف، فخرجوا على ميمنة السّلطان و عليها أمين ملك، فانكسرت و أسر ابن جلال الدّين، فتبدّد نظامه، و تقهقر إلى حافّة السّند، فرأى والدته و نساءه يصحن: باللَّه اقتلنا و خلّصنا من الأسر. فأمر بهنّ فغرّقن.

و هذه من عجائب المصائب، نسأل اللَّه حسن العواقب.

فلمّا سدّت دونه المهارب و أحاطت به النّوائب، فالسّيوف وراءه، و البحر أمامه، فرفس فرسه في الماء على أنّه يموت غريقا فعبر به فرسه ذلك النّهر العظيم لطفا من اللَّه به، و تخلّص إلى تلك الجهة زهاء أربعة آلاف رجل من أصحابه حفاة عراة. ثمّ وصل إليه مركب من بعض الجهات و فيه مأكول و ملبوس، فوقع ذلك منه بموقع. فلمّا علم صاحب الجوديّ أنّ جلال الدّين وصل إلى بلاده طلبه بالفارس و الرّاجل، فبلغ ذلك جلال الدّين، فعظم عليه، لأنّ معه أصحابه مجرّحين و ضعفاء، فانجفل من مكانه، و أمر من معه من أصحابه أنّ كلّ جريح يقدر على الحركة فليصحبه، و إلّا فليحزّ رأسه. و سار عازم على أن يقطع نهر

54

السّند، و يختفي بمن معه في بعض الجبال و الآجام، و يعيشوا من الغارات. و اعتقد الهنود أنّه و قومه من التّتار، فتأخّر جلال الدّين بمن معه من الجبل، و تقدّم ملك الهند بجمعه، فلمّا رأى جلال الدّين حمل عليه ملك الهند بجيشه، و ثبت له جلال الدّين إلى أن قاربه، فاستوفى عليه بسهم في فؤاده فسقط قتيلا و انهزم جيشه، و حاز جلال الدّين الغنائم و الأموال فعاش بذلك.

ثمّ رحل إلى سجستان، و أخذ ما له بها من الأحوال، و أنفق فيمن معه، و تماثل أمره [ (1)].

و قال القاضي ابن واصل [ (2)]: كان جلال الدّين بغزنة في ستّين ألفا، فقصده عسكر جنكزخان في اثني عشر ألفا فكسرهم. فسيّر جنكزخان مع ابنه عسكرا، فوصل إلى كابل، فالتقى الجمعان فاقتتلوا قتالا عظيما فانهزمت التّتار، و قتل خلق و أخذت أموالهم، ثمّ جرت فتنة لما يريده اللَّه، و هو أنّ الأمير سيف الدّين بغراق التّركيّ كان شجاعا مقداما، وقع بينه و بين قرابة للسّلطان أمير فتنة لأجل الغنيمة، فاقتتلوا فقتل أخو بغراق فغضب، و قال: أنا أهزم الكفّار و يقتل أخي على السّحت. و فارق العسكر و قصد الهند فتبعه شطر الجيش فلاطفه السّلطان جلال الدّين، و سار بنفسه إليه، و ذكر الجهاد و خوّفه من اللَّه، و بكى بين يديه فلم يرجع، و سار مغاضبا. فوصل الخبر بوصول جنكزخان في جموعه، فنحيّر السّلطان و سار فوصل إلى ماء السّند، و هو نهر كبير، فلم يجد من السّفن ما يعبر فيه. و تبعه جنكزخان و ألحّ في طلبه، فالتقى الجمعان و اشتدّ الحرب حتّى قيل: إنّ ما مضى من الحروب كان لعبا بالنّسبة إليه، و دام القتال ثلاثة أيّام، و قتل خلق من الفريقين و في التّتار أكثر، فتحيّز التّتر و نزلوا [ (3)]. و ضعف المسلمون، و جاءتهم سفن فعبروا فيها، و ما علموا بما أصاب التّتار من القتل و الجراح، و لو عرفوا لكدّوا عليهم،

____________

[ (1)] انظر خبر الحرب في: سيرة جلال الدين 123 و ما بعدها، و المختار من تاريخ ابن الجزري 110- 112، و العبر 5/ 82، و تاريخ مختصر الدول 248، و دول الإسلام 2/ 92، و المختصر في أخبار البشر 3/ 128، و تاريخ الخميس 2/ 412.

[ (2)] في مفرج الكروب 4/ 61 و ما بعدها.

[ (3)] أي نزلوا على بعد، كما في الكامل 12/ 397.