تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج48

- شمس الدين الذهبي المزيد...
436 /
5

-

6

[الطبقة السادسة و الستون‏]

حوادث سنة إحدى و خمسين و ستمائة

[سلطان مصر]

استهلّت و سلطان مصر الملك الأشرف بن صلاح الدين ابن أقسيس و أتابكه الملك المعزّ أيبك [ (1)].

[سلطان الشام‏]

و سلطان الشّام إلّا اليسير النّاصر يوسف.

[رجوع الأسرى من وقعة الصالحية]

و فيها رجع الباذرائيّ و نظام الدين ابن المولى من القاهرة بخلاص الّذين أسرتهم البحريّة في وقعة الصّالحيّة بآخر الرمل في سنة ثمان و أربعين. و هم الملك المعظّم توران شاه بن السّلطان صلاح الدّين، و أخوه النّصرة، و الملك الأشرف ابن صاحب حمص، و أولاد الملك الصّالح إسماعيل، و شهاب الدّين القيمريّ [ (2)].

[قدوم ابنة السلطان علاء الدين على زوجها السلطان الناصر]

و في آخرها، و قيل في الآتية، قدمت ابنة السّلطان علاء الدّين من الروم على زوجها السّلطان الملك النّاصر، و في خدمتها سوباشيّ [ (3)] معه خمسمائة

____________

[ (1)] العبر 5/ 207

[ (2)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 789، المختار من تاريخ ابن الجزري 232، البداية و النهاية 13/ 184.

[ (3)] سوباشي صوباشي، لفظ فارسي مركّب من: صو، و معناه: الجند، و باشي، معناه رئيس.

7

فارس، و جهازها و ثقلها على ألف جمل، و محفّتها بأطلس مكلّلة بالجوهر و الذّهب، فبسطت البسط بين يدي دابّتها، و كان يوما مشهودا، و عمل لها عرس لم يسمع بمثله من الأعمال بدمشق. و هي بنت ابنة السّلطان العادل [ (1)].

[الصلح بين المصريين و السلطان‏]

و فيها تقرّر الصّلح بين المصريّين و السّلطان الناصر على أن تكون للمصريّين غزّة، و القدس، و حلفوا على ذلك [ (2)].

[قطع خبز الأمير حسام الدين بمصر]

و قطع بمصر خبز الأمير حسام الدّين بن أبي عليّ، فاستأذن في المضيّ إلى الشّام، فأذن له، فقدم على النّاصر فاحترمه و أعطاه خبزا جليلا [ (3)].

[تعاظم الفارس أقطاي بمصر]

و عظم الفارس أقطاي الجمدار [ (4)] بمصر، و كان يركب بشاويش و عظمة، و التفّت عليه البحريّة و الجمداريّة. و كانوا في نيّة سلطنته. و نزل ركن الدّين بيبرس البندقداريّ ببعض دار الوزارة، و صار من كبار أمراء الدّولة، و كذلك سيف الدّين بلبان الرّشيديّ، و شمس الدّين سنقر الرّوميّ، و شمس الدّين سنقر الأشقر، و عزّ الدّين الأخرم، و هم من حزب الفارس. و الملك خائف من ثورتهم، و كانت النّاصريّة و العزيزيّة من حزبه، فأخذوا في الحيلة على إهلاك الفارس [ (5)].

و كانت الوقعة الجمعة، و خرج من دمشق ركب عظيم و سبيل كثير.

____________

[ (1)] مرآة الزمان ق 2/ ج 8/ 791 (حوادث سنة 652 ه)، أخبار الأيوبيين لابن العميد 164، 165، نهاية الأرب 29/ 379، السلوك ج 1 ق 2/ 388، عقد الجمان (1) 79، 80.

[ (2)] نهاية الأرب 29/ 426، المختصر في أخبار البشر 3/ 186، الدّرة الزكية لابن أيبك 22، 23، تاريخ ابن الوردي 2/ 189، تاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) 1/ 364، السلوك ج 1 ق 2/ 385، 386، عقد الجمان (1) 80.

[ (3)] المختصر في أخبار البشر 3/ 186، الدرّة الزكية 23، تاريخ ابن الوردي 2/ 189 و فيه «خبر» بدل «خبز» و هو تحريف، المختار من تاريخ ابن الجزري 232، السلوك ج 1 ق 2/ 386.

[ (4)] الجمدار: كلمة فارسية مركّبة من لفظين: جاما: و هي الثياب، و دار: معناها صاحب. فيكون هو صاحب الثياب. أي المشرف على خزائن الملابس السلطانية و ما يتعلّق بها.

[ (5)] الروض الزاهر 53، التحفة الملوكية 34، السلوك ج 1 ق 2/ 386 و 388، عقد الجمان (1) 80، النجوم الزاهرة 7/ 30.

8

[الغلاء بمكة]

و لكن كان الغلاء بمكّة شديدا، أبيع شربة الماء بدرهم، و الشّاة بأربعين درهما [ (1)]. و مضوا و ردّوا على تيماء.

[مسير هولاكو إلى ما وراء النهر]

و فيها جهّز طاغية «المغل إلى بلاد ما وراء النهر أخاه هولاكو، فسار من قراقرم في جيش كثيف، فبادر أرغوان إلى خدمته فأقرّه على خراسان [ (2)].

[منازلة عسكر الناصر عكا]

و فيها سار طائفة من عسكر الملك النّاصر فنزلوا على عكّا، ثمّ ملكوا كردانة و أحرقوا الطّواحين.

[أخذ صيدا بالسيف‏]

و ساقوا إلى صيدا فأخذوها بالسّيف فهرب أهلها إلى قلعتها [ (3)].

[تخريب قلعة الجيزة]

و فيها خرّبوا قلعة الجيزة.

[منع الوعّاظ من الوعظ بالقاهرة]

و فيها منعوا الوعّاظ بالقاهرة من الوعظ لكون العماد الواعظ قال على المنبر: خلق اللَّه آدم بيده. و أشار إلى يده، فعزّروه و عزموا على عقد مجلس فلم يتّفق.

[نزوح خلق من بغداد إلى الشام‏]

و فيها نزح خلق من الجند من بغداد إلى الشّام لقطع أرزاقهم.

____________

[ (1)] النجوم الزاهرة 7/ 30.

[ (2)] الحوادث الجامعة 131.

[ (3)] القدّيس لويس، حياته، حملاته على مصر و الشّام (مذكّرات جوانقيل- سيمون دي جوانقيل) ترجمة د. حسن حبشي- القاهرة 1968- ص 243، العدوان الصليبي على بلاد الشّام- د. جوزيف نسيم يوسف- الإسكندرية 1971- ص 206، صيدا و دورها في الصراع الصليبي الإسلامي- د. أسامة زكي زيد- طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب- فرع الإسكندرية 1980- ص 231، 232.، لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير- تأليفنا- ص 263.

9

سنة اثنتين و خمسين و ستمائة

[إقطاع آيدغدي‏]

فيها أقطع الملك المعزّ لأيدغدي العزيزيّ دمياط فوق خبزه [ (1)].

[ظهور نار في أرض عدن‏]

و فيها جاءت الأخبار أنّ نارا ظهرت في أرض عدن بجبالها، و كان يطير شررها في اللّيل إلى البحر و يصعد منها دخان عظيم في النّهار. و خاف أهل اليمن و تاب بعضهم [ (2)].

[ظهور الخارجي المستنصر باللَّه بالمغرب‏]

و فيها ظهر بالمغرب خارجيّ و تسمّى المستنصر باللَّه، و أظهر العدل، و استولى على إفريقية، و بنى [ (3)] برجا و كان يجلس فيه، و يجلس تحته القاضي،

____________

[ (1)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 790 و فيه زيادة، «و نقل ثلاثين ألف دينار»، نهاية الأرب 29/ 432، الدرّة الزكية 24، المختار من تاريخ ابن الجزري 234، عيون التواريخ 20/ 74.

[ (2)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 790، 791، نهاية الأرب 29/ 433، الدرّة الزكية 23 (حوادث سنة 651 ه). و هو ينقل عن ابن واصل الّذي يذكر الخبر أيضا في سنة 651 ه. تاريخ ابن الوردي 2/ 190، المختار من تاريخ ابن الجزري 234، عيون التواريخ 20/ 74، البداية و النهاية 13/ 185، مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 790، 791، عقد الجمان (1) 92، درّة الأسلاك (مخطوط) ورقة 9، النجوم الزاهرة 7/ 32، تاريخ ابن سباط 1/ 364 (حوادث سنة 651 ه)، أخبار الدول 2/ 199، السلوك ج 1 ق 2/ 394، تاريخ الخلفاء 465، شذرات الذهب 5/ 255.

[ (3)] في الأصل: «بنا».

10

و الوزير، و المحتسب، و الوالي، يقضون أمور النّاس بحيث يراهم و يسمعهم [ (1)].

[عرس ابنة الملك علاء الدين‏]

و فيها رجع الشّريف المرتضى الحلبيّ من الرّوم، و أحضر معه ابنة ملك الرّوم علاء الدّين كيقباذ، و أمّها ابنة السّلطان الملك العادل، و قد تزوّجها الملك النّاصر، فعمل عرسه عليها بدمشق، و عملت القباب، و لعب الجيش، و احتفلوا للعرس احتفالا عظيما [ (2)].

[قتل أقطاي و ركوب المعزّ دست السلطنة]

و فيها توجّه الفارس أقطاي إلى الصّعيد ثانيا فقتل و نهب و عسف [ (3)]، و لما رجع قتل بقلعة الجبل، و هرب حزبه من البحريّة [ (4)]، و من قعد منهم قبض عليه المعزّ و أودعهم السّجن. و ركبت العزيزيّة و نهبوا دور البحريّة. و أبطل المعزّ يومئذ اسم الملك الأشرف، و أنزله إلى عمّاته القطبيّات. و ركب الملك المعزّ في دست السّلطنة [ (5)].

____________

[ (1)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 791، المختار من تاريخ ابن الجزري 234، عقد الجمان (1) 99، 100، تاريخ الدولتين الموحّدية و الحفصية 46، الحلل السندسية ج 1 ق 4/ 1036، النجوم الزاهرة 7/ 32.

[ (2)] تقدّم هذا الخبر في السنة الماضية، و هو في: مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 791، و أخبار الأيوبيين 164، 165، المختصر في أخبار البشر 3/ 190، المختار من تاريخ ابن الجزري 235، البداية و النهاية 13/ 185، التحفة الملوكية 36، عقد الجمان (1) 92.

[ (3)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 791.

[ (4)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 792 و 793، نزهة المالك و المملوك، للعباسي (مخطوطة المتحف البريطاني) (23662) ورقة 102، تاريخ الدولة التركية، ورقة 2 ب- 3 ب، أخبار الأيوبيين لابن العميد 164 (حوادث سنة 651 ه)، نهاية الأرب 29/ 430، المختصر في أخبار البشر 3/ 190، الدرّة الزكية 25، تاريخ ابن الوردي 2/ 192، العبر 5/ 210 و 211، دول الإسلام 2/ 157، مرآة الجنان 4/ 128، عيون التواريخ 20/ 75، الروض الزاهر 53، تاريخ ابن سباط 1/ 365، جامع التواريخ 233، ذيل مرآة الزمان 1/ 59، التحفة الملوكية 35، الجوهر الثمين 2/ 54، السلوك ج 1 ق 2/ 390، العسجد المسبوك 2/ 605، عقد الجمان (1) 85، 86.

[ (5)] الحوادث الجامعة 133، 134 و فيه «القراطاي» بدل «أقطاي»، المختصر في أخبار البشر 3/ 190، الدرّة الزكية 25، 26، المختار من تاريخ ابن الجزري 235، ذيل مرآة الزمان 1/ 58،

11

[قدوم البحرية على صاحب الشام‏]

و قدم البحريّة على صاحب الشّام و رأسهم سيف الدّين بلبان الرّشيديّ، و ركن الدّين بيبرس البندقداريّ، فبالغ في إكرامهم بالعطاء و الخلع، فلزّوه في التّوجّه إلى مصر لكونها مخبّطة [ (1)]. فقدّم على الجيش الملك المعظّم عمّ أبيه، فدهمهم الشّتاء و هم بالغور، و زادت الشّريعة، و وقع في حوافر خيلهم مرض.

و بقوا في الغور مدّة، ثمّ نزلوا غزّة، فبذل الملك المعزّ الأموال، و نزل العبّاسية [ (2)]، و خاف من العزيزيّة الّذين قفزوا إلى مصر سنة ثمان و أربعين، لأنّه بلغه أنّ الملك النّاصر كاتبهم، فقبض على كبارهم، و نهب خيمهم. فبلغ ذلك الملك النّاصر ففتر و ضعفت همّته [ (3)].

[طغيان أقطاي‏]

و كان الفارس أقطاي قد طغى و تجبّر بحيث إنه إذا ركب إلى القلعة يدوس موكبه النّاس و يضربونهم، و لا يلتفت إلى المعزّ و لا إلى غيره، و الخزائن بحكمه. ثمّ أراد أن يسكن القلعة و أن تخلى له دار السّلطنة، و طاش و أسرف، فقتله المعزّ، و هربت مماليكه [ (4)].

____________

[ ()] 59، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 291، 292.

[ (1)] نهاية الأرب 29/ 434، العبر 5/ 210.

[ (2)] في المختصر لأبي الفداء 3/ 190 «العباسية».

[ (3)] أخبار الأيوبيين لابن العميد 164، العبر 5/ 210، المختار من تاريخ ابن الجزري 235، 236، دول الإسلام 2/ 157، عيون التواريخ 20/ 75، 76، التحفة الملوكية 35، 36، الجوهر الثمين 2/ 54، 55، السلوك ج 1/ ق 2/ 392، عقد الجمان (1) 88.

[ (4)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 792، 793، تاريخ الدولة التركية، ورقة 2 أ، الحوادث الجامعة 133، نهاية الأرب 29/ 429- 432، الدرّة الزكية 25، 26، دول الإسلام 2/ 157، عيون التواريخ 20/ 76، 77، الروض الزاهر 53، ذيل الروضتين 188، أخبار الأيوبيين 164، المختصر في أخبار البشر 3/ 190، العبر 5/ 211، تاريخ ابن الوردي 2/ 192، البداية و النهاية 13/ 185، مرآة الجنان 4/ 128، الوافي 9/ 317، 318 العسجد المسبوك 2/ 605، السلوك ج 1 ق 2/ 389، 390، عقد الجمان (1) 85- 87، النجوم الزاهرة 7/ 11، 12، المنهل الصافي 2/ 502، مآثر الإنافة 2/ 92، شذرات الذهب 5/ 255، تاريخ ابن سباط 1/ 365، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 291، الجوهر الثمين 2/ 54.

12

[رواية أيبك الفارسيّ في «تاريخ ابن الجزري»]

قال شمس الدّين الجزريّ في «تاريخه» [ (1)]: فحدّثني عزّ الدّين أيبك الفارسيّ [ (2)] في سنة تسع و سبعين قال: طلع أستاذنا إلى القلعة في شعبان على عادته، فرتّب له المعزّ عشرة منهم مملوكه قطز، الّذي تسلطن، فقتلوه، فركبت البحريّة و غلمان الفارس فبلغوا سبعمائة و أتوا القلعة، فرمى برأس الفارس إليهم، فهرب طائفة إلى الكرك إلى الملك المغيث، و طائفة إلى الشّام، و طائفة طلبوا الأمان. و كنا أنا و خشداشتي [ (3)] في اثني عشر مملوكا قد أخذنا كلّ واحد فرسا و جنبيا [ (4)] و هجينا، و طلعنا من القاهرة في اللّيل، و قصدنا البرّيّة، فوقعنا في تيه بني إسرائيل، فبقينا خمسة أيّام في البريّة، و نحرنا بعض الهجن فأكلناه، ثمّ سرنا يوما و ليلة، فلاح لنا في اليوم السّابع عمارة فقصدناها، فلقينا صورة مدينة بأسوار و أبواب جميعها زجاج أخضر، فدخلناها فوجدنا الرمل ينبع في أماكن منها، و بعضه قد وصل إلى السّقوف، و أكثر الأسواق ما فيها رجل [ (5)] بل الدّكاكين على حالها، و فيها قماش، فكنّا نمسّه فيصير هباء، و كذلك أخشاب السّقوف حتّى النّجاس قد تفتّت. و وجدنا صينيّة نحاس فيها ميزان، فحين رفعناها تفتّتت، و وجدنا فيها تسعة دنانير عليها صورة غزال و عليها حروف عبراني [ (6)]. فبقينا يومئذ ندور في تلك المدينة [ (7)] إلى أن وجدنا أثر رشح، فحفرنا نحو ذراعين، فظهرت بلاطة [ (8)] فقلعناها، فإذا صهريج ماء، فشربنا و سقينا الدّوابّ، و نحرنا فرسا و هجينا، و شوينا اللّحم على السّيخ، ثمّ تزوّدنا من الماء و نحن لا ندري إلى أين نتوجّه، فسرنا يوما و ليلة، فوقعنا على قبيلة

____________

[ (1)] المختار من تاريخ ابن الجزري، ص 236، 237.

[ (2)] في المختار: «أيبك مملوك الفارس أقطاي».

[ (3)] خشداش: مملوك مع آخر من المماليك في خدمة سيّد كبير و يرتبط أحدهما بالآخر برباط الإخاء و الصداقة و الفداء. (تكملة المعاجم العربية 4/ 26).

[ (4)] وقع في المطبوع من المختار 236 «جنبيا».

[ (5)] في الأصل: «ما بينها رمال»، و المثبت من المختار 236، 237.

[ (6)] في الدّرّة الزكية لابن أيبك 27 «أسطر عبرانية».

[ (7)] في الدرّة الزكية: «و بقينا في تلك المدينة و نحن ما لنا هم إلّا التدوير على الماء».

[ (8)] في الدّرّة الزكية: «بلاطة خضراء».

13

عرب من بني مهديّ [ (1)]، فوصّلونا [ (2)] إلى الكرك، فأكرمنا المغيث ثمّ قصدنا يهوديّا لنصرف الدّنانير و حكينا له، فصاح و غشي عليه، ثمّ قال: هذا ضرب في زمان موسى (عليه السلام)، و هذه المدينة بنيت لمّا كان موسى في التّيه بالزّجاج الأخضر عوض الحجارة، و قد حصل لها طوفان رمليّ، فتارة ينقص الرمل فتظهر جدرانها، و تارة يغطّيها الرمل.

فبعناه الدّنانير بمائة درهم [ (3)]، و أضافنا و أعلم يهود الكرك بنا، فكانوا يأتوننا و يسألوننا و يقولون: هذه المدينة الخضراء التي بناها موسى (عليه السلام) [ (4)].

[رواية ابن الجزري عن المدينة الخضراء]

قال الجزري [ (5)]: ثم حججت أنا فاكتريت من معان مع شخص من بنى مهديّ إلى القدس فسألته، فقال: نحن بهذا التّيه [ (6)]، و أنا ما رأيت شيئا، و لكن أخبرنى أبي أنّه تصيّد في التّيه فوقع بمدينة خضراء و رأى حيطانها زجاجا أخضر [ (7)].

قال: فلمّا رجعت أعلمت قومي، فأخذوا جمالا و أوسقوها زادا و ماء، ثم قصدنا تلك الأرض فلم نرها و غيّبت عنّا. و بعد كلّ مدّة يراها واحد مصادفة. و يقصدها عرب تلك النّاحية باليهود ليزوروها، فقلّ من يراها.

[محاربة صاحب الموصل العدويّة]

و فيها حارب صاحب الموصل العدويّة، و قتل خلقا، و أسر عدّة، و صلب منهم مائة نفس، و ذبح مائة، و قتل كبيرهم و علّق. و بعث من نبش الشّيخ عديّا

____________

[ (1)] في الدّرّة الزكية: «من بني مهدي عرب الكرك».

[ (2)] في المختار 237 «فأوصلونا».

[ (3)] في الدرّة الزكية ص 28 «كل دينار بمائة درهم نقرة».

[ (4)] بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 292.

[ (5)] في المختار من تاريخه 237.

[ (6)] في المختار 237 «نحن نجد التّيه».

[ (7)] في المختار زيادة: «و الرمل في تلك الأرض يعلو تارة و ينقص تارة مثل زيادة الماء. إن اللَّه تعالى خلّصني منها».

14

و أحرق عظامه. أنبأني بذلك الظّهير ابن الكازرونيّ في «مجموع» [ (1)].

[وثوب غانم بن راجح على أبيه بمكة]

و وثب غانم بن راجح بن قتادة الحسنيّ في مكّة بأبيه فقيّده و زعم أنّه جنّ، فسأله أن يخلّي سبيله، فأعطاه جملا فركبه و هرب، و تمكّن غانم بمكّة [ (2)].

____________

[ (1)] و الخبر موجود في: الحوادث الجامعة 133، و العسجد المسبوك 2/ 601.

[ (2)] الحوادث الجامعة 134، السلوك ج 1 ق 2/ 396، العسجد المسبوك ج 2/ 601.

15

سنة ثلاث و خمسين و ستمائة

[نزول عسكر الناصر و المعزّ كلّ في ناحية]

دخلت و عسكر الملك النّاصر نازل على العوجا، و الملك المعزّ نازل على العبّاسة [ (1)]، و طال مقام الفريقين [ (2)].

[إقطاع الناصر البحرية]

و كان النّاصر قد أقطع البحريّة أخبازا جليلة [ (3)].

[حرب العزيزية و المعزّ و الصلح بين الملكين‏]

قال ابن واصل [ (4)]: و في رمضان عزمت العزيزية على القبض على المعزّ، و كاتبوا النّاصر، و لم يوافقهم جمال الدين آيدغدي. و استشعر الملك المعزّ منهم و عرف الخبر، و علموا هم فهربوا على حميّة، و كبيرهم شمس الدين أقوش البريّ [ (5)]. و لم يهرب آيدغديّ و أقام بمخيّمه، فجاء المعزّ راكبا إلى قرب مخيّمه فخرج إليه آيدغدي، فأمر المعزّ فحمل على دابّة، و قبض أيضا على الأمير الأتابكيّ فحبسا، و نهبت خيام العزيزيّة كلّهم يومئذ بالعبّاسة. ثمّ اصطلح الملكان على أنّ من الورّادة و رائح للمعزّ [ (6)].

____________

[ (1)] في المختصر في أخبار البشر 3/ 190 «العباسية»، و المثبت يتفق مع: الدرّة الزكية 29.

[ (2)] الدرّة الزكية 29، المختار من تاريخ ابن الجزري 238، عيون التواريخ، 20/ 81، 82.

[ (3)] المختار من تاريخ ابن الجزري 238، عيون التواريخ 20/ 81.

[ (4)] في الجزء السادس من (مفرّج الكروب) و لم يصلنا.

[ (5)] في السلوك ج 1 ق 2/ 397 «أقش الركني»، و في النجوم 7/ 34 «البرنلي».

[ (6)] المختصر في أخبار البشر 3/ 190، 191، تاريخ ابن الوردي 2/ 192، الروض الزاهر

16

[ذكر أسماء أعيان البحرية]

سيف الدين الرّشيديّ، عزّ الدين أزدمر السّيفيّ، ركن الدين البندقداريّ، شمس الدين سنقر الأشقر، سيف الدين قلاوون الألفيّ، بدر الدين بيسريّ، شمس الدين سنقر الرّوميّ، سيف الدين بلبان المستعربيّ [ (1)].

[السّيل بدمشق‏]

و فيها جاء سيل بدمشق عرم أخرب عدّة دور بظاهر البلد و بلغ ارتفاعه ستّة أذرع و زيادة.

[ولادة مولود للسلطان الناصر]

و فيها ولد الملك علاء الدين للسّلطان الملك الناصر من ابنة صاحب الرّوم، و احتفلوا لذلك إلى الغاية.

[الفتنة بمنى‏]

و فيها جرت فتنة بمنى و نهب الوفد، فقتل جماعة و جرح خلق. فأرسل أمير مكّة إدريس و أبو نميّ إلى أمير المؤمنين يعتذران [ (2)].

____________

[ ()] 55، 65، تاريخ ابن سباط 1/ 366، التحفة الملوكية 38، عقد الجمان (1) 107، النجوم الزاهرة 7/ 34.

[ (1)] نهاية الأرب 29/ 433، 434، الدرّة الزكية 28، المختار من تاريخ ابن الجزري 238، عيون التواريخ 20/ 82، الجوهر الثمين 2/ 54 و فيه اختلاف يسير، السلوك ج 1 ق 2/ 396 و فيه «بلبان المسعودي»، النجوم الزاهرة 7/ 34 و فيه «بلبان المستنصري».

[ (2)] عقد الجمان (1) 109

17

سنة أربع و خمسين و ستمائة

[الحكام في البلاد]

خليفة الوقت المستعصم باللَّه.

و صاحب الشّام الملك النّاصر.

و صاحب مصر المعزّ.

و صاحب الكرك و الشّوبك المغيث بن عمر بن العادل أبي بكر بن الملك الكامل.

و صاحب الموصل الملك الرّحيم لؤلؤ.

و صاحب ميّافارقين الكامل محمد بن غازي بن الملك العادل.

و نائب إربل تاج الدين ابن صلايا العلويّ.

و نائب حصون الإسماعيليّة الثّمانية رضيّ الدين أبو المعالي.

و صاحب صهيون و برزبه مظفّر الدين عثمان بن منكورس.

و صاحب حماه الملك المنصور.

و صاحب تلّ باشر و الرّحبة و تدمر و زنوبيا الأشرف موسى بن الملك المجاهد إبراهيم ابن صاحب حمص.

و صاحب مكّة ابن قتادة الحسينيّ.

و صاحب ماردين الملك السّعيد إيل غازي الأرتقيّ.

و صاحب اليمن الملك المظفّر يوسف بن عمر.

18

و صاحب الرّوم ركن الدين و أخوه عزّ الدين.

و صاحب خراسان و ما وراء النّهر و الخطا القاآن ملك التّتار [ (1)].

[ظهور النّار بالمدينة [ (2)]]

قال أبو شامة: جاء إلى دمشق كتب من المدينة بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة، و كتبت الكتب في خامس رجب، و النّار بحالها بعد.

و وصلت إلينا الكتب في شعبان. فأخبرني من أثق به ممّن شاهدها بالمدينة أنّه بلغه أنّه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.

قال: و كنّا في بيوتنا بالمدينة تلك اللّيالي، و كأنّ في دار كلّ واحد سراجا. و لم يكن لها حرّ و لا لفح على عظمها، إنّما كانت آية.

قال أبو شامة: و هذه صورة ما وقفت عليه من الكتب: لمّا كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دويّ عظيم ثمّ زلزلة عظيمة فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشّهر، فظهرت نار عظيمة في الحرّة قريبا من قريظة تنوّر لها من دورنا من داخل المدينة كأنّها عندنا.

و سالت أودية منها إلى وادي شطا مسيل الماء، و قد سدّت مسيل شطا و ما عاد يسيل. و اللَّه لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانه، و قد سدّت الحرّة طريق الحاجّ العراقيّ، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرّة، فوقفت و رجعت تسير في الشّرق يخرج من وسطها مهود و جبال نار تأكل الحجارة،

____________

[ (1)] قارن بعيون التواريخ 20/ 86، و ذيل مرآة الزمان 1/ 3، 4.

[ (2)] انظر خبر النار في المدينة، في:

المختصر في أخبار البشر 3/ 193، و تاريخ ابن الوردي 2/ 194، و العبر 5/ 215، 216، و المختار من تاريخ ابن الجزري 240، و ذيل الروضتين 190- 192، و ذيل مرآة الزمان 1/ 4- 10، و دول الإسلام 2/ 158، و عيون التواريخ، 2/ 87- 92، و البداية و النهاية 13/ 187- 193، و مرآة الجنان 4/ 131- 134، و تاريخ الخميس 2/ 415- 418، و تاريخ ابن سباط (باختصار شديد) 1/ 373 (حوادث سنة 655 ه). و أخبار الدول 2/ 199، 200، و تاريخ الخلفاء 465، 466، و سير أعلام النبلاء 23/ 180، و السلوك ج 1 ق 2/ 398، 399، و العسجد المسبوك 2/ 620، و الطبقات الشافعية الكبرى 5/ 112، و النجوم الزاهرة 7/ 16- 19، و عقد الجمان (1) 92 (حوادث سنة 652 ه)، و 122- 127، و شذرات الذهب 5/ 263، و تحقيق النصرة للمراغي 69، 70، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 298، 299.

19

فيما أنموذج لما أخبر اللَّه تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ [ (1)] صُفْرٌ [ (2)]. و قد أكلت الأرض. و لها الآن شهر و هي في زيادة، و قد عادت إلى الحرار في قريظة طريق الحاجّ إلى بحيرة العراقيّ كلّها نيران تشتعل نبصرها في اللّيل من المدينة كأنّها مشاعل، و أمّا أمّ النّيران الكبيرة فهي جبال نيران حمر، و ما أقدر أصف هذه النّار.

و من كتاب آخر: ظهر في شرقيّ المدينة نار عظيمة بينها و بين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض، و سال منها واد من نار حتّى حاذت جبل أحد، ثمّ وقفت. و لا ندري ما ذا نفعل. و وقت ظهورها دخل أهل المدينة إلى نبيّهم (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) مستغفرين تائبين إلى ربّهم.

و من كتاب آخر: في أوّل جمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالرّعد البعيد، فبقي يومين، و في ثالث الشّهر تعقّبه زلزال فتقيم ثلاثة أيّام، وقع في اليوم و اللّيلة أربع عشرة زلزلة. فلمّا كان يوم خامسه انبجست الأرض من الحرّة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم)، و هي برأي العين من المدينة تشاهد، و هي ترمي بشرر كالقصر. و هي بموضع يقال له أخلين أو أخلبين.

و قد سال من هذه النّار واد يكون مقداره أربعة فراسخ، و عرضه أربعة أميال، و عمقه قامة و نصف، و هو يجري على وجه الأرض و تخرج منه مهاد و جبال صغار، و يسير على وجه الأرض، و هو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الأتل، فإذا اخمد صار أسود، و قبل الخمود لونه أحمر.

و قد حصل إقلاع عن المعاصي و تقرّب بالطّاعات. و خرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة [ (3)].

و من كتاب قاضي المدينة سنان الحسينيّ [ (4)] يقول في التّاريخ: «لقد و اللَّه‏

____________

[ (1)] في الأصل: «جمالات»، و مثله في: ذيل الروضتين 190.

[ (2)] سورة المرسلات، الآيتين 32 33.

[ (3)] الحوادث الجامعة 152.

[ (4)] هو شمس الدين سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني، كما في: نهاية الأرب 29/ 449، و عيون التواريخ 20/ 89، و البداية و النهاية 13/ 188، و ذيل الروضتين 191 و فيه «تميلة».

20

زلزلت مرة و نحن حول الحجرة النّبويّة [ (1)]، فاضطرب لها المنبر و القناديل. ثمّ طلع في رأس أخيلين [ (2)] نار عظيمة مثل المدينة المعظّمة، و ما بانت لنا إلّا ليلة السّبت و أشفقنا منها.

و طلعت إلى الأمير و كلّمته و قلت: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى اللَّه.

فأعتق كلّ مماليكه و ردّ على جماعة أموالهم. فلمّا فعل ذلك قلت: اهبط معنا إلى النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله و سلم). فهبط و بتنا ليلة السّبت، النّاس جميعهم و النّسوان و أولادهنّ، و ما بقي أحد لا في النّخل [ (3)] و لا في المدينة إلّا عند النّبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم)، و أشفقنا منها، و ظهر ضوءها إلى أن أبصرت من مكّة، و من الفلاة جميعها. ثمّ سال منها نهر من نار، و أخذ في وادي أخيلين [ (4)] و سدّ الطّريق، ثمّ طلع إلى بحرة الحاجّ، و هو بحر نار [ (5)] يجري و فوقه حرّة [ (6)] تسير إلى أن قطعت وادي الشّظاه [ (7)]، و ما عاد يجي‏ء في الوادي سيل قطّ لأنّها حرّة، تجي‏ء قامتين و ثلاث علوّها [ (8)].

و اللَّه يا أخي إنّ عيشتنا اليوم مكدّرة [ (9)]، و المدينة قد تاب أهلها و لا بقي يسمع فيها رباب و لا دف و لا شرب [ (10)]. و تمّت النّار تسير إلى أن سدّت بعض طريق الحاجّ، و كان [ (11)] في الوادي إلينا منها قتير [ (12)]، و خفنا أن تجيئنا، و اجتمع النّاس و باتوا عند النّبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) [ (13)] و قد طفئ قتيرها الّذي يلينا بقدرة اللَّه عزّ

____________

[ (1)] في الأصل: «النبوة».

[ (2)] في نهاية الأرب 29/ 450، و النجوم الزاهرة 6/ 18 «أحيلين» بالحاء المهملة، و هو واد قريب من المدينة. و في البداية و النهاية 13/ 188 «أجيلين».

[ (3)] في نهاية الأرب 29/ 450 «النخيل»، و مثله في عيون التواريخ 20/ 89.

[ (4)] هكذا في الأصل بالخاء المعجمة، و في عيون التواريخ 20/ 89 «ااجلين» و هو تصحيف.

[ (5)] في نهاية الأرب 29/ 450 «نهر نار»، و في عيون التواريخ 20/ 89 «بحر ناري».

[ (6)] في نهاية الأرب 29/ 450 «جمرة».

[ (7)] الشظاة: بالظاء المعجمة، واد يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها، حتى يصل إلى الحرّة.

[ (8)] إلى هنا يتفق النص مع نهاية الأرب 29/ 449- 451.

[ (9)] في ذيل مرآة الزمان 1/ 7 «مكروه» و في عيون التواريخ 20/ 89 «متكدّرة».

[ (10)] هذه العبارة ليست في نهاية الأرب.

[ (11)] في نهاية الأرب 29/ 451 «و جاء».

[ (12)] القتير: دخان فيه نار، و رائحة الشي‏ء المحترق.

[ (13)] زاد اليونيني في ذيل مرآة الزمان 1/ 7: «ليلة الجمعة».

21

و جلّ، و إلى السّاعة ما نقصت بل ترمي مثل الجبال [ (1)] حجارة من نار، و لها دويّ، ما تدعنا نرقد و لا نأكل و لا نشرب، و ما أقدر أصف لك عظمها و لا ما فيها من الأهوال. و أبصرها أهل ينبع [ (2)]، و ندبوا قاضيهم ابن سعد [ (3)]، و جاء و غدا [ (4)] إليها، و ما أصبح يقدر يصفها من عظمها. و كتب يوم خامس رجب، و الشّمس و القمر من يوم ظهرت ما يطلعان إلّا كاسفين [ (5)].

و من كتاب آخر من بعض بني الفاشانيّ يقول: جرى عندنا أمر عظيم [ (6)] .. إلى أن قال: من النّار ظهر للنّاس ألسن تصعّد في الهواء حمراء كأنّها العلقة، و عظمت ففزع النّاس إلى المسجد، و ابتهلوا إلى اللَّه عزّ و جلّ، و غطّت حمرة النّار السّماء كلّها حتّى بقي النّاس في مثل ضوء القمر، و أيقنّا بالعذاب. و صعد القاضي و الفقيه إلى الأمير يعظونه فطرح المكس، و أعتق رقيقه كلّهم، و ردّ علينا كلّ ما لنا تحت يده، و على غيرنا. و بقيت كذلك أيّاما، ثمّ سالت في وادي أخيلين [ (7)] تنحدر مع الوادي إلى الشّظاه، حتّى لحق سيلانها ببحرة الحاجّ، و الحجارة معها تتحرّك و تسير حتّى كادت تقارب حرّة العراض [ (8)]. ثمّ سكنت و وقفت أيّاما، ثمّ عادت ترمي بحجارة من خلفها و أمامها حتّى بنت جبلين خلفها و أمامها، و ما بقي يخرج منها من بين الجبلين، لسان لها أيّاما. ثمّ إنّها عظمت الآن و سناها [ (9)] إلى الآن، و هي تتّقد كأعظم ما يكون. و لها كلّ يوم صوت عظيم من آخر اللّيل إلى ضحوه [ (10)]، و الشّمس و القمر كأنّهما منكسفان إلى الآن. و كتب هذا و لها شهر [ (11)].

____________

[ (1)] في الأصل: «الجمال».

[ (2)] في نهاية الأرب 29/ 451 «أهل التنعيم»، و في عيون التواريخ 20/ 90 «الينبع».

[ (3)] في نهاية الأرب 29/ 451 «ابن أسعد»، و المثبت يتفق مع عيون التواريخ 20/ 90.

[ (4)] في نهاية الأرب 29/ 451 «و عدّا».

[ (5)] راجع نصّ الكتاب في نهاية الأرب 29/ 449- 451 ففيه زيادة و نقصان عمّا هنا، و ذيل مرآة الزمان، و عيون التواريخ.

[ (6)] انظر النص في: ذيل مرآة الزمان 1/ 8.

[ (7)] في نهاية الأرب 29/ 452 «أحيلين» بالحاء المهملة.

[ (8)] في نهاية الأرب 29/ 453 «حرّة العريض».

[ (9)] في الأصل: «و شباها»، و التحرير من: نهاية الأرب، و عيون التواريخ 20/ 90.

[ (10)] في نهاية الأرب: «صحوة».

[ (11)] انظر نصّ الكتاب في نهاية الأرب 29/ 452، 453 مع زيادة، و عيون التواريخ 20/ 90، 91.

22

قلت: أمر هذه النّار متواتر، و هي ممّا أخبر به المصطفى (صلوات اللَّه عليه و سلامه) حيث يقول: لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء لها أعناق الإبل ببصرى.

و قد حكى غير واحد ممّن كان ببصرى في اللّيل و رأى أعناق الإبل في ضوئها.

و قال أبو شامة: و في ليلة السّادس عشر، كذا قال، من جمادى الآخرة خسف القمر أوّل اللّيل، و كسفت الشمس في عبدة، كذا قال، و ما احمرّت وقت طلوعها و غروبها. و بقيت كذلك أيّاما متغيّرة ضعيفة النّور، و اتّضح بذلك ما صوّره الشّافعيّ من اجتماع الكسوف و العبد.

قلت: هذا الكلام فيه ما فيه، و قوله كسفت الشّمس في العبدة دعوى ما علمت أحدا وافقه عليها و لا ورّخها غيره. ثمّ بيّن مستنده باحمرار الشّمس و ضعف نورها، و هذا لا يسمّى كسوفا أبدا. و لقد كنت في رحلتي إلى الإسكندريّة و أنا في المركب انظر إلى الشّمس قبل غروبها بساعة، و هي كأنّها نحاسة حمراء ما لها من النّور شي‏ء أصلا إلى أن تتوارى. و ذلك لكثافة الأبخرة الأرضيّة. و مثل هذا إذا وقع لا تصلى له صلاة الكسوف. و النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) لم نسمعه سمّى ذلك كسوفا في وصف ليلة القدر بالآية التي ميّزها بها فقال: إنّ الشّمس تطلع من صبيحتها و لا شعاع لها.

و أمّا كسوف الشّمس و القمر فشي‏ء ظاهر يبدو قليلا قليلا في القرض إلى أن يذهب نورهما و لونهما، و تظهر الكواكب بالنّهار. و قد يكون كسوفا ناقصا فيبقى شطر من الشّمس كاسفا، و شطر نيّرا.

و أمّا حساب أهل الهيئة لذلك فشي‏ء ما علمته يحرّم أبدا، و هو عندهم حساب قطعيّ، و من نظر في مستندهم جزم به، بخلاف قولهم في تأثير الكسوف في الأرض من موت عظيم، أو حادث كبير، فإنّ هذا من الإفك و الزّور و الهذيان الّذي لا يحلّ لمسلم أن يعتقده. و ذلك التّأثير عند المنجّمين ظنّ و حدس؛ و الظّنّ الكذب. الحديث.

و هذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) يقول:

«إنّ الشّمس و القمر لا يكسفان لموت أحد و لا لحياته، و لكنّهما آيتان يخوّف اللَّه بهما عباده».

23

[غرق بغداد]

زادت دجلة زيادة مهولة إلى الغاية لم يعهد مثلها إلّا من زمان، فغرق خلق كثير من أهل بغداد. و مات خلق تحت الهدم. و ركب النّاس في المراكب و استعانوا باللَّه تعالى و عاينوا التّلف [ (1)].

فنقل أبو شامة قال: جاء كتاب من المدينة النبويّة من بعض بني الفاشانيّ يقول فيه: وصل إلينا من العراق نجّابة في جمادى الآخرة، و أخبروا عن بغداد أنّه أصابها غرق عظيم حتّى دخل الماء من أسوار بغداد، و غرق كثير من البلد، و انهدمت دار الوزير، و ثلاثمائة و ثمانون دارا، و انهدم مخزن الخليفة، و هلك شي‏ء كثير من خزانة السّلاح. و أشرف النّاس على الهلاك، و عادت السّفن تدخل إلى وسط البلد و تخرق أزقّة بغداد [ (2)].

و قد وقع مثل هذا الغرق ببغداد في سنة أربع و خمسين و خمسمائة أيضا.

و بعد ذلك غير مرّة، فقد غرقت بغداد عدّة مرّات.

[فتنة الكرخ‏]

و فيها كانت فتنة الكرخ في ذي الحجّة. قتل أهل الكرخ رجلا من قطفتا فحمله أهله إلى باب النّوبيّ، و دخل جماعة إلى الخليفة و عظّموا ذلك، و نسبوا أهل الكرخ إلى كلّ فساد، فأمر بردعهم. فركب الجند إليهم و تبعهم الغوغاء فنهب الكرخ و أحرقت عدّة مواضع، و سبوا العلويّات و قتلوا عدّة. و اشتدّ الخطب ثمّ أخمدت الفتنة بعد بلاء كبير، و صلب قاتل الأوّل [ (3)].

____________

[ (1)] مرآة الزمان ق 2 ج 8/ 794، الحوادث الجامعة 153، المختار من تاريخ ابن الجزري 240 و فيه فقط: «و غرق بغداد»، دول الإسلام 2/ 158، عيون التواريخ 20/ 86، 87 و فيه فقط: «غرق بغداد»، السلوك ج 1 ق 2/ 399، العسجد المسبوك 2/ 615، 616، النجوم الزاهرة 7/ 35، شذرات الذهب 5/ 264، تحقيق النصرة للمراغي 69، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 298.

[ (2)] ذيل مرآة الزمان 1/ 8، عيون التواريخ 20/ 86، 87.

[ (3)] الحوادث الجامعة 152.

24

[خلاف وزير المستعصم و الدويدار الصغير]

و نسب إلى مجاهد الدين الدّويدار الصّغير أنّه عامل على خلع المستعصم و تولية ولده، فأسرع مجاهد الدين و حلف و سأل أن يواقف القائل عنه. و لبس اللّأمة جنده و استوحش من الوزير، فهاشت العامّة و عظم الأمر. و قتل جماعة كثيرة و جرح خلق. ثمّ كتب المستعصم أمانا بخطّه للدّويدار فرضي.

حريق المسجد [ (1)]

و في ليلة الجمعة مستهلّ رمضان احترق مسجد الرسول (صلى اللَّه عليه و آله و سلم)، و كان ابتداء حريقه من زاويته الغربيّة بشمال. دخل بعض القوم إلى خزانة و معه مسرجة فعلقت في الآلات، ثمّ اتّصلت بالسّقف سريعا، ثمّ دبّت في السّقوف آخذة نحو القبلة، و عجز النّاس عن إطفائها، فما كان إلّا ساعة حتّى احترقت سقوف المسجد كلّها، و وقعت بعض أساطينه و ذاب رصاصها، و كلّ ذلك قبل أن ينام النّاس. و احترق سقف الحجرة النّبويّة، و وقع ما وقع منه في الحجرة، و ترك على حاله لما شرعوا في عمارة سقفها و سقف المسجد [ (2)].

نقل هذا أبو شامة و غيره.

و ممّا قيل في ذلك:

لم يحترق حرم الرسول لحادث* * * يخشى عليه و لا دهاه العار

لكنّها أيدي الرّوافض لامست* * * ذاك الجدار [ (3)] فطهّرته النّار [ (4)]

____________

[ (1)] انظر خبر حريق المسجد في:

المختصر في أخبار البشر 3/ 193، و تاريخ ابن الوردي 2/ 194، و العبر 5/ 216، و دول الإسلام 2/ 158، و مرآة الجنان 4/ 134، 135، و عيون التواريخ 20/ 92، و البداية و النهاية 13/ 193، و ذيل الروضتين 194، و تاريخ الخميس 2/ 418- 420، و ذيل مرآة الزمان 1/ 10، و العسجد المسبوك 2/ 620، 621، و عقد الجمان (1) 128، و النجوم الزاهرة 7/ 36، و شذرات الذهب 5/ 263، 264، و تحقيق النصرة للمراغي 68، 69، و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 291 (حوادث سنة 651 ه).

[ (2)] نهاية الأرب 29/ 454، 455.

[ (3)] في عيون التواريخ 20/ 92 «ذاك الجناب»، و مثله في ذيل الروضتين، و ذيل مرآة الزمان.

[ (4)] البيتان في: ذيل الروضتين 194، و عيون التواريخ، 2/ 92، و تاريخ الخميس 2/ 419، و ذيل مرآة الزمان 1/ 10، و النجوم الزاهرة 7/ 36، و شذرات الذهب 5/ 263، 264.

25

[ملك هولاكو حصون الإسماعيلية]

و فيها كان خروج الطّاغية هولاكو بن تولي بن جنكزخان، فسار في المغول من الأردو فملك الألموت و قلاع الإسماعيليّة الّتي بنواحي الرّيّ [ (1)].

قال ابن السّاعي: بعث هولاكو إلى مقدّمة الباطنيّة ركن الدين فبعث أخاه في ثلاثمائة فقتلهم هولاكو و تهدّد ركن الدين، فنزل إليه بأمان، ثمّ قتله و خرّب قلعته، ثمّ خرب الألموت و سائر قلاع الباطنيّة، ثمّ ترحّل قاصدا العراق و سيّر باجونوين إلى الرّوم فانهزم صاحبها إلى بلاد الأشكريّ، فملكت التّتار سائر الرّوم، و نهبوا و قتلوا و فعلوا الأفاعيل [ (2)].

[تأمين هولاكو صاحب ميّافارقين‏]

و توجّه الملك الكامل محمد بن شهاب الدين غازي صاحب ميّافارقين إلى خدمة هولاكو، فأكرمه و أمّنه و أعطاه فرمانا و رجع إلى بلاده [ (3)].

[التدريس في المدرسة الناصريّة]

و فيها فتحت المدرسة النّاصريّة بدمشق عند الفراغ من بنائها. و حضر الدرس يومئذ السّلطان [ (4)].

[الشروع في بناء الرباط الناصري‏]

و فيها شرعوا في بناء الرّباط النّاصريّ، و احتفلوا له، و جابوا له الحجر

____________

[ ()] و هما في تاريخ الخميس 2/ 419.

لم يحترق حرم النبيّ لريبة* * * يخشى عليه و ما به من عار

لكنه أيدي الروافض لامست* * * تلك الرسوم فطهّرت بالنار

[ (1)] العبر 5/ 216، المختار من تاريخ ابن الجزري 240، ذيل مرآة الزمان 1/ 11، دول الإسلام 2/ 158، عيون التواريخ 20/ 93، النجوم الزاهرة 7/ 37، تاريخ الخميس 2/ 420، تاريخ مختصر الدول لابن العبري 265، تاريخ الزمان، له 301، 302، تاريخ ابن سباط 1/ 367 (حوادث سنة 653 ه).

[ (2)] العبر 5/ 216، مرآة الجنان 4/ 135 باختصار شديد.

[ (3)] العبر 5/ 216، دول الإسلام 2/ 158.

[ (4)] عيون التواريخ 20/ 87، البداية و النهاية 13/ 193، عقد الجمان (1) 121، الدارس 1/ 459، النجوم الزاهرة 7/ 35.

26

الأصفر من بلد حلب [ (1)].

[اتفاق الناصر و المعزّ على محاربة هولاكو]

و فيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو بجيشه إلى أذربيجان يقصدون العراق، فوردت قصّاد الدّيوان العزيز على نجم الدين الباذرائيّ إلى دمشق بأن يتقدّم إلى الملك النّاصر بمصالحة الملك المعزّ، و أن يتّفقا على حرب التّتار، فأجاب النّاصر إلى ذلك، و ردّ عسكره من غزّة فدخلوا دمشق [ (2)].

[القضاء بديار مصر]

و فيها عزل بدر الدين السّنجاريّ عن قضاء ديار مصر، و ولّي تاج الدين ابن بنت الأعزّ [ (3)].

[توقّف الخليفة عن ردّ وديعة للملك الناصر]

و كانت للملك النّاصر داود بن المعظّم وديعة عند الخليفة، فتوقّف في ردّها و احتجّ بحجج باردة. و جرت أمور قبيحة لم يعهد مثلها من أمير فضلا عن أمير المؤمنين [ (4)].

و كان النّاصر داود قد حجّ، و عاد على العراق بسببها فأنزل بالحلّة و أجري عليه راتب ضعيف، فعمل قصيدة تلطّف فيها و عدّد خدمه و خدم آبائه فما نفع، بل سيّروا إليه من حاسبه على جميع ما اتّصل إليه من النّفقات و المأكول و ما حملوه إليه من الهدايا في تردّده، ثمّ أوصلوا إليه شيئا يسيرا، و قالوا: قد وصل إليك قيمة وديعتك فهات خطّك بوصوله، و أنّك لم يبق لك شي‏ء. فكتب كارها. و لم يصل إليه من قيمتها العشر. و سافر فاجتمع عليه جماعة من الأعراب و خدموه و أرادوا به التّوصّل إلى العبث و الفساد فأبى عليهم، و أقام عندهم. فخاف من ذلك صاحب الشّام الملك النّاصر فأحضر

____________

[ (1)] عيون التواريخ 20/ 87، البداية و النهاية 13/ 193، عقد الجمان (1) 122.

[ (2)] العبر 5/ 217، عيون التواريخ 20/ 93، ذيل مرآة الزمان 1/ 12، شذرات الذهب 5/ 264.

[ (3)] عيون التواريخ 20/ 93 و فيه «ابن الأعز»، ذيل مرآة الزمان 1/ 13.

[ (4)] عيون التواريخ 20/ 93.

27

الملك الظّاهر شاذي بن داود، و حلف له أنّه لا يؤذي والده. فسار شاذي إلى أبيه و عرّفه، فقدم دمشق فوجد الملك النّاصر قد أوغر صدره فنزل بتربة والده بقاسيون، و شرط عليه أن لا يركب فرسا. ثمّ أذن له بركوب الخيل بشرط أن لا يدخل البلد و لا يركب في الموكب. و استمرّ ذلك إلى آخر السّنة [ (1)].

[انهدام خانقاه الطاحون بظاهر دمشق‏]

و فيها انهدمت خانقاه الطّاحون بظاهر دمشق، فمات تحت الهدم شيخنا بدر الدين المراغيّ و آخر.

____________

[ (1)] عيون التواريخ 20/ 93، 94، ذيل مرآة الزمان 1/ 13، 14.

28

سنة خمس و خمسين و ستمائة

[موت المعزّ صاحب مصر]

في ربيع الأوّل مات الملك المعزّ أيبك التّركمانيّ صاحب مصر، قتلته زوجته شجر الدّرّ، و سلطنوا بعده ولده المنصور عليّ بن أيبك [ (1)].

[تردّد رسل التتار إلى بغداد]

و فيها تردّدت رسل التّتار إلى بغداد، و كانت الفرامين منهم واصلة إلى ناس من بعد ناس من غير تحاش منهم في ذلك و لا خيفة، و الخليفة و النّاس في غفلة عمّا يراد بهم ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا [ (2)].

[توجيه الهدايا إلى هولاكو]

و في رمضان توجّه الملك العزيز بن السان الملك النّاصر يوسف، و هو صبيّ مع الأمير الزّين الحافظيّ و جماعة بهدايا و تحف إلى هولاكو [ (3)].

____________

[ (1)] تحفة الأحباب للسخاوي 99، نزهة المالك و المملوك، ورقة 102، التحفة الملوكية 39، الجوهر الثمين 2/ 256، أخبار الأيوبيين 165، نهاية الأرب 29/ 456، المختصر في أخبار البشر 3/ 192، الدّرة الزكية 30- 32، تاريخ ابن الوردي 2/ 193، العبر 5/ 220 و 222، النور اللائح و الدرّة الصادح لابن القيسراني (بتحقيقنا) ص 56، دول الإسلام 2/ 159، مرآة الجنان 4/ 136، عيون التواريخ 20/ 106، ذيل مرآة الزمان 1/ 46، البداية و النهاية 13/ 195، ذيل الروضتين 196، أخبار الزمان 295، تاريخ مختصر الدول 260، و ستأتي بقية المصادر عن موت المعزّ في ترجمته في الوفيات (رقم 189)، فاطلبها هناك.

[ (2)] العبر 5/ 220، دول الإسلام 2/ 159، العسجد المسبوك 2/ 625.

[ (3)] العبر 5/ 221.

29

[اختلاف المصريّين‏]

و أمّا المصريّون فاختلفوا و قبض على جماعة منهم و قتل آخرون [ (1)].

[وزارة ابن بنت الأعزّ]

و ولّي الوزارة القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعزّ [ (2)].

[الفتنة بين السّنّة و الشيعة]

و فيها كانت فتنة هائلة ببغداد بين السّنّة و الشّيعة أدّت إلى خراب و نهب، و قتل جماعة من الفريقين، و اشتدّ الأمر، ثمّ بعث الخليفة من سكّن الفتنة [ (3)].

[ظهور طائفة الحيدرية بالشام‏]

و في هذا الوقت ظهر بالشّام طائفة الحيدريّة، يقصّون لحاهم و يلبسون فراجيّ من اللّبّاد و عليهم طراطير، و في رقابهم حلق كبار من حديد. زعموا أنّ الملاحدة أمسكوا شيخهم حيدر و قصّوا ذقنه. و هم يصلّون و يصومون، و لكنّهم قوم منحرفون.

و كان أمر الدّين ضعيفا من أيّام النّاصر بدوران الخمر و الزّنا و كثرة الظّلم و عدم العدل، و ظهور البدع، و غير ذلك [ (4)].

[الوحشة بين الناصر و البحرية]

و فيها وقعت وحشة في نفس الملك النّاصر من البحريّة، و بلغه أنّهم عزموا على الفتك به، فأمرهم بالانتزاح عن دمشق، ففارقوه مغاضبين له و نزلوا غزّة، ثمّ انتموا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، و خطبوا له بالقدس،

____________

[ (1)] السلوك ج 1 ق 2/ 401.

[ (2)] أخبار الأيوبيين 166، نهاية الأرب 29/ 461، الدرّة الزكية 30 (حوادث سنة 654 ه).

و 32، عيون التواريخ 20/ 108، النجوم الزاهرة 7/ 43، ذيل مرآة الزمان 1/ 49، عقد الجمان (1) 158.

[ (3)] العبر 5/ 221، دول الإسلام 2/ 159، البداية و النهاية 13/ 196، تاريخ الخميس 2/ 420، العسجد المسبوك 2/ 621 و 625، عقد الجمان (1) 158.

[ (4)] البداية و النهاية 13/ 196، السلوك ج 1 ق 2/ 407، عقد الجمان (1) 158.

30

و أخذوا حواصل غزّة و القدس. ثمّ حصل الانتصار عليهم فانهزموا إلى البلقاء، ثمّ طمّعوا المغيث في أخذ مصر له، و أنفق فيهم الأموال، و ساروا، فجرت لهم وقعة مع المصريّين فانكسروا و زيّنت مصر [ (1)].

[طمع المغيث في الديار المصرية]

قال ابن واصل [ (2)]: انقاد المغيث للبحريّة و أنزل إليهم بعض عسكره مع أتابكه الطّواشيّ بدر الدين الصّوابيّ الّذي ملّكه الكرك عند قتلة الملك المعظّم ابن الصّالح، فكان الصّالح لمّا تملّكها في آخر أيّامه استناب بها الصّوابيّ، و سيّر إليها خزانة عظيمة من المال، فضيّعه المغيث على البحريّة طمعا في الدّيار المصريّة.

ثمّ سار جيش المغيث إلى مصر فبرز لحربهم جندها فكسروهم، و جرح سيف الدّين الرشيديّ و أسر، فانهزم الصّوابيّ و ركن الدين البندقداريّ و طائفة، و دخل جماعة منهم القاهرة مستأمنين، و كان قد جاء قبلهم عزّ الدين الأخرم فأكرم [ (3)].

[خلعة الخليفة للملك الناصر]

و فيها قدم الشّيخ نجم الدين الباذرائيّ بالخلعة الخليفيّة للملك النّاصر بالسّلطنة فركب بها، و كان يوما مشهودا. فلمّا رجع توجّه معه إلى العراق النّاصر داود في جماعة من أولاده، و كان قد أباعه النّاصر داره المعروفة بدار سامة فصيّرها مدرسة؛ فلمّا وصلوا إلى قرقيسيا أشار الباذرائيّ عليه بالإقامة حتّى يستأذن له. فأقام و لم يجئه إذن، فردّ إلى الشّام، و توجّه في البريّة إلى أن وصل إلى تيه بني إسرائيل و اجتمع إليه العربان [ (4)].

____________

[ (1)] المختصر في أخبار البشر 3/ 193، الدرّة الزكية 30، تاريخ ابن الوردي 2/ 194، العبر 5/ 221، أخبار الأيوبيين 168، الروض الزاهر 59، 60، تاريخ ابن خلدون 5/ 378، ذيل مرآة الزمان 1/ 49، 50، عيون التواريخ 20/ 108، 109، السلوك ج 1 ق 2/ 406، عقد الجمان (1) 156- 158، تاريخ ابن سباط 1/ 372.

[ (2)] في الجزء الضائع من مفرّج الكروب.

[ (3)] ذيل مرآة الزمان 1/ 51، 52، النجوم الزاهرة 7/ 45.

[ (4)] المختصر في أخبار البشر 3/ 193، عيون التواريخ 20/ 110 و وقع فيه: «و قصد فيه بني إسرائيل» ذيل مرآة الزمان 1/ 53، 54، السلوك ج 1 ق 2/ 407.

31

[إغارة التتار على الموصل‏]

و فيها أغارت التّتار على بلاد الموصل و فتكوا [ (1)].

[تصوّف ابن حمّويه‏]

و فيها بطل سعد الدين خضر بن حمّويه و ترك الجنديّة و زالت سعادته و التجأ [ (2)] إلى التصوّف.

[وصف المفاسد بدمشق‏]

قال في «تاريخه»: و لمّا عاندني الدّهر في أموري، و باعد سروري، و كدّر مشاربي، و عسّر مآربي، و انقطعت الأرزاق، و انحلّ كيس الإنفاق، خرجت من مصر، فلمّا حللت بدمشق، مسقط رأسي، وجدتها و قد صوّح واديها، و خلا من الأنيس ناديها، و ارتفعت عنها البركات، و أحيط بها الظّلم و الظّلمات.

و الأسواق كاسدة، و الرّعايا فاسدة. عدم ركبا، و ظهرت الخيانات و شغل المودف، و علت المنكرات، و أحدث من الرسوم ما لم يعهد، و حمّلوا أثقالا مع أثقالهم. إن استغاثوا بالملك أجابهم بالضّرب و الرّدّ، و إن استنجدوا بالوزير عاملهم بالإعراض و الصّدّ، و إن سألوا الحاجب طلب الرّشا بلا حمد.

إلى أن قال: لا يحضرهم أحد على مائدة، و لا يرجع من عندهم بفائدة.

قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم و استوثقوا من رتاج الباب و الدّار، يكذبون و يحلفون، و يغدرون و يخلفون، و على حريم أصحابهم بالفاحشة يحلفون. قد قنع كلّ منهم بلومه، و لفّ ذنبه على خيشومه.

قيل لوزيرهم: إنّا نطيل الجلوس، فلو جعلت علامة لقيامنا. قال: إذا قلت يا غلام هات الغداء فانصرفوا.

و قال صاحب ديوانهم لغلامه: هات غدائي و أغلق الباب. فقال: بل أغلق الباب و أجي‏ء بالطّعام. قال: أنت أحذق منّي، فأنت حرّ لوجه اللَّه بعد موتك.

و حضر شاعر مائدة أكبر أمرائهم فرمى لقمة للهرّ، فقال الأمير: لا

____________

[ (1)] تاريخ الزمان لابن العبري 304.

[ (2)] في الأصل: «و التجى».

32

تطعمها فإنّها هرّة جيراننا.

و من غرائب الظّلم أنّ رجلا جاء بحمل عسل، فأخذ للخوشخاناه، فطولب بمكس [ (1)] العسل، فقال: خذوا من تحت أيديكم. قالوا: ما نعرف ما تقول. فذهب بالبغل يبيعه، فأخذه أمير الإصطبل. و طولب بحقّه في السّوق فقال: أدفعوا لي ثمنه و خذوا حقّكم. قالوا: ما نعلم ما تقول. و حبسوه على مكسه. فكتب إلى أهله. نفّذوا لي دراهم حتّى أستفكّ روحي، فقد راح العسل و البغل، و أنا محبوس على المكس.

و ممّا يناسب هذه الحكاية أنّ امرأة ذهب عنها حليّ بخمسة آلاف فوجده منادي بسوق الرّحبة فردّه عليها، فوهبته خمسمائة درهم فتمنّع و قال: إنّما رددته للَّه. فألزمته فأخذ الدّراهم. فسمع به الوالي فأحضره و أخذ منه الدّراهم و ضربه و قال: ليش ما جيت بالحليّ إلى عندنا؟

ثمّ ذكر كلاما طويلا من هذا النّحو.

[مسير هولاكو إلى بغداد]

و في سنة خمس سار هولاكو من همدان قاصدا بغداد، فأشار ابن العلقميّ الوزير على الخليفة ببذل الأموال و التّحف النّفيسة إليه، فثناه عن ذلك الدّويدار و غيره، و قالوا: غرض الوزير إصلاح حاله مع هولاكو. فأصغى إليهم و بعث هديّة قليلة مع عبد اللَّه ابن الجوزيّ، فتنمّر هولاكو و بعث يطلب الدّويدار و ابن الدّويدار و سليمان شاه فما راحوا. و أقبلت المغل كاللّيل المظلم، و كان الخليفة قد أهمد حال الجند و تعثّروا و افتقروا، و قطعت أخبازهم، و نظم الشّعر في ذلك، فلا قوّة إلّا باللَّه [ (2)].

____________

[ (1)] في الأصل: «فطولب بمسك».

[ (2)] الحوادث الجامعة 154.

33

سنة ست و خمسين و ستمائة

[انهزام المتّفقين على قصد الديار المصرية]

دخلت و الملك النّاصر و البحريّة، و الملك المغيث متّفقون على قصد الدّيار المصريّة و طمعوا فيها لأنّ سلطانها صبيّ، فنزل الملك المغيث على غزّة فخرج الأمير سيف الدّين فظفر بعسكر مصر، و نزل بالعبّاسة لقتال الشّاميّين [ (1)].

ثمّ سار المغيث بالعساكر الشّاميّة، فضرب مع المصريّين رأسا في الرمل، فانكسر و أسرت طائفة من أمرائه، و هم أيبك الرّوميّ، و أيبك الحمويّ، و زكيّ الدين الصّيرفيّ، و ابن أطلس خان الخوارزميّ، فضربت أعناقهم صبرا بين يدي قطز، و دخلوا بالرّءوس إلى القاهرة، و هرب المغيث و أتابكه الصّوابيّ و البندقداريّ في أسوأ حال و أنحسه إلى الكرك [ (2)].

كائنة بغداد [ (3)]

كان هولاكو قد قصد الألموت، و هو معقل الباطنيّة الأعظم و بها المقدّم‏

____________

[ (1)] ذيل مرآة الزمان 1/ 85.

[ (2)] المختصر في أخبار البشر 3/ 195، عيون التواريخ 20/ 135، 136، التحفة الملوكية 40، النجوم الزاهرة 7/ 45، 46.

[ (3)] انظر عن (كائنة بغداد) في:

أخبار الأيوبيين 166، 167، و الحوادث الجامعة 157- 159، و نزهة المالك، ورقة 103، و الدرّة الزكية 34- 36، و دول الإسلام 2/ 159، 160، و مرآة الجنان 4/ 137، 138، و عيون التواريخ 20/ 129- 135، و البداية و النهاية 13/ 200- 203، و ذيل الروضتين 198، 199، و تاريخ الخميس 2/ 420- 422، و الفخري 334- 336، و مختصر التاريخ لابن الكازروني 268- 274، و مذكرات جوانقيل 255، و تاريخ الزمان 307- 309، و تاريخ مختصر الدول 269- 272، و المختصر في أخبار البشر 3/ 193، 194، و العبر 5/ 225، 226، و المختار من تاريخ ابن الجزري 244، 245، و جامع التواريخ ج 2 ق 2/ 292- 294، و ذيل مرآة الزمان 1/ 85- 89، و تاريخ ابن الوردي 2/ 195- 197، و درّة الأسلاك (مخطوط) 1/ ورقة 15، 16، و تاريخ ابن خلدون 3/ 537، و مآثر الإنافة 2/ 90- 92، و العسجد المسبوك 2/ 630- 635، و نهاية الأرب 27/ 380- 383، و السلوك ج 1 ق 2/ 409، 410، و عقد الجمان (1) 167- 176، و تاريخ ابن سباط 1/ 373- 376، و شذرات الذهب 5/ 270، 271، و تاريخ الأزمنة 237، 239، و بدائع الزهور ج 1 ق 2/ 297، و التحفة الملوكية 41، و الجوهر الثمين 1/ 220- 223، و أخبار الدول لابن القرماني (طبعة بيروت) 2/ 195- 197، و دول الإسلام الشريفة البهية و ذكر ما ظهر لي من حكم اللَّه‏

34

علاء الدين محمد بن جلال الدين حسن المنتسب إلى نزار ابن المستنصر بن الظّاهر بن الحاكم العبيديّ الباطنيّ، فتوفّي علاء الدين و قام بعده ابنه شمس الشّموس، فنزل إلى هولاكو بإشارة النّصير الطّوسيّ عليه، و كان النّصير عنده و عند أبيه من قبل، فقتل هولاكو شمس الشّموس و أخذ بلاده و أخذ الروم، و أبقى بها ركن الدين ابن غياث الدين كيخسرو صورة بلا معنى، و الحكم و التصرّف لغيره.

و كان وزير العراق مؤيّد الدين ابن العلقميّ رافضيّا جلدا خبيثا داهية، و الفتن في استعار بين السّنّة و الرّافضة حتّى تجالدوا بالسّيوف، و قتل جماعة من الرّوافض و نهبوا، و شكا أهل باب البصرة إلى الأمير ركن الدين الدّويدار و الأمير أبي بكر ابن الخليفة فتقدّما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموه و نهبوا و قتلوا، و ارتكبوا من الشّيعة العظائم، فحنق الوزير و نوى الشّرّ، و أمر أهل الكرخ بالصّبر و الكفّ [ (1)].

و كان المستنصر باللَّه قد استكثر من الجند حتّى بلغ عدد عساكره مائة ألف فيما بلغنا، و كان مع ذلك يصانع التّتار و يهاديهم و يرضيهم. فلمّا استخلف المستعصم كان خليّا من الرّأي و التّدبير، فأشير عليه بقطع أكثر الجند، و أنّ مصانعة التّتار و إكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك [ (2)].

و أمّا ابن العلقميّ فكاتب التّتار و أطمعهم في البلاد، و أرسل إليهم غلامه و أخاه، و سهّل عليهم فتح العراق [ (3)]، و طلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك‏

____________

[ ()] الخفية في جلب طائفة الأتراك إلى الديار المصرية للمقدسي (من علماء القرن التاسع) مخطوطة دار الكتب المصرية، رقم 1033 تاريخ، ورقة 22، 23، و تاريخ الخلفاء 471، و النجوم الزاهرة 7/ 48- 53، و تحقيق النصرة للمراغي 70، و تالي وفيات الأعيان، و منتخب الزمان في تاريخ الخلفاء و العلماء و الأعيان، لأحمد بن علي المغربي الحريري (كتبه سنة 926 ه.)- مخطوطة سوهاج بمصر، رقم 86 تاريخ ورقة 346.

[ (1)] أخبار الأيوبيين 167، المختصر في أخبار البشر 3/ 193، تاريخ ابن الوردي 2/ 195.

[ (2)] فصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس. (المختصر في أخبار البشر 3/ 194) و (تاريخ ابن الوردي 2/ 196).

[ (3)] أخبار الأيوبيين 167 و فيه يقول جرجس ابن العميد و هو مؤرّخ نصراني: «و كان الوزير يميل إلى العلوية فشقّ عليه هذا الأمر إلى الغاية فكتب إلى هولاوون بأن يصل إلى بغداد و يأخذها، و هذا أمر مشهور»، المختصر في أخبار البشر 3/ 193، تاريخ ابن الوردي 2/ 196.

35

و تأهّبوا لقصد بغداد، و كاتبوا صاحب الموصل لؤلؤ في تهيئة الإقامات و السّلاح. فأخذ يكاتب الخليفة سرّا و يهيّئ لهم الآلات و الإقامات. و كان الوزير هو الكلّ، و كان لا يوصل مكاتبات صاحب الموصل و لا غيره إلى الخليفة و إن وصلت سرّا إلى الخليفة أطلع عليها ابن العلقميّ و ردّ الأمر إليه [ (1)].

و كان تاج الدين ابن صلايا نائب إربل يحذّر الخليفة و يحرّك عزمه، و الخليفة لا يتحرّك و لا يستيقظ. فلمّا تحقّق حركة التّتار نحوه سيّر إليهم شرف الدين ابن محيي الدين ابن الجوزيّ رسولا يعدهم بأموال عظيمة، ثمّ سيّر مائة رجل إلى الدّربند يكونون فيه و يطالعون الأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبر لأنّ الأكراد الّذين هناك دلّوا التّتار عليهم فقتلوهم أجمعين فيما قيل [ (2)].

و ركب هولاكو إلى العراق، و كان على مقدّمته باجونوين [ (3)] و في جيشه خلق من الكرخ و من عسكر بركة ابن عمّ هولاكو، و مدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصّالح ركن الدين إسماعيل. و أقبلوا من جهة البرّ الغربيّ عن دجلة، فخرج عسكر بغداد و عليهم ركن الدين الدّويدار، فالتقاهم يوم تاسوعاء على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديّون بعد أن قتلوا عددا كثيرا من العدوّ، و أخذتهم السّيوف و غرق بعضهم في الماء، و هرب الباقون.

ثمّ ساق باجونوين فنزل القريّة مقابل دار الخلافة و بينه و بينها دجلة.

و قصد هولاكو بغداد من جهة البرّ الشّرقيّ، ثمّ إنّه ضرب سورا على عسكره و أحاط ببغداد. فأشار الوزير على المستعصم بمصانعتهم و قال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصّلح. فخرج و توثّق لنفسه من التّتار و ردّ إلى الخليفة و قال: إنّ الملك قد رغب في أن يزوّج بنته بابنك الأمير أبي بكر و يبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، و لا يؤثر إلّا أن تكون الطّاعة له كما كان أجدادك مع السّلاطين السّلجوقيّة، و ينصرف عنك بجيوشه فيجيبه مولانا إلى هذا فإنّ فيه حقن دماء المسلمين، و يمكن بعد ذلك أن يفعل‏

____________

[ (1)] العبر 5/ 225.

[ (2)] تاريخ ابن الوردي 2/ 196، مرآة الجنان 4/ 138.

[ (3)] في العبر 5/ 225 «ناجوانوين». و المثبت هو الصحيح.

36

ما يريد. و الرأي أن تخرج إليه.

فخرج في جماعة من الأعيان إلى هولاكو فأنزل في خيمة. ثمّ دخل الوزير فاستدعى الفقهاء و الأماثل، ليحضروا العقد يعني. فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم، و صار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم. ثمّ مدّ الجسر و بكّر باجونوين و من معه فبذلوا السّيف في بغداد، و استمرّ القتل و السّبي في بغداد بضعا و ثلاثين يوما [ (1)]، و لم ينج إلّا من اختفى. فبلغنا أنّ هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف و ثمانمائة ألف و كسر.

و الأصحّ أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف [ (2)]. ثمّ نودي بعد ذلك بالأمان، و ظهر من كان قد تخبّأ و هم قليل من كثير [ (3)].

فممّن هلك في وقعة بغداد الخليفة، و ابناه أحمد و أبو [ (4)] بكر [ (5)]، و ابن الجوزيّ و أولاده الثّلاثة، و الرّكن محمد بن محمد بن سكينة كهلا، و كبير الشّافعية شهاب الدين محمود بن أحمد الزّنجانيّ، و القدوة الشّيخ عليّ الخبّاز، و الأديب نحويّ النّظاميّة جمال الدين عبد اللَّه بن خنقز، و شيخ الخليفة صدر الدين عليّ بن النيّار [ (6)]، و قريبه عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، و العدل عبد اللَّه بن عساكر البعقوبيّ، و الشّرف محمد بن سكينة أخو الركن، و العدل عبد الوهّاب بن الصّدر عبد الرحيم بن عبد الوهّاب بن سكينة و أخوه عبد الرحمن، و يحيى بن سعد البرديّ العدل، و والد الرشيد بن أبي القاسم، و عبد القاهر بن محمد بن الفوطيّ كاتب ديوان العرض.

و فيها مات: عليّ بن الأخضر، و الشّاعر عليّ الرّصافيّ، و حسين بن داود الواسطيّ المحدّث، و عمر بن دهمان المحدّث قتلا، و أحمد بن مسعود البعليّ الجبيليّ، و عبد اللَّه بن ياسر البعليّ، و والد الشّيخ عليّ البندنيجيّ العدل،

____________

[ (1)] في الأصل:، «بضع»، و في تاريخ ابن الوردي 2/ 197: دام القتل و النهب أربعين يوما.

[ (2)] الحوادث الجامعة 159.

[ (3)] العبر 5/ 225، 226.

[ (4)] في الأصل: «و أبي».

[ (5)] الموجود في الحوادث الجامعة 158 قتلوا ولده أحمد، و ولده الآخر عبد الرحمن و كنيته أبو الفضل. و قد ورد ذكر ولده أبي بكر في: المختار من تاريخ ابن الجزري 245.

[ (6)] في الأصل: «البيار»، و التصحيح من: الحوادث الجامعة 158، و عيون التواريخ 20/ 135.

37

و محمد بن الهيثميّ، و العدل عليّ بن أبي البدر.

و أمّا الوزير ابن العلقميّ فلم يتم [له‏] ما أراد، و ما اعتقد أنّ التّتر يبذلون السيف مطلقا، فإنّه راح تحت السّيف الرّافضة و السّنّة و أمم لا يحصون، و ذاق الهوان و الذّلّ من التّتار، و لم تطل أيّامه بعد ذلك.

ثمّ ضرب هولاكو عنق باجونوين لأنّه بلغه عنه أنّه كاتب الخليفة و هو في الجانب الغربيّ.

و أمّا الخليفة فقتل خنقا، و قيل: غمّ في بساط، و قيل: رفسوه حتى مات [ (1)]. و قتل الأمير مجاهد الدّين الدّويدار، و الشّرابيّ، و الأستاذ دار محيي الدّين ابن الجوزيّ و والداه، و سائر الأمراء و الحجّاب و الكبار.

و قالت الشّعراء قصائد في مراثي بغداد و أهلها و تمثّل بقول سبط التّعاويذيّ:

بادت و أهلوها معا فبيوتهم* * * ببقاء مولانا الوزير خراب [ (2)]

و كانت كسرة عسكر الخليفة يوم عاشوراء، و نزل هولاكو بظاهر بغداد في الرابع عشر من المحرّم، و بقي السّيف يعمل فيها أربعة و ثلاثين يوما.

و بلغنا أنّ آخر جمعة خطب فيها الخطيب ببغداد كانت الخطبة «الحمد للَّه الّذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، و حكم بالفناء على أهل هذه الدّار».

و كان السّيف يعمل في الجمعة الأخرى، فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون.

اللَّهمّ أجرنا في مصيبتنا الّتي لم يصب الإسلام و أهله بمثلها.

و لتقيّ الدّين إسماعيل بن أبي اليسر قصيدة مشهورة في بغداد، هي:

لسائل الدّمع عن بغداد أخبار* * * فما وقوفك و الأحباب قد ساروا

____________

[ (1)] انظر عن (مقتل المستعصم باللَّه) في: نزهة المالك و المملوك، ورقة 103، الحوادث الجامعة 158، أخبار الأيوبيين 166، 167، المختصر في أخبار البشر 3/ 194، العبر 5/ 231، دول الإسلام 2/ 160، مختصر التاريخ 273.

[ (2)] البيت في: تاريخ الخلفاء، 472، و أخبار الدول 2/ 198، و تحقيق النصرة 70، و شذرات الذهب 5/ 271.

38

يا زائرين [ (1)] إلى الزّوراء لا تفدوا [ (2)]* * * فما بذاك الحمى و الدّار ديّار

تاج الخلافة و الرّبع الّذي شرفت* * * به المعالم قد عفّاه إقفار [ (3)]

أضحى لعصف البلى في ربعه أثر* * * و للدّموع على الآثار آثار

يا نار قلبي من نار لحرب و غى* * * شبّت عليه و وافى الرّبع إعصار

علا الصّليب على أعلى منابرها* * * و قام بالأمر من يحويه زنّار

و كم حريم سبته التّرك غاصبة* * * و كان من دون ذاك السّتر أستار

و كم بدور على البدريّة [ (4)] انخسفت* * * و لم يعد لبدور الحيّ إبدار

و كم ذخائر أضحت و هي شائعة* * * من النّهّاب و قد حازته كفّار

و كم حدود أقيمت من سيوفهم* * * على الرّقاب و حطّت فيه أوزار

ناديت و السّبي مهتوك تجرّهم [ (5)]* * * إلى السّفاح من الأعداء ذعّار [ (6)]

و هم يساقون للموت الّذي شهدوا* * * النّار يا ربّ من هذا و لا العار

و اللَّه يعلم أنّ القوم أغفلهم* * * ما كان من نعم فيهنّ إكثار

فأهملوا جانب الجبّار إذ غفلوا* * * فجاءهم من جنود الكفر جبّار

يا للرجال بأحداث يحدّثنا* * * بما غدا فيهم إعذار و إنذار

من بعد أسر بني العبّاس كلّهم* * * فلا أنار لوجه الصّبع إسفار

ما راق لي قطّ شي‏ء بعد بينهم* * * إلّا أحاديث أرويها و آثار

لم يبق للدّين و الدّنيا و قد ذهبوا* * * شوق لمجد و قد بانوا و قد باروا

إنّ القيامة في بغداد قد وجدت* * * و حدّها حين للإقبال إدبار

آل النبيّ و أهل العلم قد سبيوا [ (7)]* * * فمن ترى بعدهم يحويه أمصار

____________

[ (1)] في أخبار الدول 2/ 199: «يا سائرين».

[ (2)] في أخبار الدول: «لا تعدوا».

[ (3)] حتى هنا في أخبار الدول 2/ 199.

[ (4)] البدرية: نسبة إلى بدر مولى المعتضد، و المراد بها قصر المنصور. (انظر تاريخ بغداد 1/ 108).

[ (5)] في تاريخ الخلفاء «تجربهم».

[ (6)] حتى هنا في تاريخ الخلفاء 472، 473، و شذرات الذهب 5/ 271، 272.

[ (7)] هكذا في الشعر، و هو خطأ.

39

ما كنت آمل أن أبقى و قد ذهبوا* * * لكن أتت [ (1)] دون ما اختار أقدار [ (2)]

في أبيات أخر، و جملتها ستّة و ستّون بيتا.

قال ابن الكازرونيّ [ (3)] و غيره: ما زالوا في قتل و سبي و تعذيب عظيم لاستخراج الأموال مدّة أربعين يوما، فقتلوا النّساء و الرجال و الأطفال أهل البلد و أهل سائر القرى ما عدا النّصارى، عيّن لهم شحاني حرسوهم، و انضمّ إليهم خلق فسلموا. و كان ببغداد عدّة من التّجّار سلموا لفرمانات و التجأ [ (4)] إليهم خلق، و سلم من بدار ابن العلقميّ، و دار ابن الدّامغانيّ صاحب الدّيوان و دار ابن الدّواميّ الحاجب، و ما عدا ذلك ما سلم إلّا من اختفى في بئر أو قناة، و أحرق معظم البلد.

و كانت القتلى في الطّرق كالتّلول. و من سلم و ظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفا و جوعا و بردا.

و سلم أهل الحلّة و الكوفة. أمّنهم القان، و بعث إليهم شحاني. و سلمت البصرة و بعض واسط. و وقع الوباء فيمن تخلّف، فلا حول و لا قوة إلّا باللَّه.

[وقعة المغيث مع المصريين‏]

و فيها كانت وقعة الملك المغيث مع المصريّين فانكسر كما ذكرنا، و هرب هو و بدر الدّين الصّوابيّ و البندقداريّ الّذي تسلطن، فوصلوا إلى أسوأ حال [ (5)].

و أمّا مصر فزيّنت في ربيع الآخر للنّصر، و عاشت البحريّة بعد الكسرة و أفسدوا، فجهّز لحربهم الملك النّاصر محيي الدّين ابن أبي زكري و نور الدّين عليّ بن الأكتع فالتقوا على غزّة، فانتصرت البحريّة و أسروا الأميرين‏

____________

[ (1)] في النجوم «أبي».

[ (2)] الأبيات في النجوم الزاهرة 7/ 51، 52.

[ (3)] قوله ليس في مختصر التاريخ، و فيه رواية مختلفة.

[ (4)] في الأصل: «و التجى».

[ (5)] تقدّم هذا الخبر في حوادث سنة 655 ه.

40

و حملوهما [ (1)] إلى الكرك، و قويت شوكتهم [ (2)]، فبرز دهليز الملك النّاصر، و عزم على قتالهم بنفسه، فقربت البحريّة من دمشق، فهجم ركن الدّين البندقداريّ في بعض الأيّام على الدّهليز و هو عند الجسورة، و قطع أطناب الدّهليز [ (3)].

[خيانة ابن العلقميّ‏]

و ولّى هولاكو على العراق نوّابه. و عزم ابن العلقميّ على أن يحسّن لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفة علويا فلم يتهيّأ ذلك له، و اطّرحته التّتار، و بقي معهم على صورة بعض الغلمان، ثمّ مات كمدا لا (رحمه اللَّه)، و لا خفّف عنه [ (4)].

[قتل ابن صلايا]

و سار هولاكو قاصدا إلى أذربيجان فنزل إليه بدر الدّين صاحب الموصل، فأكرمه و ردّه إلى الموصل، و نزل إليه تاج الدّين ابن صلايا فقتله، فقيل إنّ صاحب الموصل كان في نفسه من ابن صلايا فقال لهولاكو: هذا شريف علويّ، فربّما تطاول إلى الخلافة، و تقوم معه خلق. فلهذا قتله هولاكو. و لم تطل لصاحب الموصل بعد ذلك حياة [ (5)].

[محاصرة التتار ميّافارقين‏]

و فيها جاءت فرقة من التّتار فنازلت ميّافارقين فحصروها [ (6)].

____________

[ (1)] في الأصل: «و حملوها» و هو سهو.

[ (2)] المختصر في أخبار البشر 3/ 197.

[ (3)] البداية و النهاية 13/ 204، أخبار الأيوبيين 168، ذيل مرآة الزمان 1/ 90، 92، المختصر في أخبار البشر 3/ 195، تاريخ ابن الوردي 2/ 198، عيون التواريخ 20/ 135، عقد الجمان (1) 181، النجوم الزاهرة 7/ 45، 46، و 47، تاريخ ابن سباط 1/ 377، الروض الزاهر 57، السلوك ج 1 ق 2/ 411.

[ (4)] ذيل مرآة الزمان 1/ 90، 91، تاريخ الخلفاء 473، شذرات الذهب 5/ 272.

[ (5)] ذيل مرآة الزمان 1/ 91.

[ (6)] الحوادث الجامعة 164 (حوادث سنة 657 ه.)، أخبار الأيوبيين 167، المختصر في أخبار البشر 3/ 196، 197، تاريخ ابن الوردي 2/ 199، نهاية الأرب 27/ 383، تاريخ مختصر

41

[كتاب هولاكو إلى صاحب الشام‏]

و فيها جاءت رسل قاءان من بلاد ما وراء النّهر و رسل هولاكو إلى صاحب الشّام، فصورة كتاب هولاكو: «يعلم سلطان ملك ناصر- طال بقاؤه- إنّه لمّا توجّهنا إلى العراق و خرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف اللَّه تعالى، ثمّ خرج إلينا رؤساء البلد و مقدّموها، فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوسهم يستحقّ الإذلال [ (1)]، فأعدمناهم أجمعين، و ذلك بما قدّمت أيديهم و بما كانوا يكسبون. و أمّا ما كان من صاحب البلدة، فإنّه خرج إلى خدمتنا، و دخل تحت عبوديّتنا، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحقّ الإعدام. و كان كذبه ظاهرا، و وجدوا ما عملوا حاضرا. أجب ملك البسيطة، و لا تقولنّ: قلاعي المانعات و رجالي المقاتلات. و لقد بلغنا أنّ شذرات [ (2)] من العسكر التجأت إليك هاربة، و إلى جنابك لائذة.

أين المفرّ و لا مفرّ لهارب* * * و لنا البسيطان الثّرى و الماء

فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشّام سماها أرضا، و طولها عرضا. و السّلام.

و من كتاب ثان: «خدمة ملك ناصر- طال عمره-، أمّا بعد، فإنّا فتحنا بغداد و استأصلنا. ملكها و ملكها، و كان ظنّ و قد ضنّ [ (3)] بالأموال، و لن ينافس في الرجال أن ملكه يبقى على ذلك الحال، و قد علا ذكره، و نما [ (4)] قدره، فخسف في الكمال بدره.

إذا تمّ أمر بدا نقصه* * * توقّع زوالا إذا قيل تمّ‏

و نحن في طلب الازدياد، على ممرّ الآباد، فلا تكن كالّذين نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم، و أبد ما في نفسك، إمّا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

____________

[ ()] الدول 277، تاريخ الزمان 314، البداية و النهاية 13/ 215، تاريخ ابن سباط 1/ 379، 380، الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 489، 490، 500- 504، ذيل مرآة الزمان 1/ 91.

[ (1)] في تاريخ الخلفاء 473: «تستحق الإهلاك».

[ (2)] في تاريخ الخلفاء 473: «شذرة».

[ (3)] في تاريخ الخلفاء 474: «و قد فتن».

[ (4)] في تاريخ الخلفاء 474: «نمى».

42

أجب ملك البسيطة تأمن شرّه، و تنال برّه، و أسع إليه برجالك و أموالك، و لا تعوّق رسولنا [ (1)]، و السّلام».

[قدوم الملك الكامل إلى دمشق و عوده‏]

و في صفر قدم دمشق الملك الكامل بن المظفّر بن العادل يستنجد الإسلام على التّتار، فتباشروا للنّاس شيئا، و دخل البلد و زار قبر جدّه، ثم ردّ إلى بلاده و لم ينفر أحد لتيقّن النّاس بأخذ بغداد [ (2)].

[وصول فرسان من العراق إلى دمشق‏]

و وصل نحو خمسمائة فارس من عسكر العراق، ذكروا أن التّتار حالوا بينهم و بين بغداد. ثمّ جاء بعدهم نحو الثلاثمائة إلى دمشق.

[اشتداد الوباء بالشام‏]

و في أثناء السّنة اشتدّ الوباء بالشام [ (3)] و مات خلق بحيث أنّه قيل إنّه خرج من حلب في يوم واحد ألف و مائتا جنازة [ (4)].

و أمّا دمشق فكان فيها من المرض ما لا يحدّ و لا يوصف [ (5)]، و استغنى العطّارون. و نفدت الأدوية، و عزّ الأطبّاء إلى الغاية، و أبيع الفرّوج بدمشق بثلاثة دراهم، و بحلب بعشرة دراهم. و مبدأ الوباء في جمادى الأولى لفساد الهواء بملحمة بغداد [ (6)].

____________

[ (1)] في تاريخ الخلفاء 474: «رسلنا».

[ (2)] الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 484، 485، ذيل مرآة الزمان 1/ 91.

[ (3)] العبر 5/ 226، النجوم الزاهرة 7/ 60.

[ (4)] و قال أبو الفداء: «اشتد الوباء بالشام خصوصا بدمشق حتى لم يوجد مغسّل للموتى».

(المختصر في أخبار البشر 3/ 197) و (تاريخ ابن الوردي 2/ 199) و تاريخ ابن سباط 1/ 378، و ذيل الروضتين 200، و ذيل مرآة الزمان 1/ 91، و عيون التواريخ 20/ 142، عقد الجمان (1) 183.

[ (5)] السلوك ج 1 ق 2/ 410.

[ (6)] و قال اليونيني: «و بيع الرطل الدمشقيّ من التمر الهندي بستين درهما و الحزّة من البطّيخ الأخضر بدرهم». (ذيل مرآة الزمان 1/ 91)، و انظر: السلوك ج 1 ق 2/ 409 و 410.

43

سنة سبع و خمسين و ستمائة

[القبض على البحرية بحلب‏]

في أوّلها سار الملك النّاصر متّبعا آثار البحريّة، فاندفعوا بين يديه إلى الكرك، فنزل بركة زيزا، و عزم على حصار الكرك، و في خدمته صاحب حماه الملك المنصور، فجاءت إليه رسل المغيث مع الدّار القطبيّة، و هي ابنة الملك الأفضل قطب الدّين ابن العادل يضرعون إليه في الرّضا عن المغيث، فشرط عليهم أن يقبض على من عنده من البحريّة، فأجاب و نفّذهم إليه على الجمال، فبعثهم إلى قلعة حلب فحبسوا بها [ (1)].

[دخول البندقداري في خدمة الناصر]

و أمّا ركن الدّين البندقداريّ فهرب من الكرك في جماعة، و قدم على الملك النّاصر، فأحسن إليهم و صفح عنهم، و رجع و في خدمته البندقداريّ [ (2)].

[أخذ هولاكو قلعة اليمانية]

و فيها نزل هولاكو على آمد، و بعث رسله إلى صاحب ميّافارقين [ (3)].

____________

[ (1)] تاريخ ابن الوردي 2/ 201، ذيل مرآة الزمان 1/ 342، عقد الجمان (1) 182.

[ (2)] أخبار الأيوبيين 169، المختصر في أخبار البشر 3/ 198، الدرّة الزكية 38، عيون التواريخ 20/ 213، ذيل مرآة الزمان 1/ 342، الروض الزاهر 61، السلوك ج 1 ق 2/ 415، النجوم الزاهرة 7/ 53.

[ (3)] في العبر 5/ 238 بعث رسله إلى صاحب ماردين. و في دول الإسلام 2/ 168 «و بعث إليه صاحب ماردين»، و في عيون التواريخ 20/ 213 و بعث رسله إلى الملك السعيد نجم الدين صاحب ماردين، و في تاريخ الخميس 2/ 422 «نزل هولاكو على آمد و بعث إليه صاحب‏

44

الملك السّعيد نجم الدّين يطلبه، فسيّر إليه ولده الملك المظفّر في خدمته سابق الدّين بلبان، و القاضي مهذّب الدّين محمد بن مجلي، و معهم تقادم، و اعتذر بالمرض به فوافق وصولهم إليه أخذه لقلعة اليمانيّة [ (1)] و إنزاله منها حريم الملك الكامل صاحب ميّافارقين، و ولده الملك النّاصر يوسف بن الكامل، و الملك السّعيد عمر، و ابن أخيه الملك الأشرف أحمد، و الملك الصّالح أيّوب بن الملك المشمّر ابن تاج الملوك عليّ بن العادل. فلمّا رآهم ابن صاحب ماردين جزع و أدّى الرسالة فقيل له: ليس مرضه بصحيح و إنّما هو، متمارض محافظة للملك النّاصر صاحب الشّام، فإن انتصرت عليه اعتذر إليّ بزيادة المرض، و إن انتصر عليّ بقيت له يد بيضاء عند النّاصر، فلو كان للنّاصر قوة يدفعني لما مكّنني من دخول هذه البلاد، و قد بلغني أنّه بعث حريمه و حريم أمرائه و كبراء رعيّته إلى مصر، و لو نزل صاحبكم إليّ رعيت له ذلك.

ثمّ أمر بردّ القاضي وحده، فعاد و أخبر مخدومه بصورة الحال، فتألّم على إرساله ولده، و بعث رسولا إلى الملك النّاصر يستحثّه على الحركة، و يعرّفه أنّه متى وصل إلى حلب قدم إليه برجاله و أمواله. و سيّر في الظّاهر إلى هولاكو بهديّة، و في الباطن إلى ولده يحرّضه على الهروب. و سيّر إلى صاحبي الرّوم عزّ الدّين و ركن الدّين ينكر عليهما كونهما في خدمة هولاكو، و يقول:

إن بقّى عليكما فإنّما ذلك ليغر الملك النّاصر، فأعملا الحيلة في الانفصال عنه، و الحذر منه [ (2)].

[الخوف من التتار بالشام‏]

و في أواخر السّنة وقعت الأراجيف بحركة التّتار نحو الشّام فانجفل الخلق [ (3)].

____________

[ ()] ماردين بالتقادم على ولده»، و مثله في: الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 559.

[ (1)] في الأصل: «الثمانية»، و التصحيح من: الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 559، و ذيل مرآة الزمان 1/ 343، و النجوم الزاهرة 7/ 54.

[ (2)] عيون التواريخ 20/ 213، 214، و الخبر كما هنا في: الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 559- 561، و ذيل مرآة الزمان 1/ 342- 344، النجوم الزاهرة 7/ 54.

[ (3)] الدرّة الزكية 44، العبر 5/ 238، عيون التواريخ 20/ 214، ذيل الروضتين 203، الروض الزاهر 61.

45

[رأي العزّ بن عبد السلام في جهاد التتار]

و في آخرها قبض الأمير سيف الدّين قطز المعزيّ على ابن أستاذه الملك المنصور عليّ بن المعزّ، و تسلطن و لقّب بالملك المظفّر. و سبب ذلك قدوم الصّاحب كمال الدّين ابن العديم رسولا يطلب النّجدة على التّتار [ (1)]، فجمع قطز الأمراء و الأعيان، فحضر الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام و القاضي بدر الدّين السّنجاريّ، و جلس الملك المنصور في دست السّلطنة، فاعتمدوا على ما يقوله الشّيخ عزّ الدّين، فكان خلاصته: إذا طرق العدوّ البلاد وجب على العالم كلّهم قتالهم، و جاز أن يؤخذ من الرّعيّة ما يستعان به على جهادهم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شي‏ء، و أن تبيعوا ما لكم من الحوائص و الآلات، و يقتصر كلّ منكم على فرسه و سلاحه، و يتساووا في ذلك هم و العامّة. و أمّا أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال و الآلات الفاخرة فلا [ (2)].

[سلطنة قطز]

ثمّ بعد أيام يسيرة قبض على المنصور و قال: هذا صبيّ و الوقت صعب، و لا بدّ من أن يقوّم رجل شجاع ينتصب للجهاد [ (3)].

و كان الأميران علم الدّين الغتمي [ (4)] و سيف الدّين بهادر المعزّيّين حين جرى هذا المجلس غائبين لرمي البندق، فاغتنم قطز غيبتهما و تسلطن، فلمّا حضرا قبض عليهما، و سيّر القاضي برهان الدّين السّنجاريّ مع ابن العديم إلى‏

____________

[ (1)] عيون التواريخ 20/ 214.

[ (2)] البداية و النهاية 13/ 215، السلوك ج 1 ق 2/ 416، 417، تاريخ الخلفاء 475، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 301، 302.

[ (3)] نزهة المالك و المملوك، ورقة 102، تاريخ الدولة التركية، ورقة 5 أ، المختصر في أخبار البشر 3/ 199، مرآة الجنان 4/ 148، عيون التواريخ 20/ 214، البداية و النهاية 13/ 216، ذيل الروضتين 203، تاريخ الخميس 2/ 422، جامع التواريخ 300، التحفة الملوكية 42، الجوهر الثمين 2/ 57، 58، السلوك ج 1 ق 2/ 417، عقد الجمان (1) 220، تاريخ الخلفاء 475، النجوم الزاهرة 7/ 72، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 302.

[ (4)] في عقد الجمان (1) 220 «العتمي» بالعين المهملة.

46

الشّام يعد النّاصر بالنّجدة [ (1)].

[خوف الناصر من التتار و جبنه‏]

و برز الملك النّاصر و العساكر فنزلوا على برزة شماليّ دمشق، و اجتمع له عسكر كبير و تركمان و أتراك و عجم و مطوّعة. ثمّ رأى تخاذل عسكره و أنّه لا طاقة له بالتّتار لكثرتهم فخاف و جبن. و كان قد صادر النّاس و جبى الأموال و ما نفع [ (2)].

[نكبة الحلبيّين أمام التتار]

و فيها عبر هولاكو بجيش عظيم الفرات بعد أن استولى على حرّان، و الرّها، و الجزيرة، و أوّل من عدّى أشموط [ (3)] بن هولاكو في ذي الحجّة.

فجاء الخبر من البيرة إلى حلب و النّائب بها الملك المعظّم توران شاه، فجفل النّاس منها، و عظم الخطب، و عمّ البلاء [ (4)].

و كانت حلب في غاية الحصانة و حسن الأسوار المنيعة و قلعتها كذلك و أبلغ. فلمّا كان في العشر الأخير من ذي الحجّة قصدت التتار حلب و نزلوا على حيلان [ (5)] و تلك النّواحي، ثمّ بعثوا طائفة من عسكرهم فأشرفوا على‏

____________

[ (1)] المختصر في أخبار البشر 3/ 199، تاريخ ابن الوردي 2/ 202، تاريخ ابن سباط 1/ 381، السلوك ج 1 ق 2/ 417، النجوم الزاهرة 7/ 73.

[ (2)] عيون التواريخ 20/ 214، البداية و النهاية 13/ 216، تاريخ الزمان 315، الروض الزاهر 61، 62، عقد الجمان (1) 219، النجوم الزاهرة 7/ 74، شذرات الذهب 5/ 287، 288.

[ (3)] في المختصر في أخبار البشر 3/ 199 «سموط» بحذف الألف، و السين المهملة. و مثله في:

تاريخ ابن الوردي 2/ 202، و المثبت يتفق مع: العبر 5/ 238، و عيون التواريخ 20/ 214، و البداية و النهاية 13/ 215، و في الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 498 «يشموط»، و عقد الجمان (1) 218 «شموط»، و في مآثر الإنافة 2/ 103 «سموط». و المثبت يتفق مع: النجوم الزاهرة، و شذرات الذهب.

[ (4)] أخبار الأيوبيين 171، نهاية الأرب 29/ 384، جامع التواريخ م 2 ق 2/ 9 و ج 1/ 305- 308، ذيل مرآة الزمان 1/ 375- 377، تاريخ الخميس 2/ 422، تاريخ مختصر الدول 279، السلوك ج 1 ق 2/ 420، تاريخ الخلفاء 475، النجوم الزاهرة 7/ 74، شذرات الذهب 5/ 288.

[ (5)] حيلان: قرية من قرى حلب. (معجم البلدان 2/ 382) و في الأصل: «جيلان» بالجيم، و مثله في: شذرات الذهب 5/ 288.

47

المدينة، فخرج إليهم عسكر المدينة و معهم خلق من المطوّعة، فساروا فرأوا التّتار، فلمّا تحقّقوا كثرتهم كرّوا راجعين. و أمر نائب حلب أن لا يخرج بعد ذلك أحد [ (1)]، و كتب يستحثّ الملك النّاصر في الكشف عنهم. فلمّا كان من الغد رحل التّتار عن منزلتهم و نازلوا حلب، و اجتمع عسكر البلد بالبواشير و إلى ميدان الحصا، و أخذوا في إجالة الرأي، فأشار عليهم نائب السّلطنة أن لا يخرجوا، فلم يوافقه العسكر، و خرجوا و معهم العوامّ و الشّطّار، و اجتمعوا بجبل بانقوسا، و وصل جمع التّتار إلى ذيل الجبل، فحمل عليهم جماعة من العسكر فانهزم التّتار مكيدة، فتبعوهم ساعة، ثمّ كثرت التّتار عليهم، فهربوا إلى أصحابهم، ثمّ انهزم الجميع لمّا رأوا التّتار مقبلين، فركبت التّتار ظهورهم يقتلون فيهم. و قتل يومئذ الأمير علم الدّين زريق العزيزيّ و نازلت التّتار البلد في ذلك اليوم، ثمّ رحلوا عنها طالبين إعزاز، فتسلّموها بالأمان [ (2)].

و خرجت السّنة و النّاس في أمر عظيم من الخوف و الجلاء و الحيرة [ (3)].

____________

[ (1)] النجوم الزاهرة 7/ 75.

[ (2)] المختصر في أخبار البشر 3/ 199، 200، تاريخ ابن الوردي 2/ 202، عيون التواريخ 20/ 215، تاريخ مختصر الدول 279، 280، أخبار الأيوبيين 171، الدرّة الزكية 44، الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 3/ 561، مآثر الإنافة 2/ 103، 104، السلوك ج 1 ق 2/ 419، عقد الجمان (1) 218، النجوم الزاهرة 7/ 76، تاريخ ابن سباط 1/ 381، 382، تاريخ الأزمنة 239، شذرات الذهب 5/ 287، 288، تاريخ الزمان 315، 316، الجوهر الثمين 2/ 60، التحفة الملوكية 43.

[ (3)] نزهة المالك و المملوك، ورقة 102، 103، أخبار الأيوبيين 171.

48

سنة ثمان و خمسين و ستمائة

[الحكّام في البلاد]

استهلّت و الوقت خال من إمام أعظم.

و على الشّام النّاصر يوسف، و زال ملكه بعد أيّام يسيرة.

و صاحب مصر المظفّر قطز تملّك في أوائلها.

و صاحب اليمن المظفّر يوسف بن عمر.

و صاحب ظفار موسى بن إدريس.

و صاحب دلّه و بعض الهند ناصر الدّين محمد [ (1)] بن أيتمش.

و صاحب كرمان خاتون زوجة الحاجب براق.

و صاحب شيراز أبو بكر بن أتابك سعد [ (2)].

و صاحب الموصل ابن بدر الدّين.

و صاحب ماردين السّعيد غازي.

و صاحب الرّوم قلج رسلان و كيكاوس [ (3)] ابنا الملك كيخسرو من تحت أوامر التّتر.

و صاحب الكرك المغيث عمر.

____________

[ (1)] في المختار من تاريخ ابن الجزري 254 «محمود».

[ (2)] وقع في المختار: «صعد» بالصاد.

[ (3)] في المختار: «خيكاوس».

49

و صاحب مكّة أبو نميّ [ (1)] محمد بن أبي سعد و عمّه إدريس.

و صاحب المدينة جمّاز.

و صاحب حماه الملك المنصور محمد.

و صاحب حمص الأشرف موسى بن المنصور إبراهيم.

و صاحب تونس محمد بن يحيى.

و صاحب العراق و أذربيجان و خراسان هولاكو بن تولي بن جنكزخان [ (2)].

[اجتياح التتار حلب‏]

و في المحرّم قطع هولاكو الفرات فنزل النّيرب و الملّاحة و تلك النّواحي، و أرسل إلى أهل حلب: إنكم تضعفون عن لقائنا و نحن نقصد سلطانكم، فاجعلوا لنا عندكم شحنة بالقلعة و شحنة بالبلد، فإن انتصر علينا الملك النّاصر فالأمر إليكم، فإن شئتم أبقيتم على الشّحنتين، و إن شئتم قتلتموهما، و إن كانت النّصرة لنا فحلب، و غيرها لنا و تكونون آمنين.

فلم يجبه الملك المعظّم توران شاه إلى ذلك و قال: ما له عندنا إلّا السّيف.

و كان الرسول بذلك صاحب أرزن، فما أعجبه جوابه و تألّم للمسلمين [لما علم‏] [ (3)] الأمر [ (4)]. فنازل هولاكو حلب بجيوشه في ثاني صفر، و هجمت التّتار البواشير [ (5)] و قتلوا أكثر من بها. و قتل يومئذ أسد الدّين ابن الزّاهر داود بن صلاح الدّين [ (6)]، و لم يصبح عليهم ثالث صفر إلّا و قد حفروا خندقا في طول‏

____________

[ (1)] وقع في المطبوع من المختار: «أيوني».

[ (2)] قارن بما في المختار من تاريخ ابن الجزري 254، 255.

[ (3)] ما بين الحاصرتين إضافة على الأصل من: المختصر في أخبار البشر 3/ 201، و مكانه في الأصل بياض.

[ (4)] البداية و النهاية 13/ 218، شذرات الذهب 5/ 290.

[ (5)] في المختصر 3/ 201 «و هجموا النواثر».

[ (6)] المختصر في أخبار البشر 3/ 201، تاريخ ابن الوردي 2/ 203.

50

قامة، و في عرض أربعة أذرع، و بنوا حائطا ارتفاع خمسة أذرع كالسّور عليهم و عملوا فيه أبوابا، و نصبوا على باب العراق الّذي للبلد أكثر من عشرين منجنيقا، و ألحّوا بالرمي بها ليلا و نهارا، و أخذوا في نقب السّور، فلم يزالوا إلى أن ظهروا أوّلا من حمّام حمدان في ذيل قلعة الشّريف، و ركبوا الأسوار من كلّ ناحية في اليوم التّاسع من صفر، فهرب المسلمون إلى جهة القلعة، و رمى خلق نفوسهم في الخندق، و بذلت التّتار السّيف في العالم، و دخل خلق إلى القلعة، و ذلك يوم الأحد.

و أصبحوا يوم الإثنين و هم على ما أمسوا عليه من القتل و السّبي، و امتلأت الطّرقات بالقتلى. و أحمي في البلد أماكن لفرمانات كانت بأيديهم، فمن ذلك دار شهاب الدّين بن عمرون، و دار نجم الدّين ابن أخي مردكين، و دار البازيار [ (1)]، و دار علم الدّين قيصر الموصليّ، و الخانقاه الّتي فيها زين الدّين الصّوفيّ، و كنيسة اليهود، فنجا من القتل في هذه الأماكن أكثر من خمسين ألفا، و استتر أيضا جمع كثير، فقتل أمم لا يحصيهم إلّا اللَّه سبحانه و تعالى [ (2)].

و بقي القتل و الأسر و الحريق و البلاء إلى يوم الجمعة الرابع عشر من صفر، ثمّ نودي برفع السّيف، و أذّن المؤذّنون يومئذ بالجامع، و أقيمت الخطبة و الصّلاة. ثمّ أحاطوا بالقلعة و حاصروها، و بالقلعة الملك المعظّم [ (3)].

[هرب الملك الناصر من دمشق‏]

و وصل الخبر بأخذ حلب إلى دمشق يوم السّبت فهرب الملك النّاصر من‏

____________

[ (1)] في المختصر في أخبار البشر 3/ 201 «البازياد» بالدال. و المثبت هو الصحيح كما في تاريخ ابن الوردي 2/ 203.

[ (2)] الحوادث الجامعة 164، 165 (باختصار شديد)، أخبار الأيوبيين 171، المختصر في أخبار البشر 3/ 201، تاريخ ابن الوردي 2/ 202، مرآة الجنان 4/ 148، ذيل مرآة الزمان 1/ 345، 346، السلوك ج 1 ق 2/ 442، 423.

[ (3)] العبر 5/ 241، دول الإسلام 2/ 162، مرآة الجنان 4/ 148، تاريخ ابن سباط 1/ 383، السلوك ج 1 ق 2/ 422، تاريخ الزمان 316، تاريخ مختصر الدول 279، عقد الجمان (1) 230، 231، مآثر الإنافة 2/ 104، شذرات الذهب 5/ 290.

51

دمشق و زال ملكه [ (1)]. و كانت رسل التّتار يومئذ بحرستا فدخلوا دمشق، و قرئ فرمان الملك بأمان أهل دمشق و ما حولها. و وصل نائب هولاكو على دمشق في ربيع الأوّل فلقيه كبراء البلد بأحسن ملقى. و قرئ الفرمان. و جاءت التّتار من جهة الغوطة مارّين من شرقيّها إلى الكسوة [ (2)].

[تعيين التفليسي بقضاء الشام‏]

و بعد أيّام وصل منشور من هلاوون للقاضي كمال الدّين عمر التّفليسيّ بقضاء الشّام، و ماردين، و الموصل، و بنظر الأوقاف و الجامع. و كان نائبا للقاضي صدر الدّين ابن سنيّ الدّولة [ (3)].

[تأمين حماه‏]

و أمّا حماه فكان صاحبها المنصور قد تقهقر إلى دمشق فنزل برزة. فجاء إلى حماه بطاقة برواح حلب، فوقع في البلد خبطة عظيمة، و خرج أهلها على وجوههم، و سافر بهم الطّواشيّ مرشد. ثمّ بقي بها آحاد من الأعيان، فتوجّهوا إلى حلب بمفاتيح البلد، و طلبوا عطف هولاكو عليهم و أن ينفد إليهم شحنة، فسيّر إليهم خسروشاه، رجل أعجميّ [ (4)] فقدمها و أمّن الرعيّة. و كان بقلعتها الأمير مجاهد الدّين قيماز، فدخل في طاعته [ (5)].

[دخول صاحب حماه إلى مصر]

و سار الملك النّاصر و معه صاحب حماه و الأمراء نحو غزّة، ثمّ سار إلى قطية [ (6)]، فتقدّم صاحب حماه بجمهرة العساكر و الجفّال و دخل مصر. و بقي‏

____________

[ (1)] أخبار الأيوبيين 172، نهاية الأرب 29/ 386، الروض الزاهر 62.

[ (2)] أخبار الأيوبيين 173، العبر 5/ 242، دول الإسلام 2/ 162، عيون التواريخ 20/ 222، 223 و وقع فيه «الكسرة» النجوم الزاهرة 7/ 76، شذرات الذهب 5/ 290.

[ (3)] عيون التواريخ 20/ 223، ذيل الروضتين 204، السلوك ج 1 ق 2/ 424، النجوم الزاهرة 7/ 76، 77.

[ (4)] قال أبو الفداء: إنه كان يدّعي أنه من ذرّية خالد بن الوليد. و هو أيضا عند ابن الوردي.

[ (5)] المختصر في أخبار البشر 3/ 201، تاريخ ابن الوردي 2/ 203، ذيل الروضتين 204، عقد الجمان (1) 232، مآثر الإنافة 2/ 104، شذرات الذهب 5/ 290.

[ (6)] في الأصل: «قصبة». و المثبت عن المصادر و فيها «قطيا»، و هي قرية بجوار الفرمة تحيط بها

52

النّاصر في عسكر قليل، منهم أخوه الملك الظّاهر، و الملك الصّالح ابن صاحب حمص، و الأمير شهاب الدّين القيمريّ، فتوجّهوا إلى تيه بني إسرائيل، و خاف من المصريّين [ (1)].

[استيلاء التتار على الشام‏]

و وصلت عساكر التّتار إلى غزّة و استولوا على الشّام إلّا المعاقل و الحصون، فإنّ بعضها لم يستولوا عليه.

و حاصروا قلعة حلب أيّاما، و استعانوا بمن بقي من أهل البلد يتترّسون بهم، ثمّ تسلّموها بالأمان [ (2)].

[استيلاء التتار على قلعة دمشق‏]

و أمّا قلعة دمشق فشرعوا في حصارها و بها الأمير بدر الدّين محمد بن قراجا [ (3)]، و أحاط بها خلق من التّتار، و قطّعوا الأخشاب، و أتوا بالمجانيق معهم، و نصبوا عليها أكثر من عشرين منجنيقا، و أصبحوا يلحّون بها على برج الطّارمة، فطلب أهلها الأمان في آخر النّهار ما تشقّق البرج، و خرجوا من الغد.

ثمّ أخذت التّتار جميع ما فيها، و سكنها النّائب كتبغا، و خرّبوا شرفاتها إلى بانياس [ (4)].

____________

[ ()] الرمال و تقع في الطريق إلى مصر من الشام.

[ (1)] المختصر في أخبار البشر 3/ 201، تاريخ ابن الوردي 2/ 204، السلوك ج 1 ق 2/ 419، 420، تاريخ ابن سباط 1/ 383، 384، و 390، أخبار الأيوبيين 170، 171، ذيل الروضتين 206، 207، عيون التواريخ 20/ 224، الروض الزاهر 62، 63، ذيل مرآة الزمان 1/ 350، 351، النجوم الزاهرة 7/ 77.

[ (2)] المختصر في أخبار البشر 3/ 202، تاريخ ابن الوردي 2/ 204.

[ (3)] في أخبار الأيوبيين 174 «قريبجاه».

[ (4)] أخبار الأيوبيين 174، المختصر في أخبار البشر 3/ 203، دول الإسلام 2/ 162، مرآة الجنان 4/ 148، عيون التواريخ 20/ 224، ذيل مرآة الجنان 1/ 351، 352، ذيل الروضتين 204، تاريخ ابن سباط 1/ 388، 389، السلوك ج 1 ق 2/ 426، عقد الجمان (1) 240، 241، مآثر الإنافة 2/ 104، 105، شذرات الذهب 5/ 290.

53

[وقوع السّبي الكبير بنواحي نابلس‏]

و أمّا الفرقة الّتي طلبت حوران أولا فامتدّوا إلى نابلس و تلك النّواحي، فأهلكوا الحرث و النّسل، و بذلوا السّيف في نابلس، و قدموا إلى دمشق بالسّبي، فكان النّاس يشترونهم و يستفكّونهم منهم بالدّراهم المعدودة لكثرة من في أيديهم من السّبي [ (1)].

[استسلام الملك الناصر]

ثمّ ظفروا بالملك النّاصر، و سلّم نفسه إليهم بالأمان، فمرّوا به على دمشق، ثمّ ساروا به إلى هولاكو، فأحسن إليه و أكرمه، و رعى له مجيئه إليه، و بقي في خدمته هو و جماعة من أهله [ (2)].

[الطواف برأس صاحب ميّافارقين بدمشق‏]

و في جمادى الأولى طافوا بدمشق برأس الشهيد الملك الكامل صاحب ميّافارقين الّذي حاصره التّتار سنة و نصفا، و ما زال ظاهرا عليهم إلى أن فني أهل البلد لفناء الأقوات [ (3)].

[وفاة القاضي ابن سنيّ الدولة]

و أمّا القاضيان محيي الدّين ابن الزّكيّ، و صدر الدّين ابن سنيّ الدّولة فذهبا إلى هولاكو ثمّ رجعا، و انقطع الصّدر ببعلبكّ مريضا و مات [ (4)].

____________

[ (1)] الخبر باختصار في: تاريخ ابن سباط 1/ 389، و هو في ذيل مرآة الزمان 1/ 351، عقد الجمان (1) 231.

[ (2)] أخبار الأيوبيين 175، دول الإسلام 2/ 163، مرآة الجنان 4/ 148، 149، ذيل الروضتين 206، تاريخ ابن سباط 1/ 390، تاريخ الزمان 317، تاريخ مختصر الدول 280، جامع التواريخ 301، ذيل مرآة الزمان 1/ 358، 359، عقد الجمان (1) 236، النجوم الزاهرة 7/ 77، شذرات الذهب 5/ 290.

[ (3)] الحوادث الجامعة 164 و فيه أن صاحب ميّافارقين هو «الملك الأشرف»، و المختصر في أخبار البشر 3/ 203، و تاريخ ابن الوردي 2/ 205، و تاريخ مختصر الدول 280، و الأعلاق الخطيرة ج 3 ق 2/ 506.

[ (4)] دول الإسلام 2/ 164، عيون التواريخ 20/ 224، ذيل مرآة الزمان 1/ 356، و 357، ذيل الروضتين 206، لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير- تأليفنا ص 275.

54

[قراءة فرمان ابن الزكيّ بقضاء دمشق‏]

و دخل ابن الزّكيّ فقرئ فرمانه بدمشق في جمادى الآخرة تحت النّسر بقضاء القضاة، و أن يكون نائبة أخوه لأمّه شهاب الدّين إسماعيل بن حبش.

و حضر قراءة الفرمان إيسبان [ (1)] نائب التّتار و زوجته تحت النّسر على طرّاحة وضعت لها، و هي بين زوجها و بين ابن الزّكيّ [ (2)].

قال قطب الدّين في «تاريخه» [ (3)]: توجّه محيي الدّين و أولاده و أخوه لأمّه شهاب الدّين و ابن سنيّ الدّولة إلى هولاكو فأدركوه قبل أن يقطع الفرات، ثمّ عادوا إلى بعلبكّ، و دخل محيي الدّين في محفّة و هو في تجمّل عظيم، و معه من الحشم و الغلمان ما لا مزيد عليه، و صلّى الجمعة في شبّاك الأمينيّة، و أحضر منبرا قبالة الشّبّاك فقرئ تقليده، و هو تقليد عظيم جدّا قد بالغوا في تفخيمه بحيث لا يخاطب فيه إلّا بمولانا، و فيه أنّه يشارك النوّاب في الأمور، و عليه الخلعة فرجيّة سوداء منسوجة بالذّهب، قيل إنّها خلعة الخليفة على صاحب حلب [ (4)]، أخذت من حلب. و على رأسه بقيار صوف بلا طيلسان.

[انتزاع ابن الزكيّ المدارس لنفسه و أصحابه‏]

قال أبو شامة: [ (5)] ثمّ شرع ابن الزّكيّ في جرّ الأشياء إليه و إلى أولاده مع عدم الأهليّة، فأضاف إلى نفسه و أقاربه العذراويّة [ (6)]، و النّاصريّة [ (7)]، و الفلكيّة [ (8)]، و الركنيّة [ (9)]، و القيمريّة [ (10)]، و الكلّاسة [ (11)]. و انتزع الصّالحيّة

____________

[ (1)] في ذيل مرآة الزمان 1/ 357 «ايلبان و كان من المغل»، و في ذيل الروضتين 205 «ايل سبان».

[ (2)] عيون التواريخ 20/ 224، 225، ذيل مرآة الزمان 1/ 356، عقد الجمان (1) 239.

[ (3)] ذيل مرآة الزمان 1/ 356.

[ (4)] و قيل: لبس خلعة هولاكو. (المختصر في أخبار البشر 3/ 203).

[ (5)] في ذيل الروضتين.

[ (6)] انظر عن (العذراوية) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 143 و 283.

[ (7)] انظر عن (الناصرية) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 23 و 143 و 350 و 2/ 159.

[ (8)] انظر عن (الفلكية) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 143، 166، 327 و 2/ 152.

[ (9)] انظر عن (الركنية) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 143 و 148، 190، 327.

[ (10)] انظر عن (القيمرية) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 339.

[ (11)] انظر عن (الكلاسة) في: الدارس في تاريخ المدارس 1/ 166، 340.