عيون الأثر - ج1

- ابن سيد الناس المزيد...
358 /
5

ترجمة المؤلف 671 ه- 734 ه-

اسمه و نسبه:

هو فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الشافعي الإمام الحافظ اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري.

المعروف بابن سيد الناس.

ولادته:

ولد بالقاهرة في ذي القعدة- و قيل في ذي الحجة- سنة إحدى و سبعين و ستمائة.

علومه و سيرته:

سمع من الجم الغفير، و تفقه على مذهب الشافعي، و أخذ علم الحديث عن والده و ابن دقيق العبد و لازمه سنين كثيرة، و تخرج عليه، و قرا عليه أصول الفقه، و قرأ النحو على ابن النحاس.

حياته:

ولي دار الحديث بجامع الصالح، و خطب بجامع الخندق.

مصنفاته:

صنف كتبا نفسية منها: السيرة الكبرى، سماها عيون الأثر في مجلدين- و هو كتابه هذا- و اختصره في كراريس و سماه (نور العيون) و شرح قطعة من كتاب الترمذي إلى كتاب الصلاة في مجلدين، و صنف في منع بيع أمهات الأولاد مجلدا ضخما

6

يدل على علم كثير، و ذكره في معجمه المختص قال: أحد أئمة هذا الشأن، كتب بخطه المليح كثيرا، و خرج و صنف و صحح و علل و فرع و أصل، و قال الشعر البديع، و كان حلو النادرة حسن المحاضرة، جالسته و سمعت قراءته و أجاز لي مروياته، عليه مآخذ في دينه و هديه فاللّه يصلحه و إيانا.

قال ابن كثير: اشتغل بالعلم فبرع و ساد أقرانه في علوم شتى من الحديث و الفقه و النحو و علوم السير و التاريخ و غير ذلك، و قد جمع سيرة حسنة في مجلدين، و قد حرر و حبر و أفاد، و لم يسلم عن بعض الانتقاد، و له الشعر و النثر الفائق، و حسن التصنيف و الترصيف و التعبير وجودة البديهة و حسن الطوية و العقيدة السلفية و الاقتداء بالأحاديث النبوية، و تذكر عنه شؤون أخر، اللّه يتولاه فيها. و لم يكن بمصر في مجموعه مثله في حفظ الأسانيد و المتون و العلل و الفقه و الملح و الأشعار و الحكايات.

قال صاحب البدر السافر: و خالط أهل السفه و شراب المدام، فوقع في الملام و رشق بسهام الكلام، و الناس معادن، و القرين يكرم و يهين باعتبار المقارن. قال:

و لم يخلف بعده في القاهرة و مصر من يقوم بفنونه مقامه، و لا من يبلغ في ذلك مرامه، أعقبه اللّه السلامة في دار الإقامة.

قال ابن ناصر الدين: كان إماما حافظا عجيبا مصنفا بارعا شاعرا أريبا، دخل عليه واحد من الأخوان يوم السبت حادي عشر شعبان، فقام لدخوله من قامته، فلقف ثلاث لقفات و مات من ساعته و دفن عند ابن أبي جمرة رحمهما اللّه.

و كانت وفاته سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة للهجرة.

7

تقديم‏

الحمد للّه، أحمده و أستعينه و أستهديه و استغفره، و أعوذ باللّه من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا فضل له، و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

و أصلي و أسلم على خاتم الأنبياء و المرسلين، من بعثه اللّه رحمة للعالمين، سيدنا و نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، و على آله الطيبين الطاهرين، و أصحابه الهداة المهديين.

أما بعد:

فإن بعثة النبي الكريم كان لها الأثر الجلي الواضح في تغيير مسار التاريخ، فنقلت البشرية من البؤس و الجهل، إلى رحاب السعادة و العلم، فأنقذ اللّه عز و جل ببعثته (صلّى اللّه عليه و سلّم) الناس من الظلام إلى النور، و سار بهم إلى رضوان اللّه عز و جل، فمن اقتدى بهديه فقد أفلح و رشد، و من ابتعد عن سبيله فقد ضل و غوى.

و إن هذا الكتاب القيم لابن سيد الناس، هو من الكتب المعتبرة الجامعة لفوائد السير، ابلى فيه الإمام أبي الفتح محمد بن محمد المعروف بفتح الدين ابن سيد الناس الأندلسي البلاء الحسن، فابتعد عن الإطالة المملة، أو الاختصار الذي يذهب بالفائدة، فجمع رضي اللّه عنه المتفرقات، و سلك ما اقتضاه التاريخ من ذكر الوقائع مرتبة واحدة بعد أخرى. فكان معتدلا وسطا بين كتب السير، فجزى اللّه مصنفه خير الجزاء، و أسكنه فسيح الرضوان.

و بعد:

فإننا إذا نقدم هذا الكتاب النفيس إلى القارئ الكريم، في حلته هذه، نود

8

الإشارة إلى أننا عملنا على ضبط المؤلف بالعودة إلى المراجع التي استقى منها أخباره، و شرحنا ما اقتضى شرحه من كلمات. و علقنا على الأخبار التي تقتضي التعليق، آملين أن نكون قد ساهمنا في إبراز هذا الكتاب القيم، و تقديمه للقارئ الكريم بمتناول سهل. و أخيرا لا بد لنا من الإشارة إلى ما بذلته دار القلم في بيروت لصاحبها و مديرها الأستاذ أحمد أكرم الطباع الذي بذل جهده المستطاع في سبيل إخراج هذا الكتاب بشكله النهائي.

نسأل المولى تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا، و أن يجعل عملنا خالصا له وحده، و آخر دعونا أن الحمد للّه رب العالمين.

الراجي عفو ربه الشيخ إبراهيم محمد رمضان دار الفتوى- بيروت‏

9

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه محلى محاسن السنة المحمدية بدرر أخبارها، و مجلي ميامن السيرة النبوية عن غرر آثارها، و مؤيد من اقتبس نور هدايته من مشكاة أنوارها، و مسدد من التمس عن حمايته من أزرق سنانها [1] و أبي بتارها، و مسهل طريق الجنة لمن اتبع مستقيم صراطها، و اهتدى بضياء منارها، و مذلل سبيل الهداية لمن اقتفى سرائر سيرها و سير أسرارها ... أحمده على ما أولى من نعم قعد لسان الشكر عن القيام بمقدارها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، شهادة تبلغنا من ميادين القبول غاية مضمارها، و تسوغنا من مشارع الرحمة أصفى مواردها، و أعذب أنهارها.

و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الذي ابتعثه و قد طمت بحار الكفر بتيارها [2]، و طغت شياطين الضلال بعنادها و إصرارها، و عتت طائفة الأوثان و عبدة الأصنام على خالقها و جبارها، فقام بأمره حتى تجلت غياهب [3] ظلمها عن سنا أبدارها، و جاهد في اللّه حق جهاده حتى أسفر ليل جهلها عن صباح نهارها، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه الذين حازت نفوسهم الأبية من مراضيه غاية أوطارها [4]، و فازت من سماع مقاله و رواية أحواله و رؤية جلاله بمل‏ء مسامعها و أفواهها و أبصارها، و سلم تسليما كثيرا.

____________

[ (1)] السنان: نصل الرمح.

[ (2)] يقال: طما الشي‏ء طموا أي ارتفع، و يقال: طما الماء أي ارتفع و ملأ النهر.

[ (3)] الغيهب: الظلمة.

[ (4)] الوطر: الحاجة فيها مأرب و همة، و جمعها: أوطار، يقال: قضى منه وطره أي نال منه بغيته.

10

و بعد:

فلما وقفت على ما جمعه الناس قديما و حديثا، من المجاميع في سير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مغازيه و أيامه، إلى غير ذلك مما يتصل به، لم أر إلا مطيلا مملا، أو مقصرا بأكثر المقاصد مخلا، و المطيل إما معتن بالأسماء و الأنساب و الأشعار و الآداب، أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق و الروايات، و يصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة من العنايات، و المقصر لا يعدو المنهج الواحد، و مع ذلك فلا بد و أن يترك كثيرا مما فيه من الفوائد، و إن كانوا رحمهم اللّه هم القدوة في ذلك، و مما جمعوه يستمد من أراد ما هنالك، فليس لي في هذه المجموع إلا حسن الإختيار من كلامهم، و التبرك بالدخول في نظامهم، غير أن التصنيف يكون في عشرة أنواع كما ذكره بعض العلماء، فأحدها جمع المتفرقات، و هو ما نحن فيه، فإني أرجو أن الناظر في كتابي هذا لا يجد ما ضمنته إياه في مكان و لا مكانين و لا ثلاثة و لا أكثر من ذلك، إلا بزيادة كثيرة تتعب القاصد، و تتعذر بها على أكثر الناس المقاصد، فاقتضى ذلك أن جمعت هذه الأوراق، و ضمنتها كثيرا مما انتهى إليّ من نسب سيدنا و نبينا محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مولده، و رضاعه، و فصاله [1]، و إقامته في بني سعد، و ما عرض له هنالك من شق الصدر و غيره، و منشأه، و كفالة عبد المطلب جده إياه إلى أن مات، و انتقاله إلى كفالة عمه أبي طالب بعد ذلك، و سفره إلى الشام، و رجوعه منه، و ما وقع له في ذلك السفر من إظلال الغمامة إياه، و أخبار الكهان و الرهبان عن نبوته، و تزويجه خديجة (عليها السلام)، و مبدأ البعث و النبوة، و نزول الوحي، و ذكر قوم من السابقين الأولين في الدخول في الإسلام، و ما كان من الهجرتين إلى أرض الحبشة، و انشقاق القمر، و ما عرض له بمكة من الحصار بالشعب، و أمر الصحيفة، و خروجه إلى الطائف، و رجوعه بعد ذلك إلى مكة، و ذكر العقبة، و بدء إسلام الأنصار، و الإسراء و المعراج، و فرض الصلاة، و أخبار الهجرة إلى المدينة، و دخوله (عليه السلام) المدينة و نزوله حيث نزل، و بناء المسجد، و اتخاذ المنبر، و حنين الجذع، و مغازيه و سيره و بعوثه، و ما نزل من الوحي في ذلك، و عمره، و كتبه إلى الملوك، و إسلام الوفود، و حجة الوداع، و وفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و غير ذلك، ثم أتبعت ذلك بذكر أعمامه و عماته، و أزواجه و أولاده، و حليته‏

____________

[ (1)] الفصال: فطام المولود، قال عز و جل: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً.

11

و شمائله، و عبيده و إمائه و مواليه، و خيله و سلاحه، و ما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار و الإيجاز، سالكا في ذلك ما اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى، لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشي‏ء إلى شكله و مثله، حاشا ذكر أزواجه و أولاده (عليه السلام)، فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ، بل دخل ذلك كله فيما اتبعت به باب المغازي و السير، من باب الحلي و الشمائل، و لم أستثن من ذلك إلا ذكر تزويجه (عليه السلام) خديجة (عليها السلام) بما وقع في أمرها من أعلام النبوة.

و قد أتحفت الناظر في هذا الكتاب من طرف الأشعار بما يقف الإختيار عنده، و من نتف الأنساب بما لا يعدو التعريف حده، و من عوالي الأسانيد بما يستعذب الناهل ورده، و يستنجح الناقل قصده، و أرحته من الإطالة بتكرار ما يتكرر منها، و ذلك أني عمدت إلى ما يتكرر النقل منه من كتب الأحاديث و السنن و المصنفات، على الأبواب و المسانيد و كتب المغازي و السير، و غير ذلك مما يتكرر ذكره، فأذكر ما أذكره من ذلك بأسانيدهم إلى منتهى ما في مواضعه، و أذكر أسانيدي إلى مصنفي تلك الكتب في مكان واحد عند انتهاء الغرض من هذا المجموع، و أما ما لا يتكرر النقل منه إلا قليلا، أو ما لا يتكرر منه نقل، فما حصل من الفوائد الملتقطة، و الأجزاء المتفرقة، فإني أذكر تلك الأسانيد عند ذكر ما أورده بها، ليحصل بذلك الغرض من الاختصار، و ذكر الأسانيد مع عدم التكرار، فأما الأنساب فمن ذكرته استوعبت نسبه إلى أن يصل إلى فخذه أو بطنه المشهور، أو أبعد من ذلك من شعبه أو قبيلته، بحسب ما يقتضيه الحال إن وجدته، فإن تكرر ذكره لم أرفع في نسبه، و اكتفيت بما سلف من ذلك، غير أني أنبه على المكان الذي سبق فيه نسبه مرفوعا بعلامة أرسمها بالحمرة، فمن ذكر في السابقين الأولين أعلمت له (3) و للمهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة (ها) و للثانية (هب) و لمهاجرة المدينة (ه-) و لأهل العقبة الأولى (عا) و الثانية (عب) و للمذكورين في النقباء (ق) و لأهل العقبة الثالثة (عج) و للبدريين (ب) و لأهل أحد (أ).

و عمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحق إذ هو العمدة في هذا الباب لنا و لغيرنا، غير أني قد أجد الخبر عند مرسلا، و هو عند غيره مسندا، فأذكره من حيث هو مسند، ترجيحا لمحل الإسناد. و إن كانت في مرسل ابن إسحق زيادة أتبعته بها

12

و لم أتتبع إسناد مراسيله، و إنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي، و كثيرا ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد و غيره أخبارا، و لعل كثيرا منها لا يوجد عند غيره، فإلى محمد بن عمر انتهى علم ذلك أيضا في زمانه، و إن كان وقع لأهل العلم كلام في محمد بن إسحق، و كلام في محمد بن عمر الواقدي أشد منه، فسنذكر نبذة مما انتهى إليّ من الكلام فيهما جرحا و تعديلا، فإذا انتهى ما أنقله من ذلك أخذت في الأجوبة عن الجرح فصلا فصلا، بحسب ما يقتضيه النظر و يؤدي إليه الاجتهاد، و اللّه الموفق.

فأما ابن إسحق فهو: محمد بن إسحق بن يسار بن خيار، و يقال: ابن يسار بن كوثان المديني، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف أبو بكر، و قيل: أبو عبد اللّه رأى أنس بن مالك و سعيد بن المسيب، و سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، و أبان بن عثمان بن عفان، و محمد بن علي بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، و أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، و عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، و نافعا مولى ابن عمر، و الزهري و غيرهم، و حدث عنه أئمة العلماء، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، و سفيان الثوري، و ابن جريج، و شعبة، و الحمادان، و إبراهيم بن سعد، و شريك بن عبد اللّه النخعي، و سفيان بن عيينة و من بعدهم.

ذكر ابن المديني عن سفيان بن عيينة أنه سمع ابن شهاب يقول: لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا (يعني ابن إسحق). و روى ابن أبي ذئب عن الزهري أنه رآه مقبلا فقال: لا يزال بالحجاز علم كثير ما بقي هذا الأحول بين أظهرهم، و قال ابن علية: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحق صدوق في الحديث، من رواية يونس بن بكير عن شعبة: محمد بن إسحق أمير المحدثين، و قيل: لم؟ قال: لحفظه.

و قال ابن أبي خيثمة: حدثنا ابن المنذر عن ابن عيينة أنه قال: ما يقول أصحابك في محمد بن إسحق؟ قال: قلت: يقولون أنه كذاب، قال: لا تقل ذلك، قال ابن المديني: سمعت سفيان بن عيينة سئل عن محمد بن إسحق، فقيل له: و لم يرو أهل المدينة عنه؟ قال: جالسته منذ بضع و سبعين سنة، و ما يتهمه أحد من أهل المدينة، و لا يقولون فيه شيئا، و سئل أبو زرعة عنه فقال: من تكلم في محمد بن إسحق! هو صدوق. و قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و قال ابن المديني: مدار حديث‏

13

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ستة، فذكرهم ثم قال: و صار علم الستة عند اثني عشر أحدهم ابن إسحق. و سئل ابن شهاب عن المغازي فقال: هذا أعلم الناس بها (يعني ابن إسحق).

و قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحق، و قال أحمد بن زهير: سألت يحيى بن معين عنه فقال: قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحق، و قال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف قال: سمعت أبا معاوية يقول: كان ابن إسحق من أحفظ الناس، فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فأستودعها محمد بن إسحق، فقال:

أحفظها عليّ، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على.

و روى الخطيب بإسناد له إلى ابن نفيل: ثنا عبد اللّه بن فائد قال: كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن. و قال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري: محمد بن إسحق قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، منهم: سفيان، و شعبة، و ابن عيينة، و الحمادان، و ابن المبارك، و إبراهيم بن سعد، و روى عنه من الأكابر: يزيد بن أبي حبيب.

و قد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا و خيرا مع محمدة ابن شهاب له. و قد ذاكرت دحيما قول مالك (يعني فيه) فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنّما هو لأنه اتهمه بالقدر، و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: الناس يشتهون حديثه، و كان يرمى بغير نوع من البدع. و قال ابن نمير: كان يرمى بالقدر، و كان أبعد الناس منه.

و قال البخاري: ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد.

و قال علي بن المديني عن سفيان: ما رأيت أحدا يتهم محمد بن إسحاق. و قال أبو سعيد الجعفي: كان ابن إدريس معجبا بابن إسحق، كثير الذكر له، ينسبه إلى العلم و المعرفة و الحفظ، و قال إبراهيم الحربي: حدثني مصعب قال: كانوا يطعنون عليه بشي‏ء من غير جنس الحديث. و قال يزيد بن هارون: و لو سود أحد في الحديث لسود محمد بن إسحق. و قال شعبة فيه: أمير المؤمنين في الحديث. و روى يحيى بن آدم:

ثنا أبو شهاب قال: قال لي شعبة بن الحجاج: عليك بالحجاج بن أرطاة، و بمحمد بن إسحق، و قال ابن علية: قال شعبة: أما محمد بن إسحق و جابر الجعفي فصدوقان.

14

و قال يعقوب بن شيبة: سألت ابن المديني: كيف حديث محمد بن إسحق، صحيح؟

قال: نعم، حديثه عندي صحيح، قلت له: فكلام مالك فيه، قال: لم يجالسه و لم يعرفه، ثم قال علي بن إسحق: أي شي‏ء حدث بالمدينة قلت له، فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال علي: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته و هو غلام فسمع منها، و سمعت عليا يقول: إن حديث محمد بن إسحق ليتبين فيه الصدق، يروى مرة: حدثني أبو الزناد، و مرة ذكر أبو الزناد، و روى عن رجل عن من سمع منه يقول: حدثني سفيان بن سعيد عن سالم أبي النضر عن عمر «صوم يوم عرفة» و هو من أروى الناس عن أبي النضر، و يقول: حدثني الحسن بن دينار، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب في «سلف و بيع» و هو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب. و

قال علي: لم أجد لابن إسحق إلا حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«إذا نعس أحدكم يوم الجمعة [1]»

و الزهري عن عروة عن زيد بن خالد

«إذا مس أحدكم فرجه [2]»

هذين لم يروهما عن أحد، و الباقون يقول: ذكر فلان، و لكن هذا فيه ثنا، و قال مرة: وقع إليّ من حديثه شي‏ء، فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث، ظننت أن بعضه منه و بعضه ليس منه، و قال البخاري: رأيت علي بن المديني يحتج بحديثه و قال لي:

نظرت في كتابه فما وجدت عليه إلا حديثين و يمكن أن يكونا صحيحين، و قال العجلي: ثقة، و روى المفضل بن غسان عن يحيى بن معين: ثبت في الحديث، و قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين عنه: في نفسك شي‏ء من صدقه؟ قال:

لا، هو صدوق. و روى ابن أبي خيثمة عن يحيى: ليس به بأس. و قال ابن المديني:

قلت لسفيان: كان ابن إسحق جالس فاطمة بنت المنذر فقال: أخبرني أنها حدثته و أنه دخل عليها، فاطمة هذه هي زوج هشام بن عروة، و كان هشام ينكر على ابن إسحق روايته عنها و يقول: لقد دخلت بها و هي بنت تسع سنين، و ما رآها مخلوق حتى لحقت باللّه، و قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: هو حسن الحديث.

____________

[ (1)] انظر سنن أبي داود رقم 1119 و سنن الترمذي رقم 526 و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[ (2)] انظر سنن أبي داود رقم 163 و سنن ابن ماجة رقم 479 و سنن الترمذي رقم 479 و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

15

ذكر الكلام في محمد بن إسحاق و الطعن عليه‏

روينا عن يعقوب بن شيبة قال: سمعت محمد بن عبد اللّه بن نمير و ذكر ابن إسحق، فقال: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، و إنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. و قال أبو موسى محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى بن القطان يحدث عن ابن إسحاق شيئا قط، و قال الميموني: ثنا أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل بحديث استحسنه عن محمد بن إسحق، و قلت: له: يا أبا عبد اللّه، ما أحسن هذه القصص التي يجي‏ء بها ابن إسحق، فتبسم إليّ متعجبا، و روى ابن معين عن يحيى بن القطان أنّه كان لا يرضى محمد بن إسحق و لا يحدث عنه، و قال عبد اللّه بن أحمد و سأله رجل عن محمد بن إسحق فقال: كان أبي يتتبع حديثه، و يكتبه كثيرا بالعلو و النزول، و يخرجه في المسند، و ما رأيته اتقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: لم يكن يحتج به في السنن، و قيل لأحمد: يا أبا عبد اللّه، إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال: لا و اللّه، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، و لا يفصل كلام ذا من كلام ذا. و قال ابن المديني مرة: هو صالح وسط. و روى الميموني عن ابن معين: ضعيف. و روى عنه غيره ليس كذلك، و روى الدوري عنه: ثقة و لكنه ليس بحجة، و قال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو:

قلت ليحيى بن معين و ذكرت له الحجة فقلت: محمد بن إسحق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد اللّه بن عمر، و مالك بن أنس و ذكر قوما آخرين، و قال أحمد بن زهير: سئل يحيى عنه مرة فقال: ليس بذاك ضعيف، قال: و سمعته مرة أخرى يقول: هو عندي سقيم ليس بالقوي. و قال النسائي: ليس بالقوي و قال البرقاني:

سألت الدار قطني عن محمد بن إسحق بن يسار عن أبيه فقال: جميعا لا يحتج بهما، و إنما يعتبر بهما، و قال علي: قلت ليحيى بن سعيد: كان ابن إسحاق بالكوفة و أنت‏

16

بها قال: نعم، قلت: تركته متعمدا؟ قال: نعم، و لم أكتب عنه حديثا قط، و روى أبو داود عن حماد بن سلمة قال: لولا الاضطرار ما حدثت عن محمد بن إسحق، و قال أحمد: قال مالك: و ذكر فقال: دجال من الدجاجلة، و روى الهيثم بن خلف الدوري: ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا أبو داود صاحب الطيالسة قال: حدثني من سمع هشام بن عروة و قيل له: إن ابن إسحق يحدث بكذا و كذا عن فاطمة، فقال: كذب الخبيث، و روى القطان عن هشام أنه ذكره فقال: العدو للّه الكذاب يروى عن امراتي: من أين رآها؟ و قال عبد اللّه بن أحمد: فحدثت أبي بذلك فقال: و ما ينكره لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له، أحسبه قال: و لم يعلم، و قال مالك: كذاب، و قال ابن إدريس: قلت لمالك و ذكر المغازي: فقلت له، قال: ابن إسحق أنا بيطارها، فقال: نحن نفيناه عن المدينة، و قال مكي بن إبراهيم: جلست إلى محمد بن إسحق و كان يخضب بالسواد، فذكر أحاديث في الصفة فنفرت منها فلم أعد إليه. و قال مرة:

تركت حديثه و قد سمعت منه بالري عشرين مجلسا. و روى الساجي عن المفضل بن غسان [قال‏] [1]: حضرت يزيد بن هارون و هو يحدث بالبقيع و عنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه، حتى حدثهم عن محمد بن إسحق فأمسكوا قالوا: لا تحدثنا عنه، نحن أعلم به، فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا، فأمسك يزيد، و قال أبو داود:

سمعت أحمد بن حنبل ذكره فقال: كان رجلا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه، و سئل أبو عبد اللّه: أيما أحب إليك موسى بن عبيدة البرذي أو محمد بن إسحق؟ قال: لا، محمد بن إسحق. و قال أحمد كان يدلس [2]، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماعا قال: حدثني، و إذا لم يكن قال: قال، و قال أبو عبد اللّه: قدم محمد بن إسحق إلى بغداد، فكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي و غيره و قال: ليس بحجة، و قال الفلاس: كنا عند وهب بن جرير، فانصرفنا من عنده، فمررنا بيحيى القطان فقال: أين كنتم؟ فقلنا: كنا عند وهب بن جرير، يعني نقرأ عليه كتاب المغازي عن أبيه عن ابن إسحق، فقال: تصرفون من عنده بكذب كثير، و قال عباس الدوري: سمعت أحمد بن حنبل و ذكر محمد بن إسحاق فقال: أما في المغازي و أشباهه فيكتب، و أما في الحلال و الحرام فيحتاج إلى مثل هذا، و مد يده‏

____________

[ (1)] زيدت على النص لوضوح العبارة و لعل الصواب ما أثبتناه.

[ (2)] التدليس هو: أن يحدث المحدث عن الشيخ الأكبر و قد كان رآه، إلا أنه سمع ما أسنده إليه من غيره من دونه.

17

و ضم أصابعه، و روى الأثرم عن أحمد: كثير التدليس جدا، أحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني و سمعت، و عن ابن معين: ما أحب أن أحتج به في الفرائض، و قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، ضعيف الحديث، و هو أحب إليّ من أفلح بن سعيد، يكتب حديثه، و قال سليمان التيمي، كذاب. و قال يحيى القطان: ما تركت حديثه إلا اللّه، أشهد أنه كذاب. و قد قال يحيى بن سعيد: قال لي وهيب بن خالد أنه كذاب، قلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك: أشهد أنه كذاب، قلت لمالك: ما يدريك؟

قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه كذاب، قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة الحديث.

قلت: و الكلام فيه كثير جدا، و قد قال أبو بكر الخطيب: قد احتج بروايته في الأحكام قوم من أهل العلم، و صدف عنها آخرون. و قال في موضع آخر: قد أمسك عن الإحتجاج بروايات ابن إسحق غير واحد من العلماء لأسباب: منها: أنه كان يتشيع و ينسب إلى القدر و يدلس، و أما الصدق فليس بمدفوع عنه. انتهى كلام الخطيب. و قد استشهد به البخاري، و أخرج له مسلم متابعة، و اختار أبو الحسن بن القطان أن يكون حديثه من باب الحسن لاختلاف الناس فيه. و أما

روايته عن فاطمة فروينا عن أبي بكر الخطيب قال: أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بدمشق، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمد بن إسحق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت امرأة

و هي تسأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: إن لي ضرة، و إني أتشبع من زوجي بما لم يعطنيه لتغيظها بذلك قال: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» [1]

و قال أبو الحسن بن القطان: الحديث الذي من أجله وقع الكلام في ابن إسحق من روايته عن فاطمة حتى قال هشام إنه كذاب، و تبعه في ذلك مالك، و تبعه يحيى بن سعيد، و تابعوا بعدهم تقليدا لهم حديث‏

«فلتقرصه و لتنضح [2] ما لم تر و لتصل فيه»

و قد روينا من حديثه عنها غير ذلك.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب المتشبع بما لم ينل (7/ 45) و أخرجه مسلم في باب النهي عن التزوير في اللباس رقم 2129. و أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في المتشبع بما لم يعط رقم 4997.

[ (2)] أي لترش الماء

18

ذكر الأجوبة عما رمي به‏

قلت: أما ما رمي به من التدليس و القدر و التشيع فلا يوجب رد روايته و لا يوقع فيها كبير و هن، أما التدليس فمنه القادح في العدالة و غيره، و لا يحمل ما وقع ها هنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد بالقادح في العدالة، و كذلك القدر و التشيع لا يقتضي الرد إلا بضميمة أخرى و لم نجدها هاهنا. و أما قول مكي بن إبراهيم أنه ترك حديثه و لم يعد إليه فقد علل ذلك بأنه سمعه يحدث أحاديث في الصفات فنفر منه، و ليس في ذلك كبير أمر، قد ترخص قوم من السلف في رواية المشكل من ذلك و ما يحتاج إلى تأويله، و لا سيما إذا تضمن الحديث حكما أو أمرا آخر، و قد تكون هذه الأحاديث من هذا القبيل.

و أما الخبر عن يزيد بن هارون أنه حدث أهل المدينة عن قوم، فلما حدثهم عنه أمسكوا، فليس فيه ذكر لمقتضى الإمساك، و إذا لم يذكر لم يبق إلا أن يحول الظن فيه، و ليس لنا أن نعارض عدالة مقبولة بما قد تظنه جرحا.

و أما ترك يحيى القطان حديثه فقد ذكرنا السبب في ذلك و تكذيبه إياه روايته عن وهيب بن خالد عن مالك عن هشام، فهو و من فوقه في هذا الإسناد تبع لهشام، و ليس ببعيد من أن يكون ذلك هو المنفر لأهل المدينة عنه في الخبر السابق عن يزيد بن هارون، و قد تقدم الجواب عن قول هاشم فيه عن أحمد بن حنبل و علي بن المديني بما فيه مغني.

و أما قول ابن نمير أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة، فلو لم ينقل توثقه و تعديله لتردد الأمر في التهمة بها بينه و بين من نقلها عنه. و أما مع التوثيق و التعديل‏

19

فالحمل فيها على المجهولين المشار إليهم لا عليه، و أما الطعن على العالم بروايته عن المجهولين فغريب، قد حكى ذلك عن سفيان الثوري و غيره، و أكثر ما فيه التفرقة بين بعض حديثه و بعض، فيرد ما رواه عن المجهولين و يقبل ما حمله على المعروفين، و قد روينا عن أبي عيسى الترمذي قال: سمعت محمد بن بشار يقول:

سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة، لقد تركت لجابر الجعفي لما حكى عنه أكثر من ألف حديث، ثم هو يحدث عنه. قال الترمذي:

و قد حدث شعبة عن جابر الجعفي و إبراهيم الهجري و محمد بن عبيد اللّه العرزمي و غير واحد ممن يضعف في الحديث.

و أما قول أحمد يحدث عن جماعة بالحديث الواحد و لا يفصل كلام ذا من كلام ذا، و قد تتحد ألفاظ الجماعة و إن تعددت أشخاصهم، و على تقدير أن لا يتحد اللفظ فقد يتحد المعنى، روينا عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثتكم على المعنى فحسبكم. و روينا عن محمد بن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف و المعنى واحد، و قد تقدم من كلام ابن المديني أن حديثه ليتبين فيه الصدق، يروى مرة: حدثني أبو الزناد، و مرة: ذكر أبو الزناد. الفصل إلى آخره ما يصلح لمعارضة هذا الكلام، و اختصاص ابن المديني سفيان معلوم، كما علم اختصاص سفيان بمحمد بن إسحق. و أما قوله: كان يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه، فلا يتم الجرح بذلك حتى ينفي أن تكون مسموعة له، و يثبت أن يكون حدث بها ثم ينظر بعد ذلك في كيفية الأخبار، فإن كان بألفاظ لا تقتضي السماع تصريحا فحكمه حكم المدلسين، و لا يحسن الكلام معه إلا بعد النظر في مدلول تلك الألفاظ، و إن كان يروى ذلك عنه مصرحا بالسماع و لم يسمع فهذا كذب صراح و اختلاق محض، لا يحسن الحمل عليه إلا إذا لم يجد للكلام مخرجا غيره. و أما قوله: لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي و غيره، فهو أيضا إشارة إلى الطعن بالرواية عن الضعفاء لمحل ابن الكلبي من التضعيف، و الراوي عن الضعفاء لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يصرح باسم الضعيف أو يدلسه، فإن صرح به فليس فيه كبير أمر، روى عن شخص و لم يعلم حاله، أو علم و صرح به ليبرأ من العهدة. و إن دلسه فإما أن يكون عالما بضعفه أولا، فإن لم يعلم فالأمر في ذلك قريب، و إن علم به و قصد بتدليس الضعيف و تغييره و إخفائه ترويج الخبر حتى يظن أنه من أخبار أهل الصدق‏

20

و ليس كذلك، فهذه جرحة من فاعلها، و كبيرة من مرتكبها، و ليس في أخبار أحمد عن ابن إسحق ما يقتضي روايته عن الضعيف و تدليسه إياه مع العلم بضعفه حتى ينبني على ذلك قدح أصلا. و جواب ثان: محمد بن إسحق مشهور بسعة العلم و كثرة الحفظ، فقد يميز من حديث الكلبي و غيره مما يجري مجراه ما يقبل ما يرد، فكتب ما يرضاه و يترك ما لا يرضاه، و قد قال يعلى بن عبيد، قال لنا سفيان الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل له: فإنك تروي عنه؟ فقال: أنا أعرف صدقه من كذبه. ثم غالب ما يروى عن الكلبي أنساب و أخبار من أحوال الناس و أيام العرب و سيرهم، و ما يجري مجرى ذلك مما سمح كثير من الناس في حمله عمن لا تحمل عنه الأحكام، و ممن حكى عنه الترخص في ذلك الإمام أحمد، و ممن حكى عنه التسوية في ذلك بين الأحكام و غيرها يحيى بن معين، و في ذلك بحث ليس هذا موضعه.

و أما قول عبد اللّه عن أبيه: لم يكن يحتج به في السنن، فقد يكون لما أنس منه التسامح في غير السنن التي هي جل علمه من المغازي و السير طرد الباب فيه، و قاس مروياته من السنن على غيرها و طرد الباب في ذلك يعارضه تعديل من عدله، و أما قول يحيى: ثقة و ليس بحجة، فيكفينا التوثيق و لو لم يكن يقبل الأمثل العمري [1] و مالك لقل المقبولون.

و أما ما نقلناه عن يحيى بن سعيد من طريق ابن المديني و وهب بن جرير فلا يبعد أن يكون قلد مالكا لأنه روى عنه قول هشام فيه، و أما قول يحيى: ما أحب أن احتج به في الفرائض، فقد سبق الجواب عنه فيما نقلناه عن الإمام أحمد رحمهم اللّه، على أن المعروف عن يحيى في هذه المسألة التسوية بين المرويات من أحكام و غيرها، و القبول مطلقا أو عدمه من غير تفصيل.

و أما ما عدا ذلك من الطعن فأمور غير مفسرة و معارضة في الأكثر من قائلها بما يقتضي التعديل، و ممن يصحح حديثه، و يحتج به في الأحكام أبو عيسى الترمذي (رحمه اللّه) و أبو حاتم بن حبان، و لم نتكلف الرد عن طعن الطاعنين فيه إلا لما عارضه من تعديل العلماء له و ثنائهم عليه، و لو لا ذلك لكان اليسير من هذا الجرح كافيا في‏

____________

[ (1)] أي عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم أجمعين.

21

رده أخباره، إذ اليسير من الجرح المفسر منه و غير المفسر كاف في رد من جهلت حاله قبله، و لم يعدله معدل، و قد ذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب (الثقات) فأعرب عما في الضمير، فقال: تكلم فيه رجلان: هشام و مالك، فأما هشام فأنكر سماعه من فاطمة، و الذي قاله ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث، و ذلك أن التابعين كالأسود و علقمة سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، بل سمعوا صوتها، و كذلك ابن إسحق، كان يسمع من فاطمة و الستر بينهما مسبل. قال: و أما مالك فإنه كان ذلك منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب، و ذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس و أيامهم من ابن إسحق، و كان يزعم أن مالك من موالي ذي أصبح، و كان مالك يزعم أنه من أنفسها، فوقع بينهما لذلك مفاوضة، فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحق: ائتوني به فأنا بيطاره، فنقل ذلك إلى مالك فقال: هذا دجال من الدجاجلة يروى عن اليهود، و كان بينهما ما يكون بين الناس، حتى عزم محمد على الخروج إلى العراق، فتصالحا حينئذ و أعطاه عند الوداع خمسين دينارا و نصف ثمرته تلك السنة. و لم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أولاد اليهود الذين أسلموا و حفظوا قصة خيبر و قريظة و النضير، و ما أشبه ذلك من الغرائب عن أسلافهم. و كان ابن إسحق يتتبع ذلك عنهم ليعلم ذلك من غير أن يحتج بهم، و كان مالك لا يروي الرواية إلا عن متقن صدوق. قلت: ليس ابن إسحق أبا عذرة هذا القول في نسب مالك، فقد حكى شي‏ء من ذلك عن الزهري و غيره، و الرجل أعلم بنسبه، و تأبى له عدالته و إمامته أن يخالف قوله علمه، و أما قول ابن إسحق: أنا جهبذها، فقد أتى أمرا إمرا، و ارتقى مرتقى و عرا، و لم يدر ما هنالك من زعم أنه في الإتقان كما لك، و قد ألقته آماله في المهالك من أنفه في الثرى و هو يطاول النجوم الشوابك.

و أما الواقدي فهو محمد بن عمر بن واقد أبو عبد اللّه المديني، سمع ابن أبي ذئب، و معمر بن راشد، و مالك بن أنس، و محمد بن عبد اللّه ابن أخي الزهري، و محمد بن عجلان، و ربيعة بن عثمان، و ابن جريج، و أسامة بن رزين، و عبد الحميد بن جعفر، و الثوري، و أبا معشر، و جماعة، روى عنه كاتبه محمد بن سعد و أبو حسان الزيادي و محمد بن إسحق الصاغاني و أحمد بن الخليل البرجلاني و عبد اللّه بن الحسين الهاشمي و أحمد بن عبيد بن ناصح و محمد بن شجاع الثلجى‏

22

و الحرث بن أبي أسامة و غيرهم. ذكره الخطيب أبو بكر و قال: هو ممن طبق شرق الأرض و غربها ذكره، و لم يخف على أحد عرف أخبار الناس أمره، و سارت الركبان بكتبه في فنون العلم، من المغازي و السير و الطبقات، و أخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الأحداث التي كانت في وقته و بعد وفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كتب الفقه و اختلاف الناس في الحديث، و غير ذلك، و كان جوادا كريما مشهورا بالسخاء، و قال ابن سعد: محمد بن عمر بن واقد أبو عبد اللّه مولى عبد اللّه بن بريدة الأسلمي، كان من أهل المدينة، قدم بغداد في سنة ثمانين و مائة في دين لحقه، فلم يزل بها، و خرج إلى الشام و الرقة، ثم رجع إلى بغداد فلم يزل بها إلى أن قدم المأمون من خراسان، فولاه القضاء بعسكر المهدي، فلم يزل قاضيا حتى مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع و مائتين، و دفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران و هو ابن ثمان و سبعين سنة، و ذكر أنه ولد سنة ثلاثين و مائة في آخر خلافة مروان بن محمد. و كان عالما بالمغازي و اختلاف الناس و أحاديثهم، و قال محمد بن خلاد: سمعت محمد بن سلام الجمحي يقول: محمد بن عمر الواقدي عالم دهره، و قال أبراهيم الحربي:

الواقدي آمن الناس على أهل الإسلام. و قال الحربي أيضا: كان الواقدي أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما الجاهلية فلم يعمل فيها شيئا، و قال يعقوب بن شيبة: لما انتقل الواقدي من الجانب الغربي إلى هاهنا يقال إنه حمل كتبه على عشرين و مائة وقر [1]، و قيل: كانت كتبه ستمائة قمطر [2]. و قال محمد بن جرير الطبري: قال ابن سعد: كان الوافدي يقول: ما من أحد إلا و كتبه أكثر من حفظه، و حفظي أكثر من كتبي. و روى غيره عنه قال: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة و أبناء الشهداء و لا مولى لهم إلا سألته: هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده و أين قتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، و لقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، و ما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه أو نحو هذا الكلام، و قال ابن منيع: سمعت هارون الفروي يقول: رأيت الواقدي بمكة و معه ركوة فقلت: أين تريد؟ قال: أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى الموضع و الوقعة، و قال إبراهيم الحربي: سمعت المسيبي يقول:

رأيت الواقدي يوما جالسا إلى إسطوانة في مسجد المدينة و هو يدرس، فقلنا له: أي‏

____________

[ (1)] الوقر: الحمل الثقيل.

[ (2)] القمطر: ما تحفظ فيه الكتب و تصان خوفا من التلف، و جمعها: قماطر.

23

شي‏ء تدرس؟ فقال: حزبي من المغازي. و روينا عن أبي بكر الخطيب قال: و أنا الأزهري قال: أنا محمد بن العباس قال: أنا أبو أيوب قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: و أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي: ثنا عبيد اللّه بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري: ثنا محمد بن أيوب بن المعافي قال: قال إبراهيم الحربي: سمعت المسيبي يقول: قلنا للواقدي: هذا الذي تجمع الرجال تقول: ثنا فلان و فلان، و جئت بمتن واحد، لو حدثتنا بحديث كل رجل على حدة؟ قال: يطول، فقلنا له، قد رضينا، قال: فغاب عنا جمعة ثم أتانا بغزوة أحد، عشرين جلدا، و في حديث البرمكي: مائة جلد، فقلنا له: ردنا إلى الأمر الأول. معنى اللفظين متقارب، و عن يعقوب بن شيبة قال: و مما ذكر لنا أن مالكا سئل عن قتل الساحرة فقال: أنظروا هل عند الواقدي في هذا شي‏ء؟ فذاكروه ذلك، فذكر شيئا عن الضحاك بن عثمان، فذكروا أن مالكا قنع به. و روى أن مالكا سئل عن المرأة التي سمت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بخيبر ما فعل بها؟ فقال: ليس عندي بها علم، و سأسأل أهل العلم، قال: فلقي الواقدي قال: يا أبا عبد اللّه: ما فعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمرأة التي سمته بخيبر فقال: الذي عندنا أنه قتلها: فقال مالك: قد سألت أهل العلم فأخبروني أنه قتلها. و قال أبو بكر الصاغاني:

لو لا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه، حدث عنه أربعة أئمة، أبو بكر بن أبي شيبة، و أبو عبيد، و أحسبه ذكر أبا خيثمة و رجلا آخر. و قال عمرو الناقد: قلت للدراوردي: ما تقول في الواقدي؟ قال: لا تسألني عن الواقدي، سئل الواقدي عني.

و ذكر الداروردي الواقدي فقال: ذلك أمير المؤمنين في الحديث، و سئل أبو عامر العقدي عن الواقدي فقال: نحن نسأل عن الواقدي: إنما يسأل هو [1] عنا، ما كان يفيدنا الأحاديث و الشيوخ بالمدينة إلا الواقدي.

و قال الواقدي: لقد كانت ألواحي تضيع، فأوتي بها من شهرتها بالمدينة يقال:

هذه ألواح ابن واقد.

و قال مصعب الزبيري: و اللّه ما رأينا مثله قط. قال مصعب: و حدثني من سمع عبد اللّه بن المبارك يقول: كنت أقدم المدينة فما يفيدني و لا يدلني على الشيوخ إلا الواقدي. و قال مجاهد بن موسى: ما كتبت عن أحد أحفظ منه. و سئل عنه مصعب‏

____________

[ (1)] و المعنى: إنما يسأل الواقدي عنا.

24

الزبيري فقال: ثقة مأمون، و كذلك قال المسيبي. و سئل عنه معن بن عيسى فقال: أنا أسأل عنه: هو يسأل عني.

و سئل عنه أبو يحيى الزهري فقال: ثقة مأمون. و سئل عنه ابن نمير فقال: اما حديثه عنا فمستو، و اما حديث أهل المدينة فهم أعلم به.

و قال يزيد بن هارون ثقة. و قال عباس العنبري: هو أحب إليّ من عبد الرزاق.

و قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ثقة. و قال إبراهيم: و أما فقه أبي عبيد فمن كتاب محمد بن عمر الواقدي الاختلاف و الإجماع كان عنده. و قال إبراهيم الحربي: من قال أن مسائل مالك بن أنس و ابن أبي ذئب تؤخذ عمن هو أوثق من الواقدي فلا يصدق، لأنه يقول: سألت مالكا، و سألت ابن أبي ذئب.

و قال إبراهيم بن جابر: حدثني عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: كتب أبي عن أبي يوسف و محمد ثلاثة قماطر، قلت له: كان ينظر فيها؟ قال: كان ربما نظر فيها، و كان أكثر نظره في كتب الواقدي.

و سئل إبراهيم الحربي عما أنكره أحمد على الواقدي فقال: إنما أنكر عليه جمعه الأسانيد و مجيئه بالمتن واحدا. و قال إبراهيم: و ليس هذا عيبا، فقد فعل هذا الزهري و ابن إسحق.

قال إبراهيم: لم يزل أحمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن إسحق إلى محمد بن سعد، فيأخذ له جزءين من حديث الواقدي فينظر فيهما ثم يردهما، و يأخذ غيرهما، و كان أحمد بن حنبل ينسبه لتقليب الأخبار كأنه يجعل ما لمعمر لابن أخي الزهري و ما لابن أخي الزهري لمعمر.

و أما الكلام فيه فكثير جدا قد ضعف، و نسب إلى وضع الحديث، و قال أحمد:

هو كذاب، و قال يحيى: ليس بثقة. و قال البخاري و الرازي و النسائي: متروك الحديث، و للنسائي فيه كلام أشد من هذا، و قال الدارقطني: ضعيف، و قال ابن عدى: أحاديثه غير محفوظة و البلاء منه. قلت: سعة العلم مظنة لكثرة الأغراب، و كثرة الأغراب مظنة للتهمة، و الواقدي غير مدفوع عن سعة العلم، فكثرت بذلك غرائبه. و قد روينا عن علي بن المديني أنه قال: للواقدي عشرون ألف حديث لم نسمع بها. و عن يحيى بن معين: أغرب الواقدي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عشرين‏

25

ألف حديث، و قد روينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع و سؤاله من أبناء الصحابة و الشهداء و مواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفرادا بروايات و أخبار لا تدخل تحت الحصر، و كثيرا ما يطعن في الرّاوي برواية وقعت له من أنكر تلك الرواية عليه و استغربها منه، ثم يظهر له أو لغيره بمتابعة متابع أو سبب من الأسباب براءته من مقتضى الطعن فيتخلص بذلك من العهدة.

و قد روينا عن الإمام أحمد (رحمه اللّه) و رضي عنه أنه قال: ما زلنا ندافع أمر الواقدي حتى روى عنه معمر عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«أ فعمياوان أنتما» فجاء بشي‏ء لا حيلة فيه،

و الحديث حديث يونس لم يروه غيره‏

.

و روينا عن أحمد بن منصور الرمادي قال: قدم علي بن المديني بغداد سنة سبع و مائتين، و الواقدي يومئذ قاض علينا، و كنت أطوف مع علي على الشيوخ الذين يسمع منهم، فقلت: أ تريد أن تسمع من الواقدي؟ ثم قلت له بعد ذلك: لقد أردت أن أسمع منه، فكتب إلى أحمد بن حنبل، كيف تستحل الرواية عن رجل روى عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة، و هذا حديث يونس تفرد به. قال أحمد بن منصور الرمادي: فقدمت مصر بعد ذلك، فكان ابن أبي مريم يحدثنا به عن نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن نبهان، و قد رواه أيضا يعقوب بن سفيان عن سعيد بن أبي مريم عن نافع بن يزيد كرواية الرمادي، قال الرمادي: فلما فرغ ابن أبي مريم من هذا الحديث ضحكت، فقال: مم تضحك؟ فأخبرته بما قال علي و كتب إليه أحمد، فقال لي ابن أبي مريم: إن شيوخنا المصريين لهم عناية بحديث الزهري، و كان الرمادي يقول: هذا مما ظلم فيه الواقدي فقد ظهر في هذا الخبر أن يونس لم ينفرد به و إذ قد تابعه عقيل، فلا مانع من أن يتابعه معمر، و حتى لو لم يتابعه عقيل لكان ذلك محتملا، و قد يكون فيما رمى به من تقليب الأخبار ما ينحو هذا النحو. قد أثبتنا من كلام الناس في الواقدي ما يعرف به حاله و اللّه الموفق. و ربما حصل إعلام في بعض الأحيان بغريبة توجد في الخبر و تنبيه على مشكل يقع فيه متنا أو إسنادا على وجه الإيماء و الإشارة لا على سبيل التقصي و بسط العبارة، و سميته بعيون الأثر في فنون المغازي و الشمائل و السير. و اللّه المسؤول أن يجعل ذلك لوجهه الكريم خالصا، و أن يؤوينا إلى ظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا، بمنه و كرمه إن شاء اللّه تعالى.

26

ذكر نسب سيدنا و نبينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، و يدعى شيبة [1] الحمد بن هاشم، و هو عمرو العلي بن عبد مناف، و اسمه المغيرة بن قصي، و يسمى زيدا، و يدعى مجمعا أيضا، قال الشاعر:

أبو كم قصى كان يدعى مجمعا* به جمع اللّه القبائل من فهر ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر [2] بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا هو الصحيح المجمع عليه في نسبه، و ما فوق ذلك مختلف فيه، و لا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل نبي اللّه بن إبراهيم خليل اللّه (عليهما السلام)، و إنما الخلاف في عدد من بين عدنان و إسماعيل من الآباء فمقل و مكثر، و كذلك من إبراهيم إلى آدم (عليهما السلام) لا يعلم ذلك على حقيقته إلا اللّه.

روينا عن ابن سعد: أخبرنا هشام، أخبرني أبي أبو سلمة عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما

أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك و يقول: «كذب النسابون، قال اللّه عز و جل:

وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً

[3].

و قال ابن عباس: لو شاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يعلمه لعلمه. و عن عائشة رضي اللّه عنها: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان و لا قحطان إلا تخرصا [4]. و قد روى‏

____________

[ (1)] قال السهيلي في الروض الأنف: سمي كذلك لأنه ولد و في رأسه شيبة.

[ (2)] و اسمه قريش، و قيل: اسمه منر، و قريش لقب له.

[ (3)] انظر كنز العمال (7/ 18455 و 10/ 29157).

[ (4)] أي قولا بالباطل.

27

نحو ذلك عن عمر و عكرمة و غير واحد. و الذي رجحه بعض النسابين في نسب عدنان أنه ابن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار بن الذبيح إسماعيل ابن الخليل إبراهيم بن تارخ و هو آزر بن ناحور بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ- و هو إدريس النبي (عليه السلام)- بن يارد بن مهلاييل بن قنيان بن أنوش بن شيث- و هو هبة اللّه بن آدم- عليهما أفضل الصلاة و السلام.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الفاروثي الإمام بدمشق: أنبأ الحسين بن علي العلوي ببغداد، أنبأ ابن ناصر قراءة عليه و أنا أسمع: أنبأ أبو طاهر بن أبي الصقر الأنباري، أنبأ القاضي أبو البركات أحمد بن عبد الواحد بن الفضل الفراء، أنبأ الشريف أبو جعفر محمد بن عبد اللّه بن ظاهر الحسيني، ثنا أبو سليمان أحمد بن محمد بن المكي بالمدينة سنة تسع و تسعين و مائتين، ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن أبي ذئب عمن لا يتهم عن عمرو بن العاص فذكر حديث و فيه قال (يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم))

«إن اللّه اختار العرب على الناس، و اختارني على من أنا منه، ثم أنا محمد بن عبد اللّه ...» حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال: «فمن قال غير هذا فقد كذب [1].

و به عن عبد العزيز بن محمد عن ابن أبي ذئب عن جبير بن أبي صالح عن أبن شهاب عن سعد بن أبي وقاص‏

قال: يا رسول اللّه: قتل فلان (لرجل من ثقيف) فقال:

«أبعده اللّه، إنه كان يبغض قريشا [2]».

و روينا من طريق مسلم: ثنا محمد بن مهران الرازي و محمد بن عبد الرحيم بن سهم جميعا عن الوليد بن مسلم، ثنا ابن مهران، ثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم» [3].

____________

[ (1)] انظر كنز العمال (11/ 32119 و 32120 و 32121).

[ (2)] انظر كنز العمال (14/ 37993).

[ (3)] انظر صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل نسب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تسليم الحجر عليه قبل النبوة (4/ 1782) رقم 2276.

28

و العرب على ست طبقات: شعب و قبيلة و عمارة و بطن و فخذ و فصيلة. و سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها. و سميت القبائل لأنّ العمائر تقابلت عليها، فالشعب تجمع القبائل، و القبيلة تجمع العمائر، و العمارة تجمع البطون، و البطن تجمع الأفخاذ، و الفخذ تجمع الفضائل، فيقال: مضر شعب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كنانة قبيلته و قريش عمارته، و قصي بطنه، و هاشم فخذه، و بنو العباس فصيلته. هذا قول الزبير، و قيل: بنو عبد المطلب فصيلته، و عبد مناف بطنه، و سائر ذلك كما تقدم. و قيل بعد الفصيلة العشيرة و ليس بعد العشيرة شي‏ء. و قيل: الفصيلة هي العشيرة، و قيل غير ذلك.

29

ذكر تزويج عبد اللّه بن عبد المطلب‏

آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب و كانت في حجر عمها وهيب بن عبد مناف قال الزبير: و كان عبد اللّه أحسن رجل رؤي في قريش قط، و كان أبوه عبد المطلب قد مر به فيما يزعمون على امرأة [1] من بني أسد بن عبد العزي، و هي أخت ورقة بن نوفل عند الكعبة، فقالت له: أين تذهب يا عبد اللّه؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك (و كانت مائة) وقع عليّ الآن، قال: أنا مع أبي و لا أستطيع خلافه و لا فراقه، و أنشد بعض أهل العلم في ذلك لعبد اللّه بن عبد المطلب:

أما الحرام فالممات دونه * * * و الحلّ لا حلّ فأستبينه‏

فكيف بالأمر الذي تبغينه

أخبرنا الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي سماعا بدمشق، أنبأ الأمير أبو محمد الحسن بن علي العلوي ببغداد سماعا عليه قال: أخبرنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي قراءة عليه و أنا أسمع قال: أنبأ أبو طاهر بن أبي الصقر، أنبأ القاضي أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب الفراء، أنبأ الشريف أبو جعفر محمد بن عبد اللّه الحسيني ثنا أبو بكر الخضر بن داود بمكة، ثنا الزبير بن بكار، حدثني سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال:

____________

[ (1)] قيل أن اسم هذه المرأة: رقية بنت نوفل، و كنيتها: أم قتال، و قيل: هي فاطمة بنت مر، و قيل: هي ليلى العدوية.

30

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏

[1]. قال: أحدكم من أنفسكم لم يصبه شي‏ء من ولادة الجاهلية، قال: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح» [2].

و روينا عن ابن سعد قال: أنبأ هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: كتبت للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا و لا شيئا مما كان من أمر الجاهلية، و

روينا مرفوعا من حديث ابن عباس و عائشة رضي اللّه عنهما أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«خرجت من نكاح غير سفاح».

رجع إلى الأول: فخرج بن عبد المطلب حتى أتى به وهيب بن عبد مناف بن زهرة، و هو يومئذ سيد بني زهرة سنا و شرفا، فزوجه آمنة بنت وهب، و هي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا و موضعا، فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه و وقع عليها، فحلمت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها: مالك لا تعرضين عليّ اليوم ما عرضت بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، و قد كانت سمعت من أخيها ورقة بن نوفل أنه كائن في هذه الأمة نبي. قال أبو عمر: كان تزوجها و عمره ثلاثون سنة، و قيل: خمس و عشرون، و قيل بينهما ثمانية و عشرون عاما.

و تزوج عبد المطلب في ذلك المجلس دالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة، و المقوم، و حجلا، و صفية أم الزبير. قال محمد بن السائب الكلبي: لما تزوج عبد اللّه بن عبد المطلب آمنة أقام عندها ثلاثا، و كانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها.

____________

[ (1)] سورة التوبة: الآية 128.

[ (2)] انظر كنز العمال (11/ 31871 و 32016 و 32017).

31

ذكر حمل آمنة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال ابن إسحاق: و يزعمون فيما يتحدث الناس و اللّه أعلم أن أمه [1] كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد، ثم سميه محمدا [2].

و من طريق محمد بن عمر عن علي بن زيد عن عبد اللّه بن وهب بن زمعة عن أبيه عن عمته قالت:

كنا نسمع أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما حملت به أمه آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت بأني حملت به و لا وجدت له ثقلة كما يجد النساء، إلا أني أنكرت رفع حيضتي، و ربما كانت تقول: و أتاني آت و أنا بين النائم و اليقظان فقال:

هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول ما أدري، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة و نبيها، و ذلك يوم الاثنين، الحديث ... و أمهلني حتى دنت ولادتي أتاني فقال: قولي أعيذه بالواحد. و عن الزهري قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته.

____________

[ (1)] أي أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

[ (2)] و لم يعرف أن أحدا قد سمي باسمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا ثلاثة طمع آباؤهم أن يكون ولدا لهم، و هم: محمد بن سفيان بن مجاشع (جد جد الفرزدق الشاعر) و محمد بن حمران بن ربيعة و محمد بن أحيحة الجلاح.

32

ذكر وفاة عبد اللّه بن عبد المطلب‏

قال ابن إسحق: ثم لم يلبث عبد اللّه بن عبد المطلب أن هلك و أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حامل به. هذا قول ابن إسحق. و غيره يقول: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في المهد [حين‏] [1] توفي أبوه، رويناه عن الدولابي، و ذكر ابن أبي خيثمة أنه كان ابن شهرين و قيل ابن ثمانية و عشرين شهرا. و قبره في المدينة في دار من دور بني عدي بن النجار، كان خرج إلى المدينة يمتار تمرا، [2] و قيل: بل خرج به إلى أخواله زائرا و هو ابن سبعة أشهر. و في خبر سيف بن ذي يزن: مات أبوه فكلفه جده و عمه.

و روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال بعث عبد المطلب ابنه عبد اللّه يمتار له تمرا من يثرب فمات بها و هو شاب عند أخواله و لم يكن له ولد غير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و الذي رجحه الواقدي و قال: هو أثبت الأقاويل عندنا في موت عبد اللّه و سنه أنه كان خرج إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم و انصرفوا، فمروا بالمدينة و عبد اللّه بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أنا أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، و أقام عندهم مريضا شهرا، و مضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن عبد اللّه فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار و هو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحرث فوجده قد توفي، و دفن في دار النابغة قيل: كان بينه و بين ابنه ثمانية عشر عاما، و قد تقدم في تزويج عبد اللّه آمنة ما حكى عن السلف في ذلك.

____________

[ (1)] وردت في الأصل: حتى، و لعل الصواب ما أثبتناه.

[ (2)] أي يجمع التمر لأهله أو لنفسه، و الميرة: الطعام الذي يجمع للسفر و نحوه.

33

ذكر مولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و ولد سيدنا و نبينا محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل، قيل: بعد الفيل بخمسين يوما.

و قال الزبير: حملت به أمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطي، و ولد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الدار التي تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، و قيل: بل يوم الإثنين في ربيع الأول ليلتين خلتا منه.

قال أبو عمر: و قد قيل لثمان خلون منه، و قيل: إنه أول اثنين من ربيع الأول، و قيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه عام الفيل، و قيل: إنه ولد في شعب بني هاشم.

و روى عن ابن عباس قال: ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الفيل: أخبرناه أبو المعالي أحمد بن إسحق فيما قرأت عليه، قلت: قال: أخبركم الشيخان أبو الفرج الفتح بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد السلام و أبو العباس أحمد بن أبي الحسين بن أبي الفتح بن صرما (ح).

قال: و قرأت على الإمام أبي إسحق إبراهيم بن علي بن أحمد الحنبلي الزاهد بسفح قاسيون، قال: قلت له: أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن محمد البغدادي قالوا: أنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأموي سماعا عليه قال: أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن النقور قال: أنا أبو الحسين علي بن عمر السكري قال: أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا

34

يونس بن أبي إسحق عن أبي إسحق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الفيل.

و عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الفيل، فنحن لدان.

و قيل: بعد الفيل بشهر، و قيل: بأربعين يوما، و قيل: بخمسين يوما.

و ذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قال: كان قدوم الفيل مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، و قد قال ذلك غير الخوارزمي، و زاد: يوم الأحد، قال:

و كان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة. قال الخوارزمي: و ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ذلك بخمسين يوما يوم الإثنين لثمان خلت من ربيع الأول، و ذلك يوم عشرين من نيسان، قال: و بعث نبينا يوم الإثنين لثمان خلت من ربيع الأول سنة إحدى و أربعين من عام الفيل، فكان من مولده إلى أن بعثه اللّه أربعون سنة و يوم، و من مبعثه إلى أول المحرم من السنة التي هاجر فيها اثنتا عشرة سنة و تسعة أشهر و عشرون يوما، و ذلك ثلاث و خمسون سنة تامة من عام الفيل.

و ذكر ابن السكن من حديث عثمان ابن أبي العاص عن أمه فاطمة بنت عبد اللّه أنها شهدت ولادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلا، قالت: فما شي‏ء أنظر إليه من البيت إلا نور، و إني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن عليّ. و يقال: وضعت عليه جفنة فانفلقت عنه فلقتين، فكان ذلك من مبادئ إمارات النبوة في نفسه.

و ذكر ابن أبي خيثمة عن أبي صالح السمان قال: قال كعب: إنا لنجد في كتاب اللّه عز و جل محمد مولده بمكة. و عن عبد الملك بن عمير قال: قال كعب: إني أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، مولده بمكة. و حكى أبو الربيع بن سالم أن بقي بن مخلد ذكر في تفسيره أن إبليس لعنه اللّه رن أربع رنات: رنة حين لعن، و رنة حين أهبط، و رنة حين ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و رنة حين نزلت فاتحة الكتاب.

أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الدمشقي بقراءتي عليه قلت له أخبركم الشيخان أبو عبد اللّه محمد بن نصر بن عبد الرحمن بن محمد بن محفوظ القرشي، و الأمير سيف الدولة أبو عبد اللّه محمد بن غسان بن غافل بن نجاد الأنصاري قراءة عليهما و أنت حاضر في الرابعة قالا: أنا الفقيه أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ

35

قراءة عليه و نحن نسمع قال: أنا المشائخ أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن الفتح بن علي الفقيه و أبو الفرج غيث بن علي بن عبد السلام بن محمد بن جعفر بن الأرمنازي الصوري الخطيب، و أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر بن العباس الوكيل بدمشق قالوا: أنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد السلمي قال: أنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد قال: أنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل الخرائطي، ثنا علي بن حرب، ثنا أبو أيوب يعلى بن عمران من آل جرير بن عبد اللّه البجلي قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه و أتت له خمسون و مائة سنة قال: لما كان ليلة ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ارتجس [1] إيوان كسرى و سقطت منه أربع عشرة شرفة، و خمدت نار فارس و لم تخمد قبل ذلك بألف عام، و غاضت بحيرة ساوة و رأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى [2] أفزعه ذلك، فصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يدخر- و قال الفقيه أنه لا يدخر- ذلك عن مرازبته فجمعهم، و لبس تاجه و جلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم ما رأى و ما هاله، فقال الموبذان [3]:

و أنا أصلح اللّه الملك قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص عليه رؤياه في الإبل فقال: أي شي‏ء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، و كان أعلمهم في أنفسهم، فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني، فلما ورد عليه قال له: أ لك علم بما أريد أن أسألك عنه، قال: ليخبرني الملك أو ليسئلني عما أحب، فإن كان عندي منه علم و إلا أخبرته بمن يعلمه فأخبره بالذي وجه إليه فيه، قال: علم ذلك عند خال لي يسكن‏

____________

[ (1)] الرّجس: شدة الصوت، قال ابن السكيت: الرّجس: مصدر، صوت الرعد و تمخضه، و قال غيره: هو الصوت الشديد من الرعد، و رجست السماء ترجس إذا رعدت و تمخضت. (انظر لسان العرب 3/ 95).

[ (2)] و هو كسرى أبرويز.

[ (3)] و هو قاضي القضاة.

36

مشارف الشام بقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح [1] و قد أشفى على الضريح، فسلم عليه و كلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن. في أبيات ذكرها. قال فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول عبد المسيح على جمل مشيخ إلى سطيح و قد أشفى على الضريح [2]، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان و خمود النيران و رؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها، يا عبد المسيح: إذا كثرت التلاوة، و ظهر صاحب الهراوة، و فاض وادي السماوة [3]، و غاضت بحيرة ساوة، و خمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك و ملكات على عدد الشرفات، و كل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته و هو يقول:

شمر فإنك ماضي الهم شمير * * * لا يفزعنك تفريق و تغيير

إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم * * * فإن ذا الدهر أطوار دهارير

فربما ربما أضحوا بمنزلة * * * تهاب صولهم الأسد المهاصير [4]

منهم أخو الصرح بهرام و إخوته * * * و الهرمزان و سابور و سابور

و الناس أولاد علات فمن علموا * * * أن قد أقل فمحقور و مهجور

و هم بنو الأم أما إن رؤوا نشبا * * * فذاك بالغيب محفوظ و منصور

و الخير و الشر مقرونان في قرن * * * فالخير متبع و الشر محذور

فلما قدم [عبد] [5] المسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح، فقال كسرى:

إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور و أمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، و ملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي اللّه عنه.

____________

[ (1)] و هو سطيح الكاهن.

[ (2)] أي قرب أجله.

[ (3)] السماوة: بفتح السين و تخفيف الميم، قيل: هي أرض لبني كلب، لها طول و لا عرض لها، تأخذ من ظهر الكوفة إلى جهة مصر. قال أبو الفتح: سميت بذلك لعلوها و ارتفاعها. (انظر تهذيب الأسماء و اللغات للنووي 3/ 160).

[ (4)] أي الأسد المفترسة.

[ (5)] ساقطة من الأصل، و لعل الصواب ما أثبتناه.

37

قال ابن إسحق: فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام فانظر إليه، فأتاه و نظر إليه، و حدثته بما رأت حين حملت به، و ما قيل لها فيه، و ما أمرت أن تسميه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة، فقام يدعو اللّه و يتشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها.

و ولد (صلّى اللّه عليه و سلّم) معذورا مسرورا أي مختونا مقطوع السرة، و وقع إلى الأرض مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسباحة كالمسبح بها، حكاه السهيلي.

روينا عن ابن جميع ثنا عمر بن موسى بالمصيصة ثنا جعفر بن عبد الواحد قال:

قال لنا صفوان بن هبيرة و محمد بن البرساني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال:

ولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسرورا مختونا.

38

ذكر تسميته محمدا و أحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)

روينا عن أبي جعفر محمد بن علي من طريق ابن سعد قال:

أمرت آمنة و هي حامل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن تسميه أحمد.

و روينا عن ابن إسحق فيما سلف أنها أتيت حين حملت به، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، و فيه: ثم سميه محمدا. و

روينا من طريق الترمذي: ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إن لي أسماء: أنا محمد و أنا أحمد، و أنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر، و إنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» [1]

و صححه و قال: في الباب عن حذيفة. و روى حديث جبير البخاري و مسلم و النسائي و سيأتي الكلام على بقية الأسماء إن شاء اللّه تعالى.

و ذكر أبو الربيع بن سالم قال: و يروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها، زعموا أنه رأى في منامه كأن سلسلة في فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء و طرف في الأرض، و طرف في المشرق و طرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، و إذا أهل المشرق و المغرب يتعلقون بها، فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق و المغرب، و يحمده أهل السماء و الأرض، فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به أمه.

و روينا عن أبي القاسم السهيلي (رحمه اللّه) قال: لا يعرف في العرب من تسمى‏

____________

[ (1)] أخرجه الترمذي في كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (5/ 124) رقم 2840.

39

بهذا الإسم قبله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بقرب زمانه و أنه يعبث بالحجاز أن يكون ولدا لهم، ذكرهم ابن فورك في كتاب (الفضول) و هم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر و الآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمر بن عوف بن مالك بن الأوس، و الآخر محمد بن حمران و هو من ربيعة، و ذكر معهم محمدا رابعا أنسيته، و كان آباء هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك الأول، و كان عنده علم بالكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و باسمه، و كان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم و إن ولد له ولد ذكر أن يسميه محمدا ففعلوا ذلك.

و روينا عن القاضي أبي الفضل عياض (رحمه اللّه) في تسميته (عليه السلام) محمدا و أحمد قال: في هذين الاسمين من بدائع آياته و عجائب خصائصه، أن اللّه جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الذي أتى في الكتب و بشرت به الأنبياء فمنع اللّه تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره، و لا يدعي به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك، و كذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب و لا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته، و هم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، و محمد بن مسلمة الأنصاري، و محمد بن براء البكري، و محمد بن سفيان بن مجاشع، و محمد بن حمران الجعفي، و محمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم. و يقال: إن أول من سمى به محمد بن سفيان، و اليمن تقول: محمد بن اليحمد الأزدي، ثم حمى اللّه كل من سمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له حتى تحققت السمتان له، و لم ينازع فيهما و اللّه أعلم.

40

ذكر الخبر عن رضاعة (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما يتصل بذلك من شق الصدر

روينا عن ابن سعد قال: أنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبد اللّه بن كعب بن مالك عن برة بنت أبي تجرأة قالت: أول من أرضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثويبة بلبن ابن لها يقال له: مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة، و كانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، و بعده أبا سلمة بن عبد الأسد.

أخبرنا أبو العباس الساوي بقراءة والدي عليه قال: أنا أبو روح المطهر بن أبي بكر البيهقي سماعا عليه قال: أنا أبو بكر الطوسي قال: أنا أبو علي الخشنامي قال:

أنا أحمد بن الحسن النيسابوري قال: أنا محمد بن أحمد قال: أنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبيد، ثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي قال:

قلت: يا رسول اللّه مالك لا تنوق في قريش و لا تتزوج منهم؟ قال: «و عندك» قلت: نعم، ابنة حمزة، قال: «تلك ابنة أخي من الرضاعة».

قرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي بسفح قاسيون، أخبرك أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلي قراءة عليه و أنت تسمع قال: أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البناء قال: أنا أبو نصر محمد بن محمد الزيني قال: أنا أبو بكر محمد بن عمر بن علي الوراق، ثنا أبو بكر عبد اللّه بن سليمان بن الأشعث، ثنا أبو موسى عيسى بن حماد زغبة قال: أنا الليث عن هشام بن عروة عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم حبيبة أنها قالت:

دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت: هل لك في أختي ابنة بي سفيان؟ و فيه قالت: فو اللّه لقد أنبئت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة، قال: «ابنة

41

أبي سلمة» قالت: نعم، قال: «فو اللّه لو لم تكن ربيتني في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني و أباها ثويبة، فلا تعرضن عليّ بناتكن و لا أخواتكن» [1] الحديث.

و ذكر الزبير أن حمزة أسن من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربع سنين. و حكى أبو عمر نحوه و قال: و هذا لا يصلح عندي، لأن الحديث الثابت أن حمزة و عبد اللّه بن عبد الأسد أرضعتهما ثويبة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين. قلت: و أقرب من هذا ما روينا عن ابن إسحق من طريق البكائي أنه كان أسن من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسنتين و اللّه أعلم.

و استرضع له من بني سعد بن بكر امرأة يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب، و كانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها [2] و ابن لها [3] ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر قالت: و في سنة شهباء [4] لم تبق لنا شيئا قالت: فخرجت على أتان لي قمراء [5]، معنا شارف [6] لنا، و اللّه ما تبض [7] بقطرة لبن، و ما ننام ليلتنا أجمع مع صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، و ما في شارفنا ما يغذيه، و لكنا نرجو الغيث و الفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمّت [8] بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا و عجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا و قد عرض عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتأباه إذا قيل لها أنه يتيم، و ذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا

____________

[ (1)] انظر كنز العمال (6/ 283) رقم 15725، و فيه: قال عروة: و كانت ثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما رآه بعض أهله في النوم فقال: ما ذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم راحة، غير أن سقيت في هذه مني بعتقي ثويبة، و أشار إلى النقرة التي تلي الإبهام و التي تليها.

[ (2)] و هو الحارث بن عبد العزي بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.

[ (3)] يقال أن اسمه عبد اللّه بن الحارث.

[ (4)] أي ذات قحط و جدب.

[ (5)] الأتان: الحمارة، و القمرة: شدة البياض أو البياض المائل إلى الخضرة.

[ (6)] الشارف: الناقة المسنة.

[ (7)] يقال: بض الماء بضا و بضوضا أي رشح.

[ (8)] أي تأخرت بالركب من الإعياء.

42

الانطلاق قلت لصاحبي: و اللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي و لم آخذ رضيعا، و اللّه لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، و ما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء من لبن، و شرب حتى روى و شرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، و ما كنا ننام معه قبل ذلك، فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها الحافل، فحلب منها ما شرب و شربت، حتى انتهينا ريا و شبعا فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي و اللّه يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قلت: و اللّه إني لأرجو ذلك، ثم خرجت و ركبت أتاني و حملته عليها معي، فو اللّه لقطعت بالركب ما يقدر على شي‏ء من حمرهم، حتى أن صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب ويحك أربعي [1] علينا، أ ليست هذا أتانك التي كنت خرجت عليها، فأقول لهن: بلى و اللّه إنها لهي، فيقلن: و اللّه إن لها لشأنا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بني سعد، و لا أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب و نشرب، و ما يحلب إنسان قطرة لبن، و لا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم إسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، و تروح غنمي شباعا لبنا، فلم يزل نتعرف من اللّه الزيادة و الخير حتى مضت سنتاه و فصلته، و كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا [2] فقدمنا به على أمه و نحن أحرص شي‏ء على مكثه فينا، لما ترى من بركته، فكلمنا أمه و قلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، فلم نزل به حتى ردته معنا، فرجعنا به، فو اللّه إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي و لأبيه: ذاك أخي القرشي عبد اللّه قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا و أبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا لوجهه،

قال: فالتزمنه و التزمه أبوه، فقلنا: مالك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا

____________

[ (1)] أي اشفقي أو ارفقي بنا.

[ (2)] أي قوي على الأكل و استغنى عن لبن أمه.

43

بطني، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو،

قالت: فرجعنا به إلى خيامنا، و قال لي أبوه:

يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر [1]. و لقد كنت حريصة عليه و على مكثه عندك، قلت: قد بلّغ اللّه بابني و قضيت الذي عليّ، و تخوفت الإحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك، فأصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أ فتخوفت عليه الشيطان؟ قلت:

نعم، قالت: كلا و اللّه، ما للشيطان عليه سبيل، و إن لبني لشأنا، أ فلا أخبرك خبره؟

قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصري من أرض الشام، ثم حملت به، فو اللّه ما رأيت من حمل قط كان أخف منه و لا أيسر منه، و وقع حين ولدته و إنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك و انطلقي راشدة.

قال السهيلي: و ذكر غير ابن إسحق في حديث الرضاع أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يقبل إلا على ثديها الواحد، و تعرض عليه الآخر فيأباه، كأنه قد أشعر أن معه شريكا في لبانها، و كان مفطورا على العدل، مجبولا على جميل المشاركة و الفضل (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و يروى‏

أن نفرا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالوا له: يا رسول اللّه: أخبرنا عن نفسك؟ قال: «نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، و بشارة عيسى ابن مريم عليهما الصلاة و السلام، و رأت أمي حين حملت بي أنه قد خرج منها نور أضاء له قصور الشام، و استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فسقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي و باطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها. و في رواية:

فاستخرجا منه مغمز الشيطان و علق الدم. و فيها: و جعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن.

____________

[ (1)] الظئر: المرضعة لولد غيرها.

44

قوله في هذا الخبر: و ما في شارفنا ما يغديه، قيل: بالدال المهملة من الغداء، و قيل: بالمعجمة. و قال أبو القاسم: و هو أتم من الاقتصار على ذكر الغداء دون العشاء. و عند بعض الناس يعذبه و معناه ما يقنعه حتى يرفع رأسه و ينقطع عن الرضاع، يقال منه: عذبته و أعذبته إذا قطعته عن الشرب و نحوه، و العذوب و جمعه عذوب بالضم، و لا يعرف فعول جمع على فعول غيره قاله أبو عبيد انتهى كلام السهيلي (رحمه اللّه).

و أنشدني أبي (رحمه اللّه) لبعض العرب يهجو قوما بات ضيفهم:

بتنا عذوبا و بات البق يلبسنا * * * نشوي القراح كأن لا حي بالوادي‏

و ذكر في فعول غير عذوب، و حكى ذلك عن (كتاب ليس) لابن خالويه.

و قوله: أدمت بالركب حبستهم، و كأنه من الماء الدائم و هو الواقف. و يروى أذمت أي الإتان أي جاءت بما تذم عليه، أو يكون من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء. و قوله:

يسوطانه، يقال: سطت اللبن أو الدم أو غيرهما أسوطه إذا ضربت بعضه ببعض، و المسوط عود يضرب به. و قوله: مغمز الشيطان، هو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى ابن مريم و أمه لقول أمها حنة: إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ [1] و لأنه لم يخلق من منى الرجال، و إنما خلق من نفخة روح القدس، قال السهيلي: و لا يدل هذا على فضله (عليه السلام) على نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأنه محمدا عند ما نزع ذلك منه ملئ حكمة و إيمانا بعد أن غسله روح القدس بالثلج و البرد.

و قد روى أنه (عليه السلام) ليلة الإسراء أتي بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا، فأفرغ في قلبه، و أنه غسل قلبه بماء زمزم، فوهم بعض أهل العلم من روى ذلك ذاهبا في ذلك إلى أنها واقعة واحدة متقدمة التاريخ على ليلة الإسراء بكثير. قال السهيلي: و ليس الأمر كذلك، بل كان هذا التقديس و هذا التطهير مرتين: الأولى في حال الطفولية، لينقي قلبه من مغمز الشيطان، و الثانية: عند ما أراد أن يرفعه إلى الحضرة المقدسة، و ليصلي بملائكة السموات، و من شأن الصلاة الطهور، فقدس‏

____________

[ (1)] سورة آل عمران: الآية 36.

45

باطنا و ظاهرا، و ملئ قلبه حكمة و إيمانا، و قد كان مؤمنا، و لكن اللّه تعالى قال:

وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [1].

رجع إلى الأول: و انطلق به أبو طالب: و كانت حليمة بعد رجوعها من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا، فغفلت عنه يوما في الظهيرة، فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته، فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمه، ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظل عليه، إذا وقف وقفت، و إذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع، تقول أمها: أ حقا يا بنية؟ قالت: إي و اللّه قال: تقول حليمة: أعوذ باللّه من شر ما نحذر على ابني، فكان ابن عباس يقول: رجع إلى أمه و هو ابن خمس سنين، و كان غيره يقول: رد إليها و هو ابن أربع سنين، و هذا كله عن الواقدي. و قال أبو عمر: ردته ظئره حليمة إلى أمه بعد خمس سنين و يومين من مولده، و ذلك سنة ست من عام الفيل، و أسلمت حليمة بنت أبي ذؤيب و هو: عبد اللّه بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناضرة بن قبيصة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.

قال أبو عمر: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: جاءت حليمة ابنة عبد اللّه أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرضاعة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم حنين، فقام إليها و بسط لها رداءه فجلست عليه. روت عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، روى عنها ابنها عبد اللّه بن جعفر،

قرئ على أبي العباس أحمد بن يوسف الصوفي و أنا أسمع: سنة ست و سبعين، قال: أنا أبو روح البيهقي سماعا عليه سنة خمس و ستمائة قال: أنا الإمام أبو بكر محمد بن علي الطوسي قراءة عليه و نحن نسمع قال: أنا أبو علي نصر اللّه بن أحمد بن عثمان الخشنامي قال: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن النيسابوري قال: أنا أبو علي محمد بن أحمد الميداني قال: أنا أبو عبد اللّه محمد بن خالد بن فارس، ثنا أبو عاصم النبيل عن جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة عن أبي الطفيل قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقسم لحما بالجعرانة و أنا غلام شاب، فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسط لها رداءه فقعدت عليه، فقال: من هذه قال: أمه التي أرضعته.

هكذا روينا في هذا الخبر، و كذا حكى أبو عمر بن عبد البر عن حليمة بنت أبي ذؤيب أنها أسلمت‏

____________

[ (1)] سورة المدثر: الآية 31.

46

و روت، و من الناس من ينكر ذلك. و حكى السهيلي أنها كانت وفدت على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل ذلك بعد تزويجه خديجة تشكو إليه السنة [1]، و أن قومها قد أسنتوا، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم و بكرات. و ذكر أبو إسحاق بن الأرمين في استدراكه على أبي عمر خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش التي أرضعت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). و ذكر غيره فيهن أيضا أم أيمن بركة حاضنته (عليه السلام).

____________

[ (1)] أي الجدب و القحط.

47

ذكر الخبر عن وفاة أمه آمنة بنت وهب و حضانة أم أيمن له و كفالة عبد المطلب إياه‏

قال ابن إسحق: فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع أمه آمنة وجده عبد المطلب في كلاءة اللّه و حفظه، ينبته اللّه نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ست سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة و المدينة [1]، قال أبو عمر بن عبد البر: و قيل ابن سبع سنين، قال: و قال محمد بن حبيب في الخبر: توفيت أمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن ثمان سنين، و قال: و توفي جده عبد المطلب بعد ذلك بسنة و أحد عشر شهرا سنة تسع من عام الفيل، و قيل: إنه توفي جده عبد المطلب و هو ابن ثمان سنين.

رجع إلى ابن إسحق، قال: و كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت و هي راجعة إلى مكة، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع جده عبد المطلب، و كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتي و هو غلام جفر [2] حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا بنيّ، فو اللّه إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه، و يمسح ظهره بيده و يسره ما يراه يصنع. قرأت على أحمد بن محمد المقدسي الزاهد: أخبرك أبو إسحق إبراهيم بن عثمان عن محمد بن عبد الباقي عن أحمد بن الحسن، قال أبو إسحق: و أنا أحمد بن محمد بن علي بن صالح قال: أنا أبو بكر أحمد بن الحسين قالا: أنا أبو علي بن شاذان قال: أنا ابن درستويه قال: أنا

____________

[ (1)] قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 108): ذكر الأزرقي في موضعه (أي موضع قبر أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمكة في دار النابغة، و الثاني: أنه بمكة أيضا في شعب أبي ذر، و الثالث: أنه بالأبواء» قلت: هذا الثالث أصح. انتهى.

[ (2)] يقال: جفر الصبي إذا انتفع لحمه و صار له كرش.

48

يعقوب بن سفيان، ثنا أبو الحسن مهدي بن عيسى قال: أنا خالد بن عبد اللّه الواسطي عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه قال:

حججت في الجاهلية، فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يقول:

رد إلى راكبي محمدا * * * أردده رب و اصطنع عندي يدا

قال: قلت: من هذا؟ قال: عبد المطلب بن هاشم بعث ابن ابنه في إبل له ضلت، و ما بعثه في شي‏ء إلا جاء به، قال: فما برحت حتى جاء بالإبل معه، قال:

فقال: يا بني حزنت عليك حزنا لا يفارقني بعده أبدا، قالوا: و كانت أم أيمن تحدث تقول: كنت أحضن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول: يا بركة؟ قلت: لبيك، قال: أ تدري أين وجدت ابني؟ قلت: لا أدري، قال: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة، و أنا لا آمن عليه منهم، و كان لا يأكل طعاما إلا قال: عليّ بابني، فيؤتي به إليه.

و روينا عن ابن سعد قال أنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدثني الوليد بن عبد اللّه بن جميع الزهري عن ابن لعبد الرحمن بن موهب ابن رباح الأشعري حليف بني زهرة عن أبيه قال: حدثني مخرمة بن نوفل قال: [قال الزهري‏] [1]: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف تحدث و كانت لدة عبد المطلب قال: تتابعت على قريش سنون ذهبن بالأموال، و أشفين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم و هذا إبان خروجه، و به يأتيكم بالحيا و الخصب، فأنظروا رجلا من أوسطكم نسبا، طوالا عظاما، أبيض مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار جعدا، سهل الخدين رقيق العرنين، فليخرج هو و جميع ولده، و ليخرج منكم من كل بطن رجل، فتطهروا و تطيبوا ثم استلموا الركن، ثم أرقوا إلى رأس أبي قبيس [2] ثم يتقدم هذا الرجل‏

____________

[ (1)] وردت في الأصل: الزهري قال، و لعل الصواب ما أثبتناه.

[ (2)] أبو قبيس: (بضم القاف و فتح الباء) و هو الجبل المعروف بنفس مكة، حكي الجوهري في سبب تسميته بذلك قولين، الصحيح منهما أن أول من نهض يبني فيه رجل من مذحج يقال له: أبو قبيس، فلما صعد في البناء سمي أبا قبيس، و الثاني ضعيف أو غلط فتركه. قال أبو الوليد الأزرقي: الأخشبان بمكة هما-

49

فيستسقي و تؤمنون، فإنكم ستسقون، فأصبحت فقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، و خرج من كل بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس و معهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو غلام، فتقدم عبد المطلب و قال: لا هم [1] هؤلاء عبيدك و بنو عبيدك، و إماؤك و بنات إمائك، و قد نزل بنا ما ترى، و تتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف و الخف، و أشفت على الأنفس، فأذهب عنا الجدب، و ائتنا بالحيا و الخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، و برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سقوا، فقالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف:

بشيبة الحمد أسقى اللّه بلدتنا * * * و قد فقدنا الحيا و اجلوّذ [2] المطر

فجاد بالماء جونى له سبل * * * دان فعاشت به الأنعام و الشجر

منا من اللّه بالميمون طائره * * * و خير من بشرت يوما به مضر

مبارك الأمر يستسقى الغمام به * * * ما في الأنام له عدل و لا خطر

____________

[ ()] الجبلان أحدهما أبو قبيس و هو الجبل المشرف على الصفا إلى السويد إلى الحندمة، و كان يسمى في الجاهلية: الأمين، لأن الحجر الأسود كان مستودعا فيه عام الطوفان، قال الأزرقي: و بلغني عن بعض أهل العلم عن أهل مكة أنه قال: إنما سمي أبو قبيس لأن رجلا كان يقال له أبو قبيس بنى فيه، فلما صعد فيه بالبناء سمي الجبل: أبا قبيس، و يقال: كان الرجل من إياد، قال: و يقال: اقتبس منه الحجر الأسود فسمي أبا قبيس، و القول الأول أشهرهما عند أهل مكة، قال مجاهد: أول جبل وضعه اللّه تعالى على الأرض حين مادت أبو قبيس، و أما الأخشب الآخر فهو الجبل الذي يقال له: الأحمر، و كان يسمى في الجاهلية: الأعرف، و هو الجبل المشرف على قعيقعان و على دور عبد اللّه بن الزبير. (انظر تهذيب الأسماء و اللغات للنووي 3/ 108).

[ (1)] أي: اللهم.

[ (2)] أي ذهب و امتد وقت تأخره و انقطاعه.

50

ذكر وفاة عبد المطلب و كفالة أبي طالب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

ثم إن عبد المطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف في حقيقتها، قال أبو الربيع بن سالم: أدناها فيما انتهى إليّ و وقفت عليه خمس و تسعون سنة، ذكره الزبير، و أعلاها فيما ذكره الزبير أيضا عن نوفل بن عمارة قال، كان عبيد بن الأبرص ترب [1] عبد المطلب، و بلغ عبيد مائة و عشرين سنة، و بقي عبد المطلب بعده عشرين سنة، و كانت وفاته سنة تسع من عام الفيل، و للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يومئذ ثمان سنين، و قيل: بل توفي عبد المطلب و هو ابن ثلاث سنين، و حكاه أبو عمر.

و بقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد مهلك جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب، و كان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون، و ذلك أن عبد اللّه أبا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا طالب اخوان لأب و أم، فكان أبو طالب هو الذي يلي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد جده فكان إليه و معه. و ذكر الواقدي أن أبا طالب كان مقلا من المال، و كانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة [2]، فيبدو إليها فيكون فيها، و يؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة، فكان عيال أبي طالب إذا أكلوا جميعا و فرادي لم يشبعوا، و إذا أكل معهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يأتى ابنى، فيأتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، و إن كان لبنا شرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولهم، ثم تناول القعب [3] فيشربون منه، فيروون من عند أخرجهم من القعب الواحد،

____________

[ (1)] أي في مثل سنه.

[ (2)] موضع بين منى و عرفات.

[ (3)] القعب: إناء ضخم كالقصعة، و الجمع: قعاب و أقعب.

51

و إن كان أحدهم ليشرب قعبا وحده فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. و كان الصبيان يصبحون شعثا رمصا [1]، و يصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دهينا كحيلا، و قالت أم أيمن و كانت تحضنه: ما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شكا جوعا قط و لا عطشا، و كان يغدوا إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا سبعان.

____________

[ (1)] يقال: رمصت العين رمصا إذا جمد الوسخ في موفها، فالرجل أرمص و الأنثى رمصاء.

52

ذكره سفره (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع عمه أبي طالب إلى الشام و خبره مع بحيرى الراهب و ذكر نبذة من حفظ اللّه تعالى لرسوله (عليه السلام) قبل النبوة

قال أبو عمر: سنة ثلاث عشرة من الفيل و شهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة إحدى و عشرين، و قال أبو الحسن، الماوردي: خرج به (عليه السلام) عمه أبو طالب إلى الشام في تجارة له و هو ابن تسع سنين، و ذكر ابن سعد بإسناد له عن داود بن الحصين أنه كان ابن اثنتي عشرة سنة قال ابن إسحق ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل صب به [1] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما يزعمون فرق له أبو طالب و قال: و اللّه لأخرجن به معي و لا يفارقني و لا أفارقه أبدا أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى [2] من أرض الشام و بها راهب يقال له: بحيرى [3] في صومعة له، و كان إليه علم أهل النصرانية، و لم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى و كانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم و لا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، و ذلك فيما يزعمون عن شي‏ء رآه و هو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الركب حين أقبلوا و غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا في‏

____________

[ (1)] أي تعلق به.

[ (2)] هي مدينة حوران، و هي أول مدينة بالشام فتح صلحا لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة. و قد وردها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرتين.

[ (3)] قيل أن اسمه جرجيس و قيل: سرجس، و ذهب ابن إسحق إلى أنه كان نصرانيا من عبد القيس. و قيل أنّه كان جدا من أحبار و يهود تيماء.

53

ظل شجرة قريبا منه، فنطر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة و تهصرت [1] أغصان الشجرة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته و قد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، و أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم و كبيركم، و عبيدكم و حركم، فقال له رجل منهم: و اللّه يا بحيري إن بك اليوم لشأنا، ما كنت تصنع هذا بنا و قد كنا نمر بك كثيرا، ما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، و لكنكم ضيف، و قد أحببت أن أكرمكم و أصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه، و تخلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم، فلما نزل بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف و يجد عنده، فقال: يا معشر قريش،: لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي! قالوا له: يا بحيري ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، و هو أحدث القوم سنا، فتخلف في رحالهم، قال: لا تفعلوا، أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش: و اللات و العزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد اللّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه و أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا و ينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم و تفرقوا

قام إليه بحيرى فقال له: يا غلام! أسألك بحق اللات و العزى ألا ما أخبرتني عما أسألك عنه- و إنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما- فزعموا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: لا تسألني باللات و العزى شيئا، فواللّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلني عما بدا لك،

فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه و هيئته و أموره و يخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو بابنك، و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات و أمه حبلى به، قال: صدقت، فأرجع بابن أخيك إلى بلده، و احذر عليه يهود، فواللّه لئن رأوه و عرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن‏

____________

[ (1)] أي مالت و تدلت.

54

لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مثل ما رأى بحيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه، فردهم عنه بحيرى في ذلك، و ذكرهم اللّه تعالى و ما يجدون في الكتاب من ذكره و صفاته، و أنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا، إليه حتى عرفوا ما قال لهم و صدقوه بما قال، فتركوه و انصرفوا عنه.

قوله: فصب به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، الصبابة: رقة الشوق، و صببت أصب، و عند بعض الرواة: فضبت به أي: لزمه، قاله السهيلي.

و روينا من طريق الترمذي: ثنا الفضل بن سهل أبو العباس الأعرج البغوي: ثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح قال: أنا يونس بن أبي إسحق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، و خرج معه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، و كانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم و لا يلتفت، قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه اللّه رحمة للعالمين، فقال الأشياخ من قريش: ما علمك؟

فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق شجر و لا حجر إلا خر ساجدا، و لا يسجدان إلا لنبي، و إني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به و كان هو في رعيه الإبل قالوا: أرسلوا إليه، فأقبل و عليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى في‏ء الشجرة، فلما جلس مال في‏ء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى في‏ء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم و هو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟

قالوا: جئنا، إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، و إنا قد أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟

قالوا: إنما أخبرنا خبره بعثنا لطريقك هذا، قال: أ فرأيتم أمرا أراد اللّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه و أقاموا معه، قال: أنشدكم باللّه‏