مصطلحات الفقه

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
579 /
17

مقدمة:

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

تشتمل على أمور:

الأمر الأول: ان الفقه في اللغة الفهم،

أو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد و في اصطلاحنا معاشر العلماء الإمامية، قيام الحجة عند القادر على الاستنباط، على الأحكام الشرعية الفرعية، أو الوظائف العقلية الدينية، أو موضوعاتها الاستنباطية.

و الحجة أعم من العقلية كالعلم الحاصل للفقه بالنسبة لبعض الأحكام، و الشرعية كاخبار العدل و الثقة عن الحكم الشرعي الفرعي كما في أغلب موارد الفقه و العقلائية، كظواهر الألفاظ، و سيرة العقلاء، و الأحكام الشرعية أعم من التكليف و الوضع.

و الوظائف العقلية، كحكم العقل بالبراءة و التخيير العقليين، و حجية الظن في بعض الحالات، و الحكم المستفاد منه في بعض الأحيان و الموضوعات، كأكثر العبادات المخترعة من جانب الشارع لو لا جميعها و غير العبادات مما يفتقر الى التحقيق.

و منه ما يعلم ما في التعريف المشهور، و هو انه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعية عن أدلتها التفصيلية، فان حصر الفقه بالعلم و إخراج سائر الحجج، و حصر المعلوم بالأحكام و إخراج الموضوعات و بالأحكام الشرعية و إخراج العقليات غير سديد.

و الظاهر ان حدوث هذا الاصطلاح للفقه، منذ صدور الفتوى من الأصحاب على صورة الكتب الفتوائية المؤلفة بنحو الفقه المأثور، كأغلب كتب الأقدمين أو على نحو التفريع كالمبسوط و الشرائع و نحوهما.

18

الأمر الثاني: ان الفقه من أشرف العلوم و أعلاها و أفضلها و أغلاها،

و هو نصف الدين و فروعه، في مقابل نصفه الآخر الذي هو أصوله، و هو عبارة عن أحكام كليّة إلهية تتعلق باعمال العباد الجوارحية كما ان الأصول أحكام كليّة تتعلق بمدركات القلب و اعماله الجوانحية.

و هذه الأحكام لها الشرف و الفضيلة بعد أصول الدين و المكانة العليا و الخطر العظيم، لكونها أحكاما كلية سماويّة أنشأها الرب تعالى و اخترعها، أعلمها ملائكته، و أوحاها الى أنبيائه و رسله، و أمرهم بإبلاغها الى جميع خلقه، و جعلها برامج عملية لعامة عباده، طيلة حياتهم الدنيوية، و أنشأها بملاكات و مصالح تتضمن صلاح دنياهم، على نحو لو أطاعوه بامتثالها حق الطاعة و راعوها في مرحلة الطاعة حق الرعاية، تبدلت دنياهم هذه الدنية، مدينة فاضلة إنسانية، و هي في نفس الوقت تتكفل سعادة آخرتهم و عقباهم، يشهد بذلك كله لحاظ عموم أحكامها، و شمول ابعادها، فقد أحاطت أوامرها و نواهيها تكليفها و وضعها حلالها و حرامها، بجميع ما يمكن ان يصدر من الإنسان من فعل و ترك و حركة و سكون، فشملت و احتوت فنون الطاعات و العبادات على اختلاف حقائقها، و وظائف الإنسان على اختلاف شؤونها، مما يرجع الى لحاظ حال كل فرد بنفسه و كيفية عشرته مع أسرته و عائلته و معاشرته مع مجتمعة و بني نوعه، من الرجال و النساء و غير ذلك.

الأمر الثالث: ان الأصحاب قد قسموا الفقه الى أبواب تنوف على ستين بابا

و سمّوا كل باب منها كتابا و جرت سيرتهم في الغالب على جعل الطهارة أول الكتب، و الديات آخرها، من دون تعرض الى ملاك الترتيب و التنظيم.

نعم المحقق صاحب الشرائع (قده) أدرج تلك الكتب تحت عناوين أربعة و حصرها فيها و هي: العبادات، و العقود، و الإيقاعات، و الأحكام، و هذا إشارة إجمالية منه (قده) إلى كيفية تنظيم الكتب الفقهية و تبويب أبوابها و ان كان غير خال عن النقص و الخلل.

و وجّه هذا الحصر العلامة (قده) في الإرشاد بأن المبحوث عنه في الفقه، اما ان يتعلق‏

19

بالأمور الأخروية أو الدنيوية، فإن كان الأول فهو عبادات، و ان كان الثاني، فلا يخلو اما ان يفتقر إلى عبارة أو لا، فان لم يفتقر فهو الأحكام كالديات و القصاص و الميراث، و ان افتقر فاما من الطرفين أو من طرف واحد، فان كان الثاني فهو الإيقاعات، كالطلاق و العتق و ان كان الأول فهو العقود و يدخل فيه المعاملات و النكاح انتهى.

هذا و أنت خبير بما في هذا البيان فان فيه:

أولا: ان الإتيان بمصاديق غير الأول بقصد التقرب يجعلها عبادة مع انها غير مندرجة في الأول.

و ثانيا: انه قد عد الجهاد و الأمر و النهي من العبادات، مع انها ليست من العبادات بالمعنى المراد فيها.

و ثالثا: انه لم يذكر الكفارات من العبادات مع انها منها، و ذكرها المحقق في الإيقاعات.

و رابعا: ان العقود المعاطاتية لا تحتاج إلى عبارة فاللازم إدراجها في الأحكام.

و خامسا: ان الإقرار يحتاج إلى العبارة من طرف واحد و ليس من الإيقاعات بالمعنى المراد بها.

و سادسا: ان الأمور المذكورة في القسم الأخير موضوعات بحسب الغالب فتسميتها أحكاما غير صحيح الى غير ذلك.

و بالجملة لم ينظم الأصحاب أبواب الفقه و كتبه نظما يقتضيه حال العلم و لم يسلكوا فيه سبيلا يرتضيه الذوق السليم و لم نر لغير المحقق الأول ممن تقدمه أو تأخر عنه تعرضا لذلك بل الظاهر من حالهم عدم الاعتناء بشأن هذا الأمر.

نعم أشار الى مسألة التقسيم و التبويب و عدم صحته المحقق الشهيد مرتضى المطهري (قده) في بعض كتبه الفارسية و ذكر المحقق الشهيد محمد باقر الصدر (قده) تقسيما خاصا أدرج فيه الكتب تحت سبعة عناوين، لكنه لم يذكر كيفية إدراج الأبواب تحت العناوين.

20

و كيف كان الاولى عندنا إدراجها تحت العناوين الستة التالية و ذلك لان الفقه الذي ذكرنا انه برنامج حياتي جامع لنوع الإنسان، قد لوحظ فيه حالهم على اختلاف عقولهم و اختلاقهم و شعوبهم و سيرهم و ألوانهم و ألسنتهم و أعصارهم و أمكنتهم و غير ذلك مما هم عليه فوضع اللّه تعالى دينا كافلا لاحكام أمورهم و وظائف شاملة لعامة أعمالهم و أفعالهم.

فمقتضى التأمل و التعمق في تلك الجهات تقسيم الأحكام على ما يناسب صنوف المجتمع و يوافق شؤونهم، فكان من اللازم:

أولا-ان يلاحظ حال كل من افراد المجتمع بنفسه و شخصه، و يبحث عن الأحكام المجعولة له في الشريعة فسمينا هذه الأحوال بالشؤون الفردية و ناسب ان يندرج فيها الكتب الفقهية التالية:

المياه-التخلي-النجاسات و المطهرات-الأواني-الايمان-النذور-العهود-الأطعمة و الأشربة.

فان الكتب المذكورة موضوعة لبيان حال الفرد و وظائفه المجعولة له من عند ربّه و ان كان لبعضها مقدميّة أو نوع مساس لأبواب أخر.

و ثانيا-ان يلاحظ حاله مع ربّه فيما ينبغي له الانقياد و الخضوع له تعالى وجوبا أو استحبابا على نحو الوظيفة الخاصة، فسمينا هذه الأحوال بالعبادات و لزم ان يندرج فيه الكتب التالية:

الطهارات الثلاث-الصلاة-الصوم-الاعتكاف-الحج و العمرة-الكفارات.

و المراد بها هنا العبادة بالمعنى الأخص، أعني ما يكون قصد القربة فيه شرطا في صحته، دون المعنى الأعم و هو ما يكون القصد شرطا لكماله.

و ثالثا-ان يلاحظ حاله مع عائلته و أسرته و أرحامه و أقاربه و قد سمينا هذه الأحوال بالشؤون العائليّة فناسب ان يندرج فيه الكتب التالية:

النكاح-الطلاق-تجهيز الأموات-الإرث.

21

و رابعا-ان يلاحظ حاله بالنسبة لدنياه و أموالها و ما رخص له حيازته، و أبيح له اكله و التصرف فيه لحفظ حياته، و سميناه على نحو المسامحة بالأموال الفردية الشخصية تحصيلا و تصرفا و ناسب ان يندرج فيها الكتب التالية:

إحياء الموات-الصيد-الذباحة-اللقطة-التكسب-البيع-الإجارة-الصلح- الجعالة-الرهن-المضاربة-الشركة-المزارعة-المساقاة-الضمان-الحوالة-الكفالة- الوكالة-الوديعة-العارية-الوقف-الهبة-السكنى و أختاها-الوصية-الغصب.

و المراد بالأموال الفردية في هذا القسم، كل ما يتعلق بشخص المكلف تحصيلا و تصرفا و تبديلا و إتلافا، في مقابل الأموال العامة التي تتعلق بعناوين كليّة، كالناس و الفقراء، أو بجهات عامة، فان حكم هذه الأموال مذكور لمناسبة خاصة في باب الزكاة و الخمس و الأنفال التابعة له، و الكل داخل تحت عنوان الولاية.

و خامسا: ان يلاحظ حاله بالنسبة لوليّ أمره و الحاكم عليه و على مجتمعة و قد سميناه بالولايات و يندرج فيه الكتب التالية:

الجهاد-الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر-الخمس-الزكاة-الحجر-السبق و الرماية.

فإن عمدة البحث في هذه الكتب راجعة الى ما هو للوالي من وجوب طاعته و تسلطه على النفوس و الأموال العامّة و الى الأحكام و الوظائف المجعولة للناس بالنسبة للوالي و الأموال العامة.

و لأجل ذلك رجحنا إدراج كتاب الخمس و الزكاة تحت عنوان الولاية على إدراجها في العبادات.

ثم انا لم نجعل حال المكلف مع مجتمعة عنوانا مستقلا فان روابطه معهم اما في المعاملات و التجارات و اما في الزواج و المصاهرات و اما في الاشتراك في الحروب و الغزوات و ما أشبه ذلك و قد ذكر أحكام كل منها تحت عنوانه المناسب له كالأموال و الشؤون العائلية و الولايات، و تركنا إيراد بعض الكتب الفقهية كالعتق و الظهار لعدم الابتلاء به فعلا.

22

الأمر الرابع: ذكر الأصحاب ان مدارك الفقه و مصادره الأولية المعبر عنها بالأدلة التفصيلية ثلاث:

الكتاب و السنة و العقل، و اللازم ان نشير إلى حقائقها و شؤونها بما يناسب حال الكتاب و يتوقف عليه مسائل الفقه و يتبين به موارد الخلاف فيها بين الفريقين.

فنقول‏

أما الكتاب‏

فالمراد به نصوصه و ظواهره و لا ريب في حجيتها لكل عارف بلغة العرب قادر على درك ظواهرها و فهم معانيها فله استنباط الحكم منها و العمل بما استنبطه مع اجتماع سائر شرائط الاجتهاد.

و القول بعدم حجية ظواهره لوقوع التحريف فيه أو لجهة أخرى شطط من الكلام و عدول عن الحق و سبب لحرمان البشر عن خير دنياه و سعادة عقباه.

و أما السنة:

فهي مورد وفاق بين الفريقين من جهة، و مورد خلاف من اخرى، أما الأولى فإنه لا إشكال في انّ حقيقة السنة عند الفريقين عبارة عن الكلام الصادر عن النبي الأعظم بعنوان الإخبار عن اللّه تعالى و إبلاغ دينه و بيان ما أنزل إليه و لا تطلق على غير ما صدر عنه صلّى اللّه عليه و آله و ليس لغيره صلّى اللّه عليه و آله سنة بعنوان النقل عن اللّه تعالى و الوحي من قبله.

و أمّا الثانية ففي طريق وصولها إلى من لم يدرك حياته صلّى اللّه عليه و آله بواسطة أو وسائط، فلكل فريق طريق، و بين الطريقين عموم من وجه و ان كان مورد الاجتماع قليلا جدا بالنسبة إلى ما افترقا فيه و ذلك ان السنة عند أهل السنة هي الأحاديث الخاصة المحدودة التي ألقاها النبي الأعظم إلى أصحابه في مقام بيان دينه طيلة حياته و هي 23 سنة بعد بعثته و انتقلت منهم إلى من بعدهم متسلسلة بوسائط معينة تخالف في الغالب وسائط رواتها عند الشيعة كما ستعرف مع اعترافهم بأنها غير وافية بجميع ما تحتاج إليه الأمة مما لم يعلم حكمه من الكتاب و لا سيما في الأعصار المتأخرة و لذلك احتاجوا إلى التمسك بذيل القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و نحوها.

و أما السنة عند الشيعة الإمامية فلها وضعها الخاص في سيرها التاريخي منذ صدرت عن النبي الأكرم إلى يومنا هذا و ذلك لطول عمر النبي صلّى اللّه عليه و آله عندهم و صدور أكثر ما تحتاج‏

23

إليه الأمة عنه صلّى اللّه عليه و آله و وصوله إلى الرواة بعده و ذلك لان النبي صلّى اللّه عليه و آله و ان ارتحل عن الدنيا بما انه نبي يأتيه الوحي و يخبر عن اللّه تعالى إلا أنه لم يمت بما انه حجة من عند اللّه على خلقه و عنده ما نزل به الروح الأمين و بما انه إمام الخلق و ولي أمرهم بل كان هو حيا بهذه العناوين ظاهرا عند الناس إلى زمان ارتحال الإمام العسكري و غائبا عن أنظارهم بعده، و على هذا فطول عمر النبي الأقدس من حين بعثته إلى زمن غيبته مائة و ثلاث و سبعون سنة، فكلما ما حدّث به صلّى اللّه عليه و آله من العلوم و الشرائع و أصول الدين و فروعه، و سمعه الناس و تلقوه منه في هذه المدة، فهو دين اللّه و شريعته و نفس ما أوحاه إلى نبيه صلّى اللّه عليه و آله يطابق اللوح المحفوظ و يطابقه اللوح المحفوظ و ان اختلفت النسبة حال نبوته و إمامته فإنه صلّى اللّه عليه و آله علة محدثة له في الأولى مبقية له في الثانية، و الثابت من الأدلة انه لم يبق شي‏ء من العلوم و المعارف الدينية التي تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة إلا و قد أوحاها اللّه إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله عندما كان رسولا نبيا بشهادة إكمال الدين و إتمام النعمة و بقي عنده و لم ينقص منه شي‏ء عند ما كان إماما إلى ان غاب عن انظار الناس و ان حرم الناس عن تعلم الجميع لموانع حدثت، فالصادر عن المعصوم عند العامة الذي تلقاه رواتهم ما صدر عنه في مدة ثلاث و عشرين سنة و الصادر عنه عند الخاصة ما صدر عنه و تلقاه رواتنا في مدة مائة و ثلاث و سبعين سنة، فما أعظم الفرق و أكثر الاختلاف في السنة بين الفريقين في كمّها و كيفها.

هذا مضافا إلى ما حدث بعد ارتحال النبي صلّى اللّه عليه و آله من حادثة عجيبة ابتليت بها السنة عند القوم فأورثت فيها خللا غير منجبرة و ثلمة لا يسدها شي‏ء و هي منع الخليفة الثاني من كتابة الحديث بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله منعا شديدا و عقابه من خالف بالضرب و الجرح و النكال قائلا انه كفانا كتاب اللّه و كتابته، و استمر هذا المنع إلى زمان عمر بن عبد العزيز الأموي بما يقرب من مائة سنة و من الواضح ما يعرض السنة حال انتقالها من الأذهان إلى الأذهان بطريق النقل باللسان من التحريف و التغيير و المزج بغيرها و انمحاء حقيقتها بالغفلة و النسيان فقد بليت السنة عند أهل السنة بهذه البلية الكبرى في مسير تاريخها الممتد.

24

فلاحظ ذلك و قايسه بما ثبت عند الشيعة، من أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بتقييد العلم و الحديث بكتابتهما، و ما أملاه صلّى اللّه عليه و آله على علي عليه السلام و كتبه هو بيده، و بقي عند المعصومين من أهل بيته، و أمر علي و الأئمة من بعده أصحابهم بكتابة الحديث و أحكام أمره، معلّلين ذلك بأنكم سوف تحتاجون إليه و قد عملوا بذلك و استفادوا منه حين حاجتهم، و نشكر اللّه على ما رزقنا من معرفة النبي الأعظم و معرفة أوصيائه الذين جعلهم خزنة لعلمه و مستودعا لحكمته و تراجمة لوحيه، و الذين بيّنوا فرائض اللّه و نشروا شرائع أحكامه و سنوا سنته فبهم علّمنا اللّه معالم ديننا و أصلح ما كان فسد في أزمنة طواغيت الأعصار من دنيانا و الحمد للّه رب العالمين.

أما العقل‏

و المراد به عندنا معناه اللغوي و العرفي، و هو قوة مودعة في الإنسان يدرك بها الكليات و يحكم بحسن الأشياء و قبحها، و الإنسان الذي له عقل سليم غير مغلوب للهوى يكون مدركات عقله بالنسبة لوظائفه الدينية و أفعاله و تروكه حجة له يجب اتباعها و له ان يفتي بها و للجاهل ان يقلده مع تحقق شرائطه.

فإن العقل بنفسه رسول من داخل و حجة من حجج اللّه في الباطن، كما ان الرسول عقل من خارج و حجة في الظاهر و له أحكام و لحكمه أقسام صالحة للإفتاء و التقليد.

منها ما لو كان ما أدركه كاشفا عن الحكم الشرعي، كما إذا أدرك الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، أو بين ما حكم به الشرع و حكم به العقل، فإذا علم بوجوب فعل شرعا كشف عن وجوب مقدمته شرعا، و إذا حكم عقله ابتداء بحسن شي‏ء أو قبحه، كشف وجوبه أو حرمته شرعا، و كما إذا حكم العقل بحجية الظن الانسدادي فإنه يكشف بذلك عن الحكم الشرعي فحجية مدركات العقل في هذه الموارد، من جهة كونه كاشفا عن الحكم الشرعي.

و منها ما لو كان حكمه استقلاليا غير كاشف، كحكمه بوجوب مقدمة الواجب، أو بحسن شي‏ء أو قبحه ابتداء مع عدم حكمه بالملازمتين، أو حكم في مورد لا حكم مولوي‏

25

للشرع فيه، كوجوب طاعة المولى إذا كان ممن أذعن بالمبدإ و لم تصل إليه الشريعة، و قد أدرك عقله حسن عدّة من الأفعال و قبحها فله الإفتاء في هذه الموارد و ان قلت و للجاهل التقليد.

و منها ما ذكره بعض من ان المراد بحكم العقل موارد بناء العقلاء و سيرتهم فإنه يستكشف بها حكم الشرع فإذا علم الفقيه بتحقق ذلك جاز له الإفتاء بمقتضاها و وجب تقليده هذا و قال الصدر الشهيد «قده»: انا لم نجد حكما واحدا يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كلما ثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بالكتاب أو السنة.

الأمر الخامس: قد عرفت ان الأدلة التفصيلية الثلاثة عند الشيعة الإمامية وافية

بجميع ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية من الأحكام الأصولية و الفروعية و سائر المعارف الدينية بل فيها غنى و كفاية لجميع المجامع البشرية على اختلاف شعوبهم و قبائلهم فيما يتعلق بعيشهم الصالح في الدنيا و سعادتهم الدائمة في الآخرة بل يكفي الكتاب و السنة فقط فيما يحتاج إليه الفقيه من أحكام مجتمعة على ما مر.

و أما أهل السنة فقد أضافوا إليها أدلة أخرى سمّوها أدلة عقلية يكثر رجوعهم إليها و الإفتاء بمقتضاها لما عرفت من حال السنة عندهم ثم ذهبوا إلى ان المستفاد منها حكم شرعي الهي يجب الالتزام و العمل به، و هي القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و غيرها.

و الأول-عبارة عن استنباط علة الحكم المترتب شرعا على موضوع ظنّا و تسرية الحكم إلى كل موضوع فيه تلك العلة.

و الثاني-عبارة عن انقداح حكم في ذهن الفقيه مع عدم النص فيها لكثرة ممارسته أمثال المورد.

و الثالث-هو الحكم بناء على ما يرشد إليه الذوق السليم مع لحاظ العدل و الظلم فيه و الصلاح و الفساد.

26

و أما الرأي فقد اختلف فيه كلمات الصحابة فجعلوه تارة مرادفا للقياس، و أخرى مرادفا له و للاستحسان معا، و ثالثة مرادفا لهما مع المصالح المرسلة، و الظاهر ان الأمر كذلك عند علمائهم المتأخرين أيضا لكن عرفه ابن القيم بأنه «ما يراه القلب بعد فكر و تأمل و طلب لمعرفة وجه لحق مما تتعارض فيه الأمارات». و عن ابن تيمية ما حاصله «ان القلب المعمور بالتقوى إذا رجح برأيه فهو ترجيح شرعي فمتى ما وقع عنده و حصل في قلبه ما يظن معه ان هذا الأمر أو هذا الكلام ارضى للّه و رسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي و من أنكر كون الإلهام طريقا إلى الحق أخطأ فإذا اجتهد العبد المتقي كان ما رجحه أقوى من الأقيسة الضعيفة و الظواهر و الاستصحابات التي يحتج بها المخالفون في الأقوال و أصول الفقه.

و قال بعضهم أيضا في الرأي أن استقرار رأي العالم على شي‏ء لم يقم له أو عليه دليل حجة من الشرع.

أقول ينبغي هنا ان نقول قد ورد من العترة الطاهرة الثقل الأصغر، أعدال الكتاب الكريم و الثقل الأكبر، و لا سيما عن الباقر و الصادق عليهما السلام من أئمة أهل البيت عليهم السلام، في أغلب الموارد التي ضاق الأمر على القوم و لم يكن في مسألة عندهم دليل من الكتاب و السنة فتمسكوا بذيل تلك الوجوه و نسبوا مقتضاها إلى الشريعة و حكموا بكونه حكم اللّه تعالى و حكم رسوله صلّى اللّه عليه و آله، نص أو نصوص نقلها العترة الطاهرة عن النبي الأعظم، و كان ذلك بمرأى و مسمع من ائمة القوم و علمائهم، فلم يعتنوا بها و جعلوا المسألة مما لم يرد فيه كتاب و سنة، و هذا سيرتهم منذ زمن الامام السبط الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام الى زمان الحسن العسكري عليه السلام، ثم ما بعده الى يومنا هذا، مع انه قد ثبت عند القوم قول النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، و الحديث ان لم يدل على امامة العترة فلا أقل من الدلالة على حجية اخبارهم و كونهم ثقة في نقل الحديث عن النبي الأكرم واجب الأخذ به و الاتباع له. ـ

27

و كيف كان فقد تحصل مما ذكر من سيرة علماء السنة و مشيهم في الفقه و استنباط الأحكام انهم يتمسكون بتلك الأدلة فيما لم يجدوا عليه دليلا من الكتاب و السنة و ينسبون مفادها إلى حكم اللّه و ما شرعه للناس، فعليهم العمل به لأنفسهم و لغيرهم التقليد لهم، بل يظهر من القضايا الكثيرة التي رأوها ان الصحابة كانوا يعملون بالرأي في مقابل الكتاب و السنة الصادرة عن النبي و ذكروا ان المؤسس لهذه الطريقة الخليفة الثاني و قبلها بعده الأئمة الأربعة و غيرهم، و تشهد بذلك موارد كثيرة كمنع الخليفة الثاني من المتعتين، و إلغائه سهم المؤلفة قلوبهم، و تشريعه صلاة التراويح، و إلغائه حيّ على خير العمل من آذان صلاة الصبح. و غير ذلك، و قد عمل في الكل برأيه و بما رآه محسّنا ذا مصلحة مع وجود نصوص عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.

هذا إجمال الكلام في الأدلة الثلاثة التي هي منابع الأحكام و أدلتها التفصيلية، و لا يخفى عليك ان كل واحد منها دليل مستقل بذاته، حجة تامة صالحة للتمسك بها غير متوقفة على الأخرى، و وقوع التعارض بينها أحيانا كوقوعه بين مصاديق كل واحد، أمر غير منكر بالطبع يرجع فيه إلى قواعد التعارض و قوانين العلاج، و القول بعدم حجية العقل في المقام باطل كالقول بعدم حجية ظواهر الكتاب كما مر، و اللّه الهادي إلى الصراط المستقيم.

الأمر السادس: الكتاب موضوع لبيان حال مصطلحات الفقه‏

و عناوين موضوعاته اللغوية و العرفية، وضعناه تسهيلا للأمر على من أراد الاطلاع على حالها فقد ذكرنا تحت كل عنوان معناه اللغوي على نحو يتضح حاله ثم المعنى الاصطلاحي لو كان له ذلك في الشرع أو عند المتشرعة أو في الفقه، ثم بيّنا موضع العنوان و موارد استعماله في مختلف أبواب الفقه، ثم ذكرنا الحكم أو الأحكام المترتبة عليه، و كونه مورد الخلاف و الوفاق بين أصحابنا، و ربما أشرنا الى حاله عند العامة أيضا، ثم تعرضنا للفروع الهامة المتفرعة عليه لو كان ذا فروع و شعوب و ربما تعرضنا لدليل المسألة أيضا حسب اختلاف الموارد و اقتضاء الحال.

و بالجملة يهديك الكتاب في كل لفظ مستعمل في علم الفقه الى معناه اللغوي‏

28

و الاصطلاحي، و الحكم المترتب عليه في الشريعة و البحث الواقع فيه فيه عند الأصحاب و الفروع الهامة المتفرعة عليه في الفقه و الى دليله أحيانا. و لعلك ترى ان تأملت بعين الإنصاف كما أنت اهله ان هذا المؤلف في الحقيقة فقه جامع كامل، على ترتيب اللغة، حسن الترتيب بديع البيان، واضح البرهان مرصوص البنيان، شامل لجميع أبواب الفقه على نحو الإجمال غير المخل، و الإيضاح غير الممل، و لم أجد له نظيرا في كتب أصحابنا و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا.

29

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

* أمن آمين*

آمين بالمد، و أمين بالقصر اسم فعل كصه و مه، بمعنى استجب، و في المجمع آمين بالمد و القصر لغة بمعنى استجب، و عند بعضهم فليكن كذلك، و أمّنت على الدعاء تأمينا قلت عنده آمين.

و الكلمة إذا تكلم المصلي بها بعد تمام الفاتحة قد وقعت في الفقه مورد البحث و الخلاف بين الفريقين، أما العامة ففي كتبهم الفقهية أن الذي اتفق عليه الأئمة الثلاثة أن التأمين سنة للإمام و المأموم و المنفرد، و قال مالك إنه مندوب لا سنة فلا خلاف عندهم في جوازه و مطلوبيته.

و أما أصحابنا فظاهرهم الاتفاق على المنع عن التكلم به تكليفا و وضعا بمعنى حرمته و كونه سببا لبطلان الصلاة، لكن قد نقل عن بعضهم الخلاف في الحرمة و عن بعضهم الخلاف في بطلان الصلاة به، و في العروة الوثقى للفقيه اليزدي (قده) : إن من مبطلات الصلاة تعمّد قول آمين بعد تمام الفاتحة لغير ضرورة من غير فرق بين الإجهار به و الإسرار للإمام و المأموم و المنفرد و لا بأس به في غير المقام المزبور بقصد الدعاء كما لا بأس به في مقام التقية انتهى.

30

* أني الآنية*

الإناء في اللغة الوعاء و الظرف و الجمع آنية و جمع الجمع أواني مثل سقاء و أسقية و أساقي، و انى الحرّ يأني إناء اشتدّ اشتدادا و الفاعل آن و إنية، كقوله من عين آنية أي شديدة الحر. و في المفردات و الإناء ما يوضع فيه الشي‏ء و جمعه آنية نحو كساء و أكسية و الأواني جمع الجمع.

و كيف كان الإناء بمعنى الوعاء استعملها الأصحاب في كلماتهم الفقهية موضوعا لأحكام كثيرة تحت عناوين صنفية مختلفة كالإناء من جلد الميتة، و الإناء المغصوب، و إناء المشرك و الكافر، و إناء الخمر، و الإناء من الذهب و الفضة. و إليك تفصيلها:

1-الإناء من جلد الميتة-و قد حكموا بحرمة استعمالها فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل و الصلاة و لا خلاف عندهم في حرمة التصرف فيها حينئذ و في بطلان العبادة به تبعا لما حكموا به من حرمة أكل المتنجس و شربه و من أنه لا صلاة إلا بطهور، و وقع الخلاف في حرمة استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة و الانتفاع بها فيه. نعم الظاهر عدم حرمة الانتفاع من الانية المصنوعة من ميتة ما لا نفس له كالسمك.

2-الإناء المغصوبة-قد حكموا بحرمة استعمالها و الانتفاع بها مطلقا، فيتبدل التكليف بالطهارة المائية حينئذ إلى الترابية إذا انحصر الماء فيها، و قد فرّعوا على المسألة فروعا وقع البحث عنها في باب الوضوء و الغسل، نظير استعمالها فيما مع الجهل بالحكم أو الموضوع، و صب الماء منها إلى غيرها ثم الاستعمال و غير ذلك.

3-إناء الكافر-قد وقع البحث عنها تارة من جهة طهارتها و نجاستها، فحكموا بالطهارة ما لم يعلم الملاقاة ببدنهم مع الرطوبة، و اخرى من جهة التذكية فيما إذا كانت مصنوعة من جلد الميتة، فحكموا بالنجاسة لأصالة عدم التذكية.

4-إناء الخمر-ذكروها في الفقه و انه تطهر بالغسل و إن كانت من الخشب و الخزف و لا تضر نجاسة باطنها لو فرض نفوذ الخمر إليه.

5-الإناء من النقدين أي الذهب و الفضة-فقد بحثوا في الفقه تارة عن متعلق الحكم‏

31

و هو الإناء و الأخرى عن موضوعه و هو التصرف و الاستعمال و ثالثة عن نفس الحكم أي الحرمة و الكراهة.

أما الأول: فالظاهر أن مرادهم به كلما يصدق عليه أنه آنية كالكأس، و الكوز، و الصيني، و القدر، و السماور، و الفنجان، و البشقاب، و النعلبكى، و كوز القليان، و في صدقه على قاب الساعة إشكال.

أما الثاني: فالظاهر أن المراد به الاستعمال و التصرف مطلقا دون الأكل و الشرب فقط، فتشمل التوضي و الاغتسال بها و فيها، و أما الانتفاع الذي لا يسمى استعمالا كوضعها في الرفوف للزّينة، أو تزيين المساجد و المشاهد بها أو اقتنائها من غير انتفاع بها ففي حرمته اختلاف لا يبعد عدمها.

و أما الثالث: فالذي يظهر من الأصحاب تحريم الاستعمال و التصرف أو الأكل و الشرب، دون الكراهة بل هو المشهور بينهم، و في الجواهر لا أجد فيه خلافا، و في التحرير انه حرام عندنا، و في المنتهى انه حرام عند علمائنا و عند الشافعي و المالك، نعم قد وقع في كلام الشيخ النهي عن الأكل و الشرب خاصة.

* أوي الآية*

الآية في اللغة بمعنى العلامة، و اللفظ مهموز الفاء معتل العين و اللام يائيا، و لم يتعرض أكثر أهل اللغة لمشتقات الكلمة لكن ذكروا أن الآية هي العلامة الظاهرة الملازمة لشي‏ء غير ظاهر، فمتى أدرك أحد الظاهر أدرك الآخر الذي لم يدرك بذاته، كالعلم الملازم للطريق و المصنوع الحاكي عن الصانع، و هي من التأيّي أي التثبّت فإن العالم بها يصل إلى المدلول و يثبت، و بهذا الاعتبار أطلقت على آيات القرآن الكريم، و ذكر في اللغة أيضا أن الآية مقدار من الحروف و الكلمات منفصل عما قبله و بعده في اللفظ، و بهذا المعنى أيضا تطلق على آيات الكتاب هذا بحسب اللغة.

و قد كثر استعمالها في لسان الشرع و المتشرعة في خصوص الآيات القرآنية المعروفة

32

و لعلّها تنصرف عند الإطلاق أيضا إليها، و وقعت موضوعا للأحكام الواجبة و المندوبة في موارد من الفقه كآيات السجدة، و آية الكرسي، و آية المباهلة، و آية التيمم، و آية الزكاة، و آية الخمس، و آية النور، و آية الربا، و آية الإنذار، و آية البيوت و غيرها.

و قد ورد في الشرع صلاة واجبة خاصة منسوبة إلى الآية اللغوية مسببة عن حدوثها، و هي نوع خاص من الصلوات الواجبة بكيفيّة معيّنة و أجزاء و شرائط محدودة ذكرناها تحت عنوان صلاة الآيات فراجع.

* برأ الإبراء*

مفهوم الكلمة في اللغة و العرف بيّن و أبرأ اللّه المريض شفاه و أبرأه من الدين و التهمة جعله بريئا و خلّصه. و الإبراء في مصطلح الفقهاء عبارة عن إنشاء خاص إيقاعي استقلالي من أظهر مصاديق الإيقاع، في مقابل الإنشاء العقدي المفتقر إلى ضم إنشاء أخر، و محل اعماله في الغالب موارد اشتغال الذمة بالديون المالية و الحقوق القابلة للسقوط و الإسقاط، كإبراء المشتري سلما ذمة البائع من المبيع، و البائع نسيئة ذمة المشتري من الثمن، و الزوجة ذمة الزوج من الصداق، و المضمون له ذمة الضامن، و المحتال ذمة المحال عليه، و المكفول له ذمة المكفول، و كإبراء حق القصاص، و حق الدية، و حق القسم للزوجة و حق النفقة للزوجة و العمودين و هكذا.

و يظهر من كلمات الأصحاب أنه يشكل صحة الإبراء، عن العين الخارجية كإبراء المغصوب منه الغاصب عن العين، و كذا صحة الإبراء عن الحقوق المتعلّقة بالعين كحق غرماء الميت المتعلق بتركته و حق التحجير و حق الرهانة، و كذا الإبراء المتعلّق بالديون غير الثابتة مع تحقق مقتضيها، كإبراء العامل ذمة الجاعل قبل العمل، و المريض ذمة الطيب قبل العلاج، بل و إبراء الديون الثابتة غير المستقرة كإبراء الزوجة ذمة الزوج عن جميع المهر قبل الدخول، و لا يخفى عليك صحة الإبراء في بعضها و الإشكال في بعضها الآخر و التفصيل في الفقه.

33

* أبل نوق بعر جمل الإبل و الناقة و البعير و الجمل*

في المجمع: الإبل بكسرتين جمع لا واحد لها من لفظها و هي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، و يقال للذكر و الأنثى منها بعير انتهى. و في المفردات: الإبل يقع على البعران الكثيرة و لا واحد له من لفظه و البعير معروف يقع على الذكر و الأنثى كالإنسان في وقوعه عليهما و جمعه أبعرة و أباعر و بعران انتهى.

و الناقة الأنثى من الإبل جمعها ناق و نوق و أنوق، و في المجمع: ان الجمل بالتحريك هو الذكر من الإبل و جمعه إجمال و جمال و جمالات بالكسر انتهى.

و يعرف من الجميع أن اللفظ العام المستعمل في المفرد و الجمع من هذا النوع الشامل لأصنافه هو البعير نظير الإنسان بالنسبة لأصنافه، و الإبل جمع لا واحد له، و الناقة مختصة بالأنثى و الجمل مختص بالذكر. و كيف كان فقد وقع هذا النوع من الأنعام على اختلاف أسمائه مورد البحث في أبواب من الفقه:

منها باب الزكاة: فذكروا فيه ان الإبل إحدى الأنعام الثلاثة التي تعلق بها الزكاة و ان لتعلّقها بها شروطا مذكورة تحت عنوان الزكاة.

و منها باب الحج: فإن الإبل فيه أحد الأنعام الثلاثة التي أوجب اللّه نحرها أو ذبحها في حج التمتع، و التي جعلت مقرونة للإحرام أو جعل إشعارها أو تقليدها عقدا للإحرام في حج القران و تفصيل ذلك في عنوان الهدي.

و منها أبواب الديات بجميع أقسامها، كانت دية قتل النفس عمدا مع المصالحة أو خطأ أو دية الأطراف كالجناية على العين و الاذن و الأنف و اللسان و اليد و الرجل و غيرها، أو دية المنافع كإزالة العقل و السمع و البصر و الشم و الذوق و غيرها، فإن الشارع قد جعل الدية في الجميع أحد المقادير الستة على نحو التخيير و إن اختلفت كمّا و كيفا و هذا النوع من الأنعام أعني الإبل أحدها، و تلك المقادير عبارة عن مائة إبل، و مائتي بقرة، و ألف شاة، و مائتي حلة، و ألف دينار، و عشرة آلاف درهم.

34

و قد وقعت على نحو التعيين دية في الشجاج أعني الجراحة المختصة بالرأس ففي الحارصة بعير و في الدامية بعيران و في المتلاحمة ثلاثة أبعرة و في السمحاق أربعة و في الموضحة خمسة و في الهاشمة عشرة و في المنقلة خمسة عشر و في المأمومة ثلاثة و ثلاثون بعيرا و تفصيل حال الأسباب يطلب في عنوان الدية.

* بني سبل زكو ابن السبيل-في الزكاة*

ابن السبيل في اللغة و العرف بمعنى المسافر، و الإطلاق كنائي لملازمة الشخص للطريق ملازمة الابن أباه، و في المجمع: ابن السبيل الضيف و المنقطع به و أشباه ذلك و فيه أيضا أن ابن السبيل هم أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم و يذهب ما لهم، فعلى الإمام أن يزوّدهم من مال الصدقات، و في النهاية: انه المسافر الكثير السفر سمي ابن السبيل لملازمته إياها انتهى.

هذا و قد أكثر الأصحاب استعمال ابن السبيل في الفقه في باب الزكاة و أرادوا به قسما من المعنى اللغوي له قيود خاصة ينصرف إطلاقه إليه عندهم، و هو أحد الأصناف الثمانية التي شرعت لهم الزكاة و فسروه بأنه هو المسافر الذي نفدت نفقته أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر على السير و ان كان غنيا في وطنه، بشرط عدم تمكنه من الاستدانة أو بيع شي‏ء مما يملكه، و أن لا يكون سفره معصية، بل و لا ان يكون نفسه في معصية كعمال الظلمة، و ذكروا انه ليس منه من أراد السفر و لم يكن متمكنا منه.

هذا و لكن ليعلم ان كلمة السبيل قد ذكرت في الكتاب الكريم في أكثر من مائة و سبعين موردا لم يرد بها السبيل الحسّي الخارجي إلاّ في موارد معدودة لم تبلغ عشرة، و المورد الأكثر هو السبيل المعنوي، كالاعتقاد بأصول العقائد و الاتصاف بفضائل الأخلاق و الاعتياد بصالح الأعمال و بذل النفس و المال في مرضاته تعالى، و ما أشبه ذلك مما يعد سبيلا معنويا إلى قربه تعالى.

بل الظاهر أن معناها اللغوي أعم من الحسي و المعنوي، و حينئذ فنقول: ان عنوان ابن‏

35

السبيل قد وقع في الكتاب الكريم موضوعا للحكم في موارد لعلها تبلغ خمسة، و قد حث اللّه تعالى على التوجه إليه و بذل المال له، فجعل له سهما من الأخماس في باب الخمس، و من الصدقات في باب الزكاة، و جعله أحد الموارد للإنفاق على من ينبغي الإنفاق عليه، و حث على إتيان حقه مقرونا بذي القربي و المساكين، و لو فرضنا إعطاء جميع حقه له بلغ سهمه من الخمس و الصدقات و الإنفاقات مقدارا لا يعلمه إلا اللّه، مع انه بالمعنى الذي ذكروه قليل المصداق جدا، بل يمكن دعوى عدم تحقق مصداق له في عصرنا هذا، و عليه فمن البعيد جدا تشريع المقدار المذكور سهما لهذا العنوان مع ان المشرّع هو الحكيم تعالى.

و على هذا فنقول: ان من القريب ان يحمل السبيل على المعنى الأعم من الحسّي و المعنوي و هو السالك سبيل الدين و علومه من أصوله و فروعه و سائر فنونه، مما يحتاج إليه المسلمون و يفتقر تحصيله إلى النفقة و صرف المال، بل و يقرب احتمال شموله لطالب العلوم المختلفة الدنيوية مما يتوقف عليه قوام الأمة الإسلامية، و يأتي في جميع فروضه الشروط السابقة من عدم تمكّنه من النفقة و عدم كون السفر معصية خارجا و قصدا، و مع الشروط يكون للإمام أن ينفق عليه بما رآه صلاحا.

* بني سبل خمس ابن السبيل في الخمس*

هو في اللغة بمعناه الذي ذكر تحت عنوانه في مستحق الزكاة، و يستعمل في باب الخمس في مصداق خاص من معناه اللغوي يغاير المراد منه في المستحقين للزكاة أو يباينه، و ذلك لاشتراكه معه في بعض الشروط، نظير كونه ممن نفدت نفقته أو تلفت راحلته و لا يقدر معه على السير، و عدم كون سفره في معصية و لا كون نفسه في معصية كأعوان الظلمة و أصحاب الشغل و المهن في دولة الكفر و الجور، و افتراقه عنه في بعضها الآخر كاشتراط كونه ممن انتسب من طرف الأب إلى هاشم بن عبد مناف جدّ النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله من غير فرق بين كونه علويا أو عقيليا أو عباسيا أو جعفريا أو نوفليا أو لهبيا، و كونه مؤمنا معتقدا بالولاية.

36

ثم ان الحال الملحوظ لهذا العنوان في الفقه هو كونه أحد الأصناف الثلاثة الذين يستحقون الخمس لما ذكروا في بابه بأنه ينقسم إلى ستة أقسام أحدها لابن السبيل المذكور، هذا و قد عرفت معنى ابن السبيل في عنوان مستحقي الزكاة و ذكرنا في باب الخمس انه بجميع أقسامه لذي القربى و هو الإمام المعصوم، و بعده لمن نصبه لولاية الأمر، و الطوائف الثلاث يستحقون منه بمقدار حاجتهم و سد خلّتهم من دون أن يملكوا سهما منه كملكية الرسول و ذي القربي، فراجع عنوان الخمس.

* أجر الإجارة*

الإجارة في اللغة مصدر-أجر الرجل على عمله يأجره مهموز الفاء إذا كافأه و أثابه عليه، و آجر الرجل مؤاجرة اتخذه أجيرا، و أجر الدار إيجارا إكراها، و في المجمع: آجر فلان فلانا إذا أخدمه بأجرة و الإجارة هي العقد على تملك منفعة بعوض معلوم انتهى.

و الإجارة قد استعملت في الفقه و ألسنة الفقهاء في عقد خاص بحيث صارت حقيقة فيه. لكن الظاهر أنه ليس معنى مباينا لمعناها اللغوي بل هو أخص منه بإضافة قيود و شروط بل الظاهر أن عقد الإجارة كان من أقدم العقود التي يحتاج إليه الناس، و لعلّه كان أقدم من اختراع الألفاظ و وضعها للمعاني.

و كيف كان فقد عرّفها الفقهاء بتعاريف مختلفة متقاربة المفهوم، و حيث ان متعلّقها، تارة النفس، و اخرى العين الخارجية فلا جرم عرّفوها بتعريف ذي شقين.

و أحسن التعاريف أن يقال إنها تسليط الغير على النفس ليتملك عملها بعوض، أو على العين ليمتلك منافعها كذلك، و إن شئت قلت: إنها تمليك عمل أو منفعة بمال. فعلم من ذلك ان الإجارة عقد من العقود المعاملية تشتمل على إنشاءين مرتبطين، إنشاء ابتدائي من طرف ينشأ بالإيجاب و إنشاء مطاوعي من آخر ينشأ بالقبول.

و قد ذكروا ان أركان ماهيّتها ثلاثة:

37

الأول: الإيجاب و القبول، و الثاني: المتعاقدان، و الثالث: العوضان.

و يعتبر في الأول شروط العقد التي ذكرناها تحت عنوان العقد و في الثاني البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لسفه أو فلس في طرفي المعاملة.

و في الثالث شروط بعضها خاص لهذا الباب و بعضها عام. و منها الملكية فيهما بأن يكون الموجر مالكا للعمل أو المنفعة أو مسلطا عليهما و كذا الأجرة من طرف المستأجر. و منها كون العمل أو المنفعة مباحا في الشريعة، فلا تصحّ إجارة الإنسان للعمل المحرم من قتل نفس محقونة، أو إتلاف مال محترم و إجارة الدار للانتفاع المحرّم بها.

ثم انه ذكر الأصحاب ان الإجارة من العقود اللازمة، لا تنفسخ إلاّ بالتقايل أو شرط الخيار كانت عقدية أو معاطاتية، بل و لا تنفسخ ببيع المالك للعين بعد عقد الإجارة، و لا بموت أحد الطرفين و يجري فيها خيار العيب، و الغبن، و الاشتراط، و تبعّض الصفقة، و تعذّر التسليم و غيره.

و أنه بمجرد تمامية عقدها يملك المستأجر العمل و المنفعة في تمام المدة ملكية مستقرة، فالمملوك كلي اعتباري متدرج التحقق، و الملكية المتعلقة بها كذلك، و قبضها بالتسلط على العين، و يملك الموجر الأجرة متزلزلة و تستقر باستيفاء العمل أو المنفعة قضاء لحق المعاوضة. فأصل الملكية للطرفين موقوف على تمامية العقد و جواز المطالبة لكل منهما موقوف على تسليم ما عنده، و استقرار ملكية الأجرة موقوف على استيفاء العمل أو المنفعة.

و أن العين المستأجرة و هي موضوع المنفعة أمانة بيد المستأجر فلا يضمن إلاّ بالتعدّي أو التفريط كما ان العين مورد العمل أمانة بيد الأجير كذلك و هي كالثوب بيد الخياط و الصبي بيد الختّان و المريض بيد الجراح و أدوات الصوت كالراديو و التلفزيون بيد من يريد إصلاحها.

38

* أجم الأجمة*

الأجمة بالتحريك الشجر الملتف، و في الروضة و الروض هي الأرض المملوّة من القصب، و نحوه، و على أي تقدير يراد بها غير المملوكة منها، و جمع أجمة أجم كقصبة و قصب و جمع الجمع آجام بمد الألف.

و قد وقع البحث عن الكلمة في الفقه في كتاب الخمس في باب الأنفال و وقع البحث عنها بنحو الإجمال أيضا في كتاب إحياء الموات، أما الأول: فذكروا فيه أن الأجمة داخلة في الأنفال و هي ملك للإمام بعنوان إمامته كسائر أقسام الأنفال و لا فرق بين الملتف بالشجر أو القصب بل و لا بين كون المراد الأرض الملتفة أو نفس الأشجار و القصب بعد كون المحل أيضا غير مملوك لأحد فيكون للإمام و فروع المسألة مذكورة تحت عنوان الأنفال.

و أما الثاني: فالمذكور هناك أن الأجمة من قبيل الأرض العامرة بالأصالة، فهي كالموات بالأصالة، يجوز لكل أحد إحياءها و تملّكها بإذن الإمام، مع حضوره و بسط يده، و مطلقا في زمان الغيبة مع عدم وجود المنصوب في زمانها أو عدم بسط يده، و الكلام فيه في كتاب إحياء الموات.

تنبيه: ذكروا انه يدل على كون الأجمة للإمام مرسلة حمّاد المعروفة المعتبرة عن العبد الصالح قال: و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام (وسائل الشيعة، أبواب الأنفال ب 1، ح 2) و في خبر آخر الأنفال بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام (ح 37) و في آخر الأنفال منها المعادن و الآجام.

* حكر الاحتكار*

الحكر بالفتح في اللغة الظلم، و التنقيص، و إساءة العشرة مع الغير، و اللّجاجة، و الاستبداد بالشي‏ء، و جمع الشي‏ء و حبسه للغلاء، و الحكر و الحكرة بالضم اسم مصدر منه، و الاحتكار افتعال منه، و قد كثر استعماله في الفقه أو صار اصطلاحا في حفظ أموال خاصة و حبسها و استبقائها انتظارا للغلاء مع حاجة الناس إليها و عدم باذل لها غيره،

39

و هذا يناسب جميع المعاني اللغوية المذكورة لأنه نوع من الظلم و تنقيص للغير نفسا و مالا و إساءة العشرة له و لجاجة و استبداد مذموم، و قد وقع البحث في تعيين ما يتحقق فيه الاحتكار و اختلف فيه الأقوال فالمشهور أن الاحتكار حبس الغلات الأربع مع السمن، و عن الصدوق إضافة الزيت إلى الخمس، و عن المفيد أنه احتكار الأطعمة، و عن أبي الصلاح أنه احتكار الغلات، و عن عدة إضافة الملح إلى الخمسة الأولى، و يظهر من البعض انه حبس كل ما يحتاج إليه العموم طلبا للغلاء و زيادة في الثمن، و لعل هذا أوجه الأقوال في المسألة بمقتضى التأمل في أخبار الباب و لحاظ ملاك الحكم.

و أما الحكم المجعول له في الشريعة، ففيه اختلاف أيضا فعن بعضهم كونه مكروها شرعا، و عن آخرين الإفتاء بحرمته و لا يخلو عن رجحان، و ذكروا ان هنا قيودا داخلة في موضوع الحكم و هي كون الاستبقاء لغرض الغلاء، و وجود حاجة الناس إلى المال و عدم وجود باذل له، فمع انتفاء كل واحد منها ينتفي موضوع الاحتكار لغة أو اصطلاحا، لكن قد جعل بعض الأصحاب الموضوع مطلق الحبس و جعل الأمور الثلاثة من شروط حرمته، و ذهب بعضهم أيضا إلى أن الاستبقاء في الغلاء ثلاثة أيام و في الرخص أربعون يوما و هو محمول على مقدار الحاجة.

* حرم الإحرام*

الإحرام في اللغة مصدر أحرم الشي‏ء جعله حراما، و إطلاقه على أول عمل من أعمال الحج و العمرة لأنه يحرم الناسك على نفسه محرمات الإحرام، و في المجمع الإحرام مصدر أحرم الرجل يحرم إذا أهلّ بالحج أو العمرة، و الإحرام توطين النفس على اجتناب المحرّمات من الصيد و الطيب و النساء و لبس المخيط و أمثال ذلك انتهى.

و كيف كان فقد كثر استعمال الإحرام في لسان الشرع و ألسنة الفقهاء، أو صار مصطلحا فقهيا، في معنى عبادي خاص وقع في الشريعة موضوعا لأحكام كثيرة و موردا للبحث في الفقه، إلاّ أنه قد اختلف كلماتهم في بيان حقيقة هذا المعنى، فقيل تارة إن الإحرام عبارة عن ترك أمور معينة منع الشارع عنها و أمر بتركها بنية التقرب، فهو أمر

40

عدمي مشروط بأمر وجودي، و قد يقال إنه عبارة عن كف النفس عنها مع نية القربة فهو أمر وجودي و إن تعلق بالأعدام، أو انه توطين النفس على الترك مع النية، لكن الظاهر ان الإحرام عبارة عن الممنوعية الاعتبارية، فالمحرم يوجد لنفسه تلك الحالة و ينشأها بنيّتها و التلفظ بالتلبيات تقربا إلى اللّه، فإذا نوى ذلك و لبى اعتبرت تلك الحالة في حقه فيقال إنه أحرم أو صار محرما و هي موضوع لترتب حرمة الأمور المعهودة، و يمكن تحققها مع عدم العلم بها تفصيلا و العلم الإجمالي بها حاصل غالبا لو قلنا به، و قد أشرنا إلى شي‏ء من ذلك في عنوان الصوم.

ثم إنهم ذكروا أن واجبات الإحرام ثلاثة:

الأول: قصد الإحرام المندرج فيه التقرب و الإخلاص و تعيين صنف العبادة التي هو جزء منه كالحج و العمرة، و تعيين كونه لنفسه أو غيره و كونه حجة الإسلام أو غيرها و لا يعتبر قصد ترك المحرمات تفصيلا بل و لا إجمالا إذا قصد أصل الإحرام كما هو الصادر من أكثر العوام.

الثاني: التلبيات الأربع و صورتها على ما ذكره الأكثر: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبّيك، و الأحوط أن يضاف: إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك.

الثالث: لبس الثوبين بعد التجرد عما يحرم لبسه على المحرم، يتّزر بأحدهما و يتردّى بالآخر، و ظاهرهم كون لبسهما واجبا تعبديا مستقلا و ليس شرطا في صحة الإحرام فلو تركهما عامدا لم يبطل، و لا يشترط الطهارة حاله فيجوز و لو في حال الجنابة و الحيض.

* حرم محرّمات الإحرام*

ثم إنهم ذكروا للإحرام محرمات، و هي الأفعال التي نهى اللّه عنها حال الاشتغال بهذه العبادة الخاصة، إما بان يكون تركها جزءا من العمل العبادي الذي تعلق به الأمر على احتمال ضعيف، أو يكون قيدا له، أو يقال إن أغلب تلك المنهيات محرمات مستقلة عند تقارنها لحالة الإحرام، و ان فرضنا ترك بعضها جزءا أو قيدا أيضا كالجماع في إحرام الحج قبل الوقوف لبطلان العمل بذلك و هذا أرجح.

و كيف كان فهي عبارة عن الأمور التالية:

41

الأول: صيد البرّ فيحرم الاصطياد و ذبح الصيد و أكله تكليفا، و يفسد القتل و الذبح وضعا بمعنى كون الحيوان المصطاد ميتة، و يحرم الفرخ منه و البيض.

الثاني: النساء زوجة أو غير زوجة وطأ و تقبيلا و لمسا و نظرا و تمتّعا بكل ما فيه تلذذ و شهوة، و إن طاوعته فلكل حكمه من الحرمة و الكفارة حسبما ذكر تحت عنوان الكفارة.

الثالث: إيقاع العقد على المرأة دواما أو متعة لنفسه أو لغيره و لو كان محلا، و الشهادة على العقد إقامة لا تحملا، فيبطل العقد و تحرم المعقودة على المحرم في عقده لنفسه أبدا مع علمه بالحكم، و يبطل من غير تحريم مع الجهل و يترتب الكفارة أيضا.

الرابع: الاستمناء باليد أو بأي وسيلة، و الأحوط انه يبطل به ما يبطل بالجماع.

الخامس: الطيب بأنواعه حتى الكافور صبغا و إطلاء و بخورا، و يجب الاجتناب عن الرياحين أي كل نبات له رائحة طيبة، و لا يجوز الإمساك عن الرائحة الخبيثة و لو استعمل الطيب وجبت الكفارة.

السادس: لبس الثوب المتعارف للرجال كالقميص و السراويل و القباء و نحوها و لو المنسوج منها. و كذا القلنسوة و نحوها، و يجوز للنساء لبس أي لباس شاءت إلا القفّازين و لا بأس بما يحفظ به نقوده كالهميان و لو خالف كفّر.

السابع: الاكتحال بالسواد للزينة رجلا كان المكتحل أو امرأة و لو اضطرّ إليه جاز و ليس فيه كفّارة.

الثامن: النظر في المرآة رجلا أو امرأة و لا كفّارة فيه.

التاسع: لبس ما يستر جميع ظهر القدم كالجورب و الحذاء و نحوهما، للرجال دون النساء، و لا كفّارة لو خالف.

العاشر: الفسوق كالكذب و السباب و المفاخرة، و لا كفّارة لو خالف.

الحادي عشر: الجدال بقول لا و اللّه و بلى و اللّه في إثبات أي أمر كان أو نفيه و بأي لسان كان، و لو جادل كفّر.

الثاني عشر: قتل هوام الجسد من القملة و البرغوث و نحوهما و إلقائها و كذا هوام جسد سائر الحيوانات و لا كفّارة فيه.

42

الثالث عشر: لبس الخاتم للزينة لا للاستحباب أو الخاصية و ليس فيه كفّارة.

الرابع عشر: لبس المرأة الحلي للزينة، و لا بأس بما كانت معتادة به قبل الإحرام لكن يحرم إظهاره للرجال حتى الزوج و ليس فيه كفّارة.

الخامس عشر: التدهين و إن لم يكن فيه طيب و لا بأس بأكل الدهن.

السادس عشر: إزالة الشعر كثيره و قليله حتى شعرة واحدة عن الرأس و اللحية و سائر الجسد بحلق أو نتف أو استعمال نورة، و لا بأس عند الضرورة و لا بما يسقط حال الوضوء و الغسل و فيها الكفارة لو ارتكب.

السابع عشر: تغطية الرجل رأسه بكل ما يغطيه بل الأحوط ان لا يضع على رأسه شيئا غير الثوب أيضا، و لا يجوز ارتماس الرأس في الماء و لا تغطيته عند النوم و لو فعله غفلة أزاله فورا، و لا بأس بوضع الرأس على المخدة و لا بتغطية الوجه و تجب فيها الكفارة مع العلم و العمد.

الثامن عشر: تغطية المرأة وجهها بنقاب و نحوه، و يجب عليها ستر رأسها و لا كفّارة فيها.

التاسع عشر: التظليل حال السير فوق الرأس للرجال دون النساء، سواء كان بالمحمل أو السيّارة أو القطار أو الطائرة أو السفينة، و لا بأس به في المنزل كمنى أو عرفات فيجوز الاستظلال تحت الخيمة و نحوها و أخذ المظلّة حال المشي إلى المذبح أو الجمرات، و الظاهر عدم البأس بذلك في الليل فيجوز الستر فيه في الطائرة و السيارة، و إذا اضطرّ إليه جاز و كفّر.

العشرون: إخراج الدم من بدنه بالخدش و المسواك و قلع الضرس، و لا كفّارة في ذلك و لا بأس بإخراجه من بدن الغير بقلع ضرسه مثلا.

الحادي و العشرون: قلم الأظفار كلاّ أو بعضا من اليد و الرجل بأية آلة كانت و فيه الكفّارة لو خالف و لو اضطرارا.

الثاني و العشرون: قلع الضرس و لو لم يدم و هذا احتياط.

43

الثالث و العشرون: قلع شجر الحرم و حشيشه و فيه الكفّارة.

الرابع و العشرون: لبس السلاح كالسيف و الخنجر و الطبنجة و نحوها من آلات الحرب إلا لضرورة.

* حصر صدد الإحصار و الصد*

الحصر في اللغة التضييق يقال حصره أي ضيق عليه و أحاط به و أحصره المرض حبسه و منعه، و في المفردات الحصر و الإحصار المنع من طريق البيت فالاحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو و المنع الباطن كالمرض، و الحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى‏ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فمحمول على الأمرين انتهى. و في مجمع البحرين الحصر الضيق و الانقباض و قوله تعالى‏ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ) أي منعتم من السير من أحصره المرض منعه من السفر أو من حاجة يريدها، و منه رجل أحصر من الحج أي منع بمرض و نحوه و الإحصار عند الإمامية يختص بالمرض، و الصد بالعدوّ و ما ماثله، و إن اشترك الجميع في المنع من بلوغ المراد.

و الصدّ في اللغة المنع و الصرف يقال صده عن السبيل أي منعه و صرفه عنه و صدها ما كانت تعبد من دون اللّه أي منعها.

ثم ان الظاهر ان الكلمتين متقاربتا المعنى من حيث اللغة بل يمكن استعمال كل منها في محل الآخر و ما ذكره في المفردات من اختصاص الحصر بالمنع الباطن عن طريق البيت و جعل الإحصار أعم من الحصر لا يطابق كلمات أهل اللغة.

و أما في اصطلاح الفقه و المتشرعة بل و في اصطلاح الشرع و أهل البيت أيضا كما يظهر من التصريح به في نصوص أبواب الحج، ان الحصر و الإحصار عبارة عن ممنوعية المعتمر أو الحاج عن نسكه الذي شرعه بواسطة المرض و نحوه، و الصدّ عبارة عن منعه بسبب العدو و نحوه، قال في المسالك: إن اختصاص الحصر بالمرض هو الذي استقر عليه رأي أصحابنا و وردت به نصوصهم و هو مطابق للّغة أيضا، قال في الصحاح: أحصر الرجل‏

44

على ما لم يسمّ فاعله، أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من الحاجة انتهى. و عند العامة الحصر و الصدّ واحد من جهة العدو.

ثم انهم ذكروا انّه تظهر الثمرة بين الاصطلاحين في موارد و لعل أجمع الكلم في ذلك ما ذكره في المسالك قال: و اعلم ان الحصر و الصد اشتركا في ثبوت أصل التحلل عند المنع من إكمال النسك في الجملة و اختلفا في مواضع تذكر في تضاعيف الباب و جملتها ستة أمور:

الأول: عموم التحلل و عدمه، فإن المصدود يحل له بالمحلل كل شي‏ء حرّمه الإحرام، و المحصر ما عدا النساء بل يتوقف حلّهن على طوافهن.

الثاني: في اشتراط الهدي و عدمه، فإن المحصر يجب عليه الهدي إجماعا و هو منصوص الآية، و في المصدود قولان و إن كان الأقوى مساواته في ذلك.

الثالث: في مكان ذبح الهدي فإن المصدود يذبحه أو ينحره حيث وجد المانع و لا يختص بمكان، و المحصر يختص مكانه بمكة ان كان في إحرام العمرة و بمنى إن كان في إحرام الحج.

الرابع: قدر المحلل فإن المحصر لا يحل إلا بالهدي و الحلق و التقصير عملا بالآية، و في افتقار المصدود إلى أحدهما قولان و إن كان الأقوى الافتقار.

الخامس: ان تحلل المصدود يقيني لا يقبل الخلاف فإنه يفعله في مكانه، و المحصر تحلله بالمواعدة الممكن فيها غلطها.

السادس: فائدة الاشتراط فإنها في المحصر تعجيل التخلل و في المصدود ما تقدم من الخلاف في انه هل يفيد سقوط الهدي أو كون التحلل عزيمة أو رخصة أو مجرد التعبد.

(ج 1 ص 128) .

* حصن الإحصان*

حصنت المرأة في اللغة كانت عفيفة، و أحصنت المرأة تزوجت أو عفت، و أحصن المرأة زوّجها فهي محصنة بفتح الصاد، و أحصن الرجل تزوج، و المحصنات تطلق على‏

45

الحرائر و المتزوجات. و في النهاية أصل الإحصان المنع و المرأة تكون محصنة بالإسلام و بالعفاف و بالحرية و بالتزويج، يقال أحصنت المرأة فهي محصنة و محصنة و كذلك الرجل، و الحصان بالفتح المرأة العفيفة انتهى. و في المفردات و يقال امرأة محصن و محصن فالمحصن يقال إذا تصور حصنها من نفسها و المحصن يقال إذا تصور حصنها من غيرها انتهى.

أقول لم تستعمل الكلمة وصفا للرجل في الكتاب الكريم إلاّ بصيغة الفاعل و للمرأة إلاّ بصيغة المفعول، و كيف كان فالإحصان و إن لم يثبت له حقيقة شرعية أو متشرعية و ليس له معنى اصطلاحي إلاّ انه قد أطلق في موارد من أبواب الفقه على معنى خاص و كثر استعماله فيه و رتب عليه حكم أو أحكام.

فمنها باب الحدود حيث ان صفة الإحصان قد لو حظت في باب الزنا سببا لترتب حكم خاص و عقوبة شديدة على المحصن، فكل من الزانية و الزاني إذا كان محصنا استحق الرجم و إلا استحق الجلد، و عمدة الكلام في المقام تشخيص المراد منه مع كثرة محتملاته، و الأصحاب ذكروا انه يعتبر في تحقق الإحصان الموجب للرجم أمور، منها البلوغ و العقل و الحرية و منها ان يكون له فرج مملوك بالعقد الدائم أو بالملك، و المتعة محل خلاف. و منها ان يتحقق منه الوطء و منها ان يكون متمكنا منه يغدو عليه و يروح، و على هذا فالأولى في تعريف إحصان الرجل ان يقال انه عبارة عن تسلط البالغ العاقل الحر على فرج محلل له بنكاح دائم أو ملك يمين أو متعة سلطة تامة في الغدو و العشي مع تحقق الوطء خارجا، و في إحصان المرأة انه عبارة عن كونها بالغة عاقلة حرة مزوجة دائمية أو انقطاعية مدخولا بها يتمكن زوجها منها غدوا و رواحا. فإذا تحقق الزنا منها أو منه بعد حصول صفة الإحصان ثبت حكم الرجم عليهما. و لا يعتبر في الإحصان الإسلام فالكافر الواجد للشروط المذكورة يرجم و الكافرة الواجدة لها ترجم إذا رجعا إلينا في إجراء الحد.

و منها باب حد القذف، و الإحصان في هذا الباب يغاير الإحصان في الزنا موضوعا و حكما، فإنهم ذكروا انه يشترط في ترتب حد القذف على القاذف إحصان المقذوف، و عرفوا الإحصان فيه بأنه عبارة عن البلوغ و العقل و الحرية و الإسلام و العفة فلو قذف‏

46

صبيا أو مجنونا أو عبدا أو كافرا أو متظاهرا بالزنا و اللواط لا يحد، و لا يسوغ القذف لو كان متظاهرا بغير الزنا و اللواط من المعاصي غير متظاهر فيهما.

و منها باب حدّ اللواط فإنهم و ان ذكروا ثبوت القتل به للفاعل و المفعول من غير فرق في اللائط و الملوط بين كونه محصنا أو غير محصن، إلا انه لا يبعد كون الإحصان شرطا في ثبوت القتل على اللائط فلو كان غير محصن لم يقتل بل يجلد.

* حيو الإحياء*

حي يحيى حياة في اللغة من باب علم ضد مات، و أحياه جعله حيا و أحيى الأرض أخصبها، و حيّاه تحية قال له حيّاك اللّه أي أطال اللّه عمرك، و في المفردات ما خلاصته ان الحياة تستعمل على أوجه الأول للقوة النامية الموجودة في النبات و الحيوان، الثاني للقوة الحساسة و به سمى الحيوان حيوانا، الثالث للقوة العاملة العاقلة، الرابع الحياة الأخروية الأبدية، الخامس الحياة التي يوصف بها الباري تعالى انتهى.

أقول لم يذكر الراغب حياة بعض الجمادات كالأرض فإن لها أيضا نوع حياة لقوله تعالى‏ (فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ) فالاهتزاز و الربو و الإنبات حياة لها و هنا حياة أخرى للمجتمع الإنساني غير ما ذكر أيضا و لعل منها قوله تعالى‏ (اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ) و قوله‏ (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ) و لكن الجميع غير الحياة التي أريد بالعنوان.

و كيف كان للاحياء عند العرف و في اصطلاح الفقهاء معنى آخر لعله غير تلك المعاني و إن كان من مصاديق الحياة الكلية و هو عبارة عن إعداد الأرض الموات و تهيئتها للانتفاع بها بعد ما لم تكن كذلك، و هذا هو الذي وقع مورد البحث عند الفقهاء، في كتاب إحياء الموات و رتب عليه أحكام في الشريعة تكليفا و وضعا.

و المرجع فيه إلى العرف و تختلف مصاديقه باختلاف الأغراض فإن الإحياء لكل شي‏ء بحسبه، فمن أراد البستان أو الزراعة كفي في صدق الإحياء أحداث المرز و المسنّاة و رفع‏

47

الموانع و تهيئة الماء، و من أراد إحداث الدار كفاه إصلاح الأرض للشروع في البناء و هكذا، و لا يشترط في الإحياء فعليّة الانتفاع بل هي من آثاره.

ثم ان حكم الإحياء تكليفا، هو الاستحباب بطبعه الأولى، و قد يترتب عليه الوجوب لعارض، بل الظاهر وجوبه كفاية شرعا و عقلا لما علم من ان اللّه تعالى حيث خلق الإنسان و أسكنه هذه الأرض أراد منه عمارتها قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ اِسْتَعْمَرَكُمْ فِيهََا) و حكمه وضعا كونه سببا لملكية المحيي لما أحياه مع شرائطه.

و حيث ان الأحياء يتعلق بالأرض و ما عليها تعرضوا في مقام تبيين معناه، لأقسام الأرضيين على الإجمال، ثم لشرائط وقوع الأحياء و صحته، ثم للآثار المترتبة عليه بعد تحققه.

أما الأول: فقد ذكروا تحت عنوان الأرض إلى أنه تنقسم بالانقسام الأوّلي إلى أربعة أقسام، الموات بالأصالة، و الموات بالعرض، و العامرة بالأصالة، و العامرة بالعرض فذكروا انّ الصالح للإحياء منها هو القسم الأول ثم الثاني، و اما الثالث فيجوز الانتفاع به و تملكه إلاّ انه لا يتحقق الأحياء فيه، و اما الرابع فهو لمعمّره و مالكه لا يجوز لأحد التصرف فيه، و الموات التي كانت جزءا من الأرض المفتوحة عنوة حال الفتح حكمها كسائر أقسام الموات يجوز إحياؤها بشرائطه.

و أما الثاني: فقد ذكروا للاحياء شروطا لعلها تبلغ ثمانية بعضها مورد وفاق الأصحاب و بعضها مورد خلافهم.

أولها: قصد التملك عند العمل و مع عدمه لم يملك و قيل بعدم اشتراطه و أنه يحصل الملك و لو لم يقصد التملك لأنه من آثار نفس العمل، لكن لا يبعد القول بأنه يشترط ان لا يقصد عدمه.

ثانيها: إذن الإمام بعد فرض كون جميع الأرض له بعنوان إمامته و ولايته على الناس، و حينئذ فإن كان حاضرا في المجتمع و أمكن الاستيذان منه وجب ذلك، كان مبسوط اليد أم لا، و إن لم يكن حاضرا أو لم يمكن الاستيذان منه فالظاهر أنه لا إشكال في

48

جواز الإحياء و حصول الملكية موقتا ما دام الأمر كذلك، و في حكم الإمام نائبه الخاص أو العام في لزوم الاستيذان مع الإمكان و عدمه مع عدمه.

ثالثها: أن لا يكون عليها يد مسلم أي يد محكومة بالصحة فإنه لو أحرز كونها تحت يد شخص أو أشخاص مع عدم العلم ببطلان أيديهم فتركوها لعذر أو غيره حتى ماتت كان مانعا عن الإحياء نعم لو علم بطلان اليد جاز الإحياء.

رابعها: أن لا يكون محجرة للغير فإن سبق تحجيره يمنع من احياء غيره.

خامسها: أن لا يكون حريما لعامر كحريم الدار و القرية و العين و البئر و غيرها فإن ذلك يفيد أولوية أربابها للحريم و أحقيتهم و إن لم يفد الملك، و هذان الشرطان يمكن إدخالهما تحت الشرط السابق إلا أنهم أفردوهما بالذكر.

سادسها: أن لا يكون مما قد سماه الشرع مشعرا و جعله موضعا للعبادة كأرض عرفة و المشعر و منى و غيرها من المساجد و الأوقاف العامة القربية للعبادات، و الوصايا كذلك، فلا يجوز إحياؤها كلا أو بعضا و لو بالمقدار الذي لا يضر المتعبدين و الناسكين على اختلاف في بعض المشاعر بالنسبة للتصرف في شي‏ء يسير منه.

سابعها: أن لا يكون مما أقطعه الإمام لأحد كما أقطع النبي صلّى اللّه عليه و آله قطائع لعدة من الأصحاب و لو كانت خالية غير محياة و لا محجرة و لا معلّمة، فإنه يفيد أحقيّة المقطع له فيمنع غيره، و لو أ قطعها الإمام لواحد و أذن في إحيائها لآخر فإن كان إمام الأصل كان الثاني هو المقدم و إن كان النائب عنه احتمل تقدم كل واحد منهما.

ثامنها: أن لا يحميها الإمام لنفسه أو لغيره، بأن يجعلها حمى لمواشيه أو لمواشي الصدقة أو خيول المجاهدين، و نظير ذلك تعيينها محلا للسيارات العسكرية و الأدوات الحربية الساكنة و المتحركة و مطارا للطائرات العسكرية و نحو ذلك، فإن الحمى كالإقطاع يفيد الأحقية لمورد الغرض، ثم ليعلم أنهم ذكروا أن للموات أحكاما ثلاثة: الإحياء و الإقطاع و الحمى فجعل عدم الأخيرين شرطا للأول فيه مسامحة لاشتراط كل منها بعدم سبق غيره لكن الأول كلي و الأخيرين خاصان.

49

و أما الثالث: و هو أحكام الإحياء فقد ذكروا ان من آثاره و أحكامه المترتبة عليه تحقق الحريم له في الغالب، و الحريم عبارة عن مقدار من الأرض و المكان يلازمه التصرف في المكان المحيي و يحتاج إليه تمام الانتفاع به، و يختلف ذلك زيادة و نقيصة و قربا و بعدا، و هو و إن كان أمرا عرفيا إلا انهم ذكروا في الفقه لذلك بعض المصاديق كحريم الدار، و حريم البئر، و العين، و القناة، و النهر المحدث، و القرية، و البستان، و الطريق، و المطار، و نحوها، و الأشهر ان الحريم يكون ملكا لمالك ذي الحريم و قد يقال بكونه أحق بذلك من دون ملكية فهو كالمحجر، و هو إنما يلاحظ في الأرض الموات و لا حريم في ملك الغير أو متعلق حقه.

تنبيه: ذكر الأصحاب أنه لا إحياء للمعادن الظاهرة و هي التي يبدو جواهرها من غير عمل و سعي، كالملح و الكبريت و الموميا و القير و حجر الرحى و المرمر مما كان ظاهرا، فلا يجري فيها إحياء و لا تحجير فإنه مقدمة للاحياء بل يجوز لكلّ أحد الأخذ منها و هو حيازة و ليس له منع غيره، و قد يقال انه لم يبق للمعادن الظاهرة في هذا الزمان مصداق و للكلام محل آخر. و أما المعادن الباطنة و هي التي يحتاج إظهار جواهرها إلى العمل و السعي، كالذهب و الفضة و الحديد و النحاس و سائر الجواهر المبثوثة تحت الأرض و في داخل التراب، فهي قابلة للإحياء و يتحقق إحياؤها بانتهاء السعي و التنقيب إلى جوهرها فما لم يبلغ فالعمل تحجير فإذا بلغ تحقق الإحياء و ملك المحيي الجوهر، و هذا نظير البئر فما لم تبلغ الماء فالعمل تحجير و بعد البلوغ صدق الإحياء و ملكية الماء، و بعض الكلام في المقام مذكور تحت عنوان المعدن و الشركاء.

* أذن قوم الأذان و الإقامة*

في المجمع: الأذان بفتح الفاء لغة في الإعلام و الإجازة إما من الإذن بمعنى العلم أو من الإذن بمعنى الإجازة و على التقديرين إما أصله الإئذان كالأمان بمعنى الإيمان و العطاء بمعنى الإعطاء أو هو فعال بمعنى التفعيل كالسلام و الكلام بمعنى التسليم و التكليم، و شرعا ألفاظ

50

متلقّاة من الشارع انتهى. و في النهاية: الأذان هو الإعلام بالشي‏ء يقال أذن يؤذن إيذانا و أذّن يؤذّن تأذينا و المشدّد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة انتهى. و الإقامة في الأصل الإدامة.

و كيف كان فالأذان في اصطلاح الشرع و الفقهاء عبادة قولية خاصة مشروعة من قبل الشارع مقدمة عبادية ندبية للصلوات اليومية و عبادة مستقلة في موارد معدودة، و كذلك الإقامة بعينها. و قد وقع البحث عنهما في الفقه في كتاب الصلاة تارة في موارد تشريع الأذان أو تشريعهما معا و أخرى في بيان حقيقتهما المجعولة الواصلة إلينا من الشرع، و ثالثة في موارد سقوط الأذان من مواقع التشريع، و رابعة في مواطن سقوطهما معا، و خامسة في شرائطهما المجعولة من الشرع.

أما الأول: و هو مواطن التشريع فهي كثيرة أو لها مبادئ أوقات الفرائض اليومية فقد شرع فيها أذان الإعلام بملاك إعلام الناس بدخول أوقاتها و تنبيههم بتوجه خطابها و دعوتهم إلى إقامتها، تشهد به السيرة المتصلة إلى زمن المعصوم، بل الضرورة من الدين و النصوص الكثيرة.

و ثانيها: عند إقامة إحدى الصلوات اليومية فقد شرع اللّه تعالى الأذان و الإقامة حينئذ قبل الدخول فيها تشريعا ندبيا راجحا مؤكد الرجحان من غير فصل معتدّ به بينهما و بين الصلاة لا سيما الإقامة، في أي وقت أراد إقامتها، و هنا خلاف في أصل تشريعهما لبعض الصلوات الخمس مذكور في محله و لا يشرعان في غير اليومية من الصلوات واجبة كانت أم مندوبة.

ثالثها: حين ولادة المولود يوم تولده أو قبل أن تسقط سرّته، فإنه يستحب حينئذ أن يقرأ الأذان في أذنه اليمنى و الإقامة في أذنه اليسرى.

رابعها: عند كون الإنسان في الفلوات مع وحشته عن غير الإنسان من الأجنّة و الأرواح الخبيثة، فقد ورد استحباب ان يؤذّن المستوحش حينئذ رجاء دفع أذاهم.

خامسها: إذا ترك الإنسان أكل اللحم أربعين يوما أو إذا ساء خلق الإنسان أو ساء

51

خلق الدابة فإنه يستحب قراءة الأذان في أذانهم.

أما الثاني: فقد ذكروا ان فصول الأذان ثمانية عشر و هي: اللّه أكبر أربع مرات، أشهد أن لا إله إلا اللّه مرتين، أشهد أن محمدا رسول اللّه (ص) مرتين، حيّ على الصلاة مرتين، حيّ على الفلاح مرتين، حيّ على خير العمل مرتين، اللّه أكبر مرتين، لا إله إلا اللّه مرتين، و فصول الإقامة سبعة عشر نظير الأذان، مع إسقاط تكبيرتين من أوله و تهليل واحد من آخره و إضافة قد قامت الصلاة مرتين بعد حيّ على خير العمل، و ترجع حقيقتهما إلى تكرير الأخبار عن كبرياء ذاته تعالى و تكرير الإقرار بالشهادتين و دعوة العامة إلى الصلاة التي هي الفلاح و خير الأعمال و تتميمها بالتهليل.

ثم ان الشهادة بالولاية و إمرة المؤمنين لعلي (ع) ليست من الأذان و لا من الإقامة لكن لا بأس بها فيهما لا سيما في أذان الإعلام لا بقصد الجزئية بل عملا بعمومات إظهار الحق و الإقرار بالولاية و إبراز المودة للقربى.

و أما الثالث: فقد ذكروا أن الأذان يسقط في موارد أحدها في عصر يوم الجمعة إذا جمعت مع الجمعة أو الظهر لا مع التفريق، ثانيها في عصر عرفة إذا جمعت مع الظهر لا مع التفريق، ثالثها في العشاء ليلة المزدلفة مع الجمع أيضا، رابعها في العصر و العشاء للمستحاضة التي تجمع بين الصلاتين، خامسها عن المسلوس و نحوه إذا اضطر إلى الجمع.

و أما الرابع: فيسقطان معا عن الداخل في الجماعة إذا أذّنوا و أقاموا، و عن الداخل في المسجد للصلاة منفردا أو جماعة و قد تمت الجماعة و فرغوا و لم يتفرق الصفوف، و ذكروا للسقوط هنا شروطا، و عن المستمع لأذان الغير أو إقامته على إشكال فيه، و عن الحاكي لأذان الغير أو إقامته فله أن يكتفي بهما.

و أما الخامس: فقد ذكروا انه يشترط في الأذان و الإقامة أمور، الأول نيّة التقرب لكونهما عبادة و في وجوبها في آذان الإعلام إشكال، الثاني الترتيب بين الآذان و الإقامة بتقديم الأول على الثاني، الثالث الموالاة بين الفصول فيهما على وجه تكون الصورة محفوظة، الرابع دخول الوقت فلا تصحّان قبله، الخامس الطهارة في الإقامة.

52

* ردد الارتداد*

مفهوم الارتداد في اللغة معلوم فإنه عبارة عن الرجوع عن الشي‏ء و الانصراف عنه، يقال ارتد عن كذا إذا رجع عنه، و هو في اصطلاح الشرع و المتشرعة عبارة عن رجوع المسلم علما اختاره من الاعتقاد بالإسلام و اختياره الكفر بعده، سواء لم يكن إسلامه مسبوقا بالكفر أو كان مسبوقا به، و هو من أفحش أنواع الكفر و أغلظها و أعظمها ظلما و عقوبة، لا سيما في المرتد الفطري و لا سيما إذا خرج إلى الزندقة و نفى المعبود أو الإشراك به تعالى و نعوذ باللّه من الجميع، و قد رتّب عليه في الشرع أحكام كثيرة تكليفية و وضعية و وقع الكلام فيه في الفقه في أمور: بيان حقيقته، و طريق ثبوته، و أقسامه و أحكامه.

أما حقيقة الارتداد فيظهر من الأصحاب أنها عبارة عن إنكار المسلم قلبا لما يجب الاعتقاد به أو اعتقاده بما يجب الاعتقاد بعدمه، بل و تردّده في بعض الأصول الاعتقادية مع عدم اعتنائه بإزالة شكّه، فهو أمر باطني قلبي، و قد يقال بانطباقه على الفعل الخارجي أحيانا كما ستعرف.

و يكفي في إثباته إقراره على نفسه بالخروج عن الإسلام و انتحاله بعض أنواع الكفر و بقيام البينة على ذلك و بكل فعل عمدي دل على الاستهزاء بالدين و الاستهانة بالإسلام و الإعراض عنه، كإلقاء المصحف في القاذورات و تمزيقه و وطئه بالأرجل و استهدافه إهانة، و تلويث الكعبة المعظمة أو أحد الضرائح المقدسة بالقاذورات، و السجود للصنم و الشمس و نحوهما و نعوذ باللّه من جميعها و يثبت الارتداد أيضا بالنسبة لذي مذهب خاص إنكار بعض ضروريات ذلك المذهب كإنكار الإمامي أحد الأئمة عليهم السلام أو عدالته و إنكاره المتعة و نحو ذلك.

و أما أقسامه فقد ذكروا أن الارتداد على قسمين، الأول ارتداد من ولد على الإسلام بمعنى كون أحد أبويه أو كليهما مسلما حال انعقاد نطفته مع قبوله الإسلام بعد بلوغه أو بعد تمييزه ثم ارتدّ عنه، فلا يكفي الارتداد عن الإسلام التبعي فقط و قيل بكفاية مجرّد ولادته على الإسلام فإذا ارتد كان ارتداده عن فطرة قبل الإسلام بنفسه أم لا و هو ضعيف،

53

و يسمى هذا بالمرتد الفطري لأنه رجع عن مقتضى فطرته و هو التوحيد و أصول الدين لقوله تعالى‏ (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا) فرجع عنه بعد أن توجه إليه و قبله.

الثاني: الارتداد عن الإسلام المسبوق بالكفر الأصلي و يسمى الشخص بالمرتد الملي، لانه ارتد عن الملة الحنيفية الإلهية التي انتحلها بدعوة الأنبياء.

و أما الأحكام المترتبة على الفطري فهي طوائف: الأولى: الأحكام التكليفية و الوضعية التي رتبت في الشريعة على الكافر بعنوانه الأعم الشامل للمرتد و غيره: من حرمة نفس الكفر، و نجاسة بدن الكافر، و كفر أولاده تبعا، و حرمانه عن إرث المسلم، و حرمة تزويجه المسلمة، و غير ذلك مما ذكر تحت عنوان الكفر. الثانية: الأحكام المترتبة على خصوص المرتد عن فطرة و هي ستة: حرمة نفس ارتداده تكليفا حرمة مؤكدة مغلظة، و استحقاقه القتل، و عدم قبول توبته في الجملة، و خروج زوجته عن حبالته، و لزوم اعتدادها عدّة الوفاة، و انتقال أمواله إلى وارثه و الظاهر أن هذه الأحكام لا خلاف فيها عند الأصحاب بل ادعى عليها الإجماع بقسميه. الثالثة: قبول توبته بالنسبة لترتب أحكام الإسلام الكلية عليه من طهارة بدنه و جواز نكاحه المسلمة و إرثه من المسلم و غيرها و إن لم تقبل بالنسبة لإسقاط قتله و رجوع زوجته إليه بالعقد السابق و رجوع أمواله الموروثة، و هذه الأحكام تختص بالفطري و لا تعم الفطرية كما ستعرف.

و أما الأحكام المترتبة على المرتد الملي فهي حرمة نفس ارتداده كما سمعت، و انفساخ نكاح زوجته، و لزوم اعتدادها من حين ارتداده عدة الطلاق، و وجوب استتابته بإمهاله ثلاثة أيام فإن أسلم فيها رجعت إليه و إلا قتل، و ورثه أرحامه، و المرتدة مطلقا فطرية أو ملية بحكم المرتد الملي و لكن لا قتل لها، و أموال الملي باقية على ملكه فيؤخذ منها نفقة عياله ما دام حيا، و غير البالغين من أولاده بحكم المسلم فلا يتبعونه في الارتداد فإذا بلغوا اختاروا.

54

* رمس الارتماس*

الرمس في اللغة التغطية و الدفن يقال رمسه أي غطّاه و دفنه، و ارتمس في الماء انغمس، و في المجمع: رمست الميت رمسا من باب قتل دفنته، و الصائم يرتمس و لا ينغمس كأن المراد يغمس بدنه و لا يغمس رأسه انتهى. و ليس للفظ معنى اصطلاحي خاص بل هو بمعناه اللغوي وقع في الفقه مورد البحث تارة:

في الغسل فذكروا ان الغسل على قسمين ترتيبيّ و ارتماسيّ و كلاهما صحيحان تامان، و الثاني هو الدخول في الماء دفعة واحدة عرفية بحيث ينغمس تمام البدن فيه، و ذكروا انه يقع على نحوين بل أنحاء: ارتماسيّ تدريجي و هو قصد كون أول الغسل من حين وصول أول جزء من البدن إلى الماء و آخره دخول آخر الجزء فيه، و ارتماسيّ دفعي و هو قصد حصول الغسل في آن تمامية غمس البدن في الماء، أو قصد الغسل دفعة بعد حصول تمام البدن تحت الماء، و الكلام فيه مذكور تحت عنوان الغسل.

و أخرى في أجزاء الغسل الترتيبي أي جواز غسل كل عضو من أعضائه برمسة في الماء.

و ثالثة في أجزاء الوضوء بجواز غسلها برمس كل عضو من أعضاء الغسل في الماء بقصد غسله مع رعاية كون الغسل من الأعلى.

و رابعة في باب الصوم فعدّوا الارتماس فيه من مبطلاته لكن المراد به في هذا الباب غمس خصوص ما فوق الرقبة من الرأس في الماء و إن كان سائر الجسد خارجا عنه من غير فرق بين الرمس دفعة أو تدريجا لكن بحيث يحصل تمام الرأس في الماء في زمان واحد، و المبطل غمس الرأس في الماء المطلق لا في المضاف و لا في غير الماء من المائعات.

* ورث فرض الإرث و الميراث و الفريضة*

ورث يرث إرثا و وراثة و تراثا المال من فلان انتقل إليه ماله بالموت، و ورث الرجل مالا جعله له ميراثا، و الإرث و التراث و الميراث تركة الميت جمعها مواريث، و في المجمع:

و تأكلون التراث أكلا لمّا، التراث بالضم ما يخلفه الرجل لورثته، و أصله الواو أي الوارث‏

55

فقلبت الواو تاء انتهى. و في المفردات: الوراثة و الإرث انتقال قنية إليك من غيرك من غير عقد و لا ما يجرى مجرى العقد، و سمى بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة ميراث و إرث، و تراث أصله وراث فقلبت الواو تاءا و يقال ورثت مالا عن زيد و ورثت زيدا انتهى.

و كيف كان الإرث أما مصدر و هو انتقال المال من الميت إلى الحي أو نفس المال المنتقل إليه، و يطلق عليه بالمعنى الثاني الفرائضة أيضا و هي التي قد يصدر بها كتاب الإرث يريدون بها السهام المفروضة أي المقدّرة المقطوعة، أو السهام الواجبة بتشريع اللّه تعالى أو السهام المعطاة للوارث بيد الشارع.

ثم إنه وقع البحث عن الإرث و الميراث في الفقه بل البحث عنهما من مهام الأبحاث الفقهية و قد أشير في الشريعة إلى نفس التوارث، و إلى أسبابه و مقتضياته، و إلى موانعه، و إلى مقادير السهام، و الأصناف المستحقين لها، و إلى ما يلحق بذلك من المقاصد.

أما الأول: فالظاهر الذي لا ينبغي الريب فيه كون التوارث بين الأحياء و الأموات أمرا عقليا أمضاه الشارع و جعله من أمهات الفروع الدينية أما كونه عقليا فلأن الوارث في الجملة وجود بقائي للميت كالولد بالإضافة إلى الوالد، فاللازم كون تركته له لا لغيره من الأجانب، مع أنه لو لم يورث الأرحام و الأقارب يدور أمر التركة بين إتلافها أو إعطائها الأجانب البعداء، و كلاهما غير مرضي عند العقل، و أما كونه عقلائيا فقد جرت سيرتهم بذلك بلا إشكال منذ خلق اللّه الناس و قضى بينهم بالموت، و أما كونه ممضى من الشرع فلقوله تعالى‏ (لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمََّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (النساء 7) و قد أشير في الآية الشريفة إلى أصل التوارث و لزوم كونه بين الأرحام و الأقارب و شموله للقليل من التركة و الكثير منها.

و أما الثاني: أعني أسباب التوارث و مقتضياته فقد قسموه أولا إلى نسب و سبب و الأول: عبارة عن اتصال أحد الشخصين بالآخر بالولادة أما بانتهاء أحدهما إلى الآخر أو بانتهائهما إلى ثالث، و هو ينقسم إلى ثلاث مراتب المرتبة الأولى الأبوان و الأولاد و ان نزلوا، المرتبة الثانية الأجداد و الجدات و إن علوا و الأخوة و الأخوات و أولادهم و ان‏

56

نزلوا، المرتبة الثالثة الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات و أولادهم و ان نزلوا، و الثاني:

عبارة عن اتصال أحدهما بالآخر بزوجية أو ولاء و هو بفتح الواو القرب و الدنو، و المراد هنا تقرب أحد شخصين بالآخر بطريق غير النسب و الزوجية، و هو ثلاثة أقسام ولاء العتق، و ولاء ضمان الجريرة، و ولاء الإمامة.

و أما الثالث: أعني الموانع و يطلق عليها الحواجب أيضا، فقد ذكروا أنها على قسمين: قسم يمنع عن أصل التوارث و يسمى حجب الحرمان و قسم يمنع عن استحقاق الزيادة و يسمى حجب النقصان. و حجب الحرمان أربعة:

الأول الكفر فلا يرث الكافر من المسلم و إن كان أقرب الأرحام منه و يختص إرثه بالمسلم و إن كان أبعدهم فلو مات المسلم و له ابن كافر و أخ أو عم مسلم ورثة الأخ أو العم دون الابن، بل لو كان له ابن كافر و ليس له مناسب أو مسابب غير الإمام عليه السلام ورثه الإمام.

الثاني: القتل فلا يرث القاتل من تركة المقتول إذا قتله عمدا و ظلما، و يرثه ان قتله بحق كما إذا كان قصاصا فلو قتل أحد الأخوين الآخر فاقتص الأب من ابنه القاتل ورثه، و كذا لو قتله حدا أو دفاعا أو خطاء محضا، و أما شبه الخطأ كان أراد الأب تأديب ابنه فمات ففي إرثه منه خلاف أظهره ذلك.

الثالث: التولد من الزنا فكل رحم انتسب إلى رحمة بالزنا لا يرث منه فالمتولد من الزانيين لا يرثهما و لا يرثانه، و لو كان أحدهما زانيا دون الآخر كما إذا وطئها عن شبهة أو إكراه أو اضطرار أو غيرها لم يرث الزاني و ورث غيره، و لو مات ولد الزنا لم يرثه أبواه، و ورثته زوجته و ولده، و ليس المتولد من الوطء حال الحيض أو في نهار شهر رمضان أو في حال الإحرام بحكم الزنا، فيتوارثان.

الرابع من الموانع اللعان فلو رمى الزوج زوجته بالزنا أو نفي ولده اللاحق به شرعا و لم تكن له بينة فلاعنها عند الحاكم بطل النكاح و انتفى السبب بين الأب و الولد و لم يتوارثا.

راجع اللعان.

و أما حجب النقصان أي ما يمنع عن بعض الإرث فقد ذكروا أنه أمور منها: قتل الخطأ

57

محضا و شبه الخطأ فإنه يمنع القاتل عن خصوص الدية دون التركة فلو قتل الولد أباه خطأ و لم يكن للأب ولد غيره و كان له عم ورث تركة أبيه و أدى الدية إلى عمه، و منها وجود الأكبر من أولاد الميت فإنه يمنع الباقين عن الحبوة خاصة دون غيرها. و منها وجود الولد مطلقا فإنه يمنع كلا من الزوجين عن النصيب الأعلى إلى غير ذلك.

و أما الرابع: و هو مقادير السهام و من يستحقها فالسهام المفروضة التي بينها اللّه تعالى في كتابه الكريم ستة: النصف و الربع و الثمن، و الثلثان و الثلث و السدس، و هذه المقادير مما اخترعه الشارع و أنشأه و تعبّد به في مقام توارث الأرحام و المتيقن تشريعها في هذه الشريعة، و قد عينها اللّه تعالى للأرحام قريبهم و بعيدهم، و لا حظ حال قرب الرحم و بعده في زيادة الحظ و نقصه، و قد يعبر عن تلك السهام بأنها النصف و نصف النصف و نصفه و الثلثان و نصفهما و نصف نصفهما، و في المسالك: ان أخصر العبارات عنها ان يقال هي الربع و الثلث و ضعف كل و نصفه.

و كيف كان فالنصف للبنت الواحدة إذا لم يكن معها غيرها، و للأخت الواحدة للأبوين أو للأب فقط، و للزوج إن لم يكن للزوجة ولد.

و الربع للزوج إن كان للزوجة ولد و للزوجة إن لم يكن للزوج ولد.

و الثمن للزوجة إن كان للزوج ولد، و الثلثان للبنتين فصاعدا مع عدم الابن للميت، و للأختين فصاعدا للأبوين مع عدم وجود الأخ للأبوين أو للأب مع عدم الأخ لأب.

و الثلث للأم إن لم يكن للميت ولد و لم يكن له أخوة متعددون، و للأخ و الأخت من الأم مع التعدد.

و السدس للأب مع وجود الولد، و للأم مع وجود الحاجب و هو الولد أو الأخ أو الأخت مع التعدد.

58

* أرض الأرض*

الأرض في اللغة و العرف معروفة و هي موطن الإنسان و مأواه و محلّ موته و محياه منذ خلقه اللّه منها و برأيه، أو منذ أهبطه اللّه إليها و أنزله، و هي كرة من الكرات الدائرة السائرة في الجو و جزء من أجزاء المنظومة الشمسية التي نحن فيها، تدور حول الشمس في كل سنة مرة واحدة يسمى دورانها ذلك بالحركة الانتقالية و ينتزع منها السنة الشمسية، و تدور حول نفسها في كل أربعة و عشرين ساعة مرة واحدة يسمى بالحركة الوضعية و ينتزع منها الليالي و الأيام، و تتكرر حركتها الوضعية في مدة حركتها الانتقالية ثلثمائة و خمسا و ستين مرة و تتحصل منها أيام السنة الشمسية، و وجود انحراف مّا في ناحية قطبيها سبب لتولد الفصول الأربعة طول السنة الشمسية.

ثم إنه ليس للكلمة اصطلاح خاص شرعي أو فقهي إلا أنه يقل استعمالها في نفس الكرة الدائرة و يكثر استعمالها في وجهها و ظاهرها و قطعاتها التي يسكنها الإنسان و يتصرف فيها.

و تنقسم بهذا اللحاظ إلى أقسام كثيرة حسب اختلاف الحوادث المستندة إليها، و قد وقع كل قسم منها موردا للحكم في الشريعة و موضوعا للبحث في الفقه، و جملة ما يظهر لنا من حيث كرؤيتها و من حيث سطحها و قطعاتها المختلفة، الأقسام التالية ذكرها أكثر الأصحاب في مواضع مختلفة من الفقه.

القسم الأول: الأرض من حيث انتساب الزمان الشمسيّ إليها بأيّامه و لياليه و شهوره و أعوامه، لتولدها من حركاتها كما عرفت و يرتب عليها بهذا اللحاظ أحكام كثيرة في الشريعة تعرف بالمراجعة إلى عنوان الوقت و الزمان و الشهر و السنة.

القسم الثاني: الأرض الموات بالأصالة و هذا العنوان أحد العناوين الأربعة التي تعرض على الأرض بلحاظ عدم سبق يد أحد عليها بالعمارة و سبقها، و العناوين هي الموات بالأصالة، و العامرة بالأصالة، و العامرة بالعرض، و الموات بالعرض، و ملاك القسمة انه اما أن لا تصل يد الإنسان العامرة إليها أو تصل، و على الأول فاما ان لا يكون لها في نفسها حياه أو تكون، و على الثاني اما ان تدوم اليد عليها أو تزول. ثم انه لا فرق في‏

59

هذا القسم بين ما علم عدم سبق يد عليها أو لم يعلم أو علم السبق و لكن لم يبق منهم شخص و لا عنوان، و المذكور عند أصحابنا ان هذا من الأنفال و هي للإمام و يجوز إحياؤها لكل أحد.

القسم الثالث: الأرض العامرة بالأصالة على ما عرف و ذكروا ان حكمها حكم الموات بالأصالة، و حيث أنها محياة بالذات معدة للانتفاع فتملّكها يحصل بتحجيرها أو بالاشتغال بالانتفاع بها.

القسم الرابع: الأرض المحياة بالعرض و هي الأملاك الفعلية للأشخاص فاما ان تكون للمسلم أو للكافر، و المسلم اما ان يكون قد تملكها بالإحياء أو بالشراء و نحوه و لكل قسم حكم مذكور في باب الأحياء.

القسم الخامس: الأرض التي عرض عليها الممات بعد الحياة و هي أما ان تكون الحياة السابقة بالأصالة لا من معمر أو تكون من معمر بالإحياء فعلى الأول فهي باقية على حالتها الأولى و على الثاني ففي رجوعها إلى حالتها الأصلية و عدمه اختلاف مذكور تحت عنوان الإحياء.

القسم السادس: الأرض المفتوحة عنوة و هي التي يأخذها المسلمون من الكفار بالحرب و إيجاف الخيل و الركاب، و هي لجميع المسلمين من زمان التسلط عليها إلى آخر الدنيا و ليست مختصة بالعسكر المحاربين، و لا بإمامهم المتصدي لأمرهم، نعم الظاهر من الأصحاب الاختلاف في كون خمسها أيضا للإمام، هذا في العامرة من أرض الكفار و أما الغامرة أي الموات فالظاهر بقاؤها على حكمها الأصلي.

القسم السابع: الأرض الميتة بالفعل التي علم لها مالك مجهول و الظاهر ان أمرها بيد الإمام.

القسم الثامن: الأرض التي تركها مالكها المعلوم حتى صارت ميتة.

القسم التاسع: الأرض العامرة التي لا رب لها بالفعل كما إذا مات أهلها بالحوادث و الزلازل فبقيت أملاكهم الأرضية، و الظاهر انها من قبيل تركة من لا وارث له فيكون من الأنفال و يملكها الإمام.

60

القسم العاشر: الأرض الحادثة المستجدة في دار الإسلام أو دار الكفر، كجزيرة ظهرت في وسط البحر أو النهر الكبير، أو ظهرت في شطوط البحار و الأنهار مما كانت تحت الماء قديما و هي من الأنفال.

القسم الحادي عشر: الأرض المفتوحة عنوة بيد المسلمين من غير إذن الإمام و الظاهر انها من الأنفال.

القسم الثاني عشر: الأرض المفتوحة عنوة بإذن الإمام مع كونها من قطائع الملوك و هي من الأنفال و أمرها بيد الإمام.

القسم الثالث عشر: الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعا و هي و إن كانت ملكا لهم و تترك في أيديهم، إلا انه يظهر من بعض الأصحاب أن لها حكما خاصا كعوده بعد الخراب ملكا لجميع المسلمين.

القسم الرابع عشر: الأرض التي انجلى عنها أهلها و تركوها، و الظاهر أنها من الأنفال و تكون ملكا للإمام.

القسم الخامس عشر: أرض الصلح أي التي صالح أهلها المسلمين على أن تبقى أرضهم بأيديهم و يعطوا لها الجزية و هذه تسمى أرض الجزية.

القسم السادس عشر: أرض الصلح إذا صالح أهلها المسلمين على أن تكون للمسلمين و تكون الجزية على رؤوسهم و حكمها حكم المفتوحة عنوة.

القسم السابع عشر: الأرض الحريم للمحياة كمراتع القرى و حريم البئر و نحوها و حكمها حكم ذي الحريم.

القسم الثامن عشر: الأرض المحجرة بيد مسلم أو غيره، و حكمها كونها متعلقة لحق المحجر من دون أن تكون ملكا له، فيملكها ذو الحق بالإحياء دون غيره.

القسم التاسع عشر: الأرض المحبوسة المحررة من قبل اللّه تعالى، كالمشاعر العظام من البيت الحرام، و منى، و المشعر، و عرفات، و كذا مسجد الكوفة، و الأقصى، و المشاهد المشرفة على الأظهر، و ليس لأحد التصرف فيها بغير العبادة أو التعمير.

61

القسم العشرون: الأرض المحبوسة على حقوق الناس من قبل الناس، كالمساجد و المدارس و المقابر و الربط و الشوارع و نحوها، و حكمها كسابقها.

القسم الحادي و العشرون: الأرض من حيث وقوع عقد المزارعة عليها، فإن عقدها يشمل على أركان أربعة: الأرض و البذر و العمل و العوامل، بل الظاهر من تعبيرهم في عقد الزراعة بأنه معاملة على الأرض بحصة من حاصلها انها أقوى أركانه، و أساس لصحته و ترتب الأثر عليه.

القسم الثاني و العشرون: الأرض من تركة كل ميت له زوجة ترثه فتختص من بين التركة بحرمان الزوجة الدائمة عنها عينا و قيمة، كانت بياضا أو مشغولة ببناء أو غرس أو غيرها.

القسم الثالث و العشرون: الأرض الطاهرة من حيث كونها مطهرة لبعض النجاسات ذكرها الأصحاب في باب المطهرات فراجع عنوان المطهر.

القسم الرابع و العشرون: أرض المسلمين من حيث كونها امارة لإحراز تذكية اللحم و الجلد المطروحين فيها، فقد ذكروا انها إذا كانت تحت سلطة الدولة الإسلامية حكم بطهارتهما و وقوع الذكاة على الحيوان الذي انفصلا عنه مع وجود أثر الاستعمال فيهما.

القسم الخامس و العشرون: أرض الكفار من حيث كونها امارة لإحراز كون اللحم و الجلد المأخوذين منها ميتة غير محلّلة، و هي مقدمة على الأصل.

القسم السادس و العشرون: أرض المسلمين و الكفار من حيث كونها امارة على حكم اللقيط المتخذ منها، ففي دار الإسلام أي التي كانت تحت سلطة الحاكم الإسلامي و لا يكون فيها كافر إلا و هو ذمي يحكم بإسلام لقيطها، و في دار الكفر النافذ فيها سلطة الكافر يحكم بكفر اللقيط، راجع عنوان اللقيط.

القسم السابع و العشرون: الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم، سواء كانت مزروعة أو مسكنا أو دكانا أو غيرها فيجب على الذمي بذل خمسها للإمام كما أن للإمام أن يطلب خمسها و يأخذه، و تفصيل ذلك تحت عنوان الخمس.

62

القسم الثامن و العشرون: الأرض التي لا يتمكن المسلم فيها من العمل بوظائفه الدينية الواجبة، أصولية كانت أو فروعية، كانت الأرض أرض كفر أو إسلام فإن السير إليها تعرّب بعد الهجرة محرم و في هذا مسامحة، فإن الحكم للمجتمع بل للسائر إليهم لا للمسكن و الكلام فيه تحت عنوان التعرب.

* برأ الاستبراء*

البرء بالضم و البراء و البراءة بالفتح فيهما في اللغة التخلص من عيب و قذارة و نحوهما، و البري‏ء الخالص الخالي، و استبراء طلب البراءة من الدين و العيب و القذارة، و قد كثر استعمال الاستبراء في باب الطهارة أو صار اصطلاحا فيها في عمل خاص تعبّدي مختص بالرجال، يعمل به بعد البول و انقطاع دريرته، و هو وضع الإصبع الوسطى من اليد اليسرى على ما يقرب من مخرج الغائط و المسح إلى أصل الذكر ثلاث مرات، ثم وضع السبابة تحت الذكر و الإبهام فوقه و المسح بقوة إلى رأس الذكر ثلاث مرات، ثم عصر رأس الذكر ثلاث مرات، على اختلاف في كيفيته و هذا أحسنها، و هو مستحب نفسي أو شرطي، و فائدته على ما هو المشهور طهارة الرطوبة الخارجة من المخرج بعد البول المشتبهة بين البول و غيره، و عدم ناقضيتها للوضوء بحيث لو لم يستبرئ حكم بكونها بولا فتكون نجسا و ناقضة للوضوء، و ذكروا أيضا أنه لو اشتبهت الرطوبة الخارجة من الآلة بين البول و المني، فإن لم يستبرئ من البول فهو بول يوجب الوضوء فقط و إن كان استبرأ وجب عليه الوضوء و الغسل معا إلى غير ذلك.

ثم إن عنوان الاستبراء مذكور في الفقه أيضا في استبراء الحيوان الجلال و هو المعتاد بأكل عذرة الإنسان، و المراد به هناك منعه عن أكل العذرة و تغذيته علفا طاهرا حتى يزول الاسم، و به يتحقق الاستبراء و ينقلب غير المأكول مأكولا و يترتب عليه جميع آثار المأكول، من حلية لحمه و لبنه و بيضه و طهارة بوله و ورثه. فراجع المطهر الحادي عشر تحت عنوان المطهر.

63

* حيض الاستحاضة*

الاستحاضة في اللغة استفعال من الحيض اي سيلان دم المرأة، يقال استحيضت المرأة مجهولا أي استمر بها الدم بعد أيام عادتها فهي مستحاضة، و ظاهرهم عدم وجود البناء للمعلوم منه. و في القاموس: إن المستحاضة من يسيل دمها لا من المحيض بل من عرق العاذل انتهى. و تطلق كثيرا على نفس الدم الخارج.

و هي في اصطلاح الفقه عبارة عن دم بارد رقيق يخرج بغير قوة و حرقة بعكس الحيض و قد يكون على صفة الحيض، و ليس لقليله و كثيره حد، بل كل دم ليس من القرح و الجرح و لم يحكم بحيضيته فهو محكوم بكونه استحاضة.

ثم إنهم قسموا الاستحاضة على ثلاثة أقسام قليلة و متوسطة و كثيرة.

فالأولى: أن تتلوث القطنة التي أدخلها في فرجها من غير غمس فيها، فذكروا ان حكمها وجوب الوضوء عليها لكل صلاة، فريضة كانت أو نافلة و تبديل القطنة أو تطهيرها.

الثانية: أن يغمس الدم في القطنة و لا يسيل إلى خارجها من الخرقة و نحوها، و يكفي الغمس في بعض أطرافها أيضا، و حكمها مضافا إلى ما ذكر في القليلة من تعدد الوضوء و التطهير، الغسل قبل صلاة الغداة.

الثالثة: ان يسيل الدم من القطنة إلى الخرقة، و يجب فيها مضافا إلى ما ذكر غسل آخر للظهرين تجمع بينهما و غسل للعشاءين تجمع بينهما، و يجوز للمستحاضة مع الإتيان بما عليها من الأغسال و غيرها جميع ما يشترط فيه الطهارة حتى دخول المساجد و المكث فيها و قراءة العزائم و مس كتابة المصحف الشريف، و يجوز وطيها أيضا.

* حول الاستحالة*

الاستحالة استفعال من الحول و المراد طلب التحول من حال إلى حال أو طلب التنقل من موضع إلى موضع، و قد يطلق على صيرورة الشي‏ء محالا غير ممكن يقال استحال‏

64

الكلام أي صار معناه محالا. و المصطلح عليه في الفقه عبارة عن استحالة خاصة و هي تحول الأعيان النجسة أو المتنجسة و تبدل حقيقتها النوعية إلى نوع آخر غيرها، و ذكروا أن ذلك من المطهرات و أنها سبب لزوال النجاسة عن العين و عروض الطهارة لها، و كيف كان للاستحالة مصاديق، نظير صيرورة الخشب و نحوه من الأعيان النجسة رمادا أو دخانا، و صيرورة المائع النجس أو المتنجس بخارا، و صيرورة الميتة أو العذرة دودا أو ترابا أو جزءا للبقول و الخضروات و الأثمار، و صيرورة الكلب و الخنزير ملحا إذا وقعا في المملحة، و صيرورة النطفة حيوانا، و الطعام النجس جزءا من بدن المأكول لحمه، و صيرورة أجزاء الميتة أو نجس العين جزءا من بدن الإنسان كما يتفق كثيرا في عصرنا، هذا و أما تبديل الأوصاف و تفريق الأجزاء فلا يكون سببا للطهارة كالحنطة إذا صارت طحينا أو عجينا أو خبزا و الحليب إذا صار جنبا.

تنبيه: ذكروا انه ليس في الأدلة عنوان الاستحالة و لم يقع موضوعا لحكم فليس في الحكم المترتب عليها تعبد، بل لازم انعدام موضوع النجاسة عرفا زوالها عقلا، و اللازم من تحقق موضوع الطهارة حدوثها كذلك، فالضّابط في المقام ان يكون التبدل موجبا لتعدد الموضوع عرفا، و تولد المستحال إليه من المستحال عنه لتشمله أدلة المستحال إليه أو قاعدة الطهارة.

* خير الاستخارة*

الخير في اللغة و العرف بيّن و هو مقابل الشر، و خار الشي‏ء على غيره فضّله، و استخاره طلب الخير منه، و استخار اللّه العبد فخار له، طلب منه الخير فأولاه.

و كيف كان فقد ذكرت الاستخارة في النصوص و لم تقع في أغلب الكتب الفقهية مورد البحث لعدم تعلق حكم إلزامي بها، و الأحكام المندوبة كثيرة جدا و موضوعاتها غير محصورة، لكن العنوان له معنى آخر عند العرف كان متعارفا في الأزمنة السابقة في الجملة و كثر التوجه إليه فيما يقرب من عصرنا، و هو تحري كشف حال العمل الذي يريد الشخص‏

65

فعله من حيث الصلاح و الفساد و النفع و الضرر الدنيوية، من طريق التمسك بالمصحف الشريف، و السبحة، و كتابة الرقاع و نحو ذلك، و الصواب في هذا الباب ان يقال انه قد ورد عنوان الاستخارة في نصوص كثيرة يظهر منها سؤالا و جوابا كون المراد المعنى الذي ذكرناه و المستفاد من الجميع ان هنا عناوين:

الأول: الاستخارة بمعنى طلب الخير لسانا بالقول و الدعاء أو قلبا بالتوجه إلى اللّه و الرجاء عند الإقدام على عمل لا يعلم حاله، من سفر أو تجارة أو تزويج أو غيرها، ففي أخبار هذا العنوان (فصلّ ركعتين و استخر اللّه فواللّه ما استخار اللّه مسلم إلاّ خار له البتة) .

الثاني: الاستخارة بمعنى فتح المصحف الشريف و استفادة كيفية العمل و عاقبته منه، ففي خبر علي بن اليسع القمي: و افتح المصحف فانظر إلى أول ما ترى فيه فخذ به إن شاء اللّه.

الثالث: الاستخارة بالرقاع، و ورد فيها نصوص غير نقية السند و ففي خبر هارون بن خارجة إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم خيرة من اللّه العزيز الحكيم لفلان بن فلانة افعل، و في ثلاث منها بسم اللّه الرحمن الرحيم خيرة من اللّه العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل، ثم ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة و قل فيها مائة مرة أستخير اللّه برحمته خيرة في عافية ثم استو جالسا و قل اللّهمّ خر لي و اختر لي في جميع أموري في يسر منك و عافية، ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوّشها و اخرج واحدة واحدة فإن خرج ثلاث متواليات افعل، فافعل الأمر الذي تريده، و إن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله و إن خرجت واحدة افعل و الأخرى لا تفعل فأخرج من الرقاع إلى خمس فانظر أكثرها و اعمل به و دع السادسة لا تحتاج إليها. (الوسائل، ج 8، ص 68) .

الرابع: الاستخارة بالسبحة بأخذ قبضة منها و استكشاف الحال بالعدد الموجود فيها، لقوله عليه السلام، بعد بيان أذكار و أدعية: ثم تقبض قطعة من السبحة تضمر حاجة إن كان عدد القطعة زوجا فهو افعل و إن كان فردا لا تفعل. و بالعكس، و في خبر آخر إن كان عدد الحصى و السبحة فردا كان افعل و إن خرج زوجا كان لا تفعل.

الخامس: الاستخارة بالخواتيم، بأن يأخذ خاتمين يكتب في أحدهما افعل و في الآخر

66

لا تفعل، فيخرج أحدهما و قد ذكر في نفس الخبر أن العالم (أي الكاظم عليه السلام) سنّ الرقاع دون هذا.

السادس: الاستخارة بذكر ألفاظ و أذكار مكررا ثم العمل بما يترجح في قلبه و ينقدح في ذهنه بعده، مطلقا أو عند القيام للصلاة، لموثق حسن ائت المسجد فصلّ ركعتين و استخر اللّه مائة مرة ثم أنظر أيّ شي‏ء يقع في قلبك فاعمل به.

السابع: الاستخارة بالمساهمة و القرعة ففي خبر ابن سيابة قلت له كيف أساهم؟قال اكتب في رقعة-بعد ذكر دعاء-اعمل بهذا الطرف ثم أكتب في رقعة تلك الأدعية ثم اكتب اعمل بهذا الطرف انتهى.

هذا و لا يخفى عليك ضعف سند أغلب الوجوه المذكورة و المتيقن منها الموافق لأصول المذهب و قواعده هو الوجه الأول و لا يبعد اعتبار الوجه السادس أيضا.

* عوذ الاستعاذة*

الاستعاذة في اللغة الالتجاء يقال عذت بفلان و استعذت به لجأت إليه، و قد كثر استعمالها في الشرع و عند المتشرعة في قول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم أو ما يشبه ذلك من الكلام، و ذكر الأصحاب انها تستحب بعد الصلاة بعد تكبيرة الإحرام و قبل القراءة، و ينبغي أن تكون إخفاتا و لو كانت الصلاة جهرية.

و يدل عليه قوله تعالى‏ (فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ) و في النصوص تعوذ باللّه من الشيطان الرجيم عند كل سورة تفتحها، و عن أمير المؤمنين عليه السلام أعوذ باللّه أي امتنع باللّه، و انه قد أمر اللّه به عباده عند قراءة القرآن و من تأدب بأدب اللّه أداه إلى الفلاح الدائم (الوسائل ج 6 ص 197) .

و لا يبعد استحبابها عند الشروع في كل أمر ذي بال لقوله تعالى‏ (وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزََاتِ اَلشَّيََاطِينِ `وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (المؤمنون 97) و عند وصول وسوسة أو ضرر من الشيطان لقوله تعالى‏ (وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ) انتهى.

(الأعراف 200) .