الرسائل التوحيدية

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
307 /
1

الفهرست‏

فصل 1قول السوفسطائية و الفلاسفة 5 فصل 2فى ان الوجود حقيقة أصيلة 6 فصل 3فى ان الوجود الواجب له اطلاق بالنسبة 6 فصل 4فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة 7 فصل 5اختصاص التوحيد الاطلاقى بالملة الاسلامية 14 مقالة ملحقة برسالة التوحيد و فيها فصول فصل 1التوحيد الذاتى 15 فصل 2فى ان اكمل مراتب التوحيد مختص بالشريعة 16 فصل 3فى ان التوحيد الذاتى مشهود بشهود فطرى 17 2-رسالة فى اسماء الله تعالى و فيها فصول فصل 1فى تقسيم اسماء الله تعالى 24 فصل 2فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة 25 فصل 3فى ان الذات المقدسة كانت اوّل الاسماء 26 فصل 4فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة و فيها مباحث 30 المبحث الاول فى الاسماء التى خصت بالذكر فى القرآن 30 المبحث الثانى الميزان الكلى فى تفسير الاسماء و الصفات 34 المبحث الثالث فى كون الكمالات الاسمائية ذاتية36 المبحث الرابع فى الاعتبارات و حيثيات الاسماء 39 3-الرسالة الثالثة من كتاب التوحيد و فيها فصول فصل 1فى انه لا فعل فى الخارج الا فعله سبحانه 57 فصل 2فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة 58 فصل 3فى ان نظام كل سافل ثبت فى ما فوقها ثبتا فصل 4فى الدلائل النقلية على ما مر فى الفصل الثالث 65 فصل 5فى ان النفوس مجردة فى اوّل وجودها 71 فصل 6فى الدلائل النقلية من السنة على ما مر 91 فصل 7فى ارتفاع التوهم من سبق القضاء و القدر 89 فصل 8فى الدلائل النقلية من السنة على ما مر 91 فصل 9فى انتزاع المشيئة من الموجود الصادر منه سبحانه 93 فصل 10فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنه على ما مر 95 4-رسالة الوسائط و فيها فصول فصل 1فى ان الوجود فيه أربعة عوالم كلية مترتبة 101 فصل 2فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة 104 فصل فى الخاتمة لما مر فى الفصلين 112 5-رسالة الانسان قبل الدنيا و فيها فصلان و خاتمة فصل 1فى ان الانسان بجميع خصوصيات ذاته و صفاته و افعاله 163 فصل 2فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة على ما مر 164 خاتمة فى ان الملائكة قايسوا الخلافة الارضية على خلافتهم 176 6-رسالة الانسان فى الدنيا و فيها أيضا فصلان فصل 1فى ان صور علومنا الذهنية على قسمين 187 فصل 2فى ان الانسان لا حياة له فى غير ظرف نفسه 194 7-رسالة الانسان بعد الدنيا و فيها فصول فصل 1فى الموت و الاجل 204 فصل 2فى البرزخ 216 فصل 3فى نفخ الصور225 فصل 4فى صفات يوم القيامة 232 فصل 5فى قيام الانسان الى فصل القضاء 240 فصل 6فى الصراط 243 فصل 7فى الميزان 246 فصل 8فى الكتب 248 فصل 9فى الشهداء255 فصل 10فى الحساب 265 فصل 11فى الجزء272 فصل 12فى الشفاعة277 فصل 13فى الاعراف 287 فصل 14فى الجنة 294 فصل‏15 فى النار (اعاذنا الله تعالى منها) 299 فصل‏16 فى عمود المعاد301 الخاتمة307 الفهرست 309

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

2 رسالة في التوحيد 2

و هي الرسالة الأولى من كتاب التوحيد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هو الله عزّ اسمه الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أوليائه المقربين محمد و آله الطاهرين. إنّ في الوجود موجودا واحدا واجب الوجود مستجمعا لجميع صفات الكمال.

أقول: و قد أقام على وجوده و صفاته المليون من المسلمين و غيرهم براهين حجّة تامّة معروفة و نحن نثبت هاهنا مبلغ فهمنا من حقيقة هذا المعنى إلى فصول.

فصل 1قول السوفسطائية و الفلاسفة

ليتأمل فيما يقوله السوفسطائية من أن العالم موهوم و ما يقوله الفيلسوف من ثبوت الحقائق في الخارج، و هذا المعنى و إن لم يكن له‏

6

تفسير و بيان تام غير انا ندري ما نقوله و ما يقولون فمرادنا من لفظ الاصيل و الواقع و ما في الواقع و الحقيقة و الوجود و منشأ الآثار هو الذي نثبته في قبالهم.

فصل 2فى ان الوجود حقيقة أصيلة

فحيث أن الوجود حقيقة أصيلة و لا غير له في الخارج لبطلانه فهو صرف فكل ما فرضناه ثانيا له فهو هو إذ لو كان غيره أو امتاز بغيره كان باطلا فالثاني ممتنع الفرض فهو واحد بالوحدة الحقة على ما تقدم.

و من هنا يظهر أنه مشتمل على كل كمال حقيقي في ذاته بنحو العينية.

و حيث أن الوجود بذاته يناقض العدم و يطارده فهو بذاته غير قابل لطروّ العدم و حمله عليه فهو حقيقة واجبة الوجود بذاتها.

فحقيقة الوجود حقيقة واجبة الوجود بالذات و من جميع الجهات مستجمعة لجميع صفات الكمال منزهة عن جميع صفات النقص و العدميات.

فصل 3فى ان الوجود الواجب له اطلاق بالنسبة

حيث ان كل مفهوم منعزل بالذات عن المفهوم الآخر بالضرورة فوقوع المفهوم على المصداق لا يختلف عن تحديد ما للمصداق بالضرورة و هذا ضروري للمتأمل و ينعكس إلى أن المصداق الغير المحدود في ذاته وقوع المفهوم عليه متأخر عن مرتبة

7

ذاته نوعا من التأخر و هو تأخر التعين عن الإطلاق.

و من المعلوم أيضا أن مرتبة المحمول متأخر عن مرتبة الموضوع و حيث أن الوجود الواجبي صرف فهو غير محدود فهو أرفع من كل تعين اسمي و وصفي و كل تقييد مفهومي حتى من نفس هذا الحكم فلهذه الحقيقة المقدسة إطلاق بالنسبة إلى كل تعين مفروض حتى بالنسبة إلى نفس هذا الإطلاق فافهم.

فصل 4فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة

و معنى ما ذكرناه في الفصول السابقة متكرر في الكتاب و السنة فمنها الآيات الكثيرة الدالة على ان للّه ما في السموات و الأرض و للّه ملك السموات و الأرض و له ما سكن في الليل و النهار إذ من الواضح ان هذا الملك ليس هو الملك الاعتباري الموهوم المعتبر عند العقلاء لغرض التمدن بل هو نسبة حقيقية و النسب الحقيقية لا تتم إلاّ بقيام المنسوب بالمنسوب إليه وجودا و ذاتا و لعمري لو لم يكن في كتاب اللّه إلاّ آيتان و هما قوله عزّ اسمه: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ `مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ لكان فيهما كفاية ان يفهم الإنسان الحر حقائق هذه المعاني.

فالإنسان إذا انتزع عن زخارف هذه الدنيا و أعرض عن عرض هذه الأدنى و وحّد الهمّ و وجه الوجه نحو الرب الأعلى و أشرف نحو عالم القدس شاهد عيانا أن هذه الأمور التي دارت بين أبناء الدنيا من المطالب و المقاصد و الأغراض و الآمال و الآثار من الملك و الأمر و العظم و الرئاسة و التقدم و العزة و النسب و الأنساب و الأحساب و مقابلاتها و آلاف من أنحائها إنما هي أمور موهومة و ملاعب و ملاهي‏

8

و أمتعة الغرور و كذلك أنواع اللذائذ و النعم و الاستفادات التي يتنافس فيها المتنافسون و يعمل لها العاملون و يلتقي دونها المنون إنما هي أوهام سخر الله سبحانه عليها أرباب الحياة ليبلغ الكتاب أجله و لله أمر هو بالغه.

فإذا رأى هذا الإنسان أن الحق عزّ اسمه في كتابه و لسان رسوله و ألسنة أوليائه ينسب إلى نفسه أنه رحمن رحيم خالق مالك عزيز حكيم غفور شكور، و أن له كل اسم أحسن و أنه منزه عن كل قبيح و نقص و هذا الإنسان يعلم أن هذه معان حقيقية و نسب و إضافات ثابتة أيقن بلطف القريحة و سلامة الذوق أن هذه النسب أنحاء قيام ذوات الموجودات بالحق عزّ اسمه و قيامه سبحانه بذاته.

ثم أكد له ذلك شهود الحق سبحانه على كل شي‏ء بحسب خصوص ذاته أو لم يكف بربّك أنه على كل شي‏ء شهيد.

ثم قرره على ذلك البرهان فإن النسبة الحقيقية الثابتة بحسب ذات الشي‏ء كخلق الحق سبحانه و ملكه لذات الشي‏ء يجب أن تتحقق في مقام الذات و حيث انها وجودات رابطة فلا تتحقق إلاّ مع طرفيها فالمنسوب إليه متحقق هناك بالضرورة فبالضرورة إحدى الذاتين قائمة بالأخرى و إلاّ لزم وحدة الاثنين و هو محال فملك الحق سبحانه للموجودات نحو قيام ذاتها به سبحانه و كذلك سائر النسب و المعاني فافهم.

و منها الأخبار الكثيرة المستفيضة في انه تعالى واحد لا بالعدد فقد روى الصدوق (رضي الله عنه) في التوحيد و الخصال و المعاني مسندا عن شريح بن هانى قال:

ان أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

9

فقال: يا أمير المؤمنين أ تقول أن الله واحد. قال: فحمل الناس عليه، و قالوا: يا أعرابي أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟فقال أمير المؤمنين: دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي تريده من القوم.

ثم قال (عليه السّلام) : يا أعرابي إن القول في ان الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ و جلّ و وجهان يثبتان فيه.

فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أ ما ترى أنه كفر من قال: انه ثالث ثلاثة.

و قول القائل: هو واحد من الناس يريد به انّه النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنّه تشبيه و جلّ ربّنا و تعالى عن ذلك.

و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربّنا.

و قول القائل: انه عزّ و جلّ أحدي المعنى يعني به لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم كذلك ربّنا عزّ و جلّ.

و في التوحيد مسندا عن هارون بن عبد الملك قال: سئل الصادق (عليه السّلام) عن التوحيد فقال: هو عزّ و جلّ مثبت موجود لا مبطل و لا معدود الخبر.

و في نهج البلاغة في خطبة له (عليه السّلام) : واحد لا بعدد.

و في خطبة أخرى له: واحد لا من عدد.

و في خطبة أخرى له: و من حدّه فقد عدّه.

و بالجملة الأخبار و الخطب مستفيضة في هذا المعنى و هذا

10

كالصريح في أن وجوده تعالى صرف الحقيقة لا يعزب عنه وجود إذ لو كان مع وجوده وجود بحقيقة معنى الموجود عرض عليهما العد بالضرورة فهذا واحد و ذاك ثان فلا وجود مع وجوده سبحانه إلاّ قائم الذات بوجوده كما في حديث موسى بن جعفر (عليه السّلام) : كان الله و لا شي‏ء معه و هو الآن كما كان.

و في التوحيد و المعاني و الاحتجاج عن هشام عن الصادق (عليه السّلام) قال للزنديق حين سأله عن الله ما هو، قال: هو شي‏ء بخلاف الأشياء ارجع بقوله شي‏ء إلى إثبات معنى و أنه بحقيقة الشيئية غير أنّه لا جسم و لا صورة. الخبر.

و منها أخبار أخر في التوحيد ففي التوحيد و الأمالي و غيرهما مسندا عن الرضا (عليه السّلام) في خطبته: أحد لا بتأويل عدد ظاهر لا بتأويل المباشرة متجل لا باستهلال رؤية باطن لا بمزايلة الخطبة.

و في التوحيد مسندا عن عمار بن عمرو النصيبي قال: سألت جعفر بن محمد عن التوحيد فقال: واحد صمد أزلي صمدي لا ظل له يمسكه و هو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول معروف عند كل جاهل فرداني لا هو في خلقه و لا خلقه فيه.

و الأخذ بالأظلة هو تقويم الحق عزّ و جلّ اسمه الأشياء بالماهيات و التعينات و بعبارة أخرى ظهور الحق سبحانه في المظاهر بالتعينات الماهوية و إطلاقه سبحانه في نفسه.

و قد ورد تفسير الظل في بعض أخبار الطينة ففي خبر عبد الله بن محمد الجعفي و عقبة المروي في تفسيري علي بن إبراهيم و العياشي عن أبي جعفر (عليه السّلام) : ثم بعثهم-أي الخلق-في الظلال، قلت: و أي شي‏ء الظلال؟قال: أ لم تر إلى ظلّك في الشمس شي‏ء

11

و ليس بشي‏ء. الخبر. و هذا هو الماهيات أو الوجودات المستعارة بالعرض.

و في بعض خطب علي (عليه السّلام) دليله آياته و وجوده اثباته و معرفته توحيده و توحيده تمييزه عن خلقه و حكم التميز بينونة صفة لا بينونة عزلة. الخطبة.

و هذه الكلمة أنفس كلمة و أوجزها في التوحيد و لها كمال الدلالة على ذلك.

و في نهج البلاغة و في التوحيد مسندا عن الصادق (عليه السّلام) عن علي (عليه السّلام) في خطبة خطابا لذعلب: هو في الأشياء كلها غير متمازج بها و لا بائن عنها. الخطبة.

و في التوحيد مسندا عن مسلم بن أوس عن علي (عليه السّلام) : بل هو في الأشياء بلا كيفية. الخطبة، و هذا المعنى و ما يقرب منه متواتر في الخطب و الأخبار.

و منها الأخبار النافية للصفات و هي في معنى الفصل الثالث ففي نهج البلاغة في خطبة له (عليه السّلام) : أول الدين معرفته و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه.

و في خطبة أخرى له (عليه السّلام) : أول عبادة الله معرفته و أصل معرفته توحيده و نظام توحيده نفي الصفات عنه.

و في هذا المعنى أخبار أخر أيضا و هذه الأخبار يفسرها أخبار أخر أن المراد من الصفات المنفية ليست هي الصفات المحدثة بل أصل الوصف المفيد للتحديد و المغاير للذات.

ففي اثبات الوصية للمسعودي عن علي (عليه السّلام) في‏

12

خطبة: فسبحانك ملأت كلّ شي‏ء و باينت كلّ شي‏ء فأنت لا يفقدك شي‏ء و أنت الفعال لما تشاء تباركت يا من كل مدرك من خلقه و كل محدود من صنعه. الخطبة.

و خطب علي و الرضا (عليهما السّلام) و كلمات سائر الأئمة (عليهم السّلام) مملوءة من هذا المعنى و من المعلوم أن نفس الصفة تحديد و تعيين و نفس المفهوم مدرك فافهم.

و في التوحيد مسندا عن عبد الأعلى عن الصادق (عليه السّلام) تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه و الأسماء غيره و الموصوف غير الوصف. الحديث.

و قوله الموصوف غير الوصف إشارة إلى أن المراد بالغيرية الغيرية التي يستدعيها مفهوم الوصف المحدّد مصداقا لا أن ألفاظ الأسماء غيره سبحانه و هو ظاهر.

و من هذا الباب ما ورد في الحديث من أن معنى الله أكبر الله أكبر من أن يوصف رواه الصدوق في المعاني بطريقين.

و منها ما في الكافي و التوحيد عن إبراهيم بن عمر عن الصادق (عليه السّلام) قال: إن الله تبارك و تعالى خلق أسماء بالحروف غير متصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسّد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معا ليس واحد منها قبل الآخر فاظهر منها ثلاثة أشياء لفاقة الخلق إليها و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة التي أظهرت فالظاهر هو الله و تبارك و سبحان لكل اسم من هذه أربعة أركان فذلك اثنا عشر ركنا ثم خلق لكل‏

13

ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق البارى المصور الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم العليم الخبير السميع البصير العزيز الجبار المتكبر العليّ العظيم المقتدر القادر السّلام المؤمن المهيمن البارئ المنشئ البديع الرفيع الجليل الكريم الرازق المحيي المميت الباعث الوارث فهذه الأسماء و ما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتم ثلاثمائة و ستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة و هذه الأسماء الثلاثة أركان و حجب للاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة و ذلك قوله عزّ و جلّ: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ .

و هذه الرواية الشريفة في دلالتها على تأخر الأسماء عن مقام إطلاق الذات لا تحتاج إلى تقريب و هي على نفاستها تدل على أصول جمة من علم الأسماء و تنزل الاسم من الاسم و تفرع الخلق عليها:

و منها ما في الارشاد و غيره عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كلام له: ان الله أجل من أن يحتجب عن شي‏ء أو يحتجب عنه شي‏ء، و ما عن التوحيد مسندا عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن موسى بن جعفر (عليه السّلام) في كلام له: ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه احتجب بغير حجاب محجوب و استتر بغير ستر مستور. الخبر. و قد جمع هذا الخبر بين ظهوره تعالى بالأشياء و استتاره بها بعينها و هو معنى لطيف مرجعه إلى خفائه من شدة ظهوره.

قد ظهر ان التوحيد الاطلاقي أرفع و أجلّ من أن يوصف بوصف و في الحديث من سأل عن التوحيد فهو جاهل و من أجابه فهو مشرك.

14

فصل 5اختصاص التوحيد الاطلاقى بالملة الاسلامية

و هذا المعنى من التوحيد أعني الإطلاقي مما انفرد بإثباته الملة المقدسة الإسلامية و فاقت به الملك و الشرائع السالفة فظاهر ما بلغنا منهم في التوحيد هو مقام الواحدية و انه تعالى الذات الواجبة المستجمعة لصفات الكمال فغاية ما وصل إلينا من معنى التوحيد من الملل السابقين و كلمات الحكماء المتألهين هي ما مرّ في الفصل الثاني و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

تمّ و الحمد لله و السلام على محمد و آله.

15

مقالة ملحقة برسالة التوحيد و فيها فصول‏

بسمه تعالى مقالة ملحقة بالرسالة نبيّن فيها ان ما ندب إليه دين الإسلام المقدس آخر درجة من التوحيد و نبيّن فيها ثمرة ذلك في فصول ثلاثة ليعلم أن التوحيد حيث أن له إضافة إلى ما وحد فيه يختلف باختلاف المضاف إليه و المتصور من ذلك ثلاثة الذات و الاسم و هو الذات مأخوذا بوصف و الفعل فالتوحيد أيضا ثلاث توحيد ذاتي و توحيد أسمائي و توحيد أفعالي أي أن كل شي‏ء قائم الذات و قائم الاسم و قائم الفعل به سبحانه.

فصل 1التوحيد الذاتى‏

قد عرفت أن مقتضى البرهان المذكور في الفصل الثالث ارتفاع كل تعين مفهومي و تحديد مصداقي عن الذات و أنحاء كل تميز هناك حتى هذا الحكم بعينه.

و من هنا يظهر أن استعمال لفظ المقام و المرتبة و نحوهما هناك مجاز من باب ضيق التعبير.

و من هنا يظهر أن التوحيد الذاتي بمعنى معرفة الذات بما هو ذات مستحيل فإن المعرفة نسبة بين العارف و المعروف و قد عرفت أن النسب ساقطة هناك و كل ما تعلق من المعرفة به فإنما بالاسم دون الذات و لا يحيطون به علما و إليه يرجع ما ذكروا أن المعرفة على قدر

16

العارف مثال ذلك الاعتراف من البحر فإن القدح مثلا لا يريد إلاّ البحر لكن الذي يأخذه على قدر سعته.

و يظهر أيضا أنه خارج عن حيطة البيان أيضا.

و من هنا يتبين أن التوحيد الذاتي آخر درجات التوحيد فإن كمال التوحيد بحسب إطلاق الموحد فيه و إرساله و هو هاهنا كل تعين حقيقي أو اعتباري حتى نفس التوحيد قال سبحانه خطابا لنبيه:

وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ

فصل 2فى ان اكمل مراتب التوحيد مختص بالشريعة

قد عرفت أن مقتضى البرهان المذكور في الفصل الثاني من الرسالة انّ الله عزّ اسمه ذات مستجمع لجميع صفات الكمال منفي عنه جميع صفات النقص و أن جميع صفاته عين ذاته و هذا هو الموروث عن الشرائع السابقة المندوب إليه بدعوة المرسلين و الأنبياء الماضين (عليهم السّلام) و هو الذي يظهر من تعاليم الحكماء المتألهين من حكماء مصر و اليونان و الفرس و غيرهم و هو الذي شرحه الأعاظم من فلاسفة الإسلام مثل المعلم الثاني أبي نصر و رئيس العقلاء الشيخ أبي علي و عليه صدر المتألهين في كتبه و أسس أن الوجود حقيقة واحدة مشككة ذات مراتب مختلفة في الشدة و الضعف و أن أضعفها الهيولى الأولى و أقواها و أشدها الوجود غير المتناهي قوة و كمالا و هو المرتبة الواجبية، و أن جميع المراتب موجودة غير انها بالنسبة إلى المرتبة الواجبية وجودات رابطة غير مستقلة في نفسها لا يحكم عليها و بها مستهلكة تحت لمعان نوره و اشراق بهائه.

و قد ظهر مما تقدم إن إثبات أكمل مراتب توحيد الحق سبحانه‏

17

هو الذي اختصت به شريعة الإسلام المقدسة و هذا هو المقام المحمدي الذي اختص به محمد و الطاهرون من آله صلّى الله عليهم و الأولياء من أمته على نحو الوراثة.

فصل 3فى ان التوحيد الذاتى مشهود بشهود فطرى‏

و الذي ذكرناه من التوحيد الذاتي هو المشهود بالشهود التام الساذج الموجود فإن الإنسان بحسب أصل فطرته يدرك بذاته وجوده و إن كل تعين فهو عن إطلاق و إرسال إذ شهود المتعين لا يختلف عن شهود المطلق.

و يشاهد أيضا أن كل تعين في نفسه و غيره فهو قائم الذات بالإطلاق فمطلق التعين قائم الذات بالإطلاق التام.

و يجد أيضا من نفسه لزوم الخضوع و الكدح من تعينه لإطلاقه و حسن الحسن و قبح القبيح و إن التكليف محتاج إلى البيان و هذه المعاني الثلاثة هي التوحيد الذاتي و الولاية المطلقة و النبوة العامة و هذه الشريعة الإسلامية هي القائمة على هذه الأمور بتمامها و كمالها قال الله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ .

و في التوحيد مسندا عن العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال: سألته عن قول الله عزّ و جلّ: فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا قال: التوحيد.

و في تفسير علي بن إبراهيم مسندا عن الرضا عن أبيه عن جدّه محمد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) في قوله تعالى: فِطْرَتَ‏

18

اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا قال: هو لا إله إلاّ اللّه محمد رسول الله علي أمير المؤمنين إلى هاهنا التوحيد.

و قال رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

و قال تعالى: يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبََاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ .

و الآثار كثيرة في ان تشريع الشرائع يحوم حول الأمور الثلاثة.

و قد أنتج استعمال الفطرة الساذجة في هذه الشريعة المقدسة في كل من مرتبتي الملكات و الإفعال نتيجته عجيبة لم يسبقها إليها شي‏ء من الشرائع السالفة.

أما في مرتبة الملكات فالملكة علم و الإنسان الكامل لا يرى إلاّ الحق سبحانه و الإنسان المستكمل لا ينبغي أن يتوجه إلى غير الحق سبحانه فلا يبقى موضوع للأخلاق الرذيلة كالعجب و الكبر و الرياء و السمعة و الجبن و البخل و حب الجاه و الركون إلى الدنيا و غير ذلك فتقع الأخلاق الفاضلة حينئذ للّه و للّه فافهم ذلك.

و لعمري كم من الفرق بين أن يزيل الإنسان رذيلة الجبن مثلا عن نفسه تارة بأن لا يتوجه إلى غير الحق سبحانه فلا شي‏ء حتى يخاف منه و تارة بأن يتكل على الله في دفع المكروه المخوف عنه كما في ظاهر الشرائع.

و تارة بأن يعتقد أن وقوع المكروه المخوف عنه أمر ممكن مساوى الطرفين و الخوف و الجبن بترجيح جانب الوجود ترجيح بلا مرجح و هو قبيح أو أن الجبن رذيلة عند الناس لا يقع الثناء عليه كما يقوله الحكيم الأخلاقي و على ذلك فقس و مع ذلك فقد استعملت‏

19

الشريعة المقدسة في تعليمه جميع الوجوه.

و إلى نحو هذا المعنى يشير ما في تفسير القمي في حديث المعراج فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) : يا ربّ أعطيت أنبيائك فضائل فاعطني، فقال الله: و قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي لا حول و لا قوة إلاّ بالله و لا منجى منك إلاّ إليك.

و أما في رتبة الأفعال فقد قصرت الإباحة في ضروريات الحياة على ما تقتضيه الفطرة ثم حاصر ذلك بالتوجيه إلى الله عزّ و جلّ في صغير الأفعال و كبيرها ثم طرد استعمال ذلك في جميع جزئيات أطراف الحياة من الأمكنة و الأزمنة و الصحة و المرض و الغنى و الفقر و الموت و الحياة و سائر الحالات و جميع الأفعال فصارت شريعة حافظة للتوحيد على وحدته فهذه الكثرة و حافظة لهذه الكثرة على كثرتها في التوحيد فاغتنم فهذه لعمر الله نعمة لا توزن بالسبع الشداد و الأرض ذات المهاد و الجبال الأوتاد.

تمّ و الحمد للّه ليلة الأحد خامس ذي الحجة من سنة ألف و ثلاثمائة و ست و خمسين قمرية هجرية و تمّ الاستنساخ ليلة الاثنين لاثنين و عشرين خلت من شهر محرم الحرام لسنة 1361

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

رسالة الأسماء

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

2 رسالة في أسماء الله سبحانه و تعالى 2

و هي الرسالة الثانية من كتاب التوحيد الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أوليائه المقربين سيّما محمد و آله الطاهرين. قد ذكرنا في رسالة التوحيد أن التوحيد منه ذاتي و منه اسمي و منه فعلي.

أما التوحيد الذاتي فقد ذكر هناك انه خارج عن حيطة التوصيف و دائرة البيان.

و أما الأسماء و الأفعال فإذ لم نستوف البيان فيهما هناك أردنا أن نأتي هاهنا بعض البيان في الاسم و نشرحه بعض الشرح بالجمع بين البرهان العقلي و البيان النقلي بما يلائم ذوق هذه الرسائل.

و أما التفصيل التام لهذه الأبحاث فموكول إلى مطولات كتب القوم رضوان الله عليهم و نعني بها الكتب المعمولة على الجمع بين الذوق و البرهان و التشفيع بين العقل و النقل.

و أما الكتب التي شأنها أن تضع قضايا ساذجة يحكم بها الافهام العامية وضعا ثم تدافع بالدفاع الجدلي عنها بالغا ما بلغ فلا

24

يهمنا الرجوع إليها و لا الركون إليها و لا لهذه الأبحاث مساس بها و لا لنا شغل بمن هذا طرز بحثه و طور مطالبه و الله المعين.

فصل 1فى تقسيم اسماء الله تعالى‏

قد عرفت في رسالة التوحيد أن الله سبحانه هو الوجود الصرف الذي له كل كمال وجودي.

فكل ما فرض هناك غيره عاد عينه فله وحدة عينية يستحيل معه فرض ثان له فلا تعدد و لا إختلاف و لا تعين هناك بمعنى المحدودية بحد مفروض لا مصداقا و لا مفهوما بل كل ما فرض تعينا مفهوما أو مصداقا كان متأخرا عن هذه المرحلة المفروضة.

ثم انه لاشتماله على حقائق جميع الكمالات الوجودية متصف بجميعها فهو مسمى بها و هي أسماؤه إذ ليس الاسم إلاّ الذات مأخوذا ببعض أوصافه فهو في نفسه و بذاته سبحانه متصف بها و مسمى بها و مفاهيمها تنتزع عن ذاته بذاته.

و إذا لوحظ معه الوجودات الفائضة منه المترشحة عنه ظهرت بينها و بين أسمائه الذاتية جلت أسماؤه نسب هي كالروابط تربطها بها دون الذات فإنه مبرى عن التعينات و النسب كما عرفت.

و بالجملة فهناك تظهر تعينات و أوصاف أخر و تنتزع مفاهيم أخرى تلحق بالقسم الأول و ذلك كالخلق و الرزق و الرحمة و الكرم و اللطف و الإعادة و البدء و الإحياء و الإماتة و البعث و الحشر و النشر و غير ذلك و هذه هي اسماء الأفعال المتأخرة عن الذات و أسمائها و تنتزع عن مقام الفعل.

25

بقى هنا شي‏ء و هو أن هذه الأسماء لو انتزعت عن مقام الفعل فإنما انتزعت عنه بما أن بينه و بين الذات نسبة ما و رابطة ما و الألم يصدق هذه الأسماء على الذات البتة فيؤول الاتصاف إلى اعتبار الحيثية بمعنى أن الذات بحيث لو فرض خلق مثلا فهو خالقه و لو فرض رزق فهو رازقه فإذن سبيل الأسماء الفعلية سبيل الأسماء الذاتية في أن الجميع موجودة للذات حقيقة نعم الأسماء الذاتية لا تحتاج في انتزاعنا إيّاها الى أزيد من الذات بذاته و الأسماء الفعلية تحتاج في مرحلة الانتزاع إلى فعل متحقق في الخارج فافهم ذلك.

ثم إنّك تعلم أن الكمالات الوجودية حيث كانت موجودة للذات و النواقص العدمية مرتفعة عنه كانت هناك أوصاف سلبية على سبيل الأوصاف الإيجابية إلاّ أنها حيث كانت إعداما فهي غير متحققة هناك و إنما هي منتزعة من غيره انتزاعا و مدلولها سلب السلب و يرجع إلى إثبات الوجود.

و قد تبين من جميع ما مرّ أن أسماءه سبحانه على كثرتها تنقسم أوّلا إلى أسماء ذاتية و فعلية، و ثانيا إلى أسماء ثبوتية و سلبية و هكذا إلى أسماء خاصة و عامة.

فصل 2فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة

و النقل أيضا يدل على ما مرّ اما ما تدل على الأسماء الذاتية و الفعلية و الثبوتية و السلبية فغير ضروري الإيراد لبلوغها من الكتاب و السنة في الكثرة فوق حد الإحصاء على أن بعضها سيورد إن شاء الله سبحانه في طي الفصول الآتية.

26

فصل 3فى ان الذات المقدسة كانت اوّل الاسماء

قد عرفت في الفصل الأول ذاته المقدسة ذات صرافة و إطلاق مبرّأة من جميع التعينات مفهومية و مصداقية حتى عن نفس الإطلاق و حيث كان هذا بعينه تعينا ما يمحق عنده التعينات و يطوي بساط جميع الكثرات كان هذا أول الأسماء و أول التعينات و هو المسمى بمقام الأحدية، ثم يظهر التعينات الإثباتية و أول تلك نفس الإثبات و ذلك أنه هو و هو الهوية، ثم يظهر بقية التعينات: فمن حيث أن هذه الحقيقة التامة حاضرة عند نفسها واجدة لها يظهر تعين العلم و حيث أنها المبدأ التام لكل كمال وجودي يظهر تعين القدرة و يظهر من تآلف القدرة مع العلم تعين الحياة، ثم تظهر بقية التعينات من تآليف بساطتها.

فقد تبين أن الأسماء بينها ترتب ما يتفرع به بعضها على بعض آخر.

ثم نقول في بيان أسمائه سبحانه قد عرفت أن الوجود هو الحقيقة الخارجية فحسب و غيره كالماهيات أمور منتزعة ذهنية لا خارجية لها إلاّ بعرض الوجود و أما مع قطع النظر عنها فهي باطلة الذات هالكة العين و هذه الحقيقة الخارجية حيث أنها تطرد العدم بذاتها يستحيل طريان العدم عليها لامتناع اجتماع النقيضين فإذن هي واجبة الوجود بذاتها.

و من هنا يظهر أن للوجود الحقيقي وحدة و صرافة لا يمكن معه فرض ثان له و هو أحديته كما مرّ فهو وحده لا شريك له.

و من هنا يظهر امتناع فرض قوة أو إمكان أو تغير أو تحول هناك إذ هو لصرافته حاو لكل كمال وجودي فرض فهو صريح الفعلية فكما

27

أنه واجب الوجود بالذات فهو واجب الوجود من جميع الجهات هذا و من الواجب أن تعلم أن هذا البيان إنما يجري في الوجود الواجبي الصرف المستقل بذاته دون الوجود الإمكاني فإنه لمعلوليته رابط موجود في غيره يستحيل أن يوضع فيحكم عليه بشي‏ء كوجوب الوجود و القيام بنفسه و نحو ذلك.

فما نشاهده من الماهية الموجودة إنما نشاهد الوجود الحقيقي الواجبي بمقدار ما تقوم به هذه الماهية و هو المراد بقولنا وجود الممكن ظهور ما للواجب فيه و أن الممكن مظهر للواجب فهو نور.

و من هنا يظهر أيضا أن كل ما فرض ذا ماهية متساوية النسبة إلى الوجود و العدم فهو في تحقق ذاته و وجوده يحتاج إلى الواجب سبحانه و آثاره الذاتية كائنة ما كانت محتاجة إليه سبحانه أيضا و إن كانت بحيث إذا نظر العقل إليها حكم باقتضائه إيّاها و هو الوساطة فكما أن الأربعة و هي عدد ما تحتاج في وجودها إليه سبحانه فكذلك كونها زوجا و ضعف الاثنين و مجذورا له و سائر آثاره محتاجة إليه سبحانه و إن كان كلّها بوساطة الأربعة و اقتضائها فذاته سبحانه بذاته هو المبدأ لكل وجود ممكن و هذه هي القدرة الواجبية إذ القدرة بمعنى صحة الفعل و الترك أي إمكان الطرفين مستحيلة في حقه سبحانه لكونه واجب الوجود من جميع الجهات فهو سبحانه مبدأ بذاته لكل موجود بحسب ما يليق بذات ذلك الموجود فهو مبدأ بالفعل لكل موجود بالفعل و مبدأ بالفعل لكل موجود بالقوة و لنفس القوة و الإمكان فهو المفيض لكل شي‏ء و آثاره بفيوضات الوجود و بركات الظهور و البروز.

و من هناك يظهر أيضا أن ذاته موجودة لذاته و حاضرة لها لا

28

حجاب بينه و بين ذاته و جميع الكمالات الموجودة لذاته فهو في مقام ذاته عالم بذاته و صفاته و بجميع الموجودات المترشحة عن ذاته و هو العلم الذاتي.

و أيضا كل موجود حاضر بذاته عنده سبحانه كيف و بعرض وجوده سبحانه وجد و بنوره استشرق فهو سبحانه كما يشهدها عزّ ذاته المقدسة بذاته في مرتبة ذاته يشهدها في مرتبة وجوداتها الخارجية و مواطنها الواقعية كلا في ظرفه و موطنه و هو العلم الفعلي، على أن كل علم متحقق عند الموجودات فهو له أيضا.

و حيث ثبت له سبحانه العلم و القدرة ثبت له الحياة إذ المحيي هو الدرّاك الفعّال.

و حيث ثبت أن إيجاده للموجودات بنحو الظهور في مواطن ذواتها و ظروف هوياتها ثبت أن كل كمال و جمال و حسن فهو له سبحانه ثابتة فيه و الحسن و الجمال تمامية وجود الشي‏ء و كمالاته و آثاره فهو سبحانه متصف بكل صفة حسن و جمال.

و حيث كان كل منقصة و رذيلة و محدودية و قبح و سوء منحلا بالتأمل التام إلى عدم كمال مطلوب و لا سبيل للإعدام إلى ساحته المقدسة كانت النقائص الإمكانية طرا و الكدورات الماهوية جميعا راجعة إلى الماهيات الإمكانية و من لوازمها و توابعها فهو سبحانه طاهر من كل دنس قدوس من كل نقص و خبث فهو المستجمع لجميع صفات الجمال و الجلال.

و من هنا يظهر ان الايتلاف و الاجتماع بين صفات الجمال و الجلال هو المقتضي لفيضان الوجود على الموجودات و لمعان النور و انبثاثه في هذه الظلمات فلولا صفات الجلال لم يكن وجود و لو لا

29

صفات الجمال لم يكن إيجار فافهم.

ثم أن هذه الأسماء الحسنى و الصفات العليا و إن كثرت مفاهيمها إلاّ أنه ليس لها إلاّ مصداق واحد و هو الذات المقدسة إذ من المستحيل كما عرفت فرض اثنينية ما هناك فكل حيثية في الذات عين الحيثية الأخرى و الكل عين الذات فهو تعالى موجود من حيث أنّه عالم و عالم من حيث أنه موجود و قادر بعين حياته وحي بعين قدرته و هكذا و هذا هو واحد به الذات فهو سبحانه واحد كما أنه أحد.

فتبين من جميع ما مرّ أنه سبحانه بأحدية ذاته يمحق و يطمس جميع الكثرات ثم يتنزل إلى مقام الأسماء على وحدتها فينبعث بذلك الكثرات المفهومية دون المصداقية ثم يتنزل إلى مراتب الموجودات الإمكانية بظهورها في مظاهرها و إظهارها لمكامنها فينبعث حينئذ الكثرات المصداقية.

مثل ذلك أنّك إذا رجعت إلى صفاتك وجدت أنك عالم و أنت أنت و قادر و أنت أنت و سميع و بصير و ذائق و شام و لامس و أنت أنت فشي‏ء من صفاتك لا يخلو و لا يخرج منك أنت فهذا واحدية صفاتك في ذاتك ثم إذا رجعت إلى نفسك وجدت أنّه ليس هناك إلاّ أنت مع أنك صاحب صفات كثيرة غير أنها قد استهلكت و انمحت في هذه المرحلة و هذا مقام أحدية ذاتك.

ثم إنك إذا زدت على ذلك و تصورت مرتبة خيالك المنبسط على صور خيالاتك الجزئية ثم جزئيات متخيلاتك ثم تنزلت إلى أفعالك و اعتبرت نفسك معها علمت أن الجميع قائمة بك لا تخلو عنك فلو أمعنت و أتقنت في تأملك في هذا المثل صحّ لك تعقل ما تنتجه هذه البراهين التي أسلفناها.

30

فصل 4فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة و فيها مباحث‏

و النقل مطابق للعقل فيما مرّ من المعاني و لبيان ذلك اجمالا نضع مباحث.

المبحث الاول فى الاسماء التى خصت بالذكر فى القرآن‏

ان الأسماء التي خصّت بالذكر في القرآن المجيد و هي التي في معنى الوصف هي:

ا-إله أحد أوّل آخر أعلى أكرم أعلم أرحم الراحمين أحكم الحاكمين أحسن الخالقين أهل التقوى أهل المغفرة.

ب-بارئ باطن بديع بر بصير بديع.

ت-تواب.

ج-جبار جامع.

ح-حكيم حليم حي حق حميد حسيب حفيظ حفي.

خ-خبير خالق خلاق خير الماكرين خير الرازقين خير الفاصلين خير الحاكمين خير الفاتحين خير الغافرين خير الوارثين خير الراحمين.

ذ-ذو العرش ذو الطول ذو انتقام ذو الفضل العظيم ذو الرحمة ذو القوة ذو الجلال و الإكرام.

ر-رحمن رحيم رءوف رب رفيع الدرجات رزاق رقيب.

س-سميع سلام سريع الحساب سريع العقاب.

ش-شهيد شاكر شكور شديد العقاب شديد المحال.

ص-صمد.

ظ-ظاهر.

31

ع-عليم عزيز عفو علي عظيم علام الغيوب عالم الغيب و الشهادة.

غ-غني غفور غالب غافر الذنب غفار.

ف-فالق الإصباح فالق الحب و النوى فاطر فتاح.

ق-قوي قدوس قيوم قاهر قهار قريب قادر قدير قابل التوب.

ك-كريم كبير.

ل-لطيف.

م-ملك مؤمن مهيمن متكبر مصور مجيد مجيب مبين مولى محيط مقيت متعال محيي متين مقتدر مستعان.

ن-نصير نور.

و-وهاب واحد ولي واسع وكيل ودود.

هذه هي الأسماء الواردة في الكتاب الإلهي بلسان التوصيف و هي مائة و سبعة عشر اسما و هنا موارد أخر بلسان قريب من لسانها.

قال تعالى: وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ .

و قال تعالى: إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ .

و قال تعالى: فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ .

و قال تعالى: قََائِماً بِالْقِسْطِ .

و قال تعالى: إِنََّا لَهُ كََاتِبُونَ .

و قال تعالى: وَ نَحْنُ اَلْوََارِثُونَ .

و قال تعالى: إِنََّا مُنْتَقِمُونَ .

و قال تعالى: وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ .

و قال تعالى: وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ .

و قال تعالى: هُوَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ .

32

و قال تعالى: فَلاََ كََاشِفَ لَهُ إِلاََّ هُوَ .

فربما يستخرج الحافظ و الفاعل و فعال ما يريد و القائم بالقسط و الكاتب و الوارث و المنتقم و الشفيع و الوالي و المميت و كاشف الضر من هذه الآيات و أما ما ورد بلسان الفعل فكثير.

و أما الأحاديث ففي التوحيد و الخصال مسندا عن سليمان بن مهران عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السّلام) قال:

قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) : إن للّه تسعة و تسعين اسما مائة إلاّ واحدا من أحصاها دخل الجنة و هي الله الإله الواحد الأحد الصمد الأول الآخر السميع البصير القدير القاهر العلي الأعلى الباقي البديع البارئ الأكرم الظاهر الباطن الحي الحكيم العليم الحليم الحفيظ الحق الحسيب الحميد الحفي الرب الرحمن الرحيم الذارئ الرازق الرقيب الرءوف الرائي السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر السيد سبوح الشهيد الصادق الصانع الطاهر العدل العفو الغفور الغني الغياث الفاطر الفرد الفتاح الفالق القديم الملك القدوس القوي القريب القيوم القابض الباسط قاضي الحاجات المجيد المولى المنّان المحيط المبين المقيت المصور الكريم الكبير الكافي كاشف الضر الوتر النور الوهاب الناصر الواسع الودود الهادى‏ء الوفي الوكيل الوارث البر الباعث التواب الجليل الجواد الخبير الخالق خير الناصرين الديّان الشكور العظيم اللطيف الشافي الخير.

قال صدوق في الخصال: و قد رويت هذا الخبر من طرق مختلفة و ألفاظ مختلفة.

و في التوحيد مسندا عن الهروي عن الرضا (عليه السّلام) عن آبائه عن علي (عليه السّلام) قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) : إن للّه تسعة و تسعين اسما من دعا الله بها استجاب له‏

33

و من أحصاها دخل الجنة.

و في التوحيد أيضا مسندا عن أبي هريرة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إن لله تبارك و تعالى تسعة و تسعين اسما مائة إلاّ واحدا انّه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال أن أوّلها يفتتح بلا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير لا إله إلاّ الله له الأسماء الحسنى الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارئ المصور الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العلي العظيم البار المتعالي الجليل الجميل الحي القيوم القادر القاهر الحكيم القريب المجيب الغني الوهاب الودود الشكور الماجد الأحد الولي الرشيد الغفور الكريم الحليم التواب الرب المجيد الحميد الوفي الشهيد المبين البرهان الرءوف المبدئ المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الوافي الحافظ الرافع القابض الباسط المعز المذل الرازق ذو القوة المتين القائم الوكيل العادل الجامع المعطي المجتبى المحيي المميت الكافي الهادي الأبد الصادق النور القديم الحق الفرد الوتر الواسع المحصي المقتدر المقدم المؤخر المنتقم البديع الحديث.

أقول و الروايتان المحصيتان لأسمائه تعالى على أنهما اشتملتا على بعض الأسماء الغير الواردة في القرآن مثل السيد و الصانع و الجميل و القديم و غيرها.

و على أنهما أهملتا بعض الأسماء الواردة في القرآن مثل ذي الجلال و الإكرام و ذو الطول و رفيع بينهما اختلاف في الأسماء المحصاة هذا أوّلا.

و ثانيا لفظ الجلالة أحد الأسماء في الثانية و غيرها في الأولى و هو

34

فيها تمام المائة.

و ثالثا ظاهر الرواية الثانية إن إحصاء الأسماء خارج عن الرواية و لا يبعد أن يستظهر من الرواية الأولى أيضا كونها خارجة عن الرواية حيث قال فيها و هي الله الإله... الخ و عدّ مائة اسم.

و أمّا قوله (صلّى اللّه عليه و آله) : إن للّه تسعة و تسعين اسما من أحصاها دخل الجنة فقد استفاض به الروايات و رواه الخاصة و العامة لكنه في غير مقام الحصر على ما سيظهر و لهذا خصصنا الكلام بما ورد في القرآن الكريم على أن غيرها ينشرح بشرح معانيها و بيان مبانيها.

المبحث الثانى الميزان الكلى فى تفسير الاسماء و الصفات‏

إن المعاني التي قد استعملت فيها هذه الأسماء الشريفة في القرآن الكريم و بقية الاستعمالات تتبعها لا محالة لا شكّ في أنها تطابق المصاديق التي لها في نفس الأمر و لا شكّ أن للحق سبحانه كمالات و صفات موجودة حقيقية كشف عنها أو عن بعضها بهذه البيانات القرآنية التي تشتمل على هذه الأسماء بطريق الافراد تارة و عن أعيان هذه المعاني بجمل و تركيبات كلامية تارة أخرى كل ذلك في مقام الثناء و الحمد و إبداء الكمال فحمل ذلك كلّه على نفي النواقص على أنه يوجب رجوع كل كمال ذاتي إلى عدم و خلو الذات عن كمال موجود مع تراكم البراهين عليه أولا، و على أنّه مع الغضّ عن الكمال الوجودي لا يوجب كمالا و مزية كما أن المعدوم المطلق أيضا كذلك، ثانيا بعيد عن الإنصاف و اعتاف يكذبه الوجدان هذا فالأسماء جلّها تشتمل على معان ثبوتية غير سلبية.

35

ثم أن هذه المعاني ليست من غير جنس المعاني التي نفهمها و نعقلها كما ذكره بعضهم و التزم أن هذه الأسماء كلها إما مجازات مفردة و أما استعارات تمثيلية بيانية إذ الذي نفهمه من قولنا علم زيد و قولنا علم الله معنى واحد و هو انكشاف ما للمعلوم عند العالم غير أنا نعلم أن علم زيد إنما هو بالصورة الذهنية التي عنده و أن الله سبحانه يستحيل في حقّه ذلك إذ لا ذهن هناك و هذا ليس إلاّ خصوصية في المصداق و هي لا توجب تغيرا في ناحية المعنى بالضرورة فإذن المفهوم مفهوم واحد و أما خصوصيات المصاديق فغير دخيلة في المفهوم البتة و هذا هو الحق الذي عليه أهل الحق.

فإذن الميزان الكلي في تفسير أسمائه سبحانه و صفاته تخلية مفاهيمها عن الخصوصيات المصداقية و بعبارة أخرى عن الجهات العدمية و النقص.

و هذا هو الذي يظهر من تفاسير الأئمة (عليهم السّلام) في خطبهم و بياناتهم فعن التوحيد و نهج البلاغة في خطبة له (عليه السّلام) : انّ ربّي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف عظيم العظمة لا يوصف بالعظم كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ قبل كل شي‏ء لا يقال شي‏ء قبله و بعد كل شي‏ء لا يقال له بعد شاء الأشياء لا بهمة دراك لا بخديعة هو في الأشياء كلها غير متمازج بها و لا باين عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة متجل لا باستهلال رؤية باين لا بمسافة قريب لا بمداناة لطيف لا بتجسم موجود لا بعد عدم فاعل لا باضطرار مقدر لا بحركة مريد لا بهمامة سميع لا بآلة بصير لا بأداة الخطبة و بياناتهم (عليهم السّلام) مشحونة بهذا النوع من التفسير و في كثير من الأخبار النهي عن التعطيل و التشبيه.

36

المبحث الثالث فى كون الكمالات الاسمائية ذاتية

قد عرفت أن صفاته سبحانه هو المبحث من كل كمال وجودي بنحو الحقيقة و أما صفات غيره فحيث أن ذاته موجودة بعرض وجوده فكذلك صفاته فكل صفة وجودية حقيقية خالية من النقص فهي له سبحانه بنحو الانحصار و كل صفة في غيره فهي عرضية.

و يظهر ذلك من معظم موارد هذه الأسماء في القرآن كقوله تعالى: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ ، و قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلرَّزََّاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ ، و قوله تعالى: وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ، و قوله تعالى: هُوَ اَلرَّحْمََنُ اَلرَّحِيمُ ، و قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ ، و قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ ، و قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ ، إلى غير ذلك من الآيات فكل ذلك للحصر دون التأكيد كما يزعمه الزاعمون و قد بلغ الأمر في بعضها إلى التصريح: قال تعالى: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ ، و قال تعالى: يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاََّ بِمََا شََاءَ ، و قال تعالى: أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً ، و قال تعالى: وَ لَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذََابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً ، و قال تعالى: مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ إلى غير.

ثم بين سبحانه تبعية هذه الأسماء أعني الكمالات الوجودية الحقيقية في غيره فقال تعالى: قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ الآيات، و قال تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏ََ، `وَ أَنَّهُ هُوَ أَمََاتَ وَ أَحْيََا، `وَ أَنَّهُ خَلَقَ اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‏ََ `مِنْ نُطْفَةٍ إِذََا تُمْنى‏ََ `وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ

37

اَلْأُخْرى‏ََ `وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ الآيات، و قال تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ مََا كََانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ سُبْحََانَ اَللََّهِ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ الآية.

و الدليل على انه يثبت في هذه الآيات حقائق هذه المعاني بالحصر على نفسه و بالتبع إلى غيره أنه تعالى يثبت مع ذلك هذه المعاني لغيره في آيات أخر كقوله: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ ، و قوله: وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ إلى غير ذلك.

و أصرح من ذلك كلّه ما بينه سبحانه في آيات الحشر إذ قال سبحانه: وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبََابُ فبين أن الأسباب متقطعة مزيلة يومئذ و مع تقطع الأسباب و بطلان الروابط لا يبقى موضوع لكمال وجودي مستفاد من غيره كما هو المظنون اليوم فلا يبقى إلاّ الله وحده و لا نسبة لأحد إلاّ معه و بطلت بقية النسب فابطل حقيقية كمالاتهم و أثبت تبعيتها فقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ ، و قال تعالى: وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ ، و قال تعالى:

وَ لَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذََابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعَذََابِ `إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبََابُ ، و قال تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ `مِنْ دُونِ اَللََّهِ قََالُوا ضَلُّوا عَنََّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلْكََافِرِينَ ، و قال تعالى: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مََا لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ عََاصِمٍ ، و قال تعالى: هُنََالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مََا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ ، و قال تعالى: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكََانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكََاؤُكُمْ فَزَيَّلْنََا بَيْنَهُمْ وَ قََالَ شُرَكََاؤُهُمْ مََا كُنْتُمْ إِيََّانََا تَعْبُدُونَ ، و قال تعالى: تَبَرَّأْنََا

38

إِلَيْكَ مََا كََانُوا إِيََّانََا يَعْبُدُونَ الآية.

فكل ذلك بيان لكون كمالات الأسماء فيه سبحانه بالاستقلال و في غيره بالتبع هذا.

نعم ربما قارن سبحانه بين وصف نفسه و وصف خلقه مما أفاضه عليهم فسبكهما وصفا واحدا و لا محالة يراد حينئذ من الوصف المعنى الأعم الشاملى لما بالاستقلال و ما بالتبع و ذلك بصيغة التفضيل في أربعة عشر اسما في القرآن و هي أعلى و أكرم و أعلم و أرحم الراحمين و أحكم الحاكمين و أحسن الخالقين و خير الماكرين و خير الرازقين و خير الفاصلين و خير الحاكمين و خير الفاتحين و خير الغافرين و خير الوارثين و خير الراحمين.

لكنه سبحانه أثبت بها مزية لنفسه و أفضلية فإنه سبحانه يزيد على خلقه في أن هذه الأوصاف بعد كونها مشتركا فيها له سبحانه بنحو الاستقلال و لغيره بالتبع فهو سبحانه أحق بالعلو و العلم و الكرامة و أشد في رحمته و أصدق في حكمه و أحسن في خلقه و خير مكرا و غير ذلك بخلاف غيره فإن هذه الأوصاف فيهم عارضة متزلزلة البنيان مشوبة بنواقص الإعدام مكدرة بكدورات الإمكان هذا و يمكن أن يستشم هذا المعنى و هو تلميح الاشتراك مما وقع من الأسماء بصيغة المبالغة في عشرة أسماء و هي التواب و الجبار و الخلاق و الرزاق و علام الغيوب و الغفار و القدوس و القيوم و القهار و الوهاب و قد يعدّ منها مثل الشكور و الغفور و القدير و المتعالي و الرحمن و ذلك بالإشارة إلى شدة هذه الأوصاف فيه سبحانه و شمولها بكثرة مواردها لجميع الموجودات هذا.

و أما بقية الأسماء و هي ثمان و ثمانون اسما فهي واردة بنحو الإفراد أو الإضافة غير أن ثمانية عشر منها بنحو الإضافة و قريب من‏

39

سبعين منها بنحو الإفراد و هناك معان وصفية مبنية بجمل كلامية كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ، و قوله: لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ `وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، و قوله تعالى: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ الآيات.

المبحث الرابع فى الاعتبارات و حيثيات الاسماء

و جل هذه الأسماء مشتملة على معان ثبوتية غير أن بينها ترتبا كما مرّ اجماله فهو تعالى من حيث أن ذاته المقدسة غير متألفة من أجزاء عقلية و لا وهمية و لا خارجية فهو بسيط الذات أحد و هذه اللفظة لا يستعمل في الإثبات من غير إضافة إلاّ فيه سبحانه قال تعالى: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ و لا يقال: جاءني أحد البته، و يقال: ما رأيت أحدا فينتفي حينئذ الواحد و الاثنان و الجماعة، بخلاف ما رأيت واحدا فإنه لا ينتفي حينئذ إلاّ الواحد دون الاثنين و الجماعة فيظهر أن الأحد في اللغة وحدة لا تأبى عن الاجتماع مع الكثرة بخلاف الواحد فهما كاللابشرط و بشرط لا فالاحد وحدة صرفة لا يقع في قبالها كثرة لا اثنان و لا جمع فهو بسيط الذات و لذلك لم يصح استعماله في الإثبات إلاّ فيه سبحانه لصرافة وجوده و بساطته و تركب وجود غيره فغيره تعالى إذا أخذ واحدا لم يكن كثرة ذاته منظورا فيه و إذا أخذ جزء الكثرة انمحت وحدته و أما هو تعالى فلا يتصور في ذاته كثرة البته هذا.

و من هنا يصح استعمال أحد في الإثبات إذا أضيف نحو هو أحد القوم فافهم.

و هو سبحانه من حيث أنه ليس له شريك و لا صاحبة و لا ولد، و من حيث أن جميع اسمائه شي‏ء واحد هو الذات و ان تعددت مفاهيمها فهو واحد.

40

و من حيث ان ذاته ثابتة بذاته و في ذاته و على جميع التقادير حق.

و هو تعالى من حيث حضور ذاته لذاته و انكشافه له و حضور الموجودات عنده عالم و عليم.

و العليم من حيث كونه موجودا عند جميع جهات ذات المعلوم محيط.

و من حيث كونه حاضرا هناك شهيد.

و إذا نسبه إلى الغيب علام الغيوب.

و إذا انتسب إلى جميع الغيب و الشهادة فهو عالم الغيب و الشهادة.

و إذا لوحظ نسبته إلى المبصرات فهو بصير أو إلى المسموعات فهو سميع.

و من حيث تحفظه على المشهودات حفيظ.

و العليم من حيث احصائه المعلومات حسيب.

و من حيث تعلقه بالدقائق خبير.

و من حيث اتقانه معلوماته حكيم.

و هو تعالى من حيث مبدئيته لغيره و هي كون وجود ذاته عين الوجود و صرفه يبتدي منه و ينتهي إليه كلما فرض غيره قادر و قدير.

و القادر من حيث أن افاضته الوجود من غير اقتضاء من الغير و ايجاب رحمن.

و هو من حيث أنه مفيض لذات الغير الباري.

و من حيث أنه جامع بإفاضته لخلق ذاته و اجزائها خالق.

و من حيث رحمته الخاصة و هو السعادة رحيم.

و الرحيم من حيث أفاضته لكل دقيق لطيف.

41

و من حيث أنه رحيم و لطيف رءوف.

و من حيث يحب ما تعلق به رحمته ودود.

و من حيث عدم توقعه في إيصال الرحمة الجزاء كريم.

و الكريم من حيث يجازي بالجميل من يثني عليه شاكر و شكور.

و من حيث لا يجازي من أساء عليه بتعجيل العقوبة حليم.

و من حيث ستره موانع الإفاضة عفو و غفور كل باعتبار.

و من حيث قبوله و عدم ردّه من به ذلك و قد آب إليه تواب و قابل التوب.

و من حيث إجابته لما يسأله الغير مجيب.

و القادر الخالق من حيث أن ما لمقدوره الممكن فله و هو معه محيط و المحيط من حيث قربه قريب.

و من حيث أنه محيط لا يخلو منه شي‏ء أول يبتدئ منه الشي‏ء و آخر ينتهي إليه الشي‏ء و ظاهر يظهر به الشي‏ء و باطن يقوم به الشي‏ء.

و القادر الخالق المحيط من حيث أنه يمحو ما يتصور من المقاومة و يستهلك المحاط المقدور عليه و لا تبطل قدرته فيما تتعلق به و لا تزلزل قدرته و احاطته غالب قاهر قوي متين كل باعتبار.

و ما هذا صفته إذا نسب إليه المقدور بحقارته فهو عظيم كبير أو نسب إليه بدناءته فهو علي أعلى متعال.

و إذا توهم من المقدور مقاومة و منه اعمال مقدرة و احاطة فهو مقتدر.

و إذا زيد على ذلك المجازاة فهو ذو انتقام.

و من هذا كلّه وصفه فهو مجيد.

42

و إذا انعكس وصفه الكذائي لذاته فهو متكبر.

و إذا لوحظ القادر الخالق الرحمن من حيث انه يوصل كلا إلى كماله برحمته فهو رب.

و الرب من حيث انه يفطر الوجود من العدم فاطر.

و من حيث أن أمره أعجب الأمور بديع.

ثم فالق الحب و النوى و فالق الإصباح أي الصبح إذا طلع و هو اسم جزئي.

و من حيث أنه يفيض الأمن عن وحشة ظلمات العدم و كل نقيصة و محذور مؤمن.

و من حيث أنه يفيض ما لا يسوء سلام.

و من حيث أن ما يفيضه عطية من غير غرض فهو وهاب.

و من حيث أنه يفيض ما يدوم به بقاء الموجودات بعد إحداثها فهو رازق.

و من حيث أن عطاءه لا يوجب نقصا فيه فهو واسع.

و من حيث أنه هو المؤجل لعطياته فهو مقيت.

و من حيث أن أعظم الثناء عليه هو ما يفيضه من رحمته فهو حميد.

و من حيث أنه يجبر كل كسير و يتم كل منقصة في خلقه فهو جبار.

و من حيث أنه يقوّي كل مغلوب فهو نصير.

و من حيث أنه يلي أمر مخلوقه الذي لا يقدر و لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا فهو ولي و مولى و وكيل كل من وجه.

و من حيث أنه يقبض الحياة فهو محيي.

43

و من حيث أنه يفيض الصور فهو مصور.

و من حيث أن ذلك كلّه منه احسان فهو بر.

و من حيث أن الرب به يظهر كل ما في الوجود فهو نور ثم هو مبين.

و من حيث أن له كل شي‏ء و هو يدبره فهو ملك ذو العرش.

و من حيث أن عنده ما عند كل شي‏ء من غير عكس فهو عزيز.

و من حيث أنه لا يحتاج إلى شي‏ء و لا إلى ما عند شي‏ء فهو غني.

و من حيث أن الرب ملك ذو العرش ليس غيره فهو أحكم الحاكين خير الفاصلين و الحاكمين و الفاتحين.

و من حيث أن الرب يصمد و يرجع إليه المربوبون في حوائجهم فهو صمد.

و الصمد من حيث يطلب منه الراجعون عونه و إعانتهم فهو مستعان.

و الرب من حيث يعبد بالتوجه إليه إله.

ثم أن ما مرّ من الأسماء غير ثلاثة منها و هو الواحد الأحد الحق واقعة تحت الاسمين القادر العليم و هما إذا نسبا معا إلى الغير كانت القيومية فهما تحت الاسم القيوم و هو تعالى بما أنه عليم قدير في ذاته فهو حي: فسيطرة الاسمين الحي القيوم واقعة على جميع الأسماء الثبوتية غير الوحدة قال تعالى: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ الآية. فبالتوحيد في الآية يتم شمولها لجميع الأسماء الثبوتية.

و أما السلوب و انتفاء النواقص و الإعدام فيجمعها الاسم القدوس.

44

و يجمع الكل أعني الأسماء الثبوتية و السلبية و الجلال و الجمال و الذاتية و الفعلية جميعا الاسم ذو الجلال و الإكرام‏ تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ فهذا نوع تفرع الأسماء بعضها على بعض و الترتب و التنزل الذي بينها و ربما أمكنك بالتدبر و التأمل أن تجد بينها مناسبات معنوية أخرى غير ما ذكرناه توجب تفرعات أخرى و هاك فيما مرّ شجرة.

و أجمع خبر لجميع معاني المباحث السابقة ما في الكافي مسندا عن إبراهيم بن عمر عن الصادق (عليه السّلام) أن الله تبارك و تعالى خلق اسما بالحروف غير متصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معا ليس واحد منها قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أشياء لفاقة الخلق إليها و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة التي أظهرت فالظاهر هو الله و تبارك و سبحان لكل اسم من هذه أربعة أركان فذلك اثنا عشر ركنا ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق الباري المصور الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم العليم الخبير السميع البصير العزيز الجبار المتكبر العلي العظيم المقتدر القادر السلام المؤمن المهيمن البارئ المنشئ البديع الرفيع الجليل الكريم الرازق المحيي المميت الباعث الوارث فهذه الأسماء و ما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاثمائة و ستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة و هذه الأسماء الثلاثة أركان و حجب للاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة و ذلك قوله عزّ و جلّ: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا

45

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

46

تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ الحديث.

و هو من غرر الأحاديث يشتمل على و جازته.

على كيفية حقيقية الأسماء و قيام حقائق بعضها ببعض بالظهور و بالبطون.

و على كيفية تكثّرها و تكثر الأسماء الخاصة بنسب الأسماء العامة.

و على كيفية فاقة الخلق إليها و هو احتياجهم في ذواتهم إليها و قيام وجودهم بها.

و على أن هذا الترتب و التنزل أمر حقيقي ليس بالاعتبار اللغوي الأدبي فحسب.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) : إن الله خلق اسما... الخ يريد به التعين و التنزل الأول عن الإطلاق الذاتي الذي ينمحي هناك كل اسم و رسم و عين و أثر و هو المورد الوحيد الذي وجدنا فيه إطلاق لفظ الخلق في مرحلة الأسماء و المراد به ما عرفت و يشهد به أنّه (عليه السّلام) عدّ اسم الخالق في ذيل الحديث من جملة الأسماء الفرعية.

و يظهر منه أن المراد بالاسم الواحد المكنون المخزون هو مقام الأحدية إذ هو المحجوب بهذه الأسماء الثلاثة التي هي الله و تبارك و سبحان و هي الهوية و الجمال و الجلال إذ الخلق محتاجون في تحقق أعيانهم و صفاتهم و أفعالهم إلى هذه الجهات الثلاث من الهوية و صفات الثبوت و صفات السلب و أما إذا لوحظ الخلق بالنسبة إلى مقام الاحدية ففيه ارتفاع موضوعهم من الأعيان و آثارها كما لا يخفى و قد عبر (عليه السّلام) في مبتدأ كلامه عنه سبحانه بهذه الأسماء الثلاثة أيضا فقال: «إن الله تبارك و تعالى» ثم فسر (عليه السّلام) قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا

47

فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ الآية بما ذكره من احتجاب الاسم الواحد بالأسماء الثلاثة و تفرع باقي الأسماء على الثلاثة الحجب و هو ظاهر في أن الضمير في قوله تعالى: فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ راجع إلى هذا الاسم المكنون المخزون أي راجع إليه سبحانه من حيث أنه متعين بهذا التعين الأحدي إذ الدعاء توجه ما و هو لا يكون إلاّ إلى متعين متبين و إذ بيّن سبحانه أن جميع الأسماء الحسنى له و بأي دعى دعى فالدعاء بجميع الأسماء التي لها تعين ما و المدعو هو الذات من حيث تسميته بها أي هذه الأسماء و هي قائمة بالذات و الذات لا نسبة له مع شي‏ء إلاّ مع تعين ما و قد فرض جميع التعينات في ناحية الدعاء فلم يبق إلاّ تعين هو عين الإطلاق و هو مقام الأحدية إليه ينتهي السائرون بعد طي مراحل الأسماء و عنده تحل الرحال فافهم.

إلى ذلك يشير ما في بعض الأدعية قال (عليه السّلام) :

باسمك المكنون المخزون الحي القيوم. الدعاء.

و أنت بعد التدبر فيما مرّ من الكلام يمكنك أن تستخرج معاني اخر من هذا الحديث الشريف و الله الهادي.

المبحث الخامس‏

قد عرفت أن ذاته سبحانه هي الهوية الحقيقية العينية التي تقوم و تظهر به كل هوية في الأعيان، و من هنا يظهر أن الأسماء الثلاثة التي للخطاب و التكلم و الغيبة و هي أنت و إنا و هو ثابتة أسماء له تعالى فإنها أسماء للهوية باعتبار الخطاب و التكلم و الخلو عنهما و قد قال سبحانه:

لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ و قال تعالى: لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي و قال تعالى: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و قال تعالى:

48

إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ و قال تعالى: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الآيات.

و أما اسم الإشارة و الموصول فقد ورد الإطلاق لكن لم يتعرض أحد بالاسمية فيها قال تعالى: ذََلِكُمُ اَللََّهُ رَبُّكُمْ و قال تعالى:

هُوَ اَللََّهُ اَلَّذِي لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و قال: أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذََا دَعََاهُ الآيات.

المبحث السادس‏

قد شاع في الألسن أن أسماء الله تعالى توقيفية و قد أرسلوه إرسال المسلمات و ليس المراد بالاسم هاهنا حقيقته و هو الذات المأخوذ بوصف ما لعدم رجوعه حينئذ إلى معنى محصل بل المراد به الاسم اللفظي و هو اسم الاسم حقيقة و حينئذ فالمراد من التوقيف أما التوقيف على الرخصة الشرعية الكلية أو الشخصية فيمكن توجيه القاعدة بوجهين:

أحدهما أن معاني الألفاظ على المتداول المفهوم عندنا حيث لم تخل عن جهات النقص و الإعدام و إن كانت مختلفة من هذه الجهات أيضا و ذلك مثل الإغواء و المكر و الحيلة و الإضلال و مثل الكبير و الجسيم و نحوهما و نحن لا تفي عقولنا بإدراك ما هو اللائق بحضرته المقدسة و تشخيصه و تمييزه عمّا لا يليق احتيج إلى ورود رخصة ما في الإيقاع و الإطلاق و لضعف العقول عن الشرح و التفصيل في كل مورد مورد احتيج إلى ورود كل اسم أريد اطلاقه بنحو الاسمية عليه تعالى.

و الثاني‏ أن الأمر كذلك، لكن مجرد ضرب القاعدة بقوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا وَ ذَرُوا اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي‏

49

أَسْمََائِهِ الآية يكفي في مقام التعليم و أن نحذر عن إطلاق ما لا يليق بساحته المقدسة بحسب المعاني المفهومة من الألفاظ الدائرة في لغاتنا هذه.

و هذان وجهان مختلفان بحسب النتيجة فعلى الأول لا يجوز إطلاق الاسم ما لم يرد شرعا و إن علمنا خلوّه عن جهات النقص و الإعدام.

و على الثاني يجوز ذلك سواء ورد بالخصوص شرعا أم لا.

و الظاهر أن مراد أكثر المتمسكين بهذه القاعدة هو المعنى الأول و هو عليل لقوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و قوله تعالى:

اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و غير ذلك من الآيات التي يأبى سياقها عن الحمل على العهد الذهني بل ظاهرها لام الجنس و قد حل بالجمع فتفيد الاستغراق و ان كل اسم أحسن فله تعالى و قد مرّ تقريبه في الفصول السابقة مع أن مقتضى الاستدلال لزوم التوقف في كل معنى يطلق بلفظ ما عليه تعالى أعم من أن يكون بنحو الإفراد و التسمية أو بنحو التوصيف أو الحكاية بجملة أو كلام تام كما لا يخفى.

و أما ما ورد من الروايات أن لله سبحانه تسعة و تسعين اسما كما مرّ نقلها فليس في مقام الحصر من حيث العدد.

و يشهد بذلك أن الأسماء التي درجت فيها و ذلك في روايتين منها مختلفة متفاوتة و قد أهمل فيهما شي‏ء كثير من الأسماء الواردة في القرآن كما مرّ.

و يشهد بذلك أيضا أن الرواية الأخرى و هي رواية الكافي في خلق الأسماء المنقولة سابقا تثبت من الأسماء الحسنى ثلاثمائة و ستين‏

50

اسما بل ظاهر هذه الرواية أن الأسماء الحسنى غير مقصورة على مجرد ما يفيد التسمية من الأسماء كالرحمن الرحيم الملك بل يعم الجمل التي تفيد بمجموع ألفاظها بمعنى لا يقال له تعالى فإنها عدّت من الأسماء الحسنى لفظة تبارك و سبحان و لا تأخذه سنة و لا نوم و إذا صحّ عدّ مثل هذه الجمل من الأسماء الحسنى صح في سائر الجمل التي أطلق عليه سبحانه في الروايات و الخطب و المواعظ و الأدعية و هي على إختلاف مواردها بحيث لا يشك المتتبع فيها أن هذا النحو من الإطلاق و التوصيف غير موقوف على ورود تحديد شرعي شخصي البته و إنما اللازم في مواردها خلوّها عن إثبات النواقص و منافيات الكمال هذا.

فصل 5

قد عرفت أن الأسماء هي حقائق الكمالات الوجودية و إنها مترتبة متفرعة نشأ بعضها من بعض و ظاهر أن الاسم الذي ينشأ منه آخر فهو أوسع دائرة و أرفع محلا و أعظم أثرا منه و لا يذهب هذا الترتب و التنزل أخذا من تحت إلى فوق إلى غير النهاية فما ينتهي إليه جميع الأسماء هو أعظم الأسماء و إليه ينتهي جميع الآثار الوجودية التي لها في دار الوجود.

فصل 6

و قد تواترت الآثار من الأخبار و الأدعية الصحيحة الواردة عنهم (عليهم السّلام) في وجود الاسم الأعظم و هي على كثرتها لا تحتاج إلى النقل في هذا المختصر و إنما المهم بيان شي‏ء آخر و هو أنك ـ