التفسير المبين

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
827 /
1

-

2

سورة الفاتحة

و هي مكّيّة سبع آيات 1- بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ البسملة آية من السورة، و اسم الجلالة «اَللََّهِ» أصله إله، فحذفت الهمزة، و عوّض ب «ال» التعريف فصار اللفظ «اَللََّهِ» و يختص بمن حقت له العبادة دون غيره. أما «الرحمن الرحيم فقد ورد الصادق (ع) أنه قال: «الرحمن» اسم خاص بصفة عامة، و «الرحيم» اسم عام بصفة خاصة، أي أن الرحمن اسم علم على ذات اللّه وحده، و لا يطلق على غيره، و لذا تقدم على الرحيم، و لكن صفة الرحمة فيه تعم المؤمن و الكافر من حيث الخلق و الرزق في الحياة الدنيا، و الرحيم اسم عام حيث يطلق على الخالق. و المخلوق، و صفة الرحمة فيه تختص بالمؤمن المطيع يوم القيامة.

2- اَلْحَمْدُ لِلََّهِ الحمد و المدح بمعنى واحد، و هو الثناء باللسان، أما الشكر فيكون بالقلب و اللسان رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و الرب هو السيد المالك، و العالمين الخلق كله، و كلمة الرب بلا قيد لا تطلق إلا عليه تعالى، و تطلق على غيره مع القيد كرب الدار و رب الضيعة.

3- اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ مرّ معناهما.

4- مََالِكِ و يجوز ملك كقوله تعالى: «مَلِكِ اَلنََّاسِ» و المراد: أن اللّه يملك الأمر كله يَوْمِ اَلدِّينِ أي يوم الجزاء من قولهم كما تدين تدان.

5- إِيََّاكَ نَعْبُدُ أيّا: مفعول نعبد، و الكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، و المعنى نعبدك، و تقدم المفعول بقصد اختصاص العبادة باللّه وحده، و مثله وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ أي لا نطلب المعونة إلا منك.

6- اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ هذه الآية بيان و تفسير للآية قبلها، و المعنى أن المعونة التي نطلبها منك يا إلهنا هي الهداية إلى الطرق المؤدية إلى مرضاتك و جنتك، و ليس من شك أن الطريق إلى ذلك معرفة الدين الحنيف و العمل به.

7- صِرََاطَ هذا الصراط هو عين الصراط الأول و بدل منه، لأنه صراط اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالخلق و الرزق و الهداية. إلى الحق و السلامة من غضب اللّه غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و معنى غضبه تعالى الانتقام منهم و إنزال العقاب بهم وَ لاَ اَلضََّالِّينَ و الضلال في الدين الانحراف عن الحق.

3

سورة البقرة

مدنيّة و هي ست و ثمانون و مائتان آية بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ 1- الم هذا اللفظ المركب من حروف الهجاء و نظائره مثل‏ «الر، و حم» و غير ذلك-يسمى فواتح السور، و اختلف فيه المفسرون فقيل: هو اسم للسورة. - و لكن ورد عن أئمتنا (ع) انه من المتشابهات و المبهمات التي استأثر اللّه بعلمها و لا يعلم تأويلها غيره.

2- ذََلِكَ اَلْكِتََابُ إشارة الى القرآن الكريم لاََ رَيْبَ فِيهِ حيث بلغ الغاية و النهاية في وضوح الدلالة على صدقه، لأنه المعجزة الإلهية التي تحدى بها سبحانه كل جاحد و معاند هُدىً لِلْمُتَّقِينَ و الهدى هو الدليل المرشد إلى التي هي أقوم، و «المتقين جمع المتقي، و المراد بهم هنا الذين يرغبون في طاعة اللّه و رسوله، و يعدونها ذخرا و نصرا.

3- اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ المراد بهذا الغيب كل ما خفي و غاب عن علم العباد مما نزل على قلب محمد (ص) كالبعث و النشر و الجنة و النار و ما إلى ذلك مما لا ينكره العقل، أما ما يرفض العقل السليم فلا يسمى غيبا، بل أسطورة و خرافة وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ يحافظون عليها، و يؤدونها على أصولها وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ يتصدقون ببعض ما يملكون من المال الحلال الطيّب.

4- وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ الخطاب لرسول اللّه (ص) و المعنى: لا بد أن يكون مع الإيمان بالغيب و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، الإيمان بنبوتك يا محمد وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ و أيضا لا بد من الإيمان بكل نبي آمنت أنت بنبوته و ما أنزل إليه من الوحي وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هذا هو الأصل الثالث من أصول الإسلام، فمن آمن باللّه و نبوة محمد، و لم يؤمن بالآخرة فليس بمسلم، و كذلك من آمن باللّه و اليوم الآخر، و لم يؤمن بنبوة محمد صلى اللّه عليه و آله.

4

5- أُولََئِكَ إشارة إلى الذين اتصفوا بالخصال السابقة النبيلة الفاضلة عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أبدا لا هدى إلا هدى اللّه وحده، و أهل تلك الخصال الحميدة متمكنون منه و مستقرون عليه وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ كرر سبحانه كلمة أولئك للتنبيه إلى أنهم قد تميزوا عن غيرهم بفضيلتين:

الهدى إلى دين الحق و الفلاح و الظفر بمرضاة اللّه و ثوابه.

6- إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ سواء بمعنى الاستواء و هو هنا خبر إن الذين، و الإنذار: التحذير من العذاب، لما قدم سبحانه ذكر الأتقياء عقّبه بذكر الأشقياء، و أنهم لا يستجيبون لداعي اللّه، و إن بالغ في الوعيد و التهديد.

7- خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ الختم و الغشاوة هنا كناية عن أنهم قد بلغوا الغاية القصوى في العناد و المكابرة حتى كأن قلوبهم مقفلة لا ينفذ إليها شي‏ء، و على أبصارهم غطاء لا يرون معه شيئا.

8- وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ذكر سبحانه أولا الذين آمنوا سرا و علانية، ثم ثنى بالذين كفروا كذلك قلبا و لسانا، ثم ثلّث بالذين أسرّوا الكفر و أعلنوا الإيمان، و هم المنافقون، و ذنبهم عند اللّه سبحانه أعظم من ذنب الكفرة الفجرة...

9- يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إن اللّه لا يخدع، و لكن المنافقين صنعوا صنع الخادعين حيث تظاهروا بالإيمان و هم كافرون، فأمر اللّه نبيه و الصحابة أن يعاملوهم معاملة المسلمين، و غدا يجري سبحانه معهم حساب المشركين وَ مََا يَخْدَعُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ لأن عاقبة النفاق و الخداع تعود عليهم بالضرر لا على غيرهم وَ مََا يَشْعُرُونَ بسوء المصير.

10- فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ و مرض القلب هو النفاق و الاعتقاد الفاسد و الحقد و الحسد و نحو ذلك من الرذائل فَزََادَهُمُ اَللََّهُ مَرَضاً و ذلك بأن المنافقين حسدوا النبي على عظيم مقامه، فزاده اللّه عظمة و علوّا. فازدادوا حسدا على حسد أي مرضا على مرض وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ فيه إشارة إلى أن الإنسان لا يعذب على مجرد الحسد ما دام في القلب فقط، و إنما يعذب إذا ظهر للحسد أثر محسوس كالكذب و الافتراء على المحسود و نحو ذلك.

11- وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ لاََ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ كان المنافقون يتجسّسون على المسلمين، و يفشون أسرارهم للأعداء، و إذا نهوا عن هذا الفساد قََالُوا إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ خالصون من كل عيب، فإذا بهذا الزعم فساد إلى فساد.

12- أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْمُفْسِدُونَ وَ لََكِنْ لاََ يَشْعُرُونَ لا يرون ما هم فيه من عيوب و عورات.

13- وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمََا آمَنَ اَلنََّاسُ أي صدقوا رسول اللّه (ص) كما صدّقه إخوانكم و أصحابكم كعبد اللّه بن سلام و غيره قََالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمََا آمَنَ اَلسُّفَهََاءُ السفه: خفة الحلم و سخافة العقل، أما النفاق فهو: فساد العقيدة أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلسُّفَهََاءُ أي يجهلون أنهم جاهلون و هذا أبلغ الذم.

5

14- وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا كذبا و نفاقا وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ و هم رؤساؤهم من أعداء الإسلام و المسلمين قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ على الكفر و الكره لمحمد (ص) إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بالإسلام و المسلمين.

15- اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و معنى استهزائه تعالى الإذلال في الدنيا و العذاب في الآخرة وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يدعهم و شأنهم يتمادون في الغيّ و الضلال يَعْمَهُونَ العمه في البصيرة، و العمى في القلب.

16- أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ أحبوا الباطل و آثروه على دين الحقّ فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ وَ مََا كََانُوا مُهْتَدِينَ لأن المطلوب في التجارة الربح مع سلامة رأس المال، و المنافقون أضاعوهما معا، لأن الهدى عند اللّه سبحانه هو رأس المال، و قد ذهب أو بعد عن المنافقين، و تبعه الربح حيث لا بقاء لفرع بلا أصل.

17- مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي المراد بذلك هنا الجنس الشامل للجماعة تماما كقوله تعالى: «وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا - 69 التوبة» أي الذين خاضوا اِسْتَوْقَدَ نََاراً أشعلها فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ امتد ضوؤها إلى الأشياء التي حول من أوقدها ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ خمدت النار و لا نور يستضيئون به وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لاََ يُبْصِرُونَ بقوا متحيّرين متحسرين حيث لا يدرون أين يذهبون؟و ما ذا يفعلون.. ؟ 18- صُمٌّ لا يسمعون بُكْمٌ لا ينطقون عُمْيٌ لا يبصرون على سلامة الآذان و الألسن و الأبصار، و لكنهم لما رفضوا الاستماع للحق و النطق به و النظر إليه، أصبحوا كمن فقد هذه الحواس من الأساس فَهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ إلى الرشد، و لا ينتهون عن البغي بعد أن أصبحوا كالصم البكم العمي.

19- أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ هذا تمثيل آخر لحال المنافقين، و الصيّب مطر ينزل من السماء فِيهِ ظُلُمََاتٌ دامسة وَ رَعْدٌ قاصف وَ بَرْقٌ خاطف يَجْعَلُونَ أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ مِنَ اَلصَّوََاعِقِ حَذَرَ اَلْمَوْتِ يقال: صعقته الصاعقة فصعق أي فمات، و المنافقون دائما في قلق و خوف من كشف حقيقتهم و لا ملجأ لهم تماما كمن أتته الصاعقة فاتقاها بسد أذنيه وَ اَللََّهُ مُحِيطٌ بِالْكََافِرِينَ كلنا نتقلّب في قبضته جلّت عظمته، و لا مفرّ منه إلا إليه.

20- يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ كناية عن شدة الهول كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ خطوة أو خطوتين وَ إِذََا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قََامُوا إذا خفي البرق وقفوا حائرين وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصََارِهِمْ لو أراد سبحانه لزاد في قصف الرعد فأصمّهم و في برق البرق فأعماهم إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ واضح بلا تفسير.

6

21- يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ حقا و صدقا لا رياء و نفاقا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لما عدّد سبحانه فرق المكلّفين من المؤمنين و الكافرين و المنافقين-أفهمهم جميعا أنه هو وحده خالق الأولين و الآخرين و رازقهم، فعليهم أن يعبدوه و يطيعوه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ما من شك أن من يصلي للّه مخلصا له الدين فإنّه يتّقي معاصيه أيضا في غير الصلاة.

22- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً مستقرا لا غنى عنه وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً كالقبة المضروبة على هذا المستقر بحسب الرؤية البصرية وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ لتشكروا اللّه على فضله، و تفكروا في خلقه و لتعلموا أنه هو الخالق الذي ليس كمثله شي‏ء فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً شركاء وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعقلون و تميّزون و تدركون أنه لا خلق بلا خالق.

23- وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا بعد ما ذكر سبحانه وجوب الإيمان به أشار إلى وجوب الإيمان بمحمد (ص) ، و من الأدلة عليه هذا التحدي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ الضمير يعود إلى القرآن، و سميّت الآية المعيّنة المحدودة سورة تشبيها بسور المدينة الذي يحيط بمساكن معيّنة محدودة وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ أرسل سبحانه محمدا للناس بحجّة كافية. و هي إعجاز القرآن بما فيه من معان و بيان. و تحدى من جحد بأن يأتي بسورة مثله مبني و معنى. ثم يقارن في حضور العقلاء بين القرآن و بين ما يأتي به الجاحد، فإن شهدوا أنهما بمنزلة سواء فليبق على كفره بل و ليدع إلى الكفر بمحمد و رسالته، و إن شهد العقلاء بعجزه فهو الكاذب و المفتري، أما محمد (ص) فهو الصادق الأمين.

24- فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا القطع بالعجز قبل أن يحاولوا تحدّثان، و كفى بعجزهم رغم المحاولة شاهدا و دليلا فَاتَّقُوا اَلنََّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ الوقود ما يوقد به، و الفرق بين نار جهنم و نار الدنيا أن وقود الأولى ناس و حجارة كانت من قبل أصناما. و وقود الثانية بترول و فحم و حطب.

25- وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ بعد أن هدّد و توعد الكافرين بالجحيم وعد و بشر المؤمنين بالنعيم كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قََالُوا هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشََابِهاً في اللون دون الطعم وَ لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ من كل عيب و دنس روحا و جسما وَ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ ملك قائم و نعيم دائم (P1P) .

(1) ملاحظة:

ان القرآن معجزة بما هو كلام اللّه، بصرف النظر عن العربي البليغ و غيره، و انما نعرف المعجزة، و نكتشفها من عجز العربي البليغ، تماما كما نكتشف من عجز بطل السباحة العالمي في البحر الهائج عجز سواه، مع التقدير بأنه الأول في بطولة السباحة.

7

26- إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا «ما» زائدة للتوكيد، و بعوضة مفعول أول، و مثلا مفعول ثان. قال المشركون: اللّه لا يضرب الأمثال بالبعوضة الحقيرة، فردّ سبحانه بأنه لا يترك التمثيل بالبعوضة ترك المستحي ما دام القصد من التمثيل مجرد التفهيم و التقريب إلى العقول و الأذهان فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي أن أهل العلم و العقل لا يرون التمثيل بالبعوضة منافيا لجلال اللّه و عظمته وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً يقولون ذلك جهلا أو تضليلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً السبب المباشر للإضلال هو التمثيل بالبعوضة، و أسند إلى اللّه تعالى في الظاهر لأنه هو الذي ضرب المثل. أشبه بما لو عملت عملا جليلا فمات عدوّك حسدا، فأيّ ذنب فعلت؟ وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً من العقلاء الراغبين في الهداية وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ أبدا لا سلطان للشيطان إلا على أوليائه.

27- اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ يفسخون عَهْدَ اَللََّهِ و هو إعمال العقل و العمل بوحيه كما قال سبحانه: أفلا تعقلون أفلا تتفكرون؟ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ الميثاق الثبوت و الإحكام وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ كالبر بالرحم و نصرة الحق وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ بالجرائم و الآثام و التناحر على الحطام أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و كل مبطل خاسر.

28- كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ و في كل شي‏ء له آية تدل على أنه واحد وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً نطفا في أصلاب الآباء فَأَحْيََاكُمْ فأخرجكم منها ذكورا و إناثا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بعد الحياة ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للحساب و الجزاء.

29- هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فيه دلالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يثبت العكس ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ قصد إليها بإرادته فَسَوََّاهُنَّ هذا الضمير يفسّره قوله سبحانه سَبْعَ سَمََاوََاتٍ و معنى سواهن عدّل خلقهنّ على ما تقتضيه الحكمة وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ و أيضا غفور رحيم.

30- وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً و هو آدم و ذريته قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ و عرف الملائكة ذلك منه تعالى بطريق أو بآخر وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ التسبيح تنزيه للّه تعالى. ، و بحمدك في موضع الحال أي نسبّح حامدين وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالاعراب:

يصح أن تكون مََا من قوله تعالى: مَثَلاً مََا زائدا جي‏ء بها للتوكيد، و بَعُوضَةً مفعولا أولا، و مَثَلاً مفعولا ثانيا مقدما، و التقدير ان اللّه لا يترك جعل البعوضة مثلا، و قيل: يجوز أن يكون مَثَلاً حالا من بَعُوضَةً . و أيضا يجوز أن تكون مََا اسما مبهما بمعنى شي‏ء من الأشياء، و عليه تكون مفعولا ليضرب، و بعوضة بدلا منها، و مفعولا ثانيا مقدما، و التقدير ان اللّه لا يترك جعل شي‏ء من الأشياء مثلا، حتى و لو كان هذا الشي‏ء بعوضة.

8

نطهّر أنفسنا بطاعتك قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ أبدا لا يفعل سبحانه شيئا إلا لحكمة بالغة، و كثيرا ما تختفي عن إدراك الناس و الملائكة أيضا.

31- وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا أي أسماء الكائنات كالنبات و الحيوان و الجبال و الوديان... ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ أي عرض الكائنات و أعاد عليها ضمير «هم» لأن في الكائنات عقلاء فجاء الضمير تغليبا للعاقل على غيره فَقََالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ الكائنات إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ أي عارفين بالحكمة من جعل آدم خليفة في الأرض.

32- قََالُوا سُبْحََانَكَ لاََ عِلْمَ لَنََا إِلاََّ مََا عَلَّمْتَنََا و ليس هذا مما علّمتنا إيّاه حتى نعرفه إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ بكل شي‏ء اَلْحَكِيمُ فيما تفعل أو تترك.

33- قََالَ يََا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ ليعلموا أنك أهل و محل لخلافة اللّه فَلَمََّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ أي بأسماء الأشياء و جنسها قََالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و ما فيهنّ و ما بينهنّ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ قبل أن تبدوه وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من كل شي‏ء.

34- وَ إِذْ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ أمرهم بالسجود لآدم تعظيما لشأنه فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ أَبى‏ََ وَ اِسْتَكْبَرَ لأنه رأى نفسه أجلّ و أعظم من آدم وَ كََانَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ حيث رأى أمر اللّه له بالسجود لآدم ظلما و جورا.

35- وَ قُلْنََا يََا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ ضمير أنت توكيد للضمير المستتر في اسكن، و زوجك مرفوع عطفا عليه وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً واسعا رافها حَيْثُ شِئْتُمََا من بقاع الجنّة وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ لا تأكلا منها فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ بفعل ما أمر اللّه بتركه.

36- فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ بحبائله فَأَخْرَجَهُمََا مِمََّا كََانََا فِيهِ من نعمة و كرامة وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا انزلوا، و جمع سبحانه الضمير، لأن آدم و حواء أبوا البشر بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إشارة إلى ما سوف يحدث بين الناس من تشاجر و تناحر قالإعراب:

زَوْجُكَ معطوف على الفاعل، و رَغَداً قائم مقام المفعول المطلق، و التقدير أكلا رغدا، أي واسعا، و اَلشَّجَرَةَ بدل من هذه، و فَتَكُونََا منصوبة بأن مضمرة بعد الفاء، و بَعْضُكُمْ مبتدأ، و عَدُوٌّ خبر، و لِبَعْضٍ متعلق بعدو، و إما مؤلفة من كلمتين ان الشرطية، و ما الزائدة، و انما زيدت للتوكيد، و هي التي سوغت دخول نون التوكيد على يأتينّكم، تماما كقوله تعالى: فَإِمََّا تَرَيِنَّ ، و قوله: وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ .

9

وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع الاستقرار وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ يتمتعون بالعيش إلى الموت.

37- فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ ندم آدم على ما كان، فألهمه اللّه كلمات توسّل بها إليه أن يغفر و يصفح.

و في رواية عن أهل البيت (ع) أن هذه الكلمات أسماء أصحاب الكساء (ع) فَتََابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ التواب:

كثير القبول للتوبة حيث يقبلها من كل تائب.

38- قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهََا جَمِيعاً كرّر سبحانه كلمة «اهبطوا» للتوكيد فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً من نبي مرسل أو كتاب منزل فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ أي اتبع رسولي و عمل بكتابي فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العقاب وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات الثواب.

39- وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ واضح بلا تفسير.

40- يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إسرائيل لقب يعقوب، و أراد سبحانه بالنعمة هنا. ما أنعمه على آبائهم من كثرة الأنبياء وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي من الإيمان و الطاعة أُوفِ بِعَهْدِكُمْ من حسن الثواب وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ تهديد و وعيد إذا نقضوا العهد.

41- وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ على محمد (ص) مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ من توراة موسى وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ أي بمحمد (ص) و أنتم تعلمون أنه الصادق الأمين وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً يشير بهذا إلى رؤساء اليهود الذين أنكروا الحق حرصا على السيادة و الرياسة وَ إِيََّايَ فَاتَّقُونِ .

42- وَ لاََ تَلْبِسُوا لا تخلطوا اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ وَ تَكْتُمُوا اَلْحَقَّ و هو نص التوراة على نبوّة محمّد (ص) وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بأنكم تكتمون ما أنزل اللّه.

43- وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ وَ اِرْكَعُوا مَعَ اَلرََّاكِعِينَ أي مع المسلمين، لأن صلاة اليهود لا ركوع فيها.

44- أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ كانوا يأمرون أقاربهم في السرّ باتباع محمد (ص) و لا يتّبعونه قالإعراب:

إِسْرََائِيلَ مجرور بالاضافة، و منع من الصرف للعجمة و التعريف، و إِيََّايَ ضمير منصوب على انه مفعول لفعل محذوف دل عليه الموجود أي ارهبوا إياي، و لا يجوز أن يكون مفعولا لما بعد الفاء، لأن ما بعدها لا يعمل بما قبلها، و ترهبون تقديره ترهبوني، حذفت الياء للتخفيف، و موافقة رؤوس الآيات، و مثله فَاتَّقُونِ ، و أَنْزَلْتُ مفعوله محذوف تقديره أنزلته، و مصدقا حال منه.

10

وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتََابَ التوراة أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ قبح ما تفعلون.

45- وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ استعينوا على البلايا بالصبر عليها و الالتجاء إلى الصلاة وَ إِنَّهََا الصلاة لَكَبِيرَةٌ لثقيلة إِلاََّ عَلَى اَلْخََاشِعِينَ لأنهم يتوقعون الأجر عليها من اللّه سبحانه.

46- اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ يقطعون أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ و ثوابه وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رََاجِعُونَ لا محالة.

47- يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بالتحرر من العبودية لفرعون و غير ذلك وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ بكثرة الأنبياء.

48- وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً و مثله تماما لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ هذا مختصّ باليهود لأنهم قالوا: آباؤنا شفعاؤنا وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ فدية وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ المراد بـ «هم» النفس التي تقدّم ذكرها و لكن باعتبارها جنسا يدل على الكثرة.

49- وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فرعون اسم لمن ملك تماما كقيصر و كسرى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يبغونكم خسفا و إذلالا يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ يبقوهنّ أحياء للخدمة وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أنجاكم اللّه منه و لكن لا تشكرون.

50- وَ إِذْ فَرَقْنََا بِكُمُ اَلْبَحْرَ صار مسالك لكم فَأَنْجَيْنََاكُمْ وَ أَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي ينظر بعضكم بعضا و أنتم سائرون في قلب البحر آمنين مطمئنين.

51- وَ إِذْ وََاعَدْنََا مُوسى‏ََ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وعدناه بالتوراة و ضربنا له هذا الميقات ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ مضى موسى ليأتي بالتوراة. فعبد اليهود العجل وَ أَنْتُمْ ظََالِمُونَ بهذا الشرك و الارتداد.

52- ثُمَّ عَفَوْنََا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ إشارة إلى ارتدادهم و شركهم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النعمة في العفو عنكم.

53- وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ التوراة وَ اَلْفُرْقََانَ قالإعراب:

يَوْماً قائم مقام المفعول به بعد حذفه، أي اتقوا عذاب يوم، أو شر يوم. و شَيْئاً أيضا مفعول به، و قيل يجوز جعله مفعولا مطلقا، لأن معنى الشي‏ء هنا الجزاء.

فِرْعَوْنَ ممنوع من الصرف للعلمية و العجمة، و سُوءَ اَلْعَذََابِ مفعول مطلق، لأن معنى يَسُومُونَكُمْ يعذبونكم. ـ

11

يفرّق بين الحق و الباطل و الحلال و الحرام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ بنوره.

54- وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخََاذِكُمُ اَلْعِجْلَ معبودا و ليس للّه ندّ و شبيه فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ خالقكم فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي ليقتل من بقي على الإيمان منكم من ارتد عن دينه إلى عبادة العجل ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بََارِئِكُمْ من الإصرار على الشرك فَتََابَ عَلَيْكُمْ أي فعلتم ذلك فصفح و غفر سبحانه و تعالى إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ لمن تاب بإخلاص.

55- وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى‏ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْكُمُ أماتتكم اَلصََّاعِقَةُ نار من السماء وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى الصاعقة.

56- ثُمَّ بَعَثْنََاكُمْ في الدنيا مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لاستكمال آجالكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة اللّه.

57- وَ ظَلَّلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْغَمََامَ كان ذلك في التيه حيث سخّر لهم اللّه السحاب يظللهم من الشمس وَ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ مادة لزجة تشبه العسل وَ اَلسَّلْوى‏ََ طائر يعرف بالسّمّن كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ أي قال لهم سبحانه: كلوا... وَ مََا ظَلَمُونََا بكفرهم و عنادهم وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ كل من غلبة الهوى ظالم لنفسه.

58- وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ قيل هي أريحا، و لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى فَكُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً شكرا للّه وَ قُولُوا حِطَّةٌ حطّ عنّا ذنوبنا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطََايََاكُمْ ان فعلتم ما تؤمرون وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ كل من اتقى و أحسن يزيده اللّه من فضله.

59- فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ قيل: إنهم قالوا مكان حطة حنطة استهزاء منهم قالإعراب:

يََا قَوْمِ منادى مضاف الى ياء المتكلم، ثم حذفت الياء، و اجتزئ عنها بالكسرة، و جَهْرَةً قائم مقام المفعول المطلق، و كُلُوا فعل أمر، و الجملة محل نصب مفعول لفعل محذوف، تقديره قلنا كلوا.

اَلْقَرْيَةَ عطف بيان من هذا، و رَغَداً نائب عن المفعول المطلق، أي أكلا رغدا، و سُجَّداً حال من واو الجماعة في اُدْخُلُوا ، و هو مصدر بمعنى اسم الفاعل، كعدل بمعنى عادل، و حطة خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير مسألتنا أو أمرنا حِطَّةٌ ، تماما مثل صبر جميل أي حالنا صبر جميل، مع العلم بأن النصب جائز أيضا.

12

فَأَنْزَلْنََا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً عذابا مِنَ اَلسَّمََاءِ بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ يحرّفون.

60- وَ إِذِ اِسْتَسْقى‏ََ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ عطش بنو إسرائيل في التيه، فطلب لهم موسى الماء من اللّه تعالى فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فضربه بعصاه فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتََا عَشْرَةَ عَيْناً و هذه معجزة أخرى لموسى خصّه اللّه بها إضافة إلى سائر المعجزات قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنََاسٍ مَشْرَبَهُمْ كانوا 12 قبيلة لكل منها عين كُلُوا المن و السلوى وَ اِشْرَبُوا من هذه العيون، و هي مِنْ رِزْقِ اَللََّهِ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ العثي أشد الفساد، و منه الشرك و الإلحاد.

61- وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى‏ََ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ََ طَعََامٍ وََاحِدٍ نسب قول السلف إلى الخلف لأنهم على نهج واحد، و يطلق الطعام الواحد على الذي لا يتغيّر، و إن كان من لونين أو أكثر، و المراد به هنا المن و السلوى فَادْعُ لَنََا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنََا مِمََّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهََا و هو ما تنبته الأرض من الخضر وَ قِثََّائِهََا نوع من الخيار وَ فُومِهََا الحنطة وَ عَدَسِهََا وَ بَصَلِهََا قََالَ لهم موسى: أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنى‏ََ دون بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ و أفضل اِهْبِطُوا مِصْراً انحدروا إليها فَإِنَّ لَكُمْ مََا سَأَلْتُمْ من العدس و البصل و نحو ذلك وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ و الذلة أنواع منها أن تجتمع كلمة أهل الأرض شرقها و غربها، على مقتهم و كراهيتهم، و منها أن تكون مهمتهم مهمة الكلب العقور يحرس مصالح صاحبه، و منها أن لا يستطيعوا العيش إلا باللصوصية و النهب و النفاق و المراوغة... وَ بََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ أصبحوا جديرين بعذابه ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانُوا يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ بيان للسبب الموجب لغضب اللّه و الناس عليهم، وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ كزكريا و يحيى و شيعا بِغَيْرِ اَلْحَقِّ بلا جرم ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ كرر سبحانه ذلك بأنهم كانوا يكفرون و ذلك بأنهم عصوا لمجرد التوكيد.

62- إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم فقط وَ اَلَّذِينَ هََادُوا أي اليهود وَ اَلنَّصََارى‏ََ جمع نصران للمذكر و نصرانة للمؤنث، و الياء في النصراني للمبالغة لا للنسبة وَ اَلصََّابِئِينَ و هم قوم عدلوا عن اليهودية و النصرانية إلى قالإعراب:

اِثْنَتََا عَشْرَةَ كلمتان نزلتا منزلة الكلمة الواحدة، أعرب الصدر لمكان الألف رفعا، و الياء جرا و نصبا، و بني العجز لأنه بمنزلة نون الاثنين، هكذا قال النحاة، و عَيْناً تمييز.

يُخْرِجْ مضارع مجزوم جوابا لفعل الأمر، و هو فَادْعُ ، و ذلك مبتدأ و خبره بِأَنَّهُمْ كََانُوا ، و مثله ذلك بِمََا عَصَوْا .

13

عبادة الملائكة و النجوم مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ عَمِلَ صََالِحاً من كان من هؤلاء الفئات الأربع فعدل و آمن باللّه و رسوله و اليوم الآخر إيمانا خالصا و عمل عملا صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ لإيمانهم الخالص و عملهم الصالح وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العقاب وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات الثواب.

63- وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ بالعمل على ما في التوراة، لأن الخطاب مع بني إسرائيل وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ جبل، لما جاء موسى (ع) بالتوراة رفضها بنو إسرائيل فرارا من التكاليف الشاقة فارتفع الجبل فوقهم تخويفا فأذعنوا خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ من كتاب التوراة بِقُوَّةٍ بعزيمة و يقين وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ لا تهملوا منه شيئا لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لتكونوا من أهل التقوى.

64- ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ أعرضتم عن التوراة فَلَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ بإمهاله لكم لَكُنْتُمْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ الهالكين بتعجيل العذاب.

65- وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ حيث تجاوزوا الحد و اصطادوا الحيتان المنهي عنها فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ ممسوخين مطرودين.

66- فَجَعَلْنََاهََا المسخة نَكََالاً عقابا و عبرة لِمََا بَيْنَ يَدَيْهََا أي عبرة لمن حضرها و شاهدها في ذلك العهد وَ مََا خَلْفَهََا أي عبرة لمن بعدها أيضا وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أي و لكل من يتعظ و يعتبر و يبتغي أن يكون من الصالحين.

67- وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً كان في بني إسرائيل شيخ غنيّ، فقتله قرابته ليرثوه، و اتهموا بعض بني إسرائيل، و طالبوهم بدمه، فثار الخلاف بينهم، فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة، و يضربوه ببعضها فيحيا، و يخبرهم بالقاتل قََالُوا لموسى: أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً قََالَ أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ أي من المستهزئين.

68- قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ ظنوا أن البقرة عجيبة الشأن، فسألوا عن أوصافها قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ ليست مسنّة وَ لاََ بِكْرٌ لا صغيرة، بل هي عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ لا صغيرة و لا كبيرة بل وسط فَافْعَلُوا مََا تُؤْمَرُونَ من ذبح هذه البقرة.

قالإعراب:

مَنْ من قوله تعالى: مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ بدل بعض من كل من الأصناف الثلاثة، و هم اليهود و الصابئة و النصارى، و قوله فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مبتدأ و خبر، و الجملة خبر انّ و دخلت الفاء على الخبر لمكان الموصول المتضمن لمعنى الشرط، و خوف مبتدأ و خبره عليهم، و أهملت‏ لاََ عن العمل لمكان التكرار.

14

69- قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا لَوْنُهََا يزدادون بيانا للوصف قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ فََاقِعٌ لَوْنُهََا حسنة الصفار تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ النظرة إلى الجميل تبعث السرور حتى و لو كان ثورا أو بقرة.

70- قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ الموصوف بالصفرة كثير تَشََابَهَ عَلَيْنََا أيها نذبح؟ وَ إِنََّا إِنْ شََاءَ اَللََّهُ لَمُهْتَدُونَ إلى البقرة المراد ذبحها.

71- قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ تمرنت على العمل لا تُثِيرُ اَلْأَرْضَ لا تحرث وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ أي لا تدير النواعير مُسَلَّمَةٌ سلّمها اللّه من كل عيب لاََ شِيَةَ فِيهََا لونها أصفر بالكامل حتى قرنها و ظلفها قََالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بالوصف الشامل فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ لخوف الفضيحة أو لغلاء الثمن أو لهما معا.

72- وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً المراد بالنفس المقتول الذي سبق ذكره فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا تخاصمتم في أمرها وَ اَللََّهُ مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أظهر الحقيقة.

73- فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ هذا الضمير يرجع للقتيل بِبَعْضِهََا أي بعض البقرة المذبوحة كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ لما ضربوا الميت بجزء من البقرة قام بإذن اللّه و قال قتلني فلان فقتلوه قصاصا وَ يُرِيكُمْ آيََاتِهِ على أنه تعالى قادر على كل شي‏ء لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أن من قدر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء كل النفوس.

74- ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ الخطاب لكل اليهود بالنظر إلى أن الخلف مثل السلف مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ إشارة إلى كل المراحل التي مروا بها فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي من عرفها شبّهها بالحجارة أو أقسى وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجََارَةِ لَمََا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهََارُ في بعض الصخور خروق واسعة يتدفق منها ماء غزير وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَشَّقَّقُ ينشق طولا أو عرضا فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمََاءُ دون الأنهار كالعيون وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ يتردى من أعلى الجبال مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ كناية عن أن الحجارة تسكن أو تتحرك تبعا للسبب الموجب، أما اليهود فيعاكسون و يشاكسون قالإعراب:

مََا هِيَ مبتدأ و خبر، و الجملة مفعول يبين، لاََ فََارِضٌ صفة للبقرة، و الصفة إذا كانت منفية بلا وجب تكرارها، فلا يجوز أن تقول: مررت برجل لا كريم و تسكت، بل لا بد أن تعطف عليه وَ لاََ شجاع، و ما أشبه، و عَوََانٌ خبر لمبتدأ محذوف، أي هي عوان، و فََاقِعٌ صفة للبقرة، و لونها فاعل لفاقع.

أَوْ هنا للتقسيم، أي ان بعض قلوبهم كَالْحِجََارَةِ ، و بعضها أَشَدُّ قَسْوَةً منها، و أشد خبر مبتدأ محذوف، و قسوة تمييز، و الضمير في مِنْهُ يعود الى مَا ، و في مِنْهََا يعود الى الحجارة.

15

وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ و تجزون بما أسلفتم.

75- أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ضمير الغائب لليهود و الخطاب للنبيّ (ص) و المسلمين وَ قَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ من أسلافهم يَسْمَعُونَ كَلاََمَ اَللََّهِ في التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ كما فعلوا في صفة محمد (ص) مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ دون أية شبهة وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أي عن قصد و عمد.

76- وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا بأن محمدا رسول اللّه حقا و صدقا بنص التوراة وَ إِذََا خَلاََ بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ و لا رقيب قََالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ من نص التوراة على صفة محمد (ص) لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي ليكون لهم الحجّة عليكم أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ أنكم أسأتم لأنفسكم.

77- أَ وَ لاََ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ من الكفر وَ مََا يُعْلِنُونَ من الإيمان المزيّف.

78- وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ من اليهود من يحفظ التوراة تلاوة لا دراية إِلاََّ أَمََانِيَّ و كل ما يرجوه من هذا الحفظ أن يثيبه اللّه عليه تماما كبعض الجهلة من المسلمين وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ يجهلون.

79- فَوَيْلٌ العذاب لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ التوراة المحرّفة بِأَيْدِيهِمْ للتوكيد كما تقول: رأيت بعيني ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ كذبا و افتراء لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً من العوام فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمََّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمََّا يَكْسِبُونَ عذاب على أصل التحريف، و ثان على كتابته ليخلد، و ثالث على ثمنه.

80- وَ قََالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً أربعين يوما بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللََّهِ عَهْداً فأين هو؟فإن أعطاكم اللّه إيّاه فَلَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ عَهْدَهُ و من أوفى به منه؟ قالإعراب:

لِيُحَاجُّوكُمْ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام.

وَيْلٌ مبتدأ، و خبره للذين، و يجوز نصبه على تقدير جعل اللّه الويل للذين، لأن ويلا لا فعل له، قال هذا صاحب تفسير البحر المحيط، و قال أيضا: إذا أضيفت ويلا مثل ويل زيد فالنصب أرجح من الرفع، و إذا أفردته مثل ويل لزيد فالرفع أرجح.

16

أَمْ (بل) تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ تماما كقولكم:

نحن شعب اللّه المختار.

81- بَلى‏ََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً بلى تمسّكم النار لكثرة مخازيكم وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ من كل جانب فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ المراد بالسيئة، و الخطيئة هنا الشرك، لأن ما عداه لا يستدعي الخلود.

82- وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ تقدم التفسير في الآية 25.

83- وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ كل من آمن باللّه فقد أعطاه عهدا و ميثاقا بالسمع و الطاعة لاََ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ إخبار في معنى النهي وَ بِالْوََالِدَيْنِ و تحسنون بهما إِحْسََاناً وَ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ بالصلة و الحنان وَ اَلْيَتََامى‏ََ بالعناية و الاهتمام وَ اَلْمَسََاكِينِ بأداء ما لهم من حق اللّه وَ قُولُوا لِلنََّاسِ كل الناس حُسْناً تماما كما تحبون أن يقال لكم وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ بأجزائها و شروطها وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ بكاملها ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ عن أمر اللّه و طاعته إِلاََّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ تمردا و عنادا.

84- وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ ما زال الخطاب مع بني إسرائيل لاََ تَسْفِكُونَ دِمََاءَكُمْ وَ لاََ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بوجوب ذلك عليكم وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على أنفسكم بأنفسكم.

85- ثُمَّ أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيََارِهِمْ القوي منكم يقتل الضعيف، و يطرده من بيته علما بأن دين الاثنين واحد، و هذا نقض لما أبرمتموه من قبل تَظََاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ تتعاونون على التنكيل بهم وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسََارى‏ََ تُفََادُوهُمْ كان اليهودي القوي لا يرى بأسا بقتل اليهودي الضعيف، و لكن إذا أسر غير اليهودي يهوديا ضحّى اليهودي القوي بالمال لفدائه و إطلاقه، فقال لهم سبحانه: كيف تستجيزون قتل بعضكم، و لا تستجيزون ترك فدائهم! وَ هُوَ أي القتل و الإخراج قالإعراب:

لاََ تَعْبُدُونَ إنشاء في صيغة الخبر، أي لا تعبدوا، و قد يأتي الأمر بصيغة الخبر أيضا، مثل: تؤمنون باللّه، أي آمنوا باللّه، قال صاحب المجمع: و يؤكد ذلك انه عطف عليه بالأمر، و هو قوله: وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً ، أي أحسنوا بالوالدين إحسانا، و قوله: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ . أمورا:

قَلِيلاً قائم مقام المفعول المطلق، أي إيمانا قليلا يؤمنون، و جي‏ء بما لمجرد التوكيد.

بلى حرف جواب لاثبات ما بعد النفي، يقال: ما فعلت كذا؟فتجيب: بلى، أي فعلت. و نعم جواب الإيجاب، يقال: فعلت كذا؟ فتجيب: نعم، أي فعلت.

17

مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرََاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتََابِ أي بالفداء وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي بالقتل و الإخراج فَمََا جَزََاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذََلِكَ مِنْكُمْ إِلاََّ خِزْيٌ هوان و خسران فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ََ أَشَدِّ اَلْعَذََابِ الذي أعدّه اللّه لأعدائه وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ بل نحن الغافلون عمّن لا يغفل عنّا.

86- أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا بِالْآخِرَةِ رضوا بالعاجلة عوضا عن الآجلة فَلاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذََابُ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ و هذه عاقبة كل أفّاك أثيم.

87- وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ التوراة نزلت جملة واحدة وَ قَفَّيْنََا اتبعنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ كثيرا وَ آتَيْنََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنََاتِ المعجزات الواضحات وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ جبريل أو أن عيسى (ع) هو بالذات يحمل روحا قدسية أَ فَكُلَّمََا جََاءَكُمْ الخطاب لليهود رَسُولٌ بِمََا لاََ تَهْوى‏ََ أَنْفُسُكُمُ لا لشي‏ء إلا لأنه حق اِسْتَكْبَرْتُمْ و نفرتم من الإيمان بالعدل و الصدق فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ كعيسى و محمد وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ كزكريا و يحيى.

88- وَ قََالُوا قُلُوبُنََا غُلْفٌ في غلاف لا ترى و لا تسمع بطبعها بَلْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ أي ليست قلوب اليهود صمّاء عمياء بالطبع. بل بالإصرار على الفساد و العناد فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ ما زائدة للتوكيد، و قليلا صفة لمفعول مطلق محذوف أي فإيمانا قليلا.

89- وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و هو القرآن مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ من التوراة و الإنجيل كذبوا القرآن وَ كََانُوا مِنْ قَبْلُ كان اليهود من قبل محمد (ص) يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون بمحمد عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا من المشركين و يقولون لهم: غدا يأتي محمد و ترون فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا من الحق كَفَرُوا بِهِ بغيا و حسدا فَلَعْنَةُ اَللََّهِ غضبه و عذابه عَلَى اَلْكََافِرِينَ بالحق أيّا كانوا و يكونون قالإعراب:

مُصَدِّقٌ صفة كِتََابٌ ، و جواب لَمََّا الأولى محذوف دل عليه جواب لما الثانية، و هو كفروا به.

بئس للذم، و نعم للمدح، و إذا كان الاسم بعدهما محلىّ بالألف و اللام فهو فاعل أبدا، نحو نعم الرجل زيد، و بئس الرجل زيد، و زيد مبتدأ، خبره جملة بئس الرجل، أو نعم الرجل. و إذا كان ما بعدها نكرة، مثل نعم رجلا، و بئس رجلا فهو منصوب أبدا على التمييز، و فاعل نعم و بئس ضمير مستتر يفسره التمييز. و ان اتصلت بهما مََا مثل نعما و بِئْسَمَا فان كانت مََا بمعنى الشي‏ء فهي فاعل، و ان كانت بمعنى شيئا فهي تمييز.

18

90- بِئْسَمَا للذم اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ باعوها أَنْ يَكْفُرُوا بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ هذا بيان لسبب الذمّ، و هو كفرهم بما جاء في التوراة من البشارة بمحمد (ص) بَغْياً ظلما و حسدا أَنْ يُنَزِّلَ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ و هو الوحي و النبوّة عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ لأنه أعلم حيث يجعل رسالته فَبََاؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ََ غَضَبٍ صاروا جديرين بغضب متوال لكفرهم بنبيّ الحق و بغيهم عليه وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ مُهِينٌ عظيم.

91- وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ سواء أنزل على رجل منكم أم من غيركم قََالُوا نُؤْمِنُ بِمََا أُنْزِلَ عَلَيْنََا على رجل منا وَ يَكْفُرُونَ بِمََا وَرََاءَهُ بما ينزل على رجل من غير اليهود وَ هُوَ اَلْحَقُّ القرآن مُصَدِّقاً لِمََا مَعَهُمْ من توراة موسى (ع) و إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بنفس التوراة قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيََاءَ اَللََّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لقد جمعتم أيّها اليهود بين قتل الأنبياء و ادعاء الإيمان بالتوراة التي تحرم قتل الأنبياء، و هذا عين التناقض!.

92- وَ لَقَدْ جََاءَكُمْ مُوسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ المعجزات الدالة على صدقه ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ إلها معبودا مِنْ بَعْدِهِ من بعد مجيئه بالمعجزات وَ أَنْتُمْ ظََالِمُونَ و مأواكم جهنم و بئس المصير.

93- وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ تقدم بالحرف في الآية 63 وَ اِسْمَعُوا لما أمرتم به في التوراة قََالُوا سَمِعْنََا قولك وَ عَصَيْنََا أمرك وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ تغلغل حبه في أعماقهم بِكُفْرِهِمْ بسبب الكفر قُلْ بِئْسَمََا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمََانُكُمْ قبحا لكم و لإيمانكم بالعجل و عبادته، هذا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما تزعمون كذبا و افتراء بأنكم على دين موسى و توراته.

94- قُلْ إِنْ كََانَتْ لَكُمُ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ اَللََّهِ الجنّة خََالِصَةً خاصة بكم مِنْ دُونِ اَلنََّاسِ كما تزعمون فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ من أيقن أنه من أهل الجنّة اشتقاق إليها، قال أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن (ع) لا يبالي أبوك، على الموت سقط أم عليه سقط الموت.

قالاعراب: و عليه يجوز أن تكون ما في بئسما في الآية اسما موصولا مرفوعا على انها فاعل بئس، و جملة اِشْتَرَوْا صلة، و يجوز أن تكون ما نكرة بمعنى شيئا و جملة اشتروا صفة، و على التقديرين فان المصدر المنسبك من أَنْ يَكْفُرُوا محله الرفع بالابتداء، و جملة بئسما خبر. و بغيا مفعول من أجله، و المصدر من أَنْ يُنَزِّلَ منصوب بنزع الخافض، أي لأن ينزل.

19

95- وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً و كان كما أخبر القرآن بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من التحريف و الكذب على اللّه وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ هذا تهديد و وعيد.

96- وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ أي منفعتهم الخاصة وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أيضا اليهود أحرص على المنفعة الخاصة من المشركين يَوَدُّ أَحَدُهُمْ اليهود لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ مََا هُوَ هذا الضمير يعود على «أحدهم» بِمُزَحْزِحِهِ لا يبتعد مِنَ اَلْعَذََابِ أَنْ يُعَمَّرَ أبدا لا نجاة لهم من النار سواء أعاشوا ألفا أم ألوفا وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا يَعْمَلُونَ و يعاملهم بما يستحقون.

97- قُلْ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ تومئ هذه الآية إلى أن اليهود كانوا يكرهون جبريل فَإِنَّهُ جبريل نَزَّلَهُ القرآن عَلى‏ََ قَلْبِكَ يا محمد بِإِذْنِ اَللََّهِ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة و الإنجيل وَ هُدىً إلى نهج السبيل وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ بالثواب الجزيل.

98- مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ أعاد ذكر جبريل و ميكال بعد ذكر الملائكة لفضلهما فَإِنَّ اَللََّهَ عَدُوٌّ لِلْكََافِرِينَ فيه دلالة على أن عداوة الملائكة كفر.

99- وَ لَقَدْ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ الخطاب لمحمد (ص) آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ معجزات واضحات وَ مََا يَكْفُرُ بِهََا إِلاَّ اَلْفََاسِقُونَ المتمردون على الحق.

100- أَ وَ كُلَّمََا عََاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ اليهود موصوفون بنقض العهد، و قال سبحانه: فريق منهم لأن بعضهم لم ينقض بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ بأن نقض العهد ذنب.

101- وَ لَمََّا جََاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ لخيرهم و سعادتهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ التوراة كِتََابَ اَللََّهِ القرآن وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ قالإعراب:

جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ ممنوعان من الصرف للعلمية و العجمة.. و قال صاحب مجمع البيان، و صاحب البحر المحيط: (ان جواب مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ محذوف تقديره فهو كافر، أو ما أشبه و قد دل عليه الموجود، و علله صاحب البحر بأن الجواب لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على مَنْ التي هي اسم الشرط، و قوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ََ قَلْبِكَ ليس فيه ضمير يعود على من، لأن ضمير فَإِنَّهُ عائد علىّ جبريل، و ضمير نَزَّلَهُ عائد على القرآن... و مُصَدِّقاً حال من الضمير في الضمير في نزله، و هدى و بشرى معطوفان عليه.

20

كناية عن الإعراض كَأَنَّهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ بأن القرآن حق و صدق.

102- وَ اِتَّبَعُوا الضمير للفريق المذكور من اليهود مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ المراد بهم المشعوذون عَلى‏ََ مُلْكِ سُلَيْمََانَ كان هؤلاء الشياطين أو المشعوذون في زمن سليمان يكتبون ما يزعمونه سحرا، و يقولون للناس هذا علم سليمان، و به سخّر الإنس و الجنّ و الريح وَ مََا كَفَرَ سُلَيْمََانُ هو منزّه عن هذه النسبة الكاذبة وَ لََكِنَّ اَلشَّيََاطِينَ كَفَرُوا باستعمال هذا السحر و الكذب في نسبته إلى سليمان يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ اَلسِّحْرَ أي الكذب و الغواية وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ كما كان الناس آنذاك يسمّونهما بذلك بِبََابِلَ بلد في العراق هََارُوتَ وَ مََارُوتَ بدل من الملكين وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ ابتلاء فَلاََ تَكْفُرْ أي لا تتعلّم معتقدا أنه حقّ فتكفر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا أي يتعلم الناس من الملكين مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ تدليسا و تمويها كالنفث في العقد و نحو ذلك وَ مََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ بحيث يترتّب الضرر على سبب مألوف، قال الإمام الصادق () أبى اللّه أن يجري الأمور إلا على أسبابها وَ يَتَعَلَّمُونَ مََا يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ لأنه مجرّد شعوذة وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ اختار الشعوذة على الحق مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ نصيب وَ لَبِئْسَ مََا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي باعوا أنفسهم بأنجس الأثمان لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ هم يعلمون بدليل قوله تعالى: «وَ لَقَدْ عَلِمُوا... » و لكن من لا يعمل بعلمه فهو أسوأ حالا من الجاهل.

103- وَ لَوْ أَنَّهُمْ اليهود آمَنُوا بمحمد (ص) وَ اِتَّقَوْا تاركين العناد لَمَثُوبَةٌ جواب لو مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ خَيْرٌ مما هم فيه من الضلال حتى و لو كانت هذه المثوبة يسيرة لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ هذا تجهيل للعالم الذي لا يعمل بعلمه.

104- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا النداء للصحابة لاََ تَقُولُوا رََاعِنََا كان النبيّ (ص) إذا حدّث المسلمين يقولون له «راعنا» يريدون تمهل علينا كي نستوعب كلامك، و كانت هذه الكلمة سبة عند اليهود، فاستغلوها و خاطبوا النبيّ بها بنيّة السّوء، فنهى النبي المسلمين و قال لهم: وَ قُولُوا اُنْظُرْنََا أي راقبنا و انتظرنا حتى نفهم وَ اِسْمَعُوا أحسنوا الاستماع للنبيّ حين يتكلّم وَ لِلْكََافِرِينَ اليهود الذين قالوا للنبيّ «راعنا» بخبث عَذََابٌ أَلِيمٌ .

قالإعراب:

هََارُوتَ وَ مََارُوتَ بدل مفصل من مجمل من الملكين، و هما ممنوعان من الصرف للعلمية و العجمة. و من زائدة، أي مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ ، و ما هما بضارين به أحدا.

21

105- مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ اليهود و النصارى وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ الذين يعبدون الأصنام أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ المراد بالخير هنا النبوّة، و المعنى يريد هؤلاء الكفرة أن تكون النبوة فيهم لا في غيرهم وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ و منها النبوّة مَنْ يَشََاءُ من عباده الطيّبين وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ و النبوة أعظم الفضائل على الإطلاق.

106- مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نزيلها أَوْ نُنْسِهََا نمحو حفظها من القلوب نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا لمصلحة العباد أَوْ مِثْلِهََا أو ما يعادل و يماثل المصلحة المنسوخة أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و منه إبدال خير بخير منه و بمثله وزنا و أثرا.

107- أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يدبرهما تبعا للحكمة و المصلحة وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ يقوم بأموركم وَ لاََ نَصِيرٍ تعتمدون على عدله و رحمته.

108- أَمْ تُرِيدُونَ أيها المسلمون أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمََا سُئِلَ مُوسى‏ََ مِنْ قَبْلُ قال اليهود لموسى من جملة ما قالوا عنادا: أرنا اللّه جهرة، أ تريدون أيها المسلمون أن تفعلوا كما فعل اليهود؟إن هذا إلا الكفر بعينه و أنتم مؤمنون وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمََانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ و هكذا كل من لا يقتنع بالدليل الواضح القاطع، و يطلب المزيد لمجرد التعجيز.

109- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ عن الإسلام مِنْ بَعْدِ إِيمََانِكُمْ كُفََّاراً يرجعونكم إلى الجاهلية الجهلاء بغيا و حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ للنبيّ الأعظم (ص) مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْحَقُّ و هم أعدى أعدائه فَاعْفُوا وَ اِصْفَحُوا اسلكوا معهم أيها المسلمون سبيل العفو و الصفح حَتََّى يَأْتِيَ اَللََّهُ بِأَمْرِهِ أي حتى يأمركم اللّه بحربهم و تأديبهم، فإن الأمور رهن بأوقاتها إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و سينتقم من كل باغ لا محالة.

110- وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ لأنه تعالى لا يضيع أجر المحسنين قالإعراب:

أَمْ هنا منقطعة بمعنى بل مع الاستفهام، أي بل أ تُرِيدُونَ الخ، و دخلت الباء على الإيمان، لأنها تدخل دائما في البدلية على الأكمل، و مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ متعلق بمحذوف صفة لكثير، و حَسَداً مفعول من أجله، و مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ متعلق بحسد و جواب لو محذوف تقديره لسروا بذلك.

22

إِنَّ اَللََّهَ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ واضح بلا تفسير.

111- وَ قََالُوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ و لما ذا هذا الاحتكار؟أ لأنهم شعب اللّه المختار! تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ الواهية الخاوية قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ هذا هو الجواب العلمي المفحم.

112- بَلى‏ََ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ أخلص له، لا يشرك به أحدا وَ هُوَ مُحْسِنٌ في عمله فَلَهُ أَجْرُهُ الذي يستوجبه عِنْدَ رَبِّهِ وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ تقدم في الآية 32 و 68.

113- وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ يصحّ و يعتد به وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ عداوات و مصادرات وَ هُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ أي يفعلون هذا و نحوه و هم من أهل العلم و تلاوة الكتب السماوية كما يزعمون كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ هم عبدة الأوثان و الدهرية و نحوهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ أي قالوا لأهل الأديان بالكامل: لستم على شي‏ء و نحن وحدنا على الصراط القويم فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيريهم من يدخل الجنّة و من يدخل النار عيانا.

114- وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَ سَعى‏ََ فِي خَرََابِهََا هذا التهديد يعمّ و يشمل بظاهره كل من لا يحترم المساجد أينما كانت و تكون، فيمنع من التعبد فيها أو يعمل على هدمها أو عدم بنائها أُولََئِكَ المانعون مََا كََانَ لَهُمْ في حكم اللّه أَنْ يَدْخُلُوهََا المساجد إِلاََّ خََائِفِينَ لأن اللّه تعالى كتب على نفسه أن ينصر المسلمين على أعداء الإسلام إذا عملوا بموجبه لَهُمْ لأعداء الإسلام فِي اَلدُّنْيََا خِزْيٌ و لو بعد حين وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ و لا عذاب أعظم من نار الجحيم.

115- وَ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ الأرض كلها للّه، و للمسلم أن يصلّي في أيّة بقعة منها سواء منع من الصلاة في المسجد أم لم يمنع لأن اللّه خلق الأرض مسجدا و طهورا فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ أينما صلّى المسلم فعليه أن يتّجه إلى الشطر الذي أمر اللّه بالاتّجاه إليه، و هو شطر المسجد الحرام بنصّ الآية 144 من البقرة و غيرها كما يأتي إِنَّ اَللََّهَ وََاسِعٌ يريد قالإعراب:

اتفقوا على ان المصدر المنسبك من أَنْ و الفعل الذي دخلت عليه محله النصب، ثم اختلفوا في اعرابه على أربعة أقوال ذكرها الرازي و أبو حيان الأندلسي، و أظهرها-كما نرى-ان المصدر منصوب بنزع الخافض، و التقدير منع من ذكر اللّه فيها، كما تقول منعه من كذا، خََائِفِينَ حال من الواو في يَدْخُلُوهََا .

23

التوسعة و التيسير على عباده عَلِيمٌ بمصالحهم.

116- وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَللََّهُ وَلَداً و هم الذين قالوا:

المسيح ابن اللّه و عزيز ابن اللّه و الملائكة بنات اللّه سُبْحََانَهُ تنزيه له عن ذلك بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ هو خالقها بما فيها و من فيها، و من جملتها المسيح و عزيز و الملائكة كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ عابدون منقادون.

117- بَدِيعُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ خلقها و لا مثيل لها من قبل وَ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من تك هذه قدرته و عظمته فهو غنيّ عن كل شي‏ء، و ليس كمثله شي‏ء و مباين للأجسام المتوالدة المتناسلة.

118- وَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ من المشركين و غيرهم: لَوْ لاََ يُكَلِّمُنَا اَللََّهُ مشافهة و يخبرنا بأن محمدا نبيه و رسوله أَوْ تَأْتِينََا آيَةٌ نحن نقترحها و نفرضها كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إشارة إلى قول اليهود لموسى:

أرنا اللّه جهرة و نحو ذلك تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ في العمى و الضلال قَدْ بَيَّنَّا اَلْآيََاتِ و الدلائل الكافية و الوافية في الدلالة على نبوة محمد (ص) لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ منصفون، و من لا يقتنع بما بيّنّا لا يقنعه شي‏ء.

119- إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً معلما لا مسيطرا، و في الآية تسلية للنبيّ (ص) لئلا يضيق صدره بكفر من كفر وَ لاََ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحََابِ اَلْجَحِيمِ ما دمت قد أدّيت الرسالة.

120- وَ لَنْ تَرْضى‏ََ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصََارى‏ََ حَتََّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قال اليهود للنبيّ (ص) : لن نرضى عنك حتى تكون على ديننا فحكى اللّه كلامهم، و لذلك قال سبحانه لنبيّه: قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ و هو الإسلام وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ المراد كل من يخالف علمه بالحق، و ينطلق مع منافعه الشخصية مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ يحميك من غضبه تعالى.

121- اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يريد الذين أسلموا من اليهود و النصارى يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاََوَتِهِ أي لا يحرّفونه أُولََئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ كما أنزل من عند اللّه وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي يحرّفه فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ حيث باعوا دينهم للشيطان.

قالإعراب:

تأتي لَوْ لاََ للامتناع، و تدخل على جملتين: اسمية، و أخرى فعلية، نحو لو لا زيد لأكرمتك، أي لو لا زيد موجود، فخبر المبتدأ يكون في الغالب مقدرا، قال ابن مالك: «و بعد لو لا غالبا حذف الخبر» .

24

122- يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ مر في الآية 47.

123- وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا عَدْلٌ وَ لاََ تَنْفَعُهََا شَفََاعَةٌ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ مرّ في الآية 48.

124- وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ إبراهيم (ع) هو أبو الأنبياء، و اللّه سبحانه لا يختبر عباده حقيقة، لأنه أعلم بهم من أنفسهم، و لكنه يكلّفهم ليظهر و يتميز المطيع المستحق للثواب من العاصي المستحق للعقاب بِكَلِمََاتٍ بأوامر و نواه فَأَتَمَّهُنَّ فامتثل و أطاع على أكمل وجه قََالَ اللّه سبحانه لإبراهيم: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً قدوة يأتمون بك في دينهم قََالَ إبراهيم لربّه: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رجاه أن يمنّ على بعض ذرّيته بالإمامة أيضا قََالَ سبحانه:

لاََ يَنََالُ عَهْدِي أي الإمامة اَلظََّالِمِينَ العاصين، و يدل هذا على أن الإمام يجب أن يكون معصوما.

125- وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ الكعبة مَثََابَةً لِلنََّاسِ مرجعا، و التاء للمبالغة من ثاب بمعنى رجع وَ أَمْناً من عذاب اللّه غدا لمن أدّى مناسك الحج على وجهها وَ اِتَّخِذُوا أمر مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ معروف للناس في الكعبة المكرمة مُصَلًّى صلّوا فيه مع الإمكان وَ عَهِدْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ أمرناهما أَنْ طَهِّرََا بَيْتِيَ من الأوثان و الخبائث لِلطََّائِفِينَ الذين يدورون حوله وَ اَلْعََاكِفِينَ المعتكفين فيه و المجاورين له وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ المصلّين عنده.

126- وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا إشارة إلى مكة بَلَداً آمِناً من الجبابرة و الغزاة و العواصف و الزلازل و نحو ذلك وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ حتى و لو أتتهم من الخارج لا من أرضهم مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ من آمن بدل بعض من أهله، ارزق يا اللّه المؤمنين من أهل مكة قََالَ سبحانه لخليله: وَ مَنْ كَفَرَ أي ارزق المؤمن و الكافر، لأن الرزق شي‏ء، و الإمامة أو الإيمان شي‏ء آخر فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً في الدنيا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ في الآخرة قالإعراب:

إِبْرََاهِيمَ مفعول مقدم، و رَبُّهُ فاعل مؤخر، و الضمير عائد على ابراهيم، و هو مؤخر لفظا متقدم رتبة، لأن رتبة الفاعل متقدمة على رتبة المفعول، و قال النحاة: لا يجوز تقديم الضمير لفظا و رتبة، لأن من شأنه أن يعود على سابق اما لفظا و اما رتبة، و لا يجوز أن يعود على متأخر لفظا و رتبة.

25

إِلى‏ََ عَذََابِ اَلنََّارِ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ العقاب غدا لمن عصى، و الثواب لمن أطاع أما الآن فالرزق لمن سعى له سعيه برا كان أو فاجرا.

127- وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ جمع قاعدة و هي الأساس مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ أي رفعا البناء على أسس البيت رَبَّنََا يقولان: يا ربّنا تَقَبَّلْ مِنََّا فيه دلالة على أنهما بنيا الكعبة مسجدا لا مسكنا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ لدعائنا اَلْعَلِيمُ بمقاصدنا.

128- رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ مستسلمين مخلصين وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ و قد استجاب سبحانه دعاءهما حيث جعل من ذرّيتهما المسلمين، و يبلغون الآن ألف مليون كما جاء في مجلة العربي الكويتية عدد جمادى الثانية سنة 1397 ص 50 وَ أَرِنََا مَنََاسِكَنََا عرفنا بمناسك الحج و غيرها من العبادات لنقوم بها على وجهها وَ تُبْ عَلَيْنََا هذا الطلب أو الرجاء هو ضرب من العبادة، و إن لم يكن هناك ذنب إِنَّكَ أَنْتَ اَلتَّوََّابُ القابل للتوبة اَلرَّحِيمُ بعبادك.

129- رَبَّنََا قال إبراهيم و إسماعيل: يا ربّنا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ في الأمة المسلمة رَسُولاً مِنْهُمْ و هو نبيّنا محمد (ص) الذي قال: أنا دعوة أبي إبراهيم و بشرى عيسى يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ القرآن الكريم وَ اَلْحِكْمَةَ الشريعة وَ يُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الإلحاد و الفساد إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ القوي اَلْحَكِيمُ في كل ما تفعل.

130- وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرََاهِيمَ لا يبتعد عن شريعة إبراهيم و طريقته التي هي الحق و الحقيقة إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أهانها و استخف بها وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنََاهُ فِي اَلدُّنْيََا اخترناه للنبوة و الرسالة وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ الفائزين بالعزّة و الكرامة.

131- إِذْ قََالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كناية عمّا يملك إبراهيم من عقل خالص اهتدى به إلى التوحيد قََالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ نظرت و علمت أنك خالق كل شي‏ء.

132- وَ وَصََّى بِهََا الهاء تعود إلى كلمة إبراهيم و هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ إِبْرََاهِيمُ بَنِيهِ إسماعيل من هاجر و إسحاق من سارة. و في التوراة أن له اسما ثالثا اسمه مديان من قنطورة وَ يَعْقُوبُ بن إسحاق أوصى بنيه بذلك و قال: يََا بَنِيَّ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ لَكُمُ اَلدِّينَ أعطاكم صفوة الأديان و هو دين الإسلام فَلاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اثبتوا على الإسلام حتى الموت.

133- أَمْ كُنْتُمْ شُهَدََاءَ حاضرين إِذْ حَضَرَ أي احتضر و رأى علامات الموت يَعْقُوبَ اَلْمَوْتُ و هو

26

ابن إسحاق بن إبراهيم إِذْ قََالَ لِبَنِيهِ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي يومى هذا السؤال إلى الخوف أن يرتدوا بعد وفاته كفارا قََالُوا نَعْبُدُ إِلََهَكَ وَ إِلََهَ آبََائِكَ إِبْرََاهِيمَ جدّ أبيهم وَ إِسْمََاعِيلَ عمّ أبيهم وَ إِسْحََاقَ جدّهم الأقرب إِلََهاً وََاحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مطيعون.

134- تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ مضت إلى ربّها لَهََا مََا كَسَبَتْ لا لغيرها وَ لَكُمْ مََا كَسَبْتُمْ لا تنفعكم حسنات الآباء و الأجداد وَ لاََ تُسْئَلُونَ عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ و لا هم يسألون عن أعمالكم.

135- وَ قََالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ أي قال اليهود للمسلمين أو للناس: كونوا يهودا، و قال النصارى:

كونوا نصارى تَهْتَدُوا تصيبوا طريق الهدى و الحق قُلْ يا محمد لليهود و النصارى: بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً و الحنيف المائل عن كل دين إلى دين الحقّ وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ و لا من اليهود و النصارى.

136- قُولُوا أيها المسلمون: آمَنََّا بِاللََّهِ هذا هو الأول و الأصل الأصيل في الدين القويم وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْنََا و هو القرآن، و الإيمان به إيمان بمحمد (ص) وَ مََا أُنْزِلَ إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ و الكتب السماوية لم تنزل إليهم جميعا، و إنما نزلت إلى إبراهيم و لكن صحة النسبة إلى الجميع بالنظر إلى أنهم متعبدون بها وَ اَلْأَسْبََاطِ و هم حفدة يعقوب من أبنائه الإثني عشر، و من الأسباط داود و سليمان و يحيى و زكريا وَ مََا أُوتِيَ مُوسى‏ََ التوراة وَ عِيسى‏ََ الإنجيل وَ مََا أُوتِيَ اَلنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ كالزبور المنزلة على داود لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ نؤمن بكل نبيّ يؤمن به محمد (ص) دون استثناء وَ نَحْنُ لَهُ للّه تعالى مُسْلِمُونَ معترفون بوحدانيته.

137- فَإِنْ آمَنُوا اليهود و النصارى و المشركون بِمِثْلِ مََا آمَنْتُمْ بِهِ إيمانا خالصا فَقَدِ اِهْتَدَوْا إلى الحق وَ إِنْ تَوَلَّوْا عن الدخول فيما دخلتم فَإِنَّمََا هُمْ فِي شِقََاقٍ في عناد للحق فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ هذا وعد من اللّه لنصرة الإسلام على أعدائه وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ يسمع أقوالهم اَلْعَلِيمُ يعلم أفعالهم.

قالإعراب:

تَهْتَدُوا مجزوم بجواب الأمر، و هو كُونُوا ، لأن فيه معنى الشرط، أي إن تكونوا على اليهودية و النصرانية تهتدوا، و لفظ ملة منصوب بفعل محذوف، أي نتبع مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ ، و حَنِيفاً حال من ابراهيم، و لفظ صبغة اللّه منصوب على المصدر، أي صبغنا صبغة اللّه، و صبغة من قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ صِبْغَةً تمييز محول عن المبتدأ، أي و من صبغته أحسن من صبغة اللّه.

27

138- صِبْغَةَ اَللََّهِ دين اللّه أو فطرته التي فطر الناس عليها وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ صِبْغَةً أبدا لا دين إلا ما أنزله اللّه وَ نَحْنُ لَهُ عََابِدُونَ وحده لا شريك له.

139- قُلْ يا محمد لليهود و غيرهم أَ تُحَاجُّونَنََا فِي اَللََّهِ لما ذا اصطفى نبيا من العرب دون غيرهم أو محمدا بالخصوص دون سواه من العرب وَ هُوَ رَبُّنََا وَ رَبُّكُمْ خلقنا جميعا و علينا أن نسمع و نطيع بلا سؤال و جدال وَ لَنََا أَعْمََالُنََا نحن مسؤولون عنها من دونكم وَ لَكُمْ أَعْمََالُكُمْ أنتم مسؤولون عنها دون غيركم وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ إيمانا و عملا.

140- أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبََاطَ كََانُوا هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ إن هذا القول جهالة و ضلالة قُلْ يا محمد لهؤلاء: أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ من اللّه بعباده و أنبيائه أَمِ اَللََّهُ ليس هذا سؤالا، بل توبيخا حيث لا محل للسؤال إطلاقا وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهََادَةً عِنْدَهُ مِنَ اَللََّهِ كتم اليهود ما جاء في توراة موسى، و كتم النصارى ما جاء في إنجيل عيسى كل ما يتصل بمحمد (ص) و صفاته وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ من كتمان الحق و غيره.

141- تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهََا مََا كَسَبَتْ وَ لَكُمْ مََا كَسَبْتُمْ وَ لاََ تُسْئَلُونَ عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ تقدم بالحرف في الآية 134.

142- سَيَقُولُ اَلسُّفَهََاءُ مِنَ اَلنََّاسِ و هم اليهود:

مََا وَلاََّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ اَلَّتِي كََانُوا عَلَيْهََا كان النبيّ و المسلمون يتوجّهون في صلاتهم إلى بيت المقدس بأمر اللّه تعالى، ثم نسخ هذه القبلة، و حولها إلى الكعبة، فقال اليهود ساخرين: و لما ذا هذا التحول؟ قُلْ يا محمد: لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ الأرض كلها للّه، و لكن الحكمة تارة تستدعي الصلاة إلى بيت المقدس، و تارة إلى الكعبة.

143- وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً على الصراط الوسط العدل لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ يجب على علماء المسلمين أن يبلّغوا الناس رسالة محمد (ص) و بذلك يصبحون حجّة على من بلّغوه إذا أهمل و لم يعمل وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً و من أهمل من العلماء هذا التبليغ يكون محمد حجّة عليه غدا أمام اللّه وَ مََا جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْهََا بعد أن أمر اللّه نبيّه بالتحول من بيت المقدس إلى الكعبة ارتاب بعض من اسلم و قال: مرة هنا و مرة هناك قالإعراب:

مِنَ اَلنََّاسِ متعلق بمحذوف حال من السفهاء، لأن الظرف و المجرور بعد المعرفة يتعلق بالحال، و بعد النكرة بالصفة.

28

إِلاََّ لِنَعْلَمَ لنظهر لك و لغيرك مَنْ يَتَّبِعُ اَلرَّسُولَ ظاهرا و باطنا مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ و هو الذي يظهر الإسلام و يبطن العداء له و لرسوله، أما الطريق إلى إظهار حقيقته هذه فهو التشكيك في تحويل القبلة وَ إِنْ كََانَتْ القبلة الجديدة لَكَبِيرَةً إِلاََّ عَلَى اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ و هم أهل الإيمان المستقر الأصيل وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ أي ثباتكم على الإيمان إِنَّ اَللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لا يأمرهم بشي‏ء أو ينهاهم عنه إلا لمصلحة تعود عليهم دنيا و آخرة.

144- قَدْ نَرى‏ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمََاءِ إشارة إلى أن النبيّ (ص) كان يود من أعماقه أن تتحول القبلة إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم (ع) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا يعطيك ربك فترضى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ صلّ أنت و من اتّبعك إلى جهته و سمته وَ حَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أينما كنتم من بقاع الأرض فاتجهوا في صلاتكم إلى المسجد الحرام وَ إِنَّ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ لعلمهم بصدق محمد (ص) و رسالته وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا يَعْمَلُونَ من كتمان الحق و إنكاره.

145- وَ لَئِنْ أَتَيْتَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ اليهود و النصارى بِكُلِّ آيَةٍ برهان على أن الكعبة هي القبلة مََا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ فضلا عن ملّتك وَ مََا أَنْتَ بِتََابِعٍ قِبْلَتَهُمْ بحكم نبوّتك و رسالتك وَ مََا بَعْضُهُمْ بِتََابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ اليهود يستقبلون بيت المقدس و النصارى مطلع الشمس، و لا تترك طائفة ما هي عليه أبدا. وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ لقد عصم اللّه نبيّه عن صغار الذنوب فضلا عن كبارها، و لكن الغرض أن يسمع اليهود، و أن يتصلّب النبيّ في موقفه منهم حيث لا أمل فيهم إطلاقا.

146- اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْرِفُونَهُ الكثير من علماء اليهود و النصارى يعرفون أن محمدا رسول اللّه معرفة واضحة تماما كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمْ بلا شبهة و التباس وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ خصّ الفريق منهم ليستثني من آمن منهم كعبد اللّه بن سلام لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ بأنهم كاذبون.

قالإعراب:

يطلق الشطر، و يراد به القسم من الشي‏ء، و قيل: إذا أطلق يفهم منه النصف، فإذا قلت: شطرته شطرين معناه انك جعلته نصفين متعادلين، و أيضا يراد بالشطر الجهة و النحو، و هذا المعنى هو المقصود هنا.

29

147- اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ كل ما أنزل إليك يا محمد هو حقّ لا ريب فيه فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين في أن فريقا من أهل الكتاب يعلمون علم اليقين في أنّك على حقّ، و لكن يكابرون الحقّ و يعاندونه.

148- وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا لكل من اليهود و النصارى و المسلمين قبلة يتجهون إليها فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ بادروا إلى العمل لحياة أفضل، و دعوا غيركم و شأنه أَيْنَ مََا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً يوم القيامة فيثبت المحقّ و يعاقب المبطل إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ تعليل لإمكان البعث بعد الموت.

149- وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ في أي بلد كنت فَوَلِّ وَجْهَكَ و أنت تصلي شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الثابت الذي لا يزول بنسخ وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ هذا التكرار لمجرد التوكيد.

150- وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ حَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قد يكون لهذا التكرار مبرر خاص اقتضاه المقام آنذاك، أو قد يأتي في آخر الزمان من يدعو إلى قبلة غير المسجد الحرام. فقطع سبحانه عليه الطريق أو غير ذلك مما هو في علم اللّه لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إذا أنتم تركتم قبلتكم إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ و هم المعاندون في كل حال، و لا وزن لكلامهم فَلاََ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِي لا تأخذنّكم في الحقّ لومة لائم وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بمعرفة الحق و التوفيق للعمل به وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ و تتعاونون على ما فيه للّه رضى و لكم خير و صلاح.

151- كَمََا أَرْسَلْنََا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ أنعم سبحانه على العرب بواحد منهم، و هو محمد الذي جعلهم خلقا جديدا و مفيدا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِنََا التي تهدي إلى حياة أفضل وَ يُزَكِّيكُمْ يطهّركم من الشرك و مساوئ الأخلاق وَ يُعَلِّمُكُمُ اَلْكِتََابَ القرآن وَ اَلْحِكْمَةَ و هي وضع الشي‏ء في مكانه اللائق به وَ يُعَلِّمُكُمْ مََا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ يعلمكم الإسلام أشياء تجهلونها، و في ذات الوقت يحثّكم على طلب العلم، فتكتشفون آفاقا جديدة مفيدة.

152- فَاذْكُرُونِي بالطاعة أَذْكُرْكُمْ بالثواب وَ اُشْكُرُوا لِي ما أنعمت به عليكم وَ لاََ تَكْفُرُونِ لا تجحدوا فضلي و نوالي.

قالإعراب:

لِكُلٍّ متعلق بمحذوف خبر مقدم، و وِجْهَةٌ مبتدأ مؤخر، و المضاف اليه محذوف تقديره لكل فريق أو واحد، و هُوَ مُوَلِّيهََا مبتدأ و خبر، و الخيرات منصوب بنزع الخافض تقديره الى الخيرات.

30

153- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ أمر سبحانه بالصبر مرات و مرات لعظيم فوائده، و بخاصة الصبر في الجهاد، و كذلك كرر الأمر بالصلاة، لأنها عمود الدين.

154- وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتٌ بَلْ أَحْيََاءٌ وَ لََكِنْ لاََ تَشْعُرُونَ ينتقل الشهيد من حياة أدنى إلى حياة أعلى، من جوار الناس إلى جوار اللّه و رضوانه.

155- وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ نصيبكم إصابة تشبه فعل المختبر بِشَيْ‏ءٍ أي بقليل نسبة إلى ما هو أكثر و أعظم مِنَ اَلْخَوْفِ وَ اَلْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَنْفُسِ وَ اَلثَّمَرََاتِ أبدا لا نجاة لأحد من المخبّآت و النكبات، و الفرق أن الأرعن ينهار، و العاقل يتمالك صابرا محتسبا وَ بَشِّرِ اَلصََّابِرِينَ بأحسن العواقب، قال سبحانه: «وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصََّابِرِينَ /126 النحل» .

156- اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قََالُوا إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ قال أمير المؤمنين (ع) : قولنا: إنّا للّه إقرار على أنفسنا بالملك للّه تعالى، و قولنا: إنّا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك.

157- أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوََاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ أي عليهم رأفة بعد رأفة و رحمة بعد رحمة وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ إلى طريق الحقّ و الصواب.

158- إِنَّ اَلصَّفََا وَ اَلْمَرْوَةَ ربوتان بمكة يسعى الحاجّ بينهما مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ جمع شعيرة و هي العلامة فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ للحجّ و العمرة أحكام مفصّلة في كتب الفقه و المناسك فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا ضمير التثنية يعود إلى الصفا و المروة، و المراد بالطواف هنا السعى بينهما، و قوله تعالى: «فَلاََ جُنََاحَ» إشارة إلى أن السعيّ جائز و مشروع بغضّ النظر عن وجوبه أو استحبابه وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي من تبرّع بالسعي بين الصفا و المروة بعد تأدية الواجب فَإِنَّ اَللََّهَ شََاكِرٌ يثيبه على ذلك عَلِيمٌ بكل ما يأتي به العبد من خير أو شرّ.

159- إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلْهُدى‏ََ مِنْ بَعْدِ مََا بَيَّنََّاهُ لِلنََّاسِ فِي اَلْكِتََابِ ذكر سبحانه أوصاف محمد (ص) في التوراة و أمر الناس باتّباعه، و لم يدع في البيان موضعا للاشتباه، فكتم ذلك أحبار اليهود أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ يعذّبهم وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ من الملائكة و المؤمنين.

قالإعراب:

يََا أَيُّهَا أي منادى، و الهاء للتنبيه، و الذين عطف بيان لأي لأنها من الأسماء المبهمة التي تحتاج الى بيان، إما بالمضاف اليه مثل أي الرجلين، أو بالوصف و البدلية، و أَمْوََاتٌ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم أموات. وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، و النون للتوكيد، و مِنَ اَلْخَوْفِ متعلق بمحذوف صفة لشي‏ء.

31

160- إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا ندموا على جريمة الكتمان وَ أَصْلَحُوا أخلصوا في مقاصدهم وَ بَيَّنُوا صراحة ما كانوا قد كتموه و أخفوه من قبل فَأُولََئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ من تاب من الذنب كمن لا ذنب له وَ أَنَا اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ أقبل التوبة من كل تائب و أرحمه و أثيبه.

161- إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ أبدا لا يعذّب اللّه أحدا إلاّ من مات مصرّا على الكفر و المعصية أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اَللََّهِ بإيجاب الغضب و العذاب وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ أحياء و أمواتا.

162- خََالِدِينَ فِيهََا لاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذََابُ لأنهم هم الذين أساؤوا لأنفسهم بالإصرار على الكفر وَ لاََ هُمْ يُنْظَرُونَ لا يمهلون و إذا استغاثوا لا يغاثون.

163- وَ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لا يسمّى غيره إلها كائنا من كان و يكون بل و لا ربع إله اَلرَّحْمََنُ اَلرَّحِيمُ وليّ كل نعمة و رحمة حتّى و لو كانت في العبد، لأنه تعالى هو الأصل و المصدر.

164- إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ اَلْفُلْكِ اَلَّتِي تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِمََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ... إلى آخر الآية. و خلاصة المعنى أن النظام الدقيق المحكم بين الأجرام السماوية و العوالم الأرضية لا يفسّر تفسيرا مقنعا إلاّ بوجود قادر حكيم لأن «الفكرة المضادة حماقات» كما قال و يقول كل ذي عقل سليم.

165- وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْدََاداً أمثالا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللََّهِ قال الإمام الباقر (ع) :

المراد بالأنداد هنا «أئمة الظلم و أشياعهم يحبّونهم، و يعظّمونهم و ينقادون لهم» من دون اللّه وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ لأنهم لا يشركون أحدا في طاعته، و الثقة به، و التوكّل عليه قالإعراب:

إِلََهُكُمْ مبتدأ خبره إِلََهٌ ، و وََاحِدٌ صفة لإله، و لاََ إِلََهَ مبني على الفتح اسم لا النافية للجنس، و خبرها محذوف تقديره لا إله موجود إِلاََّ هُوَ ، و الجملة خبر ثان، و هو بدل من اسم لا، و رفع تبعا للمحل، و قيل هو بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و هو موجود، اَلرَّحْمََنُ اَلرَّحِيمُ خبر ثالث لإلهكم، أو لمبتدأ محذوف تقديره هو الرّحمن الرّحيم.

دون ظرف مكان، تقول: قعد فلان دون زيد، أي في مكان منحط عن مكانه، و يستعمل لفظ دون بمعنى ردي‏ء، و بمعنى غير مجازا، و هذا هو المراد من قوله تعالى من دون اللّه، أي من غير اللّه.

كَحُبِّ اَللََّهِ الكاف بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف، تقديره يحبونهم حبا مثل حب اللّه، و أشد خبر الذين آمنوا، و حبا تمييز، و أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ بفتح همزة أن، و المصدر المنسبك منها و مما بعدها مفعول يرى، و جميعا حال، وَ أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعَذََابِ عطف على ان القوة للّه، و التقدير لو يرى الذين ظلموا قوة اللّه، و و شدة عذابه، و جواب لو يرى محذوف دلّ عليه سياق الكلام، و التقدير لعلموا ان اللّه لا شريك له و لا ند.

32

وَ لَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذََابَ لو علم الذين أشركوا باللّه بما سيحلّ بهم من العذاب أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً لا سلطان لأحد سواه وَ أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعَذََابِ و بالخصوص على من جعل له أندادا و شركاء و لو علموا بذلك لما أشركوا.

166- إِذْ تَبَرَّأَ يوم القيامة اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا الرؤساء مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا الأتباع وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ هؤلاء و أولئك وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبََابُ العلاقات و الصداقات 167- وَ قََالَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا الأتباع: لَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً عودة إلى دار الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمََا تَبَرَّؤُا مِنََّا كل فاسد يتمنّى حين تنكشف له الحقائق أن يصلح ما كان أفسد كَذََلِكَ يُرِيهِمُ اَللََّهُ أَعْمََالَهُمْ حَسَرََاتٍ عَلَيْهِمْ ثمرة التفريط الكآبة و الندامة وَ مََا هُمْ بِخََارِجِينَ مِنَ اَلنََّارِ بل هم فيها خالدون.

168- يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ كل الناس كُلُوا مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ حَلاََلاً طَيِّباً و طاهرا إلاّ إذا كان على حساب الآخرين وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ الذي يأمركم بالكفر و أكل المال الحرام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ و أيّ عدوّ أشدّ و ألدّ ممن يقودك إلى نار الجحيم. ؟ 169- إِنَّمََا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ بكل قبيح و رذيلة وَ اَلْفَحْشََاءِ و بكل فساد و جريمة وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ فتحلّلوا الحرام و تحرّموا الحلال تبعا للأهواء.

170- وَ إِذََا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ من الحقّ و العدل قََالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مََا أَلْفَيْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا حتى و لو كانوا على ضلال مبين أَ وَ لَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لاََ يَهْتَدُونَ لا بأس على الإنسان أن يقلّد الآباء و غير الآباء فيما فيه للّه رضا و للناس خير و صلاح.

171- وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بالحقّ و تعصّبوا للآباء الضالين المضلين كمثل البهائم، أما مثل الذي يدعو هؤلاء الكفّار إلى الحقّ فهو كَمَثَلِ اَلَّذِي يَنْعِقُ يصيح بِمََا لاََ يَسْمَعُ اي بالبهائم إِلاََّ دُعََاءً وَ نِدََاءً لا تفهم البهائم من صياح الداعي إلى الحقّ و كلامه إلاّ مجرد الصوت من غير وعي قالإعراب:

حَلاََلاً حال من الموصول المجرور بمن، و هو قوله: مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ ، و طَيِّباً صفة لحلال، و ألفينا لم تتعدهن الى مفعولين، لأنها بمعنى وجدنا.

دُعََاءً مفعول يسمع، و صمّ خبر مبتدأ محذوف.

33

و فهم صُمٌّ تماما كمن لا يسمع بُكْمٌ و لا ينطق عُمْيٌ و لا يبصر فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ و إن ظهروا للعيان في مظهر العقلاء

172- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ... إلى آخر الآية، و في الحديث يقول اللّه سبحانه: أنا أخلق و يعبد غيري، و أنا أرزق و يشكر غيري.

173- إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ و هي كل حيوان مات من غير تذكية شرعية وَ اَلدَّمَ المتميّز عن اللحم، لأن ما يختلط باللحم معفوّ عنه وَ لَحْمَ اَلْخِنْزِيرِ و شحمه أيضا و جميع أجزائه، و خصّ اللحم بالذكر، لأنه أظهر الأجزاء التي ينتفع بها وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ و هو ما ذكر عليه حين الذبح غير اسم اللّه سواء أذبح للأصنام أم لغيرها فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ الباغي من يفعل الحرام من غير ضرورة وَ لاََ عََادٍ و العادي من يتجاوز مقدار الضرورة و قد اشتهر بين الفقهاء: الضرورة تقدّر بقدرها فَلاََ إِثْمَ لا حرج عَلَيْهِ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يحاسب العبد على ما يضطرّ إليه.

174- إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلْكِتََابِ عاد الكلام عن اليهود وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً يكتمون الحق و يحرّفون لا لشي‏ء إلاّ لمنفعتهم الشخصية أُولََئِكَ مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنََّارَ لأن من يأكل ما يؤدي إلى النار فكأنه أكل النار وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كناية عن إعراضه عنهم و غضبه عليهم وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ من الذنوب بالمغفرة التي تطهرهم منها وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ جزاء وفاقا.

175- أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ آثروا الغواية على الهداية وَ اَلْعَذََابَ بِالْمَغْفِرَةِ و أيضا آثروا غضب اللّه على مرضاته فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ أي ما أجرأهم على عذاب النار بجرأتهم على معصية اللّه.

176- ذََلِكَ إشارة إلى العذاب بِأَنَّ اَللََّهَ نَزَّلَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ بيان لسبب العذاب وَ إِنَّ اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي اَلْكِتََابِ لَفِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ الذين اختلفوا فيما بينهم في القرآن: هل هو سحر أو شعر أو أساطير هم أبعد الناس عن الحقّ 177- لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ الخطاب لأهل الكتاب، لأن اليهود كانت تصلي إلى ناحية المغرب أي بيت المقدس، و النصارى إلى المشرق قالإعراب:

أُولََئِكَ مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنََّارَ : أولئك مبتدأ، و ما بعدها خبر، و الجملة من المبتدأ و الخبر خبران.

34

وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ أي البار مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وحده لا شريك له وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ و الإيمان بهم إيمان بالوحي و الواقع.

المنزل على سيّد الأنبياء وَ اَلْكِتََابِ كل كتاب من عند اللّه وَ اَلنَّبِيِّينَ الذين يؤمن محمد بنبوّتهم وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ قال ابن مسعود: معناه أن تؤتي المال و أنت تأمل أن تعيش و تخشى الفقر ذَوِي اَلْقُرْبى‏ََ قرابة صاحب المال أحقّ بالصلة وَ اَلْيَتََامى‏ََ الذين لا مال لهم و لا كفيل وَ اَلْمَسََاكِينَ و هم أهل الحاجة، و لكن لا يمدّون يد المذلّة وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ هو الذي انقطع في السفر و لا يستطيع العودة إلى وطنه من غير عون وَ اَلسََّائِلِينَ الطالبين للصدقة عن فقر و عجز وَ فِي اَلرِّقََابِ أي في تحرير العبيد من الرق وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ تزكية للنفس وَ آتَى اَلزَّكََاةَ تزكية للبدن وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذََا عََاهَدُوا سواء أ كان العهد بين اللّه و الإنسان كاليمين و النذر أم كان بين إنسان و إنسان كالبيع و الدين وَ اَلصََّابِرِينَ أي أخصّ الصابرين بالمدح و الثناء لفضلهم فِي اَلْبَأْسََاءِ الفقر وَ اَلضَّرََّاءِ المرض و غيره من المصائب وَ حِينَ اَلْبَأْسِ وقت القتال و الجهاد أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا إشارة إلى الذين استجمعوا هذه الخصال وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ لغضب اللّه و عذابه بإيمانهم الخالص و أعمالهم الصالحة.

178- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ فرض عليكم اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ المساواة بحيث يفعل في القاتل العامد ما فعل في المقتول اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ اَلْأُنْثى‏ََ بِالْأُنْثى‏ََ المعنى واضح و هو اعتبار المساواة في القصاص حتى في الحرية و العبودية و الأنوثة و الذكورة. و تجدر الإشارة هنا إلى أن الآية دلت بمنطوقها على أن المساواة مشروعة في القصاص في هذه الأصناف الثلاثة بحيث يقتل كل واحد واحدا مثله، و سكتت عن قتل الحر عبدا و بالعكس، و قتل الذكر أنثى و بالعكس، و عليه فلا بد من الرجوع إلى دليل آخر في ذلك فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ الضمير في «له و أخيه» يعودان إلى القاتل، و المعنى إذا رضي ولي الدم بأخذ الدية، و لم يصر على القصاص فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ فينبغي أن يقابل القاتل هذا العفو عن قتله بعرفان الجميل وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ و يؤدي الدية كاملة بلا مطل و تأخير ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص أو العفو، و على أهل الإنجيل العفو أو الدية أما أنتم أيها المسلمون فمخيّرون بين القصاص و الدية و العفو عنهما معا فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ بَعْدَ ذََلِكَ بأن قتل بعد أخذ الدية أو العفو فَلَهُ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي نوع خاص من الشدة.

179- وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ في القصاص ردع عن القتل و صيانة للأرواح لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل خوفا من القتل.

35

180- كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ كتب هنا ليست بمعنى فرض، بل بمعنى يوصيكم اللّه على سبيل الرجحان إذا رأى أحدكم أمارات الموت و دلائله إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا اَلْوَصِيَّةُ نائب فاعل كتب لِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ أي الشي‏ء الذي يعرفه العقلاء أنه لا جور فيه و لا حيف حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ أي أثر تقوى اللّه و مرضاته، و قال السنة: هذه الآية منسوخة بحديث «لا وصية لوارث» و قال الشيعة: هذا الحديث لم يثبت، و على فرض ثبوته فإن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد.

181- فَمَنْ بَدَّلَهُ أي الإيصاء بَعْدَ مََا سَمِعَهُ أي حرّفه بعد العلم به فَإِنَّمََا إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ تهديد و وعيد لمن حرّف و زيّف الوصايا بشتى أنواعها إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بأفعالكم.

182- فَمَنْ خََافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً انحرافا عن طريق الحق و العدل في الوصية أَوْ إِثْماً أي تعمد الموصي الباطل فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي بين الورثة و الموصي لهم، و المعنى إذا تجاوز الموصي الحد الشرعي، و أوصى بأكثر من الثلث مثلا فللصالح المصلح أن يبدل الوصية على أساس الدين و الشرع فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ لأنه ناصر الحق و العدل إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه إيماء إلى أن إصلاح الوصية الفاسدة الباطلة هي خير للموصي و الموصى له.

183- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فرض عليكم كما فرض على الأنبياء و أممهم من لدن عهد آدم إلى عهدكم فاتقوا اللّه في المحافظة على الصيام و تعظيمه.

184- أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ قلائل و معلومات، و هي أيام شهر رمضان المبارك فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً بالفعل أو صحيحا يضر به الصوم أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ بالشروط المذكورة في كتب الفقه فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ أي فعليه أن يصوم عدد أيام المرض و السفر من شهر آخر غير رمضان، و الإفطار في السفر و المرض عزيمة لا رخصة، لأن اللّه سبحانه أوجب القضاء بنفس السفر و المرض من حيث هما لا من حيث الإفطار وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي يقدرون على الصيام، و لكن مع الشدة و المشقة كالشيخ و الشيخة أو من عطش عطشا شديدا، فلهؤلاء أن يفطروا و يكفّروا عن كل يوم فِدْيَةٌ طَعََامُ مِسْكِينٍ و لا قضاء عليه فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي أطعم أكثر من مسكين أو أطعم مسكينا أكثر مما يجب فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ زيادة الخير خير وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ الصوم مع تحمل المشقّة أفضل عند اللّه من الإفطار مع الفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تأكيد على أفضلية الصوم.

185- شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هذا بيان لمكان الشهر المبارك و عظمته هُدىً لِلنََّاسِ إلى الحق،

36

و هدى حال من القرآن بمعنى «هاديا» وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ آيات تهدي لحياة أفضل وَ اَلْفُرْقََانِ تفرق آيات القرآن بين الخير و الشرّ و الحق و الباطل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ حضر و أقام و لم يسافر في شهر رمضان فَلْيَصُمْهُ أي يصوم فيه و لا يفطر وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ أعاد ذكر السفر و المرض لمجرد التأكيد يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ شريعة اللّه سمحة و سهلة تليق بعظمته و رحمته، و اتفق الفقهاء على أن نفي الحرج في الدين أصل عام لا خاص وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ أيام شهر رمضان و أيام قضائها أيضا وَ لِتُكَبِّرُوا اَللََّهَ عَلى‏ََ مََا هَدََاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المراد بالتكبير عندنا عقيب أربع صلوات و هي صلاة المغرب، و العشاء ليلة الفطر و صلاة الصبح و العيد.

186- وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي أ قريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فقل لهم: إنه يقول: فَإِنِّي قَرِيبٌ بعلمي أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ بصدق و إخلاص فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة و الانقياد وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لا بمنافعهم الشخصية لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ يهتدون إلى الحق و العمل.

187- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيََامِ لا في نهاره اَلرَّفَثُ إِلى‏ََ نِسََائِكُمْ كناية عن الجنس هُنَّ لِبََاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبََاسٌ لَهُنَّ من لابسه بمعنى خالطه و عرف باطنه عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ كان النكاح في رمضان محرما ليلا و نهارا، و كان بعض الشباب ينكحون في الليل سرا، فنزلت هذه الآية فَتََابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفََا عَنْكُمْ رحمة بكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ بلا خوف من الحساب و العقاب وَ اِبْتَغُوا مََا كَتَبَ اَللََّهُ لَكُمْ من إباحة التمتع بعد الحظر وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا كان الأكل و الشرب حراما في ليل رمضان بعد النوم، فأصبحا حلالا كالنكاح حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ و هو أول ما يبدو من الفجر مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ و هو ما تمتد معه ظلمة الليل مِنَ اَلْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض.

ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيََامَ إِلَى اَللَّيْلِ يبتدئ الصيام بنهاية الليل، و ينتهي بدخوله وَ لاََ تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عََاكِفُونَ فِي اَلْمَسََاجِدِ من حبس نفسه ثلاثة أيام في المسجد الجامع منقطعا للعبادة، فلا يسوغ له في خلال هذه المدة ان يخرج من المسجد لمباشرة زوجته حيث تحرّم النساء عليه إطلاقا تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ فَلاََ تَقْرَبُوهََا ابتعدوا عما حرّم اللّه قالإعراب:

دَعََانِ بياء المتكلم، و قد حذفت للتخفيف، تماما. كقوله تعالى: فإياي فاعبدون، أي فاعبدوني.

37

كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ آيََاتِهِ لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ليس الغرض من نزول القرآن مجرد الحفظ و التلاوة، بل التدبر و العمل.

188- وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ لا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلا بسبب مشروع وَ تُدْلُوا بِهََا تدفعوها إِلَى اَلْحُكََّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مبلغا مِنْ أَمْوََالِ اَلنََّاسِ بِالْإِثْمِ كشهادة الزور و الرشوة وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم تأكلون الباطل.

189- يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ لما ذا تنقص و تزيد؟ قُلْ هِيَ مَوََاقِيتُ لِلنََّاسِ وَ اَلْحَجِّ إن الحكمة من ذلك تعود إلى مصالح الناس في أمورهم الدنيوية كالديون و الإيجارات و أمورهم الدينية كالحج و الصوم وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا كان الجاهلي إذا أحرم ناسكا لا يدخل بيته من بابه، بل ينقب في ظهر البيت، و يدخل من النقب و يخرج، فنهى سبحانه عن ذلك و قال: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ اللّه في التخلي عن المعاصي و الرذائل وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا حسب الأصل و العادة المألوفة وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ظافرين بفرحة الثواب.

190- وَ قََاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ أي من أجل المبدأ و العقيدة الحقة و الوطن و الحرية اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَكُمْ معتدين على دينكم و حريتكم و وطنكم وَ لاََ تَعْتَدُوا على من لا يعتدي عليكم إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ بل يكرههم و يلعنهم بعذاب أليم.

191- وَ اُقْتُلُوهُمْ المعتدين حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أينما وجدتموهم وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها، و فعل ذلك رسول اللّه (ص) يوم فتح مكة بمن لم يسلم منهم. وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ المراد بالفتنة هنا: الإصرار على الشر و الإلحاد و العدوان على العباد وَ لاََ تُقََاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ لا تبدأوهم إذا دخلوه حَتََّى يُقََاتِلُوكُمْ فِيهِ و البادئ أظلم فَإِنْ قََاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ لأنهم انتهكوا حرمة المسجد الحرام كَذََلِكَ القتل جَزََاءُ اَلْكََافِرِينَ المعتدين.

192- فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بمن تاب و آمن و عمل صالحا.

قالإعراب:

لِلنََّاسِ متعلق بمحذوف صفة للمواقيت، و الباء في بأن تأتوا زائدة، لأنها وقعت بعد النفي، و المصدر المنسبك في موضع نصب خبر ليس.

يُقََاتِلُوكُمْ منصوب بأن بعد حتى، و المصدر المنسبك مجرور بحتى متعلق بيقاتلوكم، و مثله حتى لا تكون فتنة.

38

193- وَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ أي حتى تمحى عبادة الأصنام من الجزيرة العربية وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلََّهِ لا للشرك و الأصنام فَإِنِ اِنْتَهَوْا عن الشرك و عبادة الأصنام فَلاََ عُدْوََانَ إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ الذين يعتدون يصرّون على العدوان.

194- اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ أي لا قتال في الشهر الحرام ابتداء، أما من أعلن الحرب و قاتل فيه فإنه يحارب و يقاتل ردعا و دفاعا وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ من ينتهك حرمات اللّه في الشهر الحرام يسوغ أن يؤدّب و يقتصّ منه في الشهر المحرم و الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، و ذو الحجّة و محرم و رجب فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ بلا زيادة أو نقصان وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ في حال كونكم منتصرين و لا تتجاوزوا إلى ما لا يحل.

195- وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ من أموالكم في الجهاد و البر و الإحسان وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ بترك الجهاد و إمساك المال عن المجاهدين و البر و الإحسان وَ أَحْسِنُوا في الجهاد و بذل المال مقتصدين لا مبذرين و لا مقترين إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ المعتدلين في كل الأمور.

196- وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلََّهِ بشروطهما و أركانهما لوجه اللّه تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فإن طرأ طارئ، و أنتم محرمون لحج أو عمرة، و تعذر عليكم المضي حتى النهاية فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ أي اذبحوا بعيرا أو بقرة أو شاة وَ لاََ تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ الخطاب للمحصورين الذين منعوا من إتمام الحجّ أو العمرة، و عليهم أن لا يحلوا من إحرامهم حَتََّى يَبْلُغَ اَلْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي حتى يعلموا أن الهدي الذي بعثوه قد بلغ المكان الذي يجب فيه الذبح فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيََامٍ ثلاثة أيام أَوْ صَدَقَةٍ إطعام ستة مساكين أَوْ نُسُكٍ التضحية بشاة-على الأقل- فَإِذََا أَمِنْتُمْ لم يمنعكم مانع من إكمال الحج فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ أي من أتى بالعمرة، ثم حجّ بعدها في نفس السنة فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ فعليه أن يضحّي بما تيسّر، و هذا النوع من الحج هو المعروف بحج التمتع فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيََامُ ثَلاََثَةِ أَيََّامٍ فِي اَلْحَجِّ و لا يشترط فيها الإقامة وَ سَبْعَةٍ إِذََا رَجَعْتُمْ إلى وطنكم تِلْكَ عَشَرَةٌ كََامِلَةٌ توكيد على صيامها و إتمامها ذََلِكَ هذا الحكم قالإعراب:

اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ . الأشهر الحرم أربعة: ثلاثة منها متتابعة، و هي ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و شهر واحد فرد، و هو رجب، و انما سميت هذه الأشهر حرما، لتحريم القتال فيها في الجاهلية و الإسلام، فلقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه في هذه الأشهر، و لا يتعرض له بسوء.

39

لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حََاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ يجري هذا الحكم على غير أهل مكة وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ في المحافظة على أمره و نهيه وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ لمن خالف و تعدى حدوده.

197- اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ و هي شوال و ذو القعدة و العشر الأول من ذي الحجة، فمن أحرم فيها صحّ منه الحجّ، و أتى ببقية الأعمال في وقتها فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اَلْحَجَّ أي ألزم نفسه بالحج في هذه الأيام فَلاََ رَفَثَ يحرم عليه الجماع وَ لاََ فُسُوقَ لا كذب وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ و هو قول لا و اللّه و بلى و اللّه وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ هذا حث على أفعال الخير و البرّ وَ تَزَوَّدُوا إلى يوم الحساب فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ فيها تطهر النفس من دنس الخطايا وَ اِتَّقُونِ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ خافوا من عقابي، و من لم يقه عقله من العذاب فهو كمن لا عقل له.

198- لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ لا بأس بالتجارة أيام الحج ما دامت لا تتنافى مع أعماله فَإِذََا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفََاتٍ مكان معروف، و المراد بالإفاضة هنا الخروج فَاذْكُرُوا اَللََّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرََامِ و هو المكان المعروف بالمزدلفة، و الوقوف فيها واجب تماما كالوقوف في عرفات وَ اُذْكُرُوهُ بالتسبيح و التحميد و نحوه كَمََا هَدََاكُمْ لدين الحق وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلضََّالِّينَ لا تعرفون كيف تذكرون اللّه و تعبدونه.

199- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ قيل:

إن قريشا كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات ترفعا و تكبرا، فأمر اللّه نبيّه أن يساوي بينهم و بين سائر الناس وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن طلب منه المغفرة و الرحمة بصدق و إخلاص.

200- فَإِذََا قَضَيْتُمْ مَنََاسِكَكُمْ و هي واجبات الحج فَاذْكُرُوا اَللََّهَ دون سواه كَذِكْرِكُمْ آبََاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً كانوا إذا فرغوا من الحجّ يذكرون مفاخر الآباء، فقال لهم سبحانه: دعوا هذا إلى ذكر اللّه و نعمه فَمِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يطلب خير الدنيا فقط و يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ من نصيب.

قالإعراب:

قال صاحب مجمع البيان: «أي ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة الى الحج ليس لأهل مكة، و من يجزي مجراها، و انما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، و هو من يكون بينه و بينها أكثر من اثني عشر ميلا من كل جانب» .. و قال فقهاء الإمامية: إن حج التمتع فرض للبعيد عن مكة، و لا يجوز له ان يحج حج القران و الإفراد، و القرآن و الإفراد فرض لأهل مكة و ضواحيها، و لا يجوز أن يحجوا حج التمتع، و التفصيل في كتب الفقه.

40

201- وَ مِنْهُمْ مَنْ يطلب خير الدنيا و الآخرة و يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً رزقا كريما وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً الجنة وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ بعفوك و رحمتك.

202- أُولََئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمََّا كَسَبُوا أي من جنس أعمالهم الصالحة وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ أي لا يشغله حساب هذا عن حساب ذاك.

203- وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ فِي أَيََّامٍ مَعْدُودََاتٍ و المراد بها أيام التشريق و هي 11 و 12 و 13 من ذي الحجة فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ لا يجب على الحاج المبيت بمنى ليلة 13 بشرط أن يخرج من منى يوم 12 بعد الزوال و قبل المغيب فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ في التعجيل وَ مَنْ تَأَخَّرَ حتى رمى في الثالث فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى‏ََ الصيد و قيل: لمن اتقى الكبائر وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ باجتناب المعاصي وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجازيكم على أعمالكم.

204- وَ مِنَ اَلنََّاسِ بعد أن ذكر سبحانه المؤمنين أشار إلى المنافقين مَنْ يُعْجِبُكَ يروقك قَوْلُهُ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا لأنه يطلب بكلامه المزخرف نصيبا من حطامها وَ يُشْهِدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ مََا فِي قَلْبِهِ من حب و خير وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصََامِ من أشد الناس عداوة للحق و أهله.

205- وَ إِذََا تَوَلََّى السلطة على الناس بقرينة الحرث و النسل سَعى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهََا يعمل بهواه وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ الزرع و غيره من وسائل الإنتاج وَ اَلنَّسْلَ ما تناسل من إنسان و حيوان وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْفَسََادَ و بخاصة العدوان على العباد.

206- وَ إِذََا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللََّهَ و لا تفسد في الأرض أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ تعاظم، و أصرّ على الظلم و الفساد، و هكذا كل مبطل يصعب عليه قول الحق فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ . فهي مصيره وَ لَبِئْسَ اَلْمِهََادُ الفراش.

207- وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ يبذلها اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ نزلت في مبيت عليّ على فراش رسول اللّه فاديا نفسه بنفسه وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ حيث كلّفهم بالجهاد، و عرضهم لثواب الشهداء.

قالإعراب:

و نقل صاحب تفسير المنار عن استاذه الشيخ محمد عبده انه رجح المعنى الثاني بقرينة قوله تعالى: وَ إِذََا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللََّهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ لأن الحاكم المستبد يكبر عليه أن يرشد الى مصلحة، أو يحذر من مفسدة، فهو يرى ان هذا المقام الذي ركبه يجعله أعلى الناس رأيا، و أرجحهم عقلا، بل يرى نفسه فوق الحق، كما انه فوق أهله في السلطة. فكيف يجوز لأحد أن يقول له: اتق اللّه.

41

208- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ بفتح السين و كسرها كَافَّةً جميعا، و المعنى كفوا بكاملكم عن الحرب و الأذى بشتى أنواعه وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تقدم في الآية 168 209- فَإِنْ زَلَلْتُمْ عن أمري بدخول السلم مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْكُمُ اَلْبَيِّنََاتُ أي من بعد علمكم بأن الدخول بالسلم واجب فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هذا تهديد و وعيد لمن يحيد عن الحق.

210- هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينظرون إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ أي أمره و بأسه فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ كناية عن شدة العذاب وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ تم الهلاك و التدمير وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ فيجزي عليها بالحق و العدل.

211- سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ الخطاب لمحمد (ص) كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ في التوراة تشهد على نبوّة محمد (ص) وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللََّهِ أي يحرّف آيات التوراة المنزلة من عند اللّه مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُ على علم بها فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ لمن حرّف و زيّف.

212- زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا حسنها الشيطان في أعينهم وَ يَسْخَرُونَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا لأنهم لم يبيعوا دينهم و ضميرهم للشيطان وَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ غدا تنعكس الآية حيث يسخر المؤمن من الكافر و الطيب من الخبيث وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ و تقدير.

213- كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً متفقين في الفطرة فاختلفوا فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بثواب اللّه وَ مُنْذِرِينَ بعقابه وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ كل نبيّ يبشّر و ينذر ناطقا بالوحي الذي أنزل إليه بالذات أو إلى من سبقه من الأنبياء لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين قالإعراب:

كَافَّةً منصوب على الحال من الواو في ادخلوا، و من الغمام متعلق بمحذوف صفة لظلل.

سَلْ في الأصل أسأل، فحذفت ألف الوصل من الأول، و الهمزة من الوسط للتخفيف، و كَمْ في موضع نصب مفعول ثان مقدم لآتيناهم، و اَلدُّنْيََا صفة للحياة، و بغير حساب متعلق بمحذوف حال.

42

و الحق بعد الاتفاق وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ يعني أن الناس كانوا أمّة واحدة، ثم اختلفوا قبل مجي‏ء الأنبياء و الذين أرسل اللّه إليهم الأنبياء ليزيلوا الخلاف-هم بالذات اختلفوا في الأنبياء بَغْياً بَيْنَهُمْ حرصا على مصالحهم.

فَهَدَى اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بالأنبياء لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ تعالى أي أن اللّه سبحانه وفق أرباب النوايا الصافية الخالصة إلى الإيمان بالحق الذي جاء به الأنبياء وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ و لا يشاء إلا لحكمة بالغة، و هي أن يكون الإنسان مؤهلا للهداية.

214- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أم هنا بمعنى بل، و الخطاب للصحابة الأول الذين كانوا مستضعفين في مكة وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ حيث لاقوا ألوانا من الأذى فصبروا مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسََاءُ جوعا و فقرا وَ اَلضَّرََّاءُ تقتيلا و تشريدا وَ زُلْزِلُوا أزعجوا إزعاجا شديدا حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ من شدة البلاء و مدته: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ لقد نفد الصبر أو كاد أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ عند تناهي الشدة تكون الفرحة، و عند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع) .

215- يَسْئَلُونَكَ يا محمد أصحاب الأموال مََا ذََا يُنْفِقُونَ و السؤال عن الإنفاق يتضمّن السؤال عن المنفق عليه، و لذا قال سبحانه لنبيّه: قُلْ لهم مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ من مال فَلِلْوََالِدَيْنِ الآباء و إن علوا وَ اَلْأَقْرَبِينَ الأقرب فالأقرب وَ اَلْيَتََامى‏ََ كل من لا أب له و لا مال وَ اَلْمَسََاكِينِ الفقراء وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ المسافر المنقطع عن أهله و ماله وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اَللََّهَ بِهِ عَلِيمٌ و ليس شي‏ء بخير من الخير إلا ثوابه.

216- كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ الجهاد لإحقاق الحق و إبطال الباطل وَ هُوَ كُرْهٌ مكروه كالخبز بمعنى المخبوز لَكُمْ وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً في الحال وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في العاقبة وَ عَسى‏ََ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً الآن وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ غدا وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ ما هو الصلاح و الفساد و الخير و الشرّ وَ أَنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ ذلك.

قالإعراب:

مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ حال من النبيين، و بالحق متعلق بمحذوف حال من الكتاب، و بَغْياً مفعول لأجله.

43

217- يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ بعث النبيّ (ص) بسرية من الصحابة فقتلت و أسرت و غنمت من المشركين، و كان ذلك في أول يوم من رجب الحرام، فسئل النبي: هل في الشهر الحرام قتال؟فقال سبحانه لنبيّه الكريم: قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ أي أن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير إذا كان هجوما و عدوانا لا دفاعا و تأديبا وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ كفر المشركون باللّه، و منعوا الناس عن الإيمان به وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ و أيضا صدّ المشركون المسلمين عن المسجد الحرام و التعبّد به للّه وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ و أخرجوا المسلمين من مكة أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ مما فعلته السريّة من القتال في الشهر الحرام وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ تقدّم في الآية 191 وَ لاََ يَزََالُونَ يُقََاتِلُونَكُمْ حَتََّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطََاعُوا الهدف الأول لأعداء الإسلام أن لا يبقى له عين و لا أثر، و من أجل هذا يقاتلون المسلمين بكل سلاح.

وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يترك الإسلام و العمل بشريعته فَيَمُتْ وَ هُوَ كََافِرٌ بلا توبة خالصة فَأُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فِي اَلدُّنْيََا لما يفوتهم من ثمرات الإسلام، وَ في اَلْآخِرَةِ أيضا لما يفوتهم من الثواب.

218- إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا مع الرسول من مكة إلى المدينة وَ جََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ في نصرة الإسلام و مقاومة أعدائه أُولََئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللََّهِ دنيا و آخرة، و من رجا عرف رجاؤه في عمله وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ نسألك اللهمّ الرحمة و المغفرة.

219- يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ القمار قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ في الخمر ذهاب المال و العقل، و القمار ذلّ و فقر وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ تذهب مع الريح كنشوة السكران و مواعيد الشيطان وَ إِثْمُهُمََا أي و عقاب الإثم في تعاطيهما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمََا و العبرة دائما بالأكبر و الأكثر، فما كان الضرر فيه أكثر فهو متروك، و ما كان النفع فيه أكبر فهو مطلوب. وَ يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ أي أنفقوا ما زاد عن حاجة العيال كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ التي فيها حكم الخمر و القمار و حكم الصدقة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ قالإعراب:

كُرْهٌ لَكُمْ ، أي مكروه لكم، أو ذو كره، وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا المصدر المنسبك من أن و ما بعدها فاعل عسى، و هي هنا تامة لا تحتاج الى خبر، و مثلها عَسى‏ََ أَنْ تُحِبُّوا ، و قِتََالٍ فيه مجرور بدل اشتمال من الشهر الحرام، و قِتََالٍ فِيهِ مرفوع مبتدأ، و فِيهِ متعلق بمحذوف صفة، و كبير خبر، وَ صَدٌّ مبتدأ، وَ كُفْرٌ بِهِ معطوف عليه، وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ أيضا مثله، و خبره أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ ، وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ مجرور عطفا على سبيل اللّه.

44

220- فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ أي نعمل لهما معا، و لا ننصرف بكلنا على إحداهما دون الأخرى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتََامى‏ََ الأوصياء على الأيتام سألوا النبيّ (ص) : ما هو حق الأيتام علينا؟فقال سبحانه لنبيه: قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ عليكم أن تراعوا مصلحتهم بكل دقة وَ إِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ لا تحرّموا على أنفسكم مخالطة الأيتام و مقاربة أموالهم إذا قصدتم الإصلاح في تربيتهم و إدارة ما يملكون وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ و يجزي من أساء بما عمل، و من أحسن بالحسنى وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لضيق عليكم في التكليف و تشدد في أمر اليتامى إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ قادر حَكِيمٌ في أفعاله.

221- وَ لاََ تَنْكِحُوا لا تتروّجوا اَلْمُشْرِكََاتِ الكافرات من غير أهل الكتاب حَتََّى يُؤْمِنَّ ينطقن بكلمة التوحيد وَ لَأَمَةٌ مملوكة مُؤْمِنَةٌ تقول: لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ عند اللّه سبحانه وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ بجمالها أو بفهمها و ثقافتها وَ لاََ تَنْكِحُوا الرجال اَلْمُشْرِكِينَ النساء المسلمات حَتََّى يُؤْمِنُوا و كذلك الحكم في الكتابي بضرورة الدين و إجماع المسلمين وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ مالا و ثقافة، و بكلمة لا تتروّجوا أيّها المسلمون مشركة ما دامت على الشرك، و لا تزوجوا مشركا ما دام على شركه أُولََئِكَ يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ إشارة إلى المشركين و المشركات، و المراد بالنار الكفر وَ اَللََّهُ يَدْعُوا إِلَى اَلْجَنَّةِ إلى الإيمان و العمل الصالح المؤدّيين إلى الجنّة وَ اَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ بعنايته و توفيقه وَ يُبَيِّنُ آيََاتِهِ أوامره و نواهيه لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يتّعظون.

222- وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ سألوا النبيّ (ص) : هل يباشرون النساء و هن في الحيض؟ قُلْ هُوَ أَذىً أي ضرر فَاعْتَزِلُوا اَلنِّسََاءَ فِي اَلْمَحِيضِ وَ لاََ تَقْرَبُوهُنَّ و نسب إلى اليهود أن الحيض و النقاء عندهم سواء حَتََّى يَطْهُرْنَ ينقطع الدم فَإِذََا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اَللََّهُ و ذلك إذا كنّ غير معتكفات و لا صائمات إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلتَّوََّابِينَ الذين لا يصرّون على الذنب وَ يُحِبُّ اَلْمُتَطَهِّرِينَ النظافة من الإيمان.

223- نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ و في اللغة: حرث قملاحظة:

اتفق المسلمون على انه لا يجوز للمسلم، و لا للمسلمة التزوّج ممن لا كتاب سماوي لأهل ملته، كعبدة الأوثان و الشمس و النيران، و ما الى ذلك، و بالأولى من لا يؤمن بشي‏ء.

و كذا لا يجوز للمسلم أن يتزوج من مجوسية، و بالأولى ان لا تتزوج المسلمة من مجوسي، و ان قيل بأن للمجوس شبهة كتاب.

45

الأرض: شقّها بالسكة فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنََّى شِئْتُمْ ذكر الرازي في تفسيره الكبير «نقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهنّ» وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ عملا تنتفعون به غدا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ فإن التقوى هي الحصن الحصين وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ للحساب و الجزاء وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ المخلصين بالجنّة

224- وَ لاََ تَجْعَلُوا اَللََّهَ عُرْضَةً لِأَيْمََانِكُمْ نهى سبحانه عن الجرأة عليه بالحلف به من غير ضرورة أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ اَلنََّاسِ إن اللّه نهاكم عن هذا اليمين لتكونوا أتقياء بررة، و مصلحين لا مفسدين وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم عَلِيمٌ بالكاذب و الصادق في يمينه.

225- لاََ يُؤََاخِذُكُمُ اَللََّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمََانِكُمْ و هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد اليمين و إنشائه مثل بلى و اللّه و لا و اللّه وَ لََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ و هو العزم و الجزم وَ اَللََّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ حيث لم يؤاخذكم بلغو الأيمان.

226- لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ الإيلاء: أن يحلف الزوج باللّه على ترك وطء زوجته مطلّقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إذا حدث ذلك من الزوج، و رفعت الزوجة الأمر إلى الحاكم الشرعي-أمهله الحاكم بعد الرفع إليه 4 أشهر، و بعد مضيّ هذه الأشهر يخيّره الحاكم بين الرجوع مع الكفّارة و بين الطلاق فَإِنْ فََاؤُ أي تمّ الرجوع و التكفير فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ عفا عمّا سلف رَحِيمٌ بعباده.

227- وَ إِنْ عَزَمُوا اَلطَّلاََقَ و حدث بالفعل فَإِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ يسمع صيغة الطلاق و يقبلها عَلِيمٌ بالضمائر و السرائر.

228- وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ على المطلّقة بعد الدخول و قبل اليأس أن تنتظر و تصبر عن التزويج بغير المطلق ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ واحدها قرء بضم القاف و فتحها. و يطلق تارة على حيض المرأة، و تارة على الطهر من حيضها، و هذا المعنى هو المراد هنا عند الإمامية و الشافعية وَ لاََ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ فِي أَرْحََامِهِنَّ من الولد أو من دم الحيض، و ذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ تهديد و وعيد لمن تكتم و تكذب فيما يعود إلى ما لا يعرف إلاّ من قبلها وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ من طلّق زوجته طلاقا رجعيا، له كل الحق في الرجوع إليها شاءت أم أبت ما دامت في العدّة فِي ذََلِكَ أي يرجع في الأجل المضروب للعدّة إِنْ أَرََادُوا الأزواج إِصْلاََحاً لا إضرار بالزوجة من الرجوع إليها وَ لَهُنَّ مِثْلُ اَلَّذِي عَلَيْهِنَّ قال الفقهاء: حقّه عليها أن تطيعه، و حقّها عليه أن ينفق عليها و لا يؤذيها بِالْمَعْرُوفِ المألوف بين الناس‏

46

وَ لِلرِّجََالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ و هي أن الطلاق بيده من دونها.

229- اَلطَّلاََقُ مَرَّتََانِ الطلاق ثلاث مرات لا مرّتان بضرورة الدين و نص القرآن الكريم، و لكن الطلاق الذي شرع اللّه فيه رجوع المطلّق إلى زوجته المطلقة هو الطلاق الأول و الثاني فقط، أما الطلاق الثالث فلا يحلّ الرجوع بعده، و حكمه ما أشار إليه سبحانه بقوله فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ تبقى حتى الموت بلا طلاق ثالث مع العشرة المعروفة المألوفة أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسََانٍ و إن طلّقها للمرّة الثالثة دفع لها المهر كاملا، و لا يسوغ له الرجوع إليها حتى تنكح زوجا غيره، و تأتي الإشارة وَ لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أيّها الازواج أَنْ تَأْخُذُوا مِمََّا آتَيْتُمُوهُنَّ من المهر شَيْئاً إِلاََّ أَنْ يَخََافََا الزوجان أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ هذا استثناء من عدم جواز الأخذ منهنّ عوضا عن الطلاق.

و حدود اللّه هنا هي الحقوق و الواجبات الزوجية تِلْكَ الأحكام الشرعيّة و الأحوال الزوجية الشخصية هي حُدُودُ اَللََّهِ فَلاََ تَعْتَدُوهََا تنتهكوها.

وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللََّهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ تفسيره واضح.

230- فَإِنْ طَلَّقَهََا مرّة ثالثة بعد المرّتين فَلاََ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الطلاق الثالث حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ نكاحا صحيحا و دائما لا منقطعا مع الدخول فَإِنْ طَلَّقَهََا الثاني أو مات عنها فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا أَنْ يَتَرََاجَعََا بعد العدة و بعقد جديد إِنْ ظَنََّا أَنْ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ من الحقوق الزوجية.

231- وَ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ أيّها المؤمنون فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي أوشكت عدّتهنّ أن تنقضي و تنتهي فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ راجعوهنّ بالحسنى قبل انتهاء العدّة أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو دعوهنّ و شأنهنّ وَ لاََ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرََاراً لِتَعْتَدُوا لا تراجعوهنّ بقصد الإيذاء و الاعتداء كما يفعل السفهاء وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا نفس المطلّقة و كفى وَ لاََ تَتَّخِذُوا آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً لا تستخفوا بأوامر قالإعراب:

فَإِمْسََاكٌ خبر مبتدأ محذوف، أي فالواجب عليكم إمساك بِمَعْرُوفٍ ، و المصدر من أن تأخذوا مرفوع فاعل لا يحل، و المصدر من أن يخافا مفعول لأجله لتأخذوا أي لا يحل الأخذ إلا لخوف عدم اقامة الحدود، و المصدر من أن يقيما مفعول به ليخافا، أي يخافا ترك إقامة الحدود، و المصدر من أن يتراجعا مجرور بفي محذوفة، و مصدر ان يقيما مفعول لظنا.

47

اللّه و نواهيه وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ فيما أباحه لكم من الأزواج و الأموال وَ مََا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلْكِتََابِ القرآن وَ اَلْحِكْمَةِ العلوم يَعِظُكُمْ بِهِ بالقرآن وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ بالطاعة و الشكر و ذكر النعم.

232- وَ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ انقضت عدّتهنّ و انتهت فَلاََ تَعْضُلُوهُنَّ لا تمنعوهنّ ظلما أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوََاجَهُنَّ من يخترن من الأزواج إِذََا تَرََاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ و نعم القرين الرضا ذََلِكَ الأمر و النهي يُوعَظُ بِهِ مَنْ كََانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ أن يتّعظ ببيان اللّه أهل الإيمان حقّا و صدقا ذََلِكُمْ الاتّعاظ و العمل بأحكام اللّه أَزْكى‏ََ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ من التمرّد على حكم اللّه وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ هذا حثّ على العمل بأحكام اللّه تعالى و إن جهلنا الحكمة و المصلحة.

233- وَ اَلْوََالِدََاتُ يُرْضِعْنَ فعل أمر بصيغة المضارع أي لترضع الأمّهات أَوْلاََدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كََامِلَيْنِ 24 شهرا، و الأمر هنا للندب لا للوجوب حيث يسوغ ترك الرضاع إلى غذاء آخر لا يقل نفعه عن حليب الأمّ. فإن حليبها وسيلة لا غاية.

لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضََاعَةَ أي أن مدّة الحولين ليست على سبيل الإلزام بل يسوغ أن تنقص إلى 21 شهرا كما تومئ الآية 15 من الأحقاف «وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً» فإذا طرحنا من الـ 30 تسعة مدة الحمل يبقى 21 وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ و هو والد الطفل رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ هذا النصّ واضح الدلالة على وجوب نفقة الزوجة لاََ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاََّ وُسْعَهََا لا يحقّ للزوجة أن تكلّف الزوج ما لا يطيق، و هو لا يسوغ له ذلك لاََ تُضَارَّ وََالِدَةٌ بِوَلَدِهََا وَ لاََ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ الضرر منفيّ في الإسلام بشتّى أشكاله و أنواعه، و عليه فلا يسوغ لأحد الأبوين أن يتّخذ من الولد و رضاعه أو حضانته وسيلة للإضرار بالآخر وَ عَلَى اَلْوََارِثِ مِثْلُ ذََلِكَ إذا مات والد الرضيع و ترك مالا، فأجرة الرضاع تخرج من سهم هذا الطفل الرضيع سواء أ كانت المرضعة أمّه أم غيرها.

فَإِنْ أَرََادََا الأبوان فِصََالاً فطام الطفل عَنْ تَرََاضٍ مِنْهُمََا وَ تَشََاوُرٍ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا للوالدين أن يفطما الطفل قبل استيفاء الحولين أو بعدهما إذا تمّ هذا الاتّفاق بينهما، قالإعراب:

ضرارا حال من الواو في تمسكوهن، و التقدير لا تمسكوهن مضارين، و يجوز أن يكون مفعولا من أجله، و هزوا مفعول ثان لتتخذوا، و المصدر من ينكحن مجرور بمن محذوفة، تقديره من نكاحهن، أزواجهن و ذلك مبتدأ خبره يوعظ به، و منكم متعلق بمحذوف حالا من الضمير في يؤمن، و جملة يؤمن خبر كان.

48

و كان ذلك غير مضرّ بالطفل وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاََدَكُمْ الخطاب للآباء فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِذََا سَلَّمْتُمْ مََا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ لا بأس عليكم أيّها الآباء أن تسترضعوا لأولادكم المراضع الأجنبيات إذا أنتم سلّمتم بأن الأم أولى و أحقّ شريطة أن ترضى بما رضيت به غيرها من الأجر أو التبرّع المجّاني.

234- وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ على من مات زوجها أن تعتدّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً أي و عشرة أيام، و حذفت التاء من عشرة تغليبا لليالي، و هذا الحكم يعمّ و يشمل كل زوجة دون استثناء إلاّ الحامل، فإن عدّتها أبعد الأجلين من وضع الحمل و 4 أشهر و 10 أيّام جمعا بين هذه الآية و الآية 4 من الطلاق: «وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» .

فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ انتهت عدّة الوفاة فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء أو المسلمون فِيمََا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من اختيار من يردن من الأزواج بِالْمَعْرُوفِ شرعا وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تهديد لمن يصدّ المرأة عن حلال اللّه.

235- وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ اَلنِّسََاءِ أباح سبحانه للرجل التلويح بالخطبة دون التصريح للمعتدة عدة الوفاة حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ كل ما يخطر في البال، و يعزم عليه القلب، فلا بأس به ما دام طيّ الكتمان عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ في أنفسكم، و لذا أباح لكم هذا التلويح وَ لََكِنْ لاََ تُوََاعِدُوهُنَّ سِرًّا لا يسوغ الكلام بما لا يليق بخاصة حين الانفراد إِلاََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً من شأنه أن يقال علانية وَ لاََ تَعْزِمُوا عزما تنشئون معه عُقْدَةَ اَلنِّكََاحِ حَتََّى يَبْلُغَ اَلْكِتََابُ أَجَلَهُ حتى تنتهي العدة وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ خافوا حسابه و عقابه.

236- لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ مََا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً من عقد على امرأة دون أن يسمّي لها مهرا في متن العقد، ثم طلّقها قبل الدخول، فلا شي‏ء قالإعراب:

اَلَّذِينَ مبتدأ، و يَتَرَبَّصْنَ الجملة خبر، و حذف الظرف، و هو بعدهم لظهوره، و عَشْراً بالتأنيث تغليبا لليالي على الأيام، منكم متعلق بمحذوف حال، و كذا فِيمََا عَرَّضْتُمْ ، و المصدر من أَنْ تَقُولُوا في موضع نصب على انه بدل من سرا.

49

لها عليه إلاّ المتعة التي أشار إليها سبحانه بقوله: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى اَلْمُوسِعِ الغني قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ الفقير قَدَرُهُ مَتََاعاً بِالْمَعْرُوفِ حدّد سبحانه مبلغ المتعة أي المنحة لهذه المطلّقة، بحال المطلّق يسرا و عسرا بحيث لا يسوغ في نظر العقلاء، أن تطلب المطلّقة أكثر من المبلغ الذي طابت به نفس المطلّق حَقًّا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون إلى أنفسهم في تأدية الحقّ إلى أهله.

237- وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مََا فَرَضْتُمْ من طلّق زوجته، و قد سمّى لها مهرا في متن العقد، فينظر إن كان الطلاق بعد الدخول فلها المهر المسمّى بالكامل و إلاّ فنصفه فقط إِلاََّ أَنْ يَعْفُونَ أي تسمح المطلّقة عن طيب نفس أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكََاحِ و هو الولي على القاصرة، و الشرط الأساس لتصرّفه عدم الإضرار بها وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ََ حثّ على التساهل و التسامح وَ لاََ تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ تخلّوا عن الشحناء و البغضاء و الإساءة، فإنها من عمل الشيطان.

238- حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ الخمس وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطى‏ََ ذكرها سبحانه بالخصوص بعد العموم لأهميّتها و اختلفوا في تعيينها، و الأشهر أنها صلاة العصر وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ قال الإمام الصادق (ع) : تشير إلى القنوت في الصلاة حال القيام.

239- فَإِنْ خِفْتُمْ عدوا أو غيره فصلّوا سيرا على الأقدام فَرِجََالاً أَوْ رُكْبََاناً على ظهور الدواب أو في السيارة أو الطائرة فَإِذََا أَمِنْتُمْ من الخوف فَاذْكُرُوا اَللََّهَ كَمََا عَلَّمَكُمْ أي صلّوا صلاة الآمن المختار مََا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ كيف تصلّون في الخوف و الأمن و السفر و الحضر.

240- وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً وَصِيَّةً... إلى آخر الآية التي تدل بجملتها أن على الزوج أن يوصي لزوجته قبل موته بأن ينفق عليها من تركته حولا كاملا إذا اختارت البقاء في بيته، كما كانت العادة عند العرب قبل الإسلام. ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى: «يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» .

241- وَ لِلْمُطَلَّقََاتِ مَتََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ هذه تأكيد للآية السابقة و هي قوله تعالى: «وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتََاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ» .

قالإعراب:

قََانِتِينَ حال من الواو في قوموا، فَرِجََالاً حال، أي فصلوا راجلين، و كما علمكم ما مصدرية متعلق باذكروا، أي اذكروا اللّه كتعليمه إياكم، و مََا لَمْ تَكُونُوا ما موصول في محل نصب مفعول ثان لعلمكم.

50

243- أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقََالَ لَهُمُ اَللََّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيََاهُمْ هؤلاء قوم وقع فيهم الطاعون، فخرجوا من ديارهم هاربين، فأماتهم اللّه، ثم أحياهم ليعتبروا و يعلموا أنه لا مفرّ من حكم اللّه إِنَّ اَللََّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنََّاسِ حيث يظهر من الآيات ما يعتبرون به.

244- وَ قََاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ و حيث لا مفرّ من الموت فالأفضل لكل إنسان أن يموت في ميدان الجهاد.

245- مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ لم يستقرض سبحانه على الحقيقة، كيف و هو الغنيّ الحميد، بل أراد أن يبلو عباده أيّهم أحسن عملا قَرْضاً حَسَناً أي التضحية بالنفس و المال في سبيل الخير لوجه اللّه و الخير.

فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً لا يبلغ إحصاءها إلاّ اللّه وَ اَللََّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ يضيق و يوسع، فلا تبخلوا أيّها الأغنياء بمال اللّه على ما يرضي اللّه.

246- أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ الخطاب ظاهرا للنبيّ (ص) و واقعا لكل من سمع أو قرأ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ بعد وفاته إِذْ قََالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ يوشع أو شموئيل و هو الأعرف اِبْعَثْ لَنََا مَلِكاً عيّن قائدا للجيش نأتمر بأمره نُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أعداء اللّه و الحقّ قََالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ أَلاََّ تُقََاتِلُوا أتوقع منكم الجبن و التخاذل إذا جدّ الجدّ قََالُوا وَ مََا لَنََا أَلاََّ نُقََاتِلَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ كلا، سنقاتل حتى النفس الأخير و كيف لا نضحّي بكل عزيز وَ قَدْ أُخْرِجْنََا مِنْ دِيََارِنََا وَ أَبْنََائِنََا يشيرون بهذا إلى ما كان من جالوت و قومه الذين غزوا بني إسرائيل، و سبوا ذراريهم فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ الذي طلبوه، و أصرّوا عليه تَوَلَّوْا جبنوا و تخاذلوا كما توقّع نبيّهم قالإعراب:

وَ هُمْ أُلُوفٌ جملة حالية، و حَذَرَ اَلْمَوْتِ مفعول من أجله.

مَنْ اسم استفهام، و المراد بها هنا الطلب، و محلها الرفع بالابتداء، و ذا خبر، و الذي بدل، و قَرْضاً مفعول مطلق، و يجوز أن يكون مفعولا به بمعنى المال المقرض، و فيضاعفه منصوب بأن مضمرة، و يجوز الرفع عطفا على يقرض، و أضعافا حال من الهاء في يضاعفه ، و يجوز أن يكون مفعولا مطلقا بمعنى المضاعفة. ـ