مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
5

مقدمة الكتاب‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

مقدمة

في سنة أربع و ثمانين و مائتين ولد بمدينة أصفهان علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد اللّه بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي. و نشأ ببغداد و أخذ العلم عن أعلامها، و كانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم و العلماء، و مثابة الأدب و الأدباء و مهوى أفئدة الذين يرغبون في الإلمام بالثقافة، أو يودون التخصص في فروعها.

و قد أخذ علي بن الحسين نفسه بالجد في طلب العلم، و أفرغ له باله، و أخلص فكره، فنبغ و تفوّق، و كان له من توقد ذكائه، و التهاب خاطره، و سرعة حفظه، و شغفه بالمعرفة ما مكن له من ناصية التفوق و ذلّل له من شماس النبوغ، و جعله ينهض بتأليف كتاب الأغاني العظيم و لما يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألّف كتابه الخالد «مقاتل الطالبيين» . و ليس ذلك بغريب على أديب مجدّ موهوب قد ملئ طموحا إلى المراتب العالية، و هام وجدا بالعز الرفيع.

و قد قدّر له أن يعرف شابا من لداته يهيم بالمجد مثله، و يبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم و الأدب، و هو الحسن بن محمد المهلبي، و تظهرهما المعرفة على ما بينهما من التمازج النفسي، و الالتقاء الكثير في الإرادات و الاختيارات و الشهوات، فتتوثق بينهما صداقة عقلية، و مؤاخاة روحية، و تظل قوية العرى، مستحصدة العلائق على كر الغداة و مرّ العشى.

6

و يختلف الدهر، و يتبدل العسر باليسر، و يرق الزمان لفاقة المهلّبي، و يرثى لطول تحرقه، و ينيله ما يرتجى، فيصير وزيرا لمعز الدولة بن بويه. و يطيع الدهر بعد عصيانه لأبي الفرج فيصبح كاتبا لركن الدولة بن بويه، قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه. و لعلّ من أسباب تلك الحظوة اتفاقهما في التشيع فقد كان ركن الدولة يتعهد العلويين بالأموال الكثيرة و المنح الجزيلة (1) .

و في سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة يستوزر ركن الدولة أبا الفضل بن العميد فيكون بينه و بين أبي الفرج ما يكون عادة من التحاسد و التباغض، و المصارعة النفسية، و الاستباق إلى قلب ركن الدولة، و يستطيل ابن العميد على أبي الفرج و يتعاظم، و لا يلقاه بما ينبغي له من الإجلال و التعظيم أثناء دخوله و خروجه، فتثور نفسه، و يجيش صدره، و يخاطبه بقوله:

ما لك موفور فما باله # أكسبك التيه على المعدم

و لم إذا جئت نهضنا و إن # جئنا تطاولت و لم تتم

و إن خرجنا لم تقل مثل ما # نقول: قدّم طرفه قدّم

إن كنت ذا علم فمن ذا الذي # مثل الذي تعلم لم يعلم

و لست في الغارب من دولة # و نحن من دونك في المنسم

و قد ولينا و عزلنا كما # أنت فلم نصغر و لم نعظم

تكافأت أحوالنا كلها # فصل على الإنصاف أو فاصرم‏

و يظل أبو الفرج في ظلال الوزير المهلبي مدة وزارته لمعز الدولة، و هي مدة طويلة أربت على ثلاث عشرة سنة، يسامره و ينادمه و يؤاكله، و يصبر الوزير على مساوئ أبي الفرج فقد كان قذر المطعم و المشرب و الملبس، لا ينضو عنه ثوبه إلاّ إذا أبلت جدته الأيام، و صار خلقا لا يجمل بذي المروءة أن يلبسه و لو لم يكن سميرا لوزير، أو كاتبا لأمير.

و تجري الأيام بينهما على خير ما تجري بين صديقين أو على خير ما تجري به بين سمير ظريف، و وزير حصيف يفيض بالكرم و الإنعام. و يؤتى الكرم ثماره

____________

(1) ابن الأثير 8/242.

7

فيسخر أبو الفرج أدبه في خدمة الوزير، و يترصد مواقع هواه فيضع فيها نثره و شعره، و يؤلف له «نسب المهالبة» . و «مناجيب الخصيان» لأنه كان يهيم بخصيين مغنيين كانا له، و ينظم فيه الشعر كلما دعت المناسبة، فيهنئه إذا أبلّ من مرض أو ولد له، و يمدحه في المواسم و الأعياد، و يتظرف فيشكو إليه الفأر، و يصف الهر، و يستميحه البر:

رهنت ثيابي و حال القضا # ء دون القضاء و صد القدر

و هذا الشتاء كما قد ترى # عسوف عليّ قبيح الأثر

ينادي بصرّ من العاصفا # ت أو دمق مثل و خز الإبر

و سكان دارك ممن أعو # ل يلقين من برده كلّ شر

فهذي تحنّ و هذي تئنّ # و أدمع هاتيك تجري درر

إذا ما تململن تحت الظلام # تعللن منك بحسن النظر

و لاحظن ربعك كالممحلى # ن شاموا البروق رجاء المطر

يؤملن عودي بما ينتظرن # كما يرتجى آئب من سفر

فأنعم بإنجاز ما قد وعدت # فما غيرك اليوم من ينتظر

و عش لي و بعدي فأنت الحيا # ة و السمع من جسدي و البصر

و هو إذا ما عرض لمدحه لا يجنح إلى المبالغة الممقوتة، و لا يتعمل الثناء الأجوف و لا يتصيد المكارم تصيدا، بل يقول ما يعرفه و يصفه بما فيه:

إذا ما علاى في الصدر للنهي و الأمر # و بثهما في النفع منه و في الضر

و أجرى ظبا أقلامه و تدفقت # بديهته كالمستمد من البحر

رأيت نظام الدر في نظم قوله # و منثوره الرقراق في ذلك النثر

و يقتضب المعنى الكثير بلفظة # و يأتي بما تحوى الطوامير في سطر

أيا غرة الدهر أئتنف غرة الشهر # و قابل هلال الفطر من ليلة الفطر

بأيمن أقبال و أسعد طائر # و أفضل ما ترجوه في أفسح العمر

فليس في هذا المديح إسراف و لا إغراق في المبالغة؛ فقد كان الوزير المهلبي كما يقول الثعالبي: «غاية في الأدب و المحبة لأهله و كان يترسل مترسلا مليحا، و يقول الشعر قولا لطيفا يضرب بحسنه المثل يغذي الرّوح و يجلب‏

8

الرّوح» (1) و كان محدثا حسن الحديث، بليغ العبارة رشيق اللفظ، و كان أكثر حديثه يدور حول مذاكرة الأدب و مقابسة العلوم؛ لكثرة من يغشى مجالسه من العلماء و الأدباء و الندماء كالصاحب ابن عباد (2) و أبي إسحاق الصابي‏ (3) و القاضي التنوخي‏ (4) ، و ابن سكّرة الهاشمي‏ (5) ، و أبي القاسم الجهني‏ (6) ، و أبي النجيب الجزري‏ (7) ، و أبناء المنجم‏ (8) ، و كان أبو الفرج يجول في هذه المجالس و يصول يقص و يروي و ينقد و يتندّر و ينثر من أدبه و يفيض من علمه فكان مجلس المهلبي من أسباب نباهة شأنه و شيوع ذكره، كما كان بر المهلبي من أسباب رفاهية عيشه و تفرغه للعلم و الأدب، و لكنه مع ذلك لم يخل من هجوه و كان يعلم أنه يهجوه سرا فطلب إليه و قد سكرا ذات ليلة أن يهجوه جهرا في قصة نطويها كما يطوي بساط السلاف بما فيه، و قد رأى أبو الفرج منه بعض ما يكره فظن أنه رمى به من حالق، بعد أن أنعم عليه الخالق، فقذفه بهذين البيتين:

أ بعين مفتقر إليك رأيتني # بعد الغنى فرميت بي من حالق

لست الملوم أنا الملوم لأنّني # أملت للإحسان غير الخالق‏

يومى‏ء أبو الفرج إلى ما كان من فقر الوزير أيام كان يشتهي اللحم و لا يقدر على ثمنه فيتمنى الموت و يقول:

ألا موت يباع فأشتريه # فهذا العيش ما لا خير فيه

ألا موت لذيذ الطعم يأتي # يخلصني من العيش الكريه

إذا أبصرت قبرا من بعيد # وددت لو انّني مما يليه

ألا رحم المهيمن نفس حرّ # تصدق بالوفاة على أخيه‏

و تفعل هذه الإشارة فعلها في نفس المهلبي و لكنه يذكر إحسان الخالق إليه و أنه أصبح وزيرا رافه العيش «إذا أراد أكل شي‏ء مما يتناول بالملعقة كالأرز

____________

(1) يتيمة الدهر 2/202.

(2) يتيمة الدهر 2/205.

(3) يتيمة الدهر.

(4) معجم الأدباء.

(5) معجم الأدباء.

(6) معجم الأدباء.

(7) معجم الأدباء.

(8) يتيمة الدهر 2/206.

9

و اللّبن و أمثالهما وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، و كان يستعمله كثيرا فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى حتى ينال الكفاية؛ لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية» (1) .

يذكر المهلبي ذلك كله و يذكر صديقه أبا الفرج فيعفو عنه و يغفر له هجاءه، و يتصل حبل إخائهما حتى يقطعه موت المهلبي في سنة 352 هـ ثم يلحق به أبو الفرج بعد أن يخلط في ذي الحجة سنة 256 هـ على أصح الأقوال‏ (2) .

و قد كان أبو الفرج هجّاء خبيث اللسان يحذره الناس و يتقونه، و قد التمس ذات مرة عصا من أحد القضاة فلم يعطه إيّاها فهجاه بأبيات بلغت الغاية في الإقذاع، و يستوزر الخليفة الراضي أبا عبد اللّه البريدي و كانت داره ملاصقة لدار أبي الفرج فيهجوه و يؤنب الراضي بقصيدة تزيد على مائة بيت مطلعها:

يا سماء اسقطي و يا أرض ميدي # قد تولى الوزارة ابن البريدي‏ (3)

و ينحدر أبو الفرج إلى البصرة فيضيق بها و يهجوها و أهلها و يقول عنهم:

«إنهم كلاب يلبسون الفرا» .

و قد كان أبو الفرج ذا عناية ملحوظة بالحيوانات و تربيتها: «كان له سنور أبيض يسميه يققا، و كان من عادة هذا السنور أن يخرج و يصيح إذا ما قرع باب أبي الفرج قارع إلى أن يتبعه من يفتح الباب، و قد مرض يفق بالقولنج فشغل أبو الفرج بعلاجه و تفقده أصحابه و ذهب إليه منهم أبو إسحاق الصابي و أبو العلاء صاعد و أبو علي الأنباري لقضاء حقه و تعرف خبره، فطلع عليهم أبو الفرج بعد مدة مديدة و يده ملوثة بما ظنوه شيئا كان يأكله فقالوا له: عققناك بأن قطعناك عمّا كان أهم من قصدنا إيّاك، فقال لهم: لا و اللّه يا سادتي ما كنت على ما تظنون-

____________

(1) معجم الأدباء 13/103.

(2) ابن خلكان 1/335.

(3) الفخري ص 256.

10

و إنما لحق يققا قولنج فاحتجت إلى حقنه فأنا مشغول بذلك فلما سمعوا قوله و رأوا التلوث في يده نفروا منه و اعتذروا إليه و انصرفوا عنه «لتناهيه في القذارة إلى ما لا غاية بعده» (1) كما قالوا و حسبوا، و لعلّه قد غاب عنهم أن أبا الفرج كان بصيرا بعلم «الجوارح و البيطرة و الطب» و أنه لا تثريب عليه إذا ما زاول علاج سنوره بيده و طبق العلم على العمل كما يقال. و من يدري فلعلّ أبا الفرج لو لم يحقن يققا لضاع على مؤرخي الحضارة العربية شاهد عظيم يثبت معرفة العرب لحقن الحيوان و سبقهم إلى ذلك منذ منتصف القرن الرابع الهجري.

و قد فجع أبو الفرج في ديك له رشيق تكاملت فيه جمل الجمال بأسرها، و كسى كالطاوس ريشا لا معا متلألأ ذا رونق و بريق:

من حمرة في صفرة في خضرة # تخيلها يغني عن التحقيق

و كأن سالفتيه تبر سائل # و على المفارق منه تاج عقيق‏

فرثاه بقصيدة طويلة تعد من عيون الشعر العربي في رثاء الحيوان، و صار يبكيه كلما أبصر ربعه موحشا أو سمع صياح ديك:

أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا # بتحنن و تأسف و شهيق

و يزيدني جزعا لفقدك صادح # في منزل دان إليّ لصيق

قرع الفؤاد و قد زقا فكأنّه # نادى ببين أو نعيّ شقيق

فتأسفي أبدا عليك مواصل # بسواد ليل أو بياض شروق

و إذا أفاق ذوو المصائب سلوة # و تصبّروا أمسيت غير مفيق‏

و كان أبو الفرج في ربيع العمر و ريعان الشباب يطلق عقال النفس، و يقيد مراشف الكأس، و يرتاد منازه الحسن، و يطوف بمسارح الجمال لينزه مقلته، و يرشف من رحيقه ما ينقع غلته، ثم يوقع أنغام نفسه و ألحان حسه على قيثارة شعره، و يشدو بما يفصح عن إسماح الجميل بعد ليانه، و إطاعة الدهر بعد عصيانه.

____________

(1) معجم الأدباء 13/105.

11

كما كان يغشى سوق الوراقين و يجلس على دكاكينهم يقرأ ما يلحظ و ينقد ما يسمع‏ (1) ، و يأخذ بأطراف الأحاديث التي يتجاذبها بينهم رواد السوق من العلماء و الأدباء، ثم يؤوب إلى داره بعد أن يصطفى ما يرتئي من الأسفار و المصادر التي يعتمد عليها في تأليف كتبه.

و لأبي الفرج مؤلفات كثيرة منها:

(1) الأغاني الكبير.

(2) أخبار القيان.

(3) أخبار الطفيليين.

(4) أخبار جحظة البرمكي.

(5) أيام العرب: ألف و سبعمائة يوم.

(6) الإماء الشواعر.

(7) أدب الغرباء.

(8) أدب السماع.

(9) الأخبار و النوادر.

(10) الفرق و المعيار في الأوغاد و الأحرار.

(11) المماليك الشعراء.

(12) الغلمان المغنين.

(13) الحانات.

(14) التعديل و الانتصاف في أخبار القبائل و أنسابها، و هو كتاب جمهرة أنساب العرب.

(15) تفضيل ذي الحجة.

(16) تحف الوسائد في أخبار الولائد.

(17) الخمارين و الخمارات.

(18) دعوة التجار.

____________

(1) معجم الأدباء 13/112.

12

(19) دعوة الأطباء.

(20) الديارات.

(21) رسالة في الأغاني.

(22) مجرد الأغاني.

(23) مقاتل الطالبيين.

(24) مجموع الأخبار و الآثار.

(25) مناجيب الخصيان.

(26) كتاب النغم.

(27) نسب المهالبة.

(28) نسب بني عبد شمس.

(29) نسب بني شيبان.

(30) نسب بني كلاب.

(31) نسب بني تغلب.

و قد عنى بديوان أبي تمام فجمعه و رتبه على الأنواع.

كما جمع ديوان أبي نواس و جمع ديوان البحتري و رتبه على الأنواع كذلك.

و كان لأبي الفرج في منزله عمل آخر غير تأليف الكتب و الرسائل و قرض الشعر و جمع الدواوين، فقد كان يجلس لتلاميذه و روّاد أدبه يقرئهم من كتبه ما يريد أو ما يريدون على نحو ما كان يفعله أستاذه أبو جعفر الطبري، و في طليعة تلك الكتب التي قرئت عليه من أولها إلى آخرها كتاب الأغاني الكبير الذي «جمع فيه أخبار العرب و أشعارهم و أنسابهم و أيّامهم و دولهم، و جعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب و أوفاه. و لعمري أنه ديوان العرب و جامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر و التاريخ و الغناء و سائر الأحوال-و لا يعدل به في ذلك كتاب فيما نعلمه، و هو الغاية التي يسمو إليها الأديب و يقف عندها و أتى له بها» (1) .

____________

(1) مقدمة ابن خلدون.

13

و من كتبه التي قرئت عليه كذلك كتاب «مقاتل الطالبيين» .

و قد عنيت بنشره لقيمة موضوعه و جلال مؤلفه في نفسي و عظم مكانتها في الأدب العربي و التاريخ الإسلامي منذ كانا إلى يوم الناس هذا.

و لا يعرف التاريخ أسرة كأسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة و طيب النجار، ضل عنها حقها و جاهدت في سبيل حق الجهاد على مرّ الأعصار ثم لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات و لم تعقب من جهادها إلاّ العبرات على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم و صافحوا الموت في بسالة فائقة و تلقوه في صبر جميل يثير النفس أفانين الإعجاب و الإكبار، و يشيّع فيها ألوان التقدير و الإعظام.

و قد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها و أذاقوها ضروب النكال و صبّوا عليها صنوف العذاب و لم يرقبوا فيها إلاّ و لاذمة و لم يرعوا لها حقا و لا حرمة، و أفرغوا بأسهم الشديد على النساء و الأطفال و الرجال جميعا في عنف لا يشوبه لين و قسوة لا تمازجها رحمة حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال في فظاعة النكال. و قد فجّرت هذه النسوة البالغة ينابيع الرحمة و المودة في قلوب الناس، و أشاعت الأسف الممض في ضمائرهم و ملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا، و صارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثا يروى و خبرا يتناقل و قصصا يقص يجد فيه الناس إرضاء عواطفهم و إرواء مشاعرهم فتطلّبوه و حرصوا عليه.

و قد استجاب الرواة و المؤلفون لنداء هذه الرغبة العارمة أو لطلب المثالة بين الناس فشرعوا يؤلفون أخبارهم و يسطرون فضائلهم و يدبجون سيرهم و يؤرخون مقاتلهم، و من هؤلاء العلماء أبو مخنف المتوفى قبل سنة 170 هـ فقد ألّف مقتل علي‏ (1) و «مقتل الحسين» (2) و ألّف نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212 هـ «مقتل الحسين» (3) .

____________

(1) فهرست ابن النديم ص 136.

(2) ابن النديم 137.

(3) ابن النديم ص 137.

14

و ألّف الهيثم بن عدي المتوفى سنة 207 هـ- «أخبار الحسن و وفاته» (1) و ألّف الواقدي «مقتل الحسن» و «مقتل الحسين» (2) .

و ألّف ابن النطاح «مقتل زيد بن علي» (3) .

و ألف الغلابي «مقتل علي» و «مقتل الحسين» (4) .

و ألف الأشناني «مقتل الحسن» و «مقتل زيد بن علي» (5) .

و ألف عمر بن شبه «مقتل محمد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن» (6) .

و ألّف المدائني المتوفى سنة 225 هـ كتاب «أسماء من قتل من الطالبيين» (7) .

ثم جاء أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 هـ فألف «مقاتل الطالبيين» أو «مقاتل آل أبي طالب» كما يسميه ابن النديم‏ (8) .

ترجم أبو الفرج فيه للشهداء من ذرية أبي طالب منذ عصر رسول اللّه (ص) إلى الوقت الذي شرع يؤلف فيه كتابه، و هو جمادي الأولى سنة ثلاثة عشر و ثلثمائة سواء أ كان المترجم له قتيل الحرب أو صريع السم في السلم، و سواء أ كان مهلكه في السجن أم في مهر به أثناء تواريه من السلطان.

و قد رتّب مقاتلهم على السياق الزمني و لم يرتبها على حسب أقدارهم في الفضل و منازلهم في المجد. و اقتصر على من كان نقي السيرة قويم المذهب، و أعرض عن ذكر من عدل عن سنن آبائه و حاد عن مذاهب أسلافه و كان مصرعه

____________

(1) ابن النديم 146.

(2) ابن النديم 144 و معجم الأدباء 18/282.

(3) ابن النديم 156.

(4) ابن النديم 166.

(5) ابن النديم 166.

(6) ابن النديم 163.

(7) ابن النديم 163.

(8) ابن النديم 148 و معجم الأدباء.

15

في سبيل أطماعه و جزاء ما اجترحت يداه من عيث و إفساد.

و قد صنّف أبو الفرج أخبارهم، و نظّم سيرهم، و رصف مقاتلهم، و جلّى قصصهم بأسلوبه الساحر، و بيانه الآسر و طريقته الفذة في حسن العرض، و مهارته الفائقة في سبك القصة، و حبك نسجها، و ائتلاف أصباغها و ألوانها، و تسلسل فكرتها، و وحدة ديباجتها، و تسوق نصاعتها، على اختلاف رواتها و تعدد روايتها و تباين طرقها، حتى لتبدو و كأنها بنات فكر واحد و هذا هو سر الصنعة في أدب أبي الفرج الأصفهاني.

و لئن كان أبو الفرج قد بلغ غاية التصوير و التعبير في كتاب الأغاني لأن موضوعه يلتئم و مزاجه الفني و يتفق و مسلكه في الحياة و يقع من عقله و فكره و ذوقه و عاطفته موقع الرضا و القبول، فإنه كذلك قد بلغ غاية التصوير و التعبير في مقاتل الطالبيين؛ لأن موضوعه حبيب إلى نفسه، عظيم المكانة من قلبه لأنه و إن كان أموي النسب فإنه شيعي الهوى و ليس ذلك بمستغرب و لا مستنكر فإن التشيّع الحقيقي ينجم عن حب الرسول و يصدر عن مودة قرباه و آل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و الحب الصادق لا يقيم وزنا لفارق النسب و لا لغيره من الفوارق التي يحقّرها و يحطم مغاليقها و أسوارها و إن تواضع الناس على احترامها.

نعم كان أبو الفرج أمويّا شيعيّا، و شيعيّا أمويّا يعطف على الدولة الأموية بالأندلس و يكرم وفادة رسلها إليه، و يختصها بثمار قريحته و نتائج فطنته، و يؤلف الكتب ثم يرسل بها إليهم فتظهر عندهم قبل ظهورها في المشرق بل لا يكاد المشرق يعرف عن أكثرها إلاّ اسمه و قد عدّ الخطيب البغدادي من هذه الكتب أحد عشر كتابا (1) .

كان موضوع مقاتل الطالبيين إذا محببا إلى نفس أبي الفرج فحشد له همته،

____________

(1) تاريخ بغداد 11/398.

16

و جند روايته، و صنعه على عينيه فجاء جامعا لأشتات محاسنهم، و صار عمدة لكل من أتى بعده و قصد قصده.

و قد كان أبو الفرج غزير العلم و الأدب جيد الرواية لهما و البصر بفقههما، قال معاصره القاضي التنوخي: «و من الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنه كان يحفظ من الشعر، و الأغاني، و الأخبار و الآثار، و الحديث المسند، و النسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، و كان شديد الاختصاص بهذه الأشياء و يحفظ دون ما يحفظ منها علوما أخر منها اللغة، و النحو، و الخرافات، و السير، و المغازي؛ و من آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح، و البيطرة، و نتف من الطب، و النجوم، و الأشربة و غير ذلك» (1) .

و قد ثقف أبو الفرج معارفه و علومه الجمّة عن الأعلام في عصره و الأسفار القيّمة التي كانت موجودة إذ ذاك، بيد أنه استباح لنفسه أن يروي منها على أنه حدث بها و من أجل ذلك اتهم بالاختلاق، و الذي يقرأ الأغاني و مقاتل الطالبيين تهوله تلك الكثرة الهائلة، و يتعاظمه ذلك الجم الغفير من الرواة و يتخالجه الشك إذا ذكر ما يقوله ابن النديم من أن أبا الفرج كانت له رواية يسيرة، و أكثر تعويله في تصنيفه كان على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد (2) .

و من الرواة الذين روى عنهم أبو الفرج يحيى بن علي المنجم المتوفي سنة 300 هـ و محمد بن جعفر القتات المتوفي سنة 300 هـ و الفضل بن الحباب المتوفي سنة 305 هـ و علي بن العباس المقانعي المتوفي سنة 313 هـ، و الأخفش المتوفي سنة 315 هـ، و جعفر بن قدامة المتوفي سنة 319 هـ، و ابن دريد المتوفي سنة 321 هـ، و نفطويه المتوفي سنة 323 هـ، و جحظه المتوفي سنة 326 هـ و ابن الأنباري المتوفي سنة 328 هـ كما روى عن عمّه الحسن بن محمد و عم أبيه

____________

(1) معجم الأدباء.

(2) ابن النديم 167.

17

عبد العزيز بن أحمد بن الهيثم‏ (1) ، و محمد بن خلف بن المرزبان، و لعلّ أهم أستاذ لأبي الفرج في الناحية التاريخية التي نحن بصددها هو محمد بن جرير الطبري و قد قرأ عليه تاريخ الأمم و الملوك و كتاب المغازي. و كان أبو الفرج يبتغي الوسائل إلى قلبه و يسارع في مرضاته.

و قد روى عن أبي الفرج عدد كبير منهم محمد بن أحمد المغربي رواية أبي الطيب المتنبي و كان له معه أخبار كما يقول ياقوت. و منهم أبو الحسن علي بن محمد بن دينار «323 هـ-409 هـ» و قد حدث عنه ابن بشران النحوي أنه قال: قرأت على أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني جميع كتاب الأغاني.

و منهم الدار قطني «306 هـ-385 هـ» و عبد اللّه بن الحسين الفارسي، و أبو إسحاق الطبري «324 هـ-393 هـ» ، و هما اللذان رويا عنه مقاتل الطالبيين، و قد سلم نص روايتهما له من عوادي الزمن، و عنه كانت الطبعة الأولى للكتاب في طهران سنة 1307 هـ، و هي طبعة حجرية سقيمة يشيع فيها التحريف و التصحيف. ثم أعيد طبعها في النجف سنة 1353 هـ، و هي طبعة لا تفضل أصلها إلاّ بكثرة الأخطاء الغليظة التي يستغلق معها الفهم، و ينبهم المعنى و يعتاص، و من نماذج هذه الأخطاء ما يلي:

1- «حدثنا الوليد بن هشام بن محذم قال: حدثني شهر بشر، قال سمعت شفاة تقول: «ليت هذا المهدي قد خرج» .

و الصواب ص 205: «... بن هشام بن محمد قال: حدثني سهل بن بشر قال:

2-و من ذلك «حدثني الحسن بن جعفر قال: كنت-بالكوفة نقل عيسى بن موسى قد دخل الكوفة نهارا» .

و الصواب ص 353 «... بالكوفة فرأيت فلّ عيسى بن موسى... » .

____________

(1) في جمهرة النسب لابن حزم ص 98، 99 «و كان عمه الحسن بن محمد من كبار الكتاب بسر من رأى، أدرك أيام المتوكل. و كان عمه عبد العزيز بن أحمد بن الهيثم من كبار الكتاب أيضا أيام المتوكل» .

18

3-و من ذلك:

قول مستبسل يرى الموت # في اللّه رباحا ذا بال غاب عقير

قد تلبثت بالمقادير عنهم # تبث في الرياح عن ذي البكور

و الصواب ص 386 «... تلبثت للمقادير عنهم لبث الرائحين عن... » 4-و من ذلك:

و لو أديم البئر بئر سويقة # فطين بها و الحاضر المتجاور

و الصواب ص 397 «و إذا لا يريم البئر... قطين» .

5-و من ذلك «و فصل بين الصفين مهر لحازم بن خزيمة على أخيه يدعى عبدويه» .

و الصواب «... الصفين صهر لحازم... على أخته... » .

6-و من ذلك:

مخضبكم يضحي و إني بعدها # لأعنق فيما ساءكم و أهملج‏

و الصواب «محضتكم نصحي... » .

7-و من ذلك «كانت الراحم و أهل النسك لا يعدلون بزيد بن علي أحدا» .

و الصواب «كانت المرجئة... » و كلتا الطبعتين مترعة بأمثال هذه التصحيفات و التحريفات مما حفزني إلى تحقيق الكتاب و دفعني إلى نشره.

و قد رجعت في تحقيقه إلى نسخة خطية محفوظة «بدار الكتب المصرية» فرغ ناسخها من نسخها في شهر صفر سنة 1074 هـ و كانت من كتب الإمام يحيى إمام اليمن السابق ثم أهداها إلى شيخ العروبة المغفور له «أحمد زكي باشا» و كتب عليه بخطه «هذا الكتاب الفخم قدّمناه لحضرة السيد أحمد زكي باشا عافاه اللّه» كما كتب عليه أحمد زكي باشا بخطه «هذه النسخة عليها تعليقات و حواش بخط أمير المؤمنين يحيى حميد الدين المتوكل على اللّه» و كنت‏

19

أبغي مراجعة النسخة الخطية المحفوظة بالمتحف البريطاني بلندن و لكن الصورة الفوتوغرافية التي طلبتها لم تصل إليّ إلاّ أثناء طبع الفهارس. و هي منسوخة في سنة 1053 هـ.

و قد راجعت نصوص الكتاب على الكتب التي نقل منها أبو الفرج، أو التي نقلت عنه، و أثبت ما بينها من فروق، و في طليعة هذه الكتب، تاريخ الطبري، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، و الإرشاد للشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هـ و لكتاب الإرشاد هذا أهمية خاصة؛ لأنه ينقل عن نسخة أبي الفرج نفسه، و قد نص على ذلك بقوله في صفحة 253 «و وجدت بخط أبي الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني في أصل كتابه المعروف بمقاتل الطالبيين» .

كما حرصت على أن أثبت في أول كل ترجمة كل ما أعرف من مراجع عرضت للمترجم له بأي لون من ألوان الذكر حتى أضع بين يدي القارئ مفتاحا للترجمة جليل النفع، و أقيم له منارا يهديه سواء السبيل إذا ما أراد أن يضرب في شعاب الكتب و يمشي في مناكب الأسفار ابتغاء الدرس و البحث، و التأليف.

و قد صنعت للكتاب فهارس مفصلة للرواة، و الأعلام، و الجماعات، و الفرق، و الأماكن، و الأيام، و الشعر، و المصادر، و التراجم.

و مما يجدر ذكره أن هناك خلافا ملحوظا بين النسخة المخطوطة و بين المطبوعة، أشّرت إليه، و لم أستطع الفصل فيه.

و قد انفردت المطبوعة بذكر ترجمة للحسين بن زيد بن علي لم يرد لها ذكر في المخطوطة كما قلت في صفحة 387 و قد رجعت إلى نسخة لندن المصوّرة فألفيتها خالية من ذكر هذه الترجمة، و لا شك عندي في أن هذه الترجمة قد نسبت إلى أبي الفرج زورا و بهتانا؛ لأن الحسين بن زيد هذا لم يمت قتيلا، و قد شرط أبو الفرج على نفسه ألاّ يورد في كتابه إلاّ من كان قتيلا، كما قال في مقدمته، و كما يتضح‏

20

من منهجه في الكتاب، استمع إليه إذ يقول في صفحة 398 «و لما ولي المهدي أطلق الحسن بن زيد. و له خبر طويل قد وضعناه في موضعه من كتابنا الكبير، إذ كان هذا ليس مما يجري مجرى من قتل في معركة أو غيرها فيذكر خبره هنا» و يشير أبو الفرج إلى خروج جماعة من الطالبيين في ثنايا ترجمة ثم يعقب على إشارته بقوله في صفحة 616 «و لهؤلاء أخبار قد ذكرناها في الكتاب الكبير، لم يحمل هذا الكتاب إعادتها لطولها و لأنا شرطنا ذكر خبر من قتل دون من خرج فلم يقتل» .

كما انفردت المخطوطة بترجمة موجزة لمحمد بن القاسم بن علي أثبتها في هامش صفحة 577 و قد رجعت إلى النسخة المصورة فوجدتها قد اقتصرت عليها.

و قد خلت المخطوطة من تلك السلاسل الطويلة لأمهات المترجم لهم، كما خلت منها المصورة، و لكن بعض هذه السلاسل ثابت في النسخة التي نقل عنها ابن أبي الحديد.

من أجل ذلك كله لم أستطع الفصل-كما قلت-في هذه الاختلافات حتى يسفر البحث عن أصول معتمدة موثوق بصحتها.

و أمر آخر لا مناص من الإشارة إليه و هو أن المواضع التي أشار إليها أبو الفرج في هذا الكتاب، و أحال فيها على كتاب الأغاني لم أجد لها أثرا في أية طبعة من طبعات الأغاني، و تفسير ذلك عندي سهل يسير، فإن كتاب الأغاني مع الأسف البالغ لم يطبع إلى الآن طبعة كاملة تضم كل نصوصه و أخباره حتى طبعة دار الكتب نفسها، و لست أعني النقص في بعض الأخبار، أو الأشعار، و إنما أعني نقص التراجم الكاملة كترجمة مسلم بن الوليد صريع الغواني التي نقلها ناشر ديوانه عن إحدى مخطوطات الأغاني، و هي ترجمة طويلة تقع في 34 صفحة (1) .

____________

(1) راجع ديوان مسلم المطبوع في ليدن سنة 1875 م صفحة 228-262.

21

و لو قد استحضرت دار الكتب مخطوطات الأغاني لما خرج الكتاب ناقصا و لاستمتعنا بأخبار هؤلاء الطالبيين الذين لم يذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين.

و قد أتى أبو الفرج بروايات مدخولة، و أحاديث موضوعة لم يعقب عليها و لكنه أمر نقده على بعضها، كما فعل حين روى عن الضحاك قتل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب لمحمد بن جعفر بن أبي طالب فإنه قال في التعقيب عليها صفحة 22:

«و هذه رواية الضحاك بن عثمان، و ما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد ابن جعفر قتيل عبيد اللّه بن عمر، و لا سمعت لمحمد في كتاب أحد منهم ذكر مقتل» .

و كنت إذا ما رأيت أبا الفرج ينزع نزعة مسرحية نقلت من أقوال ثقاة المؤرخين ما يرجع الحق إلى نصابه، و يرد التاريخ إلى محرابه، كما صنعت في ترجمة عبد اللّه الأشتر صفحة 310-313.

و بعد فإن مقاتل الطالبيين كنز من كنوز الأدب و التاريخ ترجم فيه أبو الفرج لنيف و مائتين من شهداء الطالبين، فأحسن الترجمة و صوّر بطولتهم تصويرا أخاذا يختلب الألباب، و يمتلك المشاعر و ذكر فيه من خطبهم و رسائلهم و أشعارهم، و محاوراتهم، و ما قيل فيهم و بسببهم من روائع الشعر و النثر، ما لا تجده مجموعا في كتاب سواه، إلاّ أن يكون منقولا عنه، أو ملخصا منه، فهو خير كتاب أخرج للناس في تاريخ الطالبيين و أدبهم، يجد فيه العلماء طلبتهم، و الأدباء ضالتهم، و يجد فيه القاصون منهم مادة خصيبة لإنتاجهم الفني.

و هو من أنفس الكتب التي تغذو العقول و القلوب و الأرواح جميعا.

22

و أوجز ما يقال في وصف مقاتل الطالبيين: إنه دائرة معارف لتاريخ الطالبيين و أدبهم في القرون الثلاثة الأولى.

و إني أحمد اللّه سبحانه أن وفقني لإخراجه على هذا النحو فإن كنت أصبت فالخير أردت، و إن تكن الأخرى فحسبي أنني بذلت و سعي حسبما اتسع له وقتي و يسرته للقارئ و جنّبته مصاعب كان يتشعب فيها فكره و يتبدد وقته، و أتحت للناقد أن يهجم على ما قد يكون فيه بفكر جميع و عقل نشيط فيستطيع أن يؤدي واجبه في يسر و سهولة.

و لن يبلغ نشر الكتب القديمة مبلغه من الصحة و الدقة المثلى إلاّ بالتعاون الوثيق بين الناشرين و الناقدين، و لطالما رددت هذا المعنى فيما كتبته من مقالات في النقد الأدبي.

و مما قلته في نقد كتاب «الشعر و الشعراء» الذي نشره القاضي الفاضل الشيخ «أحمد محمد شاكر» .

«و إني أعتقد أنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون الناشر و ينشر ما يرتئيه من أخطاء و ما يعن له من ملاحظاته، فبمثل هذا التعاون العلمي المنشود تخلّص الكتب العربية من شوائب التحريف و التصحيف الذي منيت به على أيدي الناسخين قديما و الطابعين حديثا» (1) .

و اللّه أسأل-كما سأله أبو الفرج-حسن التوفيق و المعونة على ما أرضاه من قول و أزلف لديه من عمد، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

السيد أحمد صقر

____________

(1) مجلة الكتاب عدد يونية سنة 1946 ص 295-309.

23

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم أخبرنا السيد الشريف أبو عبد اللّه محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني رضي اللّه عنه و أرضاه قرأته عليه قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري‏ (1) ، و عبد اللّه بن الحسين بن محمد الفارسي‏ (2) قراءة عليهما قالا:

أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني قال‏ (3) :

بحمد اللّه و الثناء عليه يفتتح كل كلام، و يبتدأ كل مقال كفاء لآلائه‏ (4) ، و شكرا لجميل بلائه.

و نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له شهادة من آمن بربوبيته، و اعترف بوحدانيته، و أن محمدا عبده و رسوله المبعوث برسالته، و الداعي إلى طاعته، و الموضح الحق ببرهانه، و المبين أعلام الهدى ببيانه، عليه و على آله

____________

(1) فقيه مالكي بغدادي صحب أبا عمر الزاهد و كتب عنه الياقوتة، و لقى أكابر العلماء منهم ابن درستويه.

و نقل ابن أبي الحديد 1/11 من تاريخ أبي الفرج الجوزي قوله فيه: «كان شيخ الشهود المعدلين ببغداد و متقدمهم و سمع الحديث الكثير، و كان كريما مفضلا على أهل العلم، و عليه قرأ الشريف الرضي القرآن و هو شاب حدث، فقال له يوما: أيها الشريف أين مقامك؟قال: في دار أبي بباب محول. فقال: مثلك لا يقيم بدار أبيه، قد نحلتك داري بالكرخ المعروفة بدار البركة فامتنع الرضي من قبولها و قال له: لم أقبل من أبي قط شيئا. فقال: إن حقي عليك أعظم من حق أبيك عليك لأني حفظتك كتاب اللّه تعالى، فقبلها» . و كان صحيح النقل جيد الخط و الضبط، و لم يصنف شيئا غير جمعه لشعر أبي نواس. راجع ترجمته في تاريخ بغداد 6/17 و معجم الأدباء 1/109 و بغية الوعاة 177 و نزهة الألباء 40.

(2) في منتهى المقال ص 184 و إتقان المقال ص 201 «... بن محمد بن يعقوب الفارسي أبو محمد شيخ من وجوه أصحابنا و محدثيهم و فقهائهم» .

(3) أول النسخة الخطية (قال علي بن الحسين الأصفهاني المؤلف لهذا الكتاب) .

(4) الآلاء: النعم.

24

و أطايب أرومته‏ (1) ، و المصطفين من عترته‏ (2) أفضل سلام اللّه و تحيته، و بركاته و رحمته.

و باللّه نستعين على ما أردناه، و قصدنا إليه و نحوناه، من أمر الدنيا و الآخرة، و العاجلة و الآجلة.

و به عزّ و تعالى نعوذ من كل عمل لا يرتضيه، فيردى‏ (3) ، و سعي لا يشكره فيكدى‏ (4) ، إذعانا بالتقصير و العجز، و تبرءوا من الحول و الطول‏ (5) إلاّ بقدرته و مشيئته، و توفيقه و هدايته. و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب.

و صلى اللّه على نبيه محمد صلى اللّه عليه سيد الأولين و الآخرين، و خاتم النبيين و المرسلين أولا و آخرا، و بادئا و تاليا، و على أهل بيته الطيبين الطاهرين، و سلّم كثيرا.

و نحن ذاكرون في كتابنا هذا إن شاء اللّه و أيّد منه بعون و إرشاد جملا من أخبار من قتل من ولد أبي طالب منذ عهد رسول اللّه (ص) إلى الوقت الذي ابتدأنا فيه هذا الكتاب، و هو في جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة و ثلثمائة للهجرة و من احتيل في قتله منهم بسمّ سقيه و كان سبب وفاته، و من خاف السلطان و هرب منه فمات في تواريه، و من ظفر به فحبس حتى هلك في محبسه، على السياقة لتواريخ‏ (6) مقاتل من قتل منهم، و وفاة من توفي بهذه الأحوال، لاعلى قدر مراتبهم في الفضل و التقدم. و مقتصرون في ذكر أخبارهم على من كان

____________

(1) في لسان العرب: «الأرومة: الأصل و في حديث عمير بن أفصى: أنا من العرب في أرومة بنائها» .

(2) في اللسان: قال ابن الأعرابي: العترة: ولد الرجل و ذريته و عقبه من صلبه. فعترة النبي (ص) ولد فاطمة البتول عليها السلام. راجع ما كتبه عنها ابن أبي الحديد 2/130.

(3) يردى: يهلك.

(4) يكدى: أي لا يعود بنفع من قولهم أكدى الشي إذا قلّ خيره.

(5) في ق و ط اللسان «من الحول و القول» .

(6) في ق على السياقة و التواريخ.

25

محمود الطريقة، سديد المذهب، لا من كان بخلاف ذلك، أو عدل عن سبيل أهله و مذاهب أسلافه، أو كان خروجه على سبيل عيث و إفساد. و على أنا لا ننتفي من أن يكون الشي‏ء من أخبار المتأخرين منهم فاتنا (1) و لم يقع إلينا، لتفرقهم في أقاصي المشرق و المغرب، و حلولهم في نائي الأطراف و شاسع المحال التي يتعذر علينا استعلام أخبارهم فيها، و معرفة قصصهم لاستيطانهم إيّاها سيما مع قصور زماننا (2) [هذا]و أهله، و خلوه من مدوّن الخبر، أو ناقل الأثر، كما كان المتقدمون قبلهم يدونون و يصنفون و ينظمون و يرصفون.

و من اعترف بالتقصير خلا من التأنيب/ (3) .

و جاعلون ما نؤلفه في هذا الكتاب و نأتي به، على أقرب ما يمكننا من الاختصار و نقدر عليه من الاقتصار، و جامعون فيه ما لا يستغنى عن ذكره من أخبارهم و سيرهم و مقاتلهم و قصصهم؛ إذ كان استيعاب ذلك و جمعه من طرقه و وجوهه يطول جدا و يكثر و يثقل على جامعه و سامعه، و الاختصار لمثل هذا أخف على الحامل و الناقل.

و اللّه المسؤول حسن التوفيق و المعونة على ما أرضاه من قول، و أزلف لديه [من عمل‏] (3) . و هو حسبنا و نعم الوكيل.

عصر النبي و الخلفاء الأولين‏

1-جعفر بن أبي طالب‏

فأول قتيل منهم في الإسلام جعفر بن أبي طالب عليه السلام‏ (4) . و اسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، و هو شيبة بن هاشم و هو عمرو بن عبد مناف.

و يكنى أبا عبد اللّه فيما يزعم أهله.

____________

(1) في ق: «من أن يكون اليسير منهم» .

(2) في الخطية «مع نقص زماننا» و الزيادة منها.

(3) الزيادة من المخطوطة.

(4) البداية و النهاية 4/255، و تهذيب التهذيب 2/98 و أسد الغابة 1/286. و الإصابة 1/248 و طبقات ابن سعد 4/28. و ابن أبي الحديد 3/407، و صفة الصفوة 1/208، و الاستيعاب 1/81، و حلية الأولياء 1/114.

26

و روى عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يكنى أبا المساكين‏ (1) .

حدّثني بذلك محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال: حدّثنا فضل بن الحسن المصري‏ (2) قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرازق عن معمر عن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة.

و كان جعفر بن أبي طالب الثالث من ولد أبيه، و كان طالب أكبرهم سنا، و يليه عقيل، و يلي عقيلا جعفر، و يلي جعفرا علي. و كل واحد منهم أكبر من صاحبه بعشر سنين، و عليّ أصغرهم سنّا (3) .

حدّثني بذلك أحمد بن محمد، بن سعيد الهمداني‏ (4) ، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: حدّثنا الحسن بن محمد، قال: حدّثنا ابن أبي السري، عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس.

و أمهم جميعا فاطمة بنت أسد (5) بن هاشم بن عبد مناف، و أمها فاطمة، و تعرف بحبّى بنت هرم بن رواحة، بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.

و أمها حدية بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة[بن‏]عمرو بن شيبان‏ (6) بن محارب بن فهر.

____________

(1) البخاري 7/77، و حلية الأولياء 1/117، و في صفة الصفوة 1/209، قال أبو هريرة كان جعفر يحب المساكين و يجلس إليهم و يحدثونه و كان رسول اللّه (ص) يسميه أبا المساكين.

(2) في ط و ق «البصري» و هو تحريف، و في المخطوطة و هامش ط و الأغاني 9/263، «المصري» ، و هو الفضل ابن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري المدني نزيل مصر روى عن عمه بكير بن عمرو و أبي هريرة. ذكره ابن حبان في الثقات. و قال ابن بولس توفي بالإسكندرية، و قال العجلي مصري تابعي ثقة. راجع تهذيب التهذيب 8/269 و خلاصة تهذيب الكمال 1/262.

(3) ابن أبي الحديد 3/407، و صفة الصفوة 1/206 و ابن سعد 1/77.

(4) المعروف بابن عقدة أحد أعلام محدثي الشيعة الزيدية ولد سنة 240 هـ و توفي سنة 332 هـ و قيل فيه أنه كان يملي في مثالب الصحابة.

(5) ابن سعد 3/407، 8/161 و ابن أبي الحديد 3/407.

(6) في ط و ق «سنان» و في الخطية و ابن أبي الحديد شيبان.

27

و أمها فاطمة بنت عبيد (1) بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.

و أمها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.

و أمها عاتكة بنت أبي همهمة. و اسم أبي همهمة عمرو بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن أبي وديعة بن الحارث بن فهر.

و أمها تماضر بنت أبي عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.

و أمها حبيبة، و هي أمة اللّه بنت عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي و هو ثقيف.

و أمها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن صبح بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر.

و أمها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف.

و أمها كليبة بنت قصية (2) بن سعد بن بكر بن هوازن.

و أمها حبّى بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن.

و فاطمة بنت أسدي، بن هاشم، أول هاشمية تزوجت هاشميا و ولدت له، و أدركت النبي (ص) ، فأسلمت و حسن إسلامها، و أوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها، و صلّى عليها و نزل في لحدها و اضطجع معها فيه، و أحسن الثناء عليها.

____________

(1) من هنا إلى قوله: و هي أول هاشمية تزوجت هاشميا محذوف من الخطية و هو ثابت في النسخة التي نقل عنها ابن أبي الحديد 1/4.

(2) في ابن أبي الحديد 1/5 «كلة بنت حصين» .

28

حدّثني العباس بن علي بن العباس النسائي قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن أيّوب، قال حدّثنا الحسن بن بشر، قال/ (4) حدّثنا سعدان بن الوليد بيّاع السابري‏ (1) ، عن عطاء، عن ابن عباس قال. لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول اللّه (ص) قميصه و اضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: يا رسول اللّه ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه المرأة. فقال:

«إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها. إني إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، و اضطجعت معها في قبرها ليهون عليها» .

حدّثني علي بن العباس المقانعي‏ (2) قال: حدّثنا عبيد بن الهيثم، قال:

حدّثنا القاسم بن نصر، عن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة عن الزبير بن سعد الهاشمي، عن أبيه، عن علي قال: أمرني رسول اللّه (ص) فغسلت أمي فاطمة بنت أسد.

حدّثني محمد بن الحسين الخثعمي قال: حدّثنا عباد بن يعقوب قال:

أخبرنا عمرو بن ثابت، عن عبد اللّه بن يسار، عن جعفر بن محمد قال:

كانت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب حادية عشرة، يعني في السابقة إلى الإسلام، و كانت بدرية.

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي [عن حسين بن حسين اللؤلؤي‏] (3) قال حدّثنا السّري بن سهل الجند نسابوري قال حدّثنا محمد بن عمرو ربيح‏ (4) عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن إبراهيم، عن الحسن البصري، عن الزبير بن العوّام، قال:

____________

(1) في القاموس: «السابري ثوب رقيق جيد» و في المخطوطة «بباغ السابري» و في هامشها «الباغ: البستان» و يرجح الأول ما جاء في إتقان المقال ص 4 «آدم بياع اللؤلؤ» و ما ورد في فهرست الطوسي ص 122 «عتبة بياع القصب» .

(2) في ط و ق القانعي و هو تحريف، و في الأنساب للسمعاني 2/539 «النسبة إلى المقانع جمع مقنعة التي يختمر بها النساء-يعني الخمار-و المشهور بها أبو الحسن علي بن العباس بن الوليد المقانعي. يروى عنه محمد بن مروان الكوفي و غيره، و روى عنه أبو بكر بن المقري. و مات بعد شوّال سنة 306 هـ.

(3) الزيادة من الخطية.

(4) في تهذيب التهذيب 2/75 «ابن عمرو بن زنيج» و في الخطية «بن عمرو يعني الرازي» .

29

سمعت النبي (ص) يدعوا النساء إلى البيعة حين أنزلت هذه الآية يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُؤْمِنََاتُ يُبََايِعْنَكَ ، و كانت فاطمة بنت أسد أول امرأة بايعت رسول اللّه (ص) .

حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال:

حدّثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه، عن جده:

أن رسول اللّه (ص) دفن فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب بالروحاء مقابل حمام أبي قطيفة.

ذكر مقتل جعفر بن أبي طالب و السبب فيه و بعض أخباره‏

قرأت‏[ذلك‏]على محمد بن جرير الطبري في كتاب المغازي فأقرّ به.

قلت حدثكم محمد بن حميد الرازي قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: و قرئ بحضرتي على أحمد بن محمد بن الجعد الوشاء. قيل حدثكم إسحاق المسيّبي‏ (1) . قال حدّثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري في خبر جعفر بن أبي طالب و رجوعه من بلاد الحبشة مع من رجع إلى النبي (ص) من المهاجرين إليها بأحاديث/ (5) دخل بعضها في بعض، و ذكرت معانيها مفصلة برواية نقلتها في أماكنها و مواضعها.

حدّثني محمد بن إبراهيم بن أبان السرّاج، قال: حدّثنا بشار بن موسى الخفاف، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأجلح، عن الشعبي-و اللفظ له.

قال: لما فتح النبي (ص) خيبر قدم جعفر بن أبي طالب رضوان اللّه عليه من

____________

(1) في ط و ق «المسيئي» و في ق «السنيني» هو أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق، بن محمد، بن عبد الرحمن، بن عبد اللّه، بن المسيب بن أبي السائب، بن عابد، بن عبد اللّه بن عمروم بن مخزوم، كان مدنيا و نزل بغداد. كان ثقة صالحا. توفي في ربيع الأول سنة 236 هـ راجع تهذيب التهذيب 9/37.

30

الحبشة فالتزمه رسول اللّه (ص) و جعل يقبّل بين عينيه‏ و يقول: «ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر» (1) .

قال ابن إسحاق و ابن شهاب الزهري:

لما قدم جعفر من أرض الحبش بعث رسول اللّه (ص) بعثه إلى مؤتة.

قال ابن إسحاق خاصة عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير:

أنه بعث ذلك البعث في جمادي لسنة ثمان من الهجرة، و استعمل عليهم زيد بن حارثة، و قال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه، بن رواحة على الناس‏ (2) .

أخبرنا محمد بن جرير[قراءة عليه‏]قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة (3) ، عن ابن إسحاق قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر، أنه حدّث عن زيد بن أرقم قال:

مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم و العرب، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها و تعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، و على ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عبادة بن مالك. ثم التقوا فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللّه (ص) حتى شاط (4) في رماح القوم‏ (5) . ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى‏[إذا ألحمه القتال‏]اقتحم عن فرس‏ (6) له

____________

(1) ابن سعد 4/23 و أسد الغابة 1/287 و ابن أبي الحديد 3/407 و البداية و النهاية 4/256 و الاستيعاب 1/81.

(2) ابن سعد 2/93، و 4/24، و ابن هشام 4/15، و البداية و النهاية 4/241، و عمدة القاري 17/268، و السيرة الحلبية 3/77، و شرح المواهب 2/269.

(3) في الخطية «مسلمة» تحريف. و هو سلمة بن الفضل الأنصاري، أبو عبد اللّه الرازي الأبرش الأزرق القاضي، روى عن ابن إسحاق و حجاج بن أرطاة، و روى عنه عثمان بن أبي شيبة و ابن معين و وثقه.

و قال مرة ليس به بأس يتشيع. و قال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، و ضعفه النسائي و قال البخاري: عنده مناكير، مات بعد السبعين و مائة. راجع خلاصة تذهيب الكمال ص 126 و تهذيب التهذيب 4/153.

(4) شاط الرجل: أي سال دمه فهلك.

(5) ابن أبي الحديد 3/405.

(6) الزيادة من سيرة ابن هشام 4/20.

31

شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام‏ (1) .

أخبرنا محمد بن جرير، قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة و أبو ثميلة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه [عباد] (2) ، قال حدّثني أبي الذي أرضعني، و كان أحد بني مرّة بن عوف، و كان في تلك الغزوة غزوة مؤتة، قال: و اللّه لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها. ثم قاتل القوم حتى قتل‏ (3) .

حدّثنا أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه قال: حدّثني إبراهيم بن الوليد بن سلمة القرشي، قال حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الملك بن عقبة، عن أبي يونس، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال:

بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول اللّه يوم مؤتة (4) ، فلما دخلت المسجد قال لي رسول اللّه (ص) / (6) : على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد فقتل، فرحم اللّه زيدا ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فقاتل جعفر فقتل فرحم اللّه جعفرا. ثم أخذ اللواء عبد اللّه بن رواحة فقاتل عبد اللّه بن رواحة فقتل، فرحم اللّه عبد اللّه.

قال: فبكى أصحاب رسول اللّه (ص) و هم حوله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ما لنا لا نبكي و قد ذهب خيارنا و أشرافنا و أهل الفضل منا. فقال: لا تبكوا؛ فإنما مثل أمتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكيها (5) و هيأ مساكبها، و حلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا، ثم عاما

____________

(1) طبقات ابن سعد 4/25، و أسد الغابة 2/288، و شرح المواهب 2/272، و السيرة الحلبية 3/78، و ابن الأثير 2/160، و التنبيه و الأشراف 231.

(2) الزيادة من سيرة ابن هشام 4/20.

(3) الإصابة 1/248 و حلية الأولياء 1/118 و الطبري 3/109.

(4) قيل إن الذي قدم بخبر مؤتة على الرسول يعلى بن أمية، و قيل أبو عامر الأشعري راجع شرح المواهب 2/276.

(5) في لسان العرب 19/50 «الركية» البئر تحفر و الجمع ركي و ركايا.

32

فوجا، فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا (1) ، و أطولها شمراخا (2) .

و الذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه.

قال أبو الفرج:

و فيما قال لي علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد اللّه بن العباس بن علي بن أبي طالب «اروه عني» ، و أخرج إليّ كتاب عمّه محمد بن علي بن حمزة فكتبته عنه. قال علي بن عبد اللّه بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب: قتل جعفر و هو ابن ثلاث أو أربع و ثلاثين سنة. و هذا عندي شبيه بالوهم؛ لأنه قتل في سنة ثمان من الهجرة، و بين ذلك الوقت و بين مبعث رسول اللّه (ص) إحدى و عشرون سنة، و هو أسن من أخيه أمير المؤمنين علي عليه السلام بعشر سنين، و كان لعلي حين أسلم سنون مختلف في عددها فالمكثر يقول كانت خمس عشرة، و المقلل يقول سبع سنين.

و كان إسلامه في السنة التي بعث فيها رسول اللّه (ص) لا خلاف في ذلك. و على أي الروايات قيس أمره علم أنه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين‏ (3) .

قال أبو إسحاق في حديثه الذي تقدم ذكره، و قد حدّثنا به أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدّثنا يحيى بن الحسن قال: حدّثني إبراهيم بن علي بن عبيد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال:

قال كعب بن مالك يرثي جعفر بن أبي طالب:

هدت العيون و دمع عينك يهمل # سحّا كما و كف الضباب المخضل‏ (4)

____________

(1) في اللسان 20/67 «القنو» العذق بما فيه من الرطب و الجمع القنوان و الأقناء.

(2) في اللسان 3/509 «الشمراخ و المشروخ: العثكال الذي عليه البسر و أصله في العذق و قد يكون في العنب.

(3) جزم ابن عبد البر بأن سنه كانت إحدى و أربعين سنة. راجع شرح المواهب 2/271.

(4) الشعر في ابن هشام 4/27 و ابن أبي الحديد 3/404 و الروض الأنف 2/261 و البداية و النهاية 4/261.

همل الدمع: سال، و سحا: صبا، و وكف: قطر، و يروى «كما و كف الطباب» و هو جمع طبابة، و هي سير-

33

و كأنما بين الجوانح و الحشا # مما تأوّبني شهاب مدخل‏ (1) / (7)

وجدا على النّفر الذين تتابعوا # يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا

صلى الإله عليهم من فتية # و سقى عظامهم الغمام المسبل‏ (2)

صبروا بمؤتة للإله نفوسهم # عند الحمام حفيظة أن ينكلوا (3)

إذ يهتدون بجعفر و لوائه # قدّام أوّلهم و نعم الأوّل‏ (4)

حتى تفرّقت الصفوف و جعفر # حيث التقى وعث الصّفوف مجدّل‏ (5)

فتغيّر القمر المنير لفقده # و الشمس قد كسفت و كادت تأفل‏ (6)

[قوم بهم نصر الإله عباده # و عليهم نزل الكتاب المنزل‏ (7) ]

و يهديهم رضى الإله لخلقه # و بحدّهم نصر النبيّ المرسل‏ (8)

بيض الوجوه ترى بطون أكفّهم # تندى إذا اعتذر الزمان الممحل‏ (9)

____________

ق-بين خرزتين في المزادة فإن كان غير محكم و كف منه الماء، و المخضل: السائل الندى. و في ابن أبي الحديد 3/404 «و كف الرباب» و في سيرة ابن هشام بعد هذا البيت:

في ليلة وردت على همومها # طورا أحسن و تارة أتململ

و اعتادني حزن فبت كأنني # ببنات نعش و السماك موكل‏

(1) المدخل: النافذ: إلى الداخل.

(2) المسبل: الممطر.

(3) الحمام: الموت. و ينكلوا: يرجعوا هائبين لعدوهم.

(4) بعد هذا البيت في سيرة ابن هشام:

فمضوا أمام المسلمين كأنهم # فنق عليهن الحديد المرفل‏

و الفنق: الفحول من الإبل، و المرفل: السابغ.

(5) في سيرة ابن هشام «حتى تفرجت» و الوعث الرمل الذي تغيب فيه الأرجل، و مجدل: مطروح على الجدالة، و هي الأرض. و في ابن أبي الحديد «... التقى جمع الغواة» .

(6) تأفّل: تغيّب، و في القرآن (فلما أفلت قال إني لا أحب الآفلين) و في سيرة ابن هشام بعد هذا البيت:

قرم علا بنيانه من هاشم # فرعا أشم و سؤددا ما ينقل‏

(7) الزيادة من النسخة الخطية و في سيرة ابن هشام «عصم الإله» و فيها بعد البيت:

فضلوا المعاشر عشرة و تكرما # و تنهدت أحلامهم من يجهل

لا يطلقون إلى السفاه حباهم # و يرى خطيبهم بحق يفصل‏

(8) و يروى «بجدهم» قال أبو ذر: «من رواه بالحاء المهملة فمعناه بشجاعتهم و إقدامهم؛ و من رواه بالجيم المكسورة فهو معلوم» .

(9) الممحل: الشديد القحط و في أ، ب: «قوم بهم نظر الإله لخلقه» .

34

حدّثنا حامد بن محمد البلخي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمر القواريري قال: حدّثنا محبوب-يعني ابن الحسن-قال: حدّثنا خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال:

ما ركب أحد المطايا و لا ركب الكور، و لا انتعل، و لا احتذى النعال أحد بعد رسول اللّه (ص) أفضل من جعفر بن أبي طالب‏ (1) .

حدّثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان الخراز، قال: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سعيد الخدري، قال:

قال رسول اللّه (ص) : «خير الناس حمزة، و جعفر و علي عليهم السلام» (2) .

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا الفضل، قال: حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم:

رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين‏ (3) .

حدّثني أحمد بن محمد، قال: حدّثني يحيى بن الحسن، قال:

حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا وهب بن وهب، قال: حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه، قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:

خلق الناس من أشجار شتى، و خلقت أنا و جعفر من طينة واحدة (4) .

حدّثنا محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا محمد بن عبيد

____________

(1) رواه الترمذي و النسائي و إسناده صحيح. راجع الإصابة 1/248، و ابن أبي الحديد 3/407، و أسد الغابة 1/287، و شرح المواهب 2/275.

(2) ابن أبي الحديد 3/407.

(3) طبقات ابن سعد 4/26 و أسد الغابة 1/287 و شرح المواهب 2/275 و الإصابة 1/249.

(4) ابن أبي الحديد 3/407.

35

المحاربي، قال: حدّثنا علي بن غراب، عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لجعفر:

أنت أشبهت خلقي و خلقي‏ (1) .

حدّثني محمد بن الحسين‏[الأشناني‏]قال: حدّثنا جعفر بن محمد الرماني، قال: حدّثنا محمد بن جبلة، قال: حدّثنا محمد بن بكر، قال:

حدّثنا أبو الجارود، قال: حدّثني عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر عن أبيه عن جده، قال:

خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو يقول:

الناس/ (8) من شجر شتى و أنا و جعفر من شجرة واحدة (2) .

2-محمد بن جعفر

و محمد بن جعفر بن أبي طالب‏ (3) لا تعرف كنيته‏ (4) .

و أمه أسماء بنت عميس‏ (5) بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن بشير بن وهب اللّه بن شهران بن عفرس بن خلف بن أفتل و هو خثعم.

و أمها هند بنت عوف بن الحارث و هو حماطة (6) ، بن ربيعة بن ذي جليل بن جرش و اسمه منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد

____________

(1) رواه البخاري و مسلم و هو في الإصابة 1/248 و ابن أبي الحديد 3/407 و تهذيب الأسماء 1/149 و لطائف المعارف 60.

(2) ابن أبي الحديد 3/407 و فيه «خلق الناس من أشجار شتى» .

(3) أسد الغابة 4/313 و الإصابة 6/52 و التنبيه و الإشراف 259 و المعارف 89.

(4) في الإصابة 6/52: «و ذكر أبو عمر عن الواقدي أنه يكنى أبا القاسم» .

(5) ترجم لها ابن سعد في الطبقات 8/205-209 و ابن حجر في الإصابة 8/8.

(6) في طبقات ابن سعد 8/205 «بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة» .

36

شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير و هو العرنجج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و هند هذه التي هي أم أسماء بنت عميس التي قيل فيها: الجرشية أكرم الناس أحماء. جرش من اليمن.

و ابنتها أسماء بنت عميس تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

و ابنتها الأخرى ميمونة أم المؤمنين زوجة النبي (ص) (1) .

و ابنتها الأخرى لبابةأم الفضل‏ (2) ، أخت ميمونة، أم ولد العباس بن عبد المطلب.

و ابنتها الأخرى سلمى بنت عميس أم ولد حمزة بن عبد المطلب‏ (3) .

و أحماء هذه الجرشية: رسول اللّه (ص) ، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و الحمزة، و العباس، و جعفر، و أبو بكر، و من أحمائها أيضا الوليد بن المغيرة المخزومي فأم خالد بن الوليد: أم الفضل الكبرى بنت الحارث أخت أسماء لأمها.

و هي أم جميع ولد جعفر بن أبي طالب.

و تزوجت الجرشية الحارث بن الجون بن بجير بن الهرم بن رويبة (4) بن عبد اللّه بن هلال بن عامر، فولدت منه ميمونة زوجة النبي (ص) ، و أم الفضل أختها تزوجها العباس فولدت له عبد اللّه، و عبيد اللّه، و الفضل و معبدا و قثم.

و ذكرها الحسن، بن زيد، بن الحسن، بن علي فقال:

كانت الجرشية أكرم الناس‏أحماء، ذكر رسول اللّه (ص) ، و عليّا

____________

(1) و هي آخر امرأة تزوجها و ترجمتها في طبقات ابن سعد 8/94 و الإصابة 8/191.

(2) ترجمتها في ابن سعد 8/202 و الإصابة 8/178.

(3) ولدت له ابنته عمارة كما قال ابن سعد في الطبقات 6/86، و ترجمتها في ابن سعد 8/29 و الإصابة 8/111.

(4) في الأصول «بجير بن الطرب بن رؤية» و هو خطأ صحح من المحبر 91 و ابن سعد 8/94 و الإصابة.

37

و حمزة، و جعفر، و العباس، و لم يذكر أبا بكر، و كان في مجلسه جماعة من ولده فرأى ذلك قد شقّ عليهم فقال: و أبو بكر بعد سكوت طويل‏ (1) .

و لما قتل عنها جعفر تزوجها أبو بكر (2) فولدت له محمدا. ثم توفى فخلف عليها علي بن أبي طالب‏ (3) فولدت له يحيى بن علي، و توفي في حياة أبيه، و لا عقب له.

أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن‏ (4) ، قال: حدّثني أبو يونس محمد بن أحمد، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر (5) ، قال: حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة عن أبيه عن الضحاك بن عثمان، قال:

خرج عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب في كتيبة يقال لها الخضراء، و كان بإزائه محمد بن جعفر بن أبي طالب معه راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي تسمى الجموح، و كانا في عشرة آلاف. فاقتتلوا قتالا شديدا.

قال: فلقد ألقى اللّه عزّ و جلّ عليهم الصبر، و رفع عنهم النصر، فصاح عبيد اللّه حتى متى هذا الحذر؟أبرز حتى أناجزك، فبرز له محمد، فتطاعنا حتى انكسرت رماحهما، ثم تضاربا حتى انكسر سيف محمد، و نشب سيف عبيد اللّه بن عمر في الدرقة، فتعانقا و عض كل واحد منهما أنف صاحبه فوقعا عن فرسيهما، و حمل أصحابهما عليهما فقتل بعضهم بعضا، حتى صار عليهما مثل التل العظيم من القتلى‏ (6) .

____________

(1) لم يرد هذا الخبر في النسخة الخطية.

(2) ابن سعد 8/206.

(3) ابن سعد 8/208.

(4) في ط، ق «الحسين» و هو تحريف، و يؤيد ما في الخطية ما في الأغاني 9/16 و 5/226.

(5) مات في سنة 236 هـ و ترجمته في تهذيب التهذيب 1/166.

(6) قال المسعودي في التنبيه و الإشراف ص 259: «و إلى هذا ذهب نساب آل أبي طالب، و إن كانت ربيعة ننكر ذلك و تذكر أن بكر بن وائل قتل عبيد اللّه بن عمر» .

38

و غلب علي عليه السلام على المعركة فأزال أهل الشام عنهما، و وقف عليهما فقال اكشفوا[هؤلاء القتلى عن ابن أخي‏فجعلوا يجرون القتلى عنهما حتى كشفوهما] (1) فإذا هما متعانقان، فقال علي عليه السلام: أما و اللّه لعن غير حب تعانقتما.

قال أبو الفرج:

هذه رواية الضحاك بن عثمان. و ما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد بن جعفر قتيل عبيد اللّه بن عمر، و لا سمعت لمحمد في كتاب أحد منهم ذكر مقتل.

و قد حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي بخبر مقتل عبيد اللّه بن عمر في كتاب صفين، قال: حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم [المنقري‏]، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعيد البصري، عن أبي مخنف لوط، بن يحيى الأزدي عن جعفر، بن القاسم عن زيد بن علقمة عن زيد بن بدر، قال:

خرج عبيد اللّه بن عمر في كتيبته الرقطاء، و هي الخضرية و كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر (2) ، إذ مرّ الحسن بن علي عليهما السلام فإذا هو برجل متوسد قتيل قد ركّز رمحه/ (9) في عينه و ربط فرسه برجله فقال الحسن عليه السلام: انظروا من هذا؟فإذا الرجل من همدان، و إذا القتيل عبيد اللّه قد قتله و بات عليه حتى أصبح، ثم سلبه‏ (3) ثم اختلفوا في قاتله‏ (4) فقالت

____________

(1) الزيادة من المخطوطة.

(2) نقل ابن أبي الحديد عن نصر بن مزاحم 1/498 «... و أرسل عبيد اللّه إلى الحسن بن علي إن لي إليك حاجة فألقني فلقيه الحسن، فقال له عبيد اللّه: إن أباك قد وتر قريشا أولا و آخرا و قد شنئه الناس فهل لك في خلعه و أن تتولى أنت هذا الأمر. فقال: كلاّ و اللّه لا يكون ذلك، ثم قال يا ابن الخطاب و اللّه لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك، أما إن الشيطان قد زيّن لك و خدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك و سيصرعك اللّه و يبطحك لوجهك قتيلا. قال نصر: فو اللّه ما كان إلاّ بياض ذلك اليوم حتى قتل عبيد اللّه و هو في كتيبة رقطاء، و كانت تدعى الخضرية كانوا أربعة آلاف» إلخ.

(3) راجع ترجمة عبيد اللّه في الإصابة 5/76-77 و في المعارف لابن قتيبة 81 و ابن أبي الحديد 1/242، 247، 96، 897، 499 و التنبيه و الإشراف 251. و في الإصابة: «و لا خلاف في أنه قتل بصفين مع معاوية، و اختلف في قاتله، و كان قتله في ربيع الأول سنة ست و ثلاثين» .

(4) في ابن أبي الحديد 1/498: قال نصر و قد اختلف الرواة في قاتل عبيد اللّه.

39

همدان: قتله هانئ بن الخطاب، و قالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو التّبعي‏ (1) ، و قالت بكر بن وائل قتله رجل من تيم اللّه بن ثعلبة يقال له مالك بن الصحصح‏ (2) من أهل البصرة، و أخذ سيفه ذا الوشاح فبعث معاوية[إليه‏] حين بويع له و هو بالبصرة فأخذ منه السيف‏ (3) .

و كذلك روى عن جماعة من أهل السيرة في مقتل عبيد اللّه‏[بن عمر]أو شبيه به، و اللّه أعلم أي ذلك كان.

3-علي بن أبي طالب‏

و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و يكنى أبا الحسن و أبا الحسين.

و روى عنه عليه السلام أنه قال: كان الحسن في حياة رسول اللّه (ص) يدعوني أبا الحسين. و كان الحسين يدعوني أبا الحسن و يدعوان رسول اللّه (ص) أباهما، فلما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم دعواني بأبيهما (4) .

و كانت فاطمة بنت أسد أمه رحمة اللّه عليها لما ولدته سمته حيدرة، فغير أبو طالب اسمه و سمّاه عليّا (5) .

و قيل إن ذلك اسم كانت قريش تسميه به.

و القول الأول أصح. و يدل عليه خبره يوم خيبر و قد برز إليه مرحب اليهودي و هو يقول:

____________

(1) في ابن أبي الحديد «بن عمرو الحضرمي» .

(2) في المطبوعتين «مالك بن الهجنع و التصويب عن المخطوطة» .

(3) و في ابن أبي الحديد «و قالت بكر: نحن قتلناه قتله محرز بن الصحصح من بني تيم بن اللات بن ثعلبة، و أخذ سيفه الوشاح فلما كان عام الجماعة طلب معاوية السيف من ربيعة الكوفة فقالوا: إنما قتله رجل من ربيعة البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه معاوية فأخذ السيف منه، قال نصر: و قد روى أن قاتله حريث بن جابر الحنفي و كان رئيس بني حنيفة يوم صفين مع علي» ، راجع شعرهما في المبارزة و رثاء كعب بن جعيل له في ابن أبي الحديد 1/498 و صفين 334.

(4) ابن أبي الحديد 1/4.

(5) نقل ابن أبي الحديد 4/362 عن ابن قتيبة قوله: «كانت أم علي عليه السلام سمته و أبو طالب غائب حين ولدته أسدا باسم أبيها أسد بن هاشم بن عبد مناف، فلما قدم أبو طالب غيّر اسمه و سمّاه عليا، و حيدرة اسم من أسماء الأسد... » .

40

قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب‏

إذا الحروب أقبلت تلهب‏ (1)

فبرز إليه علي عليه السلام و هو يقول‏ (2) :

أنا الذي سمتني أمي حيدرة # كليث غاب في العرين قسوره‏ (3)

أكيلكم بالصاع كيل السندره‏ (4)

حدّثني محمد بن الحسين، قال حدّثنا عباد[بن يعقوب‏] (5) قال حدّثنا موسى بن عمير القرشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: و ذكر سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللّه (ص) كناه أبا تراب و كانت من أحب ما يكنى به إليه‏ (6) . و كانت بنو أمية دعت سهلا إلى أن يسبه على المنبر.

حدّثني علي بن إسحاق بن عيسى المخزومي‏ (7) ، قال حدّثنا محمد بن بكار بن الرّيان‏ (8) ، قال حدّثنا أبو معشر عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال:

كان بين علي و فاطمة شي‏ء فجاء رسول اللّه (ص) / (10) يلتمس عليّا فلم يجده، فقال لفاطمة: أين هو؟قالت: كان بيني و بينه شي‏ء فخرج من عندي و هو غضبان، فالتمسه رسول اللّه (ص) فوجده في المسجد راقدا و قد زال رداؤه عنه و أصابه التراب، فأيقظه رسول اللّه (ص) و جعل يمسح التراب عن ظهره و قال له: إجلس فإنما أنت أبو تراب. و كنا نمدح عليّا إذا قلنا له أبو

____________

(1) ابن أبي الحديد 1/4 و شرح شافية أبي فراس 57 و الرياض النضرة 185.

(2) في لسان العرب 5/246 «قال أبو العباس أحمد بن يحيى: لم تختلف الرواة في أن هذه الأبيات لعلي» .

(3) في ابن أبي الحديد «كليث غابات كريه المنظره» و في اللسان «أمي الحيدر... غابات غليظ القسوره» و في شرح الشافية «ضرغام آجال و ليث قسوره» .

(4) في اللسان و شرح الشافية «أكيلكم بالسيف» و السندرة كما قال ثعلب مكيال كبير. و للرجز بقية راجعها في شرح الشافية.

(5) الزيادة من الخطية.

(6) تاريخ بغداد 1/133.

(7) في الخطية «المخرمي» .

(8) في ط و ق «ابن البرمان» و التصويب من الخطية و تهذيب التهذيب 9/75.

41

تراب‏ (1) .

فحدّثني علي بن إسحاق، قال حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدّثنا خالد بن مخلد، قال حدّثنا سلمان بن بلال، قال حدّثني أبو حازم بن دينار، قال سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول:

إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب، و إن كان ليفرح أن يدعى بها، و ما سمّاه بذلك إلاّ رسول اللّه (ص) .

و كان رسول اللّه (ص) أخذ عليّا من أبيه و هو صغير في سنة أصابت قريشا و قحط نالهم، و أخذ حمزة جعفرا، و أخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مؤنتهم و يخففوا عنه ثقلهم، و أخذ هو عقيلا لميله كان إليه فقال رسول اللّه (ص) : اخترت من اختار اللّه لي عليكم عليا (2) .

حدّثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال حدّثنا علي بن عابس عن هرون بن سعد عن زيد بن علي.

و كانت سنه يوم أسلم إحدى عشرة سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه، و قد قيل ثلاث عشر سنة، و قيل سبع سنين. و الثابت إحدى عشرة، لأن رسول اللّه (ص) بعث و هذه سنوه فأقام معه بمكة ثلاث عشرة، و بالمدينة عشرا. و عاش بعد رسول اللّه (ص) ثلاثين سنة تنقص شهورا. و قال في خطبته التي حدّثني بها العباس بن علي النسائي و غيره، قالوا حدّثنا محمد بن حسان الأزرق قال حدّثنا شبابة بن سوار (3) قال حدّثنا قيس بن الربيع عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي صادق: إنه عليه السلام خطب الناس و قد بلغه خبر غارة الغامدي على الأنبار فقال في خطبته: لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب، و يحهم و هل فيهم أشد مراسا لها

____________

(1) مرآة الجنان 1/108 و مسند أحمد 4/263 و القسطلاني 6/138 و عمدة القاري 22/214 و صفة الصفوة 4/145.

(2) ابن أبي الحديد 1/5 و 3/82 و فيه «و كان أبو طالب يحب عقيلا و لذلك قال: دعوا لي عقيلا و خذوا من شئتم» .

(3) في ط و ق «شبانة» و هو تحريف و التصويب من الخطية و التهذيب 4/300.

42

مني!و اللّه لقد دخلت فيها و أنا ابن عشرين سنة، و أنا الآن قد نيفت على الستين، و لكن لا رأي لمن لا يطاع‏ (1) .

و كان عليه السلام أسمر مربوعا و هو إلى القصر أقرب عظيم البطن دقيق الأصابع غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية/ (11) ، أصلع ناتئ الجبهة (2) .

قال أبو الفرج: و صفته هذه وردت بها الروايات متفرقة فجمعتها، و أتم ما ورد فيها من الأخبار حديث حدّثني به أحمد بن الجعد و عبد اللّه بن محمد البغوي قالا (3) حدّثنا سويد بن سعيد، قال حدّثنا داود بن عبد الجبار عن أبي إسحاق، قال:

أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة فرفعني فرأيت عليا يخطب على المنبر شيخا أصلع ناتئ الجبهة عريض ما بين المنكبين له لحية قد ملأت صدره في عينه اطرغشاش، قال داود يعني لينا في العين. قال فقلت لأبي: من هذا يا أبه؟ فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه (ص) و أخو رسول اللّه و وصي رسول اللّه و أمير المؤمنين صلوات اللّه و رضوانه و سلامه عليه.

قال أبو الفرج: و قد أتينا على صدر من أخباره فيه مقنع. و فضائله عليه السلام أكثر من أن تحصى، و القليل منها لا موقع له في مثل هذا الكتاب، و الإكثار يخرجنا عمّا شرطناه من الاختصار، و إنما ننبه على من خمل عند بعض الناس ذكره أو لم يشع فيهم فضله. فأمير المؤمنين عليه السلام بإجماع المخالف و الممالي، و المضاد و الموالي، على ما لا يمكن غمطه و لا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة لا المكتوبة عند الخاصة تغني عن تفضيله بقول و الاستشهاد عليه برواية.

____________

(1) ابن أبي الحديد 1/141.

(2) راجع طبقات ابن سعد 2/16 و الطبري 6/88 و تاريخ بغداد 1/134 و صفة الصفوة 1/119 و ابن الأثير 3/172 و الاستيعاب 2/282 و الاصابة 4/269 و لطائف المعارف 91 و تاريخ الخلفاء 113 و في اللسان 8/176 «حمش الساقين: دقيقهما» .

(3) في الخطية «أحمد بن الجعد قال» .

43

ثم نعود إلى ذكر خبر مقتله و السبب فيه‏

حدّثني به أحمد بن عيسى العجلي العطار قال حدّثني الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل النمري قال حدّثنا يحيى بن سعيد الجزار (1) عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد.

[عن عبد الرحمن بن عبيد اللّه عن جماعة] (2) . من الرواة قد ثبت ما رووه في مواضعة و حدّثني أيضا بمقتله عليه السلام محمد بن الحسين الأشناني قال حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي‏ (3) قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني قال حدّثنا إسماعيل بن راشد و دخل حديثه في حديث من قدّمت ذكره، و حدّثنا ببعضه أحمد بن محمد بن دلاّن الخيشي‏ (4) و أحمد بن الجعد الوشاء و محمد بن جرير الطبري و جماعة غيرهم قالوا حدّثنا أبو هشام الرفاعي قال حدّثنا أبو أسامة قال حدّثنا أبو حباب قال حدّثنا أبو عون الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا ذكر فيه مقتله فأتيت بأشياء منه في مواضعها من سياقة الأحاديث، و أكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلاّ ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينه قال:

اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم و عابوا أعمالهم عليهم‏ (5) / (12) و ذكروا أهل النهروان و ترحموا عليهم و قال بعضهم لبعض‏ (6) فلو أنا شرينا أنفسنا للّه فأتينا أئمة الضلال و طلبنا غرّتهم فأرحنا منهم العباد و البلاد و ثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء

____________

(1) «بن شعيب سعيد» و في الخطية «الخزار» .

(2) الزيادة من الخطية.

(3) الطبري 6/83.

(4) في الخطية «الحبشي» و هو تحريف و في الأنساب للسمعاني «الخيشي النسبة إلى الخيش و هو نوع من الكساء الغليظ و المشهور بهذه النسبة أبو بكر أحمد بن محمد دلان الخيشي من أهل بغداد رحل إلى مصر و حدث بها.

مات حوالي سنة ثلثمائة» .

(5) الطبري 6/83 و ابن أبي الحديد 2/42 و ابن الأثير 3/168 و الإمامة و السياسة 1/134 و البداية و النهاية 7/325 و الإرشاد 9 و مرآة الجنان 1/112 و تاريخ الخلفاء 117.

(6) في الطبري «و قالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا: إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، و الذين كانوا لا يخافون في اللّه لومة لائم فلو... »

44

الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه اللّه أنا أكفيكم عليا، و قال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، و قال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا و تواثقوا على الوفاء ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه و لا عن قتله و اتعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم عليا عليه السلام.

قال أبو مخنف قال أبو زهير (1) العبسي: الرجلان الآخران، البرك بن عبد اللّه التميمي و هو صاحب معاوية، و الآخر عمرو بن بكر التميمي و هو صاحب عمرو بن العاص.

فأما صاحب معاوية فإنه قصده‏ (2) فلما وقعت عينه عليه ضربه فوقعت ضربته في إليته، و أخذ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال اسماعيل بن راشد في حديثه: فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ و إما أن أسقيك دواء فتبرأو ينقطع نسلك. قال أما النار فلا أطيقها، و أما النسل ففي يزيد و عبد اللّه ما يقرّ عيني و حسبي بهما، فسقاه الدواء، فعوفي و عالج جرحه حتى التأم و لم يولد له بعد ذلك.

قال و قال له البرك بن عبد اللّه إن لك عندي بشارة، قال: و ما هي؟ فأخبره بخبر صاحبيه، و قال له: إن عليا يقتل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، و إن لم يقتل أعطيتك العهود و المواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك‏حتى تحكم فيّ بما تراه، فحبسه عنده، فلما أتاه أن عليا قد قتل خلى سبيله.

و قال غيره من الرواة بل قتله من وقته.

قال و أما صاحب عمرو بن العاص فإنه وافاه في تلك الليلة و قد وجد علة فأخذ دواء و استخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة و شد عليه عمرو بن بكر فضربه بسيفه فأثبته،

____________

(1) في ط و ق «قال زهير» و التصويب من الخطية و ابن أبي الحديد.

(2) ابن الأثير 3/170 و ابن أبي الحديد 2/42.

45

و أخذ الرجل فأتى به عمرو العاص فقتله، و دخل من غد إلى خارجة و هو يجود بنفسه فقال له: أما و اللّه أبا عبد اللّه ما أراد غيرك، قال عمرو: و لكن اللّه أراد خارجة.

رجع الحديث إلى خبر ابن ملجم لعنه اللّه. فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني و غيره قالوا حدّثنا علي بن المنذر الطريقي‏ (1) قال حدّثنا ابن فضيل قال حدّثنا فطر (2) / (13) عن أبي الطفيل قال:

جمع أمير المؤمنين علي الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين أو ثلاثا ثم بايعه، فقال له علي: ما يحبس أشقاها؟فو الذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه، ثم قال:

أشدد حيازيمك للمو # ت فإن الموت لاقيك

و لا تجزع من المو # ت إذا حل بواديك‏

قال: و روى غيره أن عليا أعطى الناس فلما بلغ إلى ابن ملجم قال:

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد (3)

أخبرنا الحسن بن علي الوشاء في كتابه إليّ قال حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدّثنا فطر عن أبي الطفيل بنحو من هذا الحديث‏ (4) .

حدّثني أحمد بن عيسى العجلي قال حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن أبي زهير العبسي قال: كان ابن ملجم من مراد و عداده في كندة فأقبل حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه و كتمهم أمره و طوى عنهم ما تعاقد هو و أصحابه عليه بمكة من قتل أمراء

____________

(1) في الخطية «الطريفي» و هو تحريف. و في الأنساب للسمعاني 1/370 «... كان ولد في الطريق فنسب إليها» .

(2) في ط و ق «قطر» بالقاف و هو خطأ و التصويب عن الخطية و هو فطر بن خليفة المخزومي تابعي وثقه أحمد و ابن معين مات سنة خمس و خمسين و مائة. راجع التهذيب و خلاصة تذهيب الكمال ص 265 و منتهى المقال 243 و ميزان الاعتدال 2/335.

(3) طبقات ابن سعد 3/22 و الإرشاد للمفيد ص 6 و ابن أبي الحديد 2/42 و شرح شافية أبي فراس 99.

(4) من أول الخبر إلى هنا ناقص من الخطية. و في ط و ق «قطر» .

46

المسلمين مخافة أن ينشر منه شي‏ء (1) و أنه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الأخضر بن شجنة من تيم الرباب، و كان علي قتل أباها و أخاها بالنهروان، و كانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما رآها ابن ملجم لعنه اللّه شغف بها و اشتد إعجابه، فخبر خبرها فخطبها فقالت له: ما الذي تسمى لي من الصداق فقال لها؟احتكمي ما بدا لك. فقالت: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم و وصيفا و خادما و قتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي بذلك؟فقالت: تلتمس غرته فإن أنت قتلته شفيت نفسي و هنأك العيش معي، و إن قتلت فما عند اللّه خير لك من الدنيا، قال لها: أما و اللّه أقدمني هذا المصر و قد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله إلاّ ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت، قالت له: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك و يقويك ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر و سألته معونة ابن ملجم لعنه اللّه، فتحمل ذلك لها، و خرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: يا شبيب، هل لك في شرف الدنيا و الآخرة؟قال: و ما هو قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، و كان شبيب على رأي الخوارج، فقال له: يا بن ملجم هبلتك الهبول. لقد جئت شيئا إدّا، و كيف نقدر على ذلك؟قال له ابن ملجم:

نكمن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به فقتلناه، فإذا نحن قتلناه شفينا أنفسنا و أدركنا ثأرنا، فلم يزل به حتى أجابه، فأقبل معه حتى دخل على قطام و هي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة، فقالا لها: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل/ (14) .

قالت لهما: فإذا أردتما ذلك فألقياني في هذا الموضع. فانصرفا من عندها فلبثا أياما. ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين. هكذا في حديث أبي مخنف، و في حديث أبي عبد الرحمن السلمي أنها كانت ليلة سبع عشرة خلت من شهر رمضان، و هو أصح. فقال لها ابن

____________

(1) الطبري 6/83 و ابن أبي الحديد 2/42 و ابن الأثير 7/325 و البداية و النهاية 7/325 و شرح الشافية 99 و الاستيعاب 2/282.

47

ملجم: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبيّ و واعداني أن يقتل كل واحد منا صاحبه الذي يتوجه إليه. فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، و تقلّدوا سيفهم، و مضوا فجلسوا مما يلي السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين إلى الصلاة.

حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن الأسود و الأجلح أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس-لعنهما اللّه-في الليلة التي أراد فيها بعليّ ما أراد، و الأشعث في بعض نواحي المسجد. فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم-لعنه اللّه-النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فقال له حجر: قتلته يا أعور. و خرج مبادرا إلى علي و أسرج دابته و سبقه ابن ملجم- لعنه اللّه-فضرب عليا. و أقبل حجر و الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين.

قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني:

و للأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين-عليه السلام-أخبار يطول شرحها منها ما حدّثنيه محمد بن الحسين الأشناني قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى بن بنت السدي‏ (1) قال: حدّثنا علي بن مسهر، عن الأجلح عن موسى بن أبي النعمان قال:

جاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه فردّه قنبر، فأدمى الأشعث أنفه.

فخرج علي و هو يقول: ما لي و لك يا أشعث، أما و اللّه لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك، قيل: يا أمير المؤمنين و من غلام ثقيف؟قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلاّ أدخلهم ذلا. قيل: يا أمير المؤمنين:

كم يلي؟و كم يمكث؟قال: عشرين إن بلغها.

حدّثني محمد بن الحسين الأشناني. قال: حدّثني إسماعيل بن موسى.

قال: حدّثني رجل، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: حدّثتني

____________

(1) في ط و ق «من بيت السدي» و التصويب عن المخطوطة و خلاصة تذهيب الكمال ص 31 و ميزان الاعتدال 1/117 و تهذيب التهذيب 1/335.

48

امرأة منّا قالت:

رأيت الأشعث بن قيس دخل على علي-عليه السلام-فأغلظ له علي، فعرض له الأشعث بأن يفتك به. فقال له علي عليه السلام: أبا لموت تهددني، فو اللّه ما أبالي وقعت على الموت، أو وقع الموت عليّ.

حدّثني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي بهذين الحديثين، عن فضل المصري عن إسماعيل‏[ابن بنت السدي‏].

رجع الحديث إلى مقتل أمير المؤمنين.

قال أبو مخنف: فحدّثني أبي عن عبد اللّه بن محمد الأزدي، قال‏ (1) :

إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة قياما و قعودا، و ركوعا و سجودا، ما يسأمون، إذ خرج على صلاة الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيف؟و سمعت قائلا يقول: الحكم للّه يا علي لا لك و لا لأصحابك، ثم رأيت بريق سيف آخر ثانيا و سمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل.

و قال إسماعيل بن راشد في حديثه، و وافقه في معناه حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن شبيب بن بجرة ضربه فأخطأه‏ (2) و وقعت ضربته في الطاق، و ضربه ابن ملجم-لعنه اللّه-فأثبت الضربة في وسط رأسه.

و قال عبد اللّه بن محمد الأزدي في حديثه: و شد الناس عليه من كل ناحية حتى أخذوه.

قال أبو مخنف: فذكرت همدان أن رجلا منهم يكنى أبا أدماء من مرهبة أخذه، و قال يزيد بن أبي زياد: أخذه المغيرة بن الحرث بن عبد المطلب طرح عليه قطيفة ثم صرعه. و أخذ السيف من يده و جاء به.

____________

(1) ابن أبي الحديد 2/43 و الطبري 6/84 و فيه «و ذكر أن محمد بن الحنفية قال لعبد اللّه: إني لأصلي» ..

(2) ابن سعد 2/24 و ابن أبي الحديد 2/44.

49

و أما شبيب بن بجرة فإنه خرج هاربا، فأخذه رجل فصرعه؛ و جلس على صدره و أخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه و لا يسمعوا منه، فوثب عن صدره و خلاه، و طرح السيف من يده. و مضى الرجل هاربا حتى دخل منزله. و دخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا؟لعلّك قتلت أمير المؤمنين، فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم. فمضى ابن عمّه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله.

قال أبو مخنف: فحدّثني أبي، عن عبد اللّه بن محمد الأزدي، قال:

ادخل ابن ملجم لعنه اللّه على عليّ، و دخلت عليه فيمن دخل، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، و إن سلمت رأيت فيه رأيي‏ (1) ، فقال ابن ملجم-لعنه اللّه-و اللّه لقد ابتعته بألف، و سممته بألف، فإن خانني فأبعده اللّه. قال: و نادته أم كلثوم: يا عدو اللّه قتلت أمير المؤمنين.

قال: إنما قتلت أباك. قالت يا عدو اللّه. إني لأرجو أن ألا يكون عليه بأس.

قال لها: فأراك إنما تبكين عليا. إذا و اللّه لقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم‏ (2) .

قال و أخرج ابن ملجم-لعنه اللّه-و هو يقول: قال إسماعيل بن راشد في حديثه و الشعر لابن أبي مياس الفزاري‏ (3) :

و نحن ضربنا يا بنة الخير إذ طغى # أبا حسن مأمومة فتقطرا (4)

هذا البيت لأبي مخنف وحده، و زاد إسماعيل هذين البيتين:

____________

(1) في الطبري 6/85 «و ذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي فبينما هم عنده و ابن ملجم مكتوف من يديه إذ نادته أم كلثوم... » .

(2) ابن سعد 2/24 و ابن الأثير 3/169 و الطبري 6/85 و ابن أبي الحديد 2/44 و العقد الفريد 4/359 و الإمامة و السياسة 1/135.

(3) في المؤتلف و المختلف ص 186 «و أما ابن ميناس فهو المرادي ذكر ذلك أبو سعيد السكري و قال إن ميناس أمه، و لم ينسبه... » .

(4) كذا في الخطية و ابن أبي الحديد، و في ط و ق «ضربنا ثابت الحبر» و في ابن الأثير: «ضربنا يا لك الخير حيدرا» .

50

و نحن خلعنا ملكه عن نظامه # بضربة سيف إذ علا و تجبرا

و نحن كرام في الصباح أعزة # إذا المرء بالموت ارتدى و تأزرا (1)

قال أبو مخنف. فحدّثني بعض أصحابنا، عن صالح بن ميثم، عن أخيه عمران قال:

لقد رأيت الناس حين انصرفوا من صلاة الصبح أتوا بابن ملجم لعنه اللّه ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع و هم يقولون له: يا عدو اللّه، ما ذا فعلت؟ أهلكت أمة محمد (ص) ، و قتلت خير الناس. و إنه لصامت ما ينطق.

قال أبو مخنف: و حدّثني معروف بن خربوذ (2) عن أبي الطفيل أن صعصعة بن صوحان استأذن على أمير المؤمنين علي و قد أتاه عائدا، فلم يكن له عليه إذن، فقال صعصعة للآذن: قل له يرحمك اللّه يا أمير المؤمنين حيا و ميتا، فو اللّه لقد كان اللّه في صدرك عظيما، و لقد كنت بذات اللّه عليما، فأبلغه الآذن مقالة صعصعة، فقال له علي: قل له و أنت يرحمك اللّه، فلقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة (3) .

قال: و قال رجل يذكر أمر قطام و ابن ملجم لعنهما اللّه و قال محمد بن [الحسين الأشناني‏] (4) في حديثه عن المسروقي و هو ابن أبي مياس‏[الفزاري‏]:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة # كمهر قطام من فصيح و أعجم‏ (5)

ثلاثة آلاف و عبد وقينة # و ضرب علي بالحسام المصمم

و لا مهر أغلى من علي و إن علا # و لا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم‏

و أنشدنا حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: أنشدنا الرياشي أحسبه عن أبي

____________

(1) في المؤتلف و المختلف «إذا ما الموت بالموت إلخ. و أنشد له قبله:

و عادتنا قتل الملوك و عزنا # صدور القنا إذا لبسنا السنورا

(2) في الخطية «ابن جرير» و هو تحريف راجع ميزان الاعتدال 3/184 و خلاصة تذهيب الكمال 327.

(3) ابن أبي الحديد 2/44.

(4) في ط و ق «محمد بن الحسن» في حديثه.

(5) الطبري 6/87 و ابن الأثير 3/171 و ابن أبي الحديد 2/46 و البداية و النهاية و الاستيعاب 2/285، و نسبت للفرزدق في شرح شافية أبي فراس ص 101 و تاريخ الخلفاء ص 118.

51

عبيدة (1) لعمران بن حطان-لعنه اللّه-يمدح ابن ملجم لعنه اللّه و غضب عليهما بقتل أمير المؤمنين عليه السلام:

يا ضربة من كمي ما أراد بها # إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

أني لأفكر فيه ثم أحسبه # أو في البرية عند اللّه ميزانا (2)

كذب. لعنهما اللّه و عذبهما.

حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني الحسن بن نصر (3) ، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني عطية بن الحرث، عن عمر بن تميم و عمرو بن أبي بكار أن عليا لما ضرب جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، و كان متطبّبا صاحب كرسي يعالج الجراحات، و كان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، و إن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين-عليه السلام-دعا برئة شاة حارة و استخرج عرقا منها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين إعهد عهدك فإن عدو اللّه قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. فدعا علي عند ذلك بصحيفة و دواة و كتب وصيته‏ (4) .

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، صلوات اللّه و بركاته عليه.

إِنَّ صَلاََتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ‏`لاََ شَرِيكَ لَهُ وَ بِذََلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ (5) .

____________

(1) كذا في الخطية و في ط «أحسب» و في ق «أحست عن عبيدة» .

(2) البداية و النهاية 7/328.

(3) في الخطية «الحسين» و فيها... «و عمرو بن أبي بكار» .

(4) نقلها ابن أبي الحديد 2/44 و هي في الطبري 6/85 و ابن الأثير 3/169 و البداية 7/327.

(5) سورة الأنعام 162، 163

52

أوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهل بيتي و من بلغه كتابي هذا بتقوى اللّه ربنا و لا تموتن و إلاّ أنتم مسلمون، و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا، فإني سمعت رسول اللّه يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام، و إن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين. و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون اللّه عليكم الحساب. اللّه اللّه في الأيتام فلا تغيّرن أفواههم بجفوتكم‏ (1) ، و اللّه اللّه في جيرانكم فإنها وصية رسول اللّه (ص) ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.

و اللّه اللّه في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، و اللّه اللّه في الصلاة فإنها عماد دينكم.

و اللّه اللّه في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا و إنه إن خلا منكم لم تنظروا.

و اللّه اللّه في صيام شهر رمضان فإنه جنة من النار، و اللّه اللّه في الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم و أنفسكم.

و اللّه اللّه في زكاة أموالكم فإنها تطفئ غضب ربكم.

و اللّه اللّه في أمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم. و اللّه اللّه في أصحاب نبيكم فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أوصى بهم.

و اللّه اللّه في الفقراء و المساكين فأشركوهم في معايشكم، و اللّه اللّه فيما ملكت أيمانكم‏[فإنها (2) كانت آخر وصية رسول اللّه (ص) إذ قال: أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم‏] (3) .

ثم قال: الصلاة الصلاة. لا تخافوا في اللّه لومة لائم فإنه يكفكم من بغى

____________

(1) قال ابن أبي الحديد 2/45 «... يحتمل تفسيرين أحدهما: لا تجيعوهم فإن الجائع يخلف فمه و تتغير نكهته، و الثاني لا تحوجوهم إلى تكرار الطلب و السؤال فإن السائل ينضب ريقه و تنشف لهواته و يتغير ريح فمه» .

(2) الزيادة من الخطية و ابن أبي الحديد.

(3) قال ابن أبي الحديد «يعني به الحيوان الناطق و الحيوان الأعجم» .

53

عليكم و أرادكم بسوء قولوا للناس حسنا كما أمركم اللّه، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيولّي الأمر عنكم و تدعون فلا يستجاب لكم.

عليكم بالتواضع و التباذل و التبار، و إيّاكم و التقاطع و التفرق و التدابر:

وَ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ وَ لاََ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ (1) حفظكم اللّه من أهل بيت، و حفظ فيكم نبيه، استودعكم اللّه خير مستودع و أقرأ عليكم سلام اللّه و رحمته.

حدّثني أحمد بن محمد بن دلان، و أحمد بن الجعد، و محمد بن جرير الطبري‏ (2) ، قالوا: حدّثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال:

حدّثني أبو جناب، قال: حدّثني أبو عون الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الحسن بن علي قال:

خرجت أنا و أبي نصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بني، إني بت الليلة أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة (3) يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فملكتني عيناي، فسنح لي رسول اللّه (ص) ، فقلت: يا رسول اللّه، ما ذا لقيت من أمتك من الأود و اللدد؟فقال لي: ادع عليهم. فقلت: «اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، و أبدلهم بي من هو شر لهم مني» ، و جاء ابن النباح‏ (4) . فآذنه بالصلاة فخرج و خرجت خلفه فاعتوره الرجلان فأما أحد فوقعت ضربته في الطاق، و أما الآخر فأثبتها في رأسه‏ (5) .

[قال أبو الفرج الأود العوج، و اللد الخصومات‏] (6) :

حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن‏ (7) بن نصر، قال: حدّثنا

____________

(1) سورة المائدة 2.

(2) في الخطية «أحمد بن الجعد و أحمد بن سويد قالوا» .

(3) في ط و ق «صبيحة قدر تسع عشر ليلة» .

(4) في ابن أبي الحديد «ابن أبي الساج» و في الخطية «.. التياح» و هو تحريف.

(5) ابن سعد 3/24 و ابن أبي الحديد 2/45.

(6) سقط هذا الشرح من الخطية.

(7) في ابن أبي الحديد «الحسين» .

54

زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن الأسود و الكندي و الأجلخ‏ (1) قالا:

توفي أمير المؤمنين علي-عليه السلام-و هو ابن أربع و ستين سنة، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى و عشرين ليلة مضت من شهر رمضان، و ولي غسله ابنه الحسن بن علي و عبد اللّه بن العباس، و كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص. و صلّى عليه ابنه الحسن و كبّر عليه خمس تكبيرات، و دفن في الرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح.

و دعا الحسن بعد دفنه بابن ملجم-لعنه اللّه-فأتى به‏ (2) فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ على العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظرما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله و إلاّ قتلته ثم أعود إليك. تحكم فيّ بحكمك، فقال له الحسن: هيهات. و اللّه لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضرب عنقه فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه فوهبها لها فأحرقتها بالنار.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال:

حدّثنا يعقوب بن زيد (3) ، قال: حدّثني ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الخلال، عن جده، قال:

قلت للحسن بن علي: أين دفنتم أمير المؤمنين؟قال: خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على مسجد الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى.

حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد بإسناده، قال:

____________

(1) في ط و ق «الأخلج» و التصويب من ميزان الاعتدال 1/37.

(2) راجع ابن سعد 3/26 و ابن أبي الحديد 2/46 و تاريخ اليعقوبي 2/191.

(3) في ط و ق «ابن يزيد» و ما ذكر عن الخطية و ابن أبي الحديد.