بداية الحكمة

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
178 /
5

-

6

مقدمة

في تعريف هذا الفن و موضوعه و غايته‏

<بسم الله الرحمن الرحيم> الحمد لله و له الثناء بحقيقته- و الصلاة و السلام على رسوله ؟محمدY- خير خليقته و آله الطاهرين من أهل بيته و عترته- .

الحكمة الإلهية علم يبحث فيه- عن أحوال الموجود بما هو موجود- و موضوعها الذي يبحث فيه عن أعراضه الذاتية- هو الموجود بما هو موجود- و غايتها معرفة الموجودات على وجه كلي- و تمييزها مما ليس بموجود حقيقي- . توضيح ذلك- أن الإنسان يجد من نفسه- أن لنفسه حقيقة و واقعية- و أن هناك حقيقة و واقعية وراء نفسه- و أن له أن يصيبها- فلا يطلب شيئا من الأشياء- و لا يقصده إلا من جهة- أنه هو ذلك الشي‏ء في الواقع- و لا يهرب من شي‏ء و لا يندفع عنه- إلا لكونه هو ذلك الشي‏ء في الحقيقة- .

فالطفل الذي يطلب الضرع مثلا- إنما يطلب ما هو بحسب الواقع لبن- لا ما هو بحسب التوهم و الحسبان كذلك- .

و الإنسان الذي يهرب من سبع- إنما يهرب مما هو بحسب الحقيقة- سبع لا بحسب التوهم و الخرافة- .

لكنه ربما أخطأ في نظره- فرأى ما ليس بحق حقا واقعا في الخارج-

7

كالبخت و الغول- أو اعتقد ما هو حق واقع في الخارج- باطلا خرافيا كالنفس المجردة و العقل المجرد- فمست الحاجة- بادئ بدء إلى معرفة أحوال الموجود- بما هو موجود الخاصة به‏- ليميز بها ما هو موجود في الواقع- مما ليس كذلك- و العلم الباحث عنها هو الحكمة الإلهية- . فالحكمة الإلهية هي- العلم الباحث عن أحوال الموجود- بما هو موجود- و يسمى أيضا الفلسفة الأولى- و العلم الأعلى- و موضوعه الموجود بما هو موجود- و غايته تمييز الموجودات الحقيقية من غيرها- و معرفة العلل العالية للوجود- و بالأخص العلة الأولى- التي إليها تنتهي سلسلة الموجودات- و أسمائه الحسنى و صفاته العليا- و هو الله عز إسمه‏

8

-

9

المرحلة الأولى في كليات مباحث الوجود و فيها اثنا عشر فصلا

10

الفصل الأول في بداهة مفهوم الوجود

مفهوم الوجود بديهي معقول بنفس ذاته- لا يحتاج فيه‏ إلى توسيط شي‏ء آخر- فلا معرف له من حد أو رسم‏- لوجوب كون المعرف أجلى و أظهر من المعرف‏- فما أورد في تعريفه- من أن الوجود أو الموجود بما هو موجود- هو الثابت العين‏ أو الذي يمكن أن يخبر عنه‏- من قبيل شرح الاسم دون المعرف الحقيقي‏- على أنه سيجي‏ء أن الوجود- لا جنس له و لا فصل له و لا خاصة له- بمعنى إحدى الكليات الخمس‏- و المعرف يتركب منها فلا معرف للوجود

الفصل الثاني في أن مفهوم الوجود مشترك معنوي‏

يحمل الوجود على موضوعاته- بمعنى واحد اشتراكا معنويا- . و من الدليل عليه- أنا نقسم الوجود إلى أقسامه المختلفة- كتقسيمه إلى وجود الواجب و وجود الممكن- و تقسيم وجود الممكن إلى وجود الجوهر و وجود العرض- ثم وجود الجوهر إلى أقسامه- و وجود العرض إلى أقسامه- و من المعلوم أن التقسيم يتوقف في صحته- على وحدة المقسم و وجوده في الأقسام‏ - .

11

و من الدليل عليه- أنا ربما أثبتنا وجود شي‏ء ثم ترددنا في خصوصية ذاته- كما لو أثبتنا للعالم صانعا- ثم ترددنا في كونه واجبا أو ممكنا- و في كونه ذا ماهية أو غير ذي ماهية- و كما لو أثبتنا للإنسان نفسا- ثم شككنا في كونها مجردة أو مادية و جوهرا أو عرضا- مع بقاء العلم بوجوده على ما كان- فلو لم يكن للوجود معنى واحد- بل كان مشتركا لفظيا متعددا معناه بتعدد موضوعاته- لتغير معناه بتغير موضوعاته- بحسب الاعتقاد بالضرورة- . و من الدليل عليه- أن العدم يناقض الوجود و له معنى واحد- إذ لا تمايز في العدم- فللوجود الذي هو نقيضه معنى واحد- و إلا ارتفع النقيضان و هو محال- . و القائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء- أو بين الواجب و الممكن- إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية- بين العلة و المعلول مطلقا- أو بين الواجب و الممكن- و رد بأنه يستلزم تعطيل العقول‏ عن المعرفة- فإنا إذا قلنا الواجب موجود- فإن كان المفهوم منه المعنى- الذي يفهم من وجود الممكن- لزم الاشتراك المعنوي- و إن كان المفهوم منه ما يقابله و هو مصداق نقيضه- كان نفيا لوجوده تعالى عن ذلك- و إن لم يفهم منه شي‏ء كان تعطيلا للعقل عن المعرفة- و هو خلاف ما نجده من أنفسنا بالضرورة

الفصل الثالث في أن الوجود زائد على الماهية عارض لها

بمعنى أن المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر- فللعقل أن يجرد الماهية- و هي ما يقال في جواب ما هو عن الوجود- فيعتبرها وحدها فيعقلها- ثم‏

12

يصفها بالوجود و هو معنى العروض‏- فليس الوجود عينا للماهية و لا جزءا لها- .

و الدليل عليه أن الوجود يصح سلبه عن الماهية- و لو كان عينا أو جزءا لها لم يصح ذلك- لاستحالة سلب عين الشي‏ء و جزئه عنه- .

و أيضا حمل الوجود على الماهية يحتاج إلى دليل- فليس عينا و لا جزءا لها لأن ذات الشي‏ء- و ذاتياته بينة الثبوت له لا تحتاج فيه إلى دليل- .

و أيضا الماهية متساوية النسبة في نفسها- إلى الوجود و العدم- و لو كان الوجود عينا أو جزءا لها- استحالت نسبتها إلى العدم الذي هو نقيضه‏

الفصل الرابع في أصالة الوجود و اعتبارية الماهية

إنا لا نرتاب في أن هناك أمورا واقعية- ذات آثار واقعية ليست بوهم الواهم- ثم ننتزع من كل من هذه الأمور المشهودة لنا- في عين أنه واحد في الخارج مفهومين اثنين- كل منهما غير الآخر مفهوما و إن اتحدا مصداقا- و هما الوجود و الماهية- كالإنسان الذي في الخارج- المنتزع عنه أنه إنسان و أنه موجود- .

و قد اختلف الحكماء في الأصيل منهما- فذهب ؟المشاءون‏Y إلى أصالة الوجود- و نسب إلى ؟الإشراقيين‏Y القول بأصالة الماهية- و أما القول بأصالتهما معا فلم يذهب إليه أحد منهم- لاستلزام ذلك كون كل شي‏ء شيئين‏ اثنين- و هو خلاف الضرورة- . و الحق ما ذهب إليه ؟المشاءون‏Y من أصالة الوجود- .

و البرهان عليه أن الماهية من حيث هي ليست إلا هي- متساوية

13

النسبة إلى الوجود و العدم- فلو لم يكن خروجها من حد الاستواء إلى مستوى الوجود- بحيث تترتب عليها الآثار بواسطة الوجود- كان ذلك منها انقلابا و هو محال بالضرورة- فالوجود هو المخرج لها عن حد الاستواء فهو الأصيل- .

و ما قيل إن الماهية بنسبة مكتسبة من الجاعل- تخرج من حد الاستواء- إلى مرحلة الأصالة فتترتب عليها الآثار- مندفع بأنها إن تفاوتت حالها بعد الانتساب- فما به التفاوت هو الوجود الأصيل- و إن سمي نسبة إلى الجاعل- و إن لم تتفاوت و مع ذلك حمل عليها أنها موجودة- و ترتبت عليها الآثار كان من الانقلاب كما تقدم- . برهان آخر الماهيات مثار الكثرة و الاختلاف بالذات- فلو لم يكن الوجود أصيلا- لم تتحقق وحدة حقيقية و لا اتحاد بين ماهيتين- فلم يتحقق الحمل‏ الذي هو الاتحاد في الوجود- و الضرورة تقضي بخلافه- فالوجود هو الأصيل الموجود بالذات- و الماهية موجودة به- . برهان آخر الماهية توجد بوجود خارجي- فتترتب عليها آثارها و توجد بعينها بوجود ذهني- كما سيأتي- فلا يترتب عليها شي‏ء من تلك الآثار- فلو لم يكن الوجود هو الأصيل- و كانت الأصالة للماهية و هي محفوظة في الوجودين- لم يكن فرق بينهما و التالي باطل فالمقدم مثله- . برهان آخر الماهية من حيث هي- تستوي نسبتها إلى التقدم و التأخر- و الشدة و الضعف و القوة و الفعل- لكن الأمور الموجودة في الخارج- مختلفة في هذه الأوصاف- فبعضها متقدم أو قوي كالعلة- و بعضها بخلاف ذلك كالمعلول- و بعضها بالقوة و بعضها بالفعل- فلو لم يكن الوجود هو الأصيل- كان اختلاف هذه الصفات مستندة إليها- و هي متساوية النسبة إلى الجميع هذا خلف- و هناك حجج أخرى مذكورة في المطولات‏- .

و للقائلين بأصالة الماهية- و اعتبارية الوجود حجج مدخولة- كقولهم لو كان الوجود أصيلا كان موجودا في الخارج- فله وجود و لوجوده وجود

14

فيتسلسل و هو محال- . و أجيب عنه بأن الوجود موجود- لكن بنفس ذاته لا بوجود آخر- فلا يذهب الأمر إلى غير النهاية- . و يظهر مما تقدم- ضعف قول آخر في المسألة منسوب إلى ؟المحقق الدواني‏Y- و هو أصالة الوجود في الواجب تعالى- و أصالة الماهية في الممكنات- و عليه‏ فإطلاق الموجود على الواجب- بمعنى أنه نفس الوجود- و على الماهيات بمعنى أنها منتسبة إلى الوجود- كاللابن و التامر بمعنى المنتسب إلى اللبن و التمر- هذا و أما على المذهب المختار فالوجود موجود بذاته- و الماهية موجودة بالعرض.

الفصل الخامس‏ في أن الوجود حقيقة واحدة مشككة

اختلف القائلون بأصالة الوجود- فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة- و هو المنسوب إلى ؟الفهلويين‏Y من حكماء الفرس‏- فالوجود عندهم- لكونه ظاهرا بذاته مظهرا لغيره من الماهيات- كالنور الحسي الذي هو ظاهر بذاته مظهر لغيره- من الأجسام الكثيفة للأبصار- .

فكما أن النور الحسي نوع واحد- حقيقته أنه ظاهر بذاته مظهر لغيره- و هذا المعنى متحقق في جميع مراتب الأشعة و الأظلة- على كثرتها و اختلافها- فالنور الشديد شديد في نوريته- التي يشارك فيها النور الضعيف- و النور الضعيف ضعيف في نوريته- التي يشارك فيها النور الشديد- فليست شدة الشديد منه جزءا مقوما للنورية- حتى يخرج الضعيف منه- و لا عرضا خارجا عن الحقيقة- و ليس ضعف الضعيف قادحا في نوريته- و لا أنه مركب من النور و الظلمة لكونها أمرا عدميا- بل شدة الشديد في أصل النورية و كذا ضعف الضعيف-

15

فللنور عرض عريض- باعتبار مراتبه المختلفة بالشدة و الضعف- و لكل مرتبة عرض عريض- باعتبار القوابل المختلفة من الأجسام الكثيفة- .

كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة- متمايزة بالشدة و الضعف و التقدم و التأخر و غير ذلك- فيرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك- و ما به الاختلاف إلى ما به الاتحاد- فليست خصوصية شي‏ء من المراتب جزءا مقوما للوجود- لبساطته كما سيجي‏ء و لا أمرا خارجا عنه- لأن أصالة الوجود تبطل ما هو غيره‏ الخارج عنه- بل الخصوصية في كل مرتبة مقومة لنفس المرتبة- بمعنى ما ليس بخارج منها- . و لها كثرة طولية باعتبار المراتب المختلفة- الآخذة من أضعف المراتب- و هي التي لا فعلية لها إلا عدم الفعلية- و هي المادة الأولى الواقعة في أفق العدم- ثم تتصاعد المراتب- إلى أن تنتهي إلى المرتبة الواجبة لذاتها- و هي التي لا حد لها إلا عدم الحد- و لها كثرة عرضية- باعتبار تخصصها بالماهيات المختلفة- التي هي مثار الكثرة- .

و ذهب قوم من ؟المشاءين‏Y- إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها- أما

16

كونه حقائق متباينة فلاختلاف آثارها- و أما كونها متباينة بتمام الذوات فلبساطتها- و على هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها- عرضيا خارجا عنها لازما لها- .

و الحق أنه حقيقة واحدة مشككة- أما كونها حقيقة واحدة فلأنه لو لم تكن كذلك- لكانت حقائق مختلفة متباينة بتمام الذوات- و لازمه كون مفهوم الوجود و هو مفهوم واحد كما تقدم‏- منتزعا من مصاديق متباينة بما هي متباينة و هو محال- بيان الاستحالة أن المفهوم و المصداق واحد ذاتا- و إنما الفارق كون الوجود ذهنيا أو خارجيا- فلو انتزع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير- كان الواحد بما هو واحد كثيرا بما هو كثير و هو محال- .

و أيضا لو انتزع المفهوم الواحد بما هو واحد- من المصاديق الكثيرة بما هي كثيرة- فإما أن تعتبر في صدقه خصوصية هذا المصداق- لم يصدق على ذلك المصداق- و إن اعتبر فيه خصوصية ذاك لم يصدق على هذا- و إن اعتبر فيه الخصوصيتان معا لم يصدق على شي‏ء منهما- و إن لم يعتبر شي‏ء من الخصوصيتين- بل انتزع من القدر المشترك بينهما- لم يكن منتزعا من الكثير بما هو كثير بل بما هو واحد- كالكلي المنتزع من الجهة المشتركة بين الأفراد- الصادق على الجميع هذا خلف- .

و أما أن حقيقته مشككة- فلما يظهر من الكمالات الحقيقية المختلفة- التي هي صفات متفاضلة- غير خارجة عن الحقيقة الواحدة كالشدة و الضعف- و التقدم و التأخر و القوة و الفعل و غير ذلك- فهي حقيقة واحدة متكثرة في‏

17

ذاتها- يرجع فيها كل ما به الامتياز إلى ما به الاشتراك- و بالعكس و هذا هو التشكيك.

الفصل السادس في ما يتخصص به الوجود

تخصص الوجود بوجوه ثلاثة- أحدها تخصص حقيقته الواحدة الأصلية- بنفس ذاتها القائمة بذاتها- و ثانيها تخصصها بخصوصيات مراتبها- غير الخارجة عن المراتب- و ثالثها تخصص الوجود- بإضافته إلى الماهيات المختلفة الذوات- و عروضه لها فيختلف باختلافها بالعرض‏- .

و عروض الوجود للماهية و ثبوته لها- ليس من قبيل العروض المقولي- الذي يتوقف فيه ثبوت العارض على ثبوت المعروض قبله- فإن حقيقة ثبوت الوجود للماهية هي ثبوت الماهية به- لأن ذلك هو مقتضى أصالته و اعتباريتها- و إنما العقل لمكان أنسه بالماهيات- يفترض الماهية موضوعه- و يحمل الوجود عليها و هو في الحقيقة من عكس الحمل- . و بذلك يندفع الإشكال- المعروف في حمل الوجود على الماهية- من أن قاعدة الفرعية أعني أن- ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له- توجب ثبوتا للمثبت له قبل ثبوت الثابت- فثبوت الوجود للماهية يتوقف على ثبوت الماهية قبله- فإن كان ثبوتها عين ثبوته لها- لزم تقدم الشي‏ء على نفسه- و إن كان غيره توقف ثبوته لها على ثبوت آخر لها- و هلم جرا فيتسلسل- . و قد اضطر هذا الإشكال‏ بعضهم إلى القول- بأن القاعدة مخصصة بثبوت الوجود للماهية- و بعضهم إلى تبديل الفرعية بالاستلزام- فقال الحق أن‏

18

ثبوت شي‏ء لشي‏ء- مستلزم لثبوت المثبت له و لو بهذا الثابت- و ثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية- بنفس هذا الوجود فلا إشكال- . و بعضهم إلى القول بأن الوجود- لا تحقق له و لا ثبوت في ذهن و لا في خارج- و للموجود معنى بسيط يعبر عنه بالفارسية بـ هست- و الاشتقاق صوري فلا ثبوت له- حتى يتوقف على ثبوت الماهية- . و بعضهم إلى القول بأن الوجود- ليس له إلا المعنى المطلق و هو معنى الوجود العام- و الحصص و هو المعنى العام مضافا إلى ماهية ماهية- بحيث يكون التقييد داخلا و القيد خارجا- و أما الفرد و هو مجموع المقيد و التقييد و القيد- فليس له ثبوت- . و شي‏ء من هذه الأجوبة على فسادها لا يغني طائلا- و الحق في الجواب ما تقدم- من أن القاعدة إنما تجري في ثبوت شي‏ء لشي‏ء- لا في ثبوت الشي‏ء- و بعبارة أخرى مجرى القاعدة هو الهلية المركبة- دون الهلية البسيطة كما في ما نحن فيه‏

الفصل السابع في أحكام الوجود السلبية

منها أن الوجود لا غير له‏- و ذلك لأن انحصار الأصالة في حقيقته- يستلزم بطلان كل ما يفرض غيرا له أجنبيا عنه- بطلانا ذاتيا- . و منها أنه لا ثاني له‏ لأن أصالة حقيقته الواحدة- و بطلان كل ما يفرض غيرا له- ينفى عنه كل خليط داخل فيه أو منضم إليه- فهو صرف في‏

19

نفسه و صرف الشي‏ء لا يتثنى و لا يتكرر- فكل ما فرض له ثانيا عاد أولا- و إلا امتاز عنه بشي‏ء غيره داخل فيه أو خارج عنه- و المفروض انتفاؤه هذا خلف- . و منها أنه ليس جوهرا و لا عرضا- أما أنه ليس جوهرا فلأن الجوهر ماهية- إذا وجدت في الخارج وجدت لا في الموضوع- و الوجود ليس من سنخ الماهية- و أما أنه ليس بعرض- فلأن العرض متقوم الوجود بالموضوع- و الوجود متقوم بنفس ذاته و كل شي‏ء متقوم به- . و منها أنه ليس جزءا لشي‏ء- لأن الجزء الآخر المفروض غيره‏ و الوجود لا غير له- .

و ما قيل إن كل ممكن زوج تركيبي‏ من ماهية و وجود- فاعتبار عقلي- ناظر إلى الملازمة بين الوجود الإمكاني و الماهية- لا أنه تركيب من جزءين أصيلين- . و منها أنه لا جزء له- لأن الجزء إما جزء عقلي كالجنس و الفصل- و إما جزء خارجي كالمادة و الصورة- و إما جزء مقداري- كأجزاء الخط و السطح و الجسم التعليمي- و ليس للوجود شي‏ء من هذه الأجزاء- . أما الجزء العقلي- فلأنه لو كان للوجود جنس‏ و فصل- فجنسه إما الوجود فيكون فصله المقسم مقوما- لأن الفصل بالنسبة إلى الجنس- يفيد تحصل ذاته لا أصل ذاته- و تحصل الوجود هو ذاته هذا خلف- و إما غير الوجود و لا غير للوجود- . و أما الجزء الخارجي و هو المادة و الصورة- فلأن المادة و الصورة هما الجنس و الفصل- مأخوذين بشرط لا- فانتفاء الجنس و الفصل يوجب انتفاءهما- .

و أما الجزء المقداري‏ فلأن المقدار من عوارض الجسم- و الجسم مركب من المادة و الصورة- و إذ لا مادة و لا صورة للوجود فلا جسم له- و إذ لا

20

جسم له فلا مقدار له‏- . و مما تقدم يظهر أنه ليس نوعا- لأن تحصل النوع بالتشخص الفردي- و الوجود متحصل بنفس ذاته.

الفصل الثامن في معنى نفس الأمر

قد ظهر مما تقدم- أن لحقيقة الوجود ثبوتا و تحققا بنفسه- بل الوجود عين الثبوت و التحقق- و أن للماهيات و هي التي تقال في جواب ما هو- و توجد تارة بوجود خارجي فتظهر آثارها- و تارة بوجود ذهني فلا تترتب عليها الآثار- ثبوتا و تحققا بالوجود لا بنفس ذاتها- و إن كانا متحدين في الخارج- و أن المفاهيم الاعتبارية العقلية- و هي التي لم تنتزع من الخارج- و إنما اعتبرها العقل بنوع من التعمل- لضرورة تضطره إلى ذلك- كمفاهيم الوجود و الوحدة و العلية و نحو ذلك- أيضا لها نحو ثبوت بثبوت مصاديقها المحكية بها- و إن لم تكن هذه المفاهيم مأخوذة في مصاديقها- أخذ الماهية في أفرادها و في حدود مصاديقها- .

و هذا الثبوت العام الشامل لثبوت الوجود و الماهية- و المفاهيم الاعتبارية العقلية- هو المسمى بنفس الأمر- التي يعتبر صدق القضايا بمطابقتها فيقال- إن كذا كذا في نفس الأمر- .

توضيح ذلك أن من القضايا- ما موضوعها خارجي بحكم خارجي- كقولنا الواجب تعالى موجود- و قولنا خرج من في البلد- و قولنا

21

الإنسان ضاحك بالقوة- و صدق الحكم فيها بمطابقته للوجود العيني- .

و منها ما موضوعها ذهني بحكم ذهني- أو خارجي مأخوذ بحكم ذهني- كقولنا الكلي إما ذاتي أو عرضي و الإنسان نوع- و صدق الحكم فيها بمطابقته للذهن- لكون موطن ثبوتها هو الذهن- و كلا القسمين صادقان بمطابقتهما لنفس الأمر- فالثبوت النفس الأمري أعم مطلقا- من كل من الثبوت الذهني و الخارجي- . و قيل إن نفس الأمر عقل مجرد فيه صور المعقولات عامة- و التصديقات الصادقة في القضايا الذهنية و الخارجية- تطابق ما عنده من الصور المعقولة- . و فيه أنا ننقل الكلام إلى ما عنده من الصور العلمية- فهي تصديقات تحتاج في صدقها- إلى ثبوت لمضامينها خارج عنها تطابقه.

الفصل التاسع الشيئية تساوق الوجود

الشيئية تساوق الوجود و العدم لا شيئية له‏- إذ هو بطلان محض لا ثبوت له- فالثبوت و النفي في معنى الوجود و العدم- .

و عن المعتزلة أن الثبوت أعم مطلقا من الوجود- فبعض المعدوم ثابت عندهم و هو المعدوم‏ الممكن- و يكون حينئذ النفي أخص من العدم- و لا يشمل إلا المعدوم الممتنع- .

و عن بعضهم أن بين الوجود و العدم واسطة- و يسمونها الحال- و هي صفة الموجود التي ليست بموجودة و لا معدومة- كالعالمية و القادرية و الوالدية- من الصفات الانتزاعية التي لا وجود منحازا لها- فلا يقال إنها موجودة- و الذات الموجودة تتصف بها فلا يقال إنها معدومة- و أما الثبوت و النفي‏

22

فهما متناقضان لا واسطة بينهما- و هذه كلها أوهام يكفي في بطلانها قضاء الفطرة- بأن العدم بطلان لا شيئية له‏.

الفصل العاشر في أنه لا تمايز و لا علية في العدم‏

أما عدم التمايز فلأنه فرع الثبوت و الشيئية- و لا ثبوت و لا شيئية في العدم- نعم ربما يتميز عدم من عدم- بإضافة الوهم إياه إلى الملكات و أقسام الوجود- فيتميز بذلك عدم من عدم- كعدم البصر و عدم السمع و عدم زيد و عدم عمرو- و أما العدم المطلق فلا تميز فيه- . و أما عدم العلية في العدم- فلبطلانه و انتفاء شيئيته- و قولهم عدم العلة علة لعدم المعلول- قول على سبيل التقريب و المجاز- فقولهم مثلا لم يكن غيم فلم يكن مطر معناه بالحقيقة- أنه لم يتحقق العلية التي بين وجود الغيم و وجود المطر- و هذا كما قيل‏- نظير إجراء أحكام القضايا الموجبة في السالبة- فيقال سالبة حملية و سالبة شرطية و نحو ذلك- و إنما فيها سلب الحمل و سلب الشرط.

23

الفصل الحادي عشر في أن المعدوم المطلق لا خبر عنه‏

و يتبين ذلك بما تقدم- أنه بطلان محض لا شيئية له بوجه- و إنما يخبر عن شي‏ء بشي‏ء- .

و أما الشبهة بأن قولهم- المعدوم المطلق لا يخبر عنه يناقض نفسه- فإنه بعينه إخبار عنه بعدم الإخبار فهي مندفعة- بما سيجي‏ء في مباحث الوحدة و الكثرة- من أن من الحمل ما هو أولي ذاتي- يتحد فيه الموضوع و المحمول مفهوما- و يختلفان اعتبارا- كقولنا الإنسان إنسان- و منه ما هو شائع صناعي- يتحدان فيه وجودا و يختلفان مفهوما- كقولنا الإنسان ضاحك- و المعدوم المطلق- معدوم مطلق بالحمل الأولي و لا يخبر عنه- و ليس بمعدوم مطلق بل موجود من الموجودات الذهنية- بالحمل الشائع- و لذا يخبر عنه بعدم الإخبار عنه فلا تناقض- . و بهذا التقريب يندفع الشبهة- عن عدة قضايا توهم التناقض- كقولنا الجزئي جزئي و هو بعينه كلي يصدق على كثيرين- و قولنا شريك الباري ممتنع مع أنه معقول في الذهن- فيكون موجودا فيه ممكنا- و قولنا الشي‏ء إما ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه- و اللا ثابت في الذهن ثابت فيه لأنه معقول- .

وجه الاندفاع‏ أن الجزئي- جزئي بالحمل الأولي‏ كلي بالشائع- و شريك الباري شريك الباري بالحمل الأولي- و ممكن مخلوق للباري‏

24

بالشائع- و اللا ثابت في الذهن كذلك بالحمل الأولي- و ثابت فيه بالشائع‏.

الفصل الثاني عشر في امتناع إعادة المعدوم بعينه‏

قالت الحكماء إن إعادة المعدوم بعينه ممتنعة- و تبعهم فيه بعض المتكلمين و أكثرهم على الجواز- .

و قد عد ؟الشيخ‏Y امتناع إعادة المعدوم ضروريا- و هو من الفطريات- لقضاء الفطرة ببطلان شيئية المعدوم- فلا يتصف بالإعادة- . و القائلون بنظرية المسألة احتجوا عليه بوجوه- منها أنه لو جاز للمعدوم في زمان- أن يعاد في زمان آخر بعينه- لزم تخلل العدم بين الشي‏ء و نفسه‏ و هو محال- لأنه‏ حينئذ يكون موجودا بعينه- في زمانين بينهما عدم متخلل- . حجة أخرى- لو جازت إعادة الشي‏ء بعينه بعد انعدامه- جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه- ابتداء و استئنافا و هو محال- أما الملازمة فلأن- حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد- و مثل الشي‏ء ابتداء و معاده ثانيا لا فرق بينهما بوجه- لأنهما يساويان الشي‏ء المبتدأ من جميع الوجوه- و أما استحالة اللازم- فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود- عدم التميز بينهما و هو وحدة الكثير- من حيث هو كثير و هو محال- . حجة أخرى‏ إن إعادة المعدوم- توجب كون المعاد هو المبتدأ و هو محال- لاستلزامه الانقلاب أو الخلف- بيان الملازمة أن إعادة المعدوم بعينه- يستلزم كون المعاد هو المبتدأ ذاتا- و في جميع الخصوصيات المشخصة حتى الزمان-

25

فيعود المعاد عين المبتدأ و هو الانقلاب أو الخلف- . حجة أخرى‏ لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود- بالغا معينا يقف عليه- إذ لا فرق بين العودة الأولى و الثانية- و هكذا إلى ما لا نهاية له- كما لم يكن فرق بين المعاد و المبتدإ- و تعين العدد من لوازم وجود الشي‏ء المتشخص- . احتج المجوزون‏ بأنه لو امتنعت إعادة المعدوم- لكان ذلك إما لماهيته و إما للازم ماهيته- و لو كان كذلك لم يوجد ابتداء و هو ظاهر- و إما لعارض مفارق فيزول الامتناع بزواله- .

و رد بأن الامتناع لأمر لازم- لكن لوجوده و هويته لا لماهيته- كما هو ظاهر من الحجج المتقدمة- .

و عمدة ما دعاهم إلى القول بجواز الإعادة- زعمهم أن المعاد و هو مما نطقت به الشرائع الحقة- من قبيل إعادة المعدوم- . و يرده أن الموت نوع استكمال لا انعدام و زوال.

26

-

27

المرحلة الثانية في انقسام الوجود إلى خارجي و ذهني‏ و فيها فصل واحد

28

الفصل الأول في الوجود الخارجي و الوجود الذهني‏

المشهور بين الحكماء أن للماهيات- وراء الوجود الخارجي- و هو الوجود الذي- يترتب عليها فيه‏ الآثار المطلوبة منها- وجودا آخر لا يترتب عليها فيه الآثار- و يسمى وجودا ذهنيا- فالإنسان الموجود في الخارج قائم لا في موضوع- بما أنه جوهر- و يصح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة بما أنه جسم- و بما أنه نبات و حيوان و إنسان- ذو نفس نباتية و حيوانية و ناطقة- و يظهر معه آثار هذه الأجناس و الفصول و خواصها- و الإنسان الموجود في الذهن‏ المعلوم لنا إنسان ذاتا- واجد لحده- غير أنه لا يترتب عليه شي‏ء من تلك الآثار الخارجية- . و ذهب بعضهم‏ إلى أن المعلوم لنا- المسمى بالموجود الذهني شبح الماهية لا نفسها- و المراد به عرض و كيف قائم بالنفس- يباين المعلوم الخارجي في ذاته- و يشابهه و يحكيه في بعض خصوصياته- كصورة الفرس المنقوشة على الجدار- الحاكية للفرس الخارجي- و هذا في الحقيقة سفسطة-

29

ينسد معها باب العلم بالخارج من أصله- . و ذهب بعضهم‏ إلى إنكار الوجود الذهني مطلقا- و أن علم النفس بشي‏ء إضافة خاصة منها إليه- و يرده العلم بالمعدوم- إذ لا معنى محصلا للإضافة إلى المعدوم- . و احتج المشهور على ما ذهبوا إليه- من الوجود الذهني‏ بوجوه- الأول أنا نحكم على المعدومات بأحكام إيجابية- كقولنا بحر من زيبق كذا- و قولنا اجتماع النقيضين غير اجتماع الضدين‏- إلى غير ذلك و الإيجاب إثبات- و إثبات شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له- فلهذه الموضوعات المعدومة وجود- و إذ ليس في الخارج ففي موطن آخر و نسميه الذهن- . الثاني أنا نتصور أمورا تتصف بالكلية و العموم- كالإنسان الكلي و الحيوان الكلي- و التصور إشارة عقلية لا تتحقق إلا بمشار إليه موجود- و إذ لا وجود للكلي بما هو كلي في الخارج- فهي موجودة في موطن آخر و نسميه الذهن- . الثالث أنا نتصور الصرف من كل حقيقة- و هو الحقيقة- محذوفا عنها ما يكثرها بالخلط و الانضمام- كالبياض المتصور بحذف جميع الشوائب الأجنبية- و صرف الشي‏ء لا يتثنى و لا يتكرر- فهو واحد وحدة جامعة لكل ما هو من سنخه- و الحقيقة بهذا الوصف غير موجودة في الخارج- فهي موجودة في موطن آخر نسميه الذهن- .

30

تتمة

- قد استشكل على وجود الماهيات في الذهن- بمعنى حصولها بأنفسها فيه‏ إشكالات- الإشكال الأول‏- أن القول بحصول الماهيات بأنفسها في الذهن- يستلزم كون الشي‏ء الواحد جوهرا و عرضا معا و هو محال- بيان الملازمة أن الجوهر المعقول في الذهن جوهر- بناء على انحفاظ الذاتيات- و هو بعينه عرض لقيامه بالنفس قيام العرض بمعروضه- و أما بطلان اللازم- فللزوم كونه قائما بالموضوع و غير قائم به- . الإشكال الثاني- أن الماهية الذهنية مندرجة تحت مقولة الكيف- بناء على ما ذهبوا إليه- من كون الصور العلمية كيفيات نفسانية- ثم إنا إذا تصورنا جوهرا- كان مندرجا تحت مقولة الجوهر لانحفاظ الذاتيات- و تحت مقولة الكيف كما تقدم- و المقولات متباينة بتمام الذوات‏ فيلزم التناقض في الذات- و كذا إذا تصورنا مقولة أخرى غير الجوهر- كانت الماهية المتصورة مندرجة تحت مقولتين- و كذا لو تصورنا كيفا محسوسا- كان مندرجا تحت الكيف المحسوس و الكيف النفساني- و هو اندراج شي‏ء واحد تحت نوعين متباينين من مقولة- و استحالته ضرورية- . قالوا و هذا الإشكال أصعب من الأول- إذ لا كثير إشكال في كون شي‏ء واحد جوهرا و عرضا- لأن التباين الذاتي الذي بين المقولات- إنما هو بين الجوهر و الكيف و الكم و غيرها- و أما مفهوم العرض بمعنى القائم‏

31

بالموضوع- فهو عرض عام صادق على تسع من المقولات- و من الجائز أن يعم الجوهر الذهني أيضا و يصدق عليه- لأن المأخوذ في رسم الجوهر أنه- ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع- فمن الجائز أن يقوم في الذهن في موضوع- و هو إذا وجد في الخارج كان لا في موضوع هذا- .

و أما دخول الماهية الواحدة تحت مقولتين- كالجوهر و الكيف و كالكم و الكيف- و المقولات متباينات بتمام الذوات- فاستحالته ضرورية لا مدفع لها- . و بالتوجه إلى ما تقدم من الإشكال و نحوه- ذهب بعضهم إلى إنكار الوجود الذهني‏ من أصله- بالقول بأن العلم بإضافة من النفس إلى الخارج- فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية فقط- و قد عرفت ما فيه- .

و بعضهم إلى أن الماهيات الخارجية- موجودة في الذهن بأشباحها لا بأنفسها- و شبح الشي‏ء يغاير الشي‏ء و يباينه- فالصورة الذهنية كيفية نفسانية- و أما المقولة الخارجية فغير باقية فيها- فلا إشكال‏ و قد عرفت ما فيه- . و قد أجيب عن الإشكال بوجوه- منها ما عن بعضهم أن العلم غير المعلوم- فعند حصول ماهية من الماهيات الخارجية- في الذهن أمران أحدهما- الماهية الحاصلة نفسها على ما كانت عليه في الخارج- و هو المعلوم و هو غير قائم بالنفس بل قائم بنفسه- حاصل فيه حصول الشي‏ء في الزمان و المكان- و الآخر صفة حاصلة للنفس قائمة بها- يطرد بها عنها الجهل و هو العلم- و على هذا فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية- من جوهر أو كم أو غير ذلك- و العلم كيف نفساني- فلا اجتماع أصلا لا لمقولتين و لا لنوعين من مقولة- . و فيه أنه خلاف ما نجده من أنفسنا عند العلم- فإن الصورة الحاصلة في نفوسنا عند العلم بشي‏ء- هي بعينها التي تطرد عنا الجهل- و تصير وصفا لنا

32

نتصف به- . و منها ما عن بعض القائلين بأصالة الماهية- أن الصورة الحاصلة في الذهن- منسلخة عن ماهيتها الخارجية- و منقلبة إلى الكيف- بيان ذلك أن موجودية الماهية متقدمة على نفسها- فمع قطع النظر عن الوجود لا ماهية أصلا- و الوجود الذهني و الخارجي مختلفان بالحقيقة- فإذا تبدل الوجود بصيرورة الوجود الخارجي ذهنيا- جاز أن تنقلب الماهية- بأن يتبدل الجوهر أو الكم أو غير ذلك كيفا- فليس للشي‏ء بالنظر إلى ذاته حقيقة معينة- بل الكيفية الذهنية إذا وجدت في الخارج- كانت جوهرا أو غيره- و الجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن- كان كيفا نفسانيا- و أما مباينة الماهية الذهنية للخارجية- مع أن المدعى حصول الأشياء بأنفسها في الذهن- و هو يستدعي أصلا مشتركا بينهما- فيكفي في تصويره أن يصور العقل- أمرا مبهما مشتركا بينهما- يصحح به أن ما في الذهن هو الذي في الخارج- كما يصور المادة المشتركة- بين الكائن و الفاسد الماديين- . و فيه أولا أنه لا محصل لما ذكره- من تبدل الماهية و اختلاف الوجودين في الحقيقة- بناء على ما ذهب إليه- من أصالة الماهية و اعتبارية الوجود- . و ثانيا أنه في معنى القول بالشبح- بناء على ما التزم به من المغايرة الذاتية- بين الصورة الذهنية و المعلوم الخارجي- فيلحقه ما لحقه من محذور السفسطةو منها ما عن بعضهم- أن العلم لما كان متحدا بالذات مع المعلوم بالذات- كان من مقولة المعلوم إن جوهرا فجوهر- و إن كما فكم و هكذا- و أما تسميتهم العلم كيفا- فمبني على المسامحة في التعبير- كما يسمى كل وصف ناعت للغير كيفا في العرف العام- و إن كان جوهرا- .

و بهذا يندفع إشكال اندراج المقولات الآخر تحت الكيف- .

و إما إشكال‏ كون شي‏ء واحد جوهرا و عرضا معا- فالجواب عنه‏

33

ما تقدم- أن مفهوم العرض عرض عام- شامل للمقولات التسع العرضية و للجوهر الذهني- و لا إشكال فيه- . و فيه أن مجرد صدق مفهوم مقولة من المقولات على شي‏ء- لا يوجب اندراجه تحتها كما ستجي‏ء الإشارة إليه‏- .

على أن كلامهم صريح- في كون العلم الحصولي كيفا نفسانيا- داخلا تحت مقولة الكيف حقيقة من غير مسامحة- . و منها ما ذكره ؟صدر المتألهين‏Y ره في كتبه- و هو الفرق في إيجاب الاندراج- بين الحمل الأولي و بين الحمل الشائع- فالثاني يوجبه دون الأول‏- بيان ذلك- أن مجرد أخذ مفهوم جنسي أو نوعي- في حد شي‏ء و صدقه عليه- لا يوجب اندراج ذلك الشي‏ء تحت ذلك الجنس أو النوع- بل يتوقف الاندراج تحته على ترتب آثار- ذلك الجنس أو النوع الخارجية على ذلك الشي‏ء- .

فمجرد أخذ الجوهر و الجسم مثلا في حد الإنسان- حيث يقال- الإنسان جوهر جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق- لا يوجب اندراجه تحت مقولة الجوهر أو جنس الجسم- حتى يكون موجودا لا في موضوع باعتبار كونه جوهرا- و يكون بحيث يصح أن يفرض فيه- الأبعاد الثلاثة باعتبار كونه جسما و هكذا- .

و كذا مجرد أخذ الكم و الاتصال في حد السطح حيث يقال- السطح كم متصل قار منقسم في جهتين- لا يوجب اندراجه تحت الكم و المتصل مثلا- حتى يكون قابلا للانقسام بذاته من جهة أنه كم- و مشتملا على الفصل المشترك من جهة أنه متصل و هكذا- .

و لو كان مجرد صدق مفهوم على شي‏ء موجبا للاندراج- لكان كل مفهوم كلي فردا لنفسه- لصدقه بالحمل الأولي على نفسه- فالاندراج يتوقف على ترتب الآثار- و معلوم أن ترتب الآثار- إنما يكون في الوجود الخارجي دون الذهني- .

34

فتبين أن الصورة الذهنية- غير مندرجة تحت ما يصدق عليها من المقولات- لعدم ترتب آثارها عليها- لكن الصورة الذهنية- إنما لا تترتب عليها آثار المعلوم الخارجي من حيث هي وجود- مقيس إلى ما بحذائها من الوجود الخارجي- و أما من حيث إنها حاصلة للنفس- حالا أو ملكة تطرد عنها الجهل- فهي وجود خارجي موجود للنفس ناعت لها- يصدق عليه حد الكيف بالحمل الشائع- و هو أنه عرض لا يقبل قسمة و لا نسبة لذاته- فهو مندرج بالذات تحت مقولة الكيف- و إن لم يكن من جهة كونه وجودا ذهنيا- مقيسا إلى الخارج داخلا تحت شي‏ء من المقولات- لعدم ترتب الآثار- اللهم إلا تحت مقولة الكيف بالعرض- . و بهذا البيان يتضح اندفاع ما أورده بعض المحققين- على كون العلم كيفا بالذات- و كون الصورة الذهنية كيفا بالعرض- من أن وجود تلك الصور في نفسها و وجودها للنفس واحد- و ليس ذلك الوجود و الظهور للنفس- ضميمة تزيد على وجودها تكون هي كيفا في النفس- لأن وجودها الخارجي لم يبق بكليته- و ماهياتها في أنفسها كل من مقولة خاصة- و باعتبار وجودها الذهني لا جوهر و لا عرض- و ظهورها لدى النفس- ليس سوى تلك الماهية و ذلك الوجود- إذ ظهور الشي‏ء ليس أمرا ينضم إليه- و إلا لكان ظهور نفسه- و ليس هناك أمر آخر و الكيف من المحمولات بالضميمة- و الظهور و الوجود للنفس لو كان نسبة مقولية- كان ماهية العلم إضافة لا كيفا- و إذا كان إضافة إشراقية كان وجودا- فالعلم نور و ظهور و هما وجود- و الوجود ليس ماهية- . وجه الاندفاع- أن الصورة العلمية هي الموجودة للنفس الظاهرة لها- لكن لا من حيث كونها موجودا ذهنيا- مقيسا إلى خارج لا تترتب عليها آثاره- بل من حيث كونها حالا أو ملكة للنفس تطرد عنها عدما- و هي كمال للنفس زائد عليها ناعت لها- و هذا أثر خارجي مترتب عليها- و إذا كانت النفس‏

35

موضوعة لها مستغنية عنها في نفسها- فهي عرض لها و يصدق عليها حد الكيف- و دعوى أن ليس هناك أمر زائد على النفس- منضم إليها ممنوعة- .

فظهر أن الصورة العلمية من حيث كونها- حالا أو ملكة للنفس كيف حقيقة و بالذات- و من حيث كونها موجودا ذهنيا- كيف بالعرض و هو المطلوب- . الإشكال الثالث- أن لازم القول بالوجود الذهني- و حصول الأشياء بأنفسها في الأذهان كون النفس- حارة باردة عريضة طويلة- متحيزة متحركة مربعة مثلثة مؤمنة كافرة و هكذا- عند تصور الحرارة و البرودة إلى غير ذلك- و هو باطل بالضرورة بيان الملازمة- أنا لا نعني بالحار و البارد و العريض و الطويل و نحو ذلك- إلا ما حصلت له هذه المعاني و قامت به- .

و الجواب عنه- أن المعاني الخارجية كالحرارة و البرودة و نحوهما- إنما تحصل في الأذهان بماهياتها لا بوجوداتها العينية- و تصدق عليها بالحمل الأولي دون الشائع- و الذي يوجب الاتصاف حصول هذه المعاني- بوجوداتها الخارجية و قيامها بموضوعاتها- دون حصول ماهياتها لها و قيام ما هي هي بالحمل الأولي- . الإشكال الرابع‏ أنا نتصور المحالات الذاتية- كشريك الباري و اجتماع النقيضين و ارتفاعهما- و سلب الشي‏ء عن نفسه- فلو كانت الأشياء حاصلة بأنفسها في الأذهان- استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتية- .

و الجواب عنه- أن الحاصل من المحالات الذاتية في الأذهان- مفاهيمها بالحمل الأولي دون الحمل الشائع- فشريك الباري في الذهن شريك الباري بالحمل الأولي- و أما بالحمل الشائع فهو كيفية نفسانية ممكنة مخلوقة للباري- و هكذا في سائر المحالات- . الإشكال الخامس‏ أنا نتصور الأرض- بما رحبت بسهولها و جبالها و

36

براريها و بحارها- و ما فوقها من السماء بأرجائها البعيدة- و النجوم و الكواكب بأبعادها الشاسعة- و حصول هذه المقادير العظيمة في الذهن- بمعنى انطباعها في جزء عصبي أو قوة دماغية كما قالوا به- من انطباع الكبير في الصغير و هو محال‏- و دفع الإشكال بأن المنطبع فيه- منقسم إلى غير النهاية لا يجدي شيئا- فإن الكف لا تسع الجبل- و إن كانت منقسمة إلى غير النهاية- . و الجواب عنه أن الحق كما سيأتي‏- أن الصور الإدراكية الجزئية غير مادية- بل مجردة تجردا مثاليا- فيها آثار المادة من مقدار و شكل و غيرهما- دون نفس المادة- فهي حاصلة للنفس في مرتبة تجرده المثالي‏- من غير أن تنطبع في جزء بدني أو قوة متعلقة بجزء بدني- .

و أما الأفعال و الانفعالات الحاصلة في مرحلة المادة- عند الإحساس بشي‏ء أو عند تخيله- فإنما هي معدات تتهيأ بها النفس- لحصول الصور العلمية الجزئية المثالية عندها- . الإشكال السادس‏ أن علماء الطبيعة بينوا- أن الإحساس و التخيل‏ بحصول صور الأجسام المادية- بما لها من النسب و الخصوصيات‏ الخارجية- في الأعضاء الحاسة و انتقالها إلى الدماغ- مع ما لها من التصرف فيها بحسب طبائعها الخاصة- و الإنسان ينتقل إلى خصوصية- مقاديرها و أبعادها و أشكالها بنوع من المقايسة- بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده- على ما فصلوه في محله- و مع ذلك لا مجال للقول- بحضور الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان- .

و الجواب عنه- أن ما ذكروه من الفعل و الانفعال المادي- عند حصول العلم بالجزئيات في محله- لكن هذه الصور المنطبعة- المغايرة للمعلومات الخارجية- ليست هي المعلومة بالذات- بل هي معدات تهيى‏ء النفس- لحضور الماهيات الخارجية عندها- بوجود مثالي غير مادي- و إلا لزمت السفسطة لمكان‏

37

المغايرة بين الصور- الحاصلة في أعضاء الحس و التخيل و بين ذوات الصور- .

بل هذا من أقوى الحجج على حصول الماهيات- بأنفسها عند الإنسان بوجود غير مادي- فإن الوجود المادي لها كيفما فرض- لم يخل عن مغايرة ما بين الصور الحاصلة- و بين الأمور الخارجية ذوات الصور- و لازم ذلك السفسطة ضرورة- . الإشكال السابع‏- أن لازم القول بالوجود الذهني- كون الشي‏ء الواحد كليا و جزئيا معا و بطلانه ظاهر- بيان الملازمة أن ماهية الإنسان المعقولة مثلا- من حيث تجويز العقل صدقها على كثيرين كلية- و من حيث حصولها لنفس عاقلها الشخصية- و قيامها بها جزئية متشخصة بتشخصها- متميزة من ماهية الإنسان المعقولة- لغير تلك النفس من النفوس- فهي كلية و جزئية معا- .

و الجواب عنه أن الجهة مختلفة- فهي من حيث إنها وجود ذهني مقيس إلى الخارج كلية- تقبل الصدق على كثيرين- و من حيث إنها كيفية نفسانية- من غير مقايسة إلى الخارج جزئية.

38

-

39

المرحلة الثالثة في انقسام الوجود إلى ما في نفسه و ما في غيره و انقسام ما في نفسه إلى ما لنفسه و ما لغيره‏

و فيها ثلاثة فصول‏

40

الفصل الأول الوجود في نفسه و الوجود في غيره‏

من الوجود ما هو في غيره و منه خلافه‏- و ذلك أنا إذا اعتبرنا القضايا الصادقة- كقولنا الإنسان ضاحك- وجدنا فيها وراء الموضوع و المحمول أمرا آخر- به يرتبط و يتصل بعضهما إلى بعض- ليس يوجد إذا اعتبر الموضوع وحده و لا المحمول وحده- و لا إذا اعتبر كل منهما مع غير الآخر فله وجود- ثم إن وجوده ليس ثالثا لهما- واقعا بينهما مستقلا عنهما- و إلا احتاج إلى رابطين آخرين يربطانه بالطرفين- فكان المفروض ثلاثة خمسة- ثم الخمسة تسعة و هلم جرا و هو باطل- . فوجوده قائم بالطرفين موجود فيهما- غير خارج منهما و لا مستقل بوجه عنهما- لا معنى له مستقلا بالمفهومية- و نسميه الوجود الرابط- و ما كان بخلافه كوجود الموضوع و المحمول- و هو الذي له معنى مستقل بالمفهومية- نسميه الوجود المحمولي و الوجود المستقل- فإذن الوجود منقسم إلى مستقل و رابط و هو المطلوب- . و يظهر مما تقدم أولا- أن الوجودات الرابطة لا ماهية لها- لأن الماهية ما يقال في جواب ما هو- فلها لا محالة وجود محمولي ذو معنى مستقل بالمفهومية- و الرابط ليس كذلك- . و ثانيا أن تحقق الوجود الرابط بين أمرين- يستلزم اتحادا ما بينهما- لكونه‏

41

واحدا غير خارج من وجودهما- . و ثالثا أن الرابط- إنما يتحقق في مطابق الهليات المركبة- التي تتضمن ثبوت شي‏ء لشي‏ء- و أما الهليات البسيطة- التي لا تتضمن إلا ثبوت الشي‏ء- و هو ثبوت موضوعها فلا رابط في مطابقها- إذ لا معنى لارتباط الشي‏ء بنفسه و نسبته إليها

الفصل الثاني كيفية اختلاف الرابط و المستقل‏

اختلفوا في أن الاختلاف بين الوجود الرابط و المستقل- هل هو اختلاف نوعي‏- بمعنى أن الوجود الرابط ذو معنى تعلقي- لا يمكن تعقله على الاستقلال- و يستحيل أن يسلخ عنه ذلك الشأن- فيعود معنى اسميا بتوجيه الالتفات إليه- بعد ما كان معنى حرفيا- أو لا اختلاف نوعيا بينهما- .

و الحق هو الثاني- لما سيأتي في مرحلة العلة و المعلول- أن وجودات المعاليل رابطة بالنسبة إلى عللها- و من المعلوم أن منها ما وجوده جوهري- و منها ما وجوده عرضي- و هي جميعا وجودات محمولية مستقلة- تختلف حالها بالقياس إلى عللها و أخذها في نفسها- فهي بالنظر إلى عللها وجودات رابطة- و بالنظر إلى أنفسها وجودات مستقلة- فإذن المطلوب ثابت- .

و يظهر مما تقدم- أن المفهوم تابع‏ في استقلاله بالمفهومية و عدمه- لوجوده الذي ينتزع منه و ليس له من نفسه إلا الإبهام‏

42

الفصل الثالث من الوجود في نفسه ما هو لغيره و منه ما هو لنفسه‏

و المراد بكون وجود الشي‏ء لغيره- أن يكون الوجود الذي له في نفسه- و هو الذي يطرد عن ماهيته العدم- هو بعينه يطرد عدما عن شي‏ء آخر- لا عدم ذاته و ماهيته- و إلا كان لوجود واحد ماهيتان- و هو كثرة الواحد- بل عدما زائدا على ذاته و ماهيته- له نوع مقارنة له- كالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهيته الكيفية- و يطرد به بعينه عن موضوعه الجهل- الذي هو نوع من العدم يقارنه- و كالقدرة فإنها كما تطرد عن ماهية نفسها العدم- تطرد بعينها عن موضوعها العجز- .

و الدليل على تحقق هذا القسم وجودات الأعراض- فإن كلا منها كما يطرد عن ماهية نفسه العدم- يطرد بعينه عن موضوعه نوعا من العدم- و كذلك الصور النوعية الجوهرية- فإن لها نوع حصول لموادها- تكملها و تطرد عنها نقصا جوهريا- و هذا النوع من الطرد هو المراد بكون- الوجود لغيره و كونه ناعتا- .

و يقابله ما كان طاردا لعدم نفسه فحسب‏- كالأنواع التامة الجوهرية كالإنسان و الفرس- و يسمى هذا النوع من الوجود وجودا لنفسه‏- فإذن المطلوب ثابت و ذلك ما أردناه- .

و ربما يقسم الوجود لذاته- إلى الوجود بذاته و الوجود بغيره‏- و هو بالحقيقة راجع إلى العلية و المعلولية- و سيأتي البحث عنهما.

43

المرحلة الرابعة في المواد الثلاث‏ الوجوب و الإمكان و الامتناع‏

و البحث عنها في الحقيقة بحث عن انقسام الوجود إلى الواجب و الممكن و البحث عن الممتنع تبعي‏ و فيها تسعة فصول‏

44

الفصل الأول في تعريف المواد الثلاث و انحصارها فيها

كل مفهوم‏ إذا قيس إلى الوجود- فإما أن يجب له فهو الواجب- أو يمتنع و هو الممتنع- أو لا يجب له و لا يمتنع و هو الممكن- فإنه إما أن يكون الوجود له ضروريا و هو الأول- أو يكون العدم له ضروريا و هو الثاني- و إما أن لا يكون شي‏ء منهما له ضروريا و هو الثالث- . و أما احتمال كون الوجود و العدم كليهما ضروريين- فمرتفع بأدنى التفات- . و هي بينة المعاني‏ لكونها من المعاني العامة- التي لا يخلو عن أحدها مفهوم من المفاهيم- و لذا كانت لا تعرف إلا بتعريفات دورية- كتعريف الواجب بما يلزم من فرض عدمه محال‏- ثم تعريف المحال و هو الممتنع بما يجب أن لا يكون- أو ما ليس بممكن و لا واجب- و تعريف الممكن بما لا يمتنع وجوده و عدمه‏.

الفصل الثاني انقسام كل من المواد إلى ما بالذات‏ و ما بالغير و ما بالقياس‏

كل واحدة من المواد ثلاثة أقسام- ما بالذات و ما بالغير و ما بالقياس‏

45

إلى الغير- إلا الإمكان فلا إمكان بالغير- و المراد بما بالذات- أن يكون وضع الذات كافيا في تحققه- و إن قطع النظر عن كل ما سواه- و بما بالغير ما يتعلق بالغير- و بما بالقياس إلى الغير- أنه إذا قيس إلى الغير كان من الواجب أن يتصف به- . فالوجوب بالذات كما في الواجب الوجود تعالى- فإن ذاته بذاته يكفي في ضرورة الوجود له- من غير حاجة إلى شي‏ء غيره- .

و الوجوب بالغير كما في الممكن- الموجود الواجب وجوده بعلته- .

و الوجوب بالقياس إلى الغير- كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر- فإن وجود العلو إذا قيس إليه وجود السفل- يأبى إلا أن يكون للسفل وجود- فلوجود السفل وجوب بالقياس إلى وجود العلو- وراء وجوبه بعلته- . و الامتناع بالذات كما في المحالات الذاتية- كشريك الباري و اجتماع النقيضين و الامتناع بالغير- كما في وجود المعلول الممتنع لعدم علته- و عدمه الممتنع لوجود علته- و الامتناع بالقياس إلى الغير- كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر- و في عدمه إذا قيس إلى وجود الآخر- . و الإمكان بالذات كما في الماهيات الإمكانية- فإنها في ذاتها لا تقتضي ضرورة الوجود و لا ضرورة العدم- و الإمكان بالقياس إلى الغير- كما في الواجبين بالذات المفروضين- ففرض وجود أحدهما لا يأبى وجود الآخر و لا عدمه- إذ ليس بينهما علية و معلولية- و لا هما معلولا علة ثالثة- .

و أما الإمكان بالغير فمستحيل- لأنا إذا فرضنا ممكنا بالغير- فهو في ذاته إما واجب بالذات- أو ممتنع بالذات أو ممكن بالذات- إذ المواد منحصرة في الثلاث- و الأولان يوجبان الانقلاب‏- و الثالث يوجب كون اعتبار الإمكان بالغير لغوا.

46

الفصل الثالث واجب الوجود ماهيته إنيته‏

واجب الوجود ماهيته‏ إنيته- بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوده الخاص به- و ذلك أنه لو كانت له ماهية- و ذات وراء وجوده الخاص به- لكان وجوده زائدا على ذاته عرضيا له- و كل عرضي معلل بالضرورة فوجوده معلل- .

و علته إما ماهيته أو غيرها- فإن كانت علته ماهيته- و العلة متقدمة على معلولها بالوجود بالضرورة- كانت الماهية متقدمة عليه بالوجود- و تقدمها عليه إما بهذا الوجود- و لازمه تقدم الشي‏ء على نفسه و هو محال- و إما بوجود آخر و ننقل الكلام إليه و يتسلسل‏- و إن كانت علته غير ماهيته- فيكون معلولا لغيره و ذلك ينافي وجوب الوجود بالذات‏- و قد تبين بذلك- أن الوجوب بذاته وصف منتزع من حاق وجود الواجب‏- كاشف عن كون وجوده بحتا- في غاية الشدة غير مشتمل على جهة عدمية- إذ لو اشتمل على شي‏ء من الأعدام- حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله- فكانت ذاته مقيدة بعدمه‏- فلم يكن واجبا بالذات صرفا له كل كمال.

الفصل الرابع واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات‏

إذ لو كان غير واجب بالنسبة إلى شي‏ء من الكمالات- التي تمكن له بالإمكان العام‏- كان ذا جهة إمكانية بالنسبة إليه- فكان خاليا في ذاته عنه- متساوية نسبته إلى وجوده و عدمه- و معناه تقيد ذاته بجهة عدمية- و قد

47

عرفت في الفصل السابق استحالته‏.

الفصل الخامس في أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و بطلان القول بالأولوية

لا ريب أن الممكن- الذي يتساوى نسبته إلى الوجود و العدم عقلا- يتوقف وجوده على شي‏ء يسمى علة و عدمه على عدمها- . و هل يتوقف وجود الممكن على أن يوجب العلة وجوده- و هو الوجوب بالغير أو أنه يوجد بالخروج عن حد الاستواء- و إن لم يصل إلى حد الوجوب- و كذا القول في جانب العدم و هو المسمى بالأولويه- و قد قسموها إلى الأولوية الذاتية- و هي التي يقتضيها ذات الممكن و ماهيته- و غير الذاتية و هي خلافها- و قسموا كلا منهما إلى- كافية في تحقق الممكن و غير كافية- . و الأولوية بأقسامها باطلة- . أما الأولوية الذاتية- فلأن الماهية قبل الوجود باطلة الذات- لا شيئية لها حتى تقتضي أولوية الوجود- كافية أو غير كافية و بعبارة أخرى- الماهية من حيث هي ليست إلا هي- لا موجودة و لا معدومة و لا أي شي‏ء آخر- . و أما الأولوية الغيرية- و هي التي تأتي من ناحية العلة- فلأنها لما لم تصل إلى حد الوجوب- لا يخرج بها الممكن من حد الاستواء- و لا يتعين بها له الوجود أو العدم‏- و لا ينقطع بها السؤال- إنه لم وقع هذا دون ذاك- و هو الدليل على أنه لم تتم بعد للعلة عليتها- .

48

فتحصل- أن الترجيح إنما هو بإيجاب العلة وجود المعلول- بحيث يتعين له الوجود و يستحيل عليه العدم- أو إيجابها عدمه فالشي‏ء- أعني الممكن ما لم يجب لم يوجد- . خاتمة- ما تقدم من الوجوب‏- هو الذي يأتي الممكن من ناحية علته- و له وجوب آخر يلحقه بعد تحقق الوجود أو العدم- و هو المسمى بالضرورة بشرط المحمول‏- فالممكن الموجود محفوف بالضرورتين- السابقة و اللاحقة.

الفصل السادس في معاني الإمكان‏

الإمكان المبحوث عنه هاهنا هو- لا ضرورة الوجود و العدم بالنسبة إلى الماهية- المأخوذة من حيث هي- و هو المسمى بالإمكان الخاص و الخاصي- . و قد يستعمل الإمكان بمعنى- سلب الضرورة عن الجانب المخالف- سواء كان الجانب الموافق ضروريا أو غير ضروري- فيقال الشي‏ء الفلاني ممكن أي ليس بممتنع- و هو المستعمل في لسان العامة- أعم من الإمكان الخاص- و لذا يسمى إمكانا عاميا و عاما- . و قد يستعمل في معنى أخص من ذلك‏- و هو سلب الضرورات الذاتية و الوصفية و الوقتية- كقولنا الإنسان كاتب بالإمكان- حيث إن الإنسانية لا تقتضي ضرورة الكتابة- و لم يؤخذ في الموضوع وصف يوجب الضرورة- و لا وقت كذلك- و تحقق الإمكان بهذا المعنى في القضية- بحسب‏

49

الاعتبار العقلي- بمقايسة المحمول إلى الموضوع- لا ينافي ثبوت الضرورة بحسب الخارج بثبوت العلة- و يسمى الإمكان الأخص- . و قد يستعمل بمعنى سلب الضرورة من الجهات الثلاث- و الضرورة بشرط المحمول‏ أيضا- كقولنا زيد كاتب غدا بالإمكان- و يختص بالأمور المستقبلة التي لم تتحقق بعد- حتى يثبت فيها الضرورة بشرط المحمول- و هذا الإمكان إنما يثبت بحسب الظن و الغفلة- عن أن كل حادث مستقبل إما واجب أو ممتنع- لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها- و يسمى الإمكان الاستقبالي- . و قد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين- أحدهما ما يسمى الإمكان الوقوعي- و هو كون الشي‏ء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال- أي ليس ممتنعا بالذات أو بالغير- و هو سلب الامتناع عن الجانب الموافق- كما أن الإمكان العام‏ سلب الضرورة عن الجانب المخالف- . و ثانيهما الإمكان الاستعدادي‏ و هو كما ذكروه- نفس الاستعداد ذاتا و غيره اعتبارا- فإن تهيؤ الشي‏ء لأن يصير شيئا آخر- له نسبة إلى الشي‏ء المستعد- و نسبة إلى الشي‏ء المستعد له- فبالاعتبار الأول يسمى استعدادا- فيقال مثلا النطفة لها استعداد أن تصير إنسانا- و بالاعتبار الثاني يسمى الإمكان الاستعدادي فيقال- الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة- . و الفرق بينه و بين الإمكان الذاتي- أن الإمكان الذاتي كما سيجي‏ء- اعتبار تحليلي عقلي- يلحق الماهية المأخوذة من حيث هي- و الإمكان الاستعدادي صفة وجودية- تلحق الماهية الموجودة- فالإمكان الذاتي يلحق الماهية الإنسانية- المأخوذة من حيث هي- و الإمكان الاستعدادي- يلحق‏

50

النطفة الواقعة في مجرى تكون الإنسان- .

و لذا كان الإمكان الاستعدادي قابلا للشدة و الضعف- فإمكان تحقق الإنسانية في العلقة أقوى منه في النطفة- بخلاف الإمكان الذاتي فلا شدة و لا ضعف فيه- .

و لذا أيضا- كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن- فإن الاستعداد يزول بعد تحقق المستعد له بالفعل- بخلاف الإمكان الذاتي فإنه لازم الماهية- هو معها حيثما تحققت- .

و لذا أيضا كان الإمكان الاستعدادي- و محله المادة بالمعنى الأعم- يتعين معه الممكن المستعد له- كالإنسانية التي تستعد لها المادة- بخلاف الإمكان الذاتي الذي في الماهية- فإنه لا يتعين معه لها الوجود أو العدم- . و الفرق بين الإمكان الاستعدادي و الوقوعي- أن الاستعدادي إنما يكون في الماديات- و الوقوعي أعم موردا.

الفصل السابع في أن الإمكان‏ اعتبار عقلي و أنه لازم للماهية

أما أنه اعتبار عقلي- فلأنه يلحق الماهية المأخوذة عقلا- مع قطع النظر عن الوجود و العدم- و الماهية المأخوذة كذلك اعتبارية بلا ريب- فما يلحق بها بهذا الاعتبار كذلك بلا ريب- و هذا الاعتبار العقلي لا ينافي كونها- بحسب نفس الأمر إما موجودة أو معدومة- و لازمه كونها محفوفة بوجوبين أو امتناعين-

51

و أما كونه لازما للماهية- فلأنا إذا تصورنا الماهية من حيث هي- مع قطع النظر عن كل ما سواها- لم نجد معها ضرورة وجود أو عدم- و ليس الإمكان إلا سلب الضرورتين فهي بذاتها ممكنة- و أصل الإمكان و إن كان هذين السلبين- لكن العقل يضع لازم هذين السلبين- و هو استواء النسبة مكانهما- فيعود الإمكان معنى ثبوتيا- و إن كان مجموع السلبين منفيا.

الفصل الثامن‏ في حاجة الممكن إلى العلة و ما هي علة احتياجه إليها

حاجة الممكن إلى العلة من الضروريات الأولية- التي مجرد تصور موضوعها و محمولها- كاف في التصديق بها- فإن من تصور الماهية الممكنة- المتساوية النسبة إلى الوجود و العدم- و تصور توقف خروجها من حد الاستواء إلى أحد الجانبين- على أمر آخر يخرجها منه إليه- لم يلبث أن يصدق به- . و هل علة حاجة الممكن إلى العلة هي الإمكان- أو الحدوث الحق هو الأول و به قالت الحكماء- . و استدل عليه‏ بأن الماهية- باعتبار وجودها ضرورية الوجود- و باعتبار عدمها ضرورية العدم- و هاتان الضرورتان بشرط المحمول- و ليس الحدوث إلا ترتب إحدى الضرورتين على الأخرى‏- فإنه كون وجود الشي‏ء بعد عدمه- و معلوم أن الضرورة- مناط الغنى عن السبب و ارتفاع الحاجة- فما لم تعتبر الماهية بإمكانها لم يرتفع الوجوب- و لم تحصل الحاجة إلى العلة- . برهان آخر- إن الماهية لا توجد إلا عن إيجاد من العلة- و إيجاد العلة

52

لها متوقف على وجوب الماهية- المتوقف على إيجاب العلة- و قد تبين مما تقدم- و إيجاب العلة متوقف على حاجة الماهية إليها- و حاجة الماهية إليها متوقفة على إمكانها- إذ لو لم تمكن بأن وجبت أو امتنعت- استغنت عن العلة بالضرورة- فلحاجتها توقف ما على الإمكان بالضرورة- و لو توقفت مع ذلك على حدوثها- و هو وجودها بعد العدم- سواء كان الحدوث علة و الإمكان شرطا- أو عدمه مانعا- أو كان الحدوث جزء علة و الجزء الآخر هو الإمكان- أو كان الحدوث شرطا- أو عدمه الواقع في مرتبته مانعا- فعلى أي حال يلزم تقدم الشي‏ء على نفسه بمراتب- و كذا لو كان وجوبها- أو إيجاب العلة لها هو علة الحاجة بوجه- .

فلم يبق إلا أن يكون الإمكان وحده‏ علة للحاجة- إذ ليس في هذه السلسلة المتصلة المترتبة عقلا- قبل الحاجة إلا الماهية و إمكانها- . و بذلك يندفع ما احتج به بعض القائلين- بأن علة الحاجة إلى العلة هو الحدوث دون الإمكان- من أنه لو كان الإمكان هو العلة دون الحدوث- جاز أن يوجد القديم الزماني- و هو الذي لا أول لوجوده و لا آخر له- و معلوم أن فرض دوام وجوده يغنيه عن العلة- إذ لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج إلى ارتفاعه- . وجه الاندفاع- أن المفروض أن ذاته هو المنشأ لحاجته- و الذات محفوظة مع الوجود الدائم- فله على فرض دوام الوجود حاجة دائمة في ذاته- و إن كان مع شرط الوجود له بنحو الضرورة- بشرط المحمول مستغنيا عن العلة- بمعنى ارتفاع حاجته بها- . و أيضا سيجي‏ء أن وجود المعلول- سواء كان حادثا أو قديما وجود رابط- متعلق الذات بعلته غير مستقل دونها- فالحاجة إلى العلة ذاتية

53

ملازمة له.

الفصل التاسع الممكن محتاج إلى علته بقاء كما أنه محتاج إليها حدوثا

و ذلك لأن علة حاجته إلى العلة- إمكانه اللازم لماهيته- و هي محفوظة معه في حال البقاء- كما أنها محفوظة معه في حال الحدوث- فهو محتاج إلى العلة حدوثا و بقاء- مستفيض في الحالين جميعا- . برهان آخر أن وجود المعلول- كما تكررت الإشارة إليه و سيجي‏ء بيانه- وجود رابط متعلق الذات بالعلة- متقوم بها غير مستقل دونها- فحاله في الحاجة إلى العلة- حدوثا و بقاء واحد و الحاجة ملازمة- . و قد استدلوا على استغناء الممكن- عن العلة في حال البقاء بأمثلة عامية- كمثال البناء و البناء- حيث إن البناء يحتاج في وجوده إلى البناء- حتى إذا بناه استغنى عنه في بقائه- .

و رد بأن البناء ليس علة موجدة للبناء- بل حركات يده علل معدة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء- و اجتماع الأجزاء علة لحدوث شكل البناء- ثم اليبوسة علة لبقائه مدة يعتد بها- .

خاتمة

- قد تبين من الأبحاث السابقة- أن الوجوب و الإمكان و الامتناع-

54

كيفيات ثلاث لنسب القضايا- و أن الوجوب و الإمكان أمران وجوديان- لمطابقة القضايا الموجهة بهما للخارج- مطابقة تامة بما لها من الجهة- فهما موجودان لكن بوجود موضوعهما- لا بوجود منحاز مستقل- فهما كسائر المعاني الفلسفية- من الوحدة و الكثرة و القدم و الحدوث- و القوة و الفعل و غيرها- أوصاف وجودية موجودة للموجود المطلق‏- بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج و عروضها في الذهن- و هي المسماة بالمعقولات الثانية باصطلاح الفلسفة- . و ذهب بعضهم إلى كون الوجوب و الإمكان- موجودين في الخارج‏ بوجود منحاز مستقل و لا يعبؤ به- هذا في الوجوب و الإمكان- و أما الامتناع فهو أمر عدمي بلا ريب- . هذا كله بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيات- و المفاهيم موضوعات للأحكام- و أما بالنظر إلى كون الوجود- هو الموضوع لها حقيقة لأصالته- فالوجوب كون الوجود في نهاية الشدة- قائما بنفسه مستقلا في ذاته على الإطلاق- كما تقدمت الإشارة إليه- و الإمكان كونه متعلق النفس بغيره- متقوم الذات بسواه كوجود الماهيات- فالوجوب و الإمكان وصفان قائمان بالوجود-غير خارجين من ذات موضوعهما