كليلة و دمنة

- ابن المقفع المزيد...
237 /
5

مقدمة

عبد الله بن المقفع نشأته و تاريخه و حياته و سياسته و مقتله و آثاره‏

أولياته‏

أجمع من أرخوا له على انه أبو محمد عبد اللّه روزبه بن داذويه المشهور بابن المقفع الفارسي الأصل العربي الدين و اللغة و الجنسية، ولد حوالى سنة 724 ميلادية-106 هجرية في قرية بفارس اسمها (جور) و هي مدينة ( فيروزآباد) الحالية..

تقطعت نشأته الأولى في فارس عند أبيه حيث حصل على ثقافته الفارسية، و دان بالزرادشتية و هي دين الفرس. ثم قدم الى البصرة مركز الثقافة العربية في ذلك العهد، فاتصل بعلمائها، و استمع الى مدرسيها في المساجد و غير المساجد، و جالس شعراءها و أدباءها، و اختلط بمن نزلها من عرب البادية ذوي الفصاحة و جزالة اللفظ فأدرك من كل هذا قسطا وافرا من الأدب و جزالة الأسلوب، و روعة البيان...

و في البصرة عاش ابن المقفع مولى لآل الأهتم و كان هؤلاء ممن اشتهروا بفصاحة اللفظ و حلاوة المنطق، و كان من عادة الأعاجم أن يولوا وجوههم شطر قبيلة عربية أو عائلة كريمة، يصلون بها حسبهم، و يفيدون منها منعة و حرمة، برابطة الولاء، فكان ان اختار ابن المقفع آل الأهتم، و كان أن قبل هؤلاء ولاءه، و أنزلوه عندهم خير منزلة..

و لما اشتهر هذا عنه، و عرف به، طلبه كبار الأمراء و الولاة ليكتب لهم و يجيب على الرقاع التي تأتيهم، و كان الكاتب البارع في هذا العهد مطلوبا مقدّما على غيره يصل الى أعلى المناصب و أرقاها حتى يستقر في الوزارة، و يكون ثاني رجل في الدولة بعد الخليفة..

6

و لا بد أن تكون ثقافة ابن المقفع العربية أوفر بالتأكيد من ثقافته الفارسية، ليصل الى ما وصل اليه من قوة الأسلوب، و جزالة الجمل، و وجيز الكلم يستوعب المعنى العريض الواسع، مما لا نعرف أن عنده مثله في لغته الفارسية، و مما يقطع بأنه كان أوفر حظا في علوم العربية منه في الثقافة الفارسية.. و أساليب البيان فيها.

لم يكن ابن المقفع بالشاعر، ليستجدي بشعره الخلفاء و الأمراء كما كان يفعل شعراء عصره، و لا كان من رجال اللغة و علوم الكلام ليقوم بالتدريس في مجالس الأدب، و أروقة المساجد.. و لا كان صاحب صنعة يعيش من خيرها، و انما كان شابا يحسن الكتابة، و يحسن الترجمة و كتابة الرسائل و التعليق على الرقاع و العمل في الدواوين، فكان أن طلب مكانا للعمل يتناسب مع مؤهلاته هذه، فوجده في ديوان عمر بن هبيرة حين كان في كرمان..

و عند ما كان زميله في البلاغة و الإنشاء عبد الحميد بن يحيى الكاتب يكتب بالشام لمروان ابن محمد آخر خلفاء بني أمية، كان ابن المقفع يكتب ليزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق في عهده، ثم كتب لأخيه داود بن هبيرة بعده..

فلما ظهر العباسيون و تمكنوا من الأمويين اتصل ابن المقفع بعيسى بن علي عم الخليفتين السفاح و المنصور و كان حاكم الأهواز فأسلم على يده و كتب له، كما قام بتعليم بني أخيه فنون العربية من لغة و تاريخ و أدب و شعر.. و تسمى عند اسلامه بعبد اللّه، و تكنّى بأبي محمد..

و إذا فقد كان ابن المقفع من المخضرمين.. شهد سقوط دولة و قيام أخرى، و عمل في الدولتين، و إذا كان قد احتفظ بحياته في الدولة الأموية، فانه لم يتمكن من الاحتفاظ بها في الدولة الجديدة، فأهدرها المنصور و مات ابن المقفع حرقا..

سبب مقتله‏

و أما السبب في مقتله فقد اختلف فيه المؤرخون، فبعضهم رده إلى أنه كان زنديقا ملحدا، مع اسلامه، و آخرون ردّوه إلى نشاطه السياسي، و الى الأمان الذي كتبه لعبد اللّه ابن علي لما ثار على المنصور و فشل و هو ابن عمه، فطلبه المنصور فخشي هذا أن يقتله، رغم وعده أن لا يفعل.. فطلب من ابن المقفع أن يكتب له أمانا، يوقعه المنصور ففعل، و أفرط في الاحتياط و التضييق حتى لا يجد المنصور في الأمان ثغرة يستغلها أو يفسرها على هواه، فأغضب هذا المنصور غضبا شديدا، خصوصا ما جاء فى الأمان من أنه عند اخلال المنصور بشرطه من الأمان يصبح المسلمون في حل من بيعته و كل نسائه طوالق، فقال أمام بعض الخلّص من رجاله:

-أ ما أحد يكفنيه؟..

7

و كان سفيان بن معاوية حاضرا، و كان يحقد على ابن المقفع لهزئه به و احتقاره له، فاستغل الفرصة، و انتظر حتى وقع في يده فقتله و أحرقه.. مغتنما غضب المنصور عليه حتى لا يسأله أحد عن دمه..

و يبدو من دراستنا لتاريخ هذا الكاتب الفنان أنه لم يكن من أنصار الحكم الجديد القائم..

و ليست كتابته لأعمام المنصور الخليفة العباسي لتقطع بموالاته للدولة، فأعمام المنصور لم يكونوا يحبون أبي جعفر المنصور و لا كان هذا يحبهم.. و قد يكون ابن المقفع قد التمس العمل معهم لأكثر من غرض واحد.

أولا: أن يكون ممن يعملون تحت لواء بعض كبار ولاة الدولة الجديدة و أنسباء خليفتها.. فاختار أعمام السفاح و المنصور..

و ثانيا: انه كان من أصحاب المطامع بالتأكيد و هو لا يستطيع الوصول الى ما يريده من الغايات و الآمال الضخام إلا بالعمل السياسي و بالعمل مع بعض كبار رجال الدولة الجديدة.

و ثالثا: انه كان قمينا و هو في مركزه الجديد هذا أن يخدم جماعته، و يطمئن الى معاشه و مصالحه، و نشر آرائه و مقاصده، و برامجه الاصلاحية التي تراها واضحة ظاهرة في كل ما كتبه و ألفه و نشره..

و مهما يكن من أسباب قتل المنصور لابن المقفع، فان الذي لا شك فيه عندنا انه لو لم يكن ابن المقفع متصلا بأعمامه كاتبا لهم، لما قتله، رغم ما أشيع عنه من الزندقة و الإلحاد، و لو أن من سياسة الدولة في ذلك العهد قتل الزنادقة، لكان من الواجب قتل الجميع بعد محاكمتهم، لا قتل واحد و ترك الآخرين..

أما ان ابن المقفع كان ملحدا زنديقا بعد اسلامه فهذه تهمة لست أملك البرهان القاطع عليها.. فأنا من أمرها بين بين.. فقد كان الناس في هذا العهد يتهمون بالزندقة كل من قال بيتا من الشعر فيه تعريض بالدين، أو استخفاف بالحرمات، أو تفضيل للنار على التراب، و قد يكون الشاعر قال هذا في ساعة سكر، أو متحديا ساخرا، فتلصق به التهمة، و تلصق بمن يتصل به، و من الحق في مثل هذه الحالات أن يحال المرء للمحاكمة لا أن يقتل دون ما سؤال و لا جواب و لا دفاع..

عدو الدولة الجديدة

لقد كان ابن المقفع عدوا للدولة الجديدة يعمل مع أعداء هذه الدولة الجديدة، أو مع‏

8

الذين يطمعون بالسلطان فيها كأعمام المنصور مثلا.. الذي ثار أحدهم على المنصور بعد ذلك يريد الخلافة مكانه..

و كان ابن المقفع كاتبا مفكرا و صاحب دعوة اجتماعية للاصلاح، و في دعوته هذه، و ما كان ينشره بين الناس من رسائل و غيرها ما يخالف سياسة الدولة الجديدة التي كانت تقوم على هدر الحريات و إباحة الدماء دون ما ضابط و لا قضاء.. فلما طالب ابن المقفع باصلاح القضاء، كان كمن يريد تكبيل يدي الخليفة و منعه من عقاب من يشاء و قتل من يشاء دون محاكمة و لا سؤال..

و لهذا لا نستبعد أن يكون من الأسباب التي قتلت هذا الكاتب كتبه و رسائله كرسالة الصحابة، و كليلة و دمنة، و غيرهما لما فيها من نقد صريح لسياسة الضغط و الإرهاب و الديكتاتورية و تقييد الحريات... و دعوة الى الاصلاح و الاعمار، فما «كليلة و دمنة» في الواقع إلا دعوة اصلاحية على ألسنة الحيوانات، ظاهرها الهزل و باطنها البحث و النقد الشنيع لسياسة قائمة، لا يأمن المرء فيها على ماله و نفسه و حرياته..

و إذن فابن المقفع لم يكن من أنصار الحكم القائم، كان عدوا للعباسيين، يدين بالولاء لآل علي دونهم، و كان في الوقت نفسه فارسي الأصل، لا يستطيع أن يتناسى كيف ظفر العرب بقومه ففرضوا عليهم دينهم و لغتهم و سلطانهم، و عليه فقد التمس العمل عند أعمام المنصور ليأمن على نفسه، و ينعم بسلطان و نفوذ يستطيع بواسطتهما أن يصل إلى ما يريد و يرجو و يأمل..

و نحن بعد هذا لا نوجه لابن المقفع نقدا في سياسته هذه، فلكل امرئ رأيه، و حريته في التعبير عن أغراضه، و خير ما نقوله في الرجل انه كان انسانا كغيره من الآدميين في عيوبهم و حسناتهم، و لكنه كان في الوقت نفسه شيئا كبيرا في عهده، و كاتبا مرموقا في زمنه، و مفكرا رائعا، أوتي من حسن الاختيار و جودة الرأي، ما لم يظفر به الكثيرون..

آثاره‏

و ما لدينا الآن من آثار ابن المقفع بعضه مترجم، و بعضه مما ترجمه و زاد عليه، و بعضه مما سمعه من الأخبار و حفظه من النصائح و الأمثال فنقلها و أحسن في اختيارها، و بعضها مما وضعه حتما، و قد صبّ كل هذا في أسلوب جزل، و لغة جامعة اختار ألفاظها و ربط جملها فأحسن الربط و أوفى على الغاية.

و من مطالعتنا لآثار هذا الكاتب نرى أنه استمد معارفه و آراءه في الاصلاح و السياسة و الادارة من معارف الأمم في عصره، كالفرس و الهنود و اليونان.. فقد نقل ابن المقفع عن‏

9

الفارسية بعض كتب التاريخ الفارسية مثل كتاب «خداينامه» في سير ملوك العجم و هو الذي اعتمد عليه الفردوسي بعده في الشاهنامة، و كتاب «آيين‏نامه» في عادات الفرس، و آدابهم و «التاج» في سيرة انوشروان و كتاب «الدرة اليتيمة و الجوهرة الثمينة في أخبار الصالحين» .

و قيل انه نقل عن الفارسية بعض كتب اليونان الفلسفية، و لكن هذا لا يزال من الأخبار التي يعتورها الشك قبل اليقين..

و أما في الأدب و الاجتماع فقد كتب في هذا الباب «كليلة و دمنة» و الأدب الكبير و الصغير، و بعض الرسائل الأخرى..

و أما في السياسة و الادارة فأشهر آثاره رسالته في الصحابة، أي صحابة السلطان لا الرسول العربي..

و الرسالة المذكورة كما سيجدها القارئ في غير مكان من هذه المجموعة لآثاره، نقد لنظام الحكم في عهد الكاتب، و كيف يصار الى اصلاحه، فعرض للجند و كيف يجب أن يكون، و للقضاء و كيف يكون اصلاحه، كما تعرض لأهل العراق و الشام، و كيف تجري سياسة الخليفة معهم، ثم تطرق لصحابة الخليفة و بطانته، و نصح الخليفة باختيار أصلح الناس لهذه المهمة لأنهم صورة واقعية للدولة أمام الناس، و يشترط فيهم رفيع الحسب و حسن الرأي و العقل..

و الرسالة في الواقع تقرير رائع عما يجب أن تكون عليه سياسة الدولة في رأي الكاتب، فقد تناول الخراج فانتقد حالته و نصح باصلاحه، و اختيار من يقوم به، و تشديد الرقابة عليهم حتى يأمن الخليفة فسادهم، و امتداد أيديهم الى أموال الدولة..

و من المؤكد ان الخليفة المنصور لم يطلب من ابن المقفع أن يقدم له تقريرا عن الحالة في مملكته، فإقدام ابن المقفع على هذا العمل يعد جرأة يحسد عليها، كما أن للرسالة قيمة تاريخية، إذ أنها بالتأكيد تعطينا صورة واضحة صريحة عن ادارة الدولة في عهد المنصور، و ما فيها من نقص و فساد، و لكن الحق يدعونا في الوقت نفسه الى القول بأن الوقت كان وقت انقلابات، أفضى الى سقوط دولة و قيام أخرى.. و الفساد الذي كان جاثما في أواخر الدولة الأموية، و المستشري في الخراج و القضاء و السياسة و الادارة و غيرها، ظل مستشريا في أول العهد العباسي، لأنه كان من المستحيل تبديل الوضع و إصلاح النقص و الفساد في سنوات معدودات..

و إذا فالصورة التي يقدمها لنا ابن المقفع عن حالة الدولة العربية في أول نشوء الدولة

10

العباسية، يجب أن تؤخذ على أنها صورة مخضرمة، تصف الأيام الأخيرة للدولة الأموية، و الأيام الأولى للعباسية..

هذا هو الوضع التاريخي الصحيح الذي يجب أن يأخذ به القارئ.. عند قراءة «رسالة الصحابة» ..

و ما دمنا سنعرض لآثار ابن المقفع الباقيات عند ما نصل الى هذه الآثار في هذه المجموعة، فلنعرض الآن لكتاب كليلة و دمنة. و هو أول ما نقدمه من آثاره في هذا الكتاب..

كليلة و دمنة

كتاب يحتوي على مجموعة من القصص الأخلاقية وضعت على ألسنة البهائم و الطير، و حوت من الأخلاق و الحكم خيرا كثيرا.. تدور حول ما يجب أن يجري عليه الحكام في حكمهم و سياسة دولهم..

و قد سمي الكتاب باسم أخوين من بنات آوى، و هما كليلة و دمنة، و أخبارهما في بابين من أبواب الكتاب، هما باب الأسد و الثور، و باب الفحص عن أمر دمنة.. و أما بقية الأبواب فلا علاقة لهما بها. و معنى هذا انه صار تسمية الجزء باسم الكل، و هي طريقة درج عليها الكثيرون من الكتاب القدامى و المعاصرين.

أما أصل الكتاب فقد اختلف فيه المؤرخون.. بعضهم قال ان ابن المقفع ترجمه عن اللغة الفهلوية-الفارسية القديمة-الى اللغة العربية، و بعضهم ذهب الى أنه اقتبس بعضه، و ترجم البعض الآخر، و وجد أمامه حكما متفرقة لليونان فيها نصيب، و للفرس مثله، و للهنود مثل ذلك، فجمعها و ضبطها و اختار منها ما يصلح لكتابه و قصصه..

أما الأسماء الفارسية و الهندية الموجودة في الكتاب فمثلها مثل أي أسماء غريبة اليوم يجريها كاتب معاصر في كتبه، و يصف فيها أخبارا و حوادث يتخيل وقوعها في بلاد أخرى، و أخيرا يجري أسماء أبطال قصته على أسماء أبطال هذه البلاد..

فما من أمة و لا من كاتب إلا و قد يتخيل أسماء لا علاقة لها بالحقيقة في كثير و لا قليل..

فيقررها في كتبه، و يجريها في أساطير أمته، توكيدا لغرضه، و تأكيدا لقصته..

و لكن الأبحاث الدقيقة التي قام بها بعض المستشرقين قد أكدت ان للكتاب أصولا في الهندية، و في اللغة السنسكريتية، و من قرأ الكتاب وجد انه أقرب بأخباره و أسمائه و عادات القوم الذين يكتب عنهم للهنود دون غيرهم.. و لكن هذه الأصول كانت متفرقة موزعة، لم‏

11

تجمع في كتاب واحد، حتى قام أحد الفرس بجمعها و ترجمتها الى الفارسية و قد يكون هذا المترجم «برزويه» الطبيب كما في «كليلة و دمنة» و قد يكون غيره، و بعد أن جمعها أضاف إليها قصصا أخلاقية اصلاحية على شاكلتها..

و هناك من يقول إن ناقل الكتاب من الهندية راهب سرياني اسمه «بود» نقله الى السريانية.. و قد يكون الفرس اعتمدوا على ترجمته دون الهندية (1) .

و هناك من حقيقة أن هناك نسخة ثالثة لهذا الكتاب هي الترجمة البهلوية.. و هي التي اعتمدها ابن المقفع، و ان كسرى انوشروان ملك فارس هو الذي طلب هذا الكتاب و أنفذ برزويه الطبيب لجلبه، و هذه هي الرواية التي تجدها في النسخة العربية، و في النسخة اليونانية أيضا لـ (سيمون ست) و الفارسية لأبي المعالي نصر اللّه..

الاختلاف لا يزال قائما بين الكتاب و المستشرقين حول هذه الوجوه العديدة التي تبسطنا في شرحها.. و الرأي عندنا ما ذكرناه من أصل الكتاب الهندي، و من أن ابن المقفع قد تحايل في ترجمته فقدّم و أخّر و زاد و حوّر، بما يتناسب مع سجيته و طبعه، لأن الترجمة العربية بالتأكيد تختلف عن الترجمات الأخرى لهذا الكتاب بما يقطع بتحرر مترجمها، و عدم مراعاته الدقة في ترجمته إلا في حالات و حالات..

و إذا كان الكتاب قد نقل عن السريانية كما تقول بعض المصادر حول سنة 750 ميلادية، و أن ابن المقفع نقله عن هذا المصدر، فليعلم القارئ أن هذا المصدر، الفارسي للكتاب قد ضاع و تبدّد، و أن الترجمة العربية هي التي حفظت هذا الكتاب، و عنها أخذت ترجمة «كليلة و دمنة» الى اللغات الأجنبية الأخرى..

و الكتاب الى هذا قصة أخلاقية مؤلفة من عدة فصول بعضها مرتبط مع بعضه و البعض الآخر مستقل عن غيره..

قصة تتحدث عن واجبات الحاكم نحو رعيته، و ما يجب أن يكون عليه الحاكم من العدل و الانصاف، و البعد عن الهوى، و الاخلاص في خدمة الرعية و العمل على إسعادها..

كما يتحدث عن الأخلاق الفاضلة من صداقة خالصة و مودة صالحة.. و صدق في القول و العمل، و تمجيد لآداب الضيافة و الدعوة للأخذ بها..

____________

(1) جاء في الفهرست لابن النديم، ان عبد اليسوع أسقف «نصيبين» الذي عاش في القرن السابع الهجري يقول: ان «بودا» هو صاحب النسخة السريانية و هو الذي ترجمها عن الهندية لا عن لغة أخرى.

غ

12

و تجد في الكتاب مكانا رحبا لما يجب أن يأخذ به السلطان نفسه من حلم و عقل، و تجنب للغضب، و حفظ للعهد و الوفاء و وضع المعروف و الاحسان في موضعهما، و حسن السيرة، و اختيار الصالح من الأعوان و الحرص على أهل الثقة منهم، و استشارة أصحاب الرأي، و العدل بين الرعية، و حسن السياسة الخارجية، و تقديم السلم على الحرب، و التعاون مع من يحق التعاون معهم من سفراء و ولاة و عمال..

و من هذا يبدو الكتاب في موضوعاته و فصوله واضحا بينا لا يعدو كونه قصة أو قصصا أخلاقية كما قدمنا، تدعو للأخذ بمكارم الأخلاق، و تنصح الملوك بمثل ذلك و أكثر، ليظل ملكهم ثابت الأركان قائم البنيان.. و لكنها قصة فيها من المعاني الانسانية و اللقطات الفلسفية، و المثل الأخلاقية العالية ما يجعلها من الآثار الخالدة، لا تقل في موضوعاتها و عمق معانيها و بعد أغوارها، عن قصص شكسبير المسرحية، التي ليست في الواقع و في جوهرها غير أساطير مما سمع أو قرأ، فأجراها شعرا و نظمها مسرحيات انسانية خلدت و ستخلد، الى آخر ما يكون من ذريتنا..

و كليلة و دمنة ليست في نظري أقل من «فوست» لغوته الالماني، ففيها ما في «فوست» من المعاني الفلسفية و اللفتات الانسانية، و المرامي الأخلاقية، قرأها رجال من مختلف الجنسيات طوال المئات من الأعوام التي تقطعت على كتابتها، و سيقرؤها مثلهم، الى آخر الدنيا..

كتاب فيه من كنوز الحكمة المشرقية، ما لا يوجد في كتاب مثله.. كما اجتمع في دفتيه من الفضائل و العبر و الحكم و الأمثال ما لم يجتمع في كتاب مثله حجما حتى الآن..

و لا بد أن ابن المقفع قد جمع في كتابه أدب الشرق و حكمه، و فلسفة الاغريق و نظمهم.. و رجل مثله لا بد قد اطّلع على الآثار اليونانية في الفلسفة و المنطق، و قد ذكر بعض المؤرخين انه ترجم بعض كتب الاغريق الى الفارسية، و ان شكّ آخرون في ذلك..

و سواء أ كان قد ترجم بعض الآثار اليونانية أو لم يفعل، فلا بد أنه قرأ بعض هذه الآثار مما صار ترجمته في عهده، و قبل عهده، لأن العقل اليوناني ظاهر بارز في تقسيم الكتاب و منطقه.

قيمة الكتاب الأدبية
أما قيمة الكتاب الأدبية ففي أسلوبه الأدبي الذي بلغ الغاية من حيث الوضوح و الجزالة و الليونة و إرسال الكلام إرسالا كالبحر يجري لا متعثرا و لا مترددا.. ينثر الحكمة هنا، و المعرفة هناك، و المثل الرائع هنالك في أسهل لفظ، و أجمل أسلوب، و أنبل‏

13

تركيب.. و هو مما لم يستقم لغيره، و لم ينتظم لسواه ممن حاولوا نشر الآراء الفلسفية في ليونة و يسر.. و وضوح و جلاء..

و أما القول بغموض بعض الجمل في أسلوبه فلا أنكره، و لكن هذا لا يقدح بفنه و أسلوبه.. فإن هناك مئات الجمل التي لا غموض فيها و لا إبهام، و أي كاتب لا تجد شيئا من الغموض في بعض عباراته، و ليذكر الذين يتحرون هذا الغموض و يرددونه ان ابن المقفع كان رائدا في النثر العربي، و انه كان هو و عبد الحميد الكاتب أول من سوّيا طريقه، و نظّما أسلوبه، و أجرياه و طوراه، قبل غيرهما من الكتاب و الأدباء، و انهما لم يكونا من المقلدين، و انما كانا من الفاتحين.

أذار 1966 عمر أبو النصر

14

ابواب الكتاب‏

باب مقدمة الكتاب‏

قدّمها بهنود بن سحوان و يعرف بعليّ بن الشاه الفارسيّ. ذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهنديّ رأس البراهمة (1) لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة و دمنة و جعله على ألسن البهائم و الطير صيانة لغرضه فيه من العوام، و ضنّا بما ضمّنه عن الطغام‏ (2) ، و تنزيها للحكمة و فنونها، و محاسنها و عيونها (3) ، إذ هي للفيلسوف مندوحة (4) و لخاطره مفتوحة، و لمحبيها تثقيف‏ (5) ، و لطالبيها تشريف، و ذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنو شروان بن قباذ (6) بن فيروز ملك الفرس برزويه رأس أطبّاء فارس إلى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة و دمنة و ما كان من تلطّف برزويه عند دخوله إلى الهند حتى حضر إليه الرجل الذي استنسخه له سرّا من خزانة الملك ليلا مع ما وجد من كتب علماء الهند، و قد ذكر الذي كان من بعثة برزويه إلى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب، و ذكر فيها ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته و القيام بدراسته و النظر إلى باطن كلامه و أنّه إن لم يكن

____________

(1) البراهمة: قوم لا يجوزون على اللّه تعالى بعثة الرسل.

(2) الضن (بالكسر) : البخل. الطغام: الأوغاد و الأرذال.

(3) عيونها: خيارها.

(4) مندوحة: سعة و فسحة.

(5) تثقيف: تقويم.

(6) قباذ: كغراب.. أبو كسرى.

15

كذلك لم يحصل على الغاية منه. و ذكر فيها حضور برزويه و قراءة الكتاب جهرا و قد ذكر السبب الذي من أجله وضع بزرجمهر (1) بابا مفردا يسمّى باب برزويه الطبيب و ذكر فيه شأن برزويه من أوّل أمره و آن مولده، إلى أن بلغ التأديب و أحبّ الحكمة و اعتبر في أقسامها. و جعله قبل باب الأسد و الثور الذي هو أوّل الكتاب.

قال عليّ بن الشاه الفارسيّ: كان السبب الذي من أجله وضع بيدبا الفيلسوف لدبشليم ملك الهند كتاب كليلة و دمنة أنّ الإسكندر ذا القرنين الروميّ لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب سار يريد ملوك المشرق من الفرس و غيرهم.

فلم يزل يحارب من نازعه، و يواقع من واقعه، و يسالم من وادعه من ملوك الفرس و هم الطبقة الأولى حتى ظهر عليهم و قهر من ناوأه‏ (2) و تغلّب على من حاربه فتفرّقوا طرائق‏ (3) ، و تمزّقوا حزائق‏ (4) ، فتوجّه بالجنود نحو بلاد الصين فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه إلى طاعته و الدّخول في ملّته و ولايته. و كان على الهند في ذلك الزّمان ملك ذو سطوة و بأس، و قوّة و مراس‏ (5) ، يقال له فور فلمّا بلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهّب لمحاربته، و استعدّ لمجاذبته‏ (6) و ضمّ إليه أطرافه‏ (7) و جدّ في التألّب‏ (8) عليه و جمع له العدّة (9) في أسرع مدّة، من الفيلة (10) المعدّة للحروب، و السباع المضراة بالوثوب‏ (11) ، مع الخيول المسرجة و السيوف القواطع و الحراب

____________

(1) وزير كسرى عمر كثيرا.

(2) ناوأه: عاداه.

(3) طرائق: فرق.

(4) حزائق: جمع حزيقة و هي القطعة من كل شي‏ء.

(5) مراس: شدة.

(6) المجاذبة: التنازع في الجذب.

(7) أي جمع ما تفرق من قواه.

(8) التألب: التجمع.

(9) العدة: ما يعد من مال أو سلاح أو غير ذلك.

(10) الفيلة: كعنبة جمع فيل.

(11) أضراه به و ضراه أي: أغراه. الوثوب: القفز.

16

اللّوامع.

فلمّا قرب ذو القرنين من فور الهنديّ و بلغه ما قد أعدّ له من الخيل، التي كأنها قطع الليل‏ (1) ، مما لم يلقه بمثله أحد من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوّف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجّل المبارزة، و كان ذو القرنين رجلا ذا حيل و مكايد مع حسن تدبير و تجربة. فرأى إعمال الحيلة و التمهّل و احتفر خندقا (2) على عسكره و أقام بمكانه لاستنباط الحيلة و التدبير لأمره و كيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع‏ (3) به، فاستدعى بالمنجّمين و أمرهم بالاختيار ليوم موافق تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند و النّصرة عليه، فاشتغلوا بذلك، و كان ذو القرنين لا يمرّ بمدينة إلا أخذ الصّنّاع المشهورين من صنّاعها بالحذق من كلّ صنف، فنتجت له همته و دلّته فطنته أن يتقدّم إلى الصّنّاع الذين معه أن يصنعوا خيلا من نحاس مجوّفة عليها تماثيل من الرجال على بكر تجري إذا دفعت مرّت سراعا، و أمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها بالنّفط و الكبريت و تلبّس و تقدّم أمام الصفّ في القلب، و وقت ما يلتقي الجمعان تضرم فيها النيران فإن الفيلة إذا لفّت خراطيمها على الفرسان و هي حامية ولت هاربة، و أوعز إلى الصّنّاع بالتشمير (4) و الانكماش‏ (5) و الفراغ منها، فجدّوا في ذلك و عجّلوا، و قرب أيضا وقت اختيار المنجّمين فأعاد ذو القرنين رسله إلى فور بما يدعوه اليه من طاعته و الإذعان‏ (6) لدولته فأجاب جواب مصرّ على مخالفته مقيم على محاربته.

____________

(1) القطع: ظلمة آخر الليل و التشبيه هنا من جهة الكثرة و الكثافة.

(2) الخندق: حفير حول أسوار المدن.

(3) الايقاع: البطش.

(4) التشمير: الجد.

(5) الانكماش: الاسراع.

(6) الاذعان: الانقياد.

17

فلما رأى ذو القرنين عزيمته سار اليه بأهبته‏ (1) و قدّم فور الفيلة أمامه و دفعت الرّجال تلك الخيل و تماثيل الفرسان فأقبلت الفيلة نحوها و لفّت خراطيمها عليها فلمّا أحسّت بالحرارة ألقت من كان عليها و داستهم تحت أرجلها و مضت مهزومة هاربة لا تلوي على شي‏ء (2) و لا تمرّ بأحد إلا وطئته‏ (3) و تقطّع‏ (4) فور و جمعه و تبعهم أصحاب الاسكندر و أثخنوا فيهم الجراح‏ (5) و صاح الاسكندر يا ملك الهند ابرز إلينا و أبق على عدّتك و عيالك و لا تحملهم إلى الفناء فانه ليس من المروءة أن يرمي الملك بعدّته في المهالك المتلفة و المواضع المجحفة (6) يل يقيهم بماله و يدفع عنهم بنفسه، فابرز إليّ ودع الجند فأيّنا قهر صاحبه فهو الأسعد، فلما سمع فور من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعا فيه و ظنّ ذلك فرصة، فبرز إليه الاسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة و لم يزالا يتعاركان فلمّا أعيا (7) الاسكندر أمره و لم يجد فرصة و لا حيلة أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجّت لها الأرض و العساكر، فالتفت فور عند ما سمع الزعقة و ظنّها مكيدة في عسكره، فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه و أتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض، فلما رأت الهنود ما نزل بهم و ما صار اليه ملكهم حملوا على الاسكندر فقاتلوه قتالا أحبّوا معه الموت، فوعدهم من نفسه الاحسان و منحه اللّه أكتافهم‏ (8) فاستولى على بلادهم و ملّك عليهم رجلا من ثقاته و أقام بالهند حتى استوسق‏ (9) له ما أراد من أمرهم و اتّفاق كلمتهم ثم انصرف عن الهند و خلّف ذلك الرّجل عليهم و مضى متوجّها نحو ما قصد له.

____________

(1) أهبته: عدته.

(2) أي لا تقف و لا تنتظر.

(3) وطئته: داسته.

(4) تقطع: تشتت.

(5) أي بالغوا في جراحهم.

(6) المجحفة: المهلكة.

(7) أعيا: أعجز.

(8) أي مكنه منهم.

(9) استوسق: اجتمع.

18

فلمّا بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغيّرت الهند عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلّفه عليهم و قالوا: ليس يصلح للسّياسة و لا ترضى الخاصة و العامّة أن يملّكوا عليهم رجلا ليس هو منهم و لا من أهل بيوتهم فانه لا يزال يستذلهم و يستقلّهم، و اجتمعوا يملّكون عليهم رجلا من أولاد ملوكهم فملّكوا عليهم ملكا يقال له دبشليم، و خلعوا الرجل الذي كان خلّفه عليهم الاسكندر. فلمّا استوسق له الأمر و استقرّ له الملك طغى و بغى و تجبّر و تكبّر و جعل يغزو من حوله من الملوك و كان مع ذلك مؤيّدا مظفّرا منصورا فهابته الرعية. فلمّا رأى ما هو عليه من الملك و السّطوة عبث بالرعيّة (1) و استصغر أمرهم و أساء السيرة فيهم و كان لا يرتقي حاله إلاّ ازداد عتوّا (2) فمكث‏ (3) على ذلك برهة من دهره.

و كان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله و يرجع في الأمور إلى قوله يقال له بيدبا. فلما رأى الملك و ما هو عليه من الظلم للرعيّة فكّر في وجه الحيلة في صرفه عمّا هو عليه و ردّه إلى العدل و الإنصاف. فجمع لذلك تلاميذه و قال أ تعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه: اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم و ما هو عليه من الخروج عن العدل و لزوم الشرّ و رداءة السيرة و سوء العشرة مع الرّعية و نحن ما نروض أنفسنا (4) لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك الا لنردّهم إلى فعل الخير و لزوم العدل و متى أغفلنا (5) ذلك و أهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا و بلوغ المحذورات إلينا إذ كنّا في أنفس الجهّال أجهل منهم، و في العيون عندهم أقلّ منهم و ليس الرأي عندي الجلاء (6) عن الوطن، و لا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه

____________

(1) عبث بالشي‏ء: لعب به و عمل ما لا فائدة فيه و نابه طرب.

(2) عتوا: استكبارا و شدة.

(3) مكث: أقام.

(4) أي نطوع أنفسنا و نوطنها.

(5) أغفلنا: تركنا.

(6) الجلاء: الخروج.

19

من سوء السيرة و قبح الطّريقة، و لا يمكننا مجاهدته‏ (1) بغير ألسنتنا. و لو ذهبنا إلى أن نستعين بغيرنا لم تتهيّأ لنا معاندته و إن أحسّ منّا بمخالفته و إنكارنا سوء سيرته لكان في ذلك بوارنا (2) . و قد تعلمون أنّ مجاورة السّبع و الكلب و الحيّة و الثّور على طيب الوطن و نضارة العيش‏ (3) غدر بالنّفس. و إنّ الفيلسوف لحقيق أن تكون همته مصروفة إلى ما يحصّن به نفسه من نوازل المكروه و لواحق المحذور. و يدفع المخوف لاستجلاب المحبوب. و لقد كنت أسمع أنّ فيلسوفا كتب إلى تلميذه يقول: إنّ مجاور رجال السّوء و المصاحبهم كراكب البحر إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف، فإذا هو أورد نفسه مورد الهلكات و مصادر المخوفات عدّ من الحمير التي لا نفس لها، لأنّ الحيوانات البهيميّة قد خصّت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النّفع و تتوقّى المكروه و ذلك أنّنا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها، و أنّها متى أشرفت على مورد مهلك لها مالت بطبائعها التي ركّبت فيها شحّا (4) بأنفسها و صيانة لها إلى النّفور و التباعد عنه، و قد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي‏ (5) و مكان سرّي و موضع معرفتي و بكم أعتضد (6) و عليكم أعتمد فإنّ الوحيد في نفسه و المنفرد برأيه حيث كان فهو ضائع و لا ناصر له، على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل و الجنود.

و المثل في ذلك أنّ قبّرة (7) اتّخذت أدحيّة (8) و باضت فيها على طريق الفيل، و كان للفيل مشرب يتردّد إليه، فمرّ ذات يوم على عادته ليرد مورده فوطئ عشّ القبّرة

____________

(1) مجاهدته: مقاتلته.

(2) بوارنا: هلاكنا.

(3) أي طيبه.

(4) شحا: بخلا.

(5) قومي و عشيرتي.

(6) أستعين.

(7) القبرة: ضرب من العصافير الواحدة قبرة و العامة تقول قنبرة.

(8) مبيض النعام في الرمل.

20

و هشم بيضها و قتل فراخها، فلما نظرت ما ساءها علمت أنّ الذي نالها من الفيل لا من غيره، فطارت فوقعت على رأسه باكية ثم قالت: أيها الملك لم هشمت بيضي و قتلت فراخي و أنا في جوارك، أفعلت هذا استصغارا منك لأمري و احتقارا لشأني؟قال: هو الذي حملني على ذلك، فتركته و انصرفت الى جماعة الطير فشكت إليها ما نالها من الفيل، فقلن لها و ما عسى أن نبلغ منه و نحن طيور، فقالت للعقاعق و الغربان أحبّ منكنّ أن تصرن معي إليه فتفقأن عينيه فإني أحتال له بعد ذلك بحيلة أخرى، فأجبنها إلى ذلك و ذهبن إلى الفيل فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما و بقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه و مشربه إلا ما يقمّه‏ (1) من موضعه، فلمّا علمت ذلك منه جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثيرة فشكت إليها ما نالها من الفيل، /قالت الضّفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل، و أين نبلغ منه، قالت: أحبّ منكنّ أن تصرن معي إلى وهدة (2) قريبة منه فتنقنقن‏ (3) فيها و تضججن فإنه إذا سمع أصواتكنّ لم يشكّ في الماء فيهوي فيها، فأجبنها إلى ذلك و اجتمعن في الهاوية فسمع الفيل نقيق الضّفادع و قد جهده العطش فأقبل حتى وقع في الوهدة فانحطم‏ (4) فيها و جاءت القبّرة ترفرف على رأسه و قالت:

أيّها الطاغي المغترّ بقوّته المحتقر لأمري كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثّتي عند عظم جثّتك و صغر همّتك.

فليشر كلّ واحد منكم بما يسنح‏ (5) له من الرأي. قالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل و الحكيم العادل أنت المقدّم فينا و الفاضل علينا، و ما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك و فهمنا عند فهمك، غير اننا نعلم أنّ السّباحة في الماء مع التمساح تغرير (6) و الذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. و الذي يستخرج السّمّ من

____________

(1) يقمه: يأكله‏

(2) الوهدة: الأرض المنخفضة.

(3) النقنقة: صوت الضفادع.

(4) انحطم: تكسر.

(5) يسنح: يعرض و يخطر.

(6) تغرير: أي تعريض النفس للهلكة.

غ

21

ناب الحيّة فيبتلعه ليجرّبه على نفسه فليس الذنب للحيّة، و من دخل على الأسد في غابته لم يأمن و ثبته‏ (1) ، و هذا الملك لم تفزعه النوائب و لم تؤدّبه التجارب، و لسنا نأمن عليك‏ (2) من سورته و مبادرته‏ (3) بسوء إذا لقيته بغير ما يحبّ، فقال الحكيم بيدبا:

لعمري لقد قلتم فأحسنتم، لكنّ ذا الرّأي الحازم لا يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة، و الرأي الفرد لا يكتفى به في الخاصّة و لا ينتفع به في العامّة، و قد صحّت عزيمتي‏ (4) على لقاء دبشليم، و قد سمعت مقالتكم و تبيّن لي نصيحتكم و الاشفاق عليّ و عليكم، غير اني قد رأيت رأيا و عزمت عزما و ستعرفون حديثي عند الملك و مجاوبتي إيّاه فإذا اتّصل بكم خروجي من عنده فاجتمعوا إليّ... و صرفهم و هم يدعون له بالسلامة.

ثمّ إنّ بيدبا اختار يوما للدّخول على الملك، حتى إذا كان ذلك الوقت ألقى عليه مسوحه‏ (5) و هي لباس البراهمة و قصد باب الملك، و سأل عن صاحب إذنه فأرشد اليه و سلّم عليه و أعلمه و قال له: إني رجل قصدت الملك في نصيحة، فدخل الآذن على الملك في وقته، و قال: بالباب رجل من البراهمة يقال له بيدبا ذكر أنّ معه للملك نصيحة، فأذن له فدخل و وقف بين يديه و كفّر (6) و سجد له و استوى‏ (7) قائما و سكت و فكّر دبشليم في سكوته و قال: إنّ هذا لم يقصدنا إلاّ لأمرين. إمّا أن يلتمس منّا شيئا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة، ثم قال إن كان للملوك فضل في مملكتها فإنّ للحكماء فضلا في حكمتها أعظم، لأنّ الحكماء أغنياء عن الملوك

____________

(1) وثبته: قفزته.

(2) و في نسخة زيادة نصها: و لا على أنفسنا سطوته، انا نخاف عليك.

(3) الحدة و السبق.

(4) أي صممت.

(5) مسوحه: ثوب من الشعر، واحده مسح، على وزن ملح.

(6) مأخوذ من الكفر بفتح الكاف، تعظيم الفارسي ملكه و هو ايماء بالرأس من غير سجود.

(7) استوى: نهض.

22

بالعلم و ليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال، و قد وجدت العلم و الحياء إلفين متآلفين لا يفترقان متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر، كالمتصافيين‏ (1) إن عدم منهما أحد لم يطب صاحبه نفسا بالبقاء بعده تأسفا عليه، و من لم يستحي من الحكماء و يكرمهم و يعرف فضلهم على غيرهم و يصنهم عن المواقف الواهنة (2) و ينزّههم عن المواطن الرّذلة (3) كان ممّن حرم عقله و خسر دنياه و ظلم الحكماء حقوقهم و عدّ من الجهّال.

ثم رفع رأسه إلى بيدبا و قال له: نظرت إليك يا بيدبا ساكتا لا تعرض حاجتك و لا تذكر بغيتك‏ (4) فقلت إنّ الذي أسكته هيبة ساورته‏ (5) أو حيرة أدركته، و تأمّلت عند ذلك في طول وقوفك و قلت لم يكن لبيدبا أن يطرقنا (6) على غير عادة إلا لأمر حرّكه إلى ذلك، فإنه من أفضل أهل زمانه فهلاّ نسأله عن سبب دخوله، فإن يكن من ضيم ناله كنت أولى من أخذ بيده و سارع في تشريفه و تقدّم في البلوغ إلى مراده و إعزازه، و إن كانت بغيته عرضا من أعراض الدّنيا أمرت بإرضائه من ذلك فيما أحبّ و إن يكن من أمر الملك و مما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم و لا ينقادوا اليه نظرت في قدر عقوبته، على أن مثله لم يكن ليجترئ على إدخال نفسه في مسألة باب الملوك، و إن كان شيئا من أمور الرّعيّة يقصد فيه أن أصرف عنايتي إليهم نظرت ما هو، فإن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير و الجهّال يشيرون بضدّه، و أنا قد فسحت‏ (7) لك في الكلام.

فلما سمع بيدبا ذلك من الملك أفرج عنه روعه‏ (8) و سرّي‏ (9) ما كان وقع في نفسه من خوفه و كفّر له و سجد ثم قام بين يديه و قال:

____________

(1) المتصافيين: المتوادين.

(2) الواهنة: الضعيفة.

(3) الرذلة: الرديئة.

(4) بغيتك: طلبك.

(5) ساورته: غالبته و أخذت برأسه.

(6) يطرقنا: يأتينا.

(7) فسحت: أذنت.

(8) أي ذهب خوفه.

(9) سرى: زال.

23

<إسكن> بيدبا مقيدا و الملك مصغ اليه <إسكن> الملك في خلوته ببيدبا

24

أوّل ما أقول إني أسأل اللّه تعالى بقاء الملك على الأبد و دوام ملكه على الأمد، لأنّ الملك قد منحني في مقامي هذا محلاّ جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء، و ذكرا باقيا على الدهر عند الحكماء، ثم أقبل على الملك بوجهه مستبشرا به فرحا بما بدا له منه و قال: قد عطف عليّ الملك بكرمه و إحسانه، و الأمر الذي دعاني الى الدخول على الملك و حملني على المخاطرة في كلامه و الاقدام عليه نصيحة اختصصته بها دون غيره، و سيعلم من يتّصل به ذلك أنّي لم أقصّر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء، فإن فسح في كلامي و وعاه عني فهو حقيق بذلك، و إن هو ألقاه فقد بلغت ما يلزمني و خرجت من لوم يلحقني. قال الملك يا بيدبا تكلّم مهما شئت فإني مصغ إليك و مقبل عليك و سامع منك حتى أستفرغ ما عندك إلى آخره و أجازيك على ذلك بما أنت أهله.

قال بيدبا: إني وجدت الأمور التي اختصّ بها الانسان من بين سائر الحيوان أربعة أشياء و هي جماع‏ (1) ما في العالم. و هي الحكمة و العفّة و العقل و العدل.

و العلم و الأدب و الرويّة (2) داخلة في باب الحكمة، و الحلم و الصّبر و الوقار داخلة في باب العقل، و الحياء و الكرم و الصيانة و الأنفة (3) داخلة في باب العفّة، و الصّدق و الإحسان و المراقبة (4) و حسن الخلق داخلة في باب العدل، و هذه هي المحاسن، و أضدادها هي المساوئ، فمتى كملت هذه في واحد لم يخرجه النقص في نعمته إلى سوء الحظّ من دنياه و لا إلى نقص من عقباه‏ (5) و لم يتأسّف على ما لم يعن التوفيق ببقائه و لم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه و لم يدهش عند مكروه،

____________

(1) جماع الشي‏ء بوزن كتاب، جمعه. يقال جماع الخباء: الأخبية أي جمعها، اما الجماع بوزن رمان فأخلاط الناس من قبائل شتى.

(2) الروية: إعمال الفكر.

(3) الأنفة: الترفع عن الدنايا.

(4) المراقبة: المخافة من اللّه.

(5) عقباه: آخرته.

25

فالحكمة كنز لا يفنى على الإنفاق، و ذخيرة لا يضرب لها بالإملاق، و حلّة لا تخلق جدّتها، و لذة لا تصرم مدّتها، و لئن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت عن ابتدائه بالكلام فإنّ ذلك لم يكن مني إلا لهيبته و الإجلال له، و لعمري إنّ الملوك لأهل أن يهابوا و لا سيّما من هو في المنزلة التي جلّ فيها الملك عن منازل الملوك قبله، و قد قالت العلماء: الزم السكوت فإنّ فيه السلامة، و تجنّب الكلام الفارغ فإنّ عاقبته الندامة، و حكي أنّ أربعة من العلماء ضمّهم مجلس ملك فقال لهم:

ليتكلّم كلّ منكم بكلام يكون أصلا للأدب، فقال أحدهم: أفضل خلة (1) العلماء السكوت، و قال الثاني: إنّ من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله، و قال الثالث: أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلّم بما لا يعنيه، و قال الرابع:

أروح‏ (2) الأمور للإنسان التسليم للمقادير، و اجتمع في بعض الأزمان ملوك الأقاليم من الصّين و الهند و فارس و الرّوم و قالوا: ينبغي أن يتكلّم كلّ منّا بكلمة تدوّن عنه على غابر (3) الدّهر، قال ملك الصّين: أنا على ما لم أقل أقدر مني على ردّ ما قلت، قال ملك الهند: عجبت لمن يتكلّم بالكلمة فإن كانت له لم تنفعه و إن كانت عليه أوبقته‏ (4) ، قال ملك فارس: أنا إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني و إذا لم أتكلّم بها ملكتها، قال ملك الرّوم: ما ندمت على ما لم أتكلّم به قطّ و لقد ندمت على ما تكلّمت به كثيرا، و السكوت عند الملوك أحسن من الهذر (5) الذي لا يرجع منه إلى نفع، و أفضل ما استظلّ‏ (6) به الإنسان لسانه، غير أنّ الملك أطال اللّه مدّته لمّا فسح لي في الكلام و أوسع لي فيه كان أولى ما أبدأ به من الأمور التي هي غرضي أن تكون ثمرة ذلك له دوني و أن أختصّه بالفائدة قبلي، على أنّ العقبى‏ (7) هي ما أقصد

____________

(1) الخلة: الخصلة.

(2) أروح: تفضيل من الراحة.

(3) غابر: ماضي و يستعمل بمعنى الباقي و هو من الأضداد.

(4) أوبقته: أهلكته.

(5) الهذر: الهذيان.

(6) و في نسخة: و أعضل ما استضل.

(7) العقبى: العاقبة.

26

في كلامي له، و إنما نفعه و شرفه راجع إليه و أكون أنا قد قضيت فرضا وجب عليّ فأقول:

«أيّها الملك إنك في منازل آبائك و أجدادك من الجبابرة الذين أسّسوا الملك قبلك و شيّدوه دونك و بنوا القلاع و الحصون و مهّدوا البلاد و قادوا الجيوش و استجاشوا (1) العدّة و طالت لهم المدّة، و استكثروا من السلاح و الكراع‏ (2) ، و عاشوا الدّهور، في الغبطة (3) و السرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر، و لا قطعهم عن اغتنام الشّكر، و استعمال الإحسان فيما خوّلوه‏ (4) و الرّفق فيما ولوه‏ (5) و حسن السيرة فيما تقلّدوه، مع عظم ما كانوا فيه من غرّة (6) الملك و سكرة الاقتدار، و انّك أيّها الملك السعيد جدّه الطالع كوكب سعده قد ورثت أرضهم و ديارهم و أموالهم و منازلهم التي كانت عدّتهم فأقمت فيما خوّلت من الملك و ورثت من الأموال و الجنود فلم تقم في ذلك بحقّ ما يجب عليك بل طغيت و بغيت و عتوت و علوت على الرّعيّة و أسأت السيرة و عظمت منك البليّة و كان الأولى و الأشبه‏ (7) بك أن تسلك سبيل أسلافك و تتّبع آثار الملوك قبلك و تقفو (8) محاسن ما أبقوه لك و تقلع‏ (9) عما عاره لازم لك و شينه‏ (10) واقع بك، و تحسن النظر برعيّتك و تسنّ لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره و يعقبك‏ (11) الجميل فخره، و يكون ذلك أبقى على السلامة، و أدوم على الاستقامة، فإن الجاهل المغترّ من استعمل في أموره البطر و الأمنيّة، و الحازم اللّبيب من ساس الملك بالمداراة و الرّفق، فانظر أيها

____________

(1) استجاشوا: طلبوا.

(2) الكراع: اسم يجمع الخيل.

(3) الغبطة: حسن الحال.

(4) خولوه: من خوله اللّه الشي‏ء تخويلا ملكه اياه.

(5) الرفق: ضد العنف، و ولوه: أي تولوا عليه.

(6) اسم من الاغترار.

(7) من أشبه الولد أباه: اذا شاركه في صفة من صفاته.

(8) تقفو: تتبع.

(9) تقلع: تكف.

(10) الشين: ضد الزين.

(11) يعقبك: يورثك.

27

الملك فيما ألقيت اليك، و لا يثقلنّ ذلك عليك، فلم أتكلّم بهذا ابتغاء غرض تجازيني به و لا التماس معروف تسوقه إليّ و لكن أتيتك ناصحا مشفقا عليك» .

فلما فرغ بيدبا من مقالته و قضى مناصحته أوغر صدر الملك‏ (1) فأغلظ له في الجواب استصغارا لأمره و قال: «لقد تكلّمت بكلام ما كنت أظنّ أنّ أحدا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله و لا يقدم على ما أقدمت عليه، فكيف بك مع صغر شأنك و ضعف منّتك‏ (2) و عجز قوّتك، و لقد زاد عجبي من اقدامك عليّ و تسلّطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدّك، و ما أجد شيئا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك‏ (3) فذلك عبرة و موعظة لمن عساه أن يبلغ و يروم ما رمت أنت من الملوك إذا أوسعوا لهم في مجالسهم» ، ثمّ أمر به أن يقتل و يصلب، فلمّا مضوا به فكّر فيما أمر فأحجم‏ (4) عنه ثمّ أمر بحبسه و تقييده، فلمّا حبس أنفذ الملك في طلب تلاميذه و من كان يجتمع اليه فهربوا في البلاد و اعتصموا (5) بجزائر البحار، فمكث بيدبا في محبسه أياما لا يسأل الملك عنه و لا يلتفت إليه و لا يجسر أحد أن يذكره عنده حتى إذا كانت ليلة من اللّيالي سهد (6) الملك سهدا شديدا و طال سهده فمدّ إلى الفلك بصره و تفكّر في تفلّك‏ (7) الفلك و حركات الكواكب فأغرق الفكر فيه‏ (8) فسلك به إلى استنباط شي‏ء عرض له من أمور الفلك و المسألة عنه، فذكر عند ذلك بيدبا و تفكر فيما كلّمه فيه فارعوى‏ (9) لذلك و قال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف و ضيّعت واجب حقه و حملني على ذلك سرعة الغضب، و قد قالت العلماء أربعة لا ينبغي أن تكون في

____________

(1) أوغر صدره: ملأه غيظا.

(2) منتك: قوتك.

(3) من نكل به تنكيلا: أي جعله نكالا و عبرة لغيره.

(4) أحجم: تأخر و رجع.

(5) اعتصم بالشي‏ء: امتنع به.

(6) السهاد: الأرق و هو السهر.

(7) تفلك: استدارة.

(8) أي بالغ.

(9) من ارعوى عن القبيح مثل ارتدع.

28

الملوك: الغضب فإنه أجدر الأشياء بصاحبه مقتا (1) ، و البخل فإنّ صاحبه ليس بمعذور مع ذات يده‏ (2) و الكذب فإنه ليس لأحد أن يجاوره، و العنف‏ (3) في المحاورة، فإنّ السّفه ليس من شأنها و قد أتى إليّ رجل نصح لي و لم يكن مبلّغا (4) فعاملته بضدّ ما يستحقّ و كافأته بخلاف ما يستوجب، و ما كان هذا جزاءه مني بل كان الواجب أن أسمع كلامه و أنقاد لما يشير به...

ثم أنفذ في ساعته من يأتيه به.

فلمّا مثل‏ (5) بين يديه قال له: يا بيدبا أ لست الذي قصدت إلى تقصير همتي و عجّزت رأيي في سيرتي بما تكلمت به آنفا (6) ؟قال بيدبا: أيها الملك الناصح الشفيق الصادق الرفيق‏ (7) إنما نبّأتك‏ (8) بما فيه صلاح لك و لرعيّتك و دوام ملكك لك، قال له الملك: يا بيدبا أعد عليّ كلامك كله و لا تدع منه حرفا إلاّ جئت به، فجعل بيدبا ينثر كلامه و الملك مصغ إليه و جعل دبشليم كلّما سمع شيئا ينكت الأرض‏ (9) بشي‏ء كان في يده، ثم رفع طرفه‏ (10) إلى بيدبا و أمر بالجلوس و قال له: يا بيدبا اني قد استعذبت كلامك و حسن موقعه في قلبي و أنا ناظر في الذي أشرت به و عامل بما أمرت، ثم أمر بقيوده فحلّت و ألقى عليه من لباسه و تلقّاه بالقبول، فقال بيدبا: أيّها

____________

(1) مقتا: بغضا.

(2) أي ميسرته.

(3) العنف: القسوة و الخشونة.

(4) من البلاغات و هي الوشايات.

(5) مثل من باب قعد، انتصب قائما.

(6) آنفا: سابقا.

(7) من الرفق.

(8) نبأتك: أخبرتك.

(9) النكت: أن تضرب الأرض بقضيب فتؤثر فيها و هو مما يفعله المتفكر.

(10) طرفه: أي نظره.

29

الملك إنّ في دون ما كلّمتك به نهية (1) لمثلك، قال: صدقت أيّها الحكيم الفاضل و قد وليتك من مجلسي هذا إلى جميع أقاصي مملكتي، فقال له: أيها الملك أعفني من هذا الأمر فإني غير مضطلع بتقويمه إلاّ بك، فأعفاه من ذلك فلمّا انصرف علم أنّ الذي فعله ليس برأي فبعث فردّه و قال: اني فكّرت في إعفائك ممّا عرضته عليك فوجدته لا يقوم إلاّ بك و لا ينهض به غيرك و لا يضطلع به سواك فلا تخالفني فيه فأجابه بيدبا إلى ذلك..

و كان عادة ملوك الزّمان إذا استوزروا وزيرا أن يعقدوا على رأسه تاجا و يركب في أهل المملكة و يطاف به في المدينة فأمر الملك أن يفعل ببيدبا ذلك فوضع التاج على رأسه و ركب في المدينة و رجع فجلس بمجلس العدل و الإنصاف يأخذ للدّني‏ء من الشريف، و يساوي بين القويّ و الضعيف، و ردّ المظالم و وضع سنن العدل، و أكثر من العطايا و البذل، و اتّصل الخبر بتلاميذه فجاءوا من كلّ مكان فرحين بما جدّد اللّه له من جديد رأي الملك فيه و شكروا اللّه تعالى على توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عمّا كان عليه من سوء السيرة، و اتخذوا ذلك اليوم عيدا يعيّدون فيه فهو إلى اليوم عيد عندهم في بلاد الهند.

ثم إنّ بيدبا لما أن أخلى فكره من اشتغاله بدبشليم تفرّغ لوضع كتب السياسة و نشط (2) لها فعمل كتبا كثيرة فيها دقائق الحيل، و مضى الملك على ما رسم له بيدبا من حسن السيرة و العدل في الرّعيّة فرغبت‏ (3) إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه و انقادت له الأمور على استوائها و فرحت به رعيّته و أهل مملكته، ثم إن بيدبا جمع تلاميذه فأحسن صلتهم و وعدهم وعدا جميلا، و قال لهم: لست أشكّ أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إنّ بيدبا قد ضاعت حكمته و بطلت فكرته

____________

(1) النهية: من النهي و في نسخة نهاية.

(2) نشط: خف و أسرع.

(3) رغبت اليه: مالت برغبتها.

غ

30

إذ عزم على الدّخول على هذا الجبّار الطّاغي، فقد علمتم نتيجة رأيي و صحّة فكري و أني لم آته جهلا به لأني كنت أسمع من الحكماء قبلي تقول انّ الملوك لها سكرة كسكرة الشّراب فالملوك لا تفيق من السكرة إلاّ بمواعظ العلماء و آداب الحكماء، و الواجب على الملوك أن يتّعظوا بمواعظ العلماء و الواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها و تأديبها بحكمتها و إظهار الحجّة البيّنة اللاّزمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج عن العدل، فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم من سنة (1) سكرتهم كالطّبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحّتها أو ردّها إلى الصّحّة فكرهت أن يموت أو أن أموت و ما يبقى على الأرض إلاّ من يقول إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطّاغي فلم يردّه عمّا كان عليه، فإن قال قائل إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه قالوا كان الهرب منه و من جواره أولى به، و الانزعاج عن الوطن شديد، فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني و بين الحكماء بعدي عذرا، فحملتها على التّغرير أو الظّفر بما أريده و كان على ذلك ما أنتم معاينوه، فإنّه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلاّ بإحدى ثلاث: إمّا بمشقّة تناله في نفسه و إمّا بوضيعة (2) في ماله أو وكس‏ (3) في دينه، و من لم يركب الأهوال لم ينل الرّغائب و إنّ الملك دبشليم قد بسط (4) لساني في أن أضع كتابا فيه ضروب‏ (5) الحكمة فليضع كلّ واحد منكم شيئا في أيّ فنّ شاء و ليعرضه عليّ لأنظر مقدار عقله و أين بلغ من الحكمة فهمه، قالوا: «أيّها الحكيم الفاضل، و اللبيب العاقل، و الذي‏ (6) وهب لك ما منحك من الحكمة و العقل و الأدب و الفضيلة ما خطر هذا بقلوبنا ساعة قطّ و أنت رئيسنا و فاضلنا و بك شرفنا و على

____________

(1) السنة (بالكسر) : النعاس.

(2) الوضيعة: الخسارة.

(3) الوكس: النقصان.

(4) بسط لساني: أي أطلقه.

(5) ضروب: أصناف.

(6) الواو هنا للقسم.

31

يدك انتعشنا (1) و لكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت.. » . و مكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا يتولّى له ذلك بيدبا و يقوم به.

ثمّ إن الملك دبشليم لما استقرّ له الملك و سقط عنه النظر في أمور الأعداء بما قد كفاه ذلك بيدبا صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه و أجداده فوقع في نفسه‏ (2) أن يكون له أيضا كتاب مشروح ينسب إليه و تذكر فيه أيّامه كما ذكر آباؤه و أجداده من قبله، فلما عزم على ذلك علم أنه لا يقوم بذلك إلاّ بيدبا فدعاه و خلا به، و قال له: يا بيدبا انك حكيم الهند و فيلسوفها، و إني فكّرت و نظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي فلم أر فيهم أحدا إلاّ وضع كتابا تذكر فيه أيّامه و سيرته و ينبئ عن أدبه و أهل مملكته، فمنه ما وضعته الملوك لأنفسها و ذلك لفضل حكمة فيها، و منه ما وضعته حكماؤها و أخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة لي فيه و لا يوجد في خزائني كتاب أذكر به بعدي و ينسب إليّ كما ذكر من كان قبلي بكتبهم و قد أحببت أن تضع لي كتابا بليغا تستفرغ فيه عقلك يكون ظاهره سياسة العامّة و تدريبها على طاعة الملوك، و باطنه أخلاق الملوك و سياستها للرعيّة فيسقط بذلك عني و عنهم كثير ممّا نحتاج إليه في معاناة الملك و أريد أن يبقى لي هذا الكتاب بعدي ذكرا على غابر الدهور، فلمّا سمع بيدبا كلامه خرّ له ساجدا و رفع رأسه و قال:

أيّها الملك السعيد جدّه، علا نجمك و غاب نحسك و دامت أيّامك إن الذي قد طبع عليه الملك من جودة القريحة و وفور العقل حرّكه إلى عالي الأمور، و سمت به نفسه و همّته إلى أشرف المراتب منزلة و أبعدها غاية، و أدام اللّه سعادة الملك و أعانه على ما عزم من ذلك و أعانني على بلوغ مراده، فليأمر الملك بما شاء من ذلك فإني صائر إلى غرضه مجتهد فيه برأيي، قال له الملك: يا بيدبا لم تزل موصوفا بحسن الرأي

____________

(1) انتعشنا: نهضنا من عثرتنا.

(2) وقع في نفسه: أي خطر بباله.

32

و طاعة الملوك في أمورهم، و قد اختبرت منك ذلك و اخترت أن تضع هذا الكتاب و تعمل فيه فكرك و تجهد فيه نفسك بغاية ما تجد إليه السّبيل، و ليكن مشتملا على الجدّ و الهزل و اللّهو و الحكمة و الفلسفة، فكفّر له بيدبا و سجد و قال: قد أجبت الملك أدام اللّه أيّامه إلى ما أمرني به و جعلت بيني و بينه أجلا (1) ، قال: و كم الأجل، قال: سنة، قال: قد أجّلتك.. و أمر له بجائزة سنيّة تعينه على عمل الكتاب فبقي بيدبا مفكّرا في الأخذ فيه و في أيّ صورة يبتدئ بها فيه و في وضعه.

ثمّ إنّ بيدبا جمع تلاميذه و قال لهم: إنّ الملك قد ندبني إلى أمر فيه فخري و فخركم و فخر بلادكم و قد جمعتكم لهذا الأمر.. ثمّ وصف لهم ما سأل الملك من أمر الكتاب و الغرض الذي قصد فيه فلم يقع لهم الفكر فيه. فلمّا لم يجد عندهم ما يريده فكّر بفضل حكمته أنّ ذلك أمر إنّما يتمّ باستفراغ العقل و إعمال الفكر، و قال: أرى السّفينة لا تجري في البحر إلاّ بالملاّحين‏ (2) لأنّهم يعدّلونها، و إنّما تسلك اللجّة (3) بمدبّرها الذي تفرّد بإمرتها (4) ، و متى شحنت بالرّكاب الكثيرين و كثر ملاّحوها لم يؤمن عليها من الغرق. و لم يزل يفكّر فيما يعمله في باب الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل من تلاميذه كان يثق به فخلا به منفردا معه بعد أن أعدّ (5) شيئا من الورق الذي كانت تكتب فيه الهند، و من القوت ما يقوم به و بتلميذه تلك المدّة و جلسا في مقصورة (6) و ردّا عليهما الباب، ثم بدأ في نظم الكتاب و تصنيفه و لم يزل هو يملي و تلميذه يكتب و يرجع هو فيه حتّى استقرّ الكتاب على غاية الإتقان و الإحكام، و رتّب فيه خمسة عشر بابا كلّ باب منها قائم بنفسه و في كلّ باب مسألة و الجواب عنها ليكون لمن نظر فيه حظّ (7) من التّبصرة و الهداية، و ضمّن تلك

____________

(1) الأجل: الموعد.

(2) الملاحون: البحارة الذين تجري بهم السفينة.

(3) اللجة: معظم الماء.

(4) الإمرة: الولاية.

(5) أعد: هيأ.

(6) المقصورة: الحجرة.

(7) حظ: نصيب.

33

الأبواب كتابا واحدا سمّاه كتاب كليلة و دمنة، ثمّ جعل كلامه على ألسن البهائم و السّباع و الطّير ليكون ظاهره لهوا للخواصّ و العوامّ و باطنه رياضة (1) لعقول الخاصّة، و ضمّنه أيضا ما يحتاج إليه الإنسان من سياسة نفسه و أهله و خاصّته و جميع ما يحتاج إليه من أمر دينه و دنياه، و آخرته و أولاه، و يحضّه على حسن طاعته للملوك و يجنّبه ما تكون مجانبته خيرا له، ثمّ جعله باطنا و ظاهرا كرسم سائر الكتب التي برسم الحكمة فصار الحيوان لهوا و ما ينطق به حكما و أدبا، فلمّا ابتدأ بيدبا بذلك جعل أوّل الكتاب وصف الصّديق و كيف يكون الصّديقان و كيف تقطع المودّة الثّابتة بينهما بحيلة ذي النميمة (2) و أمر تلميذه أن يكتب على لسان بيدبا مثل ما كان الملك شرطه‏ (3) في أن يجعله لهوا و حكمة. فذكر بيدبا أنّ الحكمة متى دخلها كلام النّقلة أفسدها و استجهل حكمتها.

فلم يزل هو و تلميذه يعملان الفكر فيما سأله الملك حتّى فتق‏ (4) لهما العقل أن يكون كلامهما على لسان بهيمين، فوقع لهما موضع اللّهو و الهزل بكلام البهائم و كانت الحكمة ما نطقا به، فأصغت الحكماء إلى حكمه و تركوا البهائم و اللّهو و علموا أنّها السّبب في الذي وضع لهم و مالت إليه الجهّال عجبا من محاورة بهيمتين و لم يشكّوا في ذلك و اتّخذوه لهوا و تركوا معنى الكلام أن يفهموه و لم يعلموا الغرض الذي وضع له، لأنّ الفيلسوف إنما كان غرضه في الباب الأوّل أن يخبر عن تواصل الإخوان كيف تتأكّد المودّة بينهم على التّحفّظ من أهل السعاية (5) و التحرّز ممّن يوقع العداوة بين المتحابّين ليجرّ بذلك نفعا الى نفسه، فلم يزل بيدبا و تلميذه في المقصورة حتّى استتمّ عمل الكتاب في مدّة سنة.

____________

(1) رياضة: تمرين.

(2) النميمة: هي السعي بإيقاع فتنة أو وحشة.

(3) شرط: بمعنى اشترط.

(4) فتق: شق و كشف.

(5) السعاية: الوشاية.

34

فلمّا تمّ الحول‏ (1) أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فما ذا صنعت، فأنفذ إليه بيدبا إني على ما وعدت الملك فليأمرني بحمله بعد أن يجمع أهل المملكة لتكون قراءتي هذا الكتاب بحضرتهم‏ (2) فلمّا رجع الرّسول إلى الملك سرّ بذلك و وعده يوما يجمع فيه أهل المملكة، ثمّ نادى في أقاصي بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب، فلمّا كان ذلك اليوم أمر الملك أن ينصب لبيدبا سرير مثل سريره و كراسيّ لأبناء الملوك و العلماء و أنفذ فأحضره، فلمّا جاءه الرّسول قام فلبس الثّياب التي كان يلبسها إذا دخل على الملوك و هي المسوح السّود و حمّل الكتاب تلميذه، فلمّا دخل على الملك وثب الخلائق بأجمعهم و قام الملك شاكرا، فلمّا قرب من الملك كفّر له و سجد و لم يرفع رأسه، فقال له الملك: يا بيدبا ارفع رأسك فإنّ هذا يوم هناء و فرح و سرور.. و أمره الملك أن يجلس، فحين جلس لقراءة الكتاب سأله الملك عن معنى كلّ باب من أبواب الكتاب و إلى أيّ شي‏ء قصد فيه فأخبره بغرضه فيه و في كلّ باب، فازداد الملك منه تعجّبا و سرورا فقال له: يا بيدبا ما عدوت‏ (3) الذي في نفسي و هذا الذي كنت أطلب فاطلب ما شئت و تحكّم.. فدعا له بيدبا بالسّعادة و طول الجدّ (4) و قال: أيّها الملك أمّا المال فلا حاجة لي فيه و أمّا الكسوة فلا أختار على لباسي هذا شيئا و لست أخلي الملك من حاجة (5) قال الملك: يا بيدبا ما حاجتك فكلّ حاجة لك مقضية، قال: يأمر الملك أن يدوّن كتابي هذا كما دوّن آباؤه و أجداده كتبهم و يأمر بالمحافظة عليه فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به، فالملك يأمر أن لا يخرج من بيت الحكمة.. ثمّ دعا الملك بتلاميذه و أحسن لهم الجوائز.

____________

(1) الحول: العام.

(2) بحضرتهم: أي بحضورهم.

(3) عدوت: تجاوزت.

(4) الجد (بالفتح) : العظمة و الحظ.

(5) أخلي: أعفي.

35

ثم إنّه لمّا ملك كسرى أنو شروان و كان مستأثرا (1) بالكتب و العلم و الأدب و النظر في أخبار الأوائل وقع إليه‏ (2) خبر الكتاب فلم يقرّ قراره حتى بعث برزويه الطبيب و تلطّف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقرّه‏ (3) في خزائن فارس.

<إسكن> بيدبا جاثيا أمام الملك‏

____________

(1) استأثر بالشي‏ء: احتفظ به و اختص.

(2) وقع اليه: أي بلغه.

(3) أقره: أثبته.

36

باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب‏

الحمد للّه الذي بيده مفاتيح غيبه، و إليه منتهى كلّ علم و غاية، الدالّ على الخير المسبّب كلّ فضيلة، ألهم عباده كلّ ما يقرّبهم إليه من نوافل‏ (1) الخيرات، و نوامي البركات، لمّا أمر اللّه تعالى عباده من العلم و الحكمة إذ أمرهم بالشّكر له ليستوجبوا بذلك المزيد منه و يسارعوا فيما يرضيه عنهم تبارك اللّه رب العالمين.

و قد جعل اللّه لكلّ مسبّب علّة و لكلّ علة مجرى يجريها اللّه تعالى به على يد عبد من عبيده و يقدّرها له على أيّام دولته و أيّام عمره، و ذلك أنّ ما كان من علم انتساخ هذا الكتاب و نقله من أرض الهند إلى مملكة فارس إلهام ألهمه اللّه كسرى أنو شروان للبعث في نقله و نسخه، لأنه كان أكبر ملوك الفرس، و أكثرهم حكمة و أسدّهم رأيا و أرشدهم تدبيرا، و أحبّهم للعلوم و أبحثهم عن مكامن‏ (2) العلم و الأدب، و أحرصهم على الخير و تقرّبه إلى اللّه تعالى و إلى اقتناء ما يزينه بزينة الحكمة من طالبي الأدب و العلم في معرفة الخير و الشرّ و النفع و الضّرّ و الصّديق و العدوّ، و لم يكن يعرف ذلك إلاّ بنور اللّه تعالى في سياسته عبيده و بلاده لإقامة رعيّته و أموره، و هو الملك المعظّم في قومه، كسرى المتزيّن بزينة البهاء، الفاضل

____________

(1) النوافل: جمع نافلة و هي عطية التطوع. و نوامي: جمع نامية.

(2) المكامن جمع مكمن: المخابئ‏

37

الماجد الرّشيد السعيد، الذي لم يعدله أحد ممّن مضى قبله من ملوك الفرس، الناقد البصير الكامل الأدب المعينة له نفسه على التماس فروع الحكم، المستعين بنور العقل و جودة (1) الفكر، الذي اختصّه اللّه تعالى بهذه الخصال المحمودة، و زيّنه بزينة الكرامة و توّجه بهذه النعمة السابغة (2) ، حتى أذعنت له الرّعيّة، و خضعت لسلطانه البريّة، وصفت له الدّنيا و دانت‏ (3) له البلاد و انقادت له الملوك و ركنت إلى طاعته و خدمته و مناصحته، و ذلك منحة (4) من الخالق جلّ و علا قسمها له في دولته، و جمّله بها في أقطار مملكته.

فبينما هو ذات يوم في عنفوان دولته و شموخها (5) و عزّة مملكته و قعسها (6) إذ أخبره بعض جلسائه أنّ عند بعض ملوك الهند في خزائنه كتابا من تأليف الحكماء و تصانيف العلماء و استنباط الفضلاء، و قد فصّلت له غرائب من عجائبه الموضوعة على أفواه البهائم و الطير و الوحش و الهوامّ‏ (7) و خشاش‏ (8) الأرض مما تحتاج إليه فضلاء الملوك لسياسة رعيّتها و نظام أمور ممالكها و تدبيرها، فدعته الحاجة إلى اقتنائه و نسخه.

فلمّا تمّ عزمه و انتظم سأل وزراءه أن يتقدّموا و يجتهدوا في تطلّب رجل كامل عالم أديب، قد جمع الفضائل بحذافيرها (9) و نسب إلى الكمال من أهل الصّنفين المذكورين، إمّا كاتبا نحريرا (10) أو طبيبا فيلسوفا ماهرا قد أدّبته التجارب عارفا بلسان الفارسيّة خبيرا باللغة الهنديّة يكتب بهما جميعا حريصا على العلم مجتهدا

____________

(1) جودة (بفتح الجيم و ضمها) مصدر جاد الشي‏ء إذا صار جيدا.

(2) السابغة: المتسعة الشاملة.

(3) دانت: خضعت.

(4) المنحة: العطية.

(5) عنفوان الشي‏ء: أوله. الشموخ: الارتفاع.

(6) القعس: المنعة و العزة.

(7) الهوام: الحشرات.

(8) خشاش الأرض: الواحدة خشاشة و هي الحشرة.

(9) بحذافيرها: بأسرها.

(10) النحرير: العالم المتقن.

38

في الأدب مواظبا على الطّبّ أو الفلسفة فيأتوه به، فخرج أهل مشورته و وزراؤه مسرعين فبحثوا عمّن هذه صفته فوجدوه و ظفروا به فإذا هو شابّ جميل الوجه كامل العقل و الأدب ذو حسب و صناعة شريفة يعرف بها و هي الطّبّ، و كان ماهرا بالفارسيّة و الهنديّة و هو برزويه ابن أزهر الفيلسوف، و كان من فضلاء أطبّاء فارس، فأحضر بين يدي الملك كسرى فخرّ ساجدا و عفّر (1) وجهه طائعا للملك، فقال له الملك: إني قد اخترتك لما بلغني من فضلك و علمك و عقلك و حرصك على طلب العلم حيث كان... و قد بلغني عن كتاب بالهند مخزون في خزائنهم، و قصّ عليه قصته و ما بلغه عنه، و قال له: تجهّز فإني مرحّلك إلى أرض الهند، فتلطّف في ذلك بعقلك و حسن أدبك و نافذ رأيك لاستخراج هذا الكتاب من خزائنهم و من قبل‏ (2) علمائهم و حكمائهم تامّا كاملا مكتوبا بالفارسيّة فتستفيده أنت و تفيدنا إيّاه، و ما قدرت عليه من كتب الهند ممّا ليس في خزائننا منه شي‏ء فاحمله معك و قد أمرنا أن يطلق لك من أموالنا ما تختار و تحتاج إليه، فإذا نفذ ما تستصحبه فاكتب إلينا نمدّك‏ (3) بالمال و إن كثرت فيه النّفقة فإنّ جميع ما في خزائننا مبذول لك في طلب العلوم و هذا الكتاب، فطب نفسا و قرّ (4) عينا و عجّل في ذلك و لا تقصّر في طلب العلوم و اعمل على مسيرك إن شاء اللّه تعالى.

قال برزويه: أيّها الملك عشت دهرا طويلا سعيدا و ملّكت الأقاليم السبعة في خفض ودعة (5) مؤيّدا منصورا، إنما أنا عبد من عبيدك و سهم من سهامك فليرم بي الملك حيث شاء من الأرض، من بعد أن يأذن الملك أدام الله أيّامه في غبطة و سرور أن يعقد لي مجلسا قبل سفري يحضره الخواصّ ليعلم أهل الطاعة

____________

(1) عفر وجهه: مرغه.

(2) قبل: جهة.

(3) نمدك: نعينك و نقويك.

(4) قر عينا.. من قرت العين قرة (بالضم) : بردت سرورا.

(5) الخفض: الدعة و هي سعة العيش و راحته.

غ

39

و المملكة ما استخصّني به الملك و رآني أهلا له و نوّه باسمي‏ (1) فليفعل ذلك منعما على العبد الطائع. فقال الملك: يا برزويه قد رأيتك لذلك أهلا و أجبتك إلى ما طلبت، و أذنت لك فيما سألت، فافعل من ذلك حسب ما تراه موافقا لك منوّها باسمك، ثمّ خرج برزويه من بين يدي الملك فرحا مسرورا و أعدّ له الملك يوما أمر أن يجمع له فيه أهل مملكته و خواصّ أمراء دولته، ثمّ أمر أن ينصب له منبر فنصب ورقي عليه برزويه ثمّ قال:

«أمّا بعد فإنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الخلق برحمته، و منّ على عباده بفضله و كرمه، و رزقهم من العقل ما يقدرون به على إصلاح معايشهم‏ (2) في الدّنيا و يدركون به استنقاذ (3) أرواحهم من العذاب في الآخرة، و أفضل ما رزقهم اللّه تعالى و منّ به عليهم العقل الذي هو الدّعامة لجميع الأشياء، و الذي لا يقدر أحد في الدّنيا على إصلاح معيشته و لا إحراز (4) نفع و لا دفع ضرر إلاّ بفيضه من الخالق المبدع الواحد الأحد، و كذلك طالب الآخرة الزّاهد المجتهد في العمل المنجي به نفسه من عماية (5) الضلال لا يقدر على إتمام عمله و إكماله و لا يتمّ ذلك إلاّ بالعقل الذي هو السّبب الموصّل إلى كلّ خير و المفتاح لكلّ سعادة و المبلّغ إلى دار الخلود، فليس لأحد عنه غنى و لا بغيره اكتفاء، و العقل غريزيّ‏ (6) مطبوع و يتزايد بالتّجارب و الآداب، و غريزته مكنونة في الإنسان كامنة فيه كمون النّار في الحجر فإنّ النار طبيعتها فيه كامنة لا تظهر و لا يرى ضوؤها حتى يقدحها قادح من غيرها، فإذا قدحها ظهرت طبيعتها بضوئها و حريقها، و كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب و تعضده التجارب‏ (7) فإذا استحكم كان أولى

____________

(1) نوه باسمي: أي رفع ذكره و عظّمه.

(2) معايشهم: جمع معيشة و هي مكسب الانسان الذي يعيش به.

(3) استنقاذ: من أنقذ الشي‏ء إذا خلصه منه.

(4) احراز: من أحرز الشي‏ء إذا ضمه إليه.

(5) العماية: الغواية و هي ضد الهداية.

(6) الغريزة: الطبيعة.

(7) تعضده: تعينه. و التجارب: جمع تجربة.

40

بالتّجارب لأنّه هو المقوّي لكلّ فضيلة و المعين على دفع كلّ رذيلة فلا شي‏ء أفضل من العقل إذا منّ اللّه تعالى على عبده به و أعانه على نفسه بالمواظبة على طرق الأدب و العلم و الحرص على ذلك، و من رزق العقل و منّ به عليه و أعين على صدق قريحته بالأدب حرص على طلب سعد جدّه‏ (1) و أدرك في الدّنيا أمله و حاز في الآخرة ثواب الصّالحين، فالعقل هو المقوّي للملك على ملكه فإنّ السّوقة (2) و العوامّ لا يصلحون إلاّ بإضافة ينبوع العدل الفائض عن العقل لأنّه سياج الدولة.

و قد رزق اللّه ملكنا السعيد كسرى أنو شروان من العقل أفضل الحظّ و أجزله، و من العلم أجمله و أكمله، و من المعرفة بالأمور أصوبها، و سدّده‏ (3) من الأفعال إلى أسدّها، و من البحث عن الأصول و الفروع إلى أنفعها، و بلّغه من فنون اختلاف العلم و بلوغ منزلة الفلسفة ما لم يبلغه ملك قطّ من الملوك قبله، و كان هو القابل لذلك بجودة المادّة القابلة لانطباع الصّور، فبلغ بذلك الرّتبة القصوى‏ (4) في الفصل على من مضى من الملوك قبله، حتى كان فيما طلب و بحث عنه وسمت إليه نفسه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند من كتب فلاسفتها و علمائها مخزون عند ملوكهم علم أنّه أصل كلّ أدب، و رأس كلّ علم و الدليل على كلّ منفعة و مفتاح عمل الآخرة و علمها و معرفة النّجاة من أهوالها و المقوّي على جميع الأمور و المعين على ما يحتاج إليه الملوك في تدبيرهم لأمور ممالكهم و آداب السّوقة فيما يرضون به ملوكهم و يصلحون به معايشهم و هو كتاب كليلة

____________

(1) جده: حظه.

(2) السوقة: بالضم الرعية للواحد و الجمع و المذكر و المؤنث، و قولهم رجل سوقة ليس المراد انه من أهل الأسواق كما تظنه العامة بل السوقة عند العرب خلاف الملك قال الشاعر:

فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا # اذا نحن فيهم سوقة نتنصب‏

و ربما جمعت على سوق مثل غرفة و غرف.

(3) السداد: بالفتح الصواب من القول و الفعل.

(4) القصوى: العليا.

41

<إسكن> برزويه جاثيا أمام الملك <إسكن> برزويه و صديقه الهندي‏

42

و دمنة، فلمّا تيقّن ما بلغه عن ذلك الكتاب و كشف عمّا فيه من المنافع من تقوية العقل و الأدب رآني أهلا لذلك و ندبني إلى استخراجه و اللّه الموفّق و السلام. » .

فعند ذلك ظهر للملك علمه و نجابته و شهامته‏ (1) فسرّ بذلك سرورا شديدا، ثمّ أمر الملك عند ذلك بإحضار المنجّمين و أن يتخيّروا له يوما سعيدا و طالعا صالحا و ساعة مباركة ليتوجّه فيها فاختاروا له يوما يسير فيه و ساعة صالحة يخرج فيها، فسار برزويه بطالع سعد و حمل معه من المال عشرين جرابا كلّ جراب فيه عشرة آلاف دينار، و توجّه جادّا في طلب حاجته نهارا و ليلا حتى قدم بلاد الهند، فجعل يطوف بباب الملك و مجالس السّوقة، و يجالس الحكماء و يسأل عن خواصّ الملك و الأشراف من جلسائه و العلماء و الفلاسفة، و جعل يغشاهم‏ (2) في مجالسهم و يتلقّاهم بالتّحيّة و السلام، و يخبرهم أنّه رجل غريب قدم بلادهم لطلب العلم و الأدب و البحث عنه و رياضته به‏ (3) و أنه محتاج إلى معونتهم فيما يطلب من ذلك و يسألهم بذل الدعاء له ببلوغ آماله مع شدّة كتمانه لما قدم بسببه، و دفنه لسرّه، فلم يزل كذلك زمانا طويلا يتأدّب على علماء الهند بما هو عالم بجميعه و كأنّه لا يعلم منه شيئا، و هو فيما بين ذلك يستر بغيته‏ (4) و حاجته، في أثناء ذلك يبحث في مطلوبه بحنكة (5) و سياسة و عفّة و نزاهة (6) و اتّخذ في تلك الحالة لطول مقامه أصدقاء أصفياء (7) كثيرين كلّهم من أهل الهند من الأشراف و العلماء و الفلاسفة و السّوقة و من أهل كلّ طبقة و صناعة.

و كان قد اتّخذ من بين أصدقائه و أصفيائه رجلا واحدا اصطفاه لسرّه و اختصّه

____________

(1) الشهامة: اسم من الشهم و هو الذكي الفؤاد المتوقد.

(2) يغشاهم: يأتيهم.

(3) رياضته به: أي تهذيب أخلاقه.

(4) بغيته: طلبته.

(5) الحنكة (بضم الحاء) : من حنك الشي‏ء. الرجل، إذا أحكم التجارب.

(6) النزاهة: البعد من الشر.

(7) أصفياء: جمع صفي و هو الحبيب المصافي المقرب.

43

لمشورته‏ (1) لما ظهر له من فضله و أدبه و حكمته و فهمه و كتمانه لسرّ نفسه، و لمّا استبان له من صحّة إخائه، و كان يشاوره في الأمور و يرتاح إليه‏ (2) في جميع ما أهمّه، إلاّ أنه كان يكتم عنه الأمر الذي قدم من أجله حتى يبلوه‏ (3) و يختبره و ينظر هل هو أهل أن يطلعه على سرّه و لم يزل يبحث عنه و يجتهد في أمره حتى وثق به وثوق الأكفاء (4) بالأكفاء، و علم أنه محلّ لكشف الأسرار الجليلة الخطيرة (5) و أنه مأمون على ما يستودع من ذلك غير خائن صديق صدق‏ (6) ثم زاد له إلطافا (7) و به احتفاء و عليه حنوّا إلى أن حضر اليوم الذي رجا فيه بلوغ أمنيته و الظّفر بحاجته مع طول الغيبة و عظم النفقة في استلطاف الإخوان و مجالستهم على الطّعام و الشّراب.

و أنه لمّا وثق بصديقه الهنديّ الذي تقدّم ذكره و أنس به و سبر (8) عقله و اطمأنّ إليه في سرّه، قال له يوما و هما خاليان‏ (9) : يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك لأنّك أهل لذلك، فاعلم أني لأمر قدمت بلادكم و هو غير الذي يظهر مني، و العاقل يكتفي من الرّجل بالعلامات من نظره و إشارته فيعلم بذلك سرّ نفسه و ما يضمره قلبه، فقال له صديقه الهنديّ: إني و إن لم أكن بدأتك و أخبرتك بما له جئت و إيّاه تريد و إليه قصدت و أنك تكتم ما تطلبه و تظهر غيره فما خفي عليّ ذلك منك و لا ذهب عني ما كتمته، و لكنّي لرغبتي فيك و في إخائك كرهت أن أواجهك بذلك و أفاجئك به لأنّي قد ظهر لي ما تكتم و بان لي ما أنت له مخف، فأمّا إذ قد أظهرت ذلك و أفصحت به من نفسك فإنّي مخبرك عن نفسك و مظهر لك سريرة أمرك و معلمك عن سرّ حاجتك التي قدمت بسببها و أطلت مقامك في طلبها.

____________

(1) المشورة: بوزن معونة و تجي‏ء بوزن مزرعة

(2) يرتاح إليه: أي تنبسط إليه نفسه.

(3) يبلوه: يجربه.

(4) الأكفاء: جمع كفؤ و هو المثيل و النظير.

(5) الخطيرة: الرفيعة المنزلة و القدر.

(6) صدق: صادق في الود.

(7) إلطافا: برا و احسانا. احتفاء: مبالغة في الإكرام.

(8) سبر: اختبر.

(9) و في نسخة جالسان.

44

و ذلك أنّك إنما وطئت أرضنا و قدمت إلى بلادنا لتسلبنا كنوزنا النّفيسة فتذهب بها إلى بلادك و تسرّ بها ملكك، و كان قدومك إلينا بالمكر و مصادقتك لنا بالخديعة، و لكني لمّا رأيت صبرك و مواظبتك على طلب حاجتك و التّحفّظ من أن تسقط في الكلام مع طول مكثك عندنا على كتم أمرك بشي‏ء يستدلّ به على سريرتك و أمورك، ازددت رغبة في إخائك و ثقة بعقلك و أحببت مودّتك، فإني لم أر في الرّجال رجلا هو أرصن‏ (1) منك عقلا و لا أحسن أدبا و لا أصبر على طلب العلم و لا أكتم لسرّه، و لا سيّما في بلاد غربة و مملكة غير مملكتك و عند قوم لا تعرف سننهم و لا شيمهم‏ (2) و إنّ عقل الرّجل ليبين في خصال ثمان: الأولى منها الرّفق، و الثّانية أن يعرف الرّجل نفسه فيحفظها، و الثّالثة طاعة الملوك و التّحرّي‏ (3) لما يرضيهم، و الرّابعة معرفة الرّجل موضع سرّه و كيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، و الخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديبا ملق‏ (4) اللّسان، و السّادسة أن يكون لسرّه و لسرّ غيره حافظا، و السّابعة أن يكون على لسانه قادرا فلا يتكلّم إلاّ بما يأمن تبعته‏ (5) و لا يطلع على سرّه إلاّ الثّقات، و الثّامنة أن لا يتكلّم في المحافل بما لا يسأل عنه.

فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه. و هذه الخصال كلّها قد اجتمعت فيك و بانت لي منك فاللّه تعالى يحفظك و يعينك على ما قدمت له و يظفرك بحاجتك لأنّك إنما صادقتني لتسلبني علمي و فخري و إنك أهل لأن تسعف بحاجتك و تشفع بطلبتك و تعطي سؤلك‏ (6) . و لكن حاجتك التي تطلب

____________

(1) أرصن: أحكم و أثبت.

(2) السنن: الطرق. الشيم: جمع شيمة و هي الغريزة.

(3) التحري: تطلب الأجدر و الأولى.

(4) الملق (بالفتح) : التودد و التلطف. و رجل ملق اللسان يعطي بلسانه ما ليس بقلبه.

(5) تبعة: بوزن كلمة ما تطلبه من ظلامة و نحوها.

(6) شفعت الشي‏ء بكذا: ضممته إليه. الطلبة (بكسر اللام) : الشي‏ء المطلوب. السؤل: السؤال.

45

قد أرهبت نفسي و أدخلت عليّ الفرق‏ (1) و الخشية. فلمّا عرف برزويه أنّ الهنديّ قد عرف أنّ مصادقته إنما كانت مكرا و خديعة و طلب حاجته فلم يزجره و لم ينتهره بل ردّ عليه ردّا ليّنا كردّ الأخ على أخيه بالتعطّف و الرّفق وثق بقضاء حاجته منه فقال له: إني قد كنت هيّأت كلاما كثيرا و شعّبت له شعوبا (2) و أنشأت له أصولا و طرقا فلمّا انتهيت فيه إلى ما بادهتني به من اطّلاعك على أمري و الذي قدمت له و ألقيته إليّ من ذات نفسك و رغبتك فيما ألقيت من القول اكتفيت باليسير من الخطاب معك عمّا كنت أختلق فيه. إذ عرفت الكثير من أموري بالقليل من الكلام لما قسم اللّه لك من العقل و الأدب. فكفيتني مئونة الكلام فاقتصرت به معك على الإيجاز. و رأيت من إسعافك إيّاي بحاجتي ما دلّني على كرمك و حسن وفائك.

فإنّ الكلام إذا ألقي إلى الفيلسوف و السّرّ إذا استودع اللّبيب الحافظ فقد حصّن و بلغ به نهاية أمل صاحبه كما يحصّن الشّي‏ء النفيس في القلاع الحصينة. فقال له الهنديّ: لا شي‏ء أفضل من المودّة، و من خلصت مودّته كان أهلا أن يخلطه الرّجل بنفسه و لا يذخر (3) عنه شيئا و لا يكتمه سرّا و لا يمنعه حاجته و مراده إن قدر على ذلك. و رأس الأدب حفظ السرّ. فإذا كان السرّ عند الأمين الكتوم‏ (4) فقد احترز من التّضييع لأنه خليق أن لا يتكلّم به، و لا يكتم سرّ بين اثنين قد علماه و تفاوضا (5) فيه و لا يكون سرّا لأنّ اللسانين قد تكلّما به، فإذا تكلم بالسّرّ اثنان فلا بدّ من ثالث من جهة الواحد أو من جهة الآخر، فإذا صار إلى الثّلاثة فقد شاع و ذاع حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده و يكابر (6) فيه، كالغيم إذا كان متقطّعا في السّماء فقال قائل ان هذا الغيم متقطع لا يقدر أحد على تكذيبه.

____________

(1) الفرق: الخوف.

(2) شعوبا: طرقا.

(3) الذخر (بالضم) : إعداد الشي‏ء لوقت الحاجة إليه.

(4) الكتوم: الشديد الكتمان.

(5) تفاوضا في الحديث: أخذا فيه.

(6) الجحود: النكران و لا يكون الا على علم من الجاحد به و مثله المكابرة.

46

و أنا قد يداخلني من مودّتك و مخالطتك مع أنسي بقربك سرور لا يعدله‏ (1) شي‏ء، و هذا الأمر الذي تطلبه مني أعلم أنّه من الأسرار التي لا تكتم فلا بدّ أن يفشو (2) و يظهر حتى يتحدّث به النّاس، فإذا فشا فقد سعيت في هلاكي هلاكا لا أقدر على الفداء منه بالمال و إن كثر، لأن ملكنا فظّ (3) غليظ يعاقب على الذّنب الصّغير أشدّ العقاب فكيف مثل هذا الذّنب العظيم و إذا حملتني المودّة التي بيني و بينك فأسعفتك بحاجتك لم يردّ عقابه عني شي‏ء.

قال برزويه: إنّ العلماء قد مدحت الصّديق إذا كتم سرّ صديقه و أعانه على الفوز، و هذا الأمر الذي قدمت له لمثلك ذخرته و بك أرجو بلوغه و أنا واثق بكرم طباعك و وفور عقلك فيه، و إن كنت قد وصل إليك مني ما وصل من المشقة فأنعم بتحمّل ذلك، و اعلم انّك لا تخشى مني و لا تخاف أن أبديه بل تخشى أهل بلدك المطيفين بك و بالملك أن يسعوا بك إليه‏ (4) و يبلّغوه ذلك عنك، و أنا أرجو أن لا يشيع شي‏ء من هذا الأمر لأني أنا ظاعن‏ (5) و أنت مقيم و ما أقمت‏ (6) فلا ثالث بيننا... فتعاهدا على هذا جميعا.

و كان الهنديّ خازن الملك و بيده مفاتيح خزائنه فأجابه إلى ذلك الكتاب و إلى غيره من الكتب و سلّمها إليه، فأكبّ‏ (7) على تفسيره و نقله من اللّسان الهنديّ إلى اللّسان الفارسيّ، و أتعب نفسه و أنصب بدنه‏ (8) نهارا و ليلا و هو مع ذلك وجل‏ (9) فزع من ملك الهند خائف على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في وقت و لا يصادفه في خزانته، فلمّا فرغ من انتساخ الكتاب و غيره ممّا أراد من سائر الكتب

____________

(1) لا يعد له شي‏ء: أي لا يساويه.

(2) يفشو: يظهر و ينتشر.

(3) الفظ: الشديد الغليظ القلب.

(4) سعى بالرجل: وشى عليه.

(5) ظاعن: راحل.

(6) أي مدة اقامتي.

(7) أكب على الشي‏ء: لازمه.

(8) أنصب بدنه: أتعبه.

(9) وجل: خائف.

47

كتب إلى كسرى أنو شروان يعلمه بذلك، فلمّا وصل إليه الكتاب سرّ سرورا شديدا ثمّ تخوّف معاجلة المقادير أن تنغّص‏ (1) عليه فرحه و تنقض سروره فكتب إلى برزويه يأمره بتعجيل القدوم فسار برزويه متوجّها نحو كسرى، فلمّا رأى الملك ما قد مسّه من الشّحوب و الإعياء (2) قال له: أيّها العبد النّاصح الذي يأكل ثمرة ما قد غرس أبشر و قرّ عينا فإني مشرّفك و بالغ بك أفضل درجة. و أمره أن يريح بدنه سبعة أيّام، فلمّا كان اليوم الثّامن أمر الملك بإحضار أشراف مملكته و جميع علماء مصره‏ (3) و شعرائه و خطبائه، فلمّا اجتمعوا أحضر برزويه فدخل عليه و سجد بين يدي الملك و جلس على مرتبة أعدّت له، ثمّ وقّع‏ (4) الكلام فيما شاهده و رآه و شرح قصّته و حاله من أوّلها إلى آخرها، فلم يبق أحد من رجال الدّولة و قوّادها و أهل علومها على طبقاتهم إلاّ تعجّب منه و من طول طريقه و حسن سيرته مع صديقه و ما وفى له به بلا عهد (5) منه له و لا مقدّمة تقدّمت بينهما من إفشاء سرّه له مع ما بينهما من افتراق الأديان و تباين الأشكال‏ (6) و منافرة المذهب، و استعظموا ما أنفق على تحصيل ذلك و عظم برزويه في أعين الحاضرين و كبر قدره عند ملكه، ثمّ إن الملك صرف من حضر، و انصرف برزويه و عمد الخطباء (7) يصنعون مقدّمات تصلح لحضور المجلس و تأهّبوا لذلك، و عقد لهم الملك مجلسا و حضر برزويه و خطباء الدّولة و الوزراء و فصحاء المملكة و أحضر الكتاب و سائر الكتب، فلمّا قرئت الكتب و سمعوا ما فيها من العلوم و الحكم و سائر الطّرائف‏ (8) و غرائب الآداب و استبشر من حضر و بلغ الملك أمنيّته و مدحوا برزويه و أثنوا عليه و شكروه على ما ناله من التعب، فأمر الملك عند ذلك بالدّرّ و الجوهر و الذّهب و الفضّة و فتحت

____________

(1) تنغص: تكدر.

(2) الشحوب: تغير اللون من هزال أو جوع أو سفر. الإعياء: شدة التعب.

(3) المصر: المدينة.

(4) وقع الكلام: أي أجراه.

(5) عهد: معرفة.

(6) تباين: تخالف.

(7) عمد: استعد.

(8) الطرائف: جمع طريفة و هو الشي‏ء المستملح المستحسن.

غ

48

خزائن الكسوة و خلع عليه و حمّل بين يديه جميع ذلك، ثمّ إنّ الملك ألبسه التّاج و أجلسه على سريره تشريفا له و زيادة في إجلاله، و لما تمّ لبرزويه ذلك خرّ ساجدا للملك و قال:

«أكرم اللّه الملك بأفضل الكرامات بزيادته في دنياه و أخراه، و خلّد ملكه و ثبّت وطأته‏ (1) و شيّد مباني مجده إنّ اللّه وليّ الحمد قد أغناني عن المال بما بلغت من الرتبة العليّة السّنيّة و البغية و الأمنية بما رزقني من تشريف ملك الملوك للعبد الذّليل، لكن إذا كلّفني الملك ذلك و علمت أنه يسرّه فأنا آخذ ممّا أمر لي به امتثالا لأمره و طلبا لمرضاته.. و قام فأخذ منها تختا (2) من طرائف خراسان من ملابس الملوك. ثمّ قال للملك إنّ الإنسان إذا منحه اللّه تعالى عقلا وافرا و علما راجحا و خلقا رحبا و دينا صلبا (3) و نيّة سالمة من العاهات‏ (4) فليشكر الصّانع الأزليّ سرمدا (5) على ما وهبه من ذلك من غير استحقاق يستحقّه و لا مقدّمة سبقت له، و إنّ الإنسان إذا أكرم وجب عليه الشّكر و إن كان قد استوجبه تعبا و مشقّة، و أمّا أنا فمهما لقيته من عناء و تعب لما أعلم أنّ لكم فيه الشّرف يا أهل هذا البيت فإني لا أزال إلى هذا اليوم تابعا رضاكم أرى العسير فيه يسيرا و الشّاقّ هيّنا و النّصب‏ (6) و الأذى سرورا و لذّة، لما أعلم أنّ لكم فيه رضا و عندكم قربة (7) ، و لكنّي أسألك أيّها الملك حاجة تسعفني بها و تعطيني فيها سؤلي فإنّ حاجتي يسيرة و في قضائها فائدة كثيرة. قال أنو شروان: قل فكلّ حاجة لك قبلنا مقضيّة فإنّك عندنا عظيم و لو طلبت مشاركتنا في ملكنا لفعلنا و لم نردد طلبتك فكيف ما سوى ذلك فقل و لا تحتشم‏ (8) فإنّ الأمور كلها مبذولة لك. قال برزويه: أيها الملك لا تنظر إلى عنائي

____________

(1) ثبت وطأته: أي مكّن سلطته.

(2) التخت: وعاء يصان فيه الثياب.

(3) صلبا: متينا.

(4) العاهات: جمع عاهة و هي الآفة.

(5) سرمدا: دائما.

(6) النصب: التعب.

(7) قربة: أي قربة في المنزلة.

(8) تحتشم: تختجل.

49

في رضاك و انكماشي‏ (1) في طاعتك فإنّما أنا عبدك يلزمني بذل مهجتي في رضاك، و لو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيما و لا واجبا على الملك، و لكن لكرمه و شرف منصبه عمد إلى مجازاتي و خصّني و أهل بيتي بعلوّ المرتبة و رفع الدّرجة حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدّنيا و الآخرة لفعل فجزاه اللّه عنّا أفضل الجزاء. قال أنو شروان: أذكر حاجتك فعليّ ما يسرّك. فقال برزويه:

حاجتي أن يخرج أمر الملك أنفذه اللّه تعالى إلى الحكيم الفاضل الرّفيع المقام وزيره بزرجمهر بن البختكان أن ينظم أمري في نسخة و يبوّب الكتاب‏ (2) و يجعل تلك النّسخة بابا يذكر فيه أمري و يصف حالي و لا يدع من المبالغة في ذلك أقصى‏ (3) ما يقدر عليه، و يأمره إذا فرغ منه أن يجعله أوّل الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد و الثّور، فإنّ الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي و بأهلي غاية الشرف و أعلى المراتب، و أبقى لنا ما لا يزال ذكره باقيا على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب.

فلمّا سمع كسرى أنو شروان و العظماء مقالته و ما سمت‏ (4) إليه نفسه من محبّة إبقاء الذكر عجبوا من أدبه و حسن عقله و كبر نفسه و استحسنوا طلبته و اختياره، فقال كسرى:

حبّا و كرامة يا برزويه إنك لأهل أن تسعف بحاجتك فما أقلّ ما قنعت به و أيسره عندنا و إن كان خطره‏ (5) عندك عظيما. ثمّ أقبل أنو شروان على وزيره بزرجمهر فقال له: قد عرفت مناصحة برزويه لنا و تجشّمه‏ (6) المخاوف و المهالك فيما يقرّبه منّا و إتعابه بدنه فيما يسرّنا و ما أتى إلينا من المعروف و ما أفادنا اللّه على يده من الحكمة و الأدب الباقي لنا فخره، و ما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه على ما كان منه فلم تمل نفسه إلى شي‏ء من ذلك، و كانت بغيته و طلبته منّا أمرا يسيرا رآه هو الثّواب منّا له و الكرامة الجليلة عنده، فإنّي

____________

(1) انكماشي: جدي و اسراعي.

(2) بوبه: قسمه أبوابا.

(3) أقصى: أبعد.

(4) سمت: ارتفعت.

(5) خطره: شرفه.

(6) تجشم: من تجشم الأمر إذا تكلفه على مشقة.

50

أحبّ أن تتكلّم في ذلك و تسعفه بحاجته و طلبته و اعلم أنّ ذلك ممّا يسرّني، و لا تدع شيئا من الاجتهاد و المبالغة إلاّ بلغته و إن نالتك فيه مشقّة و هو أن تكتب بابا مضارعا (1) لتلك الأبواب التي في الكتاب و تذكر فيه فضل برزويه و نسبه و حسبه و صناعته و أدبه و كيف كان ابتداء أمره و شأنه و تنسبه إليه، و تذكر فيه بعثته إلى بلاد الهند في حاجتنا و ما أفدنا من الحكم على يده من هنالك و شرفنا به و فضّلنا على غيرنا، و كيف كان حاله بعد قدومه و ما عرضنا عليه من الأموال فلم يقبله، فقل ما تقدر عليه من التقريظ و الإطناب‏ (2) في مدحه و بالغ في ذلك أفضل المبالغة و اجتهد في ذلك اجتهادا يسرّ برزويه و أهل المملكة و إنّه لأهل لذلك من قبلي و من قبل جميع أهل المملكة و من قبلك أيضا لمحبّتك للعلوم، و اجهد أن يكون غرض هذا الكتاب الذي ينسب إليه أفضل من أغراض تلك الأبواب عند الخاصّ و العامّ و أشدّ مشاكلة (3) لحال هذا العلم، فإنّك أسعد النّاس كلهم بذلك لانفرادك به و اجعله أوّل الأبواب، فإذا أنت عملته و وضعته بحيث رسمت لك‏ (4) فأعلمني لأجمع أهل المملكة و تقرأه عليهم فيظهر فضلك و اجتهادك في محبّتنا فيكون لك بذلك فخر.

فلمّا سمع بزرجمهر مقالة الملك خرّ له ساجدا و قال: أدام اللّه لك أيّها الملك البقاء و بلّغك أفضل منازل الصّالحين في الآخرة و الأولى، لقد شرّفتني بذلك شرفا باقيا إلى الأبد. ثمّ خرج بزرجمهر من عند الملك فوصف برزويه من أوّل يوم دفعه أبواه إلى المؤدّب و مضيّه إلى بلاد الهند في طلب العقاقير (5) و الأدوية، و كيف تعلّم خطوطهم و لغتهم إلى أن بعثه أنو شروان إلى الهند في طلب الكتاب، و لم يدع من فضائل برزويه و حكمته

____________

(1) مضارعا: مشابها.

(2) التقريظ: المدح. الإطناب: المبالغة في القول.

(3) مشاكلة: مشابهة.

(4) رسمت لك: أي أوضحت.

(5) العقاقير: أصول الأدوية و أحدها عقار كعطار.

51

و خلائقه و مذهبه أمرا إلاّ نسّقه‏ (1) و أتى به بأجود ما يكون من الشّرح، ثمّ أعلم الملك بفراغه منه فجمع أنو شروان أشراف قومه و أهل مملكته و أدخلهم إليه و أمر بزرجمهر بقراءة الكتاب و برزويه قائم إلى جانب بزرجمهر، و ابتدأ بوصف برزويه حتى انتهى إلى آخره ففرح الملك بما أتى بزرجمهر من الحكمة و العلم ثم أثنى الملك و جميع من حضر على بزرجمهر و شكروه و مدحوه و أمر له الملك بمال جزيل و كسوة و حليّ‏ (2) و أوان فلم يقبل من ذلك شيئا غير كسوة كانت من ثياب الملوك، ثمّ شكر له ذلك برزويه و قبّل رأسه و يده و أقبل على الملك و قال: أدام الله لك الملك و السّعادة فقد بلغت بي و بأهلي غاية الشرف بما أمرت به بزرجمهر من صنعة الكتاب في أمري و إبقاء ذكري، ثمّ انصرف الجمع مسرورين مبتهجين و كان يوما لا مثال له.

<إسكن> الملك و وزيره بزرجمهر

____________

(1) النسق: هو ما جاء من الكلام على نظام واحد.

(2) الحلي: (بضم الحاء و قد تكسر) جمع حلى و هو ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة.

52

باب غرض الكتاب‏ (1) لعبد اللّه بن المقفّع معرّب هذا الكتاب‏

هذا كتاب كليلة و دمنة، و هو ممّا وضعته علماء الهند من الأمثال و الأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النّحو (2) الذي أرادوا، و لم تزل العلماء من أهل كلّ ملة يلتمسون أن يعقل عنهم، و يحتالون في ذلك بصنوف الحيل، و يبتغون إخراج ما عندهم من العلل‏ (3) حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على أفواه البهائم و الطّير فاجتمع لهم بذلك خلال‏ (4) ، أمّا هم فوجدوا متصرّفا في القول و شعابا يأخذون فيها و أمّا هو (5) فجمع حكمة و لهوا فاختاره الحكماء و السّفهاء (6) للهوه، و المتعلّم من الأحداث ناشط في حفظ ما صار إليه من أمر في صدره و لا يدري ما هو بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوب مرقوم‏ (7) ، و كان كالرّجل الذي لمّا استكمل الرّجوليّة وجد أبويه قد كنزا له كنوزا و اعتقدا له عقدا (8) استغنى بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته فأغناه ما أشرف‏ (9) عليه من الحكمة عن الحاجة

____________

(1) المراد بغرض الكتاب: ما وضع الكتاب لأجله و أصل الغرض الهدف الذي يرمى اليه.

(2) النحو هنا: القصد.

(3) أي يطلبون الأسباب.

(4) جمع خلة (بفتح الخاء) : الخصلة.

(5) أي الكتاب.

(6) السفهاء: جمع سفيه و هو الناقص العقل و أصله الخفة.

(7) مرقوم: موشى. مزين.

(8) العقد كصرد: العقار الذي اعتقده صاحبه ملكا. اعتقد: جمع.

(9) أشرف على الشي‏ء: اطّلع عليه.

53

إلى غيرها من وجوه الأدب، و ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له و إلى أيّ غاية جرى مؤلّفه فيه عند ما نسبه إلى البهائم و أضافه إلى غير مفصح و غير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا، فإنّ قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني و لا أيّ ثمرة يجتني منها و لا أيّ نتيجة تحصل له من مقدّمات ما تضمّنه هذا الكتاب، و إنه و إن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه شي‏ء يرجع إليه نفعه.

و من استكثر من جمع العلوم و قراءة الكتب من غير إعمال الرّويّة (1) فيما يقرأه كان خليقا أن يصيبه ما أصاب الرّجل الذي زعمت العلماء أنّه اجتاز بعض المفاوز (2) فظهر له موضع آثار الكنوز، فجعل يحفر و يطلب فوقع على شي‏ء من عين و ورق‏ (3) فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلا طال عليّ و قطعني‏ (4) الاشتغال بنقله و إحرازه عن اللذّة بما أصبت منه، و لكن سأستأجر أقواما يحملونه إلى منزلي و أكون أنا آخرهم و لا يكون بقي ورائي شي‏ء يشغل فكري بفعله و أكون قد استظهرت‏ (5) لنفسي في إراحة بدني عن الكدّ بيسير أجرة أعطيها لهم ثمّ جاء بالحمّالين، فجعل يحمّل كلّ واحد منهم ما يطيق فينطلق به إلى منزله فيفوز به حتى إذا لم يبق من الكنز شي‏ء انطلق خلفهم إلى منزله فلم يجد فيه من المال شيئا لا قليلا و لا كثيرا، و إذا كلّ واحد من الحمّالين قد فاز بما حمله لنفسه و لم يكن له من ذلك إلاّ العناء و التّعب لأنه لم يفكّر في آخر أمره.

و كذلك من قرأ هذا الكتاب و لم يفهم ما فيه و لم يعلم غرضه ظاهرا و باطنا لم ينتفع بما بدا له من خطّه و نفشه كما لو أنّ رجلا قدّم له جوز صحيح لم ينتفع به إلاّ أن يكسره،

____________

(1) الروية: الفكر و التدبر.

(2) المفاوز: جمع مفازة و هي الفلاة التي لا ماء فيها.

(3) العين: الدينار من الذهب، و الورق: بكسر الراء الدراهم المضروبة من الفضة.

(4) قطعني: منعني.

(5) استظهرت: استعنت.

54

و كان أيضا كالرّجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس فأتى صديقا له من العلماء له علم بالفصاحة فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح، فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام و تصاريفه و وجوهه، فانصرف إلى منزله فجعل يكثر قراءتها و لا يقف على معانيها، ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم و الأدب، فأخذ في محاورتهم فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال له بعض الجماعة: إنّك قد أخطات و الوجه غير ما تكلّمت به، فقال: كيف أخطئ و قد قرأت الصّحيفة الصّفراء و هي في منزلي. فكانت مقالته لهم أوجب للحجّة عليه و زاده ذلك قربا من الجهل و بعدا من الأدب.

ثم إنّ العاقل إذا فهم هذا الكتاب و بلغ نهاية علمه فيه ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به و يجعله مثالا لا يحيد عنه، فإذا لم يفعل ذلك كان مثله كالرّجل الذي زعموا أنّ سارقا تسوّر عليه‏ (1) و هو نائم في منزله فعلم به فقال: و اللّه لأسكتنّ حتّى أنظر ما ذا يصنع و لا أذعره‏ (2) و لا أعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغّصت ذلك عليه، ثمّ إنّه أمسك عنه و جعل السّارق يتردّد و طال تردّده في جمعه ما يجده فغلب الرّجل النعاس فنام و فرغ اللّصّ ممّا أراد و أمكنه الذّهاب و استيقظ الرّجل فوجد اللصّ قد أخذ المتاع‏ (3) و فاز به، فأقبل على نفسه يلومها و عرف أنه لم ينتفع بعلمه باللّصّ إذ لم يستعمل في أمره ما يجب.

و قد يقال إنّ العلم لا يتمّ إلا بالعمل و إنّ العلم كالشّجرة و العمل به كالثّمرة، و إنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به و إن لم يستعمل ما يعلم لا يسمّى عالما، و لو أنّ رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمّي جاهلا، و لعلّه إن حاسب

____________

(1) تسور الحائط: تسلقه أي دخل المنزل من فوق الحائط.

(2) أذعره: أفزعه.

(3) المتاع: كل ما ينتفع به في البيت من طعام و لباس و أثاث.