المحاسن و المساوي

- ابراهيم بن محمد البيهقي المزيد...
446 /
3

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و على آله و صحبه و من والاه إلى يوم الدين.

و بعد،

فما تميّزت أمّة من الأمم بمحاسن الأخلاق و محامدها مثلما تميزت أمة المصطفى، عليه الصلاة و السلام، و لا وهبت أدباء أمة من الأمم نظير ما وهب أدباء أمة الإسلام من الفصاحة و البلاغة بحيث نستطيع أن نقول: إنهم قد أتقنوا لغة الأدب و الأخلاق إتقانا مميزا و تملكوا ناصية التعبير عن دقائق تلك المحاسن و معالي تلك الأمور التي تجمل النفوس و تهذب الطباع و ترقى بالحس الإنساني إلى مصاف الملأ الأعلى و الفردوس الملائكي الهادئ و الأنيق.

و لا غرو أن تفيض من قلوبهم الطاهرة على ألسنتهم الصادقة و بأقلامهم السيالة ينابيع الحكمة الصافية فإنهم قد تأدبوا بأدب الصادق المصدوق الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، و كان خلقه القرآن الكريم، الذي جمع محاسن الفضائل و زجر عن مساوئ الرذائل فاجتمع فيه الأدب الإلهي و الأخلاق الملائكية، و عنوان ذلك الأدب الكلمة الطيبة.

فمع الكلمة الطيبة التي هي عنوان أدب المسلم نتجول في هذه الحديقة الغناء مع المؤلف حيث جمع لنا فيه ما يجول فيه الطرف مع كل فريد و ممتع و مفيد.

و ندعو اللّه عز و جل أن يفيد هذا الكتاب كل إنسان يبتغي الوصول إلى تحقيق إنسانيته و يود العروج إلى سماء الحقيقة التي ينشدها كل ذي روح صافيه و قلب سليم و عقل متنور.

و الحمد للّه رب العالمين‏

4

ترجمة المؤلف. (1)

لقد وجدنا نسخة عن هذا الكتاب صادرة عن دار إحياء العلوم في العام 1995. ذكر فيها نبذة عمّا يمكن الاستدلال به على مؤلف كتاب «المحاسن و المساوئ» ، لكنه لا يفي بالغرض كترجمة لمؤلف.

بما أننا لم نعثر على ترجمة المؤلف في أي من كتب الأعلام و لا حتى في كتاب الزركلي الذي ذكر عددا من البياهقة و لم يأتي على ذكر إبراهيم بن محمد وجدنا أنه لا ضير بالاستناد إلى ما ورد عنه في النسخة السالفة الذكر، و مما جاء فيها:

«... في فهرست دار الكتب المصرية: أنه من علماء القرن الخامس الهجري.

و أن الطبعة الأوروبية ذكرت بأنه عاش و نبغ في عهد الخليفة المقتدر العباسي في الفترة ما بين 295 هـ-320 هـ.

من البياهقة الذين ذكروا في أعلام الزركلي:

1-أحمد بن الحسين (384 هـ-458 هـ) : كان عالما شافعيا.

2-أحمد بن علي البيهقي (470 هـ-544 هـ) : كان عالما لغويا و عالما بالقراءات.

3-إسماعيل بن الحسن بن عبد اللّه البيهقي (... -402 هـ) : كان فقيها حنفيا.

4-علي بن زيد بن محمد الحسين البيهقي (499 هـ-565 هـ) : كان مؤرخا و عالما في الحكمة، و الحساب، و الفلك.

5-محمد بن الحسين (... -470 هـ) : كان مؤرخا.

الجدير بالذكر أن الزركلي ذكر في كتابه «الأعلام» في ترجمة على بن زيد البيهقي ذكر: «أن هناك بيهقيين آخرين أحدهما أديب» ، و لعله يعني به صاحبنا مؤلف هذا الكتاب.

و ورد في نسخ حققها العالم الألماني (فردريك شفاللي) : «نمّقه الفقير إلى عفو ربه إبراهيم بن مبارك بن سليمان هذا كتاب المحاسن و المساوئ لمولانا و عمدتنا شيخ الإسلام و عمدة العلماء الأعلام، البحر الهمام، سيدي الشيخ إبراهيم ابن محمد البيهقي تغمّده اللّه برحمته» .

____________

(1) المحاسن و المساوئ، الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي، تحقيق الشيخ محمد سويد، دار إحياء العلوم، 1995.

5

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و له الأمان من الخذلان. الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلا باللّه العلي العظيم النبيّ الأمّيّ الهاشمي الأبطحي المكّيّ المدنيّ الهادي المهديّ السّراج المضي‏ء و القمر المنير التقيّ النقيّ و على أهل بيته الطيّبين الأخيار السادة الأطهار المقسطين الأبرار الّذين خلقوا من طينة واحدة و جبلوا على فطرته و درجوا على حوزته و ميّزوا بحكمته و على منهاجه و ملّته و فازوا بطاعته و سلّم تسليما كثيرا دائما.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

محاسن الكتب‏

قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقيّ: قال مصعب بن الزبير: إنّ الناس يتحدّثون بأحسن ما يحفظون أحسن ما يكتبون و يكتبون أحسن ما يسمعون، فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنّك لا تستمع منهم إلا مختارا.

و قال لقمان لابنه: يا بنيّ تنافس في طلب الأدب فإنّه ميراث غير مسلوب و قرين غير مغلوب و نفيس حظّ في الناس مطلوب.

و قال الزهريّ: الأدب ذكر لا يحبّه إلاّ الذّكور من الرجال و لا يبغضه إلا مؤنّثهم. و قيل:

إذا سمعت أدبا فاكتبه و لو في حائط، قال: و قال المنصور بن المهديّ للمأمون: أ يحسن بمثلي طلب الأدب؟قال: لأن تموت طالبا للأدب خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: فإلى متى يحسن بي ذلك؟قال: ما حسنت بك الحياة. و قال الزهريّ: ما سمعت كلاما أوجز من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث يقول: اطلبوا معيشة لا يقدر عليها سلطان جائر. قيل: ما هي؟قال: الأدب.

و قال بزرجمهر: يا ليت شعري أيّ شي‏ء أدرك من فاته الأدب أم أيّ شي‏ء فات من أدرك الأدب و مادّته من الكتب!

و قال أهدى بعض الكتّاب إلى صديق دفترا و كتب له: هديّتي هذه، أعزّك اللّه تزكو عن الإنفاق و تربو على الكدّ، لا تفسدها العواري و لا تخلقها كثرة التقليب، و هي أنس في الليل و النهار و السفر و الحضر تصلح للدنيا و الآخرة، تؤنس في الخلوة و تمتع في الوحدة، مسامر مساعد و محدّث مطواع و نديم صديق. و قال بعضهم: الكتب بساتين العلماء. و قال آخر:

الكتاب جليس لا مئونة له. و قال الفضل بن سهل‏ (1) للمأمون و هو بدمشق بدير مرّان‏ (2) مشرف على غوطتها: يا أمير المؤمنين هل رأيت في حسنها شبيها في شي‏ء من ملك العرب؟يعني

____________

(1) الفضل بن سهل السرخي، أبو العباس وزير المأمون، و كان مجوسيا لكنه أسلم على يدي المأمون سنة (190 هـ) توفي بسرخس.

(2) دير مران: هذا الدير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران و رياض حسنة.

8

الغوطة. قال: بلى و اللّه، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام و يذكي القلوب و يؤنس الأنفس أحسن منها. و قال الجاحظ: الكتاب نعم الذّخر و العقدة و نعم الجليس و القعدة، و نعم النشرة و النزهة، و نعم المشتغل و الحرفة، و نعم الأنيس ساعة الوحدة، و نعم المعرفة ببلاد الغربة، و نعم القرين و الدخيل، و نعم الوزير و النزيل.

الكتاب وعاء ملي‏ء علما و ظرف حشي ظرفا، إن شئت كان أعيا من باقل‏ (1) و إن شئت كان أبلغ من سحبان وائل‏ (2) و إن شئت ضحكت من نوادره و إن شئت بكيت من مواعظه، و من لك بواعظ مله و بناسك فاتك و ناطق أخرس، و من لك بطبيب أعرابيّ و روميّ و هنديّ و فارسيّ و يونانيّ و نديم مولّد و وصيف ممتّع، و من لك بشي‏ء يجمع الأوّل و الآخر و الناقص و الوافي و الشاهد و الغائب و الرّفيع و الوضيع و الغثّ و السمين و الشكل و خلافه و الجنس و ضدّه.

و بعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن و روضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى و يترجم عن الأحياء غيره، و من لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومك و لا ينطق إلاّ بما تهوى، آمن من في الأرض و أكتم للسرّ من صاحب السرّ و أحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، و لا أعلم جارا أبّر و لا خليطا أنصف و لا رفيقا أطوع و لا معلما أخضع و لا صاحبا أظهر كفاية و لا عناية و لا أقلّ إملالا و إبراما و لا أبعد عن مراء و لا أترك لشغب و لا أزهد في جدال و لا أكفّ عن قتال من كتاب، و لا أعمّ بيانا و لا أحسن مؤاتاة و لا أعجل مكافاة و لا شجرة أطول عمرا و لا أطيب ثمرا و لا أعلم مجتنى و لا أسرع إدراكا و لا أوجد في كل إبان من كتاب، و لا أعلم نتاجا في حداثة سنّه و قرب ميلاده و رخص ثمنه و إمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة و العلوم الغريبة و من آثار العقول الصحيحة و محمود الأذهان اللطيفة و من الحكم الرفيعة و المذاهب القديمة و التجارب الحكيمة و الأخبار عن القرون الماضية و البلاد المتراخية و الأمثال السائرة و الأمم البائدة ما يجمع من كتاب.

و لو لا الحكم المخطوطة و الكتب المدوّنة لبطل أكثر العلم و لغلب سلطان النسيان سلطان الذكر و لما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، و لو لم يتمّ ذلك لحرمنا أكثر النفع، و من لك لا يبتدئك في حال شغلك و لا في أوقات عدم نشاطك و لا يحوجك إلى التجمّل و التذمّم، و من لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غبّا و ورده خمسا و إن شئت لزمك لزوم ظلّك.

____________

(1) أعيا: يقال عيّ بالأمر عيا و عيي و تعايا: عجز عن الأمر و لم يطق إحكامه (القاموس المحيط: عيا) ، باقل الإيادي جاهلي، يضرب بعيّه المثل، قيل اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فمر بقوم، فسألوه بكم اشتريته، فمد لسانه و مد يده (يريد أحد عشر) فشرد الظبي و كان تحت إبطه.

(2) سحبان بن زفر الوائلي من باهلة خضيب يضرب به المثل في البيان يقال: أخطب من سحبان.

9

و الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك و الصّديق الذي لا يقليك و الرفيق الذي لا يملّك و المستميح الذي لا يؤذيك و الجار الذي لا يستبطئك و الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق و لا يعاملك بالمكر و لا يخدعك بالنفاق. و الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك و شحّذ طباعك و بسط لسانك و جوّد بيانك و فخّم ألفاظك و عمّر صدرك و حباك تعظيم الأقوام و منحك صداقة الملوك، يطيعك في اللّيل طاعته بالنّهار، و في السفر طاعته في الحضر.

و هو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقّرك و إن قطعت عنه المادّة لم يقطع عنك الفائدة و إن عزلت لم يدع طاعتك و إن هبّت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، و متى كنت متعلّقا به و متّصلا منه بأدنى حبل لم يضرّك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء.

و إنّ أمثل ما يقطع به الفرّاغ نهارهم و أصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبدا في تجربة و عقل و مروءة و صون عرض و إصلاح دين و مال و ربّ صنيعة و ابتداء إنعام، و لو لم يكن من فضله عليك و إحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك و نظرك إلى المارّة بك مع ما في ذلك من التعرّض للحقوق التي تلزم و من فضول النظر و ملابسة صغار الناس و من حضور ألفاظهم الساقطة و معانيهم الفاسدة و أحوالهم الرديّة و طرائقهم المذمومة و أفعالهم الخبيثة القبيحة لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمة و إحراز الأصل مع استفادة الفرع، و لو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغلك عن سخف المنى و عن اعتباد الراحة و عن اللعب و كلّ ما أشبهه، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة و أعظم المنّة.

و هو الذي يزيد في العقل و يشحّذه و يداويه و يهذّبه و ينفي الخبث عنه و يفيد العلم و يصادق بينك و بين الحجّة و يقودك للأخذ بالثقة و يعمر الحال و يكسب المال، و هو منبهة للموروث و كنز عند الوارث غير أنّه كنز لا زكاة فيه و لا حقّ للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي و لا إسجال بإيغار و لا إلى شرط و لا أكّار، و ليس عليها عسر للسلطان و لا خراج، و لو لا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها و خلّدت من عجيب حكمها و دوّنت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها من غاب عنّا و فتحنا بها كلّ منغلق علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم و أدركنا ما لم ندركه إلاّ بهم لقد بخس حظّنا منه، و أكثر من كتبهم نفعا و أشرف منها حظّا و أحسن موقعا كتب اللّه عزّ و جلّ التي فيها الهدى و الرحمة و الإخبار عن كلّ عبرة و تعريف كلّ سيّئة و حسنة، و ما زالت كتب اللّه جلّ و علا في الألواح و الصحف و المصاحف.

فقال جلّ ذكره: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ `وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى [النجم: 36-37]فذكر صحف موسى الموجودة و صحف إبراهيم البائدة، و قال: الم `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 1-2]و قال عزّ و جلّ: مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [الأنعام: 38]و قال‏ كِرََاماً

10

كََاتِبِينَ [الانفطار: 11]و قال: وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: 10]و قال: اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: 14]و لو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان و لكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد و أبلغ و أهيب في الصدور فقال جلّ ذكره:

إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29]و لو شاء اللّه أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة و لم يودعها الكتب لفعل، و لكنه تبارك و تعالى علم أنّ ذلك أتمّ و أبلغ و أكمل و أجمع.

و في قول سليمان، عليه السلام: اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ [النمل: 28].

و قد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت و إنسيّ و غيرهما، فرأى الكتاب أبهى و أحسن و أكرم و أفخم و أنبل من الرسالة، و لو شاء النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أن لا يكتب إلى قيصر و كسرى و النّجاشيّ و المقوقس و إلى بني الجلندي‏ (1) و إلى العباهلة من حمير و إلى هوذة و الملوك العظماء و السادة النّجباء لفعل و لوجد المبلغ المعصوم من الخطإ و الزّلل و التّبدّل، و لكنّه صلّى اللّه عليه و سلّم علم أنّ الكتاب أشبه بتلك الحالة و أليق بتلك المراتب و أبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، و حمله إن كثر ورقه فليس ممّا يملّ لأنه إن كان كتابا واحدا فإنّه كتب كثيرة.

فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأوّل حتى يهجم على الثاني و لا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبدا مستفيد و مستطرف، و بعضه يكون حاثّا لبعض، و لا يزال نشاطه زائدا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر و من الشعر إلى النوادر و من النوادر إلى نتف و إلى مواعظ حتى يفضي به إلى مزح و فكاهة و ملح و مضاحك و خرافة.

و كانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصّخور و نقشا في الحجارة و حلقة مركبة في البنيان، و ربّما كان الكتاب هو الناتئ و ربّما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غمدان‏ (2) و على باب القيروان و على باب سمرقند و على عمود مأرب و على ركن المشقّر (3) و على الأبلق الفرد (4) من تيماء و على باب الرّهاء (5) . يعمدون إلى المواضع الرّفيعة المشهورة

____________

(1) بنو الجلندي من أشراف اليمن.

(2) غمدان بضم أوله و سكون ثانيه و آخره نون، اسم قصر بناه يشرح بن يحصب.

(3) المشقّر مأخوذ من الشقرة و هي الحمرة أو من الشقر و هي شقائق النعمان قال ابن الفقيه هو حصن بين نجران و البحرين يقال إنه من بناء طسم.

(4) الأبلق بوزن الأحمر حصن السموأل بن عادياء اليهودي و هو المعروف بالأبلق الفرد مشرف على تيماء بين الحجاز و الشام.

(5) الرهاء بضم أوله و المد و القصر: مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام بينهما ستة فراسخ سميت باسم الذي استخدمها-

غ

11

و الأماكن المذكورة و يضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدثور و أمتعها من الدروس و أجدر أن يراها من مرّ و لا ينسى على مرور الدهور، و عمدوا إلى الرسوم و نقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال و الخزائن و لولاها لدخل على الناس الضّرر الكبير.

و لو لا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره و لبطلت معرفة التضاعيف، و نفع الحساب معلوم و الخلة في موضع فقده معروفة. قال عز و جل: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ [: ].

و لو لا الكتب المدوّنة و الأخبار المجلّدة و الحكم المخطوطة التي تجمع الحساب و غير الحساب لبطل أكثر العلم.

و لو لا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرّقّة و الموصل و بغداد و واسط ما كان بالبصرة و حدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، و ذلك مشهور في الحمام إذا أرسلت، و كانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون و الكلام المقفّى و كان ذلك ديوانها على أنّ الشّعر بقيّة فضيلة البيان على الشاعر الراغب و فضيلة الأثر على السيّد المرغوب إليه. و كانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير و بناء إصطخر و بيضاء المدائن و شيرين و المدن و الحصون و القناطر و الجسور، ثمّ إن العرب شاركت العجم في البنيان و تفرّدت بالشّعر، فلها من البنيان غمدان و كعبة نجران و قصر مأرب و قصر شعوب و الأبلق الفرد و غير ذلك من البنيان.

و تصنيف الكتب أشدّ تقييدا للمآثر على مرّ الأيام و الدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس و تعفو رسومه و الكتاب باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد و الناظر فيه مستفيد و هو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان و التصاوير، و أهل العلم و النظر و أصحاب الفكر و العبر و العلماء بمخارج الملل و أرباب النّحل و ورثة الأنبياء و أعوان الخلفاء يكتبون كتب الظّرفاء و الملحاء و كتب الملاهي و الفكاهات و كتب أصحاب المراء و الخصومات و كتب أصحاب العصبيّة و حميّة الجاهليّة فمنهم من يفرط في التعلّم في أيّام جهله و خمول ذكره و حداثة سنّه، و لو لا جياد الكتب و حسانها لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم و نازعت إلى حبّ الأدب و أنفت من حال الجهل و أن تكون في غمار الحشوة و يدخل عليهم الضرر و الحقارة و سوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلاّ بالكلام الكثير، و لذلك قال عمر بن الخطّاب: تفقّهوا قبل أن تسودوا.

و قال بعض الحكماء: ذهب المكارم إلاّ من الكتب، و قال اللّه عزّ و جلّ: اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ‏

12

`اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: 3-4]، فوصف نفسه تعالى جدّه بأنّه علّم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم و اعتد بذلك في نعمة العظام و أياديه الجسام و وضع القلم في المكان الرفيع و نوّه بذكره و أقسم به كما أقسم بما يخطّ به فقال: ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ [القلم: 1-2]، و القلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكلّ مكان و يظهر ما فيه على كلّ لسان و يوجد مع كلّ زمان، و مناقلة اللّسان و هديّته لا تجاوزان مجلس صاحبه و مبلغ صوته، و الكتاب يخاطبك من بعيد، و قد قالوا:

القلم أحد اللسانين، و قالوا: كلّ من عرف النعمة في بيان اللّسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان القلم. و قد يعتري القلم ما يعتري المؤدّب عند ضربه و عقابه، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنّه ابتدأ الضرب و هو ساكن الطباع فأراه السكون أنّ الصّواب في الإقلال فلمّا ضرب تحرّك دمه فأشاع الحرارة فيه و زاد في غضبه فأراه الغضب أنّ الرأي في الإكثار، و كذلك صاحب القلم فما اكثر من يبتدئ الكتاب و هو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. و قد قيل: القلم الشاهد و الغائب يقرأ بكلّ لسان و في كلّ زمان. و قالوا: ظاهر عقول الرّجال في اختيارها و مدوّن في أطراف أقلامها، و مصباح الكلام حسن الاختيار. و قالوا:

القلم مجهّز جيوش الكلام، يخدم الإرادة و لا يملّ الاستزادة، و يسكت واقفا و ينطق سائرا على الأرض، بياضه مظلم و سواده مضي‏ء، و قال الشاعر:

قوم إذا خافوا عداوة معشر # سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام

و لمشقة من كاتب بمداده # أمضى و أقطع من صنيع حسام‏

و قال آخر أيضا:

ما السّيف سيف الكميّ # بأخوف من قلم الكاتب

له غاية إن تأمّلتها # ظهرت على سوأة الغائب

أداة المنيّة في جانبيه # فمن مثله رهبة الرّاهب

سنان المنيّة في جانب # و سيف المنيّة في جانب

أ لم تر في صدره كالسّنان # و في الرّدف كالمرهف القاضب

فيجري به الكفّ في حالة # على هيئة الطّاعن الضّارب‏

و قال آخر أيضا ملغزا:

و أعجف رجلاه في رأسه # يطير حثيثا على الأملس

مطاياه من تحته الإصبعان # و لو لا مطاياه لم يلمس‏

و قال آخر، سامحه اللّه:

و أعجف منشقّ الشّباة مقلّم # موشّى القرا طاوي الحشا أسود الفم‏

13

إذا هو أضحى في الدّواة فأعجم # و يضحي فصيحا في يدي غير أعجم

يناجي مناجاة أعزّ مرزّأ # متى ما استمع معروفه يتبسّم‏

و قال آخر، رحمه اللّه:

لك القلم الذي لم يجر لؤما # بغاية منطق فكبا بعيّ

و مبتسم عن القرطاس يأسو # و يجرح و هو ذو بال رخيّ

فما المقداد أعضب من شباه # و لا الصّمصام سيف المذحجيّ‏

و قال أجاد:

أحسن من غفلة الرّقيب # و لحظة الوعد من حبيب

و النّغم و النّفر من كعاب # مصيبة العود و القضيب

و من بنات الكروم راحا # في راحتي شادن ربيب

كتب أديب إلى أديب # طالت به مدّة المغيب

فنمّقت كفّه سطورا # تنمّق الصبر في القلوب

تترك منّ سطّرت إليه # أطرب من عاشق طروب‏

و قال آخر:

إذا استمدّت صرفت الطّرف عن يدها # خوفا عليها لما أخشى من التّهم

كأنّما قابل القرطاس إذ مشقت # منها ثلاثة أقلام على قلم‏

و قال أشجع في جعفر البرمكي:

إذا أخذت أنامله # تبيّن فضله القلما

تطأطأ كلّ مرتفع # لفضل الكتب مذ نجما

يقدم و يؤخر، أراد: إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله. و في الخط قال: نظر المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: للّه در القلم كيف يحوك وشي المملكة!

و قال يحيى بن خالد البرمكي: الخط صورة روحها البيان و يدها السرعة و قدماها التسوية و جوارحها معرفة الفصول، و قال في مثله، رحمه اللّه تعالى:

تقول و قد كتبت دقيق خطّي: # فديتك ممّ تجتنب الجليلا؟

فقلت لها: نحلت فصار خطّي # دقيقا مثل صاحبه نحيلا

و قال علي بن الجهم‏ (1) في صفة الكتب: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت

____________

(1) علي بن الجهم بن بدر، أبو الحسن شاعر رقيق الشعر، أديب من أهل بغداد، و خص بالمكتوب العباس-

14

كتابا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد و الأريحية التي تعتادني و تعتريني من سرور الاستنباه و عز التبيين أشد إيقاظا من نهيق الحمار و هدة الهدم، و إني إذا استحسنت كتابا و استجدته رجوت فيه فائدة، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده و انقطاع المادة من قبله، و إن كان الكتاب عظيم الحجم و كان الورق كبير القدر.

و ذكر له العتبي‏ (1) كتابا لبعض القدماء و قال: لو لا طوله لنسخته، فقال: ما رغبتي إلا فيما زهدت عنه، و ما قرأت كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة و لا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها.

قال ابن داحة: كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، لا يجالس الناس و نزل مقبرة من المقابر و كان لا يكاد يرى إلا و في يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك و عن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر و لا آنس من كتاب و لا أسلم من الوحدة.

و قيل لابن داحة و قد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق‏ (2) و هو في جلود كوفية و ورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، و قال: و اللّه إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه و لو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي و أجعله مخطوطا على ناظري لفعلت.

و قال: بعضهم كنت عند بعض العلماء و كنت أكتب عنه بعضا و أدع بعضا فقال لي:

اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، و قيل:

أما لو أعي كلّ ما أسمع # و أحفظ من ذاك ما أجمع

و لم أستفد غير ما قد جمعت # لقيل هو العالم المقنع

و لكنّ نفسي إلى كل نوع # من العلم تسمعه تجزع

فلا أنا أحفظ ما قد جمعت # و لا انا من جمعه أشبع

و من لثّ في علمه هكذا # ترى دهره القهقرى يرجع

إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب لا ينفع‏

و قال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن و مع الإكثار أبعد و هو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل، و منها قول الشاعر:

____________

قثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان.

(1) العتبي: محمد بن عبد الجبار العتبي من عتبة بن غزوان مؤرخ من الكتاب الشعراء أصله من الرّي انتهت إليه رئاسة الإنشاء في خراسان و العراق.

(2) مروان بن محمد شاعر هجاء من أهل البصرة خراساني الأصل‏

15

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبي خاليا فتمكّنا

و قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير أكثر عقلا و لكنه أكثر شغلا، و كما قال:

و إنّ من أدّبته في الصبى # كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا # بعد الّذي أبصرت من يبسه‏

و الصبي على الصبى أفهم و له آلف و إليه أنزع، و كذلك العالم على العلم و الجاهل على الجهل، و قال اللّه تبارك و تعالى: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً [الأنعام: 9].

لأن الإنسان على الإنسان أفهم و طباعه بطباعه آنس، و من التقط كتابا جامعا كان له غنمه و على مؤلفه غرمه، و كان له نفعه و على صاحبه كده، و متى ظفر بمثله صاحب علم فهو و ادع جام و مؤلفه متعوب مكدود و قد كفي مئونة جمعه و تتبعه و أغناه عن طول التفكير و استنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق و التسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه و أجاد في اختياره قال أبو هفان‏ (1) :

إذا آنس النّاس ما يجمعون # أنست بما يجمع الدّفتر

له وطري و له لذّتي # على الكأس و الكأس لا تحضر

تدور على الشّرب محمودة # لها المورد الخرق و المصدر

يغنّيهم ساحر المقلتين # كشمس الضّحى طرفه أحور

و ريحانهم طيب أخلاقهم # و عندهم الورد و العبهر

على أنّ همّتنا في الحروب # فتلك الصّناعة و المتجر

قال: لما قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء. و أنشدنا غيره:

نعم المحدّث و الرفيق كتاب # تلهو به إن خانك الأصحاب

لا مفشيا سرا إذا استودعته # و تنال منه حكمة و صواب‏

و قال آخر:

نعم الجليس بعقب قعدة ضجرة # للملك و الأدباء و الكتّاب

ورق تضمّن من خطوط أنامل # مرعى من الأخبار و الآداب

يخلو به من ملّ من أصحابه # فيقال خلو و هو في الأصحاب‏

____________

(1) عبد اللّه بن أحمد العبدي، أبو هفان راوية عالم بالشعر و الأدب من أهل البصرة.

16

قال: و أنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن يحيى النديم، رحمه اللّه:

إذا ما خلوت من المؤنسين # جعلت المحدّث لي دفتري

فلم أخل من شاعر محسن # و من مضحك طيب مندر

و من حكم بين أثنائها # فوائد للنّاظر المفكر

و إن ضاق صدري بأسراره # و أودعته السّرّ لم يظهر

و إن عذت منن ضجرة بالهجاء # و لو في الخليفة لم أحذر

فناديت منه كريم المغيب # لندمانه طيّب المحضر

فلست أرى مؤثرا ما حييت # عليه نديما إلى المحشر

و قال في الذهن:

إذا ما غدت طلاّبة العلم ما لها # من العلم إلاّ ما يخلّد في الكتب

غدوت بتشمير وجد عليهم # و محبرتي سمعي و دفترها قلبي‏

و قال آخر:

يا أيّها الطالب الآداب مبتدرا # لا تسه عن جملك الألواح للأدب

فحملها أدب تحوي به أدبا # و سوف تنقل ما فيها إلى الكتب

و ليس في كلّ وقت ممكنا قلم # و دفتر يا عديم المثل في الحسب‏

و كل ما تقدم ذكره من مناقب الكتب و وصف محاسنها فهو دون ما يستحقه كتابنا هذا فقد اشتمل على محاسن الأخبار و ظرائف الآثار و ترجمناه بكتاب المحاسن و المساوئ لأن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير بالشر و الضار بالنافع و المكروه بالمحبوب، و لو كان الشر صرفا محضا لهلك الخلق، و لو كان الخير محضا لسقطت المحنة و تقطعت أسباب الفكرة، و متى بطل التخيير و ذهب التمييز لم يكن صبر على مكروه و لا شكر على محبوب و لا تعامل و لا تنافس في درجة، و ما توفيقنا إلا باللّه و هو حسبنا و نعم الوكيل.

17

محاسن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏

و افتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، لما رجونا فيه من الفضل و البركة و اليمن و التوفيق، و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد و إخوته من النبيين و آله الطيبين أجمعين، اختار اللّه من خير أرومات العرب عنصرا و من أعلى ذوائب قريش فرعا من أكرم عيدان قصي مجدا ثم لم يزل بلطفه لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم، و اختياره إياه بالآباء الأخائر و الأمهات الطواهر حتى أخرجه في خير زمان و أفضل أوان، تفرع من شجرة باسقة الندى، شامخة العلى، عربية الأصل، قرشية الأهل، منافية الأعطان، هاشمية الأغصان ثمرتها القرآن، تندى بماء ينابيع العلم في رياض الحلم، لا يذوي عودها و لا تجف ثمرتها و لا يضل أهلها، أصلها ثابت و فرعها نابت، فيا لها من شجرة ناضرة خضراء ناعمة غرست في جبل قفر و بلد وعر محل ضرع غير ذي زرع عند بيتك المحرم و بلدك المكرم فهو، صلى اللّه عليه و على آله الطيبين الأخيار.

كما قال بعض الحكماء: لئن كان سليمان، عليه السلام، أعطي الريح غدوها شهر و رواحها شهر لقد أعطي نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم، البراق الذي هو أسرع من الريح، و لئن كان موسى، عليه السلام، أعطي حجرا تتفجر منه اثنتا عشرة عينا لقد وضع أصابعه صلّى اللّه عليه و سلّم، في الإناء و الماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه، رضي اللّه عنهم، و ما لهم من الخيل، و لقد كان رديف عمه أبي طالب بذي المجاز.

فقال: يا ابن أخي قد عطشت، فقال: عطشت يا عم؟قال: نعم فثنى وركه فنزل و ضرب بقدمه الأرض فخرج الماء.

فقال: اشرب، فشرب حتى روي، و لئن كان عيسى، عليه السلام، أحيا النفس بأذن اللّه لقد رفع صلّى اللّه عليه و سلّم ذراعا إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة، و كان صلّى اللّه عليه و سلّم يخبر بما في الضمائر و ما يأكلون فيما يدخرون.

ثم دعاؤه المستجاب الذي لا تأخير فيه، و ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، لما لقي من قريش و العرب من شدة أذاهم له و تكذيبهم إياه و استعانتهم عليه بالأموال دعا أن تجدب بلادهم و أن يدخل الفقر بيوتهم. غ

18

فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف!اللهم اشدد وطأتك على مضر!فأمسك اللّه عز و جل عنهم القطر حتى مات الشجر و ذهب الثمر و قلت المراعي فماتت المواشي حتى اشتووا القد و أكلوا العلهز، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو إليه الجهد و الأزل و يستأذنه في رعي السواد و هو حين ضمن عن قومه و أرهنه قوسه.

فلما أصاب مضر خاصة الجهد و نهكهم الأزل و بلغت الحجة مبلغها و انتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله صلّى اللّه عليه و سلم، الذي كان نداهم به فسأل ربه عز و جل الخصب و إدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم و منعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك.

فقال: اللهم حوالينا و لا علينا، فأمطر اللّه ما حولهم و دعا صلّى اللّه عليه و سلم، على المستهزءين بكتاب اللّه عز و جل، و كانوا اثني عشر رجلا، فكفاه اللّه جل اسمه أمرهم، فقال: إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95]و قصة عامر بن الطفيل و دعائه عليه، و ناطقه صلّى اللّه عليه و سلم ذئب، و أظلته غمامة، و حن إليه عود المنبر، و أطعم عسكرا من ثريدة في جسم قطاة، و سقى عاما و وضأهم من ميضأة جسم صاع، و رسوخ قوائم فرس سراقة بن جعشم في الأرض و إطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه، و مريه ضرع شاة حائل فعادت كالحامل، و التزاق الصخرة بيد أربد، و ما أراه اللّه عز و جل أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو ساجد فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة و رجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه، فقالوا له: ما بالك؟فقال: رأيت فحلا لم أر مثله يريد هامتي.

و أما ما أراه اللّه أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى، منها ما رواه وهب بن منبه عن الليث بن سعد قال: أتى أربد بن ربيعة و عامر بن الطفيل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف أحدهما على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فلما طال عليه انصرف فقال لصاحبه: ما صنعت شيئا؟

قال: رأيت عنده شيئا و رجله في الأرض و رأسه في السماء لو دنوت منه أهلكنى، و أما أربد فأصابته صاعقة، و أنزل اللّه تعالى: لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ [الرعد: 11].

و أما عامر فإنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لنا أهل الوبر و لكن أهل المدر، فقال صلى اللّه عليه و سلم، لكم الأعنة، فقال: لأملأنها خيلا عليكم و رجلا. فلما ولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته» .

و عن محمد بن عبد اللّه قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من‏

19

قريش: لأذهبن فأقتلن محمدا، فدنا منه قال و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قائم يصلي و يقرأ: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: 1-2]حتى بلغ آخرها، فانصرف أبو جهل و هو يقول: هذا و أبيكم وعيد شديد، فلقي أصحابه فقالوا له: ما بالك لم تقتله؟قال: إن بيني و بينه رجلا له كتيت ككتيت الفحل يعدني يقول: ادن ادن.

و عن عبد اللّه أن أعرابيا جاء بعكّة (1) من سمن فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة و أمسك الثمن، فشكاه الأعرابي إلى قريش فكلموه فأبى عليهم، فقال بعض المستهزئين: يا أعرابي أ تحب أن تأخذ عكتك و ثمنها؟

قال: بلى، قال: أ ترى هذا الرجل المار؟القه فكلمه، يعني النبي صلى اللّه عليه و سلم فأتاه الأعرابي و شكا إليه أمر العكة، فخرج عليه صلى اللّه عليه و سلم، حتى وقف بباب أبي جهل فناداه باسمه، فخرج إليه ترعد فرائصه، فقال له: أد هذا عكته و ثمنها، فدخل أبو جهل فدفع إلى الرجل العكة، فخرج الأعرابي إلى قريش و أخبرهم بذلك، ثم خرج أبو جهل، فقالت له قريش: كلمناك أن تؤدى الأعرابى حقه فأبيت ثم جاءك ابن عبد المطلب فدفعت إليه ذلك؟فقال: إن معه لجملا فاتحا فاه ينظر ما أقول فيلتقم رأسي فما وجدت بدا من إعطائه حقه.

و أما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن عمر عن أبي عمير عن الأسود قال: سأل رجل هند بن أبي هالة؟

فقال: حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقالت: كل أمره كان عجبا، و أعجب ما رأيت أنه كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن و آلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم يزلن قياما صواف ينظرن إليه و لا يلهيهن عن النظر إليه شي‏ء و لا ينظرن إلى غيره، فإذا شخص قائما سمون إليه بأبصارهن، فإذا انطلق موليا لاحظنه النظر، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن بأذنابهن و آذانهن، و كان ذلك يعجبني.

و عن عبد الملك بن عمير أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، مر بظبية عند قانص فقالت: يا رسول اللّه إن ضرعي قد امتلأ و تركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب و أرويهما ثم أعود إليك فتربطني، فقال: صيد قوم و ربيطتهم!

قالت: يا رسول اللّه فإني أعطيك عهد اللّه لأرجعن، فأخذ عليها عهد اللّه ثم أطلقها و أرسلها فما لبثت إلا يسيرا حتى جاءت و قد فرغت ما في ضرعها.

____________

(1) العكة للسمن كالشكوة للبن، و قيل العكة أصفر من القربة للسمن و هو رقيق صغير و جمعها عكك و عكاك.

20

فقال صلى اللّه عليه و سلم: لمن هذه الظبية؟قالوا: لفلان، فاستوهبها منه ثم خلى سبيلها، و قال: لو أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمنا (1) .

و أما محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب و صفوان بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نفسه كان أن يبلغ ظهر الظبية أو شبيها بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب، فقال أبو سفيان: ما أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها اللّه إيانا، أ ما رأيت ما صنع الذئب أعجب منه حين رجع!فقال الذئب أعجب من ذلك محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بالمدينة يدعوكم إلى الجنة و تدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: و اللات و العزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلوا.

و ذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر كان يرعى غنما إذ غار الذئب عليها فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ليأخذها منه و قال: عجبا للذئب يحتمل ما حمل!قال: فأقعى الذئب غير بعيد و قال: أعجب منه أنت أخذت مني رزقا رزقنيه اللّه تعالى.

فقال رافع: يا عجبا للذئب يتكلم!فقال الذئب: أعجب من ذلك الخارج من تهامة يدعوكم إلى الجنة و تأبون إلا دخول النار.

فأقبل الرجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و قد جاء جبريل، عليه السلام، فأنبأه بما كان، فقص النبي صلى اللّه عليه و سلم ما كان فآمن و صدق و قال:

رعيت الضّأن أحميها بنفسي # من اللصّ الخفيّ و كلّ ذيب

فلما أن رأيت الذّئب يعوي # و بشّرني بأحمد من قريب

يبشّرني بدين الحقّ حتى # تبيّنت الشّريعة للمنيب

رجعت له و قد شمّرت ثوبي # عن الكعبين معتمدا ركوبي

فألفيت النّبي يقول قولا # صوابا ليس بالهزل الكذوب

ألا بلّغ بني عمرو بن عوف # و أختهم جديلة أن أجيبي

دعاء المصطفى لا شكّ فيه # فإنّك إن تجيبي لا تخيبي‏

و من محاسن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، بركته ما رواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن مينا عن جابر بن عبد اللّه قال: عملنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الخندق و كانت عندي شويهة غير سمينة فقلت: و اللّه لو صنعت هذه الشاة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

____________

(1) ذكره القاضي عياض في الشفاء عن ابن وهب (1/634) .

21

قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئا من شعير فصنعت له منه خبزا و ذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا و أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، الانصراف قلت: يا رسول اللّه إني صنعت لك شويهة (1) و شيئا من خبز الشعير و أحب أن تنصرف معي إلى منزلي، و إنما أريد أن ينصرف معي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، وحده.

فلما قلت له ذلك قال: نعمم، ثم أمر بصارخ فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت إنا للّه و إنّا إليه راجعون.

و أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و الناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل و تواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا و جاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها.

و روي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة فأعطتني حفنة تمر في ثوبي و قالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا، قالت: فأخذتها و انطلقت بها فمررت برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنا ألتمس أبي فقال صلى اللّه عليه و سلم: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد، فقال: هاتي به.

فصببته في كفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه و جعل هو يزداد حتى صدر أهل الخندق عنه و هو يسقط من أطراف الثوب.

و من آياته صلى اللّه عليه و سلم، ما لا يعرفها إلا الخاصة و هي محاسن أخلاقه و أفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله و لا تجتمع لأحد من بعده، و ذلك أنا لم نر و لم نسمع لأحد قط صبره و حلمه و وفاءه و زهده و جوده و نجدته و صدق لهجته و كرمم عشيرته و تواضعه و علمه و حفظه و صمته إذا صمت و نطقه إذا نطق و لا كعفوه و قلة امتنانه، و لم نجد شجاعا قط إلا و قد فر مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرقم و عيينة فر عن أبيه يوم نسار و بسطام عن قومه يوم العظالى.

و كان له صلى اللّه عليه و سلم، وقائع مثل احد و حنين و غيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حربا أو خاف.

و اما زهده صلى اللّه عليه و سلم، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شحر عمان إلى أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي صلى اللّه عليه و سلم، و عليه دين و درعه مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن دارا و لا شيد قصرا

____________

(1) شويهة: تصغير شاة.

22

و لا غرس نخلا و لا شق نهرا و لا استنبط عينا و اعتبر برديه اللذين كان يلبسهما و خاتمه.

و كان صلى اللّه عليه و سلم، يأكل على الأرض و يلبس العباءة و يجالس الفقراء و يمشي في الأسواق و يتوسد يده و لا يأكل متكيا و يقتص من نفسه، و كان صلى اللّه عليه و سلم، يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد و أشرب كما يشرب» (1) «و لو دعيت إلى ذراع لأجبت و لو أهدي إليّ كراع لقبلت» (2) و لم يأكل قط و لا ضرب عبده، و لم ير صلى اللّه عليه و سلم، أدار رجله بين يدي أحد و لا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها.

و أما كرمه صلى اللّه عليه و سلم، في فتح مكة و قد قتلوا أعمامه و رجاله و أولياءه و أنصاره و آذوه و أرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم و الأذى بالاحتمال، و كان متى كان أكرم و عنهم أصفح كانوا ألأم و عليه ألح، و العجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم و بينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه و أفرطوا في السفه و رموه بالفرث و الدماء و ألقوا على طريقه الشوك و حثوا في وجهه التراب، و كان لا يتولى هذا منه إلا العظماء و الأخوال و الأعمام و الأقرب فالأقرب.

فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ و أثبت للحقد، فلما دخل صلى اللّه عليه و سلم، مكة قام فيهم خطيبا فحمد اللّه، عز و جل، و أثنى عليه ثم قال: أقول كما قال اخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم و هو أرحم الراحمين. و أما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال:

زيد و ما زيد، يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل اللّه و وعد أصحابه بيضاء أصطخر (3) و بيضاء المدائن و قال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه و جهدهم، فكأنهم بيضاء المدائن قد فتحت عليهم، و كأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي و قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» (4) فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه.

و ضلت ناقته صلى اللّه عليه و سلم، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء و هو لا يدري أين ناقته!فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن رجلا يقول في بيته إن محمدا يخبرنا عن خبر السماء و هو لا يدري أين ناقته، ألا و إني لا أعلم إلا ما علمني ربي عز

____________

(1) كنز العمال (ج 15، حديث رقم 40708) و الشفاء للقاضي عياض (1/289) بلفظ قريب.

(2) رواه البخاري في كتاب الهبة و فضلها باب (2) .

(3) إصطخر: بالكسر و سكون الخاء بلدة بفارس من الإقليم الثالث و هي ممن أعيان حصون فارس و مدنها.

(4) الحديث رواه أحمد في مسنده (ج 10) حديث رقم (26625) ، و الهندي في كنز العمال حديث رقم (23736) .

23

و جل و قد أخبرني أنها في وادي كذا و كذا تعلق زمامها بشجرة، فبادر الناس إليها و فيهم زيد بن أرقم و زيد بن اللصيت فإذا هي كذلك.

و لما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه صلى اللّه عليه و سلم، أمر عمه العباس أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح، فلما صار في قبة العباس ندم على ما كان منه و قال في نفسه: ما صنعت؟دفعت بيدي هكذا، ألا كنت أجمع جمعا من الأحابيش و كنانة و ألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه!فناداه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من خيمته: «إذا كان اللّه يخزيك يا أبا سفيان» .

فقال أبو سفيان: يا عباس أدخلني على ابن أخيك، فقال العباس: ويلك يا أبا سفيان ما آن لك ذلك، فأدخله على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال يا رسول اللّه قد كان في النفس شي‏ء و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه حقا.

و قوله صلى اللّه عليه و سلم، لما يكون من بعده مما حدث به محمد بن عبد الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إني رأيت على منبري هذا اثني عشر رجلا من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية و عشرة من ولد أبي العاص بن أمية» ، ثم التفت إلى العباس و قال: «هلاكهم على يدي ولدك» .

و أما جماله و بهاؤه و محاسن ولادته صلى اللّه عليه و سلم، فما روي عن عثمان بن أبي العاص قال:

اخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي صلى اللّه عليه و سلم، لما ضربها المخاض، قالت: جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعن علي، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت و الدار حتى صرت لا أرى إلا نورا.

قال: و سمعت آمنة تقول: لقد رأيت و هو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم ولد صلى اللّه عليه و سلم، فخرج معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب.

و روي عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أشجع الناس و أحسن الناس و أجود الناس، ما مسست بيدي ديباجا و لا حريرا و لا خزا ألين من كف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول صلى اللّه عليه و سلم في ليلة البدر و عليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه و إلى القمر فلهو أحسن في عيني من القمر.

و عن جابر بن زيد عن أبيه قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه و سلم، في مسجد الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك و أبرد من الثلج.

و من فضله الذي أبر على جميع الخلائق و محاسنه ما روي عن وهب بن منبه أنه قال:

لما خلق اللّه عز و جل الأرض ارتجت و اضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول اللّه فسكنت. غ

24

و أما عقله صلى اللّه عليه و سلم، فقد روي أن عقول جميع الخلائق من الأولين و الآخرين في جنب عقل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كرملة من بين جميع رمال الدنيا.

و من محاسنه صلى اللّه عليه و سلم، الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري، رحمه اللّه، يرفعه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إني لنائم في الحجر إذ جاء جبريل عليه السلام فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئا ثم عدت لمضجعي، فجاءني الثانية فغمزني‏ (1) فجلست و أخذ بعضدي فخرج بي إلى باب الصفا و إذا أنا بدابة أبيض بين الحمار و البغل له جناحان في فخذيه يضع حافره منتهى طرفه، فقال لي جبريل: اركب يا محمد، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني.

فقال له جبريل، عليه السلام، يا براق ما لك فو اللّه ما ركبك خير منه قط!فركبت و خرجت و معي صاحبي لا أفوته و لا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فوجدت فيه نفرا من الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم، ثم أتيت بإناءين من خمر و لبن فتناولت اللبن و شربت منه و تركت الخمر، فقال جبريل، عليه السلام: «هديت و هديت أمتك و حرمت عليهم الخمر، ثم أصبحت بمكة» .

قال: فلما ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ذلك ارتد كثير ممن كان آمن به و قالوا: سبحان اللّه! أذهب محمد إلى الشام في ساعة من الليل ثم رجع و العير تطرد شهرا مدبرة و شهرا مقبلة!فبلغ ذلك أبا بكر رضي اللّه عنه، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: يا رسول اللّه ما يقول هؤلاء؟يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه الليلة و رجعت من ليلتك!قال:

«قد كان ذاك» .

قال: يا رسول اللّه فصف لي المسجد. فجعلت أصفه لأبي بكر رحمه اللّه، و أنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شي‏ء قال صدقت أشهد أنك رسول اللّه، حتى فرغت من صفته، فقال رسول اللّه يومئذ: فأنت الصديق يا أبا بكر» .

____________

(1) قال ابن الأثير و قد فسر الفخر في بعض الأحاديث بالإشارة كالرمز بالعين و الحاجب و اليد.

25

محاسن المعراج‏

عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: أخبرنا نبي اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: «بينا أنا بين اليقظان و النائم عند البيت إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فانطلق بي فشرح صدري و استخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم فغسل به ثم أعيد مكانه وحشي إيمانا و حكمة، ثم أتيت بدابة فوق الحمار و دون البغل يضع حافره عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟قال: جبريل. قيل: و من معك؟قال: محمد. قيل: و قد بعث إليه؟قال:

نعم. ففتح لنا، قالوا: مرحبا به و لنعم المجي‏ء جاء. فأتيت على آدم فقلت: يا جبريل من هذا؟قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه فقال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح.

و انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح جبريل، عليه السلام، فقيل: من هذا؟قال:

جبريل. قيل: و من معك؟قال: محمد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. ففتح لنا و قالوا:

مرحبا به و لنعم المجي‏ء جاء. فأتيت على يحيى و عيسى فقلت: يا جبريل من هذان؟قال:

عيسى و يحيى.

قال: فسلمت عليهما فقالا: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة فكان مثل قولهم الأول. فأتيت على يوسف فسلمت عليه فقال: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فأتيت على إدريس، عليه السلام، فسلمت عليه فقال: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح.

ثم أتينا السماء الخامسة فأتيت على هارون فسلمت عليه فقال مثل ذلك. ثم أتينا السماء السادسة فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال مثل ذلك.

ثم آتينا السماء السابعة فأتيت على إبراهيم، عليه و على آله السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح.

ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه.

ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار يخرجن من أسفلها فقلت: يا جبريل ما هذه‏

26

الأنهار؟قال: أما النهران الظاهران فالنيل و الفرات. و أما الباطنان فنهران في الجنة. ثم أتيت بإناءين من خمر و لبن فاخترت اللبن، فقيل لي: أصبت أصاب اللّه بك أمتك على الفطرة.

و فرضت علي خمسون صلاة فأقبلت بها حتى أتيت على موسى، عليه السلام، فقال:

بم أمرت؟قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك جل و عز فاسأله التخفيف.

قال: فرجعت إلى ربي فحط عني خمسا، فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال: بم أمرت؟فأنبأته بما حط عني فقال مثل مقالته الأولى، فما زلت بين يدي ربي جل و عز أستحط حتى رجعت إلى خمس صلوات، فأتيت موسى، عليه السلام، فقال: بما أمرت؟فقلت بخمس صلوات كل يوم.

فقال: أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك جل ذكره و اسأله التخفيف، فقلت: لقد رجعت إلى ربي تبارك و تعالى حتى استحييت، لا و لكني أرضى و أسلم.

فلما جاوزت نوديت أني قد خففت عن عبادي و أمضيت عن عبادي فريضتي و جعلت بكل حسنة عشرا أمثالها» (1) .

و انظر إلى رونق ألفاظه، عليه السلام، و صحة معانيه و موضع ذلك من القلوب مع قلة تعميقه و بعده من التكلف كقوله صلى اللّه عليه و سلم: «زويت لي الأرض حياء فأريت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» (2) .

قوله زويت جمعت، و مثله: «إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار» ، و لا يكون الانزواء إلا بانحراف مع تقبض.

و قال: «إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة» (3) ، و هي الروضة تكون في المكان المرتفع.

و قال: «إن قريشا قالت إني صنبور، و هي النخلة تبقى منفردة و يدق أصلها، تقول إنه فرد ليس له ولد فإذا مات انقطع ذكره» .

و قال أبو بكر رضي اللّه عنه: «ما أحد من الناس عرضت عليهم الإسلام إلا كانت له كبوة

____________

(1) حديث المعراج أخرجه البخاري، كتاب بئر الوحي، باب ذكر الملائكة رقم الحديث (3207) ، ص 92، ج 4.

(2) ذكره العراقي في المغني عن حمل الأسفار (2/387) .

(3) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (4/69) .

27

غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم» ، أي لم ينتظر و لم يمكث، و الكبوة مثل الوقعة. و قال في عمر، ؟ اللّه: «ما أر عبقريا يفري فرية» (1) ، و العبقري السيد، يقال: هذا عبقري قومه أي سيدهم، و يفري فرية أي يعمل عمله.

و قال في علي بن أبي طالب، رضوان اللّه عليه: «إن لك بيتا في الجنة و إنك ذو قرنيها» ، يريد أنه ذو طرفيها.

و قال في الحسين بن علي، رحمهما اللّه، حين بال عليه و هو طفل فأخذه من حجره:

«لا تزرموا ابني» (2) ، الإزرام القطع، يقال للرجل يقطع بوله أزرم.

و قال في الأنصار: «إنهم كرشي و عيبتي و لو لا الهجرة لكنت امرأ منهم» ، أي من الأنصار، الكرشي الجماعة، و العيبة أي هم موضع سري و منه أخذت العيبة.

و قال صلى اللّه عليه و سلم: «لعن اللّه النامصة و المتنمصة و الواشرة و الموتشرة و الواصلة و الموتصلة و الواشمة و المستوشمة» (3) ، فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه، و منه قيل للمنقاش المنماص، و المتنمصة التي تفعل بها ذلك، و الواشرة التي تشر أسنانها و ذلك أنها تفلجها و تحددها حتى يكون لها أشر، و الأشر تحدد و روقة في أطراف الأسنان، و الواصلة و الموتصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها، و الواشمة المرأة تغرز ظهر كفها و معصمها بإبرة حتى تؤثر فيه و تحشوه بالكحل.

و ذكر أيام التشريق فقال: «هي أيام أكل و شرب و بعال» ، يعني النكاح.

و قال: «يحشر الناس يوم القيامة خفاة بهما» (4) ، و هو البهيم الذي لا يخلط لونه لون سواه من سواد كان أو غيره، يقول: ليس فيهم شي‏ء من الأمراض و العاهات التي تكون في الدنيا.

و قال في صلح الحديبية: «لا إغلاق و لا إسلال» ، الإسلال السرقة و الإغلال الخيانة.

و قال: «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و الحور بعد الكور» (5) ، الحوب إذا كان بالباء و الكون إذا كان بالنون تقول يكون في حالة جميلة فيرجع عنها، و إذا كانا

____________

(1) ذكره الشافعي في مسنده ص 280.

(2) ذكره في مجمع الزوائد كتاب الطهارة، باب في بول الصبي و الجارية (1/285) .

(3) ذكره الربيع بن حبيب في مسنده (2/55) .

(4) ذكره البيهقي في دلائل النبوة (5/379) .

(5) أخرجه في كنز العمال كتاب السفر، باب في آدابه، الحديث رقم (17623) ، ص 734، ج 6.

28

جميعا بالراء فهو النقصان بعد الزيادة. و قال، عليه السلام: «خمروا آنيتكم و أوكوا أسقيتكمم و أجيفوا الأبواب و أطفئوا المصابيح و اكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشارا و خطفة» (1) ، يعني بالليل، التخمير التغطية، و الإيكاء الشد، و اسم الخيط الذي يشد به السقاء الوكاء، و اكتفوا يعني ضموهم إليكم.

و قال في دعائه: «لا ينفع ذا الجد منك الجد» ، بفتح الجيم الغني و الحظ في الرزق، و منه قيل: لفلان في هذا الأمر جد إذا كان مرزوقا.

و قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لا تموت حتى تستوفي أو تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه و أجملوا في الطلب» (2) ، قوله نفث في روعي بضم الراء النفث شبيه بالنفخ، و روعي يقول في خلدي.

و قال، عليه السلام: «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم و بينه سحاب و ظلمة أو هبوة فأكملوا العدة» (3) ، هبوة يعني غبرة.

و قال، عليه السلام: «إن العرش على منكب إسرافيل و إنه ليتواضع للّه جل و عز حتى يصير مثل الوصع» ، الوصع ولد العصافير.

فقال، عليه السلام، حين سئل أين كان ربنا جل جلاله قبل أن يخلق السموات و الأرضين فقال: «كان في عماء تحته هواء» ، العماء السحاب.

و قال، عليه السلام: «عم الرجل صنو أبيه» (4) ، يعني أن أصلهما واحد، و أصل الصنو إنما هو في النخل، قال اللّه عز و جل: صِنْوََانٌ وَ غَيْرُ صِنْوََانٍ [الرعد: 4]الصنوان المجتمع، و غير الصنوان المتفرق.

و قال: «من تعلم القرآن ثم نسيه لقي اللّه عز و جل و هو أجذم» (5) ، أي مقطوع اليد.

و قال لرجل أتاه و قال: يا رسولا اللّه أ يدالك الرجل امرأته بمهرها؟قال: «لا إلا أن يكون مفلجا» ، فقال له أبو بكر، رضي اللّه عنه: بأبي و أمي أنت يا رسول اللّه!إنما نشأت فيما بيننا و نحن قد سافرنا و أنت مقيم فنراك تكلم بكلام لا نعرفه و لا نفهمه!.

____________

(1) أخرجه في كنز العمال باب في معايش متفرقة رقم الحديث (41283) ص 335، ج 15.

(2) ذكره ابن عبد البر في التمهيدي (1/284) .

(3) أخرجه ابن صبان في صحيحه، باب رؤية الهلال رقم الحديث (3442) ص 226، ج 8.

(4) ذكره البيهقي في سننه الكبرى (4/111) .

(5) أخرجه في مجمع الزوائد في باب من ولي شيئا (5/205) .

29

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه جل و عز أدبني و أحسن أدبي، و هذا الرجل كلمني بكلامه فأجبته على حسبه، قال: أ يدالك الرجل امرأته بمهرها؟أي يماطلها، فقلت: لا إلا أن يكون مفلجا، أي معدما» . فكلامه صلى اللّه عليه و سلم، و أخلاقه و مذاهبه تدل على أنه موافق لقول اللّه جل و عز: اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124]و كقوله: وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ عَلى‏ََ عِلْمٍ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [الدخان: 32].

و قال جل ذكره: خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ [الأعراف: 199]فلما علم أنه قد قبل أدبه قال: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن: 4]فلما استحكم له ما أحب قال: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7].

30

مساوئ من تنبى‏

روي أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ذلك في آخر سنة عشر:

من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه، أما بعد فإني قد شوركت في الأمر معك و إن لنا نصف الأرض و لقريش نصف الأرض، و لكن قريشا قوم يعتدون.

فقدم عليه رسولان من قبل مسيلمة بهذا الكتاب. فقال: «أما و اللّه لو لا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكما» . ثم كتب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض للّه يورثها من عباده من يشاء و العاقبة للمتقين» ، قيل و أتاه الأحنف بن قيس مع عمه فلما خرجا من عنده قال الأحنف لعمه: كيف رأيته؟قال ليس بمتنب صادق و لا بكذاب حاذق.

و منهم طليحة تنبى على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان يقول إن ذا النون يأتيه، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لقد ذكر ملكا عظيما» ، فلما كان أيام الردة بعث أبو بكر، رحمة اللّه عليه، خالد بن الوليد إليه، فلما انتهى إلى عسكره وجده قد ضربت له قبة من أدم و أصحابه حوله، فقال: ليخرج إلي طليحة!فقالوا: لا تصغر نبيا هو طلحة، فخرج إليه فقال خالد: إن من عهد خليفتنا أن يدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، فقال: يا خالد اشهد أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه.

فلما سمع خالد ذلك انصرف عنه و عسكره بالقرب منه على ميل، فقال عيينة بن حصن لطليحة: لا أبا لك!هل أنت مرينا بعض نبوتك؟قال: نعم.

و كان قد بعث عيونا له حين سار خالد من المدينة مقبلا إليهم فعرّفوه خبر خالد، فقال:

لئن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بني نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين.

فهيئوا فارسين فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عينا لخالد مقبلا إليهم فقالا: ما خبر خالد؟أو قالا: ما وراءك؟قال: هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبل فزادهم فتنة، و قال: أ لم أقل لكم؟فلما كان في السحر نهض خالد إلى طليحة فيمن معه من أصحاب‏

31

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلما التقى الصفان تزمل طليحة في كساء له ينتظر زعم الوحي.

فلما طال ذاك على أصحابه و ألح عليهم المسلمون بالسيف، قال عيينة بن حصن: هل أتاك بعد؟قال: طليحة من تحت الكساء: لا و اللّه ما جاء بعد!فقال عيينة: تبا لك آخر الدهر! ثم جذبه جذبة جاش منها و قال: قبح اللّه هذه من نبوة!فجلس طليحة، فقال له عيينة: ما قيل لك؟قال: قيل لي إن لك رحا كرحاه، و أمرا لا تنساه.

فقال عيينة: قد علم اللّه جل و عز أن سيكون لك أمر لا تنساه!هذا كذاب ما بورك لنا و لا له فيما يطالب.

ثم هرب عيينة و أخوه فأدركوه و أسروه و أفلت أخوه و خرج طليحة منهزما و أسلمه شيطانه حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح اللّه عز و جل أجنادين و توفي أبو بكر و أسلم طليحة إسلاما صحيحا و قال:

و إني من بعد الضّلالة شاهد # شهادة حق لست فيها بملحد

و منهم من تنبى بعد أيام الرشيد رجل زعم أنه نوح، فقيل له: أنت نوح الذي كان أم نوح آخر؟قال: أنا نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما و قد بعثت إليكم لأفي الخمسين عاما تمام الألف سنة.

فأمر الرشيد بضربه و صلبه، فمر به بعض المخنثين و هو مصلوب فقال: صلى اللّه عليك يا أبانا، ما حصل في يدك من سفينتك إلا دقلها!و هو الذي يكون في وسط السفينة كجذع طويل.

و منهم رجل تنبى في أيام المأمون فقال للحاجب: أبلغ أمير المؤمنين أن نبي اللّه بالباب، فأذن له، فقال ثمامة: ما دليل نبوتك؟قال: تحضر لي أمك فأواقعها فتحمل من ساعتها و تأتي بغلام مثلك.

فقال ثمامة: صلى اللّه عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته أهون علي من إحضارك أمي و مواقعتها!. غ

32

محاسن الخلفاء الراشدين محاسن أبى بكر رضوان اللّه و رحمته عليه‏

روي عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما: دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المسجد و أبو بكر عن يمينه و عمر عن شماله فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (1) .

و قال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه تبارك و تعالى أيدني من أهل السماء بجبريل و ميكائيل و من أهل الأرض بأبي بكر و عمر» ، و رآهما مقبلين فقال: «هذان السمع و البصر» (2) .

و روي عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.

و روي عن عمر، رضي اللّه عنه، أنه قال: أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، بالصدقة و وافق ذلك مالا عندي فقلت أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئته بنصف مالي.

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: النصف، و جاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ما ابقيت لأهلك؟» قال: اللّه حقا و رسوله، فقلت و اللّه لا أسبقك إلى شي‏ء أبدا.

و عن عمر، رضي اللّه عنه، أنه قال: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر، رضي اللّه عنه.

و عن عطاء عن أبي الدرداء أنه مشى بين يدي أبي بكر، رضي اللّه عنه، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «المشي بين يدي من هو خير منك، ما طلعت الشمس و لا غربت بعد النبيين و المرسلين على أحد أفضل من أبي بكر» (3) .

و عن علي بن أبي طالب، رضوان اللّه و رحمته عليه، قال: قال، النبي صلى اللّه عليه و سلم: «يا علي هل

____________

(1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه رقم الحديث (2228) ، ص 365، ج 4.

(2) أخرجه في مجمع الزوائد باب في ما روي من الفضل لأبي بكر و عمر و غيرهما من الخلفاء (9/51) .

(3) ذكره في جامع المسانيد (2/637) .

33

تحب الشيخين» ؟قلت: نعم، يا رسول اللّه، قال: «لا يجتمع حبك و حبهما إلا في قلب مؤمن» .

و عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «رحم اللّه أبا بكر، زوجني ابنته و حملني إلى دار الهجرة و عتق بلالا من ماله» (1) .

و عن أنس عن أبي بكر، رضي اللّه عنه، قال: قلت للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و نحن في الغار: لو أن أحدهم نظر في قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه جل و عز ثالثهما!» (2) .

و عن أبي سعيد الخدري، رضي اللّه عنه، قال خرج علينا رسول اللّه في مرضه الذي مات فيه و هو عاصب رأسه حتى صعد المنبر فقال: «إني قائم الساعة على الحوض و إن عبدا عرضت عليه الدنيا و زينتها فاختار الآخرة» ، فلم يفطن لها أحد إلا أبو بكر رضي اللّه عنه فقال : بأبي أنت و أمي بل نفديك بآبائنا و أبنائنا و أنفسنا و أموالنا!و بكى.

فقال: «لا تبك يا أبا بكر، إن من آمن الناس علي في صحبته و ماله أبا بكر، و لو كنت متخذا خليلا من الناس لاتخذت أبا بكر. و لكن أخي في الإسلام لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» .

فبكى أبو بكر و قال: أنا و مالي لك يا رسول اللّه‏ (3) .

و عن ابن المنكدر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، دعوا لي صاحبي إني بعثت و قال الناس كلهم كذبت و قال لي صدقت» (4) ، يعني أبا بكر، رضي اللّه عنه.

و عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فجاء قد ظهر، فقال: يا رسول اللّه أي الناس أحب إليك؟قال: «عائشة» ، قال: لست أسألك عن النساء، قال: «أبوها إذا تؤنس» .

و عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يجي‏ء يوم القيامة رجل إلى باب الجنة ليس منها باب إلا و عليه ملك يهتف به هلم هلم ادخل» .

فقال أبو بكر، رضي اللّه عنه: إن هذا لسعيد، قال: «هو ابن أبي قحافة» .

____________

(1) أخرجه في كنز العمال باب ذكر الصحابة، الحديث رقم (33124) ص 642، ج 11.

____________

(2) أخرجه في كنز العمال فصل فضائل الخلفاء الأربعة رقم الحديث (32568) ص 547، ج 11.

(3) أخرجه في كنز العمال فصل فضائل الخلفاء الأربعة رقم الحديث (32554) ص 544، ج 11.

(4) أخرجه في كنز العمال فصل فضائل الخلفاء الأربعة رقم الحديث (32610) ص 555، ج 11.

34

و عن سليمان بن يسار أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «في المؤمن ثلاثمائة و ستون خصلة من الخير إذا جاء بواحدة دخل الجنة» ، قال أبو بكر، رضي اللّه عنه: بأبي أنت و أمي أ فيّ منها شي‏ء؟قال: «هي كلها فيك يا أبا بكر» .

و عن ابن عمر، رضي اللّه عنه، قال: بينا النبي صلى اللّه عليه و سلم، جالس و عنده أبو بكر، رضي اللّه عنه، و عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال إذ نزل عليه جبريل، عليه السلام، فقال: يا رسول اللّه ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره؟قال: «أنفق ماله علي قبل الفتح» ، قال: فأقرئه من اللّه عز و جل السلام و قل له يقول لك ربك تبارك و تعالى: أراض أنت عني في فقرك أم ساخط؟.

فقال أبو بكر: أعلى ربي أغضب!أنا عن ربي راض.

و عن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، قال: كنت جالسا عند النبي صلى اللّه عليه و سلم، إذ طلع أبو بكر و عمر، رضي اللّه عنهما.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين و الآخرين ممن مضى و ممن بقي إلا النبيين و المرسلين، لا تخبرهما يا علي» (1) .

و عن جابر قال: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فسمعته يقول: «يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة» .

فطلع أبو بكر، رضي اللّه عنه، ثم قال: «يطلع علينا من هذا الفج رجل من اهل الجنة» .

فطلع عمر، رضي اللّه عنه، ثم قال: «يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، اللهم اجعله عليا!» فطلع علي، رضي اللّه عنه‏ (2) .

و عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللّه ما أحسن هذه الآية!قال: «أيتها؟» قال قوله تبارك و تعالى: يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ `اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً `فَادْخُلِي فِي عِبََادِي `وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 27-30]فقال: «يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك» (3) .

و قيل: إنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر، رضي اللّه عنه، بإسلامه حتى دخل على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: «أ لا أبشرك يا أبا بكر بما يسرك» ؟قال: مثلك يا رسول اللّه من يبشر بالخير،

____________

(1) أخرجه في مجمع الزوائد، باب في ما روي من الفضل لأبي بكر و عمر و غيرهما (9/53) .

(2) أخرجه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (3/183) .

(3) أخرجه في كنز العمال، فصل في فضل أبي بكر الصديق، رضي اللّه عنه، رقم الحديث (35591) ص 485، ج 12.

35

فما هي؟قال: «أسلم أبو قحافة» !قال: يا رسول اللّه لو بشرتني بإسلام أبي طالب كان أقر لعيني فإنه أقر لعينك، فبكى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، حتى علا بكاؤه جزعا لما فاته من إسلام أبي طالب و قال: «رحمك اللّه يا أبا بكر» ، ثلاثا.

محاسن عمر بن الخطاب رضوان اللّه و رحمته عليه‏

عن أبي هريرة، رحمه اللّه، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «بينا أنا نائم إذ رأيتني على قليب و عليها دلو، فنزعت ما شاء اللّه ثم أخذها مني أبو بكر، أو قال ابن أبي قحافة: فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين و في نزعه ضعف و اللّه جل و عز يغفر له، ثم أخذها عمر فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن» (1) .

و روي أن امرأة في الجاهلية تسمى عاصية أسلمت فكرهت اسمها فأتت عمر، رحمه اللّه، فقالت: إني كرهت اسمي فسمني. فقال: أنت جميلة.

فغضبت و قالت: سميتني باسم الإماء!ثم أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقالت: بأبي أنت و أمي إني كرهت اسمي فسمني!فقال أنت جميلة، فقالت يا رسول اللّه إني أتيت عمر سماني جميلة فغضبت، فقال: «أ و ما علمت أن اللّه جل و عز عند لسان عمر و يده؟» .

و عن سعيد بن جبير في قوله عز و جل: وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ [التحريم: 4]قال: نزلت في عمر خاصة.

و عن علي رضي اللّه، عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «رحم اللّه عمر لقول الحق و إن كان مرا، تركه الحق ما له من صديق» (2) .

و عن سعيد بن جبير قال: إن جبريل قال للنبي صلى اللّه عليه و سلم: «اقرأ على عمر السلام و أعلمه أن غضبه عز و رضاه حكم» .

و عن عثمان بن مظعون قال: مر بنا عمر، رضي اللّه عنه، و نحن جلوس عند النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: «هذا غلق باب الفتنة، لا يزال بينكم و بين الفتنة باب ما عاش هذا بين أظهركم أو ظهرانيكم» (3) ، فقال بيمينه و شبك بين أصابعه.

____________

(1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب العدوي رقم الحديث (3682) ، ص 239، ج 4.

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/72) .

(3) ذكره في مجمع الزوائد باب مناقب عمر في أمان الناس من الفتنة في حياته (9/73) .

36

و عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: جاءني جبريل، عليه السلام، حين أسلم عمر، رحمه اللّه، فقال لي: «تباشرت الملائكة بإسلام عمر و عمر سراج أهل الجنة» .

و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «بينا أنا في الجنة إذ رأيت دارا فأردت أن أدخلها فسألت لمن هي فقيل هي لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فرجعت» ، فقال عمر: يا رسول اللّه لست ممن يغار عليه‏ (1) .

و عن علي، رضي اللّه، عنه: ما كنا نبعد أن السكينة كانت تنطق على لسان عمر.

و عن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ `ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ الآية ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 12-14]فقال عمر: تبارك اللّه أحسن الخالقين!فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «و الذي نفسي بيده لقد ختمها اللّه عز و جل بما قلت يا عمر» .

و عن سعد بن أبي وقاص، رحمه اللّه، قال: استأذن عمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و عنده نسوة من قريش قد علت أصواتهن فأذن له، فلما دخل بادرن الحجاب، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

فقال عمر: أضحك اللّه سنك، بأبي أنت و أمي مم ضحكت؟فقال: «أعجب من اللواتي كن عندي لما سمعن صوتك بادرن الحجاب!» .

فقال: أنت كنت أحق أن يهبن يا رسول اللّه، ثم أقبل عليهن و أغلظ لهن و قال: أ تهبنني و لا تهبن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟قلن: نعم إنك أفظ و أغلظ.

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا عمر و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك» .

محاسن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و رحمه‏

عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، في حائط من حيطان المدينة فجاء أبو بكر، رحمه اللّه، فقال: افتح له و بشره بالجنة.

ثم جاء عمر، رحمه اللّه، فقال: افتح له و بشره بالجنة، ثم جاء علي، رضوان اللّه عليه، فقال: افتح له و بشره بالجنة،

____________

(1) ذكره الإمام أحمد في مسنده (5/385) .

37

ثم جاء عثمان، رضي اللّه عنه، فقال: افتح له و بشره بالجنة. فلما جاء عثمان، رحمه اللّه و رحمهم أجمعين، و قد بدت من فخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ناحية فلما جاء عثمان، رحمه اللّه، غطاها، فقالوا يا رسول اللّه ما لك لم تغطه حين جئنا؟فقال: «أ لا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟» (1) .

و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: إن اللّه جل و عز أمرني أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان» ، رحمه اللّه.

محاسن علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه‏

عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم:

«رحم اللّه عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار» (2) .

و عن علي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا معشر قريش و اللّه ليبعثن اللّه عليكم رجلا منكم قد امتحن اللّه قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين» .

فقال أبو بكر: أنا يا رسول اللّه؟قال: «لا» ، فقال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟قال: «لا، و لكنه خاصف النعل» ، و أنا أخصف نعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و عن جابر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لعلي هذا وليكم بعدي إذا كانت فتنة» .

و عن مصعب عن أبيه قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول: «ما لكم و لعلي، من آذى عليا فقد آذاني» (3) .

و عن علي، رضي اللّه عنه، قال: هلك فيّ رجلان: عدو مبغض و محب مفرط، قال:

و قال ليحبني أقوام حتى يدخلهم حبي النار و يبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي النار، هم الرافضة و الناصبة.

و عن أم سلمة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا يحب عليا منافق و لا يبغض عليا مؤمن» (4) .

____________

(1) ذكره البخاري في صحيحه، كتاب الفضائل باب مناقب عثمان، رقم الحديث (3695) ص 234، ج 4.

(2) أخرجه في كنز العمال، فضائل علي، رقم الحديث (32883) ص 599، ج 11.

(3) أخرجه ابن كثير في البداية و النهاية (7/361) .

(4) ذكره ابن حجر في المطالب العلية رقم الحديث (3966) .

38

و عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن بن علي، رضوان اللّه عليهما: هؤلاء الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث الآن.

قال: كذبوا و اللّه ما أولئك بشيعة و لو كان كما يقولون ما أنكحنا نساءه و لا قسمنا ميراثه.

و عن فاطمة، رضي اللّه عنها، قالت دخل عليّ علي، رضي اللّه عنه، و أنا عند النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: «ابشر يا أبا الحسن!أما إنك في الجنة و إن قوما يزعمون أنهم يحبونك يرفضون الإسلام يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون» .

قال: و حدثنا رجل حضر مجلس القاسم بن المجمع و هو والي الأهواز قال: حضر مجلسه رجل من بني هاشم فقال: أصلح اللّه الأمير!أ لا أحدثك بفضيلة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه؟قال: نعم إن شئت. قال: حدثني أبي قال: حضرت مجلس محمد بن عائشة بالبصرة إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة فقال: يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟فقال: أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة بن الجراح. فقال له: فأين علي ابن أبي طالب، رضي اللّه عنه؟قال: يا هذا تستفتي عن أصحابه أم عن نفسه؟قال: بل عن أصحابه. قال: ان اللّه تبارك و تعالى يقول: فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ [آل عمران: 61] فكيف يكون أصحابه مثل نفسه؟.

و عن عطاء قال: كان لعلي، رحمه اللّه، موقف من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، يوم الجمعة إذا خرج أخذ بيده فلا يخطو خطوة إلا قال: «اللهم هذا علي اتبع مرضاتك فارض عنه» ، حتى يصعد المنبر.

و حدثنا إبراهيم بن أحمد الغضائري بإسناد يرفعه إلى أبي مالك الأشجعي رواه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «هبط علي جبريل، عليه السلام، يوم حنين فقال: يا محمد إن ربك تبارك و تعالى يقرئك السلام، و قال: ادفع هذه الأترجة إلى ابن عمك و وصيك علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، فدفعتها إليه فوضعتها في كفه فانفلقت بنصفين فخرج منها رق أبيض مكتوب فيه بالنور: من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب» .

أبو عثمان قاضي الري عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال: كان عبد اللّه ابن عباس بمكة يحدث على شفير زمزم و نحن عنده، فلما قضى حديثه قام إليه رجل فقال: يا ابن عباس إني امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنهم يتبرءون من علي بن أبي طالب، رضوان اللّه

39

عليه، و يلعنونه. فقال: بل لعنهم اللّه في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا، أ لبعد قرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنه لم يكن أول ذكران العالمين إيمانا باللّه و رسوله و أول من صلى و ركع و عمل بأعمال البر؟قال الشامي: إنهم و اللّه ما ينكرون قرابته و سابقته غير أنهم يزعمون أنه قتل الناس. فقال ابن عباس: ثكلتهم أمهاتهم!إن عليا أعرف باللّه عز و جل و برسوله و بحكمهما منهم، فلم يقتل إلا من استحق القتل. قال: يا ابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة و أنا رسولهم إليك و أمينهم و لا يسعك أن تردني بغير حاجتي، فإن القوم هالكون في أمره ففرج عنهم فرج اللّه عنك.

فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام إنما مثل علي في هذه الأمة في فضله و علمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى ساحل البحر فقال له: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبرا، و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟قال موسى: ستجدني إن شاء اللّه صابرا و لا أعصي لك أمرا. قال له العالم: أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا فإن اتبعتني فلا تسألني عن شي‏ء حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها، و كان خرقها للّه جل و عز رضى و لأهلها صلاحا، و كان عند موسى عليه السلام، سخطا و فسادا فلم يصبر موسى و ترك ما ضمن له فقال: أخرقتها لتغرق أهلها؟لقد جئت شيئا إمرا!قال له العالم: أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟قال موسى: لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسرا. فكف عنه العالم، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله، و كان قتله للّه جل و عز رضى و لأبويه صلاحا، و كان عند موسى، عليه السلام، ذنبا عظيما، قال موسى و لم يصبر: أ قتلت نفسا زكية بغير نفس؟لقد جئت شيئا نكرا!قال العالم: أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟قال: إن سألتك عن شي‏ء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، و كان إقامته لله عز و جل رضى و للعالمين صلاحا، فقال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال: هذا فراق بيني و بينك، و كان العالم أعلم بما يأتي موسى، عليه السلام، و كبر على موسى الحق و عظم إذ لم يكن يعرفه هذا و هو نبي مرسل من أولي العزم ممن قد أخذ اللّه جل و عز ميثاقه على النبوة، فكيف أنت يا أخا أهل الشام و أصحابك؟إن عليا، رضي اللّه عنه، لم يقتل إلا من كان يستحل قتله و إني أخبرك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كان عند أم سلمة بنت أبي أمية إذ أقبل علي، عليه السلام، يريد الدخول على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فنقر نقرا خفيا فعرف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، نقره فقال: «يا أم سلمة قومي فافتحي الباب» فقالت: يا رسول اللّه من هذا الذي يبلغ خطره أن استقبله بمحاسني و معاصمي؟فقال:

«يا أم سلمة إن طاعتي طاعة اللّه جل و عز، قال: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ [النساء: 80]

40

قومي يا أم سلمة فإن بالباب رجلا ليس بالخرق‏ (1) و لا النزق‏ (2) و لا بالعجل في أمره يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، يا أم سلمة إنه إن تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء» ، فلم يدخل حتى غابت عنه و خفي عليه الوطء، فلما لم يحس لها حركة دفع الباب و دخل فسلم على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فرد عليه السلام و قال: «يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟» قالت: نعم هذا علي بن أبي طالب، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي و دمه بدمي و هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، يا أم سلمة، هذا علي سيد مبجل مؤمل المسلمين و أمير المؤمنين و موضع سري و علمي و بابي الذي آوي إليه، و هو الوصي على أهل بيتي و على الأخيار من أمتي، هو أخي في الدنيا و الآخرة و هو معي في السناء الأعلى، اشهدي يا أم سلمة أن عليا يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين» . قال ابن عباس: و قتلهم للّه رضى و للأمة صلاح و لأهل الضلالة سخط. قال الشامي: يا ابن عباس من الناكثون؟قال:

الذين بايعوا عليا بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، و القاسطون معاوية و أصحابه، و المارقون أهل النهروان و من معهم. فقال الشامي: يا ابن عباس ملأت صدري نورا و حكمة و فرجت عني فرج اللّه عنك، أشهد أن عليا، رضي اللّه عنه، مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.

و يروي أن ابن عباس، رحمه اللّه، قال: عقم النساء أن يجئن بمثل علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، ما رأيت محربا يزن به لرأيته يوم صفين و على رأسه عمامة بيضاء و كأن عينيه سراجا سليط و هو يقف على شرذمة بعد شرذمة من الناس يعظهم و يحضهم و يحرضهم حتى انتهى إلي و أنا في كثف من الناس فقال: معاشر المسلمين استشعروا الحشية و أكملوا اللأمة و تجلببوا بالسكينة و غضوا الأصوات و الحظوا الشزر و أطعنوا الوجر و صلوا السيوف بالخطى و الرماح بالنبل، فإنكم بعين اللّه و مع ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، تقاتلون عدو اللّه عليكم بهذا السواد الأعظم و الرواق المطنب، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راكس في كسره مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا و أخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن يتركم أعمالكم.

و عن ابن عباس أنه قال: لقد سبق لعلي، رضي اللّه عنه، سوابق لو أن سابقة منها قسمت على الناس لوسعتهم خيرا.

و عنه قال: كان لعلي، رضي اللّه عنه، خصال ضوارس قواطع سطة في العشيرة و صهر

____________

(1) النزق: الخفة و الطيش في كل شي‏ء.

(2) الخرق: هو الحمق.

41

بالرسول و علم بالتنزيل وفقه في التأويل و صبر عند النزال و مقاومة الأبطال، و كان ألد إذا أعضل، ذا رأي إذا أشكل.

قيل: و دخل ابن عباس على معاوية فقال: يا ابن عباس صف لي عليا، قال: كأنك لم تره؟قال: بلى أحب أن أسمع منك فيه مقالا، قال: كان أمير المؤمنين، رضوان اللّه عليه، غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب، يدنينا إذا أتيناه و يجيبنا إذا دعوناه، و كان مع تقربته إيانا و قربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يبتسم فإذا هو تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، أما و اللّه يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه و هو قابض على لحيته يبكي و يتململ تململ السليم و هو يقول: يا دنيا إياي تغرين؟أمثلي تشوقين؟لا حان حينك بل زال زوالك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك حقير و عمرك قصير و خطرك يسير آه آه من بعد السفر و وحشة الطريق و قلة الزاد!قال: فأجهش معاوية و من معه بالبكاء.

و قال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و من حضره، كرم اللّه وجهه، في قصيدة له:

رأوا نعمة للّه ليست عليهم # عليك و فضلا بارعا لا تنازعه

فعضّوا من الغيظ الطويل أكفّهم # عليك و من لم يرض فاللّه خادعه

من الدين و الدنيا جميعا لك المنى # و فوق المنى أخلاقه و طبائعه‏

و روي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا عدي أين الطرفات؟ يعني بنيه طريفا و طارفا و طرفة. قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه. فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك و أخر بنيه!فقال: بل ما أنصفت أنا عليا إذ قتل و بقيت!قال: صف لي عليا. فقال: إن رأيت أن تعفيني. قال: لا أعفيك. قال: كان و اللّه بعيد المدى و شديد القوى، يقول عدلا و يحكم فضلا، تتفجر الحكمة من جوانبه و العلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و وحشته، و كان و اللّه غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا و يقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير و من المعاش الخشن، و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و يدنينا إذا أتيناه، و نحن مع تقريبه لنا و قربه منا لا نكلمه لهيبته و لا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، يتحبب إلى المساكين، لا يخاف القوي ظلمه و لا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة و قد مثل في محرابه و أرخى الليل سرباله و غارت نجومه و دموعه تتحادر على لحيته و هو يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه و هو يقول: يا دنيا

42

أ إلي تعرضت أم إلي أقبلت؟غري غيري، لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير و خطرك يسير، آه من قلة الزاد و بعد السفر و قلة الأنيس!قال: فوكفت عينا معاوية ينشفهما بكمه ثم قال: يرحم اللّه أبا الحسن!كان كذا فكيف صبرك عنه؟قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي ترقأ دمعتها و لا تسكن عبرتها. قال: فكيف ذكرك له؟قال:

و هل يتركني الدهر أن أنساه!و هذا الخبر أتم من خبر ابن عباس، رحمه اللّه.

محاسن من أمسك عن الوقوع في أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم‏

قال: قدم عبد اللّه بن جعفر على عبد الملك بن مروان فقال له يحيى بن الحكم عم عبد الملك بن مروان، قال: ما تقول في علي و عثمان؟قال: أقول ما قال من هو خير مني فيمن هو شر منهما: إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

عصام بن يزيد قال: كنت عند حمزة حتى أتاه رجل فسأله عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهََا مََا كَسَبَتْ وَ لَكُمْ مََا كَسَبْتُمْ وَ لاََ تُسْئَلُونَ عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة: 134].

و روي أنه كتب إسماعيل بن علي إلى الأعمش أن اكتب إلينا بمناقب علي و وجوه الطعن على عثمان، رضي اللّه عنهما، فكتب: لو أن عليا لقي اللّه جل و عز بحسنات أهل الدنيا لم يزد ذلك في حسناتك، و لو لقيه عثمان، رضي اللّه عنه، بسيئات أهل الأرض لم ينقص ذلك من سيئاتك.

و عن عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر قال: كان إياس بن معاوية لي صديقا فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، رضي اللّه عنهما، و عنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضل قوم أبابكر و قوم عمر و آخرون عليا، رضي اللّه عنهم أجمعين، فقال اياس: إن عليا، رحمه اللّه، كان يرى أنه أحق الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر و رأى أنهم قد اجتمعوا عليه و أن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم، ثم ولي عمر، رحمه اللّه، ففعل مثل ذلك به و بعثمان، رضي اللّه عنه، فلما قتل عثمان، رحمه اللّه، و اختلف الناس و فسدت الخاصة و العامة وجد أعوانا فقام بالحق و دعا إليه.

و قيل: إنه حضر مجلس عمر بن عبد العزيز، رحمه اللّه، جماعة من أهل العلم فذكروا عليا، رضي اللّه عنه، و عثمان و طلحة و الزبير، رضي اللّه عنهم أجمعين، و ما كان بينهم فأكثروا و عمر ساكت، قال القوم: أ لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟فقال: لا أقول شيئا، تلك دماء طهر اللّه منها كفي فلا أغمس فيها لساني.

43

مساوئ تلك الحروب و من تنقص علي بن أبي طالب رضوان اللّه و رحمته و بركاته عليه‏

أبو نعيم قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم، بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة، رضي اللّه عنها، فقال: «انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي» .

ثم التفت إلى علي، رضوان اللّه عليه، فقال: «انظر يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها» .

و قال الزهري: لما سارت عائشة و معها طلحة و الزبير، رضي اللّه عنهم، في سبع مائة من قريش كانت تنزل كل منزل فتسأل عنه حتى نبحتها كلاب الحوأب فقالت: ردوني، لا حاجة لي في مسيري هذا، فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، نهاني فقال: «كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك تطلبين أمرا أنت عنه بمعزل؟» فقال عبد اللّه بن الزبير: ليس هذا بذلك المكان الذي ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و دار على تلك المياه حتى جمع خمسين شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نهيت عنه، فلما شهدوا قبلت و سارت حتى وافت البصرة، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد و هي تنظر من منظر قذ صير لها في هودجها، فقالت لرجل من ضبة و هو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه؟

قال: ها هو ذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه!قال الضبي:

و من أخوه؟قالت: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: فلا أراني أقاتل رجلا هو أخو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فنبذ خطام راحلتها من يده و مال إليه.

و عن الحسن البصري، رحمه اللّه، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة، رحمها اللّه، يوم الجمل: يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، هذا المسير؟قالت: اللهم لا. قال:

فهل وجدته في شي‏ء من كتاب اللّه جل ذكره؟قالت: ما نقرأ إلا ما تقرءون. قال: فهل رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، استعان بشي‏ء من نسائه إذا كان في قلة و المشركون في كثرة؟قالت: اللهم لا.

قال الأحنف: فإذا ما هو ذنبنا؟.

قال: و قال الحسن البصري: تقلدت سيفي و ذهبت لأنصر أم المؤمنين فلقيني الأحنف فقال: إلى أين تريد؟فقلت: أنصر أم المؤمنين. فقال: و اللّه ما قاتلت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين؟قال: فرجعت إلى منزلي و وضعت سيفي.

44

مساوئ من عادى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و لما فرغ أمير المؤمنين، عليه السلام، من قتال أهل الجمل دخل عليه عبد اللّه بن الكواء و قيس بن عبادة السكري فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أ رأيا رأيته حين تفرقت الأمة و اختلفت الدعوة، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، و إن كان عهدا عهده إليك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأنت الموثوق به المأمون فيما حدثت عنه. فقال: و اللّه لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه، أما أن يكون عندي عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فيه فلا و اللّه لو كان عندي ما تركت أخا تيم و عدي على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لكن نبينا، عليه السلام، لم يقتل قتلا و لم يمت فجاءة، و لكنه مرض ليالي و أياما فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول: ائت أبا بكر و هو يرى مكاني، فلما قبض صلى اللّه عليه و سلم، نظرنا في الأمر فإذا الصلاة علم الإسلام و قوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، لديننا، فولينا أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة و الدين جامع، أو قال: الأمر جامع لا يختلف عليه منا اثنان و لا يشهد منا أحد على أحد بالشرك، و كنت آخذ إذا أعطاني و أغزو إذا أغزاني و أضرب الحدود بين يديه بسيفي و سوطي على كراهة منه لها، و ود أبو بكر لو أن واحدا منا يكفيه، فلما حضرت أبا بكر، رحمه اللّه، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و سابقتي و فضلي، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني عليها، و لو كان اثرة لآثر بها ولده، فولى عمر على كراهة كثير من أصحابه، فكنت فيمن رضي لا فيمن كره، فو اللّه ما خرج عمر، رحمه اللّه، من الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام عمر، رحمه اللّه، بين أظهرنا الكلمة واحدة و الأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان، فكنت آخذ إذا أعطاني و أغزو إذا أغزاني و أضرب الحدود بين يديه بسوطي و سيفي، أتبع أثره اتباع الفصيل أمه لا يعدل عن سبيل صاحبيه و لا يحيد عن سنتهما، فلما حضرت عمر، رضي اللّه عنه، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي و سابقتي و فضلي، فظن عمر أنه إن استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في قبره فأخرج منها ولده و أهل بيته و جعلها شورى في ستة رهط، منهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لكم أن أدع لكم نصيبي على أن أختار للّه و لرسوله؟قلنا: نعم. فأخذ ميثاقنا على أن نسمع و نطيع لمن ولاه، و أخذنا ميثاقه على أن من يختار للّه و لرسوله، فوقع اختياره على عثمان، رضي اللّه عنه، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي و إذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فاتبعت عثمان و أديت إليه حقه على أثرة منه و تقصير عن سنة صاحبيه، فلما قتل عثمان، رضي اللّه عنه، نظرت فكنت أحق بها من جميع الناس. فقالا: صدقت و بررت، فأخبرنا عن طلحة و الزبير بما استحللت قتالهما و قد شركاك في الهجرة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و في الشورى‏

45

من عمر، رحمهم اللّه. فقال: قد شركاني في الهجرة و في الشورى و لكنهما بايعاني بالحجاز و خلعاني بالعراق و لو فعلا ذلك بأبي بكر و عمر لقاتلاهما. فقالا صدقت و بررت و أنت أمير المؤمنين.

قال: و لما كان حرب صفين كتب أمير المؤمنين، رضوان اللّه عليه، إلى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يقتل الناس بيننا؟ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني و إن قتلتك استرحت منك.

فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فابرز إليه. قال: كلا يا عمرو، أردت أن أبرز له فيقتلني و تثب على الخلافة بعدي!قد علمت قريش أن ابن أبي طالب سيدها و أسدها. ثم أنشأ يقول:

يا عمرو قد أسررت تهمة غادر # برضاك لي تحت العجاج برازي

ما للملوك و للبراز و إنّها # حتف المبارز خطفة من بازي

إنّ التي منّتك نفسك خاليا # قتلي جزاك بما نويت الجازي

فلقد كشفت قناعها مذمومة # و لقد لبست لها ثياب الخازي‏

فأجابه عمرو بن العاص:

معاوي إنّني لم أجن ذنبا # و ما أنا بالّذي يدعى بخازي

فما ذنبي بأن نادى عليّ # و كبش القوم يدعى للبراز

فلو بارزته للقيت قرنا # حديد النّاب شهما ذا اعتزاز

أجبنا في العشيرة يا ابن هند # و عند الباه كالتّيس الحجازي‏

ثم كتب معاوية إلى علي، رحمه اللّه: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض و إن كنا غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرم به ما مضى و نصلح ما بقي، و قد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك عليّ و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس و أنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوا و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف، و قد و اللّه رقت الأجناد و ذهبت الرجال، و نحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على أحد فضل نستذل به عبدا أو نسترق به حرا.

فأجبه علي: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد جاءني كتابك و تذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و أنا و إياك نلتمس غاية لم نبلغها بعد، فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك عنه أمس، و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، و أما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك‏

46

نحن و ليس أمية كهاشم و لا حرب كعبد المطلب و لا أبو سفيان كأبي طالب و لا الطليق كالمهاجر و لا المحق كالمبطل، في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز و نفينا بها الخزي.

عن الشعبي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية و عنده ناس فلما رآه مقبلا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنك و أدام سرورك و أقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك!فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك و أبديت عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال، أما و اللّه لقد واقفته هاشميا منافيا و لو شاء أن يقتلك لقتلك! فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما و اللّه لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذالك‏ (1) و أيتم عيالك و أنهب مالك و عزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك و أزبد شدقاك و تنشر منخراك و عرق جبينك و بدا من أسفلك ما أكره ذكره.

فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.

قال: و ذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، قال: زعم ابن النابغة أني تلعابة (2) تمزاحة (3) ذو دعابة، أعافس‏ (4) و أمارس، لا رأي لي في الحروب، هيهات يمنع من العفاس و المراس ذكر الموت و البعث، فمن كان له قلب ففي هذا عن هذا واعظ، أما و شر القول الكذب إنه ليحدث فيكذب و يعد فيخلف، فإذا كان البأس فأعظم مكيدته أن يمنح القوم استه.

قال: و قال عمرو بن العاص لابنه عبد اللّه يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب، رضي اللّه؟قال عبد اللّه: فنظرت فرأيته فقلت: يا أبت ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض و قلنسوة بيضاء. قال: فاسترجع، و قال: و اللّه ما هذا بيوم ذات السلاسل و لا بيوم اليرموك و لا يوم اجنادين، وددت أن بيني و بين موقفي بعد المشرقين. فنزل سعد بن أبي وقاص و عبد اللّه بن عمرو قالا: و اللّه لئن كان صوابا إنه لعظيم مشكور، و لئن كان خطأ إنه لصغير مغفور. فقلت له: يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا؟فو اللّه ما يحول بينك و بين ذلك أحد!فقال: إن يرجع الشيخ و لم يعذر إذ نزل القوم بضنك فانظر، ثم تأمل بعد هذا أو ذر.

____________

(1) قذالك: القذال جماع مؤخر الرأس من الإنسان.

(2) تلعابة: مأخوذة من اللعب أي كثير اللعب.

(3) تمزاحة: مأخوذة من المزاح أي كثير المزاح.

(4) أعافس: من العفس و هو الكد و الإتعاب.

47

و قال بعض الشعراء في معاوية و محاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

قد سرت سير كليب في عشيرته # لو كان فيهم غلام مثل جسّاس

الطّاعن الطّعنة النّجلاء عاندها # كطرّة البرد أعيا فتقها الآسي‏

عبد اللّه بن السائب قال: جمع زياد أهل الكوفة يحرضهم على البراءة من علي، كرم اللّه وجهه، فملأ منهم المسجد و الرحبة، قال: فغوت غفوة فإذا أنا بشي‏ء له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت له: من أنت؟فقال: أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب القصر.

فانتبهت فزعا، فما كان بأسرع إذ خرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير في شغل عنكم اليوم، فإذا هو قد فلج، فقال عبد اللّه في ذلك:

ما كان منتهيا عمّا أراد بنا # حتى تأتّى له النّقّاد ذو الرّقبه

فأسقط الشّقّ منه ضربة ثبتت # لما تناول ظلما صاحب الرّحبه‏

أراد أنه قتل في رحبة المسجد.

الأصمعي قال: سمع عامر بن عبد اللّه بن الزبير ابنه ينال من علي، رضي اللّه عنه، فقال: يا بني إياك ذكر علي، رضي اللّه عنه، فإن بني أمية تنقصته ستين عاما فما زاده اللّه بذلك إلا رفعة.

قال: و قال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف: جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين، عليه السلام، نزع اللّه ملكهم.

محاسن الحسن و الحسين ابني علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم‏

روي عن أنس بن مالك أنه قال: لم يكن في أهل بيت النبي صلى اللّه عليه و سلم، أحد أشبه به من الحسن، عليه السلام، و كان قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ابني هذا سيد لعل اللّه جل و عز أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (1) . و كان بينه و بين أخيه الحسين، عليه السلام، طهر واحد، و كان أسخى أهل زمانه.

و ذكروا أنه أتاه رجل في حاجة فقال: اذهب فاكتب حاجتك في رقة و ارفعها إلينا نقضها

____________

(1) حديث «ابني هذا سيد... » . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل أصحاب النبي باب 22، رقم الحديث (3746) ص 260، ج 4.

غ

48

لك. قال: فرفع إليه حاجته، فأضعفها له، فقال بعض جلسائه: ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول اللّه. فقال: بركتها علينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلا، أ ما علمت أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة؟فأما من أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه، و عسى أن يكون بات ليلته متململا أرقا يميل بين اليأس و الرجاء لا يعلم لما يتوجه من حاجته أ بكآبة الرد أم بسرور النجاح فيأتيك و فرائصه ترعد و قلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذل لك من وجهه فإن ذلك أعظم مما نال من معروفك.

قيل: و كان لرجل على ابن أبي عتيق مال فتقاضاه فقال له: ائتني العشية في مجلس الولاية فسلني عن بيت قريش. فوافاه الغريم في ذلك المجلس، فقال له: إنا تلاحينا في بيت قريش و رضينا بك حكما، فقال: آل حرب، قال: ثم من؟قال: آل أبي العاص، و الحسن بن علي، رضي اللّه عنه، حاضر، فشق ذلك عليه، فقال الرجل: فأين بنو عبد المطلب؟قال: لم أكن أظن أن تسألني عن غير بيت الآدميين فأما إذا صرت تسألني عن بيت الملائكة و عن رسول اللّه رب العالمين و سيد كل شهيد و الطيار مع الملائكة فمن يساوي هؤلاء فخرا إلا و هو منقطع دونهم. قال: فانجلى عن الحسن، عليه السلام، ثم قال: إني لأحسب أن لك حاجة.

قال نعم يا ابن رسول اللّه، هذا علي كذا و كذا، فاحتملها عنه و وصله بمثلها، قال: و أتاه رجل آخر فقال: يا ابن رسول اللّه إني عصيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: بئس ما صنعت، فما ذا عصيته؟ قال: قال صلى اللّه عليه و سلم: «شاوروهن و خالفوهن» (1) ، و إني أطعت صاحبتي فاشتريت غلاما فأبق. قال له: اختر واحدة من ثلاث، إن شئت ثمن الغلام. قال: بأبي أنت و أمي قف على هذه و لا تجاوزها!قال: اعرض عليك الثلاث!فقال: حسبي هذه، فأمر له بثمن الغلام.

و ذكروا أن رجلين أحدهما من بني هاشم و الآخر من بني أمية قال هذا: قومي أسمح، و قال هذا: قومي أسمح، قال: فسل أنت عشرة من قومك و أنا أسأل عشرة من قومي. فانطلق صاحب بني أمية فسأل عشرة فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، و انطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي، رضي اللّه عنه، فأمر له بمائة و خمسين ألف درهم، ثم أتى الحسين، عليه السلام، فقال: «هل بدأت بأحد قبلي؟» قال: بدأت بالحسن، قال: «ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئا، فأعطاه مائة و خمسين ألفا من الدراهم، فجاء صاحب بني أمية فحمل مائة ألف درهم من عشرة أنفس، و جاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسين، فغضب صاحب بني أمية فردها عليهم فقبلوها، و جاء صاحب بني هاشم فردها عليهما فأبيا أن يقبلاها و قالا: «ما كنا نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق» ، و كان

____________

(1) ذكره الفتني في كتاب تذكرة الموضوعات حديث 128 و ذكره في تنزيه الشريعة (2/4) .

49

الحسن بن علي رضوان اللّه عليهما، أشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من صدره إلى قدمه، و كان أيضا أحد الأجواد، دخل على أسامة بن زيد و هو يجود بنفسه و يقول: وا كرباه وا حزناه!فقال: «و ما الذي أحزنك يا عم؟» قال: يا ابن رسول اللّه ستون ألف درهم دين علي لا أجد لها قضاء.

قال: «هي علي» . قال: فك اللّه رهائنك يا ابن النبي صلى اللّه عليه و سلم، اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته.

مساوئ قتلة الحسين بن علي رضوان اللّه عليهما

حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي معشر قال:

لما مات معاوية بن أبي سفيان و ذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد خبره على أهل المدينة في أول شعبان و كان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان غلاما حدثا يتحرج، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل إلى مروان بن الحكم، و هو الذي صرف به مروان عن المدينة و كان في مروان حدة، فقال له الوليد: يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شي‏ء لم نكن نستغني معه عن استشارتك. قال: و ما هو؟قال: موت أمير المؤمنين. قال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، مات، رحمه اللّه!قال: نعم. قال: أ تطيع أمري؟قال: نعم. قال: أرسل إلى الحسين بن علي و إلى عبد اللّه بن الزبير فإن بايعا فخل سبيلهما و إن أبيا فاضرب أعناقهما، فأرسل إلى الحسين، رضوان اللّه عليه، و إلى عبد اللّه بن الزبير، رحمه اللّه، و بدأ بالحسين، عليه السلام، فمر الحسين في المسجد فأشار إليه ابن الزبير و هو قائم يصلي، فأتاه فقال للحرسي: تأخر أيها العبد. فتأخر الحرسي. فقال له: يا أبا عبد اللّه أ تدري لأي شي‏ء دعيت؟ قال: لا. قال: مات طاغيتهم فدعوك للبيعة فلا تبايع و قل له بالغداة على رءوس الملأ. قال:

فدخل الحسين، عليه السلام، فقال له الوليد: يا أبا عبد اللّه دعوناك لخير. قال: أي شي‏ء هو؟ قال: مات أمير المؤمنين و قد عرفتهم ولي عهدكم و مفزعكم و قد بايع أهل الشام و الناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء اللّه. قال: لا بل الساعة. قال: و مثلي يبايع في جوف البيت!بالغداة أبايعك على رءوس الناس. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. و خرج من عنده. فأرسل إلى ابن الزبير فقال: يا أبا بكر دعوناك لخير. قال: و ما هو؟ قال: مات أمير المؤمنين. فقال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، رحمة اللّه عليه!قال: فيجعل يردد الترحم عليه و قد نظر ابن الزبير قبل ذلك إلى مروان و هو يناجي الوليد فتلا هذه الآية: فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1]، فقال: يا أبا بكر قد عرفتهم ولي عهدكم و مفزعكم و قد بايع أهل الشام و الناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال:

نعم بالغداة إن شاء اللّه. قال: لا بل الساعة قال: و مثلي يبايع في جوف البيت!أبايعك على‏

50

رءوس الملإ. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. فقال مروان للوليد: ما تصنع؟أطعني و اضرب أعناقهما، لئن خرجا من البيت لا تراهما أبدا إلا في شر. و كان الوليد متحرجا، فقال: ما كنت لأقتلهما. فقال ابن الزبير لمروان: يا ابن الزرقاء أو تقدر على قتلنا؟فقال مروان: إنه و اللّه لو أطاعني ما خرجت و لا صاحبك من البيت حتى تضرب أعناقكما.

قال: فدعا الحسين، عليه السلام، برواحة فركب يتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر و ركب ابن الزبير، رحمه اللّه، دواب له و اخذ طريق الفرع فأتى الحسين، عليه السلام، عبد اللّه بن مطيع و هو على بئره فنزل إليه و قال: يا أبا عبد اللّه أين تريد؟قال: العراق، مات معاوية و جاءني أكثر من حمل صحف قال: لا تفعل فو اللّه ما حفظوا أباك و كان خيرا منك، و و اللّه لئن قتلوك لا تبقى حرمة بعدك إلا استحلت.

فمر الحسين، عليه السلام، حتى نزل مكة فأقام بها هو و ابن الزبير، رحمه اللّه، و قدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة و على الموسم و عزل الوليد بن عتبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي: ما جاءنا و اللّه بالدم. قال: فتلقاه رجل بعمامته فقال: ما عم الناس و اللّه. ثم قام و خطب، فناولوه عصا لها شعبتان فقال: تشعب الناس و اللّه، ثم خرج إلى مكة فقدمها قبل التروية بيوم، و خرج الحسين، عليه السلام، فقيل له: خرج الحسين. فقال: اركبوا كل بعير و فرس بين السماء و الأرض في طلبه فاطلبوه.

قال: فكان الناس يتعجبون من قوله هذا، فطلبوه لم يدركوه، فأرسل عبد اللّه بن جعفر ابنيه عونا و محمدا ليردا الحسين، فأبى الحسين أن يرجع و خرج بابني عبد اللّه معه، و رجع عمرو بن سعيد إلى المدينة و بعث بجيش يقاتلون ابن الزبير، و قدّم الحسين، عليه السلام، مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة، و كان على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، فلما بلغه خبر الحسين، عليه السلام، قال: لابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أحب إلينا من ابن بنت بحدل. فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام: أشيروا علي من استعمل على الكوفة؟فقالوا: أ ترضى برأي معاوية؟قال: نعم. قالوا:

فإن العهد بإمارة عبيد اللّه بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان، فاستعمله على الكوفة.

فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، عليه السلام، و قد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال من أهل الكوفة، فخرجوا معه يريدون عبيد اللّه بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسل منهم حتى بقي في شرذمة قليلة و جعل الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي و كان له فيهم رأي، فقال له هانئ: إن لي من ابن زياد مكانا و سوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه. فقيل لابن زياد هانئ بن‏

51

عروة شاك يقي‏ء الدم، و كان شرب المغرة فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، و قال هانئ لمسلم: إذا قلت اسقوني و لو كانت فيه نفسي فاضرب عنقه. فقال: اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني و لو كانت فيه نفسي!قال: فخرج ابن زياد و لم يصنع الآخر شيئا، و كان أشجع الناس و لكن أخذته كبوة. فقيل لابن زياد: و اللّه إن في البيت رجلا متسلحا، فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه، فقال: إني شاك. فقال: ائتوني به و إن كان شاكيا. قال:

فأسرجت له دابة فركب و كانت معه عصا و كان أعرج فجعل يسير قليلا قليلا ثم يقف و يقول:

ما لي و لابن زياد!فما زال حتى دخل عليه. فقال: يا هانئ ما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى. قال: فيدي؟قال: بلى. فتناول العصا التي كانت في يد هانئ فضرب بها وجهه حتى كسر جبهته ثم قدمه فضرب عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه فما زال يناوشهم و يقاتلهم حتى جرح و أسر فعطش و قال: اسقوني ماء، و معه رجل من آل أبي معط و رجل من بني سليم. فقال شمر بن ذي جوشن: و اللّه لا نسقيك إلا من البئر. و قال المعطي: و اللّه لا نسقيه إلا من الفرات. فأتاه غلام له بإبريق من ماء و قدح قوارير و منديل فسقاه، فتمضمض فخرج الدم فما زال يمج الدم و لا يسيغ شيئا حتى قال: أخره عني، فلما أصبح دعاه عبيد اللّه ليضرب عنقه، فقال له: دعني أوصي. فقال: أوص فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هاهنا أحدا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك قال: فدنا منه. فقال له: هل لك في أن تكون سيد قريش؟قال: نعم. قال: إن حسينا و من معه و هم تسعون إنسانا بين رجل و امرأة في الطريق فارددهم و اكتب إليه بما أصابني ثم أمر عبيد اللّه فضرب عنقه.

فقال عمر: أ تدري ما قال؟قال: اكتم على ابن عمك!قال: هو أعظم من ذاك. قال:

أكتم على ابن عمك!قال هو أعظم من ذاك. قال: أي شي‏ء هو قال: أخبرني أن حسينا قد أقبل و معه تسعون إنسانا بين رجل و امرأة. فقال: أما و اللّه لو إلي أسر لرددتهم!لا و اللّه لا يقاتلهم أحد غيرك. فبعث معه جيشا، و جاء الحسين، عليه السلام، الخبر و هو بشراف‏ (1) فهم أن يرجع و معه خمسة من بني عقيل فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فقال بنو عقيل:

أ ترجع و قد قتل أخونا؟فقال الحسين، عليه السلام: ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. فأصاب أصحابه العطش فقالوا: يا ابن رسول اللّه اسقنا!فأخرج لكل فرس صحفة من ماء فسقاهم بقدر ما يمسك رمق أحدهم، ثم قالوا: سر بنا، و أخذوا به على الجرف حتى نزلوا كربلاء، فقال: هذا كرب و بلاء. فنزلوا و بينهم و بين الماء يسير، قال: فأراد الحسين، عليه

____________

(1) شراف بين واقصة و القرعاء على ثمانية أميال من الأحساء من مدن الشام.

52

السلام، و أصحابه الماء فحالوا بينهم و بينه. فقال له شمر بن ذي جوشن: لا تشربون أبدا حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي للحسين، عليه السلام: يا أبا عبد اللّه ألسنا على الحق؟قال: نعم. فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا و أسقوا، ثم بعث عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد أن قاتلهم. فقال الحسين، عليه السلام: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث:

تتركني أرجع كما جئت، و إن أبيت هذه فسيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، و إن أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع يدي في يده، و أرسل إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي جوشن: قد أمكنك اللّه منه، أو قال: من عدوك، و تسيره إلى الأمان إلا أن ينزل على حكمك!فأرسل إليه بذلك، فقال: لا حبا و لا كرامة انزل على حكم ابن سمية.

و كان مع عمر بن سعد قريب من ثلاثين رجلا من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن ابنة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئا!فتحولوا مع الحسين، عليه السلام، فقاتلوا حتى قتلوا و قتل الحسين، رضي اللّه عنه، و جميع من معه، رحمهم اللّه، و حمل رأسه إلى عبيد اللّه بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله و جعله في حريرة و ضرب عليه خيمة و وكل به خمسين رجلا.

فقال واحد منهم: نمت و أنا مفكر في يزيد و قتله الحسين، عليه السلام فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين و سمعت صهيل الخيل و مناديا ينادي: يا أحمد اهبط، فهبط رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و معه جماعة من الأنبياء و الملائكة فدخل الخيمة و أخذ الرأس فجعل يقبله و يبكي و يضمه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه فقال: انظروا إلى ما كان من أمتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي و لم يعرفوا حقي؟لا أنالهم اللّه شفاعتي!قال: و إذا بعدة من الملائكة يقولون: يا محمد اللّه تبارك و تعالى يقرئك السلام و قد أمرنا بأن نسمع لك و نطيع فمرنا أن نقلب البلاد عليهم فقال صلى اللّه عليه و سلم: «خلوا عن أمتي فإن لهم بلغة و أمدا. قالوا: يا محمد إن اللّه جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر!فقال: دونكم و ما أمرتم به قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري فإني صحت: يا محمد!فقال: و أنت مستيقظ؟قلت: نعم. قال: خلوا عنه يعيش فقيرا و يموت مذموما، فلما أصبحت دخلت على يزيد و هو منكسر مهموم فحدثته بما رأيت فقال: امض على وجهك و تب إلى ربك.

أبو عبد اللّه غلام الخليل، رحمه اللّه، قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلينا العتمة (1) و جعلنا نتذاكر قتل الحسين، عليه السلام، فقال رجل من القوم: ما

____________

(1) صلاة العشاء.