لواعج الاشجان في مقتل الحسين عليه السلام

- السيد محسن الأمين المزيد...
195 /
5

مقدمة الناشر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الإمام الأكبر، المجتهد المجدّد، العلاّمة البارع، المدقّق المحقق آية اللّه العظمى، كلها ألقاب لم تفسر السيد محسن الأمين العاملي، لقد كان من الألقاب أكبر و على الغيظ أعظم و أصبر، على هذا استظلت العتمة السوداء تحت سماء جبل عامل و النجف و الشام و مصر و فلسطين و غيرهم. لقد كان السيد تاريخا ليس بحجم الجغرافيا و كان محيطا زخارا و منه البحار تغترف، كان و كان... كان الاسلام في عصره فما بالغنا بالصفات.

و كتابه هذا (رض) : لواعج الأشجان من أهمّ ما صنّف عن واقعة الطفّ و جهاد و استشهاد الامام الحسين عليه السّلام حيث جاء الكتاب متناسقا في التسلسل التاريخي محقق الروايات و الأحاديث منزها من الشوائب و الأغراض النفسية و المذهبية. و نحن إذ نضع هذا الكتاب بين يدي القارى‏ء الكريم نتوجه بعظيم الشكر للأستاذ الكبير السيد حسن‏

6

الأمين نجل المؤلف لما بذله من جهد في تحقيق و إعادة إعداد هذا الكتاب حتى خرج بهذه الصورة و اللّه من وراء القصد و هو وليّ التوفيق محمد حسين بزي‏

7

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

فاتحة الكتاب‏

الحمد للّه الذي جعل أعظم الناس بلاء الأنبياء و أوصياءهم، ثم الأمثل فالأمثل من سائر طبقات الورى، نحمده تعالى على ما بلى و أبلى و أخذ و أعطى، و الصلاة و السلام على رسوله محمد و آله حجج اللّه على أهل الدنيا، الذين امتحنوا بأعظم المصائب فصبروا على ما قدّر اللّه و قضى، و بذلوا أنفسهم في سبيل اللّه و إحياء دينه بذل الأسخياء فرفعهم اللّه بذلك الى الدرجات العلى، و ضاعف الأجر لمن ذكر أو ذكر عنده مصابهم فبكى أو تباكى أو أبكى.

و بعد فيقول العبد الجاني المتمسك بالعروة الوثقى من ولاء أهل بيت النبي المجتبى صلى اللّه عليه و عليهم ما أظلم ليل فدجى، و طلع فجر فأضاء: إني جامع في هذا الكتاب المسمّى (بلواعج الأشجان) خبر مقتل الإمام أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام سيد الشهداء، و خامس أصحاب العبا، و أحد ريحانتي الرسول المصطفى، و شبلي الإمام المرتضى، و قرتي عين البتول الزهراء، و ما يرتبط بذلك من أمور شتى، على وجه لا يخل إيجازه‏

8

عند ذوي النهى، و لا يمل أطنابه من استمع أو تلى، قضاء الحق المودة في القربى، و تعرضا لمثوبته تعالى في الدار الأخرى، و شفاعة رسوله و أوليائه في يوم الجزاء، آخذا ذلك من الكتب الموثوق بها و الروايات المعتمد عليها بين العلماء، و رتبته على مقدمة و ثلاثة مقاصد و خاتمة سائلا منه جلّ و علا أن يجعله خالصا لوجهه و ينفع به طول المدى، و منه تعالى نستمد التوفيق و الهداية و العصمة و هو حسبنا و كفى.

9

من فضائل الحسين عليه السّلام‏

ولد الحسين عليه السّلام بالمدينة في شعبان يوم الثالث منه، و قيل لخمس خلون منه سنة ثلاث، و قيل أربع من الهجرة، و قيل في أواخر شهر ربيع الأول، و قيل لثلاث أو خمس خلون من جمادى الأولى.

و لما ولد جي‏ء به إلى جدّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فاستبشر به و أذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى و حنكه بريقه و تفل في فمه فلما كان اليوم السابع سماه حسينا و عق عنه بكبش و أمر أمّه أن تحلق رأسه و تتصدق بوزن شعره فضة كما فعلت بأخيه الحسن فامتثلت ما أمرها به و قال ابن عباس: كان رسول اللّه عليه السّلام يحبه و يحمله على كتفه و يقبل شفتيه و ثناياه.

قالت أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب رأيت فيما يرى النائم كأن عضوا من أعضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم سقط في بيتي و في رواية في حجري، فقلت: يا رسول اللّه رأيت حلما منكرا، قال: و ما هو؟قلت:

انه شديد، قال: و ما هو؟فقصصته عليه فقال: خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فترضعينه، فولدت فاطمة الحسين عليه السّلام فكفلته أم الفضل، قالت: فأتيت به يوما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فبينا هو يقبله إذ بال على ثوبه فقرصته قرصة

10

بكى منها، فقال كالمغضب: مهلا يا أم الفضل آذيتني و أبكيت إبني فهذا ثوبي يغسل.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: حسين مني و أنا من حسين أحب اللّه من أحب حسينا و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين عليه السّلام. و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم في الحسن و الحسين عليهما السّلام: هما ريحانتاي من الدنيا. و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم فيهما هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم فيهما: الهمّ إني أحبهما فأحبهما.

و كان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يصلي فإذا سجد وثب الحسنان عليهما السّلام على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار اليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره و قال من أحبني فليحب هذين، و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم يصلي فكان إذا سجد جاء الحسين عليه السّلام فركب ظهره فإذا رفع النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه فإذا سجد عاد على ظهره فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم من صلاته. و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم يجثو للحسنين عليهما السّلام فيركبان على ظهره و يقول نعم الجمل جملكما و نعم العدلان أنتما و حملهما صلى اللّه عليه و آله و سلم مرة على عاتقه فقال رجل: نعم الفرس لكما، فقال صلى اللّه عليه و آله و سلم: و نعم الفارسان هما.

و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم يخطب على المنبر فجاء الحسنان عليه السّلام و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران فنزل صلى اللّه عليه و آله و سلم من المنبر فحملهما و وضعهما بين يديه ثم قال: إنما أموالكم و أولادكم فتنة. و كان يخطب على المنبر إذ خرج الحسين عليه السّلام فوطأ في ثوبه فسقط فبكى فنزل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عن المنبر فضمه إليه و قال: قاتل اللّه الشيطان ان الولد لفتنة و الذي نفسي بيده ما دريت اني نزلت عن منبري. و مرّ صلى اللّه عليه و آله و سلم على بيت فاطمة عليها السّلام فسمع الحسين عليه السّلام يبكي فقال: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: ان‏

11

اللّه تعالى جعل ذرية كل نبي من صلبه خاصة و جعل ذريتي من صلب علي بن أبي طالب، و كانت الزهراء عليها السّلام ترقص الحسن عليه السّلام و تقول:

أشبه أباك يا حسن # و اخلع عن الحق الرسن‏

و اعبد آلها ذا منن # و لا توال ذا الأحن‏

و قالت للحسين عليه السّلام:

أنت شبيه بأبي # لست شبيها بعلي‏

و حج الحسنان عليهما السّلام ماشيين فلم يمرا برجل راكب الاّ نزل يمشي.

فقال بعضهم لسعد: قد ثقل علينا المشي و لا نستحسن أن نركب و هذان السيدان يمشيان، فرغب إليهما سعد في أن يركبا فقال الحسن عليه السّلام لا نركب قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت اللّه الحرام على أقدامنا و لكننا نتنكب عن الطريق، فأخذا جانبا من الناس، و حج الحسين عليه السّلام خمسا و عشرين حجة ماشيا و أن النجائب لتقاد معه. و أقام بعد وفاة أخيه الحسن عليهما السّلام يحج في كل عام من المدينة إلى مكة ماشيا و أجلس النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم الحسن عليه السّلام على فخذه اليمنى و الحسين على فخذه اليسرى و أجلس عليا و فاطمة عليهما السّلام بين يديه ثم لفّ عليهما كساءه أو ثوبه، ثم قرأ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) ثم قال: هؤلاء أهل بيتي حقا.

و كان إبن عباس مع علمه و جلالة قدره يمسك بركاب الحسنين عليهما السّلام حتى يركبا و يقول: هما إبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام أنا سلم لمن سالمتم و حرب لمن حاربتم، و نظر صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى الحسن و الحسين عليهما السّلام

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية: 33.

12

فقال: من أحب هذين و آباهما و أمهما كانا معي في درجتي يوم القيامة.

و ما عسى أن يقول القائل فيمن جدّه محمد المصطفى، و أبوه عليّ المرتضى، و أمه فاطمة الزهراء، و جدته خديجة الكبرى، و أخوه الحسن المجتبى، و عمه جعفر الطيار مع ملائكة السماء، و البيت من هاشم أهل المكارم و العلى مع ما له في نفسه من الفضائل التي لا تحصى.

أتاه المجد من هنّا و هنّا # و كان له بمجتمع السيول‏

دخل الحسين عليه السّلام على أسامة بن زيد و هو مريض و هو يقول:

وا غماه، فقال له الحسين عليه السّلام: و ما غمك يا أخي؟قال: ديني و هو ستون ألف درهم، فقال الحسين عليه السّلام: هو علي، قال: اني أخشى أن أموت، فقال الحسين عليه السّلام: لن تموت حتى أقضيها عنك فقضاها قبل موته، و كان عليه السّلام يقول: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء و القسوة على الضعفاء و البخل عن الاعطاء.

و لما أخرج مروان الفرزدق من المدينة أتى الفرزدق الحسين عليه السّلام فأعطاه الحسين عليه السّلام أربعمائة دينار، فقيل له انه شاعر فاسق، فقال عليه السّلام: إن خير مالك ما وقيت به عرضك و قد أثاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم كعب بن زهير و قال في العباس بن مرداس اقطعوا لسانه عني و وفد أعرابي إلى المدينة فسأل عن إكرام الناس بها فدل على الحسين عليه السّلام فدخل المسجد فوجده مصليا فوقف بإزائه و أنشأ يقول:

لم يخب الآن من رجاك و من # حرك من دون بابك الحلقة

أنت جواد و أنت معتمد # أبوك قد كان قاتل الفسقة

لو لا الذي كان من أوائلكم # كانت علينا الجحيم منطبقة

فسلّم الحسين عليه السّلام و قال: يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شي‏ء؟

13

قال: نعم أربعة آلاف دينار، فقال: هاتها قد جاء من هو أحق بها منا، ثم نزع بردته و لفّ الدنانير فيها و أخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابي و أنشأ.

خذها فإني إليك معتذر # و أعلم بأني عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغداة عصا (1) # أمست سمانا عليك مندفقة

لكن ريب الزمان ذو غير # و الكفّ مني قليلة النفقة

فأخذها الأعرابي و بكى، فقال لعلّك استقللت ما أعطيناك، قال: لا و لكن كيف يأكل التراب جودك، و بعضهم يروي ذلك عن الحسن عليه السّلام، و وجد على ظهر الحسين عليه السّلام يوم الطف أثر فسألوا زين العابدين عليه السّلام عن ذلك، فقال: هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل و اليتامى و المساكين و علّم عبد الرحمن السلمي ولدا للحسين عليه السّلام الحمد، فلما قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار و ألف حلة و حشا فاه درّا، فقيل له في ذلك فقال: و أين يقع هذا من عطائه يعني تعليمه.

و أنشد الحسين عليه السّلام:

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها # على الناس طرا قبل أن تتفلت‏

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت # و لا البخل يبقيها إذا ما توّلت.

و مرّ عليه السّلام بمساكين و هم يأكلون كسرا على كساء فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم و قال: لو لا أنه صدقة لأكلت معكم، ثم قال:

قوموا إلى منزلي فأطعمهم و كساهم و أمر لهم بدراهم. و دخلت على الحسن عليه السّلام جارية فحيّته بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرة لوجه اللّه

____________

(1) في البحار: لعل العصا كناية عن الامارة و الحكم، اي لو كان في سيرنا هذه الغداة ولاية و حكم او قوة، و فيه ان ذكر السير و الغداة حينئذ لا يبقى له مناسبة، و يحتمل ان يراد بالسير واحد السيور التي تعد من الأدم، فانه اذا كان عصا اي كان مشدودا بطرف عصا صار سوطا قابلا للضرب به فيصح ان تكون فيه كناية عن الحكم و القوة (منه) .

14

تعالى، فقيل له: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها، قال: كذا ادّبنا اللّه قال اللّه تعالى: وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا (1) و كان أحسن منها عتقها.

و قال عليه السّلام صاحب الحاجة لم يكرّم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن رده، و جاء أعرابي إلى الحسين بن علي عليهما السّلام فقال: يا ابن رسول اللّه قد ضمنت دية كاملة و عجزت عن ادائها فقلت في نفسي أسأل أكرم الناس و ما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال الحسين عليه السّلام: يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، و ان أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، و ان أجبت عن الكل أعطيتك الكلّ، فقال الأعرابي: يا ابن رسول اللّه أمثلك يسأل مثلي و أنت من أهل العلم و الشرف؟فقال الحسين عليه السّلام: بلى سمعت جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول: المعروف بقدر المعرفة، فقال الأعرابي: سل عما بدا لك فإن أجبت و الا تعلمت منك و لا قوة الاّ باللّه، فقال الحسين عليه السّلام: أي الأعمال أفضل؟فقال الأعرابي: الإيمان باللّه، فقال الحسين عليه السّلام: فما يزين المهلكة؟فقال الأعرابي: الثقة باللّه، فقال الحسين عليه السّلام: فما النجاة من الرجل؟فقال الأعرابي: علم معه حلم، فقال: فإن أخطأه ذلك؟فقال: مال معه مروءة، فقال: فإن أخطأه ذلك؟فقال: فقر معه صبر، فقال الحسين عليه السّلام: فإن أخطأه ذلك؟فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء و تحرقه فانه أهل لذلك، فضحك الحسين عليه السّلام ورمى إليه بصرة فيها ألف دينار و أعطاه خاتمه و فيه فص قيمته مائتا درهم و قال: يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك و اصرف الخاتم في نفقتك، فأخذ الأعرابي ذلك و قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.

____________

(1) سورة النساء، الآية: 86.

15

و قيل للحسين عليه السّلام: ما أعظم خوفك من ربّك؟فقال لا يأمن يوم القيامة الاّ من خاف اللّه في الدنيا. و جنى غلام له جناية توجب العقاب فأمر بضربه، فقال: يا مولاي و الكاظمين الغيظ، قال: خلوا عنه، فقال: يا مولاي و العافين عن الناس، قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي و اللّه يحب المحسنين، قال: أنت حر لوجه اللّه و لك ضعف ما كنت أعطيك.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

من أدب الحسين عليه السّلام‏

خطب الحسين عليه السّلام فقال: أيها الناس نافسوا في المكارم و سارعوا في المغانم، و لا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوه، و اكسبوا الحمد بالنجاح و لا تكسبوا بالمطل ذما فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فاللّه له بمكافأته فأنه أجزل عطاء و أعظم أجرا، و اعلموا أن حوائج الناس اليكم من نعم اللّه عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما، و اعلموا أن المعروف مكسب حمدا و معقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين، و لو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب و تغض دونه الأبصار.

أيها الناس من جاد ساد و من بخل رذل، و ان أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، و أن أعفى الناس من عفا عن قدرة، و أن أوصل الناس من وصل من قطعه، و الأصول على مغارسها بفروعها تسمو فمن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، و من أراد اللّه تبارك و تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافاه بها في وقت حاجته و صرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، و من نفس كربة مؤمن فرج اللّه عنه كرب الدنيا و الآخرة، و من أحسن، أحسن اللّه إليه و اللّه يحب المحسنين.

18

و خطب عليه السّلام أيضا فقال: ان الحلم زينة، و الوفاء مروءة، و الصلة نعمه، و الاستكبار صلف، و العجلة سفه و السفه ضعف، و الغلو ورطة، و مجالسة أهل الدناءة شر، و مجالسة أهل الفسق ريبة. و مما ينسب إلى الحسين عليه السّلام من الشعر قوله:

ذهب الذين أحبهم # و بقيت فيمن لا أحبه‏

فيمن أراه يسبني # ظهر المغيب و لا أسبه‏

يبغي فسادي ما استطا # ع و أمره مما أربه‏ (1)

حنقا يدب إلى الضرا # ء و ذاك مما لا أدبه‏

و يرى ذباب الشر من # حولي يطن و لا يذبه‏

و إذا خبا و غر الصدو # رفلا يزال به يشبه‏

أفلا يعيج بعقله # أفلا يثوب إليه لبه‏

أفلا يرى أن فعله # مما يسور إليه غبه‏

حسبي بربي كافيا # ما اختشي و البغي حسبه‏

و لقلّ من يبغى عليـ # ه فما كفاه اللّه ربه‏

و قوله عليه السّلام:

إذا ما عضك الدهر # فلا تجنح إلى خلق‏

و لا تسأل سوى اللّه # تعالى قاسم الرزق‏

فلو عشت و طوفت # من الغرب إلى الشرق‏

لما صادفت من يقدر # أن يسعد أو يشقي‏

و قوله عليه السّلام:

اللّه يعلم أن ما # بيدي يزيد لغيره‏

____________

(1) رب الأمر و اربه اصلحه (منه) .

غ

19

و بأنه لم يكتسبـ # ه بغيره و بميره‏ (1)

لو أنصف النفس الخؤو # ن لقصرت من سيره‏

و لكان ذلك منه أد # نى شره من خيره‏

____________

(1) يقال غار الرجل أهله غيرا و مارهم ميرا كلاهما من باب سار اذا أتاهم بالميرة بكسر الميم و هي الطعام، فالغير و المير متحدان وزنا و معنى (منه) .

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

المقصد الأول‏

في الأمور المتقدمة على القتال‏

لما مات معاوية (1) و ذلك في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة و تخلف بعده ولده يزيد، كتب يزيد إلى ابن عمه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان واليا على المدينة مع مولى لمعاوية يقال له ابن أبي زريق يأمره بأخذ البيعة على أهلها (2) و خاصة على الحسين عليه السّلام و لا يرخص له في التأخر عن ذلك، و يقول: ان أبى عليك فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه، فأحضر

____________

(1) كان الوالي في ذلك الوقت على المدينة الوليد بن عتبة بن ابي سفيان، و على مكة عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق و هو من بني أمية، و على الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، و على البصرة عبيد اللّه بن زياد (منه) .

(2) كان معاوية حذر يزيد من أربعة الحسين بن علي عليه السّلام و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن ابي بكر و لا سيما من الحسين عليه السّلام و ابن الزبير، اما ابن الزبير فهرب الى مكة على طريق الفرع هو و أخوه جعفر ليس معهما ثالث، و أرسل الوليد خلفه أحد و ثمانين راكبا فلم يدركوه، و خرج بعده الحسين عليه السّلام و كان عبد اللّه بن عمر بمكة، و لما بلغ يزيد ما صنع الوليد عزله عن المدينة و ولاها عمرو بن سعيد الأشدق فقدمها في رمضان (منه) .

22

الوليد: مروان بن الحكم و استشاره في أمر الحسين عليه السّلام فقال انه لا يقبل و لو كنت مكانك لضربت عنقه فقال الوليد ليتني لم أك شيئا مذكورا، ثم بعث إلى الحسين عليه السّلام في الليل فاستدعاه فعرف الحسين عليه السّلام الذي أراد، فدعا بجماعة من أهل بيته و مواليه و كانوا ثلاثين رجلا و أمرهم بحمل السلاح و قال لهم: ان الوليد قد استدعاني في هذا الوقت و لست آمن أن يكلفني فيه أمرا لا أجيبه إليه و هو غير مأمون فكونوا معي، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني، فصار الحسين عليه السّلام إلى الوليد فوجد عنده مروان بن الحكم، فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين عليه السّلام، ثم قرأ عليه كتاب يزيد و ما أمره فيه من أخذ البيعة منه ليزيد، فقال الحسين عليه السّلام: اني أراك لا تقنع بيعتي سرا حتى أبايعه جهرا فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين عليه السّلام: تصبح و ترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد: انصرف على اسم اللّه حتى تأتينا مع جماعة الناس، فقال له مروان و اللّه لئن فارقك الحسين الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم و بينه و لكن احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب الحسين عليه السّلام عند ذلك و قال: ويلي عليك يا ابن الرزقاء (1) أنت تأمر بضرب عنقي، و في رواية أنت تقتلني أم هو كذبت و اللّه و لؤمت، ثم أقبل على الوليد فقال: أيها الأمير انا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة بنا فتح اللّه و بنا ختم و يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق و مثلي لا يبايع مثله، و لكن نصبح و تصبحون و ننظر و تنظرون أينا أحق بالخلافة و البيعة، ثم خرج يتهادى بين مواليه و هو يتمثل بقول يزيد بن المفرغ.

____________

(1) هي جدة مروان و كانت مشهورة بالفجور (منه) .

23

لا ذعرت السوام في غسق‏ (1) الصـ # بح مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم اعطي مخافة الموت‏ (2) ضيما # و المنايا يرصدنني أن أحيدا

حتى أتى منزله، و قيل أنه أنشدهما لما خرج من المسجد الحرام متوجها إلى العراق، و قيل غير ذلك، فقال مروان للوليد: عصيتني لا و اللّه لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا، فقال له الوليد: ويحك انك أشرت علي بذهاب ديني و دنياي و اللّه ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها و أني قتلت حسينا سبحان اللّه أقتل حسينا لما أن قال لا أبايع، و اللّه ما أظن أحدا يلقى اللّه بدم الحسين الا و هو خفيف الميزان لا ينظر اللّه إليه يوم القيامة و لا يزكيه و له عذاب أليم، فقال مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت. يقول هذا و هو غير حامد له على رأيه، فأقام الحسين عليه السّلام في منزله تلك الليلة و هي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين، فلما أصبح خرج من منزله يستمع الأخبار، فلقيه مروان فقال له: يا أبا عبد اللّه اني لك ناصح فاطعني ترشد، فقال الحسين عليه السّلام و ما ذاك قل حتى أسمع، فقال مروان: اني آمرك ببيعة يزيد بن معاوية فإنه خير لك في دينك، و دنياك فقال الحسين عليه السّلام: إنا للّه و إنا إليه راجعون و على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد.

و طال الحديث بينه و بين مروان حتى انصرف مروان و هو غضبان فلما كان آخر نهار السبت بعث الوليد الرجال إلى الحسين عليه السّلام ليحضر فيبايع، فقال لهم الحسين عليه السّلام: أصبحوا ثم ترون و نرى فكفّوا تلك الليلة عنه و لم يلحّوا عليه، فخرج في تلك الليلة و قيل في غداتها و هي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكة (3) .

____________

(1) شفق خ ل، فلق خ ل.

(2) من المهانة خ ل.

(3) قال ابن نما: ان توجهه الى مكة كان لثلاث مضين من شعبان، و ستعرف ان وصوله عليه السّلام الى مكة كان بذلك التاريخ، و لعله وقع اشتباه بينهما كما ان ابن نما-

24

و قال محمد بن أبي طالب خرج الحسين عليه السّلام من منزله ذات ليلة و أقبل إلى قبر جده صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال: السلام عليك يا رسول اللّه أنا الحسين بن فاطمة فرخك و ابن فرختك و سبطك الذي خلقتني في أمتك فاشهد عليهم يا نبي اللّه أنهم قد خذلوني و ضيعوني و لم يحفظوني و هذه شكواي إليك حتى القاك ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا و ساجدا، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضا و صلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد و أنا ابن بنت نبيك و قد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم اني أحب المعروف و انكر المنكر و أنا أسألك يا ذا الجلال و الإكرام بحق القبر و من فيه الا اخترت لي ما هو لك رضا و لرسولك رضا.

و لما عزم الحسين عليه السّلام على الخروج من المدينة مضى في جوف الليل إلى قبر أمه فودّعها ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن عليه السّلام ففعل كذلك و خرج معه بنو أخيه و أخوته و جل أهل بيته إلاّ محمد بن الحنفية فانه لما علم عزمه على الخروج من المدينة لم يدر أين يتوجّه فقال له يا أخي أنت أحب الناس إليّ و أعزهم عليّ و لست و اللّه أدخر النصيحة لأحد من الخلق و ليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي و نفسي و روحي و بصري و كبير أهل بيتي و من وجبت طاعته في عنقي لأن اللّه قد شرفك عليّ و جعلك من سادات أهل الجنة تنحّ ببيعتك عن يزيد و عن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فان بايعك الناس و بايعوا لك حمدت اللّه على ذلك و ان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك و لا عقلك و لا تذهب به مروءتك و لا فضلك اني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك و أخرى عليك فيقتتلون

____________

ق قال: ان وصول كتاب يزيد الى الوليد كان في أول شعبان، و مقتضى ما تقدم ان يكون وصوله في أواخر رجب لثلاث أو أربع بقين منه (منه) .

25

فتكون لأول الأسنة غرضا، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا و أبا و أما أضيعها دما و أذلها أهلا فقال له الحسين عليه السّلام فأين أذهب يا أخي؟قال: تخرج إلى مكة فإن اطمأنت بك الدار بها فذاك و ان تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن فأنهم أنصار جدك و أبيك و هم أرأف الناس و أرقهم قلوبا و أوسع الناس بلادا فأن اطمأنت بك الدار و الا لحقت بالرمال و شعف‏ (1) الجبال و جزت من بلد إلى بلد حتى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس و يحكم اللّه بيننا و بين القوم الفاسقين فانك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا فقال الحسين عليه السّلام: يا أخي و اللّه لو لم يكن في الدنيا ملجا و لا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد بن الحنفية عليه الكلام و بكى فبكى الحسين عليه السّلام معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك اللّه خيرا فقد نصحت و أشفقت و أرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا و أنا عازم على الخروج إلى مكة، تهيأت لذلك أنا و أخوتي و بنو أخي و شيعتي أمرهم أمري و رأيهم رأيي، و أما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم لا تخفي عني شيئا من أمورهم، ثم دعا الحسين عليه السّلام بدواة و بياض و كتب هذه الوصية لأخيه محمد:

بسم اللّه الرحمن الرحيم... هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أن الحسين عليه السّلام يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله جاء بالحق من عند الحق، و أن الجنة حق، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و أني لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما و إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف و أنهي عن المنكر و أسير بسيرة جدي و أبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه

____________

(1) الشعف كغرف و الشعاف جمع شعفة كغرفة رأس الجبل (منه) .

26

أولى بالحق و من رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني و بين القوم بالحق و هو خير الحاكمين، و هذه وصيتي يا أخي إليك و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه أنيب، ثم طوى الكتاب و ختمه بخاتمه ثم دفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه و خرج من المدينة، و أقبلت نساء بني عبد المطلب فاجتمعن للنياحة لما بلغهن أن الحسين عليه السّلام يريد الشخوص من المدينة حتى مشى فيهن الحسين عليه السّلام فقال: أنشدكنّ اللّه أن تبدين هذا الأمر معصية للّه و لرسوله، قالت له نساء بني عبد المطّلب، فلمن نستبقي النياحة و البكاء فهو عندنا كيوم مات فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و علي و فاطمة و الحسن و رقية و زينب و أم كلثوم، جعلنا اللّه فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور.

و خرج عليه السّلام من المدينة في جوف الليل و هو يقرأ: فَخَرَجَ مِنْهََا خََائِفاً يَتَرَقَّبُ قََالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (1) ، و لزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا و اللّه لا أفارقه حتى يقضي اللّه ما هو قاض، فلقيه عبد اللّه بن مطيع فقال له: جعلت فداك اين تريد؟قال: أما الآن فمكة و أما بعد فاني استخير اللّه، قال: خار اللّه لك و جعلنا فداك فاذا اتيت مكة فاياك ان تقرب الكوفة فانها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك و خذل أخوك و اغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم فانت سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا و يتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي و خالي، فو اللّه لئن هلكت لنسترقن بعدك. و كان دخوله عليه السّلام الى مكة يوم (ليلة خ ل) الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فيكون مقامه في الطريق نحوا من خمسة أيام لأنه خرج من المدينة لليلتين بقيتا من رجب كما مر، و دخلها و هو يقرأ: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قََالَ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ (2)

____________

(1) سورة القصص، الآية: 21.

(2) سورة القصص، الآية: 22.

27

فأقام بمكة باقي شعبان و شهر رمضان و شوالا و ذا القعدة و ثماني ليال من ذي الحجة، و أقبل اهل مكة و من كان بها من المعتمرين و أهل الآفاق يختلفون اليه و ابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة و هو قائم يصلي عندها عامة النهار و يطوف و يأتي الحسين عليه السّلام فيمن يأتيه اليومين المتواليين و بين كل يومين مرة و لا يزال يشير عليه بالرأي و هو أثقل خلق اللّه على ابن الزبير لأنه قد علم ان أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين عليه السّلام باقيا في البلد، و ان الحسين عليه السّلام أطوع في الناس منه و أجل. و لما بلغ أهل الكوفة موت معاوية و امتناع الحسين عليه السّلام من البيعة أرجفوا بيزيد و اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلما تكاملوا قام سليمان فيهم خطيبا و قال في آخر خطبته: يا معشر الشيعة انكم قد علمتم بأن معاوية هلك و صار الى ربه و قدم على عمله و قد قعد في موضعه ابنه يزيد، و هذا الحسين بن علي عليهما السّلام قد خالفه و صار الى مكة هاربا من طواغيت آل أبي سفيان، و أنتم شيعته و شيعة أبيه من قبله و قد احتاج الى نصرتكم اليوم، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه و مجاهدوا عدوه فاكتبوا اليه، و ان خفتم الوهن و الفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه، قالوا: بل نقاتل عدوه و نقتل أنفسنا دونه، فارسلوا وفدا من قبلهم و عليهم أبو عبد اللّه الجدلي و كتبوا اليه معهم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم للحسين بن علي عليهما السّلام من سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة (1) و رفاعة بن شداد البجلي و حبيب بن مظاهر و عبد اللّه بن وال و شيعته من المؤمنين و المسلمين سلام عليك، اما بعد فالحمد للّه الذي قصم عدوك و عدو أبيك من قبل الجبار العنيد الغشوم الظلوم، الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها و غصبها فيأها و تآمر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها و استبقى شرارها و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و عتاتها فبعدا

____________

(1) بالنون و الجيم و الباء الموحدة المفتوحات (كامل ابن الأثير) .

28

له كما بعدت ثمود، و انه ليس علينا امام غيرك فاقبل لعل اللّه يجمعنا بك على الحق، و النعمان بن بشير في قصر الأمارة و لسنا نجتمع معه في جمعة و لا نخرج معه الى عيد، و لو قد بلغنا انك أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام، ان شاء اللّه تعالى، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته يا ابن رسول اللّه و على أبيك من قبلك، و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم.

و قيل انهم سرحوا الكتاب مع عبد اللّه بن مسمع الهمداني و عبد اللّه بن وال و أمروهما بالنجاء، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين عليه السّلام بمكة لعشر مضين من شهر رمضان، ثم لبثوا يومين و انفذوا قيس بن مسهر الصيداوي‏ (1) و عبد الرحمن بن عبد اللّه بن شداد الأرحبي و عمارة بن عبد اللّه السلولي الى الحسين عليه السّلام و معهم نحو مائة و خمسين صحيفة من الرجل و الاثنين و الأربعة، و هو مع ذلك يتأنى و لا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب، و تواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب، ثم لبثوا يومين آخرين و سرحوا اليه هاني بن هاني السبيعي‏ (2) و سعيد بن عبد اللّه الحنفي و كانا آخر الرسل و كتبوا اليه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم للحسين بن علي عليهما السّلام من شيعته من المؤمنين و المسلمين، أما بعد فحيهلا (3) فان الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثم العجل العجل و السلام.

ثم كتب معهما أيضا شبث‏ (4) بن ربعي و حجاز بن

____________

(1) احد بني الصيداء قبيلة من بني اسد و اياهم عنى الشاعر بقوله:

يا بني الصيداء ردوا فرسي # انما يفعل هذا بالذليل‏

(منه) .

(2) نسبة الى السبيع بوزن أمير ابو بطن من همدان (منه) .

(3) بمعنى أسرع (منه) .

(4) بفتح الشين المعجمة و الباء الموحدة و آخره ثاء مثلثة (منه) .

29

ابجر (1) و يزيد بن الحارث و يزيد بن رويم و عروة بن قيس و عمرو بن الحجاج الزبيدي و محمد بن عمير التميمي:

أما بعد، فقد اخضر الجناب و ايعنت الثمار فاذا شئت فاقبل على جند لك مجند و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و على أبيك من قبلك.

و في رواية أن أهل الكوفة كتبوا اليه أن لك هنا مائة ألف سيف فلا تتأخر.

و تلاقت الرسل كلها عنده فقال الحسين عليه السّلام لهاني و سعيد: خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي سير إليّ معكما؟فقالا: يا ابن رسول اللّه شبث بن ربعي و حجار بن ابجر و يزيد بن الحارث و يزيد بن رويم و عروة بن قيس و عمرو بن الحجاج‏ (2) و محمد بن عمير بن عطارد، فعندها قام الحسين عليه السّلام فصلّى ركعتين بين الركن و المقام و سأل اللّه الخيرة في ذلك، ثم كتب مع هاني بن هاني و سعيد بن عبد اللّه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين و المسلمين، أما بعد فان هانيا و سعيدا قدما علي بكتبكم و كانا آخر من قدم علي من رسلكم، و قد فهمت كل الذي اقتصصتم و ذكرتم و مقالة جلكم انه ليس علينا امام فاقبل لعل اللّه ان يجمعنا بك على الحق و الهدى، و أنا باعث اليكم أخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي مسلما بن عقيل، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملئكم و ذوي الحجى و الفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم و قرأت في كتبكم فاني أقدم اليكم و شيكا (3) ان شاء اللّه تعالى،

____________

(1) حجار بوزن كتان و ابجر بوزن أحمر (منه) .

(2) كل هؤلاء خرج لقتال الحسين عليه السّلام و هم من أعيان أهل الكوفة و وجوهها (منه) .

(3) أي قريبا (منه) .

30

فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذلك للّه و السلام.

و دعا الحسين عليه السّلام مسلما بن عقيل و قيل انه كتب معه جواب كتبهم فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي و عمارة بن عبد اللّه السلولي و عبد الرحمن بن عبد اللّه الأزدي، و أمره بالتقوى و كتمان أمره و اللطف، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل اليه بذلك، فأقبل مسلم رحمة اللّه حتى أتى الى المدينة فصلى في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و ودع من أحب من أهله، و استأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق و أصابهما عطش شديد فعجزا عن السير، فأومآ له الى سنن الطريق بعد ان لاح لهما ذلك فسلك مسلم ذلك السنن و مات الدليلان عطشا فكتب مسلم الى الحسين عليه السّلام من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر:

أما بعد فاني أقبلت من المدينة مع دليلين فحادا عن الطريق فضلا و اشتد علينا العطش فلم يلبثا ان ماتا، و أقبلنا حتى انتهينا الى الماء فلم ننج الا بحشاشة أنفسنا، و ذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت و قد تطيرت من توجهي هذا، فان رأيت اعفيتني منه و بعثت غيري و السلام.

فكتب اليه الحسين عليه السّلام:

أما بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب الي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له الا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه و السلام.

فلما قرأ مسلم الكتاب قال: أما هذا فلست أتخوفه على نفسي، فاقبل حتى مر بماء لطي‏ء فنزل ثم ارتحل عنه فاذا برجل يرمي الصيد فنظر اليه و قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم: نقتل عدونا ان شاء اللّه، ثم أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن ابي عبيدة الثقفي و قيل في‏

31

غيرها، و أقبلت الشيعة تختلف اليه فكلما اجتمع اليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السّلام و هم يبكون، و بايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا و في رواية اثنا عشر ألفا، فكتب مسلم الى الحسين عليه السّلام كتابا يقول فيه:

أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله و ان جميع أهل الكوفة معك و قد بايعني منهم ثمانية عشر ألفا و في رواية اثنا عشر الفا فعجل الاقبال حين تقرأ كتابي هذا و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، و أرسل الكتاب مع عابس بن شبيب الشاكري و قيس بن مسهر الصيداوي. و عن الشعبي انه بايع الحسين عليه السّلام أربعون ألفا من أهل الكوفة على أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم، و جعلت الشيعة تختلف الى مسلم حتى علم بمكانه، فبلغ النعمان بن بشير ذلك و كان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها و كان من الصحابة من الأنصار و حضر مع معاوية حرب صفين و كان من أتباعه‏ (1) ، فصعد المنبر و خطب الناس و حذرهم الفتنة، فقام اليه عبد اللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال له: انه لا يصلح ما ترى الا الغشم ان هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين، فقال له النعمان:

ان أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية اللّه، ثم نزل فكتب عبد اللّه بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة و مبايعة الناس له و يقول: ان كان لك في الكوفة حاجة فابعث اليها رجلا قويا ينفذ أمرك و يعمل مثل عملك في عدوك، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف. و كتب اليه عمارة بن الوليد بن عقبة و عمر بن سعد بنحو ذلك فدعا يزيد سرحون مولى معاوية و استشاره فيمن يولي على الكوفة، و كان يزيد عاتبا على عبيد اللّه بن زياد و هو يومئذ و ال على

____________

(1) و قتله أهل حمص في فتنة ابن الزبير و كان واليا عليها (منه) .

32

البصرة، و كان معاوية قد كتب لابن زياد عهدا بولاية الكوفة و مات قبل انفاذه، فقال سرحون ليزيد: لو نشر لك معاوية ما كنت آخذا برأيه؟قال:

بلى، قال: هذا عهده لعبيد اللّه على الكوفة، فضم يزيد البصرة و الكوفة الى عبيد اللّه و كتب اليه بعهده و سيره مع مسلم بن عمرو الباهلي، و كتب الى عبيد اللّه معه:

أما بعد فانه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني ان ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه و السلام فخرج مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد اللّه بالبصرة فأمر عبيد اللّه بالجهاز من وقته و التهيؤ و المسير الى الكوفة من الغد.

و كان الحسين عليه السّلام قد كتب الى جماعة من اشراف البصرة كتابا مع ذراع السدوسي و قيل مع مولى للحسين عليه السّلام اسمه سليمان و يكنى أبا رزين منهم. الأحنف بن قيس، و يزيد بن مسعود النهشلي، و المنذر بن الجارود العبدي يقول فيه: اني ادعوكم الى اللّه و الى نبيه فان السنة قد اميتت و ان البدعة قد أحييت، فان تجيبوا دعوتي و تطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، فجمع يزيد بن مسعود بني تميم و بني حنظلة و بني سعد فلما حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم و حسبي منكم؟فقالوا: بخ بخ أنت و اللّه فقرة الظهر و رأس الفخر حللت في الشرف وسطا و تقدمت فيه فرطا، قال:

فاني قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه و أستعين بكم عليه، فقالوا: انا اللّه نمنحك النصيحة و نجهد لك الرأي فقل حتى نسمع، فقال: إن معاوية مات فأهون به و اللّه هالكا و مفقودا، الا و أنه قد انكسر باب الجور و الاثم و تضعضعت أركان الظلم، و قد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن ان قد أحكمه و هيهات الذي أراد، اجتهد و اللّه ففشل و شاور فخذل، و قد قام ابنه‏

33

يزيد شارب الخمور و رأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين و يتآمر عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم و قلة علم لا يعرف من الحق موطى‏ء قدميه، فأقسم باللّه قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين، و هذا الحسين بن علي بن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ذو الشرف الأصيل و الرأي الأثيل له فضل لا يوصف و علم لا ينزف، و هو أولى بهذا الأمر لسابقته و سنه و قدمه و قرابته، يعطف على الصغير و يحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية و امام قوم وجبت للّه به الحجة و بلغت الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحق و لا تسكعوا (1) في وهد الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم الى ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و نصرته، و اللّه لا يقصر أحد عن نصرته الا أورثه اللّه تعالى الذل في ولده و القلة في عشيرته، و ها انا ذا قد لبست للحرب لامتها و أدرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت و من يهرب لم يفت فاحسنوا رحمكم اللّه رد الجواب.

فتكلمت بنو حنظلة فقالوا: يا أبا خالد نحن نبل كنانتك و فرسان عشيرتك ان رميت بنا أصبت و ان غزون بنا فتحت، لا تخوض و اللّه غمرة الا خضناها و لا تلقى و اللّه شدة الا لقيناها، ننصرح بأسيافنا و نقيك بأبداننا، اذا شئت فقم.

و تكلمت بنو سعد بن يزيد فقالوا: يا أبا خالد ان أبغض الأشياء الينا خلافك و الخروج من رأيك، و قد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا (رأيه خ ل) و بقي عزنا فينا، فامهلنا نراجع الرأي و نحسن المشورة و نأتيك برأينا.

و تكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو أبيك و حلفاؤك لا نرضى ان غضبت و لا نقطن ان ظعنت و الأمر اليك، فادعنا نجبك و مرنا

____________

(1) التسكع: التمادي في الباطل (منه) .

34

نطعك و الأمر لك اذا شئت، فقال: و اللّه يا بني سعد لئن فعلتموها لا رفع اللّه السيف عنكم ابدا و لا زال سيفكم فيكم.

ثم كتب الى الحسين عليه السّلام:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد فقد وصل اليّ كتابك و فهمت ما ندبتني اليه و دعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك و الفوز بنصيبي من نصرتك، و ان اللّه لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة، و أنتم حجة اللّه على خلقه و وديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها و أنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر فقد ذللت لك أعناق بني تميم و تركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الابل الظمآء لورود الماء يوم خمسها، و قد ذللت لك رقاب بني سعد و غسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع.

فلما قرأ الحسين عليه السّلام الكتاب قال مالك آمنك اللّه يوم الخوف و أعزك و أرواك يوم العطش الأكبر، فلما تجهز المشار اليه للخروج الى الحسين عليه السّلام بلغة قتله قبل أن يسير فجزع من انقطاعه عنه. و كتب اليه الأحنف: أما بعد فاصبر ان وعد اللّه حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون.

و اما المنذر بن الجارود فانه جاء بالكتاب و الرسول الى عبيد اللّه بن زياد في عشية الليلة التي يريد ابن زياد ان يذهب في صبيحتها الى الكوفة لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد اللّه، و كانت بحرية بنت المنذر زوجة عبيد اللّه، فأخذ عبيد اللّه الرسول فصلبه، ثم انه خطب الناس و توعدهم على الخلاف، و خرج من البصرة و استخلف عليها أخاه عثمان، و أقبل الى الكوفة و معه مسلم بن عمرو الباهلي رسول يزيد و شريك‏ (1) ابن الأعور

____________

(1) قال ابن الأثير: كان كريما على ابن زياد و على غيره من الأمراء، و كان شديد التشيع قد شهد صفين، ا هـ. و له حكاية مع معاوية مشهورة حين قال له: أنت شريك و ليس للّه-

35

الحارثي، و قيل كان معه خمسمائة فتأخروا عنه رجاء. ان يقف عليهم و يسبقه الحسين عليه السّلام الى الكوفة فلم يقف على أحد منهم، و سار فلما أشرف على الكوفة نزل حتى أمسى و دخلها ليلا مما يلي النجف و عليه عمامة سوداء و هو متلثم، قال بعضهم انه دخلها من جهة البادية في زي أهل الحجاز ليوهم الناس انه الحسين عليه السّلام و الناس قد بلغهم اقبال الحسين عليه السّلام فهم ينتظرونه، فظنوا حين رأوا عبيد اللّه انه الحسين عليه السّلام، فقالت امرأة: اللّه أكبر ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فتصايح الناس و قالوا: أنا معك أكثر من أربعين ألفا، و أخذ لا يمر على جماعة من الناس الا سلموا عليه و قالوا: مرحبا بك بك يا ابن رسول اللّه قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين عليه السّلام ما ساءه، و ازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته، فحسر اللثام و قال: انا عبيد اللّه فتساقط القوم و وطأ بعضهم بعضا، و في رواية ان عبد اللّه بن مسلم قال لهم لما كثروا: تأخروا هذا الأمير عبيد اللّه بن زياد.

و سار حتى وافى القصر بالليل و معه جماعة قد التفوا به لا يشكون انه الحسين عليه السّلام فأغلق النعمان بن بشير عليه و على خاصته، فناداه بعض من كان مع ابن زياد ليفتح لهم الباب، فاطلع عليه النعمان و هو يظنه الحسين عليه السّلام فقال: أنشدك اللّه الا تنحيت و اللّه ما أنا بمسلم اليك أمانتي و مالي في قتالك من ارب، فجعل لا يكلمه، ثم انه دنى فتدلى النعمان من شرف القصر فجعل يكلمه، فقال ابن زياد: افتح لا فتحت فقد طال ليلك، و سمعها انسان من خلفه فنكص الى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على انه الحسين، فقال: يا قوم ابن مرجانه و الذي لا إله غيره، ففتح له النعمان فدخل، و ضربوا الباب في وجوه الناس و انفضوا.

____________

قشريك، و أبوه الحارث الأعور الهمداني من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام، و هو الذي يقول له:

يا حار همدان من يمت يرني # من مؤمن او منافق قبلا

(منه)

36

و أصبح ابن زياد فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس، فخرج اليهم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم و ثغركم و فيئكم، و أمرني بانصاف مظلومكم و اعطاء محرومكم و الاحسان الى سامعكم و مطيعكم و بالشدة على مريبكم و عاصيكم، و أنا متبع فيكم أمره و منفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم و مطيعكم كالولد البر، و سوطي و سيفي على من ترك أمري و خالف عهدي، فليتق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد ثم نزل، و في رواية انه قال: فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي (يعني مسلما بن عقيل) ليتقي غضبي، و أخذ العرفاء (1) و الناس أخذا شديدا فقال: اكتبوا لي الغرباء و من فيكم من طلبة أمير المؤمنين‏ (2) و من فيكم من الحرورية (3) و أهل الريب الذين شأنهم الخلاف و النفاق و الشقاق ثم يجاء بهم لنرى رأينا، فمن يجي‏ء لنا بهم فبري‏ء و من لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في عرافته ان لا يخالفنا منهم مخالف و لا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة و حلال لنا دمه و ماله، و ايما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين احد لم يرفعه الينا صلب على باب داره و ألغيت تلك العرافة من العطاء.

و لما سمع مسلم بن عقيل مجي‏ء عبيد اللّه الى الكوفة و مقالته التي قالها و ما أخذ به العرفاء و الناس خرج من دار المختار الى دار هاني بن عروة في جوف الليل و دخل في أمانه، فأخذت الشيعة تختلف اليه في دار هاني على

____________

(1) جمع عريف كأمير و هو الرئيس، و الظاهر انه كان يجعل لكل قوم رئيس من قبل السلطان يطالب بأمورهم يسمى العريف كما هو متعارف الى اليوم، و كان يجعل للعرفاء رؤساء يقال لهم المناكب (منه) .

(2) أي الشيعة الذين بايعوا مسلما للحسين عليه السّلام (منه) .

(3) قوم من الخوارج كانوا في أول امرهم اجتمعوا بموضع يقال له حروراء فنسبوا اليه.

(منه) .

غ

37

تستر و استخفاء من عبيد اللّه و تواصوا بالكتمان، و ألحّ عبيد اللّه في طلب مسلم و لا يعلم اين هو، و كان شريك بن الأعور الهمداني لما جاء من البصرة مع عبيد اللّه بن زياد نزل دار هاني فمرض، و كان شريك من محبي أمير المؤمنين عليه السّلام و شيعته عظيم المنزلة جليل القدر، فأرسل اليه ابن زياد انه يريد ان يعوده، فقال شريك لمسلم: ان هذا الفاجر عائدي فادخل بعض الخزائن فاذا جلس أخرج اليه فاقتله، ثم أقعد في القصر ليس أحد يحول بينك و بينه، فان برئت سرت الى البصرة حتى اكفيك أمرها و علامتك ان أقول اسقوني ماء و نهاه هاني عن ذلك. و كان مسلم شجاعا مقداما جسورا، فلما دخل عبيد اللّه على شريك و سأله عن وجعه و طال سؤاله جعل يقول اسقوني ماء، فلما رأى ان أحدا لا يخرج خشي ان يفوته فأخذ يقول:

ما الانتظار بسلمى ان تحييها # كأس المنية بالتعجيل اسقوها

فتوهم ابن زياد و خرج، فلما خرج دخل مسلم و السيف في كفه فقال له شريك: ما منعك من قتله؟قال هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة و قالت لي نشدتك اللّه ان قتلت ابن زياد في دارنا و بكت في وجهي فرميت السيف و جلست، فقال هاني: يا ويلها قتلتني و قتلت نفسها و الذي فرت منه وقعت فيه. و في رواية انه قال: منعني من قتله خصلتان؟كراهية هاني ان يقتل في داره، و حديث ان الايمان قيد الفتك، فقال له هاني: أما و اللّه لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا.

و لما خفي على ابن زياد حديث مسلم دعى مولى له يقال له معقل فأعطاه ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف درهم و أمره بحسن التوصل الى أصحاب مسلم، و ان يدفع اليهم المال و يقول لهم استعينوا به على حرب عدوكم و يعلمهم انه من أهل حمص و يظهر لهم انه منهم، و قال له: انك لو قد أعطيتهم المال اطمأنوا اليك و وثقوا بك، فتردد اليهم حتى تعرف مقر مسلم‏

38

و تدخل عليه، فجاء معقل حتى جلس الى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم و هو يصلي، فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين عليه السّلام، فقال له معقل: اني امرء من أهل الشام أنعم اللّه علي بحب أهل هذا البيت و من أحبهم، و تباكى له و قال: معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني انه قدم الكوفة يبايع لابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فاغتر ابن بنت عوسجة بذلك، فأخذ بيعته و أخذ عليه المواثيق المغلظة لينا صحن و ليكتمن، ثم أدخله على مسلم فأخذ بيعته و أمر أبا تمامة الصائدي بقبض المال منه و هو الذي كان يقبض أموالهم و ما يعين به بعضهم بعضا و يشتري لهم به السلاح و كان بصيرا و فارسا من فرسان العرب و وجوه الشيعة، و أقبل معقل يختلف اليهم فهو أول داخل و آخر خارج حتى فهم ما احتاج اليه ابن زياد فكان يخبره وقتا وقتا، و بلغ الذين بايعوا مسلما خمسة و عشرين ألف رجل فعزم على الخروج، فقال هاني: لا تعجل، و خاف هاني عبيد اللّه على نفسه فانقطع عن حضور مجلسه و تمارض، فسأل عنه ابن زياد فقيل هو مريض، فقال: لو علمت بمرضه لعدته و دعا محمد بن الأشعث و أسماء بن خارجة و عمرو بن الحجاج الزبيدي و كانت رويحة بنت عمرو هذا تحت هاني فقال لهم: ما يمنع هاني من اتياننا؟فقالوا: ما ندري و قد قيل انه مريض، قال: قد بلغني ذلك و بلغني انه بري‏ء و انه يجلس على باب داره فألقوه و مروه ان لا يدع ما عليه من حقنا فاني لا أحب ان يفسد عندي مثله من اشراف العرب، فأتوه و وقفوا عشية على بابه فقالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير فانه قد ذكرك و قال لو أعلم انه مريض لعدته، فقال لهم: المرض يمنعني، فقالوا: انه قد بلغه انك تجلس كل عشية على باب دارك و قد استبطأك و الابطاء و الجفاء لا يحتمله السلطان من مثلك لأنك سيد في قومك و نحن نقسم عليك الا ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى اذا دنى من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذي كان، فقال لحسان بن‏

39

أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ اني و اللّه لهذا الرجل لخائف فما ترى؟قال: يا عم و اللّه ما أتخوف عليك شيئا و لم تجعل على نفسك سبيلا، و لم يكن حسان يعلم مما كان شيئا و كان محمد بن الأشعث عالما به، فجاء هاني و القوم معه حتى دخلوا على عبيد اللّه، فلما طلع قال عبيد اللّه لشريح القاضي و كان جالسا عنده:

أنتك بخائن رجلاه تسعى # يقود النفس منها للهوان‏

فلما دنى من ابن زياد التفت الى شريح و أشار الى هاني و أنشد بيت عمرو بن معد يكرب الزبيدي:

أريد حياته (حباءه خ ل) و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد

و كان أول ما قدم مكرما له ملطفا به، فقال له هاني: و ما ذاك أيها الأمير؟قال: ايه يا هاني ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين و عامة المسلمين جنت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك و جمعت له الجموع و السلاح في الدور حولك و ظننت ان ذلك يخفى علي، قال: ما فعلت ذلك و ما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت، فلما كثر ذلك بينهما و أبى هاني الا مجاحدته و مناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فقال: أتعرف هذا؟قال:

نعم، و علم هاني عند ذلك انه كان عينا عليهم و انه قد أتاه بأخبارهم فسقط في يده‏ (1) ساعة ثم راجعته نفسه فقال: اسمع مني و صدق مقالتي فو اللّه ما كذبت و اللّه ما دعوته الى منزلي و لا علمت بشي‏ء من أمره حتى جاءني يسألني النزول فاستحييت من رده و داخلني من ذلك ذمام فضيفته و آويته و قد كان من أمره ما قد بلغك، فان شئت اعطيتك الآن موثقا تطمئن به و رهينة تكون في يدك حتى انطلق و أخرجه من داري فاخرج من ذمامه و جواره، فقال له ابن زياد: و اللّه لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به، قال: لا و اللّه لا أجيئك به أبدا

____________

(1) أي بهت و تحير و لا يكون الا مبنيا للمفعول (منه) .

40

أجيبك بضيفي تقتله. قال واللّه لتأتيني به، قال: و اللّه لا آتيك به.

فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي و ليس بالكوفة شامي و لا بصري غيره فقال: اصلح اللّه الأمير خلني و اياه حتى أكمله، فقام فخلى به ناحية فقال له: يا هاني أنشدك اللّه ان تقتل نفسك و ان تدخل البلاء في عشيرتك فو اللّه اني لأنفس بك عن القتل، ان هذا الرجل ابن عم القوم و ليسوا قاتليه و لا ضائريه فادفعه اليهم فانه ليس عليك بذلك مخزاة و لا منقصة انما تدفعه الى السلطان، فقال هاني: و اللّه ان علي في ذلك الخزي و العار ان أدفع جاري و ضيفي و أنا صحيح اسمع و أرى شديد الساعدين كثير الأعوان، و اللّه لو لم أكن الا واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ يناشده و هو يقول: و اللّه لا أدفعه أبدا، فسمع ابن زياد ذلك فقال: أدنوه مني فأدنوه منه، فقال: و اللّه لتأتيني به أو لأضربن عنقك، فقال هاني: اذا و اللّه لتكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: وا لهفاه عليك ابالبارقة تخوفني و هاني يظن ان عشيرته سيمنعونه، ثم قال أدنوه مني فادني منه فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه و جبينه و خده حتى كسر أنفه و سالت الدماء على ثيابه و وجهه و لحيته و نثر لحم جبينه و خده على لحيته حتى كسر القضيب، و ضرب هاني يده على قائم سيف شرطي و جاذبه الشرطي و منعه، فقال عبيد اللّه الحروري‏ (1) سائر اليوم قد حل دمك جروه فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار و أغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به، فقام اليه أسماء بن خارجة و قيل حسان بن اسماء فقال:

ارسل غدر سائر اليوم أمرتنا ان نجيئك بالرجل حتى اذا جئناك به هشمت انفه و وجهه و سيلت دماءه على لحيته و زعمت انك تقتله، فقال له عبيد اللّه: و انك لههنا فأمر به فضرب و أجلس ناحية، فقال: انا للّه و انا اليه راجعون الى نفسي

____________

(1) الحروري الخارجي نسبة الى الحرورية و تقدم تفسيرهم (منه) .

41

انعاك يا هاني، فقال محمد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا انما الأمير مؤدب.

و في رواية ان ابن زياد قال لهاني لما دخل عليه: يا هاني اما تعلم ان أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة الا قتله غير أبيك و غير حجر و كان من حجر ما قد علمت، ثم لم يزل يحسن صحبتك، ثم كتب الى أمير الكوفة ان حاجتي قبلك هاني، قال: نعم، قال: فكان جزائي ان خبأت في بيتك رجلا يقتلني، قال: ما فعلت فعند ذلك أخرج الذي كان عينا عليهم.

و بلغ عمرو بن الحجاج ان هانيا قد قتل، فاقبل في مذحج حتى احاط بالقصر و معه جمع عظيم ثم نادى و قال: انا عمرو بن الحجاج و هذه فرسان مذحج و وجوهها لم نخلع طاعة و لم نفارق جماعة و قد بلغهم ان صاحبهم قد قتل فاعظموا ذلك، فقيل لابن زياد: هذه فرسان مذحج بالباب، فقال لشريح القاضي: أدخل على صاحبهم فانظر اليه ثم أخرج و أعلمهم انه حي لم يقتل، فدخل شريح فنظر اليه فقال هاني لما رأى شريحا: يا للّه يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل المصر و الدماء تسيل على لحيته اذ سمع الصيحة على باب القصر فقال: اني لأظنها اصوات مذحج و شيعتي من المسلمين انه ان دخل علي عشرة نفر انقذوني، فلما سمع كلامه شريح خرج اليهم فقال لهم: ان الأمير لما بلغه كلامكم و مقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول اليه فأتيته فنظرت اليه فأمرني ان القاكم و أعرفكم انه حي و ان الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجاج و أصحابه: اما اذا لم يقتل فالحمد للّه ثم انصرفوا.

و لما ضرب عبيد اللّه هانئا و حبسه خاف ان يثب به الناس، فخرج فصعد المنبر و معه اشراف الناس و شرطه و حشمه، فخطب خطبة موجزة و حذر الناس و هددهم، فما نزل حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التمارين‏

42

يشتدون و يقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد اللّه القصر مسرعا و أغلق ابوابه. قال عبد اللّه بن حازم: انا و اللّه رسول ابن عقيل الى القصر لأنظر ما فعل هاني، فلما ضرب و حبس ركبت فرسي فكنت أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، فاذا نسوة من مراد مجتمعات ينادين يا عبرتاه يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر فأمرني ان أنادي في أصحابه و قد ملأ بهم الدور حوله و كانوا فيها أربعة آلاف رجل، فقال لمناديه: ناد يا منصور أمت و كان ذلك شعارهم فنادى، فتنادى أهل الكوفة و اجتمعوا عليه فاجتمع اليه أربعة آلاف، فعقد لعبد اللّه بن عزيز الكندي على ربع كندة و ربيعة و قال: سر أمامي في الخيل، و عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج و أسد و قال: انزل في الرجال، و عقد لأبي تمامة الصائدي على ربع تميم و همدان، و عقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، و عبأ ميمنته و ميسرته و وقف هو في القلب و أقبل نحو القصر، و تداعى الناس و اجتمعوا فما لبثنا الا قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس و السوق و ما زالوا يتوثبون حتى المساء، و بعث عبيد اللّه الى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر، و أحاط مسلم بالقصر فضاق بعبيد اللّه أمره، و كان أكثر عمله ان يمسك باب القصر و ليس معه ثلاثون رجلا من الشرط و عشرون رجلا من اشراف الناس و أهل بيته و خاصته، و أقبل من نأى عنه من اشراف الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، و جعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون على أصحاب مسلم فينظرون اليهم و أصحاب مسلم يرمونهم بالحجارة و يشتمونهم و يفترون على عبيد اللّه و على أمه و أبيه، فدعا ابن زياد كثير بن شهاب و امره ان يخرج فيمن اطاعه من مذحج فيسير في الكوفة و يخذل الناس عن ابن عقيل و يخوفهم الحرب و يحذرهم عقوبة السلطان، و أمر محمد بن الأشعث ان يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضر موت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، و قال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي‏

43

و شبث بن ربعي التميمي و حجار بن ابجر السلمي (العجلي خ ل) و شمر بن ذي الجوشن العامري (الضبابي خ ل) و حبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا اليهم لقلة عدد من معه من الناس، فخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن مسلم، و خرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، فبعث ابن عقيل الى محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن شريح الشيباني، فلما رأى ابن الأشعث كثرة من أتاه تأخر عن مكانه، و جعل محمد بن الأشعث و كثير بن شهاب و القعقاع و شبث بن ربعي يردون الناس عن اللحوق بمسلم و يخوفونهم السلطان، حتى اجتمع اليهم عدد كثير من قومهم و غيرهم، فصاروا الى ابن زياد من قبل دار الروميين، فقال له كثير: أصلح اللّه الأمير معك في القصر ناس كثير فاخرج بنا اليهم فأبى عبيد اللّه، و عقد شبث بن ربعي لواء فأخرجه، و أقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتى المساء و أمرهم شديد، فأمر عبيد اللّه من عنده من الاشراف أن يشرفوا على الناس فيمنوا أهل الطاعة الزيادة و الكرامة و يخوفوا أهل المعصية الحرمان و العقوبة و يعلموهم وصول الجند من الشام اليهم. و تكلم كثير بن شهاب حتى كادت الشمس ان تغرب فقال: أيها الناس الحقوا بأهاليكم و لا تعجلوا الشر و لا تعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، و قد أعطى اللّه الأمير عهدا لئن أقمتم على حربه و لم تنصرفوا من عشيتكم ان يحرم ذريتكم العطاء و يفرق مقاتليكم في مغازي الشام، و ان يأخذ البري‏ء منكم بالسقيم و الشاهد بالغائب حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية الا اذاقها و بال ما جنت أيديها. و تكلم الاشراف بنحو من ذلك، فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون، و كانت المرأة تأتي ابنها و أخاها فتقول: انصرف الناس يكفونك، و يجي‏ء الرجل الى ابنه و أخيه و يقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشر انصرف فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل في خمسمائة، فلما اختلط الظلام جعلوا يتفرقون،

44

فصلى المغرب و ما معه الا ثلاثون نفسا في المسجد، فلما رأى انه قد أمسى و ليس معه الا أولئك النفر خرج متوجها الى أبواب كندة فلم يبلغ الأبواب الا و معه عشرة، ثم خرج من الباب فاذا ليس معه انسان، فالتفت فاذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق و لا يدله على منزله و لا يواسيه بنفسه ان عرض له عدو، فمضى على وجهه متحيرا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، حتى خرج الى دور بني جبلة من كندة فمضى حتى اتى الى باب امرأة يقال لها طوعة ام ولد كانت للأشعث بن قيس فأعتقها و تزوجها السيد الحضرمي فولدت له بلالا، و كان بلال قد خرج مع الناس و أمه قائمة تنتظره، فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه السلام و طلب منها ماء فسقته و جلس، و دخلت ثم خرجت فقالت: يا عبد اللّه ألم تشرب؟قال: بلى، قالت: فاذهب الى أهلك فسكت، ثم أعادت مثل ذلك فسكت، ثم قالت في الثالثة: سبحان اللّه يا عبد اللّه قم عافاك اللّه إلى أهلك فانه لا يصلح لك الجلوس على بابي و لا أحله لك، فقام و قال: يا أمة اللّه ما لي في هذا المصر أهل و لا عشيرة فهل لك في أجر و معروف و لعلي مكافيك بعد هذا اليوم، قالت: يا عبد اللّه و ما ذاك؟ قال: انا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم و غروني و أخرجوني، قالت:

أنت مسلم؟قال: نعم، قالت: أدخل فدخل الى بيت في دارها غير البيت الذي تكون فيه و فرشت له و عرضت عليه العشاء فلم يتعشّ، و لم يكن بأسرع من ان جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت و الخروج منه فقال لها: و اللّه انه ليريبني كثرة دخولك الى هذا البيت و خروجك منه منذ الليلة ان لك لشأنا، قالت له: يا بني اله عن هذا، قال: و اللّه لتخبريني، قالت له، اقبل على شأنك و لا تسألني عن شي‏ء، فألحّ عليها فقالت، يا بني لا تخبرن أحدا من الناس بشي‏ء مما أخبرك به، قال: نعم فأخذت عليه الايمان فحلف لها فأخبرته فاضطجع و سكت.

45

و لما تفرق الناس عن مسلم طال الأمر على ابن زياد و جعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمع اولا، فقال لأصحابه: اشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا فأشرفوا فلم يجدوا أحدا، قال: فانظروهم لعلهم تحت الظلال‏ (1) قد كمنوا لكم، فنزعوا الأخشاب من سقف المسجد و جعلوا يخفضون بشعل النار في ايديهم و ينظرون و كانت أحيانا تضي‏ء لهم و تارة لا تضي‏ء كما يريدون، فدلوا القناديل و أطنان القصب تشد بالحبال ثم تجعل فيها النيران ثم تدلى حتى تنتهي الى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال و أدناها و أوسطها فلا يرون أحدا حتى فعل ذلك بالظلة التي فيها المنبر، فلما لم يروا شيئا اعلموا ابن زياد بتفرق القوم، ففتح باب السدة (2) التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر و خرج اصحابه معه و أمرهم فجلسوا قبيل العتمة (3) ، و أمر عمر بن نافع فنادى الا برئت الذمة من رجل من الشرط (4) أو العرفاء (5) و المناكب‏ (6) أو المقاتلة صلّى العتمة الا في المسجد، فلم يكن الا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثم أمر مناديه فأقام الصلاة و أقام الحرس خلفه، و أمرهم بحراسته من أن يدخل اليه من يغتاله و صلى بالناس، ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

____________

(1) الظلال بالكسر جمع ظلة و الظلة بالضم كهيئة الصفة، و الصفة بناء في الدار معروف (منه) .

(2) السدة بالضم سقيفة أمام باب الدار و ما يبقى من الطاق المسدود، و سدة المسجد الأعظم ما حوله من الرواق. قالوا: و السدة باب الدار و البيت، يقال رأيته قاعدا بسدة بابه و بسدة داره مع ان قولهم سدة بابه يدل على أن السدة غير الباب (منه) .

(3) العتمة وقت صلاة العشاء الآخرة (منه) .

(4) الشرط كصرد طائفة من أعوان الولاة معروفة، واحده شرطة بالضم فالسكون و هو شرطي كتركي و شرطي كجهني، سموا بذلك لأنهم اعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها (منه) .

(5) جمع عريف كامرء و أمير و هو الرئيس كما تقدم (منه) .

(6) المناكب رؤوس العرفاء كما مر (منه) .

غ

46

أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف و الشقاق، فبرئت ذمة اللّه من رجل وجدناه في داره و من جاء به فله ديته، اتقوا اللّه عباد اللّه و الزموا طاعتكم و بيعتكم و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، يا حصين بن نمير، و هو صاحب شرطته، ثكلتك أمك ان ضاع باب من سكك الكوفة و خرج هذا الرجل و لم تأتني به، و قد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصد على أهل الكوفة و دورهم، و أصبح غدا و استبرأ الدور و جس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل، ثم دخل القصر و قد عقد لعمرو بن حريث راية و أمره على الناس، فلما أصبح جلس مجلسه و اذن للناس فدخلوا عليه، و أقبل محمد بن الأشعث فقال مرحبا بمن لا يستغش و لا يتهم، ثم أقعده الى جنبه.

و أصبح ابن تلك العجوز فغدا الى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل من أمه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه و هو عند ابن زياد فساره، فعرف ابن زياد سراره، فقال له ابن زياد في جنبه بالقضيب: قم فاتني به الساعة، فقام و بعث معه قومه لأنه علم ان كل قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل مسلم، فبعث معه عبيد اللّه‏ (1) بن العباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى أتوا الدار التي فيها مسلم، فلما سمع مسلم وقع حوافر الخيل و أصوات الرجال علم انه قد اتي فخرج اليهم بسيفه، و اقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا اليه فشد عليهم كذلك فأخرجهم مرارا و قتل منهم جماعة، و اختلف هو و بكر بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا و أسرع السيف في السفلى و فصلت لها ثنيتاه، و ضربه مسلم في رأسه

____________

(1) في جميع المواضع التي ذكر فيها في هذا المقام عبيد اللّه بن العباس السلمي، ذكر بدله في كامل ابن الأثير عمرو بن عبيد اللّه بن العباس السلمي (منه) .

47

ضربة منكرة و ثناه بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع الى جوفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت و أخذوا يرمونه بالحجارة و يلهبون النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا سيفه في السكة، فقال محمد بن الأشعث، لك الأمان لا تقتل نفسك و هو يقاتلهم و يرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن:

أقسمت لا أقتل الا حرا # و أن رأيت الموت شيئا نكرا

أخاف أن أكذب أو اغرا # أو أخلط البارد سخنا مرا

رد شعاع الشمس فاستقرا # كل امرى‏ء يوما ملاق شرا

أضربكم و لا أخاف ضرا

فقال له محمد بن الأشعث: انك لا تكذب و لا تغر و لا تخدع ان القوم بنو عمك و ليسوا بقاتليك و لا ضائريك، و كان قد أثخن بالحجارة و عجز عن القتال فأسند ظهره الى جنب تلك الدار، فأعاد ابن الأشعث عليه القول لك الأمان، فقال آمن أنا؟قال: نعم، فقال للقوم الذين معه: الي الأمان؟قال القوم له: نعم الا عبيد اللّه بن العباس السلمي فانه قال: لا ناقة لي في هذا و لا جمل و تنحى، فقال مسلم: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم.

و في رواية انه لما سمع وقع حوافر الخيل لبس درعه و ركب فرسه و جعل يحاربهم حتى قتل منهم جماعة، و في رواية أحد و أربعين رجلا، فنادى اليه ابن الأشعث لك الأمان، فقال: و أي أمان للغدرة الفجرة، و أقبل يقاتلهم و يرتجز بالأبيات المتقدمة، فنادوا اليه انك لا تكذب و لا تغر فلم يلتفت الى ذلك، و تكاثروا عليه بعد ان أثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه الى الأرض فأخذ أسيرا.

قال الراوي فأتي ببغلة فحمل عليها و اجتمعوا حوله و انتزعوا سيفه و كأنه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال: هذا أول الغدر، فقال‏

48

له محمد بن الأشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس، قال: و ما هو الا الرجاء أين أمانكم انّا للّه و إنّا إليه راجعون و بكى، فقال له عبيد اللّه بن العباس: ان من يطلب مثل الذي تطلب اذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبك، فقال: و اللّه ما لنفسي بكيت و لا لها من القتل ارثي و ان كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، و لكني ابكي لأهلي المقبلين الي، ابكي لحسين و آل حسين.

ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد اللّه اني أراك و اللّه ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع ان تبعث من عندك رجلا على لساني ان يبلغ حسينا فاني لا أراه الا و قد خرج اليوم أو هو خارج غدا و أهل بيته، و يقول له ان ابن عقيل بعثني اليك و هو أسير في ايدي القوم لا يرى انه يمسي حتى يقتل، و هو يقول لك ارجع فداك ابي و أمي بأهل بيتك و لا يغررك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، ان أهل الكوفة قد كذبوك و ليس لمكذوب رأي، فقال ابن الأشعث: و اللّه لأفعلن و لأعلمن ابن زياد اني قد أمنتك.

و أقبل ابن الأشعث بابن عقيل الى باب القصر و استأذن و دخل على ابن زياد فأخبره خبر ابن عقيل و ضرب بكر إياه و ما كان من أمانه، فقال له عبيد اللّه: و ما أنت و الأمان كأنا أرسلناك لتؤمنه، انما أرسلناك لتأتينا به فسكت.

و انتهي بابن عقيل الى باب القصر و قد اشتد به العطش، و على باب القصر ناس جلوس ينتظرون الاذن فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط و عمرو بن حريث و مسلم بن عمرو الباهلي‏ (1) و كثير بن شهاب، و اذا قلة (2) فيها ماء بارد موضوعة على الباب، فقال مسلم: اسقوني من هذا الماء، فقال

____________

(1) هو والد قتيبة بن مسلم أمير خراسان المشهور (منه) .

(2) اي جرة (منه) .

49

له مسلم بن عمرو: أتراها ما ابردها لا و اللّه لا تذوق منها قطرة ابدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم، فقال له مسلم: ويلك من أنت؟فقال: انا الذي عرف الحق اذ أنكرته و نصح لامامه اذ غششته و اطاعه اذ خالفته، انا مسلم بن عمرو الباهلي، فقال له ابن عقيل: لأمك الثكل ما أجفاك و أفظك و أقسى قلبك انت يا ابن باهلة أولى بالحميم و الخلود في نار جهنم مني، ثم جلس فتساند الى الحائط و بعث عمرو بن حريث و قيل عمارة بن عقبة غلاما له فأتاه بقلة عليها منديل و قدح فصب فيه ماء فقال له: اشرب، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما من فمه فلا يقدر ان يشرب ففعل ذلك مرة أو مرتين، فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح فقال: الحمد للّه لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته، و في ذلك يقول المؤلف من قصيدة يرثي بها مسلما رضي اللّه عنه:

يا مسلم بن عقيل لا أغب ثرى # ضريحك المزن هطالا و هتانا

بذلت نفسك في مرضاة خالقها # حتى قضيت بسيف البغي ظمآنا

كأنما نفسك اختارت لها عطشا # لما درت ان سيقضي السبط عطشانا

فلم تطق ان تسيغ الماء عن ظمأ # من ضربة ساقها بكر بن حمرانا

و خرج رسول ابن زياد فأمر بادخاله اليه، فلما دخل مسلم لم يسلم عليه بالأمرة، فقال له الحرسي: الا تسلم على الأمير فقال: ان كان يريد قتلي فما سلامي عليه و ان كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه، فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن، قال: فدعني أوصي الى بعض قومي، قال: افعل، فنظر مسلم الى جلساء ابن زياد و فيهم عمر بن سعد فقال: يا عمران بيني و بينك قرابة ولي اليك حاجة و هي سر، فامتنع عمر أن يسمع منه، فقال له ابن زياد: و لم تمتنع ان تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه فجلس بحيث ينظر اليهما ابن زياد، فقال له: ان علي بالكوفة دينا سبعمائة درهم فبع سيفي‏

50

و درعي فاقضها عني، و اذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، و ابعث الى الحسين عليه السّلام من يرده فاني قد كتبت اليه أعلمه ان الناس معه و لا أراه الا مقبلا، فقال عمر لابن زياد: اتدري أيها الأمير ما قال لي انه ذكر كذا و كذا، فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين و لكن قد يؤتمن الخائن، اما ماله فهو له و لسنا نمنعك ان تصنع به ما أحب، و اما جثته فانا لن نشفعك فيها، و في رواية فانا لا نبالي اذا قتلناه ما صنع بها، و اما حسين فانه ان لم يردنا لم نرده.

و في رواية انه حين دخل قال له الحرسي: سلم على الأمير فقال:

اسكت و يحك و اللّه ما هو لي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلمت ام لم تسلم فانك مقتول، فقال له مسلم: ان قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير مني، فقال له ابن زياد: قتلني اللّه ان لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام، فقال له مسلم: اما انك احق من احدث في الاسلام ما لم يكن، و انك لا تدع سوء القتلة و قبح المثلة و خبث السريرة و لؤم الغلبة لأحد أولى بها منك، فقال ابن زياد: يا عاق يا شاق خرجت على امامك و شققت عصا المسلمين و ألحقت الفتنة، فقال مسلم: كذب انما شق عصا المسلمين معاوية و ابنه يزيد، و اما الفتنة فانما الحقتها انت و أبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف، و انا أرجو ان يرزقني اللّه الشهادة على يدي شر بريته، فقال له ابن زياد: منتك نفسك امرا حال اللّه دونه و جعله لأهله، فقال له مسلم:

و من أهله يا ابن مرجانة اذا لم نكن نحن أهله، فقال ابن زياد: أهله أمير المؤمنين يزيد، فقال مسلم: الحمد للّه على كل حال رضينا باللّه حكما بيننا و بينكم، فقال له ابن زياد: أتظن ان لك في الأمر شيئا؟فقال له مسلم: و اللّه ما هو الظن و لكنه اليقين. و قال له ابن زياد: ايه ابن عقيل أتيت الناس و هم جميع و أمرهم ملتئم فشتتت أمرهم بينهم و فرقت كلمتهم و حملت بعضهم‏

51

على بعض، قال: كلا لست لذلك أتيت، و لكنكم أظهرتم المنكر و دفنتم المعروف و تأمرتم على الناس بغير رضى منهم، و حملتموهم على غير ما أمركم اللّه به، و عملتم فيهم بأعمال كسرى و قيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف و ننهى عن المنكر و ندعوهم الى حكم الكتاب و السنة، و كنا أهل ذلك، فقال له ابن زياد: و ما أنت و ذاك يا فاسق، لم لم تعمل بذلك اذ أنت بالمدينة تشرب الخمر، قال مسلم: انا أشرب الخمر، اما و اللّه ان اللّه ليعلم انك تعلم انك غير صادق، و ان أحق بشرب الخمر مني و أولى بها من يلغ في دماء المسلمين و لغا فيقتل النفس التي حرم اللّه قتلها و يسفك الدم الذي حرم اللّه على الغضب و العداوة و سوء الظن و هو يلهو و يلعب كأن لم يصنع شيئا، فأقبل ابن زياد يشتمه و يشتم عليا و الحسن و الحسين و عقيلا، و أخذ مسلم لا يكلمه. و في رواية انه قال له: أنت و أبوك أحق بالشتيمة فاقض ما أنت قاض يا عدو اللّه.

ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم اتبعوه جسده، فقال مسلم: و اللّه لو كان بيني و بينك قرابة ما قتلتني‏ (1) ، فقال ابن زياد: اين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعي بكر بن حمران، فقال له: اصعد فلتكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به و هو يكبر و يستغفر اللّه و يسبحه و يصلي على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و يقول: اللهم احكم بيننا و بين قوم غرونا و كذبونا و خذلونا، فضرب عنقه و اتبع رأسه جثته، و نزل بكر الذي قتله مذعورا، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلا أسود شني‏ء الوجه حذائي عاضا على اصبعه أو قال على شفته، ففزعت منه فزعا لم أفزعه قط، فقال ابن زياد: لعلك دهشت. فقام محمد بن الأشعث الى عبيد اللّه ابن زياد فكلمه في هاني بن عروة فقال: انك قد عرفت

____________

(1) قيل انه يشير الى انه كأبيه دعيان و ليسا من قريش.

52

منزلة هاني في المصر و بيته في العشيرة، و قد علم قومه اني و صاحبي سقناه اليك و أنشدك اللّه لما وهبته لي فاني أكره عداوة المصر و أهله، فوعده ان يفعل، ثم بدا له و أمر بهاني في الحال و قال: أخرجوه الى السوق فاضربوا عنقه، فاخرج هاني حتى اتي بها الى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم و هو مكتوف، فجعل يقول: وا مذحجاه و لا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج، فلما رأى ان أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال: اما من عصا أو سكين او حجارة او عظم يحاجز بها رجل عن نفسه، و وثبوا اليه فشدوه وثاقا، ثم قيل له: أمدد عنقك، فقال: ما انا بها سخي و ما انا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد اللّه بن زياد تركي يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع شيئا، فقال له هاني: الى اللّه المعاد اللهم الى رحمتك و رضوانك، ثم ضربه أخرى فقتله. و بصر عبد الرحمن بن الحصين المرادي بعد ذلك بقاتل هاني فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله و أخذ بثأر هاني.

و في مسلم و هاني رحمهما اللّه تعالى يقول عبد اللّه بن الزبير (1) الأسدي، و يقال انها للفرزدق.

و قيل انها لسليمان الحنفي:

فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري # الى هاني في السوق و ابن عقيل‏

الى بطل قد هشم السيف وجهه # و آخر يهوي من طمار (2) قتيل‏

اصابهما فرخ البغي‏ (3) فأصبحا # أحاديث من يسري بكل سبيل‏

تري جسدا قد غيّر الموت لونه # و نضح دم قد سال كل مسيل‏

____________

(1) بفتح الزاي و ليس للعرب زبير بفتح الزاي غيره (منه) .

(2) الطمار بفتح الطاء و كسرها: المكان المرتفع. (منه) .

(3) هو ابن زياد لأن امه مرجانة و جدته سمية كانتا كذلك، و في نسخة امر اللعين (منه) .

53

فتى كان أحيى من فتاة حيية # و اقطع من ذي شفرتين صقيل‏

أيركب اسماء (1) الهماليج‏ (2) آمنا # و قد طلبته مذحج بذحول‏

تطوف‏ (3) حواليه‏ (4) مراد و كلهم # على رقبة (5) من سائل و مسول‏

فان انتم لم تثأروا (6) بأخيكم # فكونوا بغايا (7) أرضيت بقليل‏

____________

(1) هو اسماء بن خارجة احد الثلاثة الذين ذهبوا بهاني الى ابن زياد (منه) .

(2) جمع هملاج و هو نوع من البراذين (منه) .

(3) مضارع طاف و في نسخة تطيف مضارع أطافه (منه) .

(4) اي حوالي هاني و هو اشارة الى اجتماعهم حول القصر لتخليص هاني، و في نسخة حفافيه جمع حفاف و هو الجانب (منه) .

(5) الرقبة بالفتح الارتقاب و الانتظار و بالكسر التحفظ، اي كلهم مرتقب منتظر لتخليصه او متحفظ مستعد للقتال و بعضهم يسأل بعضا عن حاله و شأنه (منه) .

(6) اي تطلبوا بثأره و الخطاب لمذحج (منه) .

(7) اي زواني و في نسخة ايامى (منه) .

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}