العرف الوردي في أخبار المهدي

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
208 /
5

المقدّمة

إنّ من يطالع أخبار الفتن و الملاحم الواقعة في آخر الزمان، يجد نفسه-ضمن استحقاقات التغطية التاريخية لمستقبل الإسلام و المسلمين-أنّه يحفل ببعض التصوّرات التي تتناول صورة العصر آنذاك، و طبيعة الحياة في ظلّ محيط يتخلّله فرقعة السيوف و غياب الحوار.

و يكفينا قراءة ما كان يحرّره المحدّثون و المؤرّخون من روايات و أخبار تثير الرعب في النفوس من حوادث الدمار و التقاتل، و ضياع الحقّ، و تسلّط القوي على الضعيف، و انعدام الأمن و السلام بين الشعوب و الأمم، خاصة في الجزء الذي يبرز صورا تعدّ تجسيدا لصراع الأديان و صدام الحضارات، و أنّ الأمل معقود على شخص من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله مصرّح باسمه و اسم أبيه، و موصوف بصفات جسمانية و أخلاقية معيّنة، يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، فيمثّل الفرصة الكبرى للإسلام الأصيل لأن يزحف باتّجاه النصر، و يفتح البلدان و ينقذ أهلها من جحيم الظلمة و المبطلين.

و هذا في الوقت الذي نجده في النظرية المسيحية، و هي تتحدّث عن منجي العالم السفلي، صاحب الراية العتيقة، الذي يظهر و يواجه المغرورين و المفسدين، فتذعن له الحكومات رغم جبروتها و تسلّطها. و هذه النظرية الغربية غالبا ما تحمل بداخلها إطارا فئويا، لا يخرج عن كون ذلك المنقذ هو المسيح نفسه.

6

و ثمة نظرية أخرى مفادها أنّ المنقذ العالمي هذا لا يعيد مجد المسيحية، بل اليهودية التي أصابها القمع و المظالم!و بذات الوتيرة تسعى إلى تقديم صور و نمطيات عن مجتمع اليهود تسندها قوى مقتدرة على الصعيدين: المالي و العسكري، لتمكّنها من ممارسة تشويه التاريخ بأبلغ صوره.

كما و أنّ لقضية منجي البشرية و ظهوره في آخر الزمان صدى بشكل دعاو و اشارات، بصورة صريحة أو مختزلة، في الديانات القديمة لدى الصينيّين و المغول و البوذيّين و المجوس و الهنود و الأحباش أيضا.

فالإيمان بحتمية ظهور المصلح الديني، و إقامة دولة العدل المرتقبة في كلّ أرجاء العالم لم يقتصر على المسلمين وحدهم، و لم يبتدعوه من فكرهم، بل يعدّ من النقاط المشتركة و البارزة بين الأديان السماوية و غير السماوية.

فالمسلمون يرتقبون ظهور المهدي المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه، و المسيحيون آمنوا بغيبة عيسى عليه السّلام و عودته في آخر الزمان، و اليهود ينتظرون عودة عزير عليه السّلام، كما أنّ مسيحيي الأحباش ينتظرون عودة ملكهم «ثيودور» كمهدي في آخر الزمان، و الهنود آمنوا بعودة «فيشفوا» ، و المجوس أيضا بانتظار عودة و ظهور «روشيدر» ، و هكذا البوذيّون لـ «بوذا» الذي يتمتمون باسمه في صلواتهم ليعجّل بعودته!

فالاتّفاق على حتمية ظهور منقذ البشرية بمعونة السماء، لكن الاختلاف في مسألة تحديد «هوية» هذا المنقذ العالمي الذي هو مكلّف بتحقيق أهداف الأنبياء.

و نقطة أخرى و هي أنّ ذلك كلّه راجع إلى ما ذكرته كتبهم المقدّسة، تصريحا أو إشارة، و ليس إلى تفسيرات أحبارهم و رهبانهم، ممّا يقتضي الاطمئنان إلى مسألة حسّاسة، ألا و هي عراقة هذه العقيدة و قدمها، و كونها تمثّل أصلا مشتركا في دعوات الأنبياء و تعاليمهم المقدّسة.

و من الجدير الإشارة إليه: أنّ الإيمان بحتمية ظهوره لا يختصّ بالأديان فحسب، بل‏

7

يشمل أيضا المدارس الفكرية و الفلسفية الشهيرة. إذ نجد في التراث الفكري الإنساني الكثير من النصوص المصرّحة بذلك:

فقد كتب المفكّر و الفيلسوف البريطاني الشهير «براتراند راسل» يقول: إنّ العالم في انتظار مصلح يوحّده تحت لواء واحد و شعار واحد.

و كتب العالم المعروف «ألبرت اينشتاين» يقول: إنّ اليوم الذي يسود العالم كلّه فيه السلام و الصفاء، و يكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد. و هي إشارة واضحة إلى ضرورة ظهور المصلح الكبير.

و يقول المفكّر الايرلندي الشهير «برنارد شو» مبشّرا بظهور مصلح يمتلك طاقات جسمية و عقلية خارقة، و يعمر مدة طويلة، في كتابه الذي أسماه «الإنسان السوپرمان» فكتب يقول: «إنسان حيّ ذو بنية جسدية صحيحة، و طاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، و أنّه يطول عمره حتّى ينيف على ثلاثمائة سنة، و يستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور، و ما استجمعه من أطوار حياته الطويلة» .

و قد كتب الأستاذ العقّاد معلّقا في كتابه «برناردشو» يقول: يلوح لنا أنّ سوپرمان شو ليس بالمستحيل، و أنّ دعوته لا تخلو من حقيقة ثابتة.

و على ضوء ما تقدّم فإنّ قضية المهدي المنتظر قضية إنسانية قبل أن تكون دينية، و عالمية قبل أن تكون إسلامية، لأنّها قبل كل شي‏ء تمثّل تعبيرا دقيقا عن طموح الإنسانية جمعاء بظهور من يأتي لينتشلها من واقعها المؤلم، و ينقذها من ظروف القهر التي تحيط بها.

كتب الشهيد محمّد باقر الصدر يقول في هذا الصدد، في كتابه «بحث حول المهدي» :

ليس المهدي تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها و مذاهبها، و صياغة لإلهام فطري أدرك الناس من‏

8

خلاله أنّ للإنسانية يوما موعودا على الأرض تحقّق فيه الرسالات مغزاها الكبير و هدفها النهائي.

و كتب المرحوم النسّابة آية اللّه المرعشي النجفي في مقدمة المجلّد الثالث عشر من كتابه «إحقاق الحقّ» يقول: «إنّ الأمم و المذاهب و الأديان اتّفقت كلمتهم على مجي‏ء مصلح سماوي إلهي ملكوتي لإصلاح ما فسد من العالم.... غاية الأمر أنّه اختلف كلمتهم بين من يراه عزيرا، و بين من يراه مسيحا، و من يراه خليلا، و من يراه من المسلمين من نسل الإمام مولانا أبي محمّد الحسن السبط، و من يراه من نسل الإمام مولانا أبي عبد اللّه الحسين السبط الشهيد... » .

فالاهتمام العالمي شامل لهذه القضية، و ليس الإسلام وحده و إن فاقهم بما لا مزيد عليه من أحاديث تجاوزت حدّ الاستفاضة، و أخبار كثيرة و عن طرق مختلفة و متعدّدة، لا يمكن إنكارها أو صرف النظر عنها، يرويها ائمة الحديث و أكابر الحفّاظ على اختلاف طبقاتهم.

و هذا الكتاب «العرف الوردي في أخبار المهدي» الماثل بين يديك-عزيزنا القارئ- يسعى إلى الكشف عن حقيقة الاهتمام الإسلامي تجاه هذه القضية، و إماطة اللثام عن أخرى أكثر إثارة و هي اهتمام المسلمين عموما، بجميع مذاهبهم و مشاربهم، بأهل البيت عليهم السلام الذي يمثّل المهدي أحد أقطابهم و خاتم كبّارهم، و هو ما يعني المزيد من المشتركات الموجودة بين الفريقين: الشيعة و السنّة في ميدان الحديث و السيرة و التاريخ و الملاحم المتعلّقة بآخر الزمان.

لكن ما يميّز هذا الكتاب أمران:

الأول: اعتماده على الأصول الحديثية المشهورة عند المسلمين، و لا يشكّ اثنان في دقّتها و أصالتها و صحّتها، إضافة إلى كون المؤلّف العلاّمة السيوطي يعدّ من أعلام الحديث و كبّار المحدّثين المبرزين في القرن العاشر الهجري، الذي عرف بسعة علمه في هذا

9

المجال، و إحاطته بالعلوم النقلية و أسانيدها و مصادرها المحقّقة.

و الثاني: دقّة الملاحظة في مطالب الكتاب، حيث ما يظهر اختلاف في الرواية حتّى يعقبه بالرأي الآخر، مشيرا إلى وجود اختلاف فيه ينبغي ملاحظته، أو أنّ ثمة معارض من الأخبار يجب الالتفات إليه، و هذا ما يزيد من قيمته، إضافة إلى أنّه لم يقتصر على مراجع و كتب مذهبه، بل أورد ما يسعه ذلك من طرق عديدة، و رواة ينتمون إلى مذاهب أخرى أيضا.

و هذا يعدّ جانبا مضيئا حرص الإسلام و ائمته على تثبيته في نفوس الاتباع، و التأكيد على السير وفق هذا المنهج السليم.

و لذا انبرى مركزنا العلمي-كعادته-ليتحمّل مسئوليته تجاه هذا الكتاب الذي يمكن أن يساهم في تكريس طموح المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة و محاولة تجسيد أهدافه السامية، فسعى إلى تقديم يد العون لمحقّقه الأخ الفاضل محمد كاظم الموسوي الذي لم يتردّد في الإجابة، و بذل الجهد في العناية بمتن الكتاب و محاولة التعليق على بعض موارده من باب التوضيح أو الشرح أو كشف غموض، فشارك مشكورا في مشروع المركز الذي لم يتوان في تقديم ما يلزم لغرض طبعه و نشره و هو مزيّن بتحقيق مفيد ينفع طلبة العلوم الدينية و المثقفين أيضا.

و بالتعاون المثمر بين مسئول المركز و رئيس قسم التاريخ و السيرة مع أفراده الذين لم يبخلوا في تقديم أيّ خدمة أو رعاية أو متابعة في هذا السياق، استطاعوا أن يذلّلوا الصعاب التي واجهتم أثناء العمل.

و في غضون ذلك عثر المحقّق الفاضل على مقال منشور في مجلة الجامعة الإسلاميّة، العدد (3) المدينة المنوّرة، تحت عنوان «عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر، للشيخ عبد المحسن العباد، و المقال كان في الواقع محاضرة ألقاها الشيخ في إحدى جامعات المدينة المنورة، يردّ فيها على مزاعم البعض كون أحاديث المهدي لم ترد في‏

10

الصحيحين على وجه التفصيل، و ما ورد عن البعض من الطعن في هذه الأحاديث بغير علم أو لغرض مستور، فقام بردّهم بأسلوب علمي متين، مع ذكر قائمة بأسماء الصحابة و التابعين الذين رووا هذه الأحاديث، و أسماء الأئمة الذين خرّجوها، و أبرز المؤلّفين الذين صنّفوا في المهدي بصورة كتب مفردة من علماء السنّة، إضافة إلى سرده لبعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تتعلّق بشأن المهدي.

و قد وجد المركز قيمة هذا المقال عالية من الجانب العلمي، و لأنّه لا يهمّ كون كاتب الأثر سنّيا أو شيعيا، مصريا كان أو سعوديا أو إيرانيا.. ، بل المهم نوع الأثر، و ما يحمله من مواضيع هادفة تخدم مصلحة المسلمين، و تصبّ في طموحاتهم التي أكّدها نبي الأمّة صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته الكرام عليهم السّلام و علماء هذه الأمّة العظيمة.

فتقرّر طبع هذا المقال مع تحقيقه و توثيقه بما يوائم و أسلوب العصر الحديث، و جعله كرسالة مقدّمة لكتاب العرف الوردي، لتنفع القارئ، و تزيد من معلوماته في هذا الاتجاه.

و في الوقت الذي نثمّن جهود المحقّق الكريم المتميّزة، و نخصّه بالشكر و التقدير على مساهمته هذه، و نقدّر جهود قسم التاريخ و السيرة الحثيثة، فإنّنا نجدّد الدعوة إلى أصحاب القلم و التحقيق إلى المساهمة في تكثيف الجهود لإحياء تراثنا الغزير، و تكريس العمل الجدّي من أجل توحيد الصفوف و الأقلام للوقوف بوجه كلّ الهجمات الثقافية و الأخلاقية التي يتعرّض لها عالمنا الإسلامي في الوقت الراهن.

نسأل المولى العليّ القدير أن يوفّقنا إلى تقديم الأفضل إلى المسلمين، من آثار علمائنا و محدّثينا، لا من المؤلّفات المستوردة إلينا على أنّها بديل لها، و اللّه هو الموفّق و المعين.

مركز التحقيقات و الدراسات العلمية

التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّةغ

11

كلمة المحقّق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته محمد و آله الطيّبين الطاهرين.

يعتبر الإيمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي، و إقامة الدولة الإلهية العادلة في كلّ الأرض، من نقاط الاشتراك البارزة في الأديان. و الاختلاف فيما بينهم إنّما هو في تحديد هوية هذا المصلح الديني العالمي الذي سيحقّق أهداف و آمال الأنبياء عليهم السّلام.

و الملاحظ في جميع الديانات هو رسوخ هذه العقيدة عندهم، و أنّها أصل مشترك في دعوات الأنبياء، و من هنا كان التبشير بحتمية ظهور المصلح العالمي يشكّل عاملا فعّالا باتّجاه تحقيق أهداف الرسالات، و بناء و تأهيل المجتمع نحو عصر المنقذ العالمي، و الدولة الإلهية، و الحكومة العادلة.

ثم إنّ الإيمان بفكرة ظهور المنقذ العالمي تعبّر عن حاجة فطرية عامّة، يشترك بها بنو البشر عموما، و هذه الحاجة أساسها ما جبل عليه الانسان من تطلّع مستمرّ نحو الكمال، و أنّ ظهور المنقذ العالمي تعبير عن وصول المجتمع البشري إلى كماله المنشود.

12

يقول السيد محمد باقر الصدر رحمه اللّه: «ليس المهدي تجسيد لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها و مذاهبها، و صياغة لإلهام فطري أدرك الناس من خلاله أنّ للإنسانية يوما موعودا على الأرض، تحقّق فيه رسالات السماء مغزاها الكبير و هدفها النهائي... » (1) .

و بعد وضوح الفكرة، و كونها من المشتركات بين الأديان، و حتميتها و فطريتها بالنسبة لأبناء البشر، فمن الطبيعي أن يقوم أتباع كلّ دين و فرقة إلى اختيار مصداق لهذه الشخصية الغيبية الإلهية التي تتحدّث عنها نصوص الأديان و بشارات الأنبياء.

و من هنا عمدت بعض الطوائف و الديانات إلى أسلوب التأويل للنصوص، و البشارات التي لا تنسجم مع فكرتها في تعيين هوية المصلح العالمي، و أوّلتها بما ينسجم مع فهمها الخاصّ لهذه النصوص.

فأمّا بالنسبة لأصحاب الديانات-كاليهودية و النصرانية-فلعلّ الذي فتح لهم باب التأويل في تحديد هوية المصلح العالمي، هو غيبية المسألة، و جهلهم بالدين الإسلامي، و عدم اطّلاعهم على النصوص الواردة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و عن أهل بيته عليهم السّلام في خصوص تحديد من هو المصلح العالمي.

و ممّا يميّز المسلمين عن غيرهم من الديانات الأخرى: اتّحاد الفكرة عندهم، و إجماعهم على أنّ المصلح العالمي الذي بشّرت به كلّ الأديان هو المهدي المنتظر، و أنّه من ذرّية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و من ولد فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها.

و قد اختصّت مدرسة أهل البيت عليهم السّلام من بين فرق الإسلام بالقول بغيبة الإمام المهدي عليه السّلام، و أنّه هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت الذين بشّر بهم النّبي صلّى اللّه عليه و آله

____________

(1) . بحث حول المهدي: 7.

13

و أنّه سيظهر في آخر الزمان، و يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا.

و قد اعتنق هذه العقيدة بالمهدي عليه السّلام البعض من علماء بقية الفرق من المسلمين و آمنوا بها (1) ، و البقية منهم و إن لم يوافقوا مذهب أهل البيت، إلاّ أنّهم وافقوهم في الكثير ممّا ورد بشأن المهدي عليه السّلام، و هذا الاشتراك هو عامل مهمّ من عوامل وحدة المسلمين، و نقطة التقاء بين المذاهب الإسلاميّة.

و إيمانا منّا بجميع ما تقدّم، و مساهمة في رفد المكتبة الإسلامية بأثر مهمّ ضمّ المئات من الآثار و الأحاديث النبوية الواردة في المهدي عليه السّلام، قمنا بتحقيق هذا الأثر، ألا و هو كتاب «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ جلال الدين السيوطي.

ترجمة السيوطي‏

اسمه و نسبه‏

الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي أو (الاسيوطي) (2) الخضري‏ (3) المصري الشافعي، ولد بالقاهرة سنة 849 للهجرة، و نشأ يتيما، و حفظ القرآن و ألفية ابن مالك و منهاج الفقه للبيضاوي و المنهاج للنووي و له ثمان سنين.

____________

(1) . كالعلاّمة عبد الوهاب الشعراني صاحب اليواقيت و الجواهر، و شيخه علي الخواص.

(2) . أسيوط أو سيوط بلدة في صعيد مصر غربي النيل، و يقال: الأسيوطي بضمّ أوله، نسبة لها. (لباب الأنساب للسيوطي: 15) .

(3) . الخضري نسبة إلى محلّة الخضرية ببغداد، و وجد بخط السيوطي أنّه سمع ممّن يثق به أنّه سمع والده يذكر: أنّ جدّه الأعلى كان أعجميا أو من المشرق، فلا يبعد أنّ النسبة هذه إلى المحلّة المذكورة، و أمه أم ولد تركية (النور السافر 1: 51) .

14

أبرز أساتذته و مشايخه‏

ثم شرع و هو دون البلوغ في الاشتغال بطلب العلم، و حضر عند أساتيد مصر و أعيان علمائها، فحضر و هو صغير درس الشيخ زين العابدين العتبي‏ (1) ، و درس الشيخ سراج الدين عمر الوردي‏ (2) .

ثم لازم الشيخ البلقيني‏ (3) مدة، و أجازه بالتدريس و الإفتاء.

و لزم بعده الشرف المناوي‏ (4) ، و سيف الدين قطلوبغا الحنفي‏ (5) ، ثم حضر عند

____________

(1) . قال في النور السافر: 52: «زين الدين العتبي» و في شذرات الذهب 4: 52 «زين الدين العقبي» .

(2) . سراج الدين عمر بن الوردي، فقيه شافعي، توفّي سنة 861 هـ، و هو غير عمر ابن الوردي مؤلّف كتاب «خريدة العجائب و فريدة الغرائب» المتوفّى سنة 749 هـ. أنظر النور السافر 1: 52، و الأعلام 5: 67.

(3) . البلقيني: هو صالح بن عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، كان من العلماء بالحديث و الفقه، و هو ابن سراج الدين البلقيني صاحب محاسن الاصطلاح، توفّي سنة 868 هجري، له «الغيث الجاري على صحيح البخاري» و «تتمة التدريب» أكمل به كتاب والده: التدريب في فقه الشافعية، ترجم له السيوطي في «حسن المحاضرة» و قال: هو شيخنا، و حامل لواء مذهب الشافعي في عصره، قرأت عليه الفقه و أجازني بالتدريس. (شذرات الذهب 4: 307، الأعلام 3: 194 و غيرها) .

(4) . الشرف المناوي: هو شرف الدين يحيى بن محمد المناوي، فقيه شافعي، و أصولي و محدّث، و قاضي الديار المصرية، له «فروع الشافعية» ، و «شرح مختصر المزني» ، و «شرح الروض الآنف» للسهيلي، توفّي سنة 871 هجري، و هو جدّ المحقق عبد الرءوف المناوي صاحب الشرح المعروف بالفيض القدير على الجامع الصغير للسيوطي. ترجم له السيوطي في «حسن المحاضرة» و قال: هو شيخنا، و هو آخر علماء الشافعية و محقّقيهم. (شذرات الذهب: 4: 312، الأعلام 8: 167) .

(5) . قطلوبغا: محمّد سيف الدين البكتمري الحنفي المصري، تركي الأصل، قال عنه ابن الهمام: «محقّق الديار المصرية و مدرّسها الأول في الفقه و التفسير» له شروح و حواشي متقنة على التوضيح لابن هشام، و على شرح البيضاوي للأسنوي، و شرح التنقيح للقرافي، ترجم له السيوطي في «حسن المحاضرة» و «طبقات النّحاة» و قال: شيخنا الإمام العلاّمة سيف الدين المحقّق.... و هو آخر شيوخي موتا. (شذرات الذهب 4: 332، الأعلام 7: 50) .

15

التقي الشمني الحنفي‏ (1) ، فشهد له بالتقدّم في العلوم و الفنون.

أبرز تلامذته‏

ثم شرع بالتدريس، فتخرج على يديه الكثير من العلماء و أعيان مصر، منهم:

1-عبد الوهاب الأنصاري الشافعي المصري، المعروف بالشعراوي أو الشعراني، صاحب كتاب «اليواقيت و الجواهر في بيان عقائد الأكابر» . و قد ذهب في كتابه هذا إلى أنّ الإمام المهدي عليه السّلام من أولاد الحسن العسكري، و ولد بسامراء ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين للهجرة، و هو باق إلى أن يجتمع بعيسى عليه السّلام، و وافقه على ذلك شيخه علي الخواصّ‏ (2) .

2-أبو البركات محمد بن إياس الحنفي، صاحب كتاب «مرج الزهور في وقائع الدهور» و «نزهة الأمم في العجائب و الحكم» .

____________

(1) . الشمني: هو تقي الدين أحمد بن حليفة الشمني الحنفي، محدّث و مفسّر و نحوي، له شرح المغني لابن هشام، و كمال الدراية في شرح النقاية في فقه الحنفية، ولد بالاسكندرية، و تعلّم بالقاهرة و مات بها سنة 872 هـ. ترجم له السيوطي في بغية الوعاة و قال: شيخنا الإمام العلاّمة، المفسّر المحدّث، الأصولي المتكلّم، إمام النّحاة في زمانه» (شذرات الذهب 4: 313، الأعلام 1: 230، معجم المطبوعات العربية 1: 1143) .

و الشمني: بفتح الشين و الميم، نسبة إلى شمن، قرية من قرى استراباذ (الأنساب للسمعاني 3: 458) و قال الحموي: «من قرى استراباذ مازندران» (معجم البلدان 3: 365) . و قال السيوطي: «الشمني بفتحتين قرية في استراباذ» (لباب الأنساب: 156) .

(2) . نور الأبصار للشبلنجي: 187. و أمّا الشيخ علي الخواصّ، فلم نعثر له على ترجمة في طيّات الكتب، إلاّ أنّ الشعراني ألّف كتابا اسمه درر الغوّاص على فتاوى سيدي علي الخواصّ جمع فيه فتاوى شيخه، و له أيضا كتاب آخر هو الجواهر و الدرر الكبرى ذكر فيه أنّه ألّفه بالتماس من الناس بأن يذكر لهم ما تلقّنه على شيخه علي الخواصّ، ممّا سمعه منه حال مجالسته له مدّة عشرين سنة، فأجابهم لذلك و ألّف هذا الكتاب. و من هذا يظهر أنّ الشيخ علي الخواصّ من مشايخ الشعراني، و من أهل الفتوى، و كان موضع اهتمام الناس و العلماء. و قد ذكرت أسماء الكتب في معجم المطبوعات العربية 1: 1131، و الأعلام 4: 181.

16

3-شمس الدين الداودي الشافعي، صاحب كتاب ذيل طبقات الشافعية، و له مصنّف في ترجمة شيخه الجلال السيوطي.

أشهر مصنّفاته‏

و لمّا بلغ الجلال السيوطي الأربعين اعتزل الناس، منزويا حتّى عن الصحب و الخلاّن، فألّف أكثر كتبه و مصنّفاته، فألّف الكثير، حتّى فاقت مصنّفاته على الخمسمائة مصنّف في شتّى العلوم و الفنون، و كان مع ذلك، جميل العبارة، لطيف الإشارة، حسن الجمع، بديع الترتيب، و نالت مصنّفاته شهرة و قبولا بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم، و تداولها الناس و تلقّوها بالقبول.

و من أشهر مصنّفاته: تفسير الدرّ المنثور، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي في علم الحديث، جمع الجوامع في الحديث و يسمّى أيضا بالجامع الكبير، الجامع الصغير و هو مختصر لجامعه الكبير، العرف الوردي في أحاديث المهدي، كشف اللبس في حديث ردّ الشمس، إحياء الميت بفضائل أهل البيت، التعظيم و المنّة في أنّ أبوي النّبي في الجنّة، البهجة المرضية شرح ألفية ابن مالك في النحو، شرح ألفية العراقي في علم الدراية و الحديث، الديباج على صحيح مسلم بن الحجّاج، تنوير الحوالك على موطأ مالك، حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة، اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، لباب النقول في أسباب النزول، تلخيص طبقات الحفّاظ للذهبي، الحاوي في الفتاوي و هو مجموعة رسائل في التفسير و الحديث و سائر الفنون، و غيرها من المصنّفات و الرسائل.

وفاته‏

توفّي الجلال السيوطي بمنزله بالقاهرة في جمادى الأولى سنة 911 للهجرة،

17

عن إحدى و ستين سنة، و دفن في حوش قوصون خارج باب القرافة (1) .

عملنا في الكتاب‏

و قد اعتمدنا على نسختين من كتاب «العرف الوردي» ، و كلاهما مطبوع في ضمن مجموعة كتب و رسائل للسيوطي باسم «الحاوي للفتاوي» .

النسخة الأولى: طبع دار الكتب العلمية سنة 1408 للهجرة و 1988 ميلادي، و هي النسخة المصحّحة على نسخة دار الكتب المصرية، و دار الكتب الأزهرية، و قام بتصحيحها و نشرها جماعة من طلاّب العلم بالأزهر سنة 1352 للهجرة.

النسخة الثانية: طبع المكتبة العصرية سنة 1990 ميلادي، و هي مصوّرة على طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد المصري.

هذا و قمنا بتحقيق رسالة الأستاذ الشيخ عبد المحسن العباد آل بدر، و التي هي بعنوان: «عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر» ، و جعلناها كمقدّمة لكتاب «العرف الوردي» لأهمّيتها العلمية و التاريخية، و لما تحمل بين طيّاتها من مباحث مهمّة حول مسألة «المهدي المنتظر» لا غنى للباحث عنها.

نبذة عن حياة الشيخ عبد المحسن العباد آل بدر

الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد آل بدر، من أساتذة التدريس في المعهد العلمي في الرياض، ثم أستاذ في كلّية الشريعة و عضو الهيئة التدريسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، و مدرّسا في الحرم النبوي الشريف، له عدّة من المؤلّفات، منها:

____________

(1) . مصادر الترجمة: شذرات الذهب 4: 51 إلى 57، النور السافر: 51، هدية العارفين 1: 534، معجم المطبوعات العربية 1: 1073، معجم المؤلّفين 5: 128.

18

*فضائل أهل البيت و علو مكانتهم عند أهل السنّة و الجماعة

*فضل المدينة المنوّرة و آداب سكناها و زيارتها

*شرح العقيدة القيروانية

*الردّ على من كذّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي‏

*عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر و هي هذه الرسالة التي قمنا بتحقيقها و التعليق على بعض فصولها، و جعلناها كمقدّمة لكتاب «العرف الوردي في أحاديث المهدي» لما تشتمل عليه من مطالب مهمة مع إيجازها و اختصارها؛ كإثبات وجوب الإيمان بالمهدي المنتظر، و أنّ وجوب الإيمان به عليه السلام هو من عقيدة المسلمين كافّة، و كإثبات صحّة روايات المهدي، و تواترها، و ذكر أسماء الرواة من الصحابة، و أسماء المخرّجين لها، و أسماء المصنّفين في المهدي عليه السلام، و غير ذلك من الأمور العشرة التي بحثها المؤلّف، و التي تتألّف منها هذه الرسالة.

و لم يقتصر عملنا في الكتابين على استخراج الأحاديث و الأقوال من مصادرها فقط، بل أشرنا أيضا إلى موارد الاختلاف في النسخ، مع التعليق على الموارد المهمّة فيما يخصّ بعض المسائل العقائدية و التاريخية، و الحديثية و السندية و غيرها، و نقل ما ينفع القارئ الكريم في الكثير من الموارد المهمّة. نتمنّى أن نكون قد وفّقنا في عملنا هذا.

على أن لا يفوتنا تقديم الشكر الجزيل لأفراد مركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، على تقديمهم العون لي في إنجاز عملي، و جهودهم المكثّفة من أجل طبع و نشر هذا الكتاب بأجمل حلله، فجزاهم اللّه عن الإسلام و المسلمين جزاء المحسنين.

و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد الطاهرين. ـ

19

عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر غ الشيخ عبد المحسن العباد آل بدر

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر (1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم أخبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله أمته عن الأمم الماضية بأخبار لا بدّ من التصديق بها، و أنّها وقعت وفق خبره صلّى اللّه عليه و آله، كما أخبر عن أمور مستقبلة لا بدّ من التصديق بها، و الاعتقاد أنّها ستقع على وفق ما جاء عنه صلّى اللّه عليه و آله و ما من شي‏ء يقرب إلى اللّه إلاّ و قد دلّ الأمّة عليه، و رغّبها فيه، و ما من شرّ إلاّ حذّرها منه.

و إنّ من بين الأمور المستقبلة التي تجري في آخر الزمان، عند نزول عيسى بن مريم عليه السّلام من السماء، هو خروج رجل من أهل بيت النبوّة من ولد علي بن أبي طالب، يوافق اسمه اسم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و يقال له: المهدي، يتولّى إمرة المسلمين، و يصلّي عيسى بن مريم عليه السّلام خلفه، و ذلك لدلالة الأحاديث المستفيضة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي تلقتها الأمّة بالقبول، و اعتقدت بموجبها إلاّ من شذّ.

و سيكون الكلام حول هذا الموضوع لأمرين:

____________

(1) . أصل هذه الرسالة محاضرة ألقيت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، و نشرتها مجلّة الجامعة الإسلامية في العدد الثالث من السنة الأولى في ذي القعدة سنة 1388 هجري، ثم طبعت مرّات عديدة لأهمّيتها، بصورة مرتّبة و مبوبّة مع حذف الزوائد و التكرار، مع المحافظة على المحتوى، و من دون تغيير في عبارة المصنّف.

22

الأول: أنّ الأحاديث الواردة في المهدي لم ترد في الصحيحين على وجه التفصيل، بل جاءت مجملة، و قد وردت في غيرهما مفسّرة لما فيهما، فقد يظنّ ظانّ أنّ ذلك يقلّل من شأنها، و ذلك خطأ واضح‏ (1) .

____________

(1) . هذه هي الشبهة الأولى التي أشار لها المصنّف، و هي أنّ أحاديث المهدي ضعيفة لعدم ورودها في الصحيحين. و الجواب: أنّ الصحيحين لم يستوعبا الحديث الصحيح، بل الموجود من الحديث الصحيح في غيرهما أكثر.

قال الدمشقي في توجيه النظر: 92، و ابن الصلاح في علوم الحديث: 19، و العراقي في التقييد و الإيضاح: 30 «إنّهما-البخاري و مسلم-لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما» و في توجيه النظر: 93 قال: «نقل الحازمي و الإسماعيلي قول البخاري: إنّ ما تركته من الصحيح أكثر» .

و مثله قول مسلم حيث عوتب على تركه الكثير من الحديث الصحيح، قال العراقي في التقييد و الإيضاح:

30 ما نصّه: «و روي عن مسلم أنّه قال: ليس كلّ شي‏ء صحيح و ضعته هنا، يعني في كتابه الصحيح» .

و ممّا يدلّ على كثرة وجود الحديث الصحيح في غير الصحيحين، قول ابن كثير في الباعث الحثيث: 37 قال: «و يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد و المتون شي‏ء كثير ممّا يوازي كثيرا من أحاديث مسلم، بل و البخاري أيضا، و ليست عندهما و لا عند غيرهما... و كذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير و الأوسط و مسندي أبي يعلى و البزّاز و غير ذلك من المسانيد و المعاجم و الفوائد و الأجزاء ما يتمكّن المتبحّر في هذا الشأن من الحكم بصحّة كثير منه» .

و قول الدمشقي في توجيه النظر: 137 حيث قال: «قد ذكرنا في ما سبق أنّ الشيخين لم يستوعبا الحديث الصحيح، و لا التزما بذلك، فمن أراد معرفة الصحيح الزائد على ما فيهما فليطلبه في الكتب المصنّفة في الصحيح المجرّد، و في الكتب المستخرجات على الصحيحين؛ كصحيح أبي عوانة، و صحيح ابن خزيمة، و صحيح ابن حبّان» .

و قول العراقي في التقييد و الإيضاح: 31 حيث قال «ثم الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقّاها طالبها ممّا اشتمل عليه أحد المصنّفات المعتمدة المشهورة لأئمة الحديث؛ كأبي داود و الترمذي و النسائي و ابن خزيمة و الدار قطني.... » ، و مثله قول ابن الصلاح في علوم الحديث: 36.

و يدلّ على ذلك أيضا قول البخاري، فقد قال حمدويه: سمعت البخاري يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح» (تذكرة الحفّاظ 2: 556، تهذيب الكمال 24: 461، مقدّمة فتح الباري: 488)

و من المعلوم أنّ الموجود في صحيح البخاري لا يزيد عن الثلاثة آلاف حديث، و معنى ذلك هو وجود ما-

23

فالصحيح بل الحسن في غير الصحيحين مقبول معتمد عند أهل الحديث‏ (1) .

الثاني: أنّ بعض الكتاب في هذا العصر أقدم على الطعن في الأحاديث الواردة في المهدي بغير علم، بل جهلا أو تقليدا لأحد لم يكن من أهل العناية بالحديث.

و قد اطّلعت على تعليق لعبد الرحمن محمد عثمان على كتاب تحفة الأحوذي الذي طبع أخيرا في مصر.

قال في الجزء السادس، في باب: ما جاء في الخلفاء، في تعليقه: «يرى الكثيرون من العلماء أنّ كلّ ما ورد من أحاديث عن المهدي، إنّما هو موضع شكّ، و أنّها لا تصحّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بل إنّها من وضع الشيعة» .

و قال معلّقا بشأن المهدي في باب: ما جاء في تقارب الزمن و قصر الأمل، في الجزء المذكور: «و يرى الكثيرون من العلماء الثقات الأثبات أنّ ما ورد في أحاديث

____________

ق-يزيد على التسعين ألفا من الأحاديث الصحيحة، و هي لا تختصّ و لا تنحصر بالبخاري وحده، و ذلك لاشتراك الشيوخ و الطرق، فتكون هذه الصحاح عنده و عند غيره من الحفّاظ و المحدّثين؛ كالطبراني و النسائي و ابن ماجة و الترمذي و ابن حنبل و الحاكم و غيرهم.

(1) . و هذا جواب من المصنّف، خلاصته: أنّ الحديث الصحيح في غير الصحيحين معمول به و مقبول، و احتجّ به العلماء و المحدّثون و الفقهاء، بل حتّى الحديث الحسن كذلك، فإذا كانت أحاديث المهدي في غير الصحيحين تعدّ من الحسن، فالحسن معمول به و مقبول، و يحتجّ به عند العلماء و المحدّثين، فهو كالصحيح.

قال ابن كثير: «الحسن و هو في الاحتجاج كالصحيح عند الجمهور» . (الباعث الحثيث: 46) .

و قال العلاّمة الخطابي: «الحسن عليه مدار أكثر الحديث، و هو الذي يقبله أكثر العلماء، و يستعمله عامة الفقهاء» (تدريب الراوي: 77، الباعث الحثيث: 47، التقييد و الإيضاح: 45) .

و قال السيوطي: «الحسن كالصحيح في الاحتجاج و إن كان دونه في القوة، و لذا أدرجته طائفة في نوع الصحيح؛ كالحاكم و ابن حبّان و ابن خزيمة» . (تدريب الراوي: 81) .

و قال ابن جماعة: «الحسن حجّة كالصحيح و إن كان دونه، و لذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه و لم يفردوه عنه، و هو ظاهر كلام الحاكم في تصرّفاته، و تسميته جامع الترمذي بالجامع الصحيح، و أطلق الخطيب اسم الصحيح على كتابي الترمذي و النسائي» . (المنهل الرويّ 1: 37) .

24

خاصّة بالمهدي ليست إلاّ من وضع الباطنية و الشيعة و أضرابهم و أنّها لا تصحّ نسبتها إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله» (1) .

____________

(1) . هذه هي الشبهة الثانية التي أشار لها المصنّف، و هي تضعيف أحاديث المهدي بدعوى أنّها من وضع الشيعة. و الجواب عن ذلك:

أولا: أنّ هذه الدعوى، غير صحيحة، إذ لم نر أحدا من الأئمة و الحفّاظ ذكر أو احتمل ذلك، وليته-و هو يقول: الكثير من العلماء الثقات-ذكر لنا واحدا منهم!

و ثانيا: أنّ المخرّجين لها هم من أئمة أهل السنّة و حفّاظها، و قد نصّوا على صحّتها و بلوغها حدّ التواتر من طرقهم، و ليس من طرق الشيعة. و رواها الائمة و الحفّاظ بطرقهم المعتبرة عندهم عن أكثر من عشرين صحابيا، بل اعترف غير واحد منهم بشهرتها بين أهل الإسلام في كلّ العصور.

قال العلاّمة المباركفوري في تحفة الأحوذي 6: 401، و العظيم‏آبادي في عون المعبود 11: 243:

«اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الاسلام على مرّ الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين..... و يسمّى المهدي... و خرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة، منهم: أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و البزّاز و الحاكم و الطبراني و أبو يعلى و أسندوها إلى جماعة من الصحابة... » و هذا كلّه يدلّ على شهرة أحاديث المهدي في كلّ الأعصار و بين كلّ الحفّاظ، فكيف يخفى عليهم جميعا وضع هذه الأحاديث و هي بهذه الكثرة البالغة حدّ التواتر؟

مع أنّ الحفّاظ لم يكونوا في غفلة عن الوضّاعين، و عن عملية الوضع في الحديث، و الدليل: كثرة المصنّفات في الأحاديث الموضوعة، و التنصيص عليها في الشروح و المصنّفات الفقهية و الحديثية. و مع كلّ هذا نراهم يصفون أحاديث المهدي بالصحّة، و التواتر، و الشهرة، و الاستفاضة، و أفردوها بالتصنيف، و جعلوا لها أبوابا في مصنّفاتهم مع مزيد من الاهتمام، و أنّهم يصفون ما يعارضها بأنّه موضوع مكذوب.

و سيأتي مزيد كلام عن ذلك من المصنّف.

و ثالثا: أنّه لو كانت بعض أسانيد أحاديث المهدي تشتمل على رواة من الشيعة، فذلك لا يقدح بصحّتها و قبولها و الاحتجاج بها، لأنّ العبرة عندهم في قبول الأخبار على صدق الراوي و ضبطه، و أمّا الاختلاف في المذاهب و العقائد فلم يشترطه أحد.

قال ناصر الدين الألباني: «على أنّه لو صحّت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحّة الأحاديث، لأنّ العبرة في الصحّة إنّما هو الصدق و الضبط، و أمّا الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرّر في مصطلح الحديث، و لهذا روى الشيخان في صحيحهما لكثير من الشيعة و غيرهم من الفرق» (مجلّة التمدّن الإسلامي الجزء: 27 و 28) . -

25

____________

ق-و قال محمد صدّيق القنوجي: «و المعتبر في الرواة أمران لا ثالث لهما، و هما الضبط و الصدق، دون ما اعتبره عامة أهل الأصول من العدالة و غيرها» . (الإذاعة في أشراط الساعة: 112) .

و قال ابن حجر: «و اعلم أنّه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبّه لذلك، و عدم الاعتداد به إلاّ بحقّ... و لا أثر لذلك التضعيف مع الصدق و الضبط» (مقدّمة فتح الباري:

382) . و انظر لذلك أيضا: المنهل الرويّ 1: 63، و الكفاية في علم الدراية 1: 94.

و ممّا يدلّ على أنّ مدار صحّة الحديث و قبوله هو على الصدق و الضبط فقط، و أنّ الاختلاف في المذاهب لا يؤثّر على صحّة الخبر: احتجاج البخاري و مسلم و أصحاب السنن و المسانيد و غيرهم برجال الشيعة، و توثيقهم، و الرواية عنهم، و نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعضا منهم:

(1) إسماعيل بن أبان الورّاق: من شيوخ البخاري، احتجّ به في الصحيح و روى عنه بلا واسطة، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 10: 347 و عدّه من شيوخ البخاري و قال: «فيه تشيّع، و روى عنه الدارمي و أبو زرعة، و وثّقه أحمد و أبو داود» و أنظر الكاشف للذهبي 1: 42 رقم 345.

(2) خالد بن مخلد القطواني: من شيوخ البخاري، احتجّ به البخاري و مسلم، ترجم له الذهبي في تذكرة الحفّاظ 1: 406 و قال: «شيعي صدوق، و روى عنه البخاري و الجماعة» . و في ميزان الاعتدال 1: 640:

«روى له البخاري و مسلم و النسائي، و قال أبو داود: صدوق لكنّه يتشيّع، و قال ابن سعد: مفرط في التشيّع» . و في سير أعلام النبلاء 10: 17: «روى له البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن ماجة، و حدّث عنه البخاري في الصحيح و عباس الدوري...... » . و انظر الكاشف للذهبي 1: 368 رقم 1353.

(3) الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين: من شيوخ البخاري، احتجّ به هو و مسلم و غيرهما، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 10: 142 و قال: «فيه تشيّع و كان يقول: حبّ علي عبادة» ، و في ميزان الاعتدال 3: 350: «حافظ حجّة إلاّ أنّه يتشيّع» . و انظر الكاشف للذهبي 2: 122 رقم 4463.

(4) أبو غسان الحافظ الحجّة مالك بن إسماعيل النهدي: من شيوخ البخاري، ترجم له الذهبي في تذكرة الحفّاظ 1: 402 و قال: «حدّث عنه البخاري، ثقة ثبت، و قال أبو داود: شديد التشيّع» ، و في سير أعلام النبلاء 10: 430: «قال النسائي و غيره: ثقة، روى له البخاري و الذهلي و ابن أبي شيبة و أبو عوانة و خلق كثير، و سئل البخاري عن مذهبه في التشيّع فأقرّ بذلك» ، و انظر الكاشف للذهبي 2: 233 رقم 5239.

(5) فطر بن خليفة: احتجّ به البخاري و أصحاب السنن، قال الذهبي: «قال ابن معين: ثقة شيعي، و كذا قال عبد اللّه بن أحمد، و وثّقه أحمد و غيره» (ميزان الاعتدال 3: 364) ، و ترجم له في سير أعلام النبلاء-

26

____________

ق-7: 30 قال: «الشيخ العالم المحدّث الصدوق، و نقل عن غير واحد أنّه كان شيعيا، و احتجّ به البخاري في الصحيح و أصحاب السنن الأربعة» ، و قال في الكاشف 2: 125 رقم 4494 «شيعي جلد، وثّقه أحمد و ابن معين» و مثله في تهذيب التهذيب 8: 270، و تقريب التهذيب 2: 16. و قال عباس الدوري: «سمعت يحيى يقول: فطر بن خليفة ثقة، و هو شيعي» (تاريخ ابن معين 1: 246 رقم 1609) .

(6) سعيد بن محمّد الجرمي: قال الذهبي: «روى عنه البخاري و مسلم، و هو ثقة، لكنّه شيعي، و قال ابن معين: صدوق» (ميزان الاعتدال 2: 157) ، و في الكاشف 1: 443 قال: «ثقة يتشيّع، روى له البخاري و مسلم و أبو داود و ابن ماجة» .

(7) معروف بن خربوذ: احتجّ به البخاري و مسلم و أبو داود و ابن ماجة، و قال الذهبي: «صدوق شيعي» (ميزان الاعتدال 4: 144، الكاشف 2: 280) .

(8) عباد بن يعقوب الرواجني: وصفه الذهبي في تذكرة الحفّاظ 2: 541 بـ «محدّث الشيعة» ، و قال:

«عباد بن يعقوب الرواجني، شيعي جلد، روى له البخاري و الترمذي و ابن ماجة و ابن خزيمة و ابن صاعد و خلق، وثّقه أبو حاتم» (الكاشف 1: 532 رقم 2581) ، و ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 11: 536 و قال: «الشيخ العالم الصدوق محدّث الشيعة، روى عنه البخاري و الترمذي و ابن ماجة» .

و ترجم له الحافظ المزي في تهذيب الكمال 14: 175.

(9) عبد الله بن عمر الكوفي الملقّب بمشكدانة: قال ابن حجر: «كان غاليا في التشيّع، فكان يمتحن كلّ من يجيئه من أهل الحديث، روى عنه مسلم اثني عشر حديثا» (تهذيب التهذيب 5: 290) و قال الذهبي:

«الإمام الثقة..... حدّث عنه مسلم و أبو داود و أبو زرعة و البغوي، و قيل: كان مشكدانة شيعيا» (سير أعلام النبلاء 11: 155) و مثله في الكاشف 1: 578 رقم 2874. و في ميزان الاعتدال 2: 466 قال:

«صدوق، صاحب حديث، روى له مسلم و أبو داود، و يروى عنه: أنّه شيعي، و عن صالح جزرة قال: إنّه كان يمتحن أصحاب الحديث، و كان غاليا في التشيّع» . و قال ابن حجر: «صدوق فيه تشيّع» (تقريب التهذيب 1: 516) .

(10) أبان بن عثمان الكوفي: احتجّ به مسلم و أصحاب السنن، قال الذهبي: «شيعي جلد، لكنّه صدوق، وثّقه أحمد بن حنبل و ابن معين و أبو حاتم، و قال ابن عدي: كان غاليا في التشيّع» (ميزان الاعتدال 1:

5) . و ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 6: 308، و في الكاشف 1: 205 رقم 104 و قال: «ثقة شيعي» ، و مثله في تهذيب التهذيب 1: 81.

(11) إسماعيل بن عباد الصاحب: شيعي، روى له أبو داود و الترمذي (ميزان الاعتدال 1: 212) . -

27

____________

ق- (12) إسماعيل بن زكريا الخلقاني: روى له الأربعة، صدوق شيعي، وثّقه ابن معين (ميزان الاعتدال 1: 228) .

(13) تليد بن سليمان الأعرج: قال أحمد: «شيعي، لم نر به بأسا، روى له الترمذي» (ميزان الاعتدال 1: 358) .

(14) علي بن المنذر الطريقي: روى له النسائي و الترمذي و ابن ماجة، قال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة، و قال النسائي: شيعي محض» (ميزان الاعتدال 3: 157) .

(15) محمّد بن فضيل بن غزوان: روى له أصحاب السنن، كوفي صدوق مشهور، وثّقه ابن معين، و قال أحمد: حسن الحديث، و قال أبو داود: كان شيعيا» (ميزان الاعتدال 4: 10) .

(16) سعيد بن خثيم: روى له الترمذي و النسائي، قيل ليحيى بن معين: هو شيعي؟قال: «شيعي ثقة» (ميزان الاعتدال 2: 133) .

(17) عدي بن ثابت: روى له أصحاب السنن، قال الذهبي: «عالم الشيعة و صادقهم و قاصّهم، و إمام مسجدهم، قال أبو حاتم: صدوق، و قال ابن معين: شيعي مفرط» (ميزان الاعتدال 3: 62) .

هذه ثلّة قليلة من محدّثي الشيعة و رواتهم، ممّن روى لهم البخاري و مسلم و أصحاب السنن و المجاميع الحديثية المعتبرة، و بعضهم كان من شيوخ البخاري و مسلم، و قد احتجّوا بهم، مع التنصيص على تشيّعهم، و لو أردنا استقصاء رجال الشيعة في أسانيد الصحاح و المسانيد لفاقت المائتين و أكثر، و هذا يدلّ على أنّ الأصل عندهم في قبول الأخبار هو على الصدق و الضبط، و أمّا الاختلاف في المذهب و العقائد فليس بضارّ عندهم.

و منه يتبيّن بطلان كلام المعترض على أحاديث المهدي من أنّها من وضع الشيعة، فقد تقدّم أنّها متواترة من طرقهم بشهادة الحفّاظ، و الأئمة، و أنّ وجود الشيعي في السند لا يقدح بصحّة الحديث، بشهادة ما تقدّم من ابن حجر و الألباني و غيرهم، و هذا هو المقرّر في علم الحديث، و الدليل: كثرة رجال الشيعة في الصحاح و السنن و المسانيد، و الرواية عنهم، و الاحتجاج بهم.

و رابعا: أنّ العلماء و المحقّقين من أهل السنّة، ضعّفوا الأحاديث المعارضة لأحاديث المهدي، و التي يلزم منها نفي أحاديث المهدي منطوقا أو مفهوما، كحديث محمد بن خالد الجندي عن أنس عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «لا مهدي إلاّ عيسى» فحكموا عليه بالوضع.

قال ابن حجر: «قال أبو الحسين الآبري في مناقب الشافعي: و قد تواترت الأخبار أنّ المهدي من هذه الأمّة، و أنّ عيسى يصلّي خلفه، ذكر ذلك ردّا للحديث الذي أخرجه ابن ماجة عن أنس: لا مهدي إلاّ عيسى» (فتح الباري 6: 358) ثم أطال ابن حجر في ردّ الحديث. -

غ

28

بل لقد تجرّأ بعضهم إلى ما هو أكثر من ذلك، فنجد محيي الدين عبد الحميد في تعليقته على الحاوي للفتاوي للسيوطي، يقول في آخر جزء في العرف الوردي في أخبار المهدي (ص 166) من الجزء الثاني: «يرى بعض الباحثين أنّ كلّ ما ورد عن المهدي و عن الدجّال من الإسرائيليات» (1) .

لهذين الأمرين، و لكون الواجب على كلّ مسلم ناصح لنفسه ألاّ يتردّد في تصديق الرسول صلّى اللّه عليه و آله فيما يخبر به، رأيت أن يكون الكلام حول هذا الأمر كما قلت، تحت عنوان: «عقيدة أهل السنّة و الأثر في المهدي المنتظر» .

و لكي نكون على علم مقدّما بعناصر الموضوع، أسوقها لكم فيما يلي:

____________

ق-و قال الفتني: «حديث باطل» (تذكرة الموضوعات: 223) .

و قال الذهبي: «خبر منكر، و قال الأزدي: ابن الجندي منكر الحديث» (ميزان الاعتدال 3: 535) .

و قال ابن الجوزي: «قال ابن حمدان الرازي: حديث باطل» (فيض القدير 6: 362) .

و قال النسائي: «هذا حديث منكر، و قال البيهقي: تفرّد به الجندي، و قال الحاكم: محمّد بن خالد مجهول، و قال ابن الجوزي: منقطع، و الأحاديث التي في التنصيص على خروج المهدي أصحّ إسنادا» (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 2: 862) و مثله في (المنار المنيف: 143 و 148) .

و الحديث ضعّفه البيهقي و الحاكم، و فيه: أبان بن صالح، و هو متروك الحديث (تحفة الأحوذي 6: 402، و عون المعبود 11: 244) . و انظر أيضا تهذيب الكمال 25: 150، و تهذيب التهذيب 9: 126، و تاريخ دمشق 47: 518.

هذا مضافا إلى التنصيص على تواتر أحاديث المهدي، و شهرتها بين الحفّاظ على مرّ الأعصار، و التنصيص على أنّ ما يعارضها موضوع، يدلّ و بوضوح على القطع بصدورها عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله.

(1) . هذه هي الشبهة الثالثة، و هي أنّ أحاديث المهدي من الاسرائيليات، أي من وضع اليهود، و قد تقدّم الجواب عن شبهة الوضع في الجواب عن الشبهة الثانية بما لا مزيد عليه، و خلاصته: أنّ أحاديث المهدي متواترة، و هي عندهم معروفة مشهورة في كلّ الأعصار، و بأسانيد معروفة مروية بطرق الحفّاظ عن أكثر من عشرين من الصحابة، مضافا إلى أنّهم حكموا على ما يعارضها بالضعف و الوضع، مع اهتمامهم بمسألة الأحاديث الموضوعة، و تتبّعها و إحصائها، و التصنيف فيها، و التشديد في أمرها، و مع كلّ ذلك نراهم يصفون أحاديث المهدي بالصحّة و التواتر، و يصفون ما يعارضها بأنّه موضوع. فبطلان هذه الشبهة-شبهة الوضع-من أوضح الواضحات.

29

الأول: ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

الثاني: ذكر أسماء الأئمة الذين أخرجوا الأحاديث و الآثار الواردة في المهدي في كتبهم.

الثالث: ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف من العلماء.

الرابع: ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي، و حكاية كلامهم في ذلك.

الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي لها تعلّق بشأن المهدي.

السادس: ذكر بعض الأحاديث في شأن المهدي الواردة في غير الصحيحين، مع الكلام عن أسانيد بعضها.

السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجّوا بأحاديث المهدي، و اعتقدوا موجبها، و حكاية كلامهم في ذلك.

الثامن: ذكر من وقفت عليه ممّن حكي عنه إنكار أحاديث المهدي، أو التردّد فيها، مع مناقشة كلامه باختصار.

التاسع: ذكر بعض ما يظنّ تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي، و الجواب عن ذلك.

العاشر: كلمة ختامية.

الأول: أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحاديث المهدي‏

جملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ستة و عشرون‏ (1) ، و هم:

____________

(1) . المصنّف كرّر اسم «عوف بن مالك» مرتين في رقم 17 و رقم 23، فالعدد هو خمسة و عشرون، ثم إنّه لم يستوعب أسماء الصحابة، فهم أكثر من ذلك، و ستشير إليه في التعاليق الآتية.

30

1-عثمان بن عفّان.

2-علي بن أبي طالب.

3-طلحة بن عبيد اللّه.

4-عبد الرحمن بن عوف.

5-الحسين بن علي.

6-أم سملة.

7-أم حبيبة.

8-عبد اللّه بن عباس.

9-عبد اللّه بن مسعود.

10-عبد اللّه بن عمر.

11-عبد اللّه بن عمرو.

12-أبو سعيد الخدري.

13-جابر بن عبد اللّه.

14-أبو هريرة.

15-أنس بن مالك.

16-عمّار بن ياسر.

17-عوف بن مالك.

18-ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

19-قرّة بن إياس.

20-علي الهلالي.

21-حذيفة بن اليمان.

22-عبد اللّه بن الحارث بن جزء.

31

23-عوف بن مالك.

24-عمران بن حصين.

25-ابو الطفيل.

26-جابر الصدفي‏ (1) .

____________

(1) . ذكر العلاّمة الكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر: 225 أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله، مع ذكر المخرّجين لهم من الحفّاظ:

(1) ابن مسعود: أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة.

(2) أم سلمة: أخرجه أبو داود و ابن ماجة و الحاكم في المستدرك.

(3) علي بن أبي طالب: أخرجه أحمد و أبو داود و ابن ماجة.

(4) و أبو سعيد الخدري: أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و أبو يعلى و الحاكم في المستدرك.

(5) ثوبان: أخرجه أحمد و ابن ماجة و الحاكم في المستدرك.

(6) قرّة بن إياس المزني: أخرجه البزّار و الطبراني في الكبير و الأوسط.

(7) عبد اللّه بن الحارث بن جزء: أخرجه ابن ماجة و الطبراني في الأوسط.

(8) أبو هريرة: أخرجه أحمد و الترمذي و أبو يعلى و البزّار في مسندهما و الطبراني في الأوسط و غيرهم.

(9) حذيفة بن اليمان: أخرجه الروياني.

(10) ابن عباس: أخرجه أبو نعيم في أخبار المهدي.

(11) جابر بن عبد اللّه: أخرجه أحمد و مسلم، إلاّ أنّه ليس فيه تصريح بذكر المهدي، بل أحاديث مسلم كلّها لم يقع فيها تصريح به.

(12) عثمان: أخرجه الدار قطني في الإفراد.

(13) أبو أمامة: أخرجه الطبراني في الكبير.

(14) عمّار بن ياسر: أخرجه الدار قطني في الإفراد و الخطيب و ابن عساكر.

(15) جابر بن ماجد الصدفي: أخرجه الطبراني في الكبير.

(16) و (17) ابن عمر و طلحة بن عبيد الله: أخرجهما الطبراني في الأوسط.

(18) أنس بن مالك: أخرجه ابن ماجة.

(19) عبد الرحمن بن عوف: أخرجه أبو نعيم. -

32

الثاني: أسماء الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث و الآثار الواردة في المهدي في كتبهم‏

و أحاديث المهدي خرّجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح و السنن و المعاجم و المسانيد و غيرها، و قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم، و اطّلعت على

____________

ق- (20) عمران بن حصين: أخرجه الإمام أبو عمرو الداني في سننه. و غيرهم.

و نصّ على أسمائهم أيضا العلاّمة المباركفوري في تحفة الأحوذي 6: 401، و العظيم‏آبادي في عون المعبود 11: 243، إلاّ أنّ الجميع لم يستوعب أسماء الصحابة ممّن روى أحاديث المهدي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله، و إليك أسماء البقية ممّن استدركناهم على ما ذكره المصنّف:

(1) أبو سلمى راعي إبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما في ينابيع المودّة 3: 380.

(2) أبو أيوب الأنصاري كما في المعجم الصغير للطبراني 1: 37.

(3) تميم الداري كما في ينابيع المودّة 3: 392 نقله عن كتاب العرائس للثعلبي و عقد الدرر للمقدسي.

(4) الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كما في ينابيع المودّة 3: 39.

(5) سلمان الفارسي المحمدي كما في ينابيع المودّة 3: 394.

(6) فاطمة الزهراء عليها السلام كما في ينابيع المودّة 3: 392.

(7) عائشة بنت أبي بكر كما في كتاب الفتن للمروزي: 229.

(8) عمرو بن العاص كما في العرف الوردي للسيوطي، أنظر الحاوي للفتاوي 2: 67.

(9) كعب الأحبار كما في العرف الوردي، أنظر الحاوي للفتاوي 2: 73 و 75.

(10) و (11) عمر بن الخطاب و أبو بكر ذكرهما أبو داود في السنن 2: 310 في حديث سفيان: «اسمه اسمي» قال: «و لفظ عمر و أبي بكر لفظ سفيان» ، و أوضح منه في عون المعبود 11: 250 قال: «أي حديث عمر و أبي بكر» .

(12) أبو أمامة الباهلي ذكره الكتاني و لم يذكره المصنّف.

فالعدد هو سبعة و ثلاثون صحابيا روى أحاديث المهدي صلوات اللّه و سلامه عليه، و ربّما يكون العدد أكثر من ذلك لعدم مراجعتنا لكلّ المصادر الروائية. و هذا العدد كاف في ثبوت التواتر.

قال العلاّمة أحمد بن الصدّيق الغماري: «و قد حكم الحفّاظ على كثير من الأحاديث التي لم يبلغ رواتها هذا العدد بالتواتر، كما يعلم ذلك من مراجعة الكتب المؤلّفة فيه؛ كالفوائد و الأزهار و نظم المتناثر و غيرها، خصوصا و قد تعدّدت الطرق إلى جلّ هؤلاء الصحابة المذكورين، و خرّجت أحاديثهم في الكتب المشهورة... » (إبراز الوهم المكنون: 457) .

33

ذكر تخريجهم لها: ثمانية و ثلاثين، و هم:

1-أبو داود في سننه‏ (1) .

2-الترمذي في جامعه‏ (2) .

3-ابن ماجة في سننه‏ (3) .

4-النسائي، ذكر السفاريني في لوامع الأنوار البهية، و المناوي في فيض القدير، و ما رأيته في الصغرى، و لعلّه في الكبرى‏ (4) .

5-أحمد في مسنده‏ (5) .

6-ابن حبّان في صحيحه‏ (6) .

7-الحاكم في المستدرك‏ (7) .

8-أبو بكر بن أبي شيبة في المصنّف‏ (8) .

9-نعيم بن حمّاد في كتاب الفتن‏ (9) .

____________

(1) . سنن أبي داود 2: 309 كتاب المهدي.

(2) . الجامع الصحيح للترمذي 3: 343 باب: ما جاء في المهدي.

(3) . سنن ابن ماجة 2: 1366 كتاب الفتن، باب: خروج المهدي.

(4) . لم نعثر عليه في السنن الكبرى و لا الصغرى للنسائي، و لا في فيض القدير، إلاّ أنّ السفاريني في فصل أشراط الساعة، من الجزء الثاني من لوائح الانوار، عند الكلام عن حديث: «اسمه اسمي» قال: «روى نحوه الترمذي و أبو داود و النسائي من حديث ابن مسعود» . و في كتاب «مشارق الأنوار» للحمزاوي:

112 في حديث: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» قال: أخرجه النسائي و غيره.

(5) . مسند أحمد، في عدّة مواضع، كما في 1: 84 و 3: 21، 27 و 5: 277 و غيرها.

(6) . صحيح ابن حبّان، في عدّة مواضع، و أكثرها في الجزء 15.

(7) . جمعها في الجزء الرابع من المستدرك، كتاب الفتن و الملاحم، باب: ذكر خروج المهدي، و باب: حلية المهدي، و باب: المهدي من ولد فاطمة.

(8) . مصنّف ابن أبي شيبة 8: 678-680 ذكرها في باب: ما جاء في فتنة الدجّال.

(9) . كتاب الفتن، في عدّة مواضع من الكتاب، و أكثرها في أبواب الفتن الحاصلة قبل الساعة.

34

10-الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي، و في الحلية (1) .

11-الطبراني في الكبير و الأوسط و الصغير (2) .

12-الدارقطني في الإفراد (3) .

13-البارودي في معرفة الصحابة (4) .

14-أبو يعلى الموصلي في مسنده‏ (5) .

15-البزّار في مسنده‏ (6) .

16-الحارث بن أبي أسامة في مسنده‏ (7) .

17-الخطيب في تلخيص المتشابه، و في المتّفق و المفترق‏ (8) .

18-ابن عساكر في تاريخه‏ (9) .

19-ابن مندة في تاريخ أصبهان‏ (10) .

____________

(1) . ذكرها في كتاب الأربعين في المهدي، و في حلية الأولياء كما في 3: 177، و في أخبار أصفهان كما في 1: 329 و 2: 165.

(2) . المعجم الكبير، في عدّة مواضع، كما في 18: 51 و 23: 267، و المعجم الأوسط كذلك كما في 1: 56 و 4: 256 و 5: 311 و 6: 328، و المعجم الصغير 1: 37. و خرّجها أيضا في مسنده الآخر مسند الشاميين كما في 2: 72.

(3) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه، كما في الحاوي للفتاوي 2: 58 و 62: «يكون في أمتي المهدي» .

(4) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه، كما في الحاوي للفتاوي 2: 58: «أبشّركم بالمهدي رجل من عترتي» .

(5) . مسند أبي يعلى، في عدّة مواضع، كما في 1: 359 و 2: 275.

(6) . مسند البزّار، في عدّة مواضع، كما في 2: 243 و 8: 256.

(7) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه، كما في الحاوي للفتاوي 2: 60.

(8) . ذكرهما السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنهما، كما في الحاوي للفتاوي 2: 61 و 67.

(9) . تاريخ دمشق، في عدّة مواضع، كما في 49: 296 و 53: 414.

(10) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 85.

35

20-أبو الحسن الحربي في الأول من الحربيات‏ (1) .

21-تمّام الرازي في فوائده‏ (2) .

22-ابن جرير في تهذيب الآثار (3) .

23-أبو بكر ابن المقري في معجمه‏ (4) .

24-أبو عمرو الداني في سننه‏ (5) .

25-أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن‏ (6) .

26-الديلمي في مسند الفردوس‏ (7) .

27-أبو بكر الاسكاف في فوائد الأخبار (8) .

28-أبو حسين ابن المناوي في كتاب الملاحم‏ (9) .

29-البيهقي في دلائل النبوّة (10) .

____________

(1) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 65.

(2) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 66.

(3) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 66.

(4) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 66.

(5) . السنن الواردة في الفتن، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأموي المعروف بابن الصيرفي المتوفّى سنة 444 هجري، ذكرها في عدّة مواضع كما في: 197 رقم 575، و 198 رقم 580، 581.

(6) . ذكره المتّقي الهندي في كنز العمال، و أخرج له حديث أنصار المهدي كما في 14: 591.

(7) . فردوس الأخبار، في عدّة مواضع كما في 2: 323 و 4: 221، 222، 223.

(8) . ذكره ابن خلدون في التاريخ، و أخرج له عن جابر عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله: «من كذّب بالمهدي فقد كفر» كما في التاريخ 1: 312.

(9) . الصحيح هو: ابن المنادي، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 15: 361 و قال عنه: «أبو الحسين أحمد بن المنادي البغدادي، عالم بالآثار، جليل في غاية الإتقان، صاحب سنّة، ثقة مأمون» . له كتاب «الملاحم» ذكر فيه أحاديث المهدي عليه السّلام في الفصل 22 و الفصل 24.

(10) . دلائل النبوّة، في عدّة مواضع كما في 6: 516.

36

30-أبو عمرو المقرئ في سننه‏ (1) .

31-ابن الجوزي في تاريخه‏ (2) .

32-يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده‏ (3) .

33-الروياني في مسنده‏ (4) .

34-ابن سعد في الطبقات‏ (5) .

35-ابن خزيمة (6) .

36-عمرو بن شبّة (7) .

37-الحسن بن سفيان‏ (8) .

38-أبو عوانة (9) .

____________

(1) . الظاهر اتّحاد هذا مع أبي عمرو الداني المتقدّم في رقم 24، قال اليان سركيس في معجم المطبوعات 1: 861: «عثمان بن سعيد الأموي الشهير بأبي عمرو الداني و المقري» و كلّ من ترجم لعثمان بن سعيد المتقدّم وصفه بالعالم بفنّ القراءات، و له من المصنّفات: طبقات القرّاء. أنظر أيضا: هدية العارفين 1: 653 للبغدادي، و تاريخ دمشق 6: 97و قال: «عثمان بن سعيد الداني المقري» . و مثله في تهذيب الكمال 1: 348.

(2) . المنتظم 8: 206.

(3) . ذكره ابن القيّم في المنار المنيف: 147، و خرّج عنه حديث: «لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي... » .

(4) . مسند الروياني، في عدّة مواضع كما في 1: 417.

(5) . الطبقات الكبرى، في عدّة مواضع كما في 7: 422.

(6) . ذكره المتّقي في كنز العمال 14: 335 في قتال الدجّال. و السيوطي في العرف الوردي كما في الحاوي للفتاوي 2: 65.

(7) . عمرو بن شبّة النميري في كتابه تاريخ المدينة 1: 310.

(8) . أبو العباس الحسن بن سفيان الخراساني النسوي، له كتاب الأربعين، و المسند، خرّج له ابن حبّان في الصحيح بعضا من أحاديث المهدي كما في 15: 25، 155، 183، 205. و ذكره السيوطي في العرف الوردي و خرّج له كما في الحاوي للفتاوي 2: 64.

(9) . ذكره السيوطي في العرف الوردي، و خرّج عنه كما في الحاوي للفتاوي 2: 64.

37

و هؤلاء الأربعة ذكر السيوطي في العرف الوردي كونهم ممّن خرّج أحاديث المهدي، دون عزو التخريج إلى كتاب معيّن‏ (1) .

____________

(1) . و ممّن خرّج أحاديث المهدي عليه السّلام مضافا لما تقدّم:

البخاري في التاريخ الكبير كما في 1: 317 و 3: 346 و 8: 406 حديث: «المهدي من ولد فاطمة» .

و أبو بكر الإسماعيلي المتوفّى سنة 371 هجري في مسنده المعروف بمعجم الشيوخ كما في 2: 513.

و أبو سعيد الشاشي المتوفّى سنة 335 هجري في مسنده كما في 2: 109 إلى 111.

و عبد الرزاق الصنعاني في المصنّف 11: 371 باب: المهدي، رقم الأحاديث من 20769 إلى 20839.

و السيوطي في الجامع الصغير 1: 100 و 2: 672 الأحاديث من رقم 9241 إلى رقم 9245.

و معمّر بن راشد في الجامع 11: 371 باب: المهدي.

و الرزّاز الواسطي المتوفّى سنة 292 هجري في تاريخ واسط 1: 135.

و البيهقي في الاعتقاد 1: 215 و 216.

و عبد الواحد الحنبلي المقدسي المتوفّى سنة 643 هجري في فضائل بيت المقدس 1: 72 باب: نزول المهدي بيت المقدس، و في الأحاديث المختارة 2: 172.

و ابن قانع في معجم الصحابة 2: 259.

و ابن طاهر المقدسي المتوفّى سنة 507 هجري في البدء و التاريخ 2: 181.

و ابن حجر في الصواعق المحرقة 2: 472.

و الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 313 باب: ما جاء في المهدي.

و ابن حيان المتوفّى سنة 369 هجري في طبقات المحدّثين بأصبهان 1: 380.

و ابن مأكولا في الإكمال 7: 360.

و الذهبي في تذكرة الحفّاظ 2: 464، 488.

و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5: 153.

و الحافظ المزي في تهذيب الكمال 9: 437.

و العجلوني في كشف الخفاء 2: 288، و غيرهم كثير؛ كابن القيّم في المنار المنيف، و المباركفوري في شرحه على الجامع الصحيح للترمذي، و العظيم‏آبادي في شرحه على سنن أبي داود، و الصالحي الشامي في سبل الهدى و الرشاد، و الزمخشري في الفائق في غريب الحديث، و الهيثمي في موارد الضّمان، و الرامهرمزي في المحدّث الفاصل، و المناوي في فيض القدير، و الكتّاني في نظم المتناثر، و يوسف بن يحيى السلمي الشافعي في عقد الدرر، و ابن طولون في كتابه المهدي إلى ما ورد في المهدي، و محمد بن-

38

الثالث: ذكر لبعض الذين ألّفوا كتبا في شأن المهدي‏

و كما اعتنى علماء هذه الأمّة بجمع الأحاديث الواردة عن نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله تأليفا و شرحا، كان للأحاديث المتعلّقة بأمر المهدي قسطها الكبير من هذه العناية، فمنهم من أدرجها ضمن المؤلّفات العامة كما في السنن و المسانيد و غيرها (1) ، و منهم من أفردها بالتأليف، و كلّ ذلك حصل منهم حماية لهذا الدين، و قياما بما يجب من النصح للمسلمين، فمن الذين أفردوها بالتأليف:

1-أبو بكر بن أبي خيثمة زهير بن حرب قال ابن خلدون في مقدّمة تاريخه:

«و لقد توغّل أبو بكر بن أبي خيثمة على ما نقل السهيلي عنه في جمعه للأحاديث الواردة في المهدي» (2) .

2-الحافظ أبو نعيم، ذكره السيوطي في المجمع الصغير (3) ، و ذكره في العرف الوردي، بل قد لخّص السيوطي الأحاديث التي التي جمعها أبو نعيم في المهدي، و جعلها ضمن كتابه العرف الوردي، و زاد عليها فيه أحاديث و آثارا كثيرة جدّا.

3-السيوطي، فقد جمع فيه جزءا سمّاه «العرف الوردي في أخبار المهدي» ، و هو مطبوع ضمن كتابه الحاوي للفتاوي في الجزء الثاني منه. قال في أوّله:

«الحمد للّه و سلام على عباده الذين اصطفى، هذا جزء جمعت فيه الأحاديث و الآثار

____________

ق-يوسف الشافعي في البيان في أخبار صاحب الزمان، و الزرقاني في شرح المواهب. هذا ما وقفنا عليه من أسماء المخرّجين لأحاديث المهدي عليه السّلام.

(1) . ذكرنا أسماءهم في التعاليق السابقة مفصّلا عند الكلام عن الأمر الثاني: في ذكر أسماء المخرّجين لأحاديث المهدي عليه السّلام فراجع.

(2) . تاريخ ابن خلدون 1: 312.

(3) . قال السيوطي في حديث: «منّا الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه» : رواه أبو نعيم في كتاب المهدي.

الجامع الصغير 2: 546 رقم 8262، و كذا في فيض القدير 6: 23.

39

الواردة في المهدي، لخّصت فيه الأربعين التي جمعها الحافظ أبو نعيم، و زدت عليه ما فات، و رمزت عليه صورة (ك) » (1) .

و الأحاديث و الآثار التي أوردها السيوطي في شأن المهدي تزيد على المائتين، و فيها الصحيح و الحسن و الضعيف و الموضوع، و إذا أورد الحديث الواحد أضافه إلى كلّ من الذين خرّجوه، فيقول مثلا في أحدها: أخرج أبو داود و ابن ماجة و الطبراني و الحاكم عن أم سلمة: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «المهدي من عترتي، من ولد فاطمة» (2) .

4-الحافظ عماد الدين ابن كثير قال في كتابه الفتن و الملاحم: «و قد أفردت في ذكر المهدي جزءا على حدة، و للّه الحمد و المنّة» (3) .

5-الفقيه ابن حجر المكّي، و قد سمّى مؤلّفه: «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» ، ذكر ذلك البرزنجي في الإشاعة، و نقل منه، و كذلك السفاريني في لوامع الأنوار البهية، و غيرهما (4) .

6-علي المتّقي الهندي صاحب كنز العمال، فقد ألّف في شأن المهدي رسالة ذكرها البرزنجي في الإشاعة، و ذكر ذلك قبله أيضا ملاّ علي القاري الحنفي، في المرقاة شرح المشكاة (5) .

____________

(1) . العرف الوردي المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي 2: 57، و هو هذا الكتاب الذي قمنا بتحقيقه و تصحيحه و إخراجه مع تعاليق نافعة.

(2) . تأتي الإشارة إلى مصادر هذا الحديث الشريف في تعاليقنا على العرف الوردي.

(3) . الكتاب مطبوع بعنوان: «النهاية في الفتن و الملاحم» تحقيق الدكتور طه الزيني، مطبعة دار الكتب الحديثة بمصر، و طبعة ثانية لدار الحديث بالقاهرة.

(4) . الإشاعة: 90 و 105، و ذكره أيضا في إيضاح المكنون 2: 253، و هدية العارفين في أسماء المؤلّفين 1:

146، و معجم المؤلّفين 4: 166.

(5) . الإشاعة: 121 قال: «ذكر المتّقي في رسالة له في أمر المهدي... » ، و ذكرها في كشف الظنون 1: 894

40

7-ملاّ علي القاري، و سمّى مؤلّفه: «المشرب الوردي في مذهب المهدي» ، ذكره في الإشاعة، و نقل جملة كبيرة منه‏ (1) .

8-مرعي بن يوسف الحنبلي المتوفّى سنة ثلاث و ثلاثين بعد الألف، و سمّى مؤلّفه: «فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر» ، ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهيّة، و ذكره الشيخ صدّيق حسن القنوجي في كتابه الإذاعة لما كان و ما يكون بين يدي الساعة، و غيرها (2) .

9-و من الذين ألّفوا في شأن المهدي، بالإضافة إلى مسألتي نزول عيسى عليه السّلام و خروج المسيح و الدجّال: القاضي محمّد بن علي الشوكاني، و سمّى مؤلّفه:

«التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر و الدجّال و المسيح» ، ذكر ذلك صدّيق حسن في الإذاعة، و نقل جملة منه. و الشوكاني ممّن ألّف بشأنه، و حكى تواتر الأحاديث الواردة فيه‏ (3) .

10-الأمير محمّد بن إسماعيل الصنعاني صاحب «سبل السلام» المتوفّى سنة 1182 هـ، قال صدّيق حسن في الإذاعة: «و قد جمع السيد العلاّمة بدر الملّة المنير، محمّد بن إسماعيل الأمير اليماني، الأحاديث القاضية بخروج المهدي، و أنّه من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و أنّه يظهر في آخر الزمان» ثم قال: «و لم يأت تعيين زمنه إلاّ أنّه يخرج قبل خروج الدجّال» (4) .

____________

ق-و قال: «رسالة في المهدي فارسية للشيخ علي بن حسام الدين المعروف بالمتّقي» . و قال في إيضاح المكنون 1: 318: «تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان للمتّقي الهندي» .

(1) . الإشاعة: 113 قال: «قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي... » ، و ذكره أيضا في معجم المطبوعات العربية 2: 1794.

(2) . الإذاعة: 147، إيضاح المكنون 2: 183، هدية العارفين 2: 427.

(3) . الإذاعة: 113، إيضاح المكنون 1: 339، هدية العارفين 2: 365.

(4) . الإذاعة: 114. هذا و من الرسائل و المصنّفات في أخبار و أحاديث المهدي صلّى اللّه عليه و آله و لم يذكرها المؤلّف: -

غ

41

الرابع: ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي و نقل كلامهم في ذلك‏

1- الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين الابري السجزي صاحب كتاب «مناقب الشافعي» المتوفّى سنة ثلاث و ستين و ثلاث مائة من الهجرة. قال في محمّد بن خالد الجندي راوي حديث: «لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم» : «محمّد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم و النقل، و قد تواترت الأخبار و استفاضت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذكر المهدي، و أنّه من أهل بيته، و أنّه يملك سبع سنين، و أنّه يملأ الأرض عدلا، و أنّ عيسى عليه السّلام يخرج فيساعده على قتل الدجّال، و أنّه يؤمّ هذه الأمّة و يصلّي عيسى خلفه» .

نقل ذلك عنه ابن القيّم في كتابه «المنار» ، و سكت عليه‏ (1) ، و نقله عنه أيضا

____________

ق-1-القطر الشهدي منظومة في علامات و أوصاف المهدي، لابن إسماعيل الحلواني الشافعي المتوفّى سنة 1308 هجري (معجم المطبوعات 1: 792 و 2: 1642، الأعلام 7: 36) .

2-العطر الوردي شرح القطر الشهدي، للبلبيسي الشافعي (معجم المطبوعات 2: 1642 قال: طبعت بمصر سنة 1308 هجري، و معجم المؤلّفين 9: 66) .

3-عقد الدرر، ليوسف بن يحيى الشافعي السلمي المتوفّى سنة 685 هجري، مطبوع و محقّق.

4-تلخيص البيان في علامات المهدي آخر الزمان، لكمال باشا الحنفي المتوفّى سنة 940 هجري (هدية العارفين 1: 141) .

5-البيان في أخبار صاحب الزمان، لمحمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، مطبوع.

6-ارتقاء الغرف، للسخاوي (كشف الخفاء 2: 288) .

7-أصحّ ما ورد في المهدي و عيسى، للشنقيطي (الأعلام 6: 79) .

8-إبراز الوهم المكنون في كلمات ابن خلدون، لعلاّمة المغرب ابن الصدّيق الغماري (الأعلام 1: 253) مطبوع.

9-و للسيوطي رسالة أخرى غير العرف الوردي اسمها: «الكشف في خروج المهدي» (معجم المطبوعات العربية 2: 2035) ، و غير ذلك من المصنّفات الكثيرة.

(1) . المنار المنيف: 142.

42

الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة محمّد بن خالد الجندي، و سكت عليه‏ (1) ، و نقل عنه ذلك و سكت عليه أيضا في «فتح الباري» ، في باب نزول عيسى ابن مريم عليه السّلام‏ (2) ، و نقل عنه ذلك أيضا السيوطي في آخر جزء «العرف الوردي في أخبار المهدي» ، و سكت عليه‏ (3) ، و نقل ذلك عنه مرعي بن يوسف في كتابه «فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر» ، كما ذكر ذلك صدّيق حسن في كتابه «الإذاعة لما كان و ما يكون بين يدي الساعة» (4) .

2- محمّد البرزنجي‏ المتوفّى سنة ثلاث بعد المائة و الألف في كتابه «الإشاعة لأشراط الساعة» . قال: «الباب الثالث في الأشراط العظام و الأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، و هي أيضا كثيرة، فمنها المهدي، و هو أولها. و اعلم أنّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر... إلى أن قال: ثمّ الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة أنّه من ولد فاطمة... إلى أنّ قال: قد علمت أنّ أحاديث وجود المهدي و خروجه آخر الزمان، و أنّه من عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من ولد فاطمة، بلغت حدّ التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها» .

و قال في ختام كتابه المذكور، بعد الإشارة إلى بعض أمور تجري في آخر الزمان: «و غاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة، التي بلغت التواتر المعنوي: وجود الآيات العظام التي فيها بل أولها خروج المهدي، و أنّه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما» (5) .

____________

(1) . تهذيب التهذيب 9: 126.

(2) . فتح الباري 6: 358.

(3) . الحاوي للفتاوي 2: 85.

(4) . الإذاعة: 136، هذا و نقله أيضا البرزنجي في الإشاعة 112، و الكتّاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر: 228، و شرح سنن ابن ماجة 1: 293.

(5) . الإشاعة: 87 و 112 و 122.

43

3- الشيخ محمّد السفاريني‏ المتوفّى سنة ثمان و ثمانين بعد المائة و الألف، في كتابه «لوامع الأنوار البهيّة» قال: «و قد كثرت بخروجه-يعني المهدي-الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي» ، و أورد الأحاديث في خروج المهدي، و أسماء بعض الصحابة الذين رووها، ثمّ قال: «و قد روي عمّن ذكر من الصحابة و غير من ذكر منهم رضي اللّه عنهم بروايات متعدّدة، و عن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرّر عند أهل العلم، و مدوّن في عقائد أهل السنّة و الجماعة» (1) .

4- القاضي محمّد بن علي الشوكاني‏ المتوفّى سنة خمسين بعد المائتين و الألف، و هو صاحب التفسير المشهور، و مؤلّف «نيل الأوطار» ، قال في كتابه «التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر و الدجّال و المسيح» : «فالأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها: خمسون حديثا فيها الصحيح و الحسن و الضعيف المنجبر، و هي متواترة بلا شكّ و لا شبهة، بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرّرة في الأصول، و أمّا الآثار عن الصحابة المصرّحة بالمهدي، فهي كثيرة جدا، لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك» .

و قال في مسألة نزول المسيح عليه السّلام: «فتقرّر أنّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، و الأحاديث الواردة في الدجّال متواترة، و الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السّلام متواترة» (2) .

____________

(1) . نقله عنه القنوجي في الإذاعة: 135.

(2) . نقل كلامه الكتّاني في نظم المتناثر: 227 باب: خروج المهدي و 229 باب: نزول عيسى، و نقله أيضا القنوجي في الإذاعة: 113، و العظيم‏آبادي في عون المعبود 11: 308. -

44

5- الشيخ صدّيق حسن القنوجي‏ المتوفّى سنة سبع بعد الثلاثمائة و الألف. قال في كتابه «الإذاعة لما كان و ما يكون بين يدي الساعة» : «و الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدّا، تبلغ حدّ التواتر المعنوي، و هي في السنن و غيرها من دواوين الإسلام من المعاجم و المسانيد» (1) إلى أن قال: «لا شكّ أنّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين شهر و لا عام، لما تواتر من الأخبار في الباب، و اتّفق عليه جمهور الأمّة خلفا عن سلف، إلاّ من لا يعتدّ بخلافه» (2) إلى أن قال: «فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر، المدلول عليه بالأدلّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة إلى حدّ التواتر» (3) .

6- الشيخ محمّد بن جعفر الكتّاني‏ المتوفّى سنة خمس و أربعين بعد الثلاثمائة و الألف. قال في كتابه «نظم المتناثر في الحديث المتواتر» : «و قد ذكروا أنّ نزول سيدنا عيسى عليه السّلام ثابت بالكتاب و السنّة و الإجماع» ثم قال: «و الحاصل أنّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، و كذا الواردة في الدجّال، و في نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه السّلام» (4) .

الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث ممّا له تعلّق بشأن المهدي‏

1-روى البخاري في باب نزول عيسى بن مريم عن أبي هريرة قال:

____________

ق-و للشوكاني كلام آخر في الفتح الربّاني نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي 6: 402 قال: «قال الشوكاني في الفتح الربّاني: الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث في المهدي المنتظر خمسون حديثا و ثمانية و عشرون أثرا، و جميع ما سقناه بالغ حدّ التواتر» .

(1) . الإذاعة: 112.

(2) . المصدر السابق: 145.

(3) . المصدر نفسه: 146.

(4) . نظم المتناثر في الحديث المتواتر: 229.

45

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، و إمامكم منكم؟» (1) .

2-و روى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي هريرة مثل حديثه عن البخاري و رواه أيضا عن أبي هريرة بلفظ: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمّكم منكم؟» .

و فيه تفسير ابن أبي ذئب راوي الحديث لقوله: «و أمّكم منكم» بقوله: «فأمّكم بكتاب ربّكم تبارك و تعالى و سنّة نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله» (2) .

3-و روى مسلم في صحيحه عن جابر أنّه سمع النّبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:

«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة» . قال:

«فينزل عيسى بن مريم عليه السّلام فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة اللّه هذه الأمّة» (3) .

فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين و إن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي، تدلّ على صفات رجل صالح يؤمّ المسلمين في ذلك الوقت. و قد جاءت الأحاديث في السنن و المسانيد و غيرها مفسّرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين، و دالّة على أنّ ذلك الرجل الصالح اسمه محمّد، و يقال له: المهدي. و السنّة يفسّر بعضها بعضا.

و لمّا كان المقام لا يتّسع لإيراد الكثير من الأحاديث الواردة في غير الصحيحين، في شأن المهدي، و الكلام عليها، رأيت الاقتصار هنا على إيراد بعضها، مع الكلام على بعض أسانيدها.

____________

(1) . صحيح البخاري 3: 1272.

(2) . صحيح مسلم 1: 137 رقم 155.

(3) . صحيح مسلم 1: 137 رقم 156، و رواه في صحيح ابن حبّان 15: 231، و مسند أحمد 3: 345.

46

السادس: ذكر بعض الأحاديث في المهدي الواردة في غير الصحيحين‏

1-عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«أبشّركم بالمهدي، يبعث على اختلاف من الناس، و زلازل، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، يرضى عنه ساكن السماء و ساكن الأرض، يقسم المال صحاحا» . قال له رجل: ما صحاحا؟قال: «بالسويّة، و يملأ اللّه قلوب أمة محمّد صلّى اللّه عليه و آله غناء، و يسعهم عدله» إلى آخر الحديث‏ (1) .

قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد بأسانيد أبو يعلى باختصار كثير (2) .

2-عن أبي هريرة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله قال:

«يكون في أمتي المهدي» إلى آخر الحديث‏ (3) .

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، و رجاله ثقات‏ (4) .

3-عقد أبو داود في سننه كتابا، قال في أوّله: «أوّل كتاب المهدي» ، و قال في آخره: «آخر كتاب المهدي» ، و جعل تحته بابا واحدا أورد فيه ثلاثة عشر حديثا، و صدّر هذا الكتاب بحديث جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:

«لا يزال هذا الدين قائما حتّى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» الحديث‏ (5) .

____________

(1) . مسند أحمد 3: 37، مجمع الزوائد 7: 313.

(2) . مجمع الزوائد 7: 314.

(3) . المعجم الأوسط 5: 311، مجمع الزوائد 7: 317، و رواه عن أبي سعيد الخدري ابن ماجة في السنن 2: 1367، و الحاكم في المستدرك 4: 558، و ابن أبي شيبة في المصنّف 8: 678، و في كنز العمال 14: 274 عن أبي هريرة و الخدري.

(4) . مجمع الزوائد 7: 317.

(5) . سنن أبي داود 2: 309 رقم 4179، و رواه في فتح الباري 13: 182، و عون المعبود 11: 244 ثم قال: -

47

قال السيوطي في آخر جزء من «العرف الوردي في أخبار المهدي» : إنّ في ذلك إشارة إلى ما قاله العلماء: إنّ المهدي أحد الاثني عشر (1) .

4-روى أبو داود في سننه من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي زرعة، عن عبد اللّه بن مسعود، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلا منّي (أو من أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي» الحديث‏ (2) .

____________

ق- «إنّ الشيخ ولي اللّه المحدّث في قرة العينين استشكل في هذا الحديث؛ لأنّه ناظر إلى مذهب الاثني عشرية الذين أثبتوا اثني عشر إماما» .

أقول: لم يثبت الإمامية ذلك استحسانا و بالرأي، و إنّما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله بأنّ الخلفاء بعده اثنا عشر، و كلّهم من قريش، و من عترته صلّى اللّه عليه و آله، و هم أحد الثقلين الذين لا يفترقا حتّى يردا عليه الحوض. و هذا الحديث و أحاديث اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، مروية من طرق أهل السنّة و بأسانيد صحيحة، و هذا العدد لا ينطبق إلاّ على الأئمة المعصومين و خلفاء النّبي صلّى اللّه عليه و آله الحقيقيّين، و لذا تحيّر بعض علماء السنّة في إيجاد محامل و مخارج لبيان معني «اثنا عشر كلّهم من قريش» فلم يهتدوا لمعنى مقبول.

(1) . الحاوي للفتاوي 2: 85.

(2) . سنن أبي داود 2: 310، و رواه في مسند أحمد 1: 376، 377، 430، 448 عن أبي ذرّ و ابن مسعود، و قد رووه من دون الزيادة: «و اسم أبيه اسم أبي» .

و ممّن رواه من دون هذه الزيادة، مضافا لما تقدّم من أبي داود و أحمد بن حنبل: الترمذي في الجامع الصحيح 3: 343 رقم 2339 عن علي و أبي سعيد و أم سلمة و أبي هريرة و قال: «هذا حديث صحيح» ، و الطبراني في المعجم الصغير 2: 148، و المعجم الأوسط 7: 54 و 8: 178، و المعجم الكبير 10: 131 بعدّة طرق عن زرّ و عبد اللّه بن مسعود من الحديث 10208 إلى الحديث رقم 10230، و العجلوني في كشف الخفاء 2: 288، و الذهبي في تذكرة الحفّاظ 2: 488، و أبو نعيم في أخبار أصبهان 1: 329 و 2:

165، و الخطيب في تاريخ بغداد 5: 153 و غيرهم، و شهادة الحاكم على ما نقله في عون المعبود 11:

250 قال: «قال الحاكم: رواه الثوري و شعبة و زائدة و غيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم، و طرق عاصم عن زرّ عن عبد اللّه كلّها صحيحة، إذ عاصم إمام من أئمة المسلمين» . -

48

و هذا الحديث سكت عليه أبو داود و المنذري‏ (1) ، و كذا ابن القيّم في تهذيب السنن، و قد أشار إلى صحّته في المنار المنيف‏ (2) ، و صحّحه ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية (3) ، و قد أورده في مصابيح السنّة في فصل الحسان‏ (4) ، و قال عنه الألباني في تخريج أحاديث المشكاة: «و إسناده حسن» (5) .

5-قال أبو داود في سننه: حدّثنا سهل بن تمام بن بديع، حدّثنا عمران القطّان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«المهدي منّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و يملك سبع سنين» (6) .

____________

ق-و هذا مع كثرة الطرق و تعدّد الصحابة و المخرّجين للحديث من دون هذه الزيادة، يدلّ و بوضوح على زيادتها على أصل الحديث، و كونها من تصرّفات الوضّاعين. و ممّا يورث اليقين بزيادة هذه العبارة «اسم أبيه اسم أبي» على أصل الحديث، و أنّها موضوعة: ما قاله محمّد بن يوسف الشافعي في كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان» المطبوع مع كفاية الطالب: 482، 512 قال: «إنّ الزيادة وردت في حديث زائدة، و إنّه كان يزيد في الحديث، فوجب أنّ تكون هذه الزيادة منه؛ جمعا بين الأقوال و الأحاديث» .

ثمّ إنّ إجماع أهل البيت على خلافها، و كما قال السرخسي في المبسوط 10: 10 «و الإجماع بدون أهل البيت لا ينعقد» ، فكيف بما هو مخالف لهم و لإجماعهم؟!. و سنتعرّض لذلك بالتفصيل في حواشي العرف الوردي.

(1) . عون المعبود 11: 250 قال: «قال الترمذي: و هو حديث حسن صحيح، سكت عنه أبو داود و المنذري و ابن القيّم» .

(2) . المنار المنيف: 143.

(3) . منهاج السنّة 8: 255.

(4) . مصابيح السنّة للبغوي 2: 386 رقم 2144.

(5) . مشكاة المصابيح 3: 1501 رقم 5452.

(6) . سنن أبي داود 2: 309 رقم 4285، و رواه في تحفة الأحوذي 6: 403، و كنز العمال 14: 364، و فيض القدير 6: 362 و قال: «أجلى الجبهة: منحسر الشعر من مقدّم الرأس، و أقنى الأنف: طويله» .

49

قال ابن القيّم في المنار المنيف: «رواه أبو داود بإسناد جيد» (1) ، و أورده في مصابيح السنّة في فصل الحسان‏ (2) ، و قال الألباني في تخريج أحاديث المشكاة:

«و إسناده حسن» (3) ، و رمز لصحّته السيوطي في الجامع الصغير (4) .

6-قال أبو داود في سننه: حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الرقي، حدّثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيّب، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:

«المهدي من عترتي، من ولد فاطمة» (5) .

7-و أخرجه ابن ماجة عن سعيد بن المسيّب قال: كنّا عند أم سلمة، فتذاكرنا المهدي، فقالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:

«المهدي من ولد فاطمة» (6) .

و قد أورد هذا الحديث السيوطي في الجامع الصغير (7) ، و رمز لصحّته، و أورده في مصابيح السنّة في فصل الحسان‏ (8) ، و قال الألباني في تخريج أحاديث المشكاة:

«و إسناده جيد» (9) .

____________

(1) . المنار المنيف: 144.

(2) . مصابيح السنّة 2: 386 رقم 214.

(3) . مشكاة المصابيح 3: 1501 رقم 545.

(4) . الجامع الصغير 2: 672 رقم 9241.

(5) . سنن أبي داود 2: 310 رقم 4284، مستدرك الحاكم 4: 557، المعجم الكبير 23: 267، كنز العمال 14: 264، مصابيح السنّة 2: 386 رقم 2146. و سيأتي في العرف الوردي المزيد من مصادر حديث «المهدي من ولد فاطمة» .

(6) . سنن ابن ماجة 2: 1368.

(7) . الجامع الصغير 2: 672 رقم 9241.

(8) . مصابيح السنّة 2: 386 رقم 2146.

(9) . مشكاة المصابيح 3: 1501 رقم 5453، و فيه: «المهدي من عترتي من أولاد فاطمة» . و هذا الحديث نصّ على صحّته الكثير، بل هو من المتواتر، كما سيأتي في العرف الوردي.

غ

50

السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجّوا بأحاديث المهدي و اعتقدوا موجبها، و حكاية كلامهم في ذلك‏

قال الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفّى سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة: «إنّ في المهدي أحاديث جيادا» (1) .

قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة علي بن نفيل بن زارع النهدي: «قلت: ذكره العقيلي في كتابه، و قال: لا يتابع على حديثه في المهدي، و لا يعرف إلاّ به» . قال: «و في المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه» (2) .

و يرى الإمام ابن حبّان البستي المتوفّى سنة 354 هـ أنّ الأحاديث الواردة في المهدي مخصّصة لحديث: «لا يأتي عليكم زمان إلاّ و الذي بعده شرّ منه» (3) .

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، في الكلام على الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا يأتي عليكم زمان إلاّ و الذي بعده شرّ منه، حتّى تلقوا ربّكم» . قال: «و استدلّ ابن حبّان في صحيحه بأنّ الحديث ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي، و أنّه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما» (4) .

و قال الإمام البيهقي المتوفّى سنة 458 هـ، بعد كلامه على تضعيف «لا مهدي

____________

(1) . الضعفاء الكبير: 3: 254 في ترجمة «علي بن نفيل» .

(2) . تهذيب التهذيب 7: 342 رقم 633.

(3) . الحديث في صحيح البخاري 6: 2591، و في مسند أحمد 3: 117 عن أنس، و في كشف الخفاء 2: 122.

(4) . فتح الباري 13: 18. و المعنى: أنّ حديث «لا يأتي عليكم زمان إلاّ هو شرّ منه» مخصّص بأحاديث خروج المهدي، أي: إلاّ زمان المهدي عليه السّلام فليس في زمانه شرّ، لأنّه عليه السّلام سيملأ الأرض عدلا و قسطا و بركة، عجّل اللّه تعالى في فرجه و ظهور أيامه، آمين.

51

إلاّ عيسى بن مريم» قال: «و الأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصحّ البتة إسنادا» . نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة محمّد بن خالد الجندي، راوي حديث: «لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم» ، و نقله عنه أيضا ابن القيّم في المنار المنيف في الحديث الصحيح و الضعيف‏ (1) .

و قال الإمام محمّد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، صاحب التفسير المشهور المتوفّى سنة 671 هـ، في كتابه التذكرة في أمور الآخرة، بعد ذكر حديث:

«و لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم» قال: «إسناده ضعيف، و الأحاديث عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصحّ من هذا الحديث، فالحكم بها دونه» ، و قال: «يحتمل أن يكون قوله صلّى اللّه عليه و آله: و لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم، أي: لا مهدي كاملا إلاّ عيسى» . قال: «و على هذا تجتمع الأحاديث و يرتفع التعارض» . نقل ذلك عنه السيوطي في آخر جزء من العرف الوردي في أخبار المهدي‏ (2) .

و قال ابن تيمية المتوفّى سنة 728 هـ في كتابه منهاج السنّة النبوية، في التعليق على الحديث الذي رواه ابن عمر عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله: «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، و كنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، و ذلك هو المهدي» ، قال: «إنّ الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود و الترمذي و أحمد و غيرهم من حديث ابن مسعود و غيره، كقوله صلّى اللّه عليه و آله في الحديث الذي رواه ابن مسعود:

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه رجل منّي (أو من أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي، و اسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا

____________

(1) . تهذيب التهذيب 9: 126، المنار المنيف: 143، و راجع تهذيب الكمال 25: 150.

(2) . الحاوي للفتاوي 2: 85، و سيأتي الكلام حوله في آخر العرف الوردي.

52

و عدلا كما ملئت ظلما و جورا»

و رواه الترمذي و أبو داود من رواية أم سلمة، و فيه:

«المهدي من عترتي، من ولد فاطمة»

و رواه أبو داود من طريق أبي سعيد، و فيه: «يملك الأرض سبع سنين»

و رواه عن علي رضي اللّه عنه أنّه نظر إلى الحسن و قال:

«إنّ ابني هذا سيد كما سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و سيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق و لا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطا» .

و هذه الأحاديث غلط فيها طوائف، طائفة أنكروها، و احتجّوا بحديث ابن ماجة أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله قال: «لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم» ، و هذا الحديث ضعيف، و قد اعتمد أبو محمّد ابن الوليد البغدادي و غيره عليه، و ليس ممّا يعتمد عليه، و رواه ابن ماجة عن يونس عن الشافعي، و الشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له: محمّد بن خالد الجندي، و هو ممّن لا يحتجّ به، و ليس في مسند الشافعي، و قد قيل: إنّ الشافعي لم يسمعه من الجندي، و إنّ يونس لم يسمعه من الشافعي.

و طائفة قالت: جدّه الحسين، و كنيته: أبو عبد اللّه، فمعناه: محمّد بن أبي عبد اللّه، و جعلت الكنية اسما، و ممّن سلك هذا ابن طلحة في كتابه الذي سمّاه غاية السئول في مناقب الرسول‏ (1) .

و قد عقد ابن القيّم في آخر كتابه المنار المنيف في الحديث الصحيح و الضعيف، فصلا في الكلام على أحاديث المهدي و خروجه، و الجمع بينها و بين حديث:

«لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم» ، قال فيه: فأمّا حديث: لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم،

____________

(1) . منهاج السنّة 8: 254.

53

فرواه ابن ماجة في سننه عن يوسف بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمّد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله، و هو ممّا تفرّد به محمد بن خالد. قال أبو الحسن محمّد بن الحسين الابري في كتاب مناقب الشافعي: محمّد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم و النقل. و قد تواترت الأخبار و استفاضت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذكر المهدي، و أنّه من أهل بيته، و أنّه يملك سبع سنين، و أنّه يملأ الأرض عدلا، و أنّ عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجّال، و أنّه يؤمّ هذه الأمّة و يصلّي عيسى خلفه.

و قال البيهقي: تفرّد به محمّد بن خالد هذا، و قد قال الحاكم أبو عبد اللّه: هو مجهول، و قد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله. قال: فرجع الحديث إلى رواية محمّد بن خالد-و هو مجهول-عن أبان بن أبي عياش-و هو متروك-و الأحاديث على خروج المهدي أصحّ إسنادا. قال ابن القيّم: قلت: كحديث عبد اللّه بن مسعود عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله:

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث رجل منّي (أو من أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي، و اسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا» .

رواه أبو داود و الترمذي، و قال: «حديث حسن صحيح» . قال (يعني الترمذي) :

و في الباب عن علي و أبي سعيد و أم سلمة و أبي هريرة، ثم روى حديث أبي هريرة و قال: «حسن صحيح» (1) .

____________

(1) . المنار المنيف: 141 رقم الحديث 327. إلاّ أنّ كلام الترمذي الأخير بقوله: «حسن صحيح» قاله الترمذي بعد حديث «و اسمه اسمي» من دون زيادة «و اسم أبيه اسم أبي» ، فراجع الجامع الصحيح للترمذي 3: 343 حديث رقم 2332، و تحفة الأحوذي 6: 403.

54

ثمّ قال ابن القيم: و في الباب عن حذيفة بن اليمان و أبي أمامة الباهلي و عبد الرحمن بن عوف و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و ثوبان و أنس بن مالك و جابر و ابن عباس و غيرهم‏ (1) ، ثم أورد عدّة أحاديث رواها بنصّ أهل السنن و المسانيد و غيرها، منها ما هو صحيح، و منها ما هو ضعيف، أورده للاستئناس به.

ثم قال: و هذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح و حسان و غرائب و موضوعة، و قد اختلف الناس في المهدي عن أربعة أقوال:

أحدها: أنّه المسيح بن مريم.

و احتجّ أصحاب هذا القول بحديث محمّد بن خالد الجندي المتقدّم، و قد بيّنا حاله، و أنّه لا يصحّ، و لو صحّ لم يكن به حجّة؛ لأنّ عيسى أعظم مهديّ بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين الساعة، و قد دلّت السنّة الصحيحة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق‏ (2) ، و حكمه بكتاب اللّه، و قتله اليهود و النصارى، و وضعه الجزية، و إهلاك أهل الملل في زمانه، فيصحّ أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه و إن كان غيره مهديا، كما يقال: لا علم إلاّ ما نفع، و لا مال إلاّ ما وقى وجه صاحبه، و كما يصحّ أن يقال: إنّما المهدي عيسى بن مريم، يعني: المهدي الكامل المعصوم‏ (3) .

____________

(1) . المنار المنيف: 143 رقم 328.

(2) . أي: نزول عيسى كما في شرح مسلم للنووي 8: 82، و عون المعبود 7: 117، و فيض القدير 6: 23 رقم 8262، و تاريخ دمشق 1: 244. و أمّا ما ذكره بعد ذلك من حكمه بكتاب اللّه، و قتله اليهود و النصارى، و وضع الجزية، فهو ثابت للمهدي عليه السّلام بالروايات الصحيحة المتقدّمة، و الآتية في العرف الوردي، ففي عبارة ابن القيم تشويش و خلط بين الآثار.

(3) . المنار المنيف: 148 رقم 339. و هذا الكلام من ابن القيّم و غيره غير تامّ، فإنّ اقتداء عيسى بالمهدي في صلاته أعظم دليل على أفضلية المهدي، و أنّه أعظم حجّة، لأنّه ليس المراد بالاقتداء إمامة الصلاة، و إنّما-