الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
5

المحتويات‏

تقديم 7

الجزء الأول الفن القصصي في القرآن الكريم تأليف محمد احمد خلف الله تصدير 17

تمهيد 31

المنهج 43

الباب الأول المعاني و القيم التاريخية و الاجتماعية و الخلقية و الدينية 49

-المعاني التاريخية 51

-الأدب و التاريخ 77

-القيم الاجتماعية و النفسية 93

-القيم الدينية و الخلقية 131

الباب الثاني الفن في القصة القرآنية 147

-ما هي القصة؟و هل في القرآن قصة فنية؟149

-الوحدة القصصية 211

-المقاصد و الأغراض 225

6

الباب الثالث مصادر القصص القرآني 247

-البيئة العربية 249

-العناصر في القصة القرآنية 283

-تطور الفن القصصي 329

الباب الرابع نفسية الرسول و قصص القرآن 343

الخاتمة 359

الجزء الثاني الفن القصصي في القرآن الكريم عرض و تحليل خليل عبد الكريم -مقدمة تحليلية

التمهيد 369

الباب الأول المعاني و القيم التاريخية و الاجتماعية و الخلقية و الدينية 372

الفن في القصة القرآنية 400

الوحدة القصصية 428

المقاصد و الأغراض 435

مصادر القصص القرآني 443

العناصر في القصة القرآنية 464

تطور الفن القصصي 485

نفسية الرسول و قصص القرآن 490

رسالة الفن القصصي في القرآن 495

7

تقديم‏

كتب الشيخ أمين الخولي يقدّم الطبعة الثالثة من كتاب (الفن القصصي في القرآن الكريم) لمحمد أحمد خلف الله ما يلي:

أستطيع أن اقول ان رسالة الفن القصصي قد أدت تلك الضريبة في سنتي 1946 -1948 و تقاضتها منها عامية فاسدة الفطرة في ظن من ظن لهم خطأ و خداعا أنهم أصحاب وعي.

«و اليوم صارت الرسالة و فكرتها كسبا غنيا و وجها من الإعجاز القرآني عند أصحاب الدين و الأدب فإني أقول بالأصالة و النيابة عفا الله عن جميع الآثمين في هذا السبيل و الغافلين المخدوعين... رحم الله من مات منهم و أصلح بال من لا يزال على ظهر الأرض و تحية لتلك التجربية المطرودة التي تردّ على العاملين إيمانهم و تحمي ثقتهم و تؤدي للحياة حاجتها من أسباب التطور و التقدم.

و تحية المؤلف رسالة الفن القصصي الذي أشهد الله أنه كان في صدقه و صدره مثلا من الشباب اذ ذاك يطمئن به المستقبل» .

و الضريبة التي أشار اليها شيخ الأمناء هي التي يدفعها رواد الفكر المستنير الذين يطرحون أفكارا جديدة غير تقليدية تتسم بالإبداع و الجدّة و الجسارة و من شأنها أن تحرّك‏

8

عجلة الفكر إلى الأمام و ما يستتبع ذلك من تنوير في حيايا المجتمع بأن تخاخا العقائد الفاسدة و التقاليد البالية و الآراء الجامدة و الأنساق الراكدة التي تحول دون تقدمه و التي تقيّد حركته و هو يسعى إلى التطور و ينزع إلى التغيير إلى الأحسن و الأنفع.

إن هذه الأفكار الجديدة تقابل بعداوة بالغة و كراهية شرسة و مقت بالغ من جهات متعددة و من فراء متباينين.

-منهم من يتكسّب من القديم المراد نفيه و تغريبه.

-و منهم من يحزّ عليه و يحزّ في نفسه أن يترك ما الف و يفارق ما اعتاد و يفاصل ما ربّي عليه.

-و منهم من يعتقد خطأ أن إرث الجدود و الآباء هو نهاية الشوط و ختام المطاف و منية المتمني و لا شي‏ء بعده.

-و منهم من يعمي الجهل عينه و يعش بحمر و يضب الرؤية أمامة فلا يدرك ما في التجديد من نفع أكيد و ما في الإبداع من فائدة محققة.

هؤلاء جميعا يتعاضدون على بغض المبدع و شنآن المجدّد و مقت المبتكر فيرمونه بكل نقيضه و يلصقون به كل تهمة و يلحقون به كل عيب و يعدمون إلى اغتياله معنويا و تصفيته جسديا إذا وجدوا لذلك سبيلا.

و على مدار تاريخ الفكر في القديم و الوسيط و الحديث دفع الدعاة إلى التجديد و المنادون بالاستنارة و رافعو شعارات العقلانية أثمانا باهظة و حرياتهم و أرزاقهم...

و لكن لسخرية القدر سرعان ما يتبيّن للمناوئين و يتضح للمعارضين و يظهر للمعاندين قيمة الفكرة الجديدة و ثمانة الرأي المبتدع و نفاسة الطرح المستحدث فيعتنقونه و يأخذون به...

و الحق أن ذلك أمر متوقع و شأن منطقي و حدث مفترض لأن التغير سنّة الحياة و التطور ناموس العمران و التحول دستور المجتمع رغم العوائق و بغض النظر عن العقبات و مع انتصاب المثبّطات-إنما بعد أن يدفع المبدعون الضريبة التي عناها الشيخ الخولي و يسددوا

9

الفاتورة و يوفّوا بكشف الحساب. و هم أسعد الناس بذلك-رغم ما حاق بهم من ظلم و ما لحق بهم من جور و ما أصابهم من عنت و ما نالهم من عسف-إذ يرون أفكارهم التي حوربوا من أجلها و آراءهم التي هوجموا بشأنها و طروحاتهم التي عودوا بسببها-قد ذاعت و شاعت و تدوّلت و تبودلت و أقبل عليها من كان يسخط عليها و رحّب بها من كان يعبس في وجهها، و هشّ لها من كان ينفر منها بل إن هؤلاء تحولوا إلى دعاة و مروّجين و أنصار لها.

و هذا عين ما حدث لخلف الله مبدع (الفن القصصي) إذ يخبرنا الشيخ أمين الخولي أنه لم يمض وقت قصير حتى كانت الرسالة تدرّس في بعض كليات الآداب في جامعات عربية بل و في بعض معاهد القاهرة.

*** و نحن لسنا بصدد تأريخ للأحداث التي واكبت ظهور رسالة القصص الفني التي يتقدم بها محمد أحمد خلف الله لنيل درجة الدكتوراة، فإن هذا صنيع مؤرخي الفكر. إن كل ما يهمنا طرحه هنا:

أنه بمجرد أن قدّم خلف الله رسالة (الفن القصصي) لكلية الآداب-جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) 1947/1948 حتى قامت الدنيا و لم تقعد و فتحت على الطالب و المشرف على رسالته و هو الشيخ أمين الخولي طاقة وسيعة من الجحيم المستعر و ارتفعت أصوات منكرة و شرعت أقلام شرسة و امتشقت أسياف جديدة صارمة تطعنها. و من المؤسف أن أساتذة جامعيين و علماء (باللقب) أكاديميين كانوا في مقدمة المهاجمين و على رأس المحاربين و أول المخاصمين و بحسب توصيف الشيخ الخولي شكّل ذلك محنة عقلية و سقطة خلقية و أزمة فكرية لأن هؤلاء لم يعمدوا إلى النقد العلمي و التفنيد الموضوعي و الرد المنطقي شأن العلماء و ديدن المفكرين و سبيل الأكاديميين الحقيقيين و ما تحتّمه تقاليد الجامعات و أعراف الكليات و نظم المعاهد العالية أو حتى الخفيضة و لكنهم جنحوا إلى التجريح و ما هو أوعر منه و عمدوا إلى اللمز و ما هو أقسى منه و يمحوا شطر الغمز و ما هو

10

أشد منه نكرا إذ نادى بعضهم باعتبار الطالب مرتدا يتعين إنزال حد الردّة عليه و كان هذا منهم أو إن شئت الدقة من بعضهم ذروة سنام الشطط و قمة العناد و الذؤابة العليا للعسف و العنت و الجور و جاوز هذا المسلك كل الحدود و قفز على جميع الاعتبارات و تخطّى كل الموانع.

و لم يقف الأمر عند ذلك بل وثب من على أسوار الجامعة و خرج مهرولا إلى الصحف السيارة و المجلات الأسبوعية و كتب فيه-كالعادة التي لا زالت مستمرة حتى الآن مع بالغ الأسف-من لم يقرأ من الرسالة حرفا بل سمع من هنا كلمة و من هناك جملة...

فارتفعت زوبعة أو بالأصح عاصفة لحمتها الغوغائية و سداها الجهل و سمتها الرعاعيّة و بنيتها الأوباشيّة و علاها و الانحطاط و ركبتها السهولة و مازجتها الركاكة و حاينتها الغثاثة و للأسى الشديد نجحت في ما هدفت إليه و وصلت إلى ما ابتغته و وفقت (إن صحّ أن ذلك كان توفيقا) في ما سعت إليه إذ اضطر خلف الله اضطرارا و هو كاره إلى سواها و التقدم بأطروحة أخرى نال بها درجة الدكتوراة.

*** بيد أن ذلك لم يمنع من ذيوع الرسالة و انتشارها، فقد طبعت في حياة مؤلفها ثلاث مرات و هذه هي الطبعة الرابعة التي تقدمها دار سينا المصرية و مؤسسة الانتشار العربي البيروتية اللبنانية إلى القارئ و هما تستهدفان على الأخص الجيل الجديد أو حتى المتوسط الذي لم يسعده الحظ فيشهد تلك الملحمة المجيدة التي خاضها خلف الله بشجاعة نادرة و جرأة عديمة الضريب و صبرا و احتسابا يعزّ نظيرهما و يقرأ الرسالة التي لم تنتشر منذ عدة عقود من الأعوام.

و لكني على ثقة أن تلك المعركة تركت في نفس خلف الله مرارة بالغة ربما هي العلة في إحجامه عن طبع رسالته هذه الفريدة طوال تلك المدة و لو لا ذلك لتعددت طبعاتها.

***

11

و من المضحك المبكي أنني و أنا أطالع أحداث هذه المحنة الفاذة قرأت أن جبهة العلماء أدلت بدلوها في الهجمة التتارية فوصفت الرسالة بأنها أشد شناعة من وباء الكوليرا الذي كان يحصد نفوس المصريين حصدا في تلك الأيام.

و جبهة العلماء هذه ما زالت تقوم بدورها المجهد فهي تقف حاليا بالمرصاد لكل المفكرين المستنيرين و ما من واحد منهم إلا و صمته بالكفر و وسمته بالارتداد عن الدين و حكمت عليه بالخروج عن الملة فأدركت على الفور أن أعضاءها الحاليين هم خير خلف لسلفهم الصالح و أنني أتوقع أنهم سوف يقفون ذات الموقف من هذه الطبعة الجديدة.

*** و نحن لا نملك إلا أن نحيي الشيخ أمين الخولي رحمه الله على ضربه مثلا رفيعا في الاستنارة و رحابة الأفق و نفاذ البصيرة و في شجاعته الأدبية لإشرافه على الرسالة ثم الدفاع عنها و عن صاحبها و لوقوفه صامدا غير عابئ بما ناله من هجوم تعرّى عن كافة القيّم و المبادئ الخلقية و لم يكتف بذلك بل كتب مقدمتين للطبعتين الثانية و الثالثة و واصل فيهما المحاماة عن الرسالة و المنافحة عن مصنفها منددا بالذين حملوا عليهما حملة شعواء على غير أساس من علم أو دين مؤكدا أنها (تلك الحملة) رفعت الستار عن حقيقة ما يجري في الجامعة المصرية بشأن حرية البحث المزعومة... و مما يدور خارجها من دغدغة للعواطف الفجة للعامة تحت ستار الدفاع عن القرآن، و نعت ذلك بأنه هبوط علمي و تدن خلقي و انحطاط اجتماعي، و في كل مرة كان يحيي صاحب الرسالة و يشيد بعلمه و خلقه و صبره و شجاعته الأدبية و جرأته الفكرية. و نحن من جانبنا نكتفي بكلمات الشيخ الجليل في حق تلميذه مبدع هذه الرسالة المتميزة الفريدة.

الدقي، في الثامن من جمادى الأول 1419 هـ التاسع و العشرون من شهر سبتمبر/أيلول 1998 م خليل عبد الكريم‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الجزء الأول الفن القصصي في القرآن الكريم‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي الفن القصصي في القرآن الكريم‏ تأليف محمد أحمد خلف الله‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

تصدير

(1)

كنت أريد أن أقف في هذا الموطن لأبيّن في وضوح و جلاء العلل و الأسباب التي دفعت بالجامعيين من أصحاب الهوى و الغرض إلى هذه المواقف:

(أ) التقوّل على رسالة «الفن القصصي في القرآن الكريم» و الادّعاء عليها بما ليس فيها و بما لا يمكن أن يخطر ببال صاحبها، و تحريف نصوصها تحريفا يمكن من استثارة الجماهير ضد الرسالة و ضد صاحبها في سهولة و يسر.

(ب) قبول الأستاذ أحمد بك أمين أن يكون عضوا في رسالة يشرف عليها الأستاذ الخولي مع تحاشيه مثل ذلك من قبل لما بين الأستاذين من خصومات، و بخاصة إذا كان هذا القبول قد تم بعد أن نشأت المسألة الدينية و بعد أن اعتذر الأستاذ عبد الوهاب حمودة. و اعتذار الأستاذ حمودة لم يكن إلا ليحل محله الأستاذ أحمد أمين، و لم يكن إلا بعد أسابيع ثلاثة من تكوين لجنة الفحص و من قبول الأستاذ حمودة عضوية اللجنة.

حرص الأستاذ أحمد بك أمين على أن يجنّب صديقه السنهوري باشا كل ما

18

يعكّر عليه صفو الحكم و ملذاته، و لذا نراه ينصح عميد الآداب و مدير الجامعة بالنيابة الدكتور عبد الوهاب بك عزام بأن يأخذ في هذه الرسالة رأي المسئولين قبل أن يأخذ رأي العلماء و بعبارة أخرى ينصحه بأن يأخذ رأي السنهوري باشا و من هنا نستطيع أن نقول بأن الأستاذ أحمد أمين قد كتب تقريره على الأساس السياسي لا على الأساس العلمي و لا على الأساس الديني.

بل لعل الأستاذ أحمد أمين بك لم يقبل عضوية اللجنة إلا ليؤدي هذه المهمة.

و من هنا نراه يصمت بعد ذلك فلا يرد على تقرير الأستاذ الخولي و إنما يترك مهمة الرد للأستاذ الشاب و لا يدفع عن نفسه ذلك الاتّهام الفاضح الذي نشرته جريدة «أخبار اليوم» و لا يجيب عن ذلك التحدي العلني الذي نشرته جريدة «الإخوان المسلمون» .

(ج) إصدار الأستاذ الشائب أحكاما ثلاثة في شأن هذه الرسالة:

فهي عنده حسنة إلى الحد الذي يجعله حريصا على أن يشرك الأزهر في مناقشتها ليتبيّن الأزهر بنفسه الجهود الحسنة التي يبذلها في سبيل الدراسات الإسلامية أبناء الجامعة.

و هي عنده لا بأس بها و إنه إنما ينصح بتعديل بعض فصولها قبل تقديمها إلى المناقشة.

و هي عنده سيئة جدا، سيئة إلى الحد الذي يجعله يقرر بأن أقل ما تستحقه هو الرفض التام.

ثم إرساله بعد كل هذا خطابا إلى المشرف يسحب فيه بعض صفحات التقرير الثاني لأنه قد كتب ما كتب قبل أن يرجع إلى كتب التفسير.

و أخيرا التقاؤه مع الأستاذ أحمد أمين في الحرص على سلامة الحكومة و هو نفسه الذي يدلّنا على أنه قد تحدّث مع العميد في شأن الضجيج السياسي الذي تعانيه الحكومة و أنه يريد برفضه هذه الرسالة أن يجنّب

19

الحكومة أي ضجيج ديني‏ (1) .

لقد بدأ الأستاذ الشائب مساوما رسالة برسالة. رسالة خلف اللّه برسالة المحاسني. ثم ثنّى مدافعا عن الدين و القرآن الكريم، ثم ثلّث مدافعا عن الحكومة لأنه الرجل الذي يريد أن يجنّبها أي ضجيج.

(د) موقف الدكتور عبد الوهاب عزام بك عميد الآداب و مدير الجامعة بالنيابة، و كيف أحدث هذه الأزمة باستماعه إلى وشايات الدكتور شوقي ضيف‏ (2) .

ثم كيف أنه لم يسلك السبيل العلمية الجامعية مع هذه الرسالة فلم يجمع لجنة الفحص لتضع تقريرها عن الرسالة، و لم يعرض المشكلة على مجلس الكلية ليرى رأيه في النزاع القائم، و إنما سلك سبيلا سياسة ملتوية.

فهو أولا: يبلغ الطالب أن اللجنة المكوّنة لفحص الرسالة قد قررت أنها غير صالحة للمناقشة مع أن اللجنة لم تجتمع حتى هذه اللحظة و لم تضع من باب أولى مثل هذا التقرير.

و هو ثانيا: ينشر بيانا في الصحف يذيع فيه أن الجامعة قد رأت أن هذه الرسالة لا تستحق أن يمنح عليها صاحبها درجة علمية جامعية. مع أنه يعلم العلم كله بأن الأستاذين اللذين قد اعتمد عليهما في تنفيذ خطة السياسيين قد فشلا الفشل كله حين ادعيا على الرسالة و حين حرّفا نصوصها و لقد ثبت هذا التحريف في محضر قام بعمله رجال ثلاثة هم الدكتور الشرقاوي بك و الدكتور زكي حسن بك و الأستاذ عبد الوهاب خلاف بك.

ثم هو ثالثا: لم يقبل تكوين لجنة جديدة لفحص هذه الرسالة يكون مفتي الديار المصرية عضوا فيها. و يكون أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق عضوا ثانيا و يكون المشرف عضوها الثالث على ما هو القانون و نص اللائحة.

____________

(1) ص 13 من التقرير الثاني.

(2) نقد صاحب الرسالة في التمهيد بحوث الأستاذ شوقي فأحفظه ذلك و بدأ هجومه على صاحب الرسالة و اتخذ من المسألة الدينية ميدان هذا الهجوم.

20

(هـ) موقف الجامعة و كيف أنها ناقضت نفسها بنفسها في كثير من تصرّفاتها حتى إذا دافعت عن الطالب في الرد على السؤال و هاجمت الطالب في الرد على الاستجواب و لم يكن ذلك إلا لرفض الطالب فكرة المساومة.

(و) تصرّفات معالي وزير المعارف و أحاديثه مع الطالب و محاولاته إخفاء نفسه في كل تصرّف حتى لكأن الجامعة هي التي تتصرف و حرصه الشديد على إنقاذ الأستاذ أحمد بك أمين بعد أن ورّط نفسه في سبيله.

كنت أريد أن أقف عند كل هذه المسائل لأفسّرها و أشرح العلل و الأسباب التي أدت إليها و كيف أن الهيئات الدينية قد استغلّت حتى لا ينكشف أمر السياسيين و من اعتمدوا عليهم من الجامعيين. و لكني آثرت أن أترك ذلك إلى ساحة أخرى تستطيع أن تأخذ المذنب بجريرته و تحمّله أضرار أخطائه المتعمدة و تلك هي ساحة القضاء.

(2)

و كنت أريد أن أقف أيضا لأحدّد المخالفات التي لم تصدر عن هوى و غرض و إنما صدرت عن بطء في الإدراك و سوء الفهم و عن عدم بصر بالنظرية و بما يمكن أن تؤديه للإسلام من خدمات. و أرد على هذه المخالفات واحدة واحدة. و لكني آثرت أن أشرح النظرية بتفصيل فأوضح المبهم و أفسر المشكل و أترك الأمر بعد ذلك للقارئ، فإن شاء آمن بها و قال للمخالفين من الجامعيين‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاََ يَهِدِّي إِلاََّ أَنْ يُهْدى‏ََ فَمََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (1) .

و إن شاء أعرض عنها و قال معهم‏ قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ (2) .

إنها إن تكن الثانية فليس لي معه و معهم إلا قوله تعالى‏ قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (3) .

____________

(1) سورة يونس، الآية 35.

(2) سورة فصلت، الآية 5.

(3) سورة الرعد، الآية 108.

21

(3)

بقيت كلمة صغيرة أقولها لهؤلاء الذين جعلوا من أنفسهم أبطالا في الدين و في سبيل القرآن الكريم من الجامعيين و غيرهم. كلمة أقولها لهم جميعا هي أنهم حتى في هذا الموقف الذي ينشدون فيه البطولة الدينية قد أعرضوا عن الإسلام و تعاليمه و عن هدى القرآن الكريم، و أقبلوا كل الإقبال على تلك الخطة التي كان الجاهليون في وثنيتهم الأولى يحاربون بها النبي عليه السلام و يعارضون بها القرآن الكريم.

أعرضوا عن الإسلام و تعاليمه لأن القرآن الكريم ينصح النبي عليه السلام و ينصح جماعة المسلمين بأن يجروا مع مخالفيهم في الرأي و العقيدة على سنّة المجادلة و المجادلة بالتي هي أحسن‏ وَ لاََ تُجََادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتََابِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . (1) و ليس يخفى أن هذه السنة كانت تحتّم عليهم أن يقدموا الرسالة للمناقشة.

و أقبلوا كل الإقبال على الخطة الجاهلية لأنهم اعتمدوا في كسبهم للخصومة في الرأي على استثارة الجماهير. و ذلك هو ما صوّره القرآن الكريم عن خطة الجاهلين‏ لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (2) .

يا أيها المخالفون. إن كنتم حريصين حقا على الإسلام و على القرآن الكريم فقارعوا الحجة بالحجة و أبطلوا الدليل بالدليل. أما استثارة الرأي العام و تحريك عواطف الجماهير فأمر لا يليق بالعقلية الإسلامية و لا يليق بأبناء القرن العشرين.

إن لكم في تعاليم الإسلام و هدى القرآن الأسوة الحسنة. و إن لكم في مسلك سعادة عبد الحميد بدوي باشا لقدوة يجب أن تتبع إن كنتم حقا من المسلمين و كنتم حقا من العلماء العاملين‏ (3) .

____________

(1) سورة العنكبوت، الآية 46.

(2) سورة فصلت، الآية 26.

(3) كانت بعض المشاكل قد أشكلت على سعادة بدوي باشا فطلب عنها إيضاحا يجده القارئ في الصفحات التالية.

22

سعادة الأستاذ الكبير الدكتور عبد الحميد بدوي باشا.

تحدّثت إلي السيدة بنت الشاطئ طالبة أن أوضح لسعادتكم موقفي من هذه الآيات التي يصف فيها القرآن بأنه الحق مع ما أذهب إليه من قول بفنية القصة القرآنية. و لقد ذكرت لي السيدة آيتين كريمتين نطقتم بهما في معرض الحديث هما قوله تعالى: إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ . (1) و قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (2) .

و أخبر سعادتكم أولا و قبل كل شي‏ء أن هذه المسألة من المسائل التي التفت إليها المفسرون، و التفتوا إليها لأنها جاءت مع الأمثال في قوله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ... (3) إلخ.

و الأمثال لا يلزم أن تكون من الحقائق الثابتة فقد تكون من المتخيّلات و من الأساطير و الأوهام. و لقد أجاب هؤلاء عن هذه المسألة و كانت إجابتهم أن المثل يوصف بالحق لأنه شارح للحق و مبين له و لأنه مقرر للحق و مؤكد له.

و أستطيع أن أضع بين يدي سعادتكم هذا النص الذي يشرح به صاحب المنار الدور الذي يلعبه المثل في تقرير الحقيقة و الذي يفسر به صاحب المنار معنى الحق مع المثل. جاء في جـ 1 ص 236 من تفسير المنار ما يلي «و المثل في اللغة الشبه و الشبيه، و ضربه عبارة عن إيقاعه و بيانه، و هو في الكلام أن يذكر لحال من الأحوال ما يناسبها و يشابهها، و يظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا، و لما كان المراد به بيان الأحوال كان قصة و حكاية. و اختير له لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير و هيج الانفعال كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، و ينتهي إلى أعماق نفسه، و لكن في الكلام قلبا حيث جعل المثل هو المضروب و إنما هو مضروب» . هذا ما قاله الأستاذ الإمام.

و جاء في ص 237 من الجزء نفسه: «ثم ذكر تعالى أن الناس فريقان: فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 62.

(2) سورة الكهف، الآية 13.

(3) سورة البقرة، الآية 26.

23

فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . لأنه ليس نقصا في حد ذاته، و قد جاء في كلامه تعالى:

فهو ليس نقصا و إنما هو حق لأنه مبين للحق و مقرّر له و سائق إلى الأخذ به لما له من التأثير في النفس و ذلك أن المعاني الكلية تعرض للذهن مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها و ينفذ فيها فيستخرج سرها و المثل هو الذي يفصل إجمالها و يوضح إبهامها فهو ميزان البلاغة و قسطاسها و مشكاة الهداية و نبراسها. و رحم اللّه تعالى عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة و الواضع الأول لعلمي المعاني و البيان و مؤلف أسرار البلاغة و دلائل الإعجاز لتحقيق إعجاز القرآن حيث قال في كتابه الأول و اعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه و نقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة و كسبها منقبة و رفع من أقدارها و شب من نارها و ضاعف قواها في تحريك النفوس لها و دعا القلوب إليها و استثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة و كلفا و قسر الطباع على أن تعطيها محبة و شغفا... » إلخ.

هذا الذي يقال في المثل يقال في القصة لا لأن المثل قد يكون قصة أو أن القصة قد تجي‏ء مثلا فحسب بل لأن هذا الذي يقال في التمثيل من حيث شرح المسائل و التمكين لها في الأنفس يقال مثله و أكثر منه في القصة. و لقد صرّح القرآن الكريم في كثير من المواطن بأن أخبار الأنبياء و المرسلين أو أقاصيصهم لم ترد في القرآن إلا على أساس أنها من الأمثال. قال تعالى‏ وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جََاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ... (1) الخ. و قال تعالى‏ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ (2) إلخ. وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ... (3) إلخ.

و على هذا الأساس جاء تعريف الرازي للقصة عند تفسيره لقوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (4) كما جاء تعريفه للحق عند تفسيره لقوله تعالى‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ

____________

(1) سورة يس، الآية 13.

(2) سورة التحريم، الآية 10.

(3) نفس السورة، الآية 11.

(4) سورة آل عمران، الآية 62.

24

مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ (1) إذ نراه يقول عند تفسيره للأولى: «و القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين و يرشد إلى الحق و يأمر بطلب النجاة» . كما نراه يقول عند تفسيره للثانية «أما الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد و العدل و النبوة. و أما الذكرى... » إلخ.

و مما يؤكد هذا الذي يذهب إليه المفسّرون أن القرآن الكريم قد جرى في أقاصيصه على هذا الأساس أساس أن القصة إنما توصف بالحق لأنها تشرح الحق و تقرره لا لأنها في ذاتها حقيقة ثابتة. و ليس أدل على هذا من قصة أصحاب الكهف تلك القصة التي وردت فيها الآية الكريمة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (2) إذ الذي نطمئن إليه و الذي قال به بعض الأقدمين من المفسرين أن القرآن الكريم لم يذكر في هذه القصة الحقيقة التاريخية.

و إنما ذكر ما كان يعرفه اليهود و أهل الكتاب عن عدد الفتية و عدد السنين. و الأستاذ النجار إنما يعتمد على هذا القول و يرفض ما عداه في تعليقه على مادة أصحاب الكهف من الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية على أنا نستطيع أن نشرح المسألة بإيجاز فنقول.

يذكر الدارسون للقرآن و الشارحون لأسباب النزول أن قصة أصحاب الكهف إنما نزلت إجابة عن أسئلة توجّه بها المشركون من أهل مكة بإيعاز من اليهود إلى النبي عليه السلام ليعرفوا أ من الأنبياء هو أم من المتنبّئين؟و يذكر الدارسون و الشارحون أن المشركين حينما رجعوا من المدينة أو من عند اليهود إنما رجعوا و معهم المقياس الذي يقيمون به صدق نبوة النبي و صحة رسالته و لم يكن هذا المقياس إلا الإجابة عن الأسئلة.

هنا نستطيع أن نسأل هذا السؤال. ما الإجابة التي يتوقع المتوقع أن ينزل بها الوحي من السماء ليثبت نبوة النبي و صدق رسالته؟أ هي الحقيقة التاريخية عن أمر أصحاب الكهف. أم هي الإجابة التي ذكرها اليهود من أهل المدينة للمشركين من أهل مكة و جعلوها المقياس الذي يقاس به أمر النبي عليه السلام؟

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) سورة الكهف، الآية 13.

25

أعتقد أنك قد فطنت إلى أن الإجابة الثانية هي المطلوبة لأنها وحدها المقياس الذي وضعه اليهود في يد المشركين و لأنها التي تثبت حقا أن الوحي ينزل من السماء لأن معرفة ما قاله اليهود للمشركين قد تكون أشق و أعسر من معرفة الحقيقة التاريخية من أمر أصحاب الكهف لأن المعرفة الأولى معرفة الخبايا و الأسرار و المعرفة الثانية معرفة الوقائع البشرية التي يسجّلها التاريخ و التي يتناقلها الرواة و الأفراد.

هذا الذي نقول به هو الذي يتّضح تماما من فن بناء هذه القصة في القرآن.

لما ذا ردّد القرآن الكريم عدد الفتية من أصحاب الكهف بين الثلاثة الرابعهم كلبهم و الخمسة السادسهم كلبهم و السبعة الثامنهم كلبهم؟لما ذا ردّد و لم يذكر العدد الحقيقي لكل هؤلاء؟

و لما ذا لم يذكر القرآن الكريم العدد الحقيقي للسنين؟لما ذا قال‏ وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً (1) ثم أعقبه بقوله‏ قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا (2) .

لما ذا كل هذا؟

لا نستطيع أن نتصوّر أن هناك من يدّعي أن المولى سبحانه و تعالى كان يجهل العدد الحقيقي من أمر هؤلاء الفتية فاللّه يعلم السر و أخفى و اللّه يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور و حاشا للمولى سبحانه و تعالى ألا يتعلق بعلمه أمر ما في الأرض أو في السماء.

إن الترديد في العدد و إن التجهيل في أمر السنين لم يكن إلا لحكمة يريدها المولى و ليست الحكمة فيما نرى إلا أن ينزل القرآن بما قالته اليهود للمشركين و من هنا كانت أيضا هذه النصائح التي يذكرها في القصة القرآن الكريم.

لقد كانت إجابات اليهود عير موحّدة و من هنا كان ما ترى في القصة من تجهيل و ترديد. فن بناء القصة في القرآن يشعر بما نذهب إليه من أن صفة الحق في هذا

____________

(1) سورة الكهف، الآية 25.

(2) نفس السورة، الآية 26.

غ

26

الموطن لم تطلق على النبأ من حيث هو حق في ذاته و إنما أطلقت عليه من حيث هو شارح للحق و مبيّن له. و لا نريد في هذا المقام أن نتعرض لما يقوله الكثيرون من أن هذه القصة ليست إلا أسطورة من الأساطير الرومانية لأن هذا التعرّض لا يليق بهذا المقام.

و قد يكفي في هذا الموطن أن نحيلك إلى دائرة المعارف لترى ما يذكره الذاكرون هناك.

*** و الشارحون لمعنى كلمة الحق في القرآن الكريم من أمثال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن يذهبون إلى أن الحق كلمة أو صفة يوصف بها في بعض الأحيان الفعل أو العمل الذي يجي‏ء على مقتضى الحكمة. كما قد تجي‏ء وصفا للفعل أو القول الذي يكون بحسب ما يجب و في الوقت الذي يجب.

و على الأساس السابق لاستعمال لفظة الحق في القرآن الكريم لو أنك قصصت قصة خيالية على طفل صغير أو إنسان كبير تقصد بها ردعه و زجره أو تربيته و تهذيبه أو حتى إدخال السرور على قلبه و تنشيط همته و أحدث القص ما إليه قصدت فهذه القصة حق. هي حق لا من حيث الأحداث و الأشخاص فهما كما ذكرنا من نسيج الخيال و إنما من حيث الأثر النفسي الذي تحدثه القصة أي من حيث الوصول إلى الهدف و تحقيق المقاصد و الأغراض.

هذا الذي نقول به على هذا الوجه هو الذي التفت إليه القاضي عبد الجبار عند حديثه في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن عن قصة المباهلة و إليك أولا ما قال.

يقول القاضي الفاضل في ص 62 من كتابه ما يلي «مسألة. و ربما قيل في قوله تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ .

كيف ترفع محاجة النصارى في عيسى إذ قالوا أنه اللّه و أنه ابن اللّه. و محاجة اليهود إذ كذبوا بولادته من غير ذكر بالمباهلة التي ذكرها اللّه؟

و جوابنا أن الحجة في إبطال قولهم إذا ظهرت و لم يقع القبول و علم اللّه تعالى أن في المباهلة مصلحة لم يمنع ذلك. و معلوم أن عند المباهلة و الملاعنة يخاف المبطل فربما يكون ذلك‏

27

من سبب تركه الباطل إما ظاهرا و إما باطنا و لذلك قال تعالى بعده‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (1) لأن ما ينذر و يخوّف يوصف بذلك» . انتهى.

و واضح من قول القاضي عبد الجبار أن المباهلة لم تكن إلا للتخويف و أن الخوف من العوامل التي تدعو الإنسان إلى ترك الباطل و أن ما يبعث الخوف يوصف بالحق.

القصة التي تبعث الخوف و تدفع إلى ترك الباطل توصف بأنها حق. توصف بهذه الصفة لا من حيث وقوعها أو عدم الوقوع و إنما من حيث بعثها للخوف و استثارتها له لأن ما ينذر و يخوّف يوصف بذلك.

المسألة على هذا القول في غاية الوضوح و لا تحتاج إلى دليل أو برهان على أننا نستطيع أن نفسّر المسألة من وجهة نظر أخرى هي التالية:

يذهب بعض المفسرين إلى التفرقة بين الحكاية أي بين جسم القصة أو هيكلها و بين ما فيها من توجيهات دينية أو اجتماعية. و يذهب هؤلاء إلى أن الجسم أو الهيكل غير مقصود و أن المقصود من عملية القص القرآنية ليس إلا هذه التوجيهات. ليس إلا ما في القصة من المعاني الدينية و الخلقية و القيم الاجتماعية و النفسية: و يذهب هؤلاء أيضا إلى أن المشركين قد ضلّوا السبيل حين اعتقدوا أن المقصود من عملية القص القرآنية هو الحكاية و أنه من هنا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عد القصص القرآني من الأساطير و ها هي بعض العبارات من كتب هؤلاء المفسّرين.

جاء في الرازي جـ 4 ص 591 عند تفسيره لقوله تعالى‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (2) ما يلي «الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين و لم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها.

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 62.

(2) سورة يونس، الآية 39.

28

و جاء في النيسابوري جـ 11 ص 85 هامش الطبري عند تفسيره للآية السابقة ما يلي: «و ذلك إنما حملهم على التكذيب أولا و آخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين و لم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين و خفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم و نقل الأمم من العز إلى الذل و بالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون و غاية كل سكون ألا يكون، كقوله عز من قائل‏ لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ (1) » .

و يمضي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أبعد من هذين حين يقول عند تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي فيما نقل عنه صاحب المنار جـ 1 ص 399 «قال الأستاذ الإمام ما مثاله: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكي من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز مواطن الهداية و لا بد أن يأتي في العبارة أو السياق و أسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن و استهجان القبيح.

و قد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم و إن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله‏ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (2) و كقوله بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ (3) و هذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتّاب العربية و كتّاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير و الشر في خطبهم و مقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان و المصريين القدماء و لا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية...

إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا و غير قصص

____________

(1) سورة يوسف، الآية 111.

(2) سورة البقرة، الآية 275.

(3) سورة الكهف، الآية 90.

29

أثر للأساطير إجراء للعبارات على تلك الظواهر الخرافية لأنه يحكي من عقائدهم الحق و الباطل كما يجيز أن يكون القرآن قد أجرى أساليبه كما هو المعروف عند الأدباء فجعل الخرافات الوثنية أداة للتعبيرات البلاغية» .

يجيز الأستاذ الإمام هذا كله إلى جانب نصّه الصريح و الواضح على أن التاريخ غير مقصود.

و الآن إذا كانت المعاني التاريخية غير مقصودة فهل يجي‏ء من يقول بأن صفة الحق إنما تنصب على هذه المعاني؟أعتقد أن لا.

المقصود بالصفة هو الهدف الذي يقصد إليه القرآن من القص فالحق هنا ليس المعاني التاريخية و إنما هي المعاني الدينية و الخلقية، إلخ. تلك التي قصد إليها القرآن من عملية القص.

*** هذه تفسيرات مختلفة لهذه الصفة لك أن تقبل منها ما تشاء. و أن ترفض ما تشاء و لك أن تفهم إلى جانبها أن القصة الفنية قد تختار أحداثها و أشخاصها من التاريخ و من واقع الحياة و ليس يلزم حتما حين نقول بأن القصة في القرآن عمل فني أن نقول إن فنية القصة في القرآن إنما تجي‏ء من أن عناصرها من نتاج الخيال.

لا يلزم هذا و يجب ألا يفهم قولي على إطلاقه و إنما هي الحلول التي نضعها لنفسح مجال القول أمام الدارسين و نمكّن العقل الإسلامي من أن يفهم القصص القرآني على أسس أدبية، أسس لم نجئ بها من عندنا و إنما وقفنا عليها من ملاحظة الظواهر الفنية و الأدبية التي تجري عليها عملية القص في القرآن.

و في الختام أرجو أن أكون قد قدّمت ما فيه الخير.

و السلام عليكم و رحمة اللّه.

القاهرة محمد أحمد خلف اللّه‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

تمهيد

أريد أن أوضح في هذا التمهيد شيئين: الأول منهما الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع موضوع الفن القصصي في القرآن الكريم و الثاني المنهج الذي سرت عليه في دراسته.

أما الأسباب التي جعلتني أعنى بالدراسة الأدبية و أجعل من القرآن ميدان أبحاثي فيها فترجع قبل كل شي‏ء إلى نوع من الاستهواء عمل على إذاعته في نفسي درس أستاذنا الخولي عن المنهج الأدبي في فهم القرآن و تفسيره فقد كانت تلك اللفتات تستقر في نفسي استقرارا يجعلني أتخيّل أني أستطيع تمثّل هذا المنهج و السير عليه في تفسير كتاب اللّه.

ساعد على هذا التخيّل و نماه في نفسي تلك التربية الدينية التي لاحقتني صغيرا و التي جعلتني أؤمن إيمانا قويا بأن العقلية الإسلامية الحقة إنما تظهر سافرة مشرقة في الجانب الديني و التشريعي من جوانب الثقافة الإسلامية. و من هنا كنت أعتقد أني من أحق طلاب قسم اللغة العربية بكلية الآداب و أجدرهم على السير في هذه السبيل و الضرب فيها بخطى ثابتة.

و كان منهج الأصوليين في البحث في المقدمات اللغوية و فهم النصوص القرآنية حين يستخرجون الأحكام و يضبطون أمور التشريع من العوامل التي تغريني أيضا فعقدت‏

32

العزم على أن أصنع صنيعهم في القرآن في غير باب التشريع. عقدت العزم على أن أجمع الآيات المتعلقة بجزئية من الجزئيات أو مسألة من المسائل فأرتّبها الترتيب التاريخي و أفهمها الفهم الذي يساعدني على استخلاص الحقائق و توضيح ما تشتمل عليه من أفكار و آراء.

دفعتني كل هذه الأشياء إلى القرآن فطاوعتها و أخذت موضوعي الأول «جدل القرآن الكريم» موضوعا لدراسة الماجستير.

اخترته و ما كنت قد تبيّنت تماما ذلك المنهج الأدبي، فلم تكن أصوله قد استقرت في نفسي استقرار الحقائق الواضحة و ما كنت أطمع في أكثر من دراسة القرآن على منهج الأصوليين في الدرس فإن انحرفت فاستجابة لشي‏ء مبهم لم يتضح بعد الوضوح الكافي.

لكني ما لبثت أن تبيّنت حقيقة ذهلت لها أول الأمر فقد تبيّنت أن القرآن نفسه اعتمد على ما يعتمد عليه أصحاب الدعوات من عوامل و أنه صور العوامل النفسية للدعوات و لفت الذهن إلى الفاعلية القوية التي تكمن في الألفاظ و عرف للدعاية و الرقابة سلطانهما ففرضهما على النبي عليه السلام و على المؤمنين بالقدر الذي كانت تسمح به الظروف في هاتيك الأيام.

و مضيت في الدرس فاستقر في نفسي شي‏ء آخر هو أن تلك الآراء التي يثبتها المفسّرون على أنها متعارضة و تلك المذاهب العديدة التي توزّعتها الفرق الدينية المختلفة لعلها قامت على غير أساس. قامت لأن قصد القرآن من استعمال الألفاظ لم يفهم تماما. و قامت لأنه استقر في ذهن المؤمنين بها أن المطلوب من وراء الألفاظ ليس شيئا غير المعاني. و قامت لأن هذه الفرق قد حددت المعنى حيثما استقر في ذهن أصحابها من وراثة أو تلقين. و على الجملة قامت لأن هذه الجماعات كانت تفرض آراءها و معتقداتها على القرآن و لم تفهم القرآن الكريم فهما سديدا قائما على أسس سليمة من الدرس و الفهم و التي من أولها ألا نفرض ثقافتنا و علمنا و فلسفتنا على النصوص التي أمامنا و إنما نحاول جاهدين الوقوف على ما في هذه النصوص من قيم و من آراء و معتقدات و من أفكار علمية و اجتماعية يدل عليها النص نفسه و يوحي بها و يشير إليها حتى و لو لم تتفق هذه الأفكار و ما به ندين.

و إذا أردنا أن نضع بين يديك ألوانا من هذه المثل فلن نجد خيرا من هذين المثلين:

33

(1) في تفسير المفسرين لقوله تعالى‏ يس*`وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ*`إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ* `عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ*`تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ*`لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ*`لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ*`وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ* `وَ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ (1) نجد كثيرا من الآراء المتعلقة بالمشكلة الفلسفية مشكلة القضاء و القدر و خلق الأفعال هي التي تملي على المفسرين أقوالهم في الآية حتى لنرى الطبري و هو أبعد المفسّرين عن حشو كتابه بآراء الفرق الدينية يقول «يقول تعالى ذكره و سواء يا محمد على هؤلاء فإنهم عليهم القول أن الأمرين كان منك إليهم الإنذار أو ترك الإنذار فإنهم لا يؤمنون لأن اللّه قد حكم عليهم بذلك» و هو قول يدعو إلى العجب من غير شك إذ الناظر في هذه الآيات و في أمثالها يرى أنها وصف أدبي دال يعبّر أقوى تعبير عن حال أولئك الذين أثقلتهم التقاليد و طال عليهم الأمد فقست قلوبهم.

و أولئك الذين تمكّنت منهم العقائد الباطلة حتى لينظرون إلى الوجود من خلالها. و لم يرد القرآن الكريم فيما نرى تلك الأشياء التي وقف عندها المفسّرون و بخاصة الرازي من أدلة الفرق الدينية و جدلها العقيم فأطالوا الوقوف و ذكروا منها ما يباعد بين المرء و بين الفهم السديد للقرآن الكريم. بل ذكروا ما يفسد ذوقه الأدبي و حسّه بوقع الألفاظ على النفس الإنسانية و ما يلفت الذهن إلى قضايا عقلية كان من الخير له و للقرآن الإعراض عنها.

إن ختام هذه الآيات يشرح لنا ما يريده القرآن أجمل شرح و يوضح لنا ظاهرة اجتماعية تحدث مع كل دعوة و توجد في كل زمان و مكان إذ نفوس الناس مختلفة و استعداداتهم متفاوتة و قدرتهم على التخلّص من القديم و الاستجابة للجديد تتوقف إلى حد كبير على ما يحيط بهم من ظروف و ما يلم بهم من أحداث و ما يعده الزمن للمستقبل من رجال أحرار يحاولون النهوض بأمتهم و الأخذ بيدها في طريق التقدّم و الرقي و من هنا نرى القرآن الكريم يقابل في الآيات السابقة بين صنفين من الناس: صنف عدم القادة فأثقلتهم التقاليد و تمكّنت من نفوسهم العقائد و هؤلاء هم الذين وصفهم القرآن الكريم بقوله

____________

(1) سورة يس، الآيات 1-10.

غ

34

تعالى‏ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ (1) . و صنف استعدّت نفوسهم و تهيّأت لأمثال هذه الدعوات و هم الذين قال فيهم‏ إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ (2) .

و نستطيع أن نمضي مع هذه الآيات و كثير غيرها فنرى أن القرآن الكريم يقصد إلى هذه الظاهرة فيصوّرها و يصوّر استعدادات النفوس فإن اختلف التصوير فلأمر يقصد كأن يكون القصد التسرية عن النبي عليه السلام و إزالة الهم و الغم عن نفسه. أو يكون تنفير هؤلاء و أمثالهم من ذلك الموقف الذي يحيط به الجمود من كل النواحي. كما قد يكون غير هذين من أمور يستطيع الباحث الوقوف عليها. و لكن لن يكون منها فيما نعتقد ذلك الذي ذهب إليه المفسّرون من أن المولى سبحانه و تعالى قد حكم عليهم بعدم الإيمان في المستقبل و لسنا بحاجة إلى القول بأن كثيرين من هؤلاء الذين وصفهم القرآن الكريم بهذه الصفات قد آمنوا عام الوفود و عام فتح مكة فهذه أمور قد تكفّل بها التاريخ.

(2) و في تفسير المفسّرين أو في محاولتهم للتوفيق بين ألفاظ الجان و الثعبان و الحية من قصص موسى نراهم يهتمون بالمعاني و يعرضون عما تثيره الألفاظ من انفعالات و أحاسيس و من هنا لا يوفّقون إلى الفهم الصحيح فيما نعتقد. يقول صاحب الكشاف في تفسيره لقصة موسى من سورة طه «فإن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية و الجان و الثعبان قلت. أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير و أما الثعبان و الجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات و الجان الدقيق و في ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية حلالها تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورّم و يتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا فأريد بالجان أول حالها و بالثعبان مآلها. و الثاني أنها كانت في شخص الثعبان و سرعة حركة الجان و الدليل عليه قوله تعالى فلما رآها تهتز كأنها جان.

و قيل كان لها عرف كعرف الفرس و قيل كان بين لحييها أربعون ذراعا» .

و صاحب الكشاف و من تابعه يعتقدون أنهم بهذا القول قد خرجوا من تناقض و أن

____________

(1) سورة يس، الآية 6.

(2) نفس السورة، الآية 11.

35

القرآن قد سلم من اعتراض و إنه لتناقض دفع إليه الوهم و ساعد عليه ما في قصة الخروج من الجنة من اختلاف بين التوراة و القرآن، فقد ساعد على خروج آدم من الجنة إبليس في القرآن و الحية في التوراة و وفق الموفّقون بين القولين و انتهوا إلى أن الجان نوع من الحيات.

إن القوم لو تدبّروا قليلا لما احتاجوا إلى مثل هذه الوقفة فالقرآن في استعماله لهذه الألفاظ إنما يقصد إلى ما تثيره الألفاظ من انفعالات و ما توحي به من عواطف و هو في هذه الآيات إنما يستعمل لفظ الجان حين يقصد إلى الحديث عن موسى عليه السلام لتصوير عاطفة الخوف و غريزة الهرب و ذلك عند رؤيته العصا تتحرك و لذا نراه يقول بعد لفظ الجان وَلََّى مُدْبِراً (1) و الجان فيما نرى مثير للخوف ينفر منه الناس و يولون ما أسعفتهم أرجلهم. و يستعمل القرآن لفظ الثعبان أو الحية حين يقصد إلى تصوير ما حصل بين موسى و السحرة أو موسى و فرعون و بعبارة أخرى حين لا يقصد إلى تصوير خوف موسى حين رأى العصا تهتز.

ثم مضيت و كلما ازددت مضاء استقر المنهج الأدبي في نفسي فازددت تعلّقا بالقرآن و درسه و تنبّه ذهني إلى كثير من موضوعاته التي يمكن أن يكون منها موضوع رسالة الدكتوراة.

كان القصص القرآني من الموضوعات التي اتجه إليها ذهني منذ اللحظة الأولى و كان السبب في ذلك أن القصص كان من أهم العوامل النفسية التي لجأ إليها القرآن في الجدل و الحوار و في البشارة و الإنذار و في شرح مبادئ الدعوة الإسلامية و التمكين لها و في تثبيت قلب النبي عليه السلام و قلوب من اتّبعه من المهاجرين و الأنصار.

اتجه ذهني إلى القصص القرآني و لم أكن قد قدّرت بعد سلطان القصة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت و لم أكن قد عرفت بعد أنها الوسيلة التي كانت تلجأ إليها المعارضة حين تحاول الكيد للنبي عليه السلام و التحدي للقرآن الكريم. و لم أكن قد وقفت بعد على ما يروونه عن النضر بن الحارث و كيف كان يجلس إلى الناس كما كان يجلس محمد

____________

(1) سورة النمل، الآية 10 و سورة القصص، الآية 31.

36

عليه السلام و كيف كانت قريش تستملح حديثه حتى لتنصرف عن النبي إليه حين يقص على الجماعات أخبار فارس و قصص رستم و اسفنديار.

لم أكن قد وقفت على شي‏ء من هذا و لذا لم أكد أقف عليه و أتأمّله حتى قرّ في نفسي أن يكون «الفن القصصي في القرآن الكريم» موضوع رسالتي المقبلة رسالة الدكتوراة.

على أني لم ألبث أن تبيّنت أسبابا أخرى أكّدت في نفسي ما سبق فقد لاحظت أن أئمة الدين و التفسير يعدون القصص القرآني من المتشابه و أن الملاحدة و من نحا نحوهم من مبشّرين و مستشرقين قد وجدوا منه الثغرة التي ينفذون منها للطعن على النبي و في القرآن الكريم.

هنا حلا لي الوقوف فأطلت و إليك ما عنّ لي من ملاحظات.

لاحظت أن السبب في موقف أولئك و هؤلاء من القرآن يرجع في جملته و في تفصيله إلى ذلك المنهج المنحرف الذي جرى القوم عليه و الذي دفعهم إلى دراسة القصص القرآني كما تدرس الوثائق التاريخية لا كما تدرس النصوص الدينية و النصوص الأدبية البليغة أو المعجزة و من هنا وقفت لأدرس القصص القرآني على منهج الأصوليين و اللغويين و الأدباء عسى العقد أن تحل و عسى المشكلات أن تزول و عسى هذا الباب الذي يلج منه الملاحدة و المبشّرون أن يوصد إلى غير رجعة إن شاء اللّه.

و لاحظت أن الوحدة القصصية في القرآن الكريم لا تدور بحال من الأحوال حول شخصيات الرسل و الأنبياء عليهم السلام و إنما تقوم قبل كل شي‏ء و بعد كل شي‏ء على الموضوعات الدينية و الأغراض القصصية من اجتماعية و خلقية و من هنا تبيّنت لما ذا عدّ القدماء من المفسّرين القصص القرآني من المتشابه.

و لاحظت أن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له و أنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقوّمات التاريخ من زمان و مكان و من هنا تبيّنت أن القوم قد عكسوا القضية حين شغلوا أنفسهم بالبحث عن مقوّمات التاريخ و هي غير مقصودة و أهملوا المقاصد الحقيقية للقصص القرآني. و لو أنهم شغلوا أنفسهم بتلك المقاصد الحقة لأراحوا أنفسهم من عناء كبير و لأبرزوا الجوانب الدينية و الاجتماعية من القصص القرآني إبرازا ملموسا يثير المشاعر و العواطف و يؤثر في العقول‏

37

و القلوب و عند ذلك كانوا يمكّنون للدين و قضاياه و يسيرون و هدى القرآن الكريم.

و لاحظت أن القوم أعرضوا عن الوقوف عند الأحداث و الأشخاص من حيث تصويرها تصويرا معجزا رائعا و وقفوا عندها من حيث هي أداة من أدوات التاريخ و من هنا أخذوا يسألون أنفسهم أسئلة عقدت القصص القرآني أمامهم فكانوا يسألون مثلا عن الحادثة أوقعت أم لم تقع؟و إذا كانت قد وقعت فمن الذي أوقعها؟و أين و متى؟إلى غير ذلك من أسئلة حالت العناية بها بينهم و بين الوقوف على القصد الذي يرمي إليه القرآن من تصويره للأحداث من حيث هي أدوات ترغيب و ترهيب و موعظة و عبرة و هداية و إرشاد و لو أن القوم درسوا الصيغ المعبّرة عن الأحداث على هذا الأساس لأراحوا و استراحوا و فطنوا إلى أمور كثيرة من أسرار الأعجاز و لعرفوا الفاعلية القوية لسحر الألفاظ.

و لاحظت أخيرا أن المستشرقين قد عجزوا عجزا يكاد يكون تاما عن فهم أسلوب القرآن الكريم و طريقته في بناء القصة و تركيبها و عن الوحدة التي يقوم عليها فن البناء و التركيب و من هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الخاطئ القائل بتطوّر الشخصية في القرآن الكريم. كما رأيتهم قد عجزوا عن فهم طبيعة المواد القصصية في القرآن و عن أسرار اختيارها و من هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الذي سبقهم إليه المشركون من أهل مكة و الملاحدة من المسلمين من القول بأن الذي يعلم محمدا بشر و أن بالقرآن أخطاء من أخطاء التاريخ.

و لو أنهم فهموا أسرار القرآن لما كان منهم ذلك القول الذي يدل على جرأة على الحق و بعد عن روح العلم و هي مما لا يحب العلماء أن تكون من صفاتهم.

لاحظت كل هذه الأشياء فأكدت في نفسي كما قلت عوامل اختيار الفن القصصي في القرآن الكريم و منّيت النفس بحل المشكلات و إزالة الشبه و إني لأعتقد أنك سترى من ذلك ما يعجبك و ما يرضيك.

و هنا جدّ في الأمر جديد هو من الخطورة بمكان و هو أن القصص القرآني يحقق غرضا منهجيا في الدراسة الأدبية الجامعية. غرضا منهجيا حادت عنه كليتنا أو قسمنا على أقل تقدير مع أنه المنهج السليم فيما أرى و إليك البيان.

كنت قد أحسست بحاجتي الملحة إلى الاطلاع على ما يفعله علماء الغرب حين يدرسون الأدب و تاريخه فاستجبت لهذا الإحساس و قرأت بعض الكتب التي تعالج هذه‏

38

المسائل و كان مما قرأت تلك المجموعة من الأبحاث التي قام بها الأدباء و علماء الأدب من الإنجليز و أخرجتها جامعة أكسفورد على أساس من الدراسة فريد فلقد قامت دراسة هؤلاء على أن الأدب تجربة و تقليد و أن الدراسة التاريخية له على هذا الأساس يجب أن تبدأ معه و هو وليد.

و قامت هذه الدراسة أيضا على أساس أن كل لون من ألوان الأدب يكتب في تاريخه اثنان مؤرخ للأدب و أديب فيكتب في الشعر مؤرخ للشعر و شاعر و يكتب في القصة مؤرخ للقصة و قاصّ و في النثر الفني مؤرخ للنثر و كاتب و هكذا.

ثم كان مما قرأت أيضا ذلك البحث القيّم الذي كتبه عن المنهج الأدبي لانسون و عربه مندور قرأت هذه الكتب فانتهت بي القراءة إلى الإحساس بالمفارقة العجيبة التي توجد بين ما تصوّرته للدراسة الأدبية من منهج و ما عليه نسير.

تصوّرت أن القوم يفرّقون بين دراستهم للنصوص دراسة أدبية و بين قراءة هذه النصوص للاستمتاع و اللذة و ترضيه العواطف و الشعور.

و تصوّرت أنهم حين يدرسونها دراسة أدبية يعنون العناية التامة بالتفرقة بين ما فيها من قيم عقلية و ما فيها من قيم عاطفية و أخرى فنية أو بلاغية.

و تصوّرت أنهم لا يصدرون حكما من الأحكام الأدبية على شاعر أو مدرسة أدبية أو مذهب فني أو حتى على عصر من العصور و بيئة من البيئات إلا بعد استكمال الوسائل التي تمكّنهم من الحكم على هذا أو ذاك.

و تصوّرت أن أولى هذه الوسائل هي الوقوف على المواد التي يجب درسها قبل إصدار الحكم و من هنا رأيتهم حينما يحاولون إصدار حكم أدبي يتطلّبون استكمال هذه المواد.

أولا: النصوص الأدبية فيجمعونها و يحقّقونها و يدرسونها دراسة أدبية عميقة توضح الظواهر العقلية و العاطفية و الفنية و تفسّرها تفسيرا واضحا مقبولا.

ثانيا: و هم ثانيا لا يفسّرون خصائص الأديب الشاعر أو الناثر كما لا يفسّرون خصائص المدرسة أو المذهب و العصر أو البيئة إلا على أسس ثابتة.

39

فالخصائص التي لا يشرك الأديب فيها غيره هي خصائصه المميّزة و الخصائص التي يشركه فيها غيره هي خصائص المدرسة أو المذهب فإن كانت من الخصائص العامة التي تعم البيئة أو تجاوزها فهي خصائص العصر أو البيئة هكذا.

ثالثا: و هم ثالثا لا يستطيعون الحكم الأدبي على عصر من العصور أو مدرسة من المدارس و يتبيّنون خصيصته المميّزة إلا بعد الوقوف على الخصائص المميّزة لكل عصر من العصور السابقة.

إنهم يتطلّبون في الدراسة القيّمة للتاريخ الأدبي أن تسير سيرا منطقيا مسلسلا و أن تبدأ مع الأدب فتخطو معه خطواته الأولى و تشركه في الحياة منذ أن تدب فيه.

إنهم يسلسلون التيارات الأدبية و يحلّلون ما فيها من قيم و يصوّرون لنا الحياة العقلية بما فيها من فلسفة و علم و الحياة الفنية بما فيها من مذاهب و صور للتعبير.

و فرق كبير بين ما عليه هؤلاء و ما عليه تسير و إنه لفرق يشعرنا بالنقص الذي يجب علينا أن نتداركه و إلا ضاعت قيمة العلم و التعليم و تستطيع أن تفكّر معي في هذا المثال.

هذان بحثان أخرجهما زميل من الزملاء هما الفن و مذاهبه في الشعر و قد كان رسالة لنيل درجة الدكتوراة و الفن و مذاهبه في النثر و قد خرج بعد الأول بثلاثة أعوام فهل نستطيع أن نتصوّر أنهما أخرجا إخراجا علميا سليما؟

إن إخراج هذين يحتاج إلى درس نستطيع أن نعدّه في حكم المستحيل من حيث ما يتطلبه من دقة علمية و استقصاء في البحث ذلك لأن هذا الإخراج يتطلّب قبل كل شي‏ء الوقوف على المواد الأدبية أو على النصوص و تصور معي طول الزمن و اتساع الرقعة فهذا الأدب العربي يطول و يطول حتى يطوي خمسة عشر قرنا أو تزيد. و هذه الرقعة تتسع و تتسع حتى لتجاوز القارة الواحدة إلى القارات فإنها تشمل بلاد العرب بما فيها الحجاز و اليمن و تشمل بلاد الشام بما فيها سوريا و لبنان و فلسطين و شرقي الأردن و تشمل العراق.

ثم هي تنتقل من آسيا إلى إفريقية فتشمل مصر و شمال إفريقية طرابلس و تونس و الجزائر و مراكش. ثم تنتقل إلى القارة الأوروبية فتشمل بلاد الأندلس.

ثم تصوّر معي إلى جانب طول الزمن و اتساع الرقعة ما تراكم فيها من تراث فهناك

40

الشعر العربي كله و هناك النثر العربي كله بما فيه من خطب و مقالات و رسائل و حكايات و كتب مختلفة الألوان و قصص و مقامات.

تصوّر كل هذا ما طبع و ما لا يزال مخطوطا و قل لي هل استطاع صاحبنا جمع هذا التراث و الوقوف عليه في دقة و استقصاء؟و إذا كان فهل استطاع أن يدرسه حقا؟و إذا كان فهل استطاع من هذه الدراسة الوقوف على كل ما فيه من ظواهر عقلية و أخرى عاطفية و ثالثة فنية أو بلاغية؟و إذا كان فهل استطاع أن يفسّر هذه الظواهر تفسيرا سليما؟

و إذا كان فهل استطاع أن يسلسل الصور التعبيرية من استعمال للألفاظ و بناء للجمل و التراكيب و الرسائل و القصص و المقامات... إلخ؟و إذا كان فهل أقام الفروق في كل هذا على الخصائص المميّزة لكل من الأديب ثم المدرسة و المذهب ثم العصر و البيئة؟. إن قلت نعم فإني أقول كلا و ألف مرة كلا اللهم إلا إذا كان صاحبي ممّن يصنعون الخوارق و ممّن تجري على أيديهم المعجزات.

إن اختيارنا لأمثال هذه الموضوعات يباعد بيننا و بين الدرس العلمي الصحيح و من هنا يكون كل ما نصنعه أننا نقرأ ما كتب عن هذه النصوص نفسها و أنّا نسجّل من الأحكام الأدبية قضايا عامة لم تمحص و لم تدقّق و من هنا يكون العلم منها براء.

إن الخطة العلمية الجامعية عندنا تسير على غير هدى و بينة و من هنا نعرض كثيرا عن الجزئيات و نجري سراعا إلى الأمور العامة و هذا هو البلاء.

إننا في حاجة إلى أن نبدأ مع الأدب و هو وليد و نسايره في النمو حتى تكون الأحكام صادقة و يكون الدرس العلمي منتجا و تسدد في كليتنا الخطوات.

هذا هو الجديد الذي قوّى في نفسي اختيار الفن القصصي في القرآن الكريم فقد رأيت هذا الموضوع يحقق هذا المنهج من حيث أن القصص القرآني نقطة البدء في دراسة القصة العربية عامة و الدينية بصفة خاصة و لا إخالك في حاجة إلى أن أدلّك على أن ما سبق القصص القرآني من قصص عربي لا يصلح أن يكون مادة للدراسة الأدبية للقصة بحال من الأحوال و ليس ذلك إلا لأنه لم يصلنا سليما و كل ما حوفظ عليه فيه هو قيمته الفكرية و أنه من هنا يصلح لدراسة التيارات العقلية و لا يصلح لدراسة التيارات الفنية.

41

إن القصص القرآني هو القصص الذي وصلنا سليما و هو الذي نثق و نطمئن إليه و من هنا نستطيع أن نعتبره الصورة الأولى للقصة العربية.

هذه الأمور مجتمعة هي التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع و إني لأرجو أن أكون في درسه من الموفّقين.

محمد أحمد خلف الله‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

المنهج‏

و أستطيع الآن أن أوضح المنهج و أن أصوّر الخطوات التي سرت عليها أثناء الدرس لهذا الموضوع. و هي خطوات قد تعتبر جديدة بالنسبة لموضوعنا هذا فلم يسبق أن درس القصص القرآني على هذا الأساس الأدبي الذي يصوّر ما فيه من ظواهر أدبية هي سر قوته و إعجازه. ثم هي جديدة أيضا إذا فهمنا أن ليست هناك مناهج عامة تصلح لكل شي‏ء إذ لكل مشكلة حلها الخاص بها و منهجها الذي تعالج أو تدرس بمقتضاه و السبب في ذلك سهل يسير فنحن نعرف أن لكل مشكلة ظروفها المحيطة بها و لكل مسألة أدبية أو بلاغية عواملها الخاصة التي لعبت دورا مهما في تكوينها و التي لا تحل المشكلة حلا دقيقا أو سليما إلا إذا نظرنا في بحثها إلى أثر تلك الظروف أو هذه العوامل.

و هذه الخطوات ذاتها قد تعتبر قديمة إذا نظرنا إليها على أنها مستقاة من كتب المناهج أو من الواقع العملي لما يفعله النقّاد و كبار رجال الأدب حين يدرسون الآثار الأدبية و الفنية. و لقد مكّنتني متابعتي لما يفعله هؤلاء من الوقوف على أساليب مختلفة في تسجيل الظواهر بعد الوقوع عليها و في تفسيرها تفسيرا أدبيا معقولا كما علّمتني كيف أتذوّق تذوّقا أدبيا عميقا.

و لعل أهم ما أفادتني به هذه الخبرة هو أن القصد من أي بحث يلعب دورا كبيرا

44

في تشكيل منهجه و في رسم خطته و من هنا كان من المحتّم أن نلتفت سويا إلى الوراء و أن نذكر الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع إذ منها يتبيّن القصد.

و الآن نستطيع أن نعرض عليك الخطوات:

أولا-جمع النصوص: إذا كانت معرفة نص ما تستلزم حتما وجوده كانت أولى الخطوات من غير شك هي الوقوف على النصوص و جمعها و إني لأعترف بأني لم أجد في موضوعي هذا من حيث هذه الناحية عناء يذكر. ذلك لأن القصص القرآني موجود في القرآن و القرآن قد جمع في المصاحف أصدق جمع و أدقه بالنسبة لما عاصره من نصوص حتى بالنسبة لأحاديث الرسول عليه السلام. و من هنا لم يكن عملي في هذه المرحلة إلا الرجوع إلى المصحف و قراءة القرآن الكريم للوقوف على ما فيه من أقاصيص.

و إني لأعترف هنا أيضا بأني قد اكتفيت في استخراج الأقاصيص القرآنية بحد للقصة غير جامع و لا مانع إذا كان لا بد من الحدود الأدبية للقصة القرآنية و هذه هي موطن البحث و الدرس و إلا لزم الدور.

اكتفيت إذا بحد اللغويين و المفسّرين للقصة حين هممت بالجمع و التسجيل و أرجأت الحد الأدبي إلى ما بعد الدرس و البحث. و ستقف على هذا التعريف الأدبي في الفصل الأول من الباب الثاني إن شاء اللّه.

ثانيا-الترتيب التاريخي للنصوص: و هذا الترتيب يدل الباحثين على التطوّر في الفنون و الآداب و يستوي في ذلك عندهم التطوّر الداخلي و التطوّر الخارجي. و نقصد بالأول أن يدلنا هذا الترتيب على تطوّر ذوق الكاتب و أفكاره أو ميادينه الفنية و نشاطه النفسي. و نقصد بالثاني دلالة النص على التطوّر العام لتاريخ الآداب و الفنون من حيث صلته بالسابق و اللاحق و الدور الذي لعبه النص في الحياة الأدبية و مجراها العام.

و إني لأعترف هنا أيضا بأن هذه الخطوة و إن تكن أشق من الأولى و أعسر إلا أني لم أبذل جهدا يذكر ذلك لأني اعتمدت في هذا الترتيب التاريخي للقصص القرآني على المصحف الملكي و إن كنت أعلم أنه ليس بالترتيب التاريخي الدقيق لكن ليس في الإمكان أبدع مما كان.

45

و لكني أعترف إلى جانب هذا بأن ذلك الترتيب كان عظيم الفائدة في دراسة القصص القرآني و صلته بالبيئة و نفسية النبي و تطوّر الدعوة الإسلامية فلقد كان مرآة صادقة لكل ما يصادف الدعوة من عقبات كما كان الصورة الصادقة لما يعانيه النبي عليه السلام من أزمات نفسية و عاطفية.

و على كل فقد أفادني هذا الترتيب التاريخي فيما يخص القصص القرآني بدراسة التطوّر الداخلي لهذا القصص و شرحت ذلك في فصلين هما تطوّر الفن القصصي في القرآن و القصص القرآني و نفسية الرسول عليه السلام.

أما التطوّر الخارجي فلقد حالت بيني و بينه عقبات. منها أن الوقوف على النصوص السابقة للقصص القرآني من أقاصيص الجاهليين لا سبيل إليها و منها أن صلة القصص القرآني باللاحق يتوقف أولا على صلته بالمعاصر من أحاديث الرسول و هذه من الأمور التي سأفرغ لها بعد بحثي هذا إن شاء اللّه.

وقفت من هذه الخطوة إذا عند الفائدة التي تجنيها من التطوّر الداخلي و حسبي هذا في هذا الموضع. و نظرة إلى ميسرة.

ثالثا-فهم النصوص: و هنا لا بد من التفرقة بين نوعين من الفهم: الأول الفهم الحرفي و هو الذي يقوم على دراسة معنى الألفاظ و التراكيب و الجمل كما يقوم على توضيح العلاقات الغامضة و الإشارات التاريخية و كل تلك أمور تتوقف إلى حد كبير على ثقافة الدارس تلك الثقافة التي شرطها بالنسبة لموضوعنا هذا المفسّرون للمفسّر و التي حدد ميادينها الأصوليون في مقدمات كتبهم و أني لأعترف هنا بأني قد وقفت على الكثير من هذه الأمور من كتب التفسير المختلفة و كان الجهد الذي أبذله يقوم على المقارنة و الترجيح و الوقوف عند بعض اللمسات التي تفتح آفاقا واسعة أو تصحح أخطاء بعض الأقدمين و ذلك أمر ليس باليسير فيما أعتقد. الثاني: الفهم الأدبي و هو ذلك الفهم الذي يقوم على تحديد ما في النص من قيم عقلية و عاطفية و فنية فنقف على ما في النص من صور و آراء و نبحث عما خلف هذه الصور و هذه الآراء من أخرى لم يشعر صاحب النص بالحاجة إلى التعبير عنها إما لأنه كان يفهمها في نفسه و إما لأن المعاصرين له كانوا يفهمونها عنه.

46

و أعتقد أن هذا الصنيع في الفهم الأدبي كان جديدا بالنسبة لموضوعي هذا اللهم إلا في القليل النادر. فما في القصص القرآني من قيم عقلية و عاطفية و ما في القصص القرآني من ظواهر أدبية و فنية لم يدرس و لم يعرض بالصورة التي عرضتها فيه هنا. و ذلك أمر لم يكن سهلا و لا يسيرا.

رابعا-التقسيم و التبويب: عند ما يصل الباحث إلى هذا الحد من الفهم الأدبي يكون قد أقام من العلاقات ما تسمح له بأن يقسم بحثه أبوابا و فصولا يقيم كل واحد منها على نوع من العلاقات التي يوحي بها المنهج أو القصد من الدراسة. فقد تجمع النصوص لما بينها من علاقات في الموضوع و قد تجمع لما بينها من علاقات في الصياغة و قد تجمع لما يتسلّط عليها من مقاصد و أغراض. و هذه كلها أشياء قد وقفت عليها و أقمت عليها أساس التقسيم في موضوعي هذا و هي التي انتهت بي إلى ذلك التقسيم الذي ستراه في هذا البحث فدفعتني إلى أن أجعله بابين كبيرين هما باب القيم العقلية و باب القيم الفنية أو الظواهر الأدبية، و هي التي دفعتني إلى أن أجعل فصول الباب الأول هي القيم التاريخية و القيم الاجتماعية و النفسية و القيم الدينية و الخلقية و هي التي دفعتني إلى أن أجعل كل واحدة من الفصول فقرات.

أما الباب الثاني فقد قسّمته إلى الفصول الآتية:

القصة الأدبية و ألوانها. الوحدة القصصية في القرآن الكريم. الموضوعات و الأغراض. المواد القصصية و أسباب اختيارها. العناصر القصصية و توزيعها، الأشخاص، الأحداث، الحوار، المناجاة. تطوّر الفن القصصي في القرآن الكريم. القصص القرآني و نفسية الرسول عليه السلام. و قسّمت كذلك كل واحد إلى فقرات.

خامسا-الأصالة و التقليد: و هذه مسألة من أهم المسائل عند الدارسين لحياة العلوم و الفنون و عند من يريدون الفهم الدقيق العميق للمسائل العلمية و الأدبية. ذلك لأنها هي التي ستدلّنا على المواد التي تكون منها النص و على كيفية تكوينه. و على أي منها من عند الأديب و أيها سبق إليه أو بعبارة أخرى أيها اهتدت إليه فطرته و أيها من رواسب الأجيال السابقة.

47

و هنا أعترف بأن هذا البحث في موضوعنا هذا من العسر و المشقّة بحيث يعرض الإنسان لشر عظيم الخطر و لست أخفي أني لقيت عناء كبيرا و لست أخفي بأني أخشى ضررا عظيما لكن ما حيلتي و العلم يقتضيني أن أستوفي هذا الموضوع حقّه.

لقد درست هذه المسائل و كانت لها نتائج قيّمة بعضها يخص إثبات التجديد في الحياة المكية الأدبية و ذلك كمسألة القصة الأسطورية و وجودها في القرآن الكريم. و بعضها الآخر يخص القوة القادرة على تحويل المواد من تاريخية إلى أدبية أو إلى قصصية حتى لتصبح سحرا من السحر أو أشد. و هذه مسائل قد عرضتها في فصل خاص بها هو فصل المواد القصصية و أسرار اختيارها.

و لعل من المسائل ما وقفت فيه بين بين فلم أعرف أ هو من التجديد القصصي في القرآن أم هو من الاستعمال العادي المألوف عند العرب و ذلك كرسمه للأشخاص و تصويره للأحداث.

تلك هي الخطوات المنهجية التي سرت عليها و التي انتهت بي إلى هذا البحث الذي سأعرضه عليك منذ الآن.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الباب الأول المعاني و القيم التاريخية و الاجتماعية و الخلقية و الدينية

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

المعاني التاريخية

ليس القصد من هذه الوقفة حصر المعاني التاريخية أو الأحداث القصصية التي وردت في قصص القرآن الكريم و إنما القصد منها البحث عن قيمة هذه الأحداث القصصية في المجالات التاريخية. فهل هي من الوقائع التاريخية أو هي من الأحداث القصصية التي لم يقصد منها إلى التاريخ؟

و الوصول إلى ما نعتقد أنه الحق في هذه المسألة يتطلب منا أولا درس هذه المسألة في العقلية الإسلامية و الوقوف على التيارات المختلفة التي لعبت دورها في تكوين هذه الآراء التي نراها في العقلية الإسلامية و التي احتفظت بها كتب التفسير ذلك لأن هذا الدرس هو سبيلنا الوحيدة إلى تكوين الرأي السديد في هذه المسألة الشائكة.

و تاريخ هذه المسألة إنما يرجع إلى عصر البعثة المحمدية أو قبله بقليل. ذلك لأنه يرجع إلى ذلك الرأي الديني الذي كانت تقول به اليهود و الذي يجعل لهم الحق في معرفة الصادق و الكاذب ممّن يدعون النبوة و يذكرون للناس أن الوحي ينزل عليهم من السماء فلقد كان من مقاييس هؤلاء في التفرقة بين النبي و المتنبي أن النبي يعلم الغيب و أن من علوم الغيب معرفة أخبار السابقين من الرسل و الأنبياء و من خفيت على الناس أمورهم.

هذا المقياس واضح كل الوضوح من هذه الحادثة التي يقص أخبارها المفسّرون

52

و الباحثون في أسباب النزول و التي وردت في أسباب النزول للنيسابوري بعبارة هذا نصها:

«و ذكر محمد بن اسحاق سبب نزول هذه القصة-قصة أصحاب الكهف-مشروحا فقال:

كان النضر بن الحارث من شياطين قريش و كان يؤذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ينصب له العداوة و كان قد قدم الحيرة و تعلّم بها أحاديث رستم و إسفنديار و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا جلس مجلسا ذكر فيه اللّه و حدث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم فكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام. و يقول: أنا و اللّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه فهلمّوا فأنا أحدّثكم بأحسن من حديثه ثم يحدّثهم عن ملوك فارس. ثم إن قريشا بعثوه و بعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة و قالوا لهما سلوهم عن محمد و صفته و أخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول و عندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد. فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم عجب و عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها ما كان نبؤه و سلوه عن الروح ما هو فإن أخبركم فهو نبي و إلا فهو متقول... » (1) فإن هذا النص كما ترى يدلّنا على أن اليهود هم الذين كانت بأيديهم المقاييس التي يفرّقون بها بين الصادق و الكاذب من النبيين و المتنبئين. ثم هو يدلّنا على أن معرفة أخبار السابقين من هذه المقاييس.

على أن القرآن نفسه قد اعتمد على هذا المقياس في الإيحاء بنبوة محمد عليه السلام و صدق رسالته حين ختم بعض الأقاصيص القرآنية بآيات يستفاد منها أن الأخبار الواردة في هذه الأقاصيص من أنباء الغيب و أنها قد أوحيت إلى النبي عليه السلام. قال تعالى عقب قصة مريم‏ ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاََمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (2) . و قال عقب قصة يوسف‏ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ (3) . كما قال في قصة موسى‏ وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنََا إِلى‏ََ مُوسَى اَلْأَمْرَ وَ مََا كُنْتَ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ*`وَ لََكِنََّا أَنْشَأْنََا قُرُوناً فَتَطََاوَلَ عَلَيْهِمُ

____________

(1) أسباب النزول للنيسابوري، سورة الكهف.

(2) سورة آل عمران، الآية 44.

(3) سورة يوسف، الآية 102.

53

اَلْعُمُرُ وَ مََا كُنْتَ ثََاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا وَ لََكِنََّا كُنََّا مُرْسِلِينَ*`وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نََادَيْنََا وَ لََكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (1) . و قال في ختامه لقصة نوح‏ تِلْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهََا إِلَيْكَ مََا كُنْتَ تَعْلَمُهََا أَنْتَ وَ لاََ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هََذََا فَاصْبِرْ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (2) .

و الظاهرة التي يحسن بنا الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة و علامات الرسالة جعلها أيضا مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار حتى ليخيّل إلينا أن مقياس صدقها و صحّتها من الوجهة التاريخية و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار. قال تعالى بعد ذكره لقصة يوسف‏ لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ مََا كََانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ََ وَ لََكِنْ تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) . و قال تعالى بعد ذكره لقصة موسى و فرعون‏ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ (4) .

و اعتماد القرآن على هذا الرأي الديني اليهودي أو على هذا المقياس خلف في الجو في عصر النبوة و ما تلاه رأيين مختلفين:

(أ) الرأي الأول رأي المشركين و الكفار من أهل مكة فإن هؤلاء مع معرفتهم لهذا المقياس من طريق وفدهم إلى أحبار اليهود بالمدينة لم يستطيعوا التسليم بما ترتّب عليه من نتائج فلم يؤمنوا بصدق النبي عليه السلام أو بصحة رسالته اعتمادا على هذه الأخبار الواردة بالقصص القرآني و ليس يرجع ذلك إلى أن هذه الأخبار لا تتفق و معارفهم التاريخية فيظهر أنها كانت تتفق و ما يعرفون أو تجري و هذه المعرفة في نسق. و إنما يرجع ذلك فيما

____________

(1) سورة القصص، الآيات 44-46.

(2) سورة هود، الآية 49.

(3) سورة يوسف، الآية 111.

(4) سورة يونس، الآية 94.

54

هو الواضح من آيات القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يعتقدون أن الوقوف على أمثال هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني ليس شاقا و لا عسيرا فضلا عن أن يكون مستحيلا حتى يصبح معجزا و من هنا ذهبوا إلى أن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار و أنها ليست من الوحي و أن الذي يعلّمه إياها بشر. قال تعالى‏ وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (1) و قال تعالى‏ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (2) بل ذهبوا إلى أبعد من هذا فذهبوا إلى أنهم يستطيعون الإتيان بمثل هذه الأساطير. و لقد صوّر القرآن قيلهم و صوّر صنيعهم.

فقال تعالى مصوّرا هذا القيل‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا قََالُوا قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) . و قال تعالى مهددا أولئك الذين يعارضون النبي و القرآن وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ... (4) . وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهََا هُزُواً أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ*`وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا وَلََّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (5) .

و يفهم المفسّرون هذا الصنيع من المعارضة و إنهم ليذكرون لنا أن قريشا كانت تستملح هذه الأحاديث حتى لتنصرف عن النبي عليه السلام إلى النضر بن الحارث و أضرابه. جاء في الكشاف بصدد حديثه عن الآية السابقة «و قيل نزلت في النضر بن الحارث و كان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدّث بها قريشا و يقول إن كان محمد يحدّثكم بحديث عاد و ثمود فأنا أحدّثكم بأحاديث رستم و بهرام و الأكاسرة و ملوك الحيرة فيستملحون حديثه و يتركون استماع القرآن» (6) .

____________

(1) سورة الفرقان، الآية 5.

(2) سورة النحل، الآية 103.

(3) سورة الأنفال، الآية 31.

(4) سورة الأنعام، الآية 93.

(5) سورة لقمان، الآيتان 6-7.

(6) الكشاف، جـ 2، ص 193.