مقامات الزمخشري

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
278 /
5

كلمة الناشر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تعتبر «دار الكتب العلمية» أن من صميم رسالتها خدمة الأدب و اللغة العربية. و قد عمدت في سبيل ذلك إلى تقديم النفيس و النادر من أمهات كتب و تراث اللغة العربية لقرائها الكرام.

و كتابنا هذا «مقامات الزمخشري» لمؤلفه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري. يحتوي على خمسين مقامة توزعت مراميها في الحكمة و الوصايا و الأدب و التاريخ نهل المؤلف فيها و غرف من بحر الأدب ما عذب بيانه، و أحكم إتقانه من لآلى‏ء الكلم. كما عمد إلى شرح ما جاء فيها من بليغ اللغة و جمانات الألفاظ.

و اعتمدنا في إخراج هذا السفر النفيس لقرائنا الأعزاء بحلته القشيبة هذه على النسخة التي طبعتها المكتبة الأزهرية بمصر سنة 1325 هـ.

و قد دفعنا بها إلى لجنة من محققي التراث و الأدب، ممن يوثق بأدبهم و علمهم. فعمدوا إلى مقارنتها على عدة نسخ تيسرت لنا. و قد تبين فيها بعض الاختلافات الجزئية، فجرى اختيار أقربها لأسلوب المؤلف و أحسنها لغة و إعرابا.

راجين أن نكون بذلك قد أدينا خدمة للأدب و القراء.

الناشر

6

-

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة الكتاب‏

قال الامام الأجل جار اللّه. العلامة أستاذ الدنيا شيخ العرب و العجم.

فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري رضي اللّه عنه و عن أسلافه:

تحققت، أحسن اللّه توفيقك، رغبتك في ازدياد العلم و حرصك على ارتياد الحكمة و استيهالك للنظر في النصائح لما أنت متسم به من حيازة منقبتين. و هما إيثار الجد على الهزل. و التهالك على الكلم الجزل. فأسعفتك إلى طلبتك من بيان ما أشكل عليك من ألفاظ النصائح و معانيها. و أنا أقدم قبل الخوض في ذلك تنبيهك على أن لا تطالع هذه النصائح إلا ملقيا فكرك إلى معانيها. محضرا ذهنك لأوامرها و نواهيها حتى يكون اقتباسك منها في أخلاقك. رافعا لك أوفر من استفادتك لبلاغتها و براعتها، فقد علمت أن العمل ببعض ما فيها مما يهذب النفس و يطهر القلب، و توصيتك أن لا تمكن منها إلا من يوازيك في صفتك. أو يدانيك من أولي الفضل و الديانة. و أن تربأ بها عن أولئك الذين يحسبون أنهم يحسنون و لا يحسنون.

لتكون من العمال بقول عيسى عليه السلام «لا تطرحوا الدر تحت أرجل الخنازير» . فإن العلم بنقلته يكبر بكبرهم و يصغر بصغرهم. و لقد رأينا

8

من المشايخ من يحتاط في إكرام مصنفه حتى لا يرضى له إلا أن يكتب بخط رشيق. و بقلم جليل و في ورق جياد. و أن يخط مضبوطا بالنقط و الشكل، فقد قيل الخط الحسن يزيد الحق وضوحا، و أن تأمر من انتسخها بأن يوشح نسخته بإثبات اسم المنشى‏ء و تفخيمه و الدعاء له بالرضوان و الرحمة فإنه أقل ما يستوجبه منه على ما وصل اليه من فوائده و تكليفك أن لا تمر على شي‏ء من تلك الاسجاع و غيرها من أبواب الصنعة إلا متأملا وجه تمكنه و ثبات قدمه و الاستعداد له قبل مورده. لتعلم أن ما سماه الناس البديع من تحسين الألفاظ و تزيينها بطلب الطباق فيها و التجنيس و التسجيع و الترصيع لا يملح و لا يبرع حتى يوازي مصنوعه مطبوعه و إلا فما قلق في أماكنه و نبا عن مواقعه فمنبوذ بالعراء مرفوض عند الخطباء و الشعراء و أن تنبه على من يدرسه على مواقع النكت فيها و اللطايف و ما روعي في مناظمها من رائع الترتيب و تفهيمك أن كلمات السجع موضوعة على أن تكون ساكنة الاعجاز موقوفا عليها لأن الغرض أن يجانس بين القرائن و يزاوج بينها و ما يتم ذلك إلا بالوقف و إلا ذهبت أيادي سبا، ألا ترى إلى قولهم «لا مرحبا بحجين يحل الدين و يقرب الحين» .

لو ذهبت تصل ما لم يكن لك بد من جر حجين و تنوينه و نصب قرينتيه فعطلت عمل الساجع و فوت غرضه و هدمت بناءه. و تأمل كلام سجاعة العرب في الانواء و غيرها تجد الأمر على ما فهمتك و إذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعه لطلب الازدواج و التشاكل فيقولون: «آتيك بالغدايا و العشايا» . و «إذا طلع النطح طاب السطح» . يريدون الغدوات و الناطح فما ظنك بهم في ذلك أسأل اللّه ان يفعم لك سجال النعم. و يعينك على إفادة أهل الحرم. و إفادة الوفاد. من أقاصي البلاد. و يكتبك ببركة هذا البيت العتيق في زمرة العتقاء من النار. و يثبت اسمك في جملة الأبرار. الذين لهم عقبى الدار.

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ خطبة الكتاب و أحمده (1) على ما أدرج (2) من ألائه. في تضاعيف (3) إبتلائه.

و ما رزقني من درك الغبطة. بما أذاقني من مسّ السخطة. و ما تهدّل (4) عليّ من ثمر ألطافه (5) . حتى استمكنت أصابعي من‏ شرح الخطبة: (1) و احمده عطف على الفعل المضمر الذي تعلقت به الباء في آية التسمية كأنه قيل: بسم اللّه افتتح و أحمده.

(2) الإدراج: الطي كأنه شي‏ء بعد شي‏ء كالدرجة، مرقاة بعد مرقاة.

(3) التضاعيف: الأضعاف. سمي الضعف بالتضعيف الذي هو مصدر، كما سمي النبات بالتنبيت قال رؤبة: «و بلدة ليس بها تنبيت هـ» .

و المراد بذلك ما وفق اللّه من الارعواء و الفيئة في المرضة التي تسمى المنذرة.

(4) تهدلت الثمار إذا تدلت و دنت من القاطف، و منه إبل هدل المشافر.

(5) الألطاف عند المتكلمين هي المصالح، و هي الأفعال التي-

10

اقتطافه. و استعينه في الاستقامة على سواء (1) سبيله. و أستعيذ به من الاستنامة (2) إلى الشيطان و تسويله (3) . و أصليّ على المبتعث بالفرقان السّاطع. و البرهان (4) القاطع. محمّد و آله هذه مقامات أنشأها الإمام فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزّمخشريّ و الّذي ندبه لإنشائها أنه أري في بعض إغفا آت (5) الفجر كأنّما صوّت به من يقول له يا أبا القاسم أجل مكتوب. و أمّل (6) (ق-عندها يطيع المكلف أو يكون أقرب إلى الطاعة على سبيل الاختيار، و لولاها لم يطع، أو لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين، و الواحد لطف، و قد لطف اللّه بعبده يلطف به و أما الألطاف الهدايا، فالواحد لطف قال: «و ليكن لنا عنده التكريم و اللطف» .

(1) سواء الشي‏ء وسطه لاستواء ما بينه و بين الأطراف في المساحة.

(2) الاستنامة استفعال من النوم و معنى استنام اليه سكن اليه سكون النائم.

(3) التسويل التسهيل من السحاب الاسول و هو المسترخي الوهيّ العزالي و دلو سولا: مسترخية لامتلائها قال:

تعلمنّ أنها الربوض # سولاء فيها و ذمات بيض‏

(4) البرهان نونه مزيدة و قد ابره الرجل، و هو من تركيب البرهة و هي المرأة البيضاء، لأن الحجة توصف بالإنارة و البياض و برهن مولد.

(5) في أمثالهم الذمن إغفاءة الفجر.

(6) و أمل مكذوب كأن النفس تقول للأمل ليكونن ما تعلقت به و هي كاذبة في ذلك، و نحوه قراءة: (وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) (1) و نصب الظن كأن إبليس قال لظنه «لأغوينهم أجمعين» فكان كما قال.

____________

(1) سورة سبأ، الآية 20.

11

مكذوب. فهبّ من إغفاآته تلك مشخوصا (1) به ممّا هاله من ذلك و روّعه. و نفّر طائره و فزّعه. و ضمّ إلى هذه الكلمات ما ارتفعت به مقامة و آنسها بأخوات قلائل ثمّ قطع لمراجعة الغفلة عن الحقائق و عادة الذهول عن الجدّ بالهزل فلما أصيب في مستهلّ شهر اللّه الأصم (2) الواقع في سنة ثنتي عشرة بعد الخمسمائة بالمرضة النّاهكة (3) التي سمّاها المنذرة كانت سبب إنابته و فيئته.

و تغير حاله و هيئته. و أخذه على نفسه الميثاق للّه إن منّ اللّه عليه بالصّحة أن لا يطأ بأخمصه عتبة السلطان. و لا واصل بخدمة السلطان أذياله و أن يربأ بنفسه و لسانه عن قرض الشّعر فيهم.

و رفع العقيرة (4) في المدح بين أيديهم. و أن يعفّ عن ارتزاق عطيّاتهم. و افتراض (5) صلاتهم. مرسوما و إدرارا و تسويفا و نحوه.

و يجدّ في إسقاط اسمه من الديوان و محوه. و أن يعنّف نفسه حتى تقى‏ء ما استطعمت في ذلك فيما خلالها في سي جاهليّتها و تتقنّع‏ (1) يقال شخص به إذا قلق في مكانه و استفز. أو شخص به الباء الأولى للتعدية و الثانية صلة مؤكدة. و يقال شخص به إذا اغتابه.

(2) كانوا يسمون رجبا الأصم، لأن السلاح لا يتقعقع فيه، و لذلك سموه منصل الاسنة.

(3) نهكه المرض و هو الفصيح. و نهكه و أنهكه إذا بلغ منه. و منه فلان ينهك في العدو. و شجاع نهبك.

(4) عقرت رجل رجل فرفعها و هو يصيح، فضرب رفع العقيرة مثلا في التصويت.

(5) فرض العطاء رسمه. و فروض الجند مراسمهم و افترضه أخذه كقولك: «افترض فرضا و اجتلى العروس» .

12

بقرصيها و طمريها و أن يعتصم بحبل التوكل و يتمسك. و يتبتّل إلى ربّه و يتنسّك. و يجعل مسكنه لنفسه محبسا. و يتخذه لها مخيسا (1) . و لا يريم (2) عن قراره ما لم يضطرّه أمر ذو خير لا يجد الصالح بدّا من تولّيه بخطوة. و أن لا يدرّس من العلوم التي هو بصددها إلاّ ما هو مهيب (3) بدارسه إلى الهدى. رادع له عن مشايعة الهوى. و مجد عليه في علوم القراآت و الحديث و أبواب‏ (1) المخيس موضع التخيس، و هو السجن كالمقيد لموضع التقييد في قوله:

«خليليّ بالبوباه عوجا فما أرى # بها منزلا إلاّ جديب المقيّد»

و التخييس التذليل و التليين. و هو من خاست البيضة إذا فسدت، و لانت. و قالوا: «خاس بضمانه» أفسده بأن لم يف به. و في دالية النابغة: «و خيس الجن» . و يعزى إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه:

«أما تراني كيسا مكيّسا # بنيت بعد نافع مخيسا»

يريد سجنين، و عن ابن دريد أنه بكسر الياء، و عن الأصمعي أنه فتحه، فقيل له: أما يخيس من فيه؟فقال: هذا كما قيل لبعض الملوك المكعبر بفتح الباء و إنما لقب بذلك، لأنه ضرب كعابر الرؤوس.

و الوجه في ذلك التسمية بالمصدر أو بالمكان.

(2) لا يريم لا يبرح يقال رام المكان و لا ترمه و قال الأعشى:

«تقول ابنتي حين جدّ الرحيل # أرانا سواء و من قد يتسم

أبانا فلا رمت من عندنا # فأنا بحير إذا لم ترم»

(3) أهاب به إلى كذا دعاه اليه و هو من إهابة الراعي بالابل لما فيها من الأرباب.

13

الشرع من (1) عرف منه أنه يقصد بارتياده وجه اللّه تعالى و يرمي به الغرض الراجع إلى الدين ضاربا (2) صفحا (3) عمّن يطلبه ليتّخذه أهبة للمباهاة و آلة للمنافسة و يتسوّر (4) على اقتباسه إلى الحظوة عند الخائضين في غمرات الدّنيا و التسمّي بين ظهرانيهم بالفاضل و التلقب بالبارع و ذريعة إلى ما نزع هو يده منه و تاب التوبة النّصوح من الرجوع اليه أو يرجع اللّبن في الضّرع و حين أتاح اللّه له الصّحة التي لا يطاق شكرها و ألطف له في الوفاء بما عهد. و الضّمان الذي لا يخيسنّ به إلا ظالم نفسه (5) انتدب للرجوع إلى رئاس عمله‏ (1) من عرف منه مفعول يدرس و درس متعد إلى مفعولين. لأنك تقول درس العلم فإذا ثقلته ثقلته إلى مفعولين و يكون أيضا درس بمعنى درس على التكثير و التكرير. و يحتمل قراءة من قرأ (وَ مََا آتَيْنََاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهََا) (1) . الوجهين.

(2) ضاربا نفسه و طاردا لها، كما تضرب عن الحوض غريبة الابل.

(3) صفحا: إعراضا على أنه مفعول له، أو جانبا على أنه ظرف.

و يدل عليه قراءة من قرأ (أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً) (2) بالضم.

(4) التسور و التسلق بمعنى يقال: «تسور الجدار و عليه إذا إذا ركب سوره. أي أعلاه ثم هبط عليه، و نظيره تسنمه و تذراه و تفرعه إذا ركب سنامه، و ذروته و فرعه و هو أعلاه و أما تسلقه فمستعار من التفعل من سلق المرأة، إذا تغشاها مستلقيه. شبّه ركوبه الجدار بذلك.

(5) ندب إلى كذا فانتدب له من كلام العرب و رجع إلى رياس-

____________

(1) سورة سبأ، الآية 44.

(2) سورة الزخرف، الآية 5.

14

في إنشاء المقامات حتى تمّمها خمسين مقامة يعظ فيها نفسه و ينهاها أن تركن إلى ديدنها الأوّل بفكر فيه و ذكر له إلا على سبيل التندم و التحسر و يأمرها أن تلجّ في الاستقامة على الطريقة المثلى و إلقاء الشراشر (1) على ما يقتضيه ما أبرمه من الميثاق و أكّده من العقد فعل الحازم الذي استثناه اللّه في عقله و فضله و جدّه و ثباته. من كثير من الناس و لم يأتل فيما يعود على مقتبسيها بجليل النّفع و عظيم الجدوى. في بابي العلم و التقوى. من انتقاء ألفاظها. و إحكام أسجاعها و تفويف (2) نسجها. و إبداع نظمها. و إيداعها المعاني الّتي‏ (ق-عمله، و كن على رياس أمرك، و رياس السيف مقبضه و من تحريف العامة «رجع إلى رأس عمله» .

(1) ألقى شراشره على كذا إذا ركب عليه و قال ذو الرمة:

«و كائن تري من رشدة في كريهة # و من غية تلقى عليها الشراشر»

و حقيقة الشراشر ما تفرق من همه و انتشر، كما تقول جمع له همه من قولهم: شرشر الشي‏ء إذا قطعه قطعا و لا واحد لها كالجراميز في جمع له جراميزه. و يجوز أن تكون جمع المصدر الذي هو الشرشرة مسمى به المشرشر كما ذكر في التضاعيف.

(2) التفويف التوشية، و برد مفوف فيه خطوط بيض. قال ابن دريد المفوف: الموشى فيه رقة و يقال للوشي أفواف قال ابن الزبعري:

«قد كذبتم ما لباسكم # جيد الأفواف و الحبرة

بل ثياب القين بذّكم # و ثياب القين مشتهره»

و يقال برد أفواف قال عبد العزيز زرار الكلابي:

«لئن مررت على تثليث منطلقا # لأكسونّك بردا غير أفواف»

-

15

تزيد المستبصر في دين اللّه استبصارا. و المعتبر من أولي الألباب اعتبارا. و اللّه يسأل أن يلقي عليها قبولا من القلوب و يرزقها ميلا من النفوس و إنصاتا من الأسماع و تسييرا في البلاد و أن يستنطق ألسنة من طرأت عليه من أفاضل المسلمين بالدعوة الطيّبة لمنشئها و الترحم على مقتضبها (1) و اللّه تعالى مرجوّ الإجابة. لمن يسأله من أهل الإنابة.

(ق-و قال في الواحدة فوف، و يقال فلان يلبس الفوف و الفوف نكت بيض في أظفار الأحداث.

(1) اقتضاب الكلام اختصاره و ارتجاله، من قولهم اقتضب الغصن إذا اقتطعه بسرعة، و اقتضب الناقة اعتسرها و هو أن يركبها قبل أن تراض. و ناقة قضيب، و قصيدة قضيب، و قال ابن دريد كل من كلفته عملا قبل أن يحسنه فهو مقتضب فيه. و منه كتاب المقتضب لأبي العباس المبرد.

16

مقامة المراشد

مقامة (1) المراشد (2) يا أبا القاسم إنّ خصال (3) الخير كتفّاح (4) لبنان. كيف ما (1) المقام و المقامة كالمكان و المكانة، موضع القيام فاتسع فيهما حتى استعملا استعمال المكان و المجلس، و قال اللّه تعالى (خير مقاما و أحسن نديّا) . و قال نهشل بن جرى الدارمي:

«إنّا نظرنا في المقامة مالكا # نظر المسافر اين ضوء الفرقد»

و قال المسيب بن غلس:

«و كالمسك ترب مقاماتهم # و ترب قبورهم أطيب»

ثم قيل لما يقام به فيها من خطبة أو شبهها مقامة كما يقال له مجلس.

و يقال مقامات الخطباء و مجالس القصاص، كما يسمى الجالسون فيها مقامة. قال زهير:

«و فيهم مقامات حسان وجوههم # و أندية ينتابها القول و الفعل»

و مجلسا. قال مهلهل:

«نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت # و استبّ بعدك يا كليب المجلس»

(2) المراشد جمع مرشد بمعنى الرشد، و في الاعلام مرشد و رشد.

(3) الخصلة أصلها المرة من الخصل في النضال، و هو الغلبة فيه.

يقال: خاصلته فخصلته و تخاصلا في الرمي.

(4) تفاح لبنان موصوف بحسن اللون و طيب الرائحة و الطعم و يجلب-ـ

17

قلّبتها دعتك إلى نفسها. و إنّ خصال السوء كحسك السّعدان (1) أنّى وجّهتها نهتك عن مسّها. فعليك بالخير إن أردت الرفول (2) ق-في القوارير إلى الخلفاء، و وصفه المأمون فقال: «فيه البياض الفضي و الحمرة الياقوتية و الخضرة الزمردية لو فرقت الواحدة منه لكانت قوس قذح و لو جمعت قوس قذح لكانت تفاحة لبنانية» . و على نمط وصف المأمون قال الخليع الشامي:

«الراح تفاح جرى ذائبا # و هكذا التفاح خمر جمد

فاشرب على جامدها ذوبها # و لا تدع لذة يوم لغد»

و قال أبو الطيب:

«لما التقى خدّها و تفاح لبنان و ثغري على حمياها»

(1) السعدان نبات تغزر عليه ألبان الابل، و في المثل مرعى و لا كالسعدان، و يقال أطيب الابل لحما ما أكل السعدان، و ينبت متفرشا على الأرض. و قيل لبعض أهل البدو: أما تخرج إلى البادية؟فقال:

أما ما استلقي السعدان فلا، و يقال له القطب، و هو كثير الحسك.

يقال قطبة حسكة. و في حديث أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه: (و لتألمنّ النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان) .

(2) الرفول في الثوب الضافي: التبختر فيه، و رمح أذياله. و رجل رفل و امرأة رافلة. و الرفل الذيل. يقال: شمر رفله لغة يمانية.

18

في مطارف (1) العزّ الأقعس (2) و إياك و الشرّ فإنّ صاحبه ملتف (3) في أطمار (4) الأذلّ الأتعس. أقبل على نفسك فسمها (5) النظر في‏ (1) المطرف بكسر الميم و ضمها ثوب في طرفيه علمان، و نحوه المصحف و المصحف و المسجد و المسجد و الأصل الضم و الكسرة بدل، و هذا في الحركات كالابدال في الحروف.

(2) عز أقعس و عزة قعسا. و أصله وصف العزيز المتكبر بالقعس.

و هو خروج الصدر للكبر كما يوصف بالشوس و الصيد و الصعر و الصور فنقل إلى العز كقولهم: جد جده. و إياك و الشر. و اتقي نفسك و اتقي الشر.

(3) التف في ثوبه و تلفف في ثوبه، و عن عبد الرحمن بن حسان أنه لسعه زنبور فقال له أبوه: ما لك؟قال: لسعني شي‏ء كان ملتفا في بردي حبرة.

(4) الطمر الثوب الخلق و في الحديث: (ربّ أشعث أغبر ذي طمرين) . و أتانا فلان في طمره كما تقول في هدمه، أي في قطعه من الأخلاق و اطمر بطمرته إذا اشتمل بها و هو في الأصل فعل بمعنى مفعول من طمره إذ ستره لأن العيون تقتحمه و لا تتعلق به فكأنه مطمور.

(5) فسمها النظر من قولهم سامه خسفا و قوله تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ) (1) . أي يبغونكم إياه و يريدونكم عليه من سوم السلعة.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 49.

19

العواقب. و بصّرها عاقبة الحذر (1) المراقب. (2) و ناغها (3) بالتذكرة الهادية إلى المراشد. و نادها إلى العمل (4) الرّافع و الكلم الصاعد.

و ألجمها عمّا يكلم دينها. و يثلم يقينها. و حاسبها قبل أن تحاسب:

و عاتبها قبل أن تعاتب. و أخلص اليقين. و خالص المتّقين. و امش في جادّة الهادين الدّالين. و خالف عن بنيّات (5) طرق العادين‏ (1) الحذر و الحذر كالندس و الندس الشديد الحذر.

(2) المراقب من راقب اللّه إذا حذره. و فلان لا يراقب ربه و حقيقته لا يراعي ما يجب عليه مراعاته بالتفكر فيه و العمل به، و تقديره لا يراقب أمر ربه.

(3) المناغاة كالمناغمة و النغية النغمة يقال نغى إليّ فلان نغية حسنة، و نغيت اليه أخرى إذا تكالما بما يحسن و يعجب و في أمثالهم: «واها لها من نغية ما أبردها على الكبد» . يضرب عند الخبر السار. و من فصيح كلامهم ناغى الماء الكواكب إذا روءي خيالها فيه.

(4) العمل الرافع و الكلم الصاعد من قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ) (1) .

(5) بنيات الطرق ما يتشعب في صغار المسالك، و يسمى الترهات.

و النزارة و المخالفة عنها تركها يقال: خالف عنه إذا تركه، و خالف اليه إذا أقبل نحوه. قال اللّه تعالى: (فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (2) و قال عبد اللّه بن الزبعري:

«أكلل أظفاري و آمر بالتقى # و من لا يخالف عن روى الجهل يندم» .

____________

(1) سورة فاطر، الآية 10.

(2) سورة النور، الآية 63.

20

الضالين. و اعلم أنّ الحامل على الضلال. صل (1) اصلال. لسعته لا ينفعك منها الرّقي. إلا إذا كانت رقيتك التقى. سقى اللّه أصداء قوم هفوا ثم انتعشوا. و جدّوا فيما أجدى عليهم و انكمشوا (2) و يحك إخلط نفسك بغمارهم. و احملها على شقّ غبارهم. فعسيت (3) بفضل اللّه تنجو. و تفوز ببعض ما ترجو.

(1) الصل الحية التي لا تنفع منها الرقية. و يقال للرجل الداهي:

إنه لصل اصلال، و الإضافة إلى الاصلال لجعله واحدا منها متناهيا في الخبث كافة، قيل: خبيث خباث.

(2) انكمش في الأمر: سعى فيه بسرعة و جلد و منة «كميش الازار خارج نصف ساقه» . و كمش أذياله: شمرها. كانوا يقولون إذا قتل قتيل خرجت من رأسه هامة فلا تزال تزقو بأسقوني حتى يدرك ثأره. و الصدى ذكر الهام فمن ثم قالوا: سقى اللّه صدى فلان أي سهل درك ثأره. و قال الفرزدق:

«فلا أثقى الإله صدى تميم # فقد أزرى بنا في كلّ باب» .

يقال: دخل في غمار الناس و خمارهم و هو جماعتهم و كثرتهم، من غمره و خمره إذا ستره لأنهم يسترون الأرض بكثرتهم أو من يندس في وسطهم.

(3) عسيت أن أفعل هي اللغة الحجازية العالية و بها نزل القرآن (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) (1) و يقال عساك و عساني مثل لعلك و لعلني.

____________

(1) سورة محمد، الآية 23.

21

مقامة التقوى‏

مقامة التقوى يا أبا القاسم العمر قصير. و إلى اللّه المصير. فما هذا التقصير.

إنّ زبرج (1) الدّنيا قد أضلّك. و شيطان الشهوة قد استزلّك (2) .

لو كنت كما تدّعي من أهل اللّب و الحجى (3) . لأتيت بما هو أحرى بك و أحجى. ألا إنّ الأحجى بك أن تلوذ بالرّكن الأقوى. و لا ركن أقوى من ركن التقوى. الطرق شتى فاختر منها منهجا يهديك.

و لا تخط قدماك في مضلّة ترديك. ألجادّة (4) بيّنة. و المحجّة (1) الزبرج الزخرف و هو من أسماء الذهب، و زبارج في الاعلام تسميته بجمعه كما سميت الضبع بحضاجر و البلدة بمدائن.

(2) لما كانت الشهوة حاملة للانسان على الذلة، جعل لها شيطانا يستزل على سبيل الاستعارة.

(3) الحجى العقل و اشتقاقه من حجا إذا ثبت. و منه حاجيتك كأنه عاقلتك لأن المحاجاة كالمباراة في العقل. و فلان حجى بكذا إذا كان خليقا به و هو به أحجى كأن معناه ثابت فيه متمكن بدليل قولهم حقيق به و معنى حق ثبت.

(4) الجادة معظم الطريق و قصده، يقال: فلان ركب الجادة إذا انطلق و هي فاعلة من الجدة، لأنها ليست بعافية الأثر خافية المسلك كالطرق العادية التي ترك الناس سلوكها.

22

نيرة. و الحجة متّضحة. و الشبهة مفتضحة. و وجوه الدلالة وضاء. و الحنيفية (1) نقيّة (2) بيضاء. و الحقّ قد رفعت (3) ستوره.

و تبلّج فسطع نوره فلم تغالط (4) نفسك. و لم تكابر (5) حسّك.

ليت شعري ما هذا التواني. و المواعظ (6) سير السّواني.

(1) الحنيفية: الملة الحنيفية. و هي ملة الاسلام نسبت إلى الحنيف، و هو الذي مال عن جميع الأديان الباطلة إلى دين الحق. و تحنف الرجل كما يقال تهوّد و تنصر.

(2) نقية بيضاء من قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لعمر حين سمعه يقول: «إنا نسمع أحاديث من يهود و تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها» : (أمتهوّ كون أنتم كما تهوكت اليهود و النصارى لقد جئتم بها بيضاء نقية) .

(3) رفعت ستوره: كشف و بين و لم يبق فيه خفاء.

(4) المغالطة أن تحاول بصاحبك الغلط فيما لا يغلط في مثله الفطن.

فيقول لك: أتغالطني؟و جي‏ء بها على المفاعلة لما فيها من المراودة و مغالطة النفس، أن تحدثها بما عرفت خلافه و تبينت خدره.

(5) و المكابرة المغالبة بإنكار المعروف و غير المنكر. و في أمثلة كتاب سيبويه: أزيدا أنت محبوس عليه و ازيدا أنت مكابر عليه. بمعنى اتنتظر زيدا أنت محبوس عليه. و أسلبت زيدا أنت مكابر عليه، لأن معنى كوبر على الشي‏ء غولب عليه و أخذ منه غصبا و قهرا و قال أبو زبيد الطائي في صفة الأسد:

«عبوس شموس مصلخد مكابر # جري‏ء على الأقران للقرن قابر»

(6) و المواعظ سير السواني، يريد أنها متصلة غير منقطعة لا تزال تدور عليك و في أمثالهم: «سير السواني سفر لا ينقطع» .

23

مقامة الرضوان‏

مقامة الرضوان يا أبا القاسم أجل مكتوب. و أمل مكذوب. و عمل خيره يقطر و شره يسيل. و ما أكثر خطأه و صوابه قليل. أنت بين أمرين لذّة ساعة بعدها قرع السنّ (1) و السقوط في اليد. و مشقّة ساعة يتلوها الرضوان و غبطة الأبد. فما عذرك في أن ترقل كلّ هذا الإرقال (2) (1) يقال للنادم قرع سنه و سقط في يده، و أكل كفه و عض أنامله و بنانه. و هذا من باب الكناية لأن ذلك مما يرادف الندم، و معنى سقط في يده سقط فوه و أسنانه في يده يعضها. قال اللّه تعالى: (وَ لَمََّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) (1) فحذف الفاعل و بني للجار و المجرور، و قرى‏ء:

و لما أسقط في أيديهم، و أصله أسقطت أفواههم في أيديهم فحذفت الأفواه و أسند إلى الجار و المجرور، كقولك بلغ بالهدي، و رفع إلى زيد إذا لم ترد ذكر المبلوغ و المرفوع.

(2) الإرقال الإسراع، مستعار من أرقلت الناقة فهي مرقال كما استعار حسان في قوله:

«و أصيد نهاضا إلى السيف صارما # إذا ما دعى داع إلى الموت أرقلا»

و زاد عليه الهذلي حيث قال:

«أما أنه لو كان غيرك أرقلت # اليه القنا بالراعفات اللهاذم»

.

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 149.

24

إلى الشقاء و طول الحرمان. و أن تغذّ (1) كلّ هذا الإغذاذ إل النار و غضب الرحمن. و أين علتك في أن تشرد شراد (2) الظليم.

عن رضوان اللّه و دار النعيم. هيهات لا عذر و لا علّة إلا أنّ عاجلا حداك (3) حبّه على إيثاره. و دعاك داعي الشهوة (4) إلى اختياره.

ألا إنّ تمام الشقوة (5) أن تقعد أسير الشهوة. أيها العاقل لا يعجبنّك هذا الماء (6) و الرّونق. فإنه صفو مخبو تحته الرّنق. و لا يغرّنك هذا الرواء (7) (1) يقال جاء مغذا أي مسرعا، و قال أبو عبيد الانجذاب سرعة المشي و الاغذاذ مثله.

(2) شراد الظليم: مثل. يقال: «أشرد من ظليم» و هو ذكر النعام، و كأنه سمي ظليما لأنه يظالم غيره بأن يأخذ بيض ذاك يحضنه كما يأخذ ذاك بيضه.

(3) حداه على الأمر بعثه عليه و حثه و هو من حدو الابل.

(4) جعل للشهوة داعيا مجازا كما جعل لها شيطانا.

(5) الشقوة و الشقوة لغتان. و حق هذه أن تفتح شينها لوقوعها قرينة الشهوة. و إذا ورد نحو قوله عليه السلام: (ارجعن مأزورات غير مأجورات) . كان اختيار إحدى اللغتين السابقتين على الأخرى للازدواج أولى.

(6) أراد بالماء البهاء و الآس، و منه ماء السيف لفرنده و هو مستعار من الماء المشروب. و هذا مثل لزهرة الدنيا و زخارفها.

(7) و كذلك الرواء المونق و الرواء المنظر. تقول العرب: ما لفلان رواء و لا شاهد أي منظر و لا لسان. قال أبو علي الفارسي: -

25

المونق (1) . فوراء البلاء الموبق. سبحان اللّه. أيّ جوهرة كريمة أوليت. و بأيّ لؤلؤة يتيمة (2) حلّيت. و هي عقلك ليعقلك.

و حجرك ليحجرك. و نهيتك لتنهاك و أنت كالخلو (3) العاطل. لفرط تسرعك إلى الباطل.

ق-يكون من الرؤية و يجوز ان يكون من الري و يكون المعنى أن عليه طرأة و عليه نضارة لأن الري يتبعه ذلك كما في العطش يتبعه الذبول و الجهد.

(1) أنق الشي‏ء فهو انق و انيق إذا عظم حسنه. و آنق غيره إذا أعجبه و آنقه غيره فهو مونق.

(2) اليتيمة التي لا شبه لها لانفرادها عن الاشباه. و كل شي‏ء انفرد فقد يتم و يتم فهو يتيم. و قيل لها فريدة و الجمع فريد و فرائد.

و قال ابن دريد: الفريدة كل خرزة فصل بها بين ذهب في نظم.

(3) كالخلو كالخالي من العقل العاطل من حليته، لأن التسرع إلى الباطل ليس من قضية العقل، كما قال اللّه تعالى: (لا يعقلون) فيمن لا يعمل على مقتضى عقله، و إن كانوا عقلاء مراجيح العقول.

26

مقامة الإرعواء

مقامة الإرعواء (1) يا أبا القاسم شهوتك يقظى فأنمها. و شبابك فرصة فاغتنمها.

قبل أن تقول قد شاب القذال. و سكت العذّال. أكفف قليلا من غرب شطارتك. و انته عن بعض شرارتك. حين عيدان (2) نشاطك (3) تخفق. و ألسنة عذّالك تنطق. و عيون الغواني. اليك‏ (1) الارعواء افعلال و اصل ارعوى أرعو نحو أحمر، فأعلت إحدى الواوين كما فعلوا في أفعال نحوه و هو أحواوي و اصله احواو، و معناه الانقياد و الميل إلى الرشد، قال عدي بن زيد العبادي:

«فارعوى قلبه فقال و ما غبـ # طة حي إلى الممات يصير»

.

و ليس من الرعوى لأن لأمه واو و لام الرعوى ياء لأنها من الرعاية.

ألا ترى أن معنى ارعى عليه و رعاه واحد، و إنما قلبت واوا فرقا بين الاسم و بين الصفة التي هي خزيا و صديا.

(2) العيدان جمع العود الذي يضرب به، و خفقها اصطفاقها و اضطراب أوتارها، يقال: خفقت العيدان.

(3) جعل للنشاط عيدانا تخفق، على طريق المجاز. و هو من لطيف الاستعارة و أوقعها.

27

رواني. (1) و عودك ريّان. و ظلك فينان. و خطية قدّك عسّالة.

و في عمرو (2) قوّتك بسالة (3) . ثمّ إياك أن تنزل (4) على طاعة هواك في الاستنامة إلى الشيطان و خطراته. و الرّكون إلى اتباع خطواته.

فإنّ من تسويلاته لك. و تخييلاته اليك. أن لات (5) حين ارعواء، (1) الرنو: دوام النظر. و منه كاس رنوناة دائمة الدور. و عين رانية و عيون روان. و الوقف بإثبات الياء فيما لا ينون كالوقف بحذفها فيما ينون أعني أن الفصيح هذا القاضي و هذا قاض. أراد وصف شبابه فجعل نفسه كالغصن الأخضر و استعار له أوصافه. فلذلك قال و عودك ريان و ظلك فينان، كأنه يخاطب الغصن و الفينان الظليل و هو فيعال من الفين و أصله في صفة الشجر يقال شجرة فينانة إذا التفت أفنانها و أسود ظلها فوصف به الظلّ كما يقال ذيل ذائل. قال أبو نواس:

«فينان ما في أديمه جوب» . و منعه الصرف و هم منه كما وهم الطائي في عريان فقال: «و النبع عريان ما في عوده ثمر» .

(2) أراد بعمرو عمر بن معدي كرب، و كان يعد بألف فارس و جعله لقوّته عمرا من بديع المجاز و بارعه.

(3) و البسالة مصدر الباسل و هو الشجاع الشديد العبوس. قيل:

هو أبلغ من الباسر.

(4) نزل على طاعته و على حكمه إذا قبل ذلك قبول راض غير ناب عنه مطمئنة به نفسه.

(5) لات: هي لا التي بمعنى ليس عند سيبويه، زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على ثمّ و ربّ للتوكيد و تغير بذلك حكمها فلم تعمل إلا في الأحيان و لم يبرز اسمها و خبرها معا و لكن أحدهما، فإما أن-

28

و أين (1) عنك زمان الانتهاء. على رسلك (2) حتى ينحني غصن القامة. و يبرق ضلع الهامه. و ترى التنومة (3) ثغامة (4) . فأمّا و ميعة (5) ق-يقال و لات حين مناص بالنصب يعني و ليس الحين حين مناص. و إما أن يرفع على معنى و ليس حين مناص لهم. و عند الأخفش هي لا النافية للجنس و المعنى و لا حين مناص.

(1) و اين عنك اسبعاد للزمان الذي ينتهي فيه عن الصبوات.

(2) الرسل اسم من الترسل في الأمر، و هو الاتئاد فيه و منه الحديث: (إذا أذنت فترسل، و إذا أقمت فاجذم) ، و معنى على رسلك كن على رسلك أو أثبت عليه. و سمعتهم يقولون: امش على رسلك، و خلّ الاباعر على رسلها، و قيل للبن رسل لاسترساله في حلق شاربه و سهولة مروره فيه. و منه قوله تعالى: (لَبَناً خََالِصاً سََائِغاً لِلشََّارِبِينَ) (1) و يقال: لم يغصّ أحد باللبن قط.

(3) التنومة نبات أسود و في الحديث: (انكسفت الشمس. على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-حتى آضت كأنها تنومة) .

(4) و الثغامة: نبت أبيض. و في الحديث: (أتى بأبي قحافة و كأنّ رأسه ثغامة) . شبّه الشعر الفاحم بالتنومة و الأبيض بالثغامة.

(5) النشاط و الحدة، يقال: ميعة الشباب و ميعة الفرس في عدوه.

قال أمية بن أبي الصلت:

«إذ نحن في ميعة الشباب و إذ # بعلك غيران و اله قطم» .

____________

(1) سورة النحل، الآية 66.

غ

29

الشبيبة معك. فإن صاح بك واعظ فلا أسمعك (1) . هذه حبائله و مصايده. (2) و حيله و مكايده. و العجب من نفسك أنها تستلذ الوقوع فيها. و إن لم ترج الخلاص منها.

(1) فلا أسمعك دعاء من إبليس لعنه اللّه على الواعظ.

(2) المصايد و المكايد: ياؤهما كياء المعايش في وجوب التصريح بها، و نقطها، و أما نحو الصحائف و الرسائل و القائم و البائع فحقها أن لا تنقط، و لكن ترقم بهمزة فوق الياء أو تحتها. و نقطها خطأ قبيح عند العلماء المتقنين و التصريح بها في اللفظ كذلك لا يخرج إلا بين بين أو بهمزة صريحة.

30

مقامة الزاد

مقامة الزاد يا أبا القاسم اترك الدّنيا قبل أن تتركك. و افركها (1) قبل أن تفركك. طلّق القائلة بمل‏ء (2) فيها أنا غدّارة غرّارة. ختّالة (3) . (1) الفرك: البغض، و فركه يفركه و امرأة فروك خلاف عروب.

و المفرّك الذي تفركه النساء. و كان امرؤ القيس مفركا، و سأل بعض نسائه فقالت: إنك لخفيف، العجزة، ثقيل الصدرة، سريع الاراقة، بطي‏ء الافاقة، و توجد منك ريح كلب و كان قد أرضع بلبن كلبة.

(2) المل‏ء: مصدر ملأ، و المل‏ء بالكسر: القدر الذي يملأ به الشي‏ء. و نحوهما السكر في مصدر سكر النهر و السكر فيما يسكر به.

و يقال: أعطني ملأ القدح و ملائه و ثلثة املائه. قال اللّه تعالى‏ (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً) (1) .

(3) الختل: الخدع. و كلب ختال يختل الانسان حتى يثب عليه.

و قال ابن دريد ختلت الرجل عن الشي‏ء: ارغته عنه، و ختل الذئب الصيد: تخفى له.

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 91.

31

ختّارة (1) . و ما الفائل (2) رأيه إلا من رآني على الأخرى مختاره.

لاتني (3) أيامها و لياليها ينحتن (4) من أقطارك. فقضّ فيها أسرع (5) ما تقضي أهمّ أوطارك. إنّ أهمّ أوطارك فيها تزودك منها. فالبدار البدار قبل إشخاصك عنها. لكلّ رفقة ظاعنة يوم يتواعدونه.

و ميقات مضروب لا يكادون يظعنون دونه. فيتمهّلون (6) في الاستعداد قبل حلول الميعاد. و يتدبّرون تعبية الجهاز و تهيئة الزّاد. حتى إذا (1) الختر أقبح الغدر و في كلام بعضهم:

«ربّ من هو عند الناس مختار # و هو عند اللّه ختار»

(2) فائل الرأي: ضعيفه، و قد فال رأيه و فيل رأيه ضعفه.

(3) لا تني لا تفتر (وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي) (1) . و يستعمل لا ينى بفعل استعمال لا يفتا.

(4) ينحتن من اقطارك: يأخذن من جوانبك، بمعنى ينقصن قواك، و يضعفن بدنك. قال العجاج:

«كأنه من طول جذع العفس # و رملان الخمس بعد الخمس

ينحت من أقطاره بفائس‏

(5) أسرع: منصوب نصب المصدر لأن المعنى فقض أسرع تقضيتك. و يجوز أن يكون ظرفا أي في أسرع أوقات تقضيتك.

(6) تمهل في الأمر: اتئد فيه و ارتاض و وجد مهلة حتى قضى منه وطره. و منه قول الطائي: «تمهل في روض المعاني العوازب» .

____________

(1) سورة طه، الآية 42.

32

نهضوا نهضوا ملأ المزاود (1) و المزاد. ألا إنّ النّذير بمفاجأة رحيلك يصيح بك في بكرتك و أصيلك. فقل لي أين جهازك المعبّأ. و أين زادك المهيّأ. و أين ما يقتل به الطّوى (2) و الظّمألا أين. كأنّي (3) بك قد فوجئت بركوب السفر (4) الشّاسع. و الشقة ذات الأهوال و الفظائع. و ليس في مزودك كفّ سويق يفثأ من سورة طواك.

و لا في إدواتك جرعة ماء تطفى‏ء من وقدة صداك. فيا حسرتا (5) .

لو أنّ يا حسرتا تغني. و يا أسفا لو أنّ يا اسفا تجدي.

(1) المزادة الزائدة على السطيحة بجلد، لأن السطيحة من جلدين، و المزادة من ثلاثة. قال الأصمعي: المزادة و الراوية و الشعيب شي‏ء واحد و هو الذي يفأم بجلد ثالث بين الجلدين حتى يتسع.

(2) الطوى: الجوع. يقال: طوى يطوي إذا جاع. و طوى يطوي إذا أرى من نفسه الجوع، و ليس به. و نظيره عرج يعرج و عرج يعرج و قتله مجاز عن تسكينه:

أبى جوده لا البخل و استعجلت به # نعم من فتى لا يمنع الجوع قاتله‏

(3) كأني بك: كأني أبصر بك. و معناه أعرف لما أشاهد من حالك اليوم كيف تكون حالك غدا، كأني أنظر إليك و أنت على تلك الحال.

(4) السفر الشاسع: سفر الآخرة و كف السويق، و جرعة الماء كناية عن الشي‏ء القليل.

(5) و الألف في يا حسرتا منقلبة عن ياء الإضافة.

33

مقامة الزهد

مقامة الزهد يا أبا القاسم ما لك لا ترفض هذه الفانية رفضا. و لا تنفض يديك عن طلبها نفضا. ألم تر كيف أبغضها اللّه و أبغضها أنبياؤه.

و مقتها و مقتها أولياؤه. و لو لا استيجابها أن تكون مرفوضة.

لوزنت (1) عند اللّه جناح بعوضه. إن راقك رواؤها الجميل فما وراءه مشوّه. ما هي إلا سمّ ذعاف (2) بالعسل مموّه (3) . منغّصة (1) لوزنت عند اللّه جناح بعوضة. من قول النبي عليه السلام:

(لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) .

(2) الذعاف: السم الذي يقتل وحيا. و الزعاف بالزاي مثله و زعفه و ذعفه قصعه مكانه.

(3) المموّه أصله أن يطلي الحديد و نحوه بماء الذهب ليظن أنه ذهب ثم صار مثلا في كل شي‏ء مزور. و التمويه تفعيل من تركيب الماء لأن أصله ماه بدليل مويه و أمواه. و ماهت الركية، و رجل ماه القلب.

و سمعت في طريق مكة من يقول لبدوي كيف ماء؟و إن قال ميهة، قال أميه مما كانت. قال نعم أموه مما كانت. و أمهيت السكين مقلوب من اموهت. و قد ملح بعضهم في قوله:

«إنّ الأديب ابن موّه # هو الأديب المموه»

34

المسارّ لم تخل من أذى. مطروقة (1) المشارب لم تصف من قذى.

مع كلّ استقامة فيها اعوجاج. و في كلّ دعة من المشقّة مزاج. (2) شهدها مشفوع بإبر النّحل. رطبها مصحوب بسلاّء (3) النّخل.

أمام الظفر بغنيمتها الاصطلاء بنار الحرب. قبل اعتناق سيبها معانقة أبناء الطعن و الضرب. إذكر المرواني (4) و ما مني به من خطّة على‏ (1) يقال ماء طرق و مطروق و هو الذي طرقته الدوابّ و خاضته و بالت و بعرت فيه. و منه قولهم هذا معنى مطروق للذي ألم به غير واحد.

(2) المزاج: ما يمزج به الشي‏ء. قال اللّه تعالى (و مزاجه من تسنيم) و من أبيات الكتاب:

«كأنّ سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل و ماء» .

و القطاف مثله.

(3) السلاء: شوك النخل، و الواحد سلاءة. و في أمثالهم:

«إستغنت السلاءة عن التنقيح» : قال علقمة بن عبدة:

«أسلاءة كعصا الهنديّ غل لها # محطم من نوى قرآن معجوم»

.

(4) المرواني هو يزيد بن عبد الملك بن مروان، إشترى جارية إسمها حبابة، بأربعة آلاف دينار. و بلغ من استهتاره بها أنه لهى بها عن تدبير الخلافة، فكان لا يقعد للناس في الأيام إلا يوما واحدا.

فأصبح ذات يوم فقال لا كذبن اليوم من قال: لا تصفو الدنيا لبشر يوما. فأمر فحملت المفارش و الآلات إلى بستان له بظاهر الرصافة و فرش له حول بركة ثمة، و اجتمع من كان يستأنس به من ندمائه و اندفعت حبابة تضرب و تغني فاهتز على غنائها و طرب و صفق بيديه-

35

رأسه مصبوبه، حين غصّت بحبة الرمّان حبابته المحبوبة. ثمّ هبها مروّقة (1) المشارب. مصفّقة من الشوائب. قد صفت لصاحبها كلّ لذّة. و أظلّته سحابة اللهو هاطلة مرذّة (2) . أما يكفي تيقّن المسرور بزوال ما هو فيه منغّصا لسرورها. و زاجرا للعاقل أن يلوي (3) على غرورها. بلى إن نزل اللبيب على قضية لبّه. إن دعاه داعي الشهوة لم يلبّه. و هيهات إنّ مدعوّ الهوى لمجيب. و إنّ سهم دعوة الدّاعي لمصيب. اللّهمّ إلا عبدا بحبل اللّه يعتصم. و يتمسّك بعروته التي لا تنفصم.

ق-و قال: أطير أطير. قالت: فعلى من تدع الخلافة يا أمير المؤمنين؟ قال عليك: فبينا هم على ذلك إذ أخذت حبابة حبة رمان فرمت بها في حلقها فغصت بها و كانت فيها نفسها. و كذب اللّه دعوى الفاسق و مات بعدها بسبعة أيام.

(1) روّق الشراب و صفقه: صفاه. قال الأصمعي: صفق الشراب: حوّله من اناء إلى اناء ليصفو. و التصفيق الصرف و التحويل من صفق إلى صفق و هو الناحية.

(2) المرذة التي أتت بالرذاذ و هو الضعيف من المطر، و أرذت السماء. و أرض مرذ: عليها رذاذ. قال الأصمعي و عن الكسائي:

أرض مرذة.

(3) لا يلوي على شي‏ء: أي لا يعرّج عليه. قال اللّه تعالى:

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ) (1) و حقيقة لوى عليه: عطف عليه.

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 153.

36

طوبى لعبد بحبل اللّه معتصمه # على صراط سويّ ثابت قدمه

رثّ اللباس جديد القلب مستتر # في الأرض مشتهر فوق السماء سمه (1)

إذا العيون اجتلته (2) في بذاذته (3) # تعلو (4) نواظرها عنه و تقتحمه (5)

ما زال يستحقر الدّنيا بهمته # حتى ترقّت إلى الأخرى به هممه

فذاك أعظم من ذي التاج متّكئا # على النّمارق محتفا به حشمه‏

(1) السم بكسر السين و ضمها الإسم. قال: «بسم الذي في كل سورة سمه» و معنى البيت مبني على قول عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: (كونوا جدد القلوب خلقان الثياب تخفون في الأرض تعرفون في السماء) .

(2) إجتلى الشي‏ء إذا أبصره كأنما جلي عليه فاجتلاه قال:

«أنا ابن كلاب و ابن أوس فمن تكن # قناعه مغطيا فإني لمجتلي» .

(3) البذاذة ترك التكلف في الملبس و المطعم. و في الحديث:

(البذاذة من الإيمان) . و رجل باذ الهيئة و بذها و لقد بذذت بعدي.

(4) يقال علت عنه العين إذا نبت عنه و في الحديث: إنه دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رجل باذ الهيئة تعلو عنه العيون فضرب بيده على كتفه و قال: (هذا خير من الدنيا و ما فيها) .

(5) إقتحمته إذا جاوزته و لم تتعلق به ازدراء له.

37

مقامة الإنابة

مقامة الإنابة يا أبا القاسم. هل لك (1) في جآذر (2) جاسم. (3) إن أنعمت (4) (1) يقال: هل لك في كذا و إلى كذا، لأن المعنى هل ترغب؟ يقال: رغبت فيه و رغبت إليه. و قيل لأبي الدقيش: هل لك في ثريدة كان ودكها عيون الضياون؟فقال: أشد الهل و اوحاه يريد أشد الرغبة، و لا يخلو اما إن يركب من حروف هل لك إسما كالحولقة و إما أن يجعل هل إسما بزيادة حرف من جنس آخره كما فعل بلو، ثم تسمى به الرغبة حيث رأى قولهم: هل لك في معنى أترغب؟

(2) الجآذر: أولاد بقر الوحش. الواحد جؤذر و جوذر و اصله فارسي.

(3) جاسم مكان و هو من قول عدي بن الرقاع:

«لو لا الحياء و أنّ رأسي قد عثا # فيه المشيب لزرت أمّ القاسم

فكأنّها بين النساء أعارها # عينيه أحور من جآذر جاسم»

(4) إن أنعمت: إن قلت نعم. يقال: طلبت منه كذا فأنعم لي به إذا أجابك إليه. و قال نعم. فإن قلت كيف صح الإشتقاق من نعم و الحروف لا تكون مشتقة و لا مشتقا منها لأنها جوامد لا تتصرف، و لذلك لم يوزن؟قلت هو بناء مقتضب من غير اشتقاق و إنما ضمن حروف نعم إرادة أن تكون في لفظه دلالة على معناه. كما قالوا: لا ليت إذا قلت لا و نحوه أمّن و هلل.

38

فلا أنعم اللّه بالك (1) و لا وصل حبالك. و لا فضّ (2) فومن ماءك بالحقّ و نبّهك. و عضّك بالملام و عضهك (3) . أصبوة (4) و حق مثلك أن يصحو لا أن يصبو أنزاعا و قد حان لك أن تنزع لا أن تنزع (5) (1) نعم باله إذا حسنت حاله. و لانت و انعمه اللّه.

(2) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم للنابغة الجعدي: لا فض اللّه فاك فكان ثغره ما عاش كأنه برد ينهل. و الفض الكسر مع التفريق و منه انفض القوم و قال ذو الرمة:

«كأنّ إدمانها و الشمس جانحة # ودع بارجائها فض و منظوم» .

و المراد بالفم الأسنان، و مثه المثل متى عهدك بأسفل فيك.

(3) العضه: الشتم، و حقيقة عضهه قطع عضاهه، كما يقال نحت أثلته و عصب سلمته.

(4) أصبوة: أتصبو صبوة.

(5) أن ينزع الأول من النزوع. يقال: نزع عن الأمر نزوعا إذا أمسك عنه. و قد عيب على أبي نواس النزع بمعنى النزوع في قوله:

«و إذا نزعت عن الغواية فليكن # للّه ذاك النزع لا للناس» .

و القول فيه: إن اصل نزع عن الأمر نزع نفسه عنه. فكثر استعماله محذوف المفعول حتى أشبه الفعل غير المتعدي. فقيل: نزع نزوعا كقعد قعودا. و قد ذهب أبو نواس إلى أن استعمله على أصله. و للشاعر أن يلمح الملامح البعيدة و الأصول المجهولة. ألا تراهم كيف جوّزوا صرف غير المنصرف و قصر الممدود لأن الأصل القصر و الصرف.

39

ما أقبح لمثلك الفكاهة (1) و الدّعابة (2) و ديدن (3) الممزاح (4) التّلعابة (5) . يا هذا الجدّ الجد. فقد بلغت الأشد (6) و خلّفت (7) (1) الفكاهة المزاحة. و تفكه و فاكه صاحبه و أصله من الفكاهة لأنه كلام يتلذذ به كما يتلذذ بالفاكهة.

(2) و الدعابة مثلها. و قال عمر بن الخطاب في علي رضي اللّه عنهما: (ذاك رجل فيه دعابة) . و قد روي في بعض الحديث:

(المؤمن دعب لعب، و المنافق عبس قطب) .

(3) الديدن: الدأب و العادة. و أما الددن فاللعب، و هو أحد ما كانت فاؤه و عينه من جنس واحد على فيعل نحو قبقب و سبسب.

(4) الممزاح: الكثير المزح. قال و قد أوقر جملا ممزاحا.

(5) التلعابة: الكثير اللعب و نظيره التلقامة و التعجابة و التبذارة لصاحب الأعاجيب و مبذر ماله.

(6) الأشد مثل الأكياس و السدوس في كونه مفردا غير جمع و إن كان على زنة الجموع. و نظيره على وزنه أسلم ابن عافق بن عكّ، و بلوغ الأشد أن يكتهل و يستوفي السنّ التي يستحكم فيها عقله و تمييزه و قوته و ذلك إذا ناف على الثلاثين و ناطح الأربعين. و عن قتادة ثلاث و ثلاثون سنة. و قيل: لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة.

(7) و خلفت ثنية الأربعين تمثيل مثل حال من يقطع سني عمره بحال المسافر الذي يقطع المراحل و يطوي الثنايا و يخلفها وراءه.

40

ثنيّة الأربعين. و لهز (1) الفتير لداتك (2) أجمعين. أبعد ما عطّلت شبيبتك في التغزل و التشبيب. و ذهبت بصفوة عمرك في صفة الحبّ و الحبيب. و أضللت حلمك في أودية الهوى. و عكفت همّك على أبرق الحمى و سقط اللّوى. و اتخذت بقر الجواء (3) بلائك و فتنتك.

و وهبت لظباء و جرة ذكائك و فطنتك. تريد و يحك أن تصرّ على ما فعلت. و أن تشيّع (4) النار التي أشعلت. مهلا مهلا. فلست لذلك أهلا. و عليك بالخروق الواهية متنوّقا في رفوها. و بالكلوم الدامية (1) لهزه: القتير. و خط فيه الشيب و خالطه، و اللهز الضرب و القتير رؤوس المسامير، فاستعير لبدوّ طوالع الشيب و جرى مجرى الحقيقة لتكاثره في استعمالهم و استمراره فيه و في شعر التهاني:

«قد كان مغفر رأسي لا قتير به # فسمرته قتيرا صنعة الكبر» .

(2) اللدة: من ولد كالعدة من وعد. ثم قيل لدة الرجل لمن وافق ميلاده ميلاده تسمية بالمصدر. و هذا الكلام من باب الكناية لأنه إذا شاب أقرانه في السنّ فهو من الشيب.

(3) الجواء و وجرة مكانان قال:

«صفراء من بقر الجواء كأنما # ترك الحياء بها رواع سقيم» .

و قال النابغة: من وحش و جرة موشي اكارعه. و قال الأصمعي:

و جرة أربعون ميلا، ليس فيها منزل و هي مربّ الوحش، و هي في الأجناس إسم المرة من وجره الدواء بمعنى أوجره و جرا تقول و جره و جرة واحدة و الجواء الوادي الواسع و الجادة يقال نزلنا جواء بني فلان.

(4) شيع النار: ألقى عليها ما يذكيها و حقيقته اتبع وقودها الدقاق من الحطب لتشتعل. و يسمى ما يشيع من الشياع. غ

41

متنطّسا (1) في أسوها. أنب إلى اللّه لعلّ الإنابة (2) تمحّص. و افزع إلى اللّه لعلّ الفزع يخلّص. و ما أكاد أظن لسعة آثامك إلاّ أنّ عفو اللّه أوسع. و لا أكاد أشك نظرا في كرمه الشامل إلاّ أنّي مع ذلك أفزع.

(1) تنطس في الأمر: تنوق فيه و منه النطاسي.

(2) الإنابة: الرجوع. و قال عبد اللّه بن الزبعري:

أبوك الذي كانت قريش اذا انتدوا # أنابوا إليه في الأمور العظايم» .

يخاطب عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، و هو العدل عدل قريش كان يكسو الكعبة عاما، و تكسوها قريش عاما. و كان أكثر الناس مالا في الجاهلية. و يقال: أتاني فلان فما أنبت إليه. أي لم أحفل به و هو من ناب ينوب نوبة إذا رجع مرة بعد أخرى. و كأنّ حقيقته دخل في النوبة.

42

مقامة الحذر

مقامة الحذر يا أبا القاسم إحزر (1) نفسك إن تعلّقت ببعض أطرافها جمره.

أو أصابته من الماء المغليّ قطره. هل تتمّ عند صدمة (2) ذلك لأن تقلّب فكرا في خطب مهم. أو ترفع (3) رأسا لحبيب ملم. أو تلقي سمعا إلى ما تتهاوى (4) اليه الأسماع. و تتقاذف نحوه القلوب و الطّباع.

أم بها في تلك الوهلة (5) ما يشغلها عن أن تنطق في شأن يعنيها (1) إحزر نفسك قدر حالها، و قس أمرها.

(2) الصدم: المسّ بشدة اعتماد و يقال: صدم به الحائط، و اصطدم الفحلان. و منه صدمة الكأس لحمياها و صدمة الخطب. و في الحديث: (الصبر عند الصدمة الأولى حين تصدم المصيبة صاحبها) .

(3) كلمته فما رفع لي رأسا: أي فما أبه لي و لم يبال بي.

و معناه: كلمته و هو مطرق لا يرفع بسببي و بسبب كلامي بعض رأسه و التنكير لذلك.

(4) تتهاوى إليه الأسماع: تتسارع إليه. و يقال: الهويّ بالضم إلى فوق و بالفتح إلى أسفل. و قال بشار بن برد:

«كأنّ مثار النقع فوق رؤوسهم # و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه» .

أي تتسارع في السقوط.

(5) فعل ذلك في أول وهلة: أي في أول ساعة. و هي من وهلت إلى الشي‏ء وهلا و وهمت إليه وهما إذا ذهب و همك إليه. و حقيقتها في أول خطرة.

43

بحرف. أو ترمي إلى أحبّ خلق اللّه اليها بطرف. كلاّ و لو كنت ممّن يعطف (1) الأعنة بإصبع. و يتبسّط (2) في مهابّ الرياح الأربع (3) لشغلك التألم عن كبرياء سلطانك. و لأدرج تلك الأعنة تحت مطاوي نسيانك. هذا و إنّ الجمرة و القطرة كلتاهما هنة (4) يسيره. و مدّة إيلامها ساعة قصيره. ثمّ إنها على ذلك لتنسيك جميع ما همّتك‏ (1) ممن يعطف الأعنة باصبع، هو الملك العظيم السلطان، الذي استوى على الناس و قهرهم. فكأنهم خيل امتلك أعنتها. فهو يعطفها كيف شاء باصبع واحد لا يكترث بها لعزة سلطانه و نفاذ أمره. و هو من باب التخييل و تصوير الحالة الدالة على التصرف كقوله عزّ و جل (وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ) (1) و هو من قول البحتري: «يثني الأعنة كلهنّ باصبع» .

(2) تبسط في البلاد تغلب عليها و انتشرت فيها آثار غلبته و سلطانه.

من قولهم: تبسط فلان في بلد كذا إذا سار فيه طولا و عرضا، و تبسط في الأرض: تمدّد عليها مستلقيا.

(3) الرياح الأربع: القبول التي تهب إلى قبل الكعبة: و هي الصبا و الدبور التي تهب إلى دبرها، و الجنوب التي تهب إلى جنبها الأيمن، و الشمال التي تهب إلى شمالها.

(4) الهن و الهنة: كنايتان عن المذكر و المؤنث من الأجناس، كما كني بفلان و فلانة عن الاعلام. و نظير هنة سنة و عضة في أن لامها واو أو هاء بدليل هنيهة و هنوات كما يقال: سنوات و سانهت النخلة و عضوات و عضاة.

____________

(1) سورة الزمر، الآية 67.

44

اليه عائره (1) . و أفكارك عليه دائره. و تشخص بك عن المضجع الممهود. و تطلق حسبوتك في المحفل المشهود. فنار اللّه التي حسبك ما سمعت من فظاعة وصفها و هوله. و كفاك فيها ما قاله الصادق المصدّق في قوله. و أفظع ذلك كله أنّ عذابها أبد سرمد. (2) ليس له منتهى و لا أمد. هلاّ جعلتها ممثّلة قدّام ناظريك كأنك تشاهد عينها. (3) و كأنّه لا برزخ بينك و بينها. إن كنت كما تزعم بما نطق به الوحي مؤمنا. و كما تدّعي بصحته موقنا. فإنّ أدنى ما يحتكم عليك تبصر تلك الحال. و يقتال (4) تصور تلك الأهوال. أن تكون في جميع ساعاتك إمّا لا (5) على صفتك في الساعة التي آلمك فيها (1) عائره من عار الفرس ذهب ها هنا و ها هنا من مراحه. و قال ابن دريد: انطلق من مربطه فذهب على وجهه. و منه العيّار الذي لا يستقر في مكان يتردد في الشر و هو بين العيارة. و قالوا: أعير بيت قالته العرب:

«فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما» .

(2) السرمد وزنه فعمل لأن ميمه مزيدة و اشتقاقه من التسرد و هو التتابع.

(3) تشاهد عينها أي ذاتها و حقيقتها.

(4) الاقتيال الاحتكام و هو افتعال من القول أو من القيل، لأن الاقيال يحتكمون على الناس في ممالكهم قال كعب الغنوي:

«و منزلة في دار صدق و غبطة # و ما اقتال من حكم عليّ طبيب»

(5) يقال افعل هذا اما لا. أي أن لا تفعل غيره. فحذف الفعل-

45

مسّ الجمرة التي خطبها هيّن. و آذتك إصابة القطرة التي مقدار أذاها بيّن. قلقا متأوّها. نزقا متولّها. لا تلتفت إلى الدنيا التفاتة راغب. و لا ترتاح لأجل ما تعطيك من عجالة (1) الرّاكب، و لا تفطن لكرّاتها و دولها أساءت أم سرّت. و لا لأيامها و لياليها أعقّت أم برّت.

ق-و جعل ما عوضا منه. و المعنى: أن تكون على صفتك عند مس الجمرة ان لا تكن على أشد منها و أعظم.

(1) العجالة ما تعجلت من شي‏ء و عجالة الراكب ما يستعجله الراكب العجلان غاديا في مهم، يقال: عجالة الراكب تمر و سويق يراد لا يستأنى به إلى أن يخبز و يطبخ لعجلته.

46

مقامة الإعتبار

مقامة الإعتبار يا أبا القاسم قد رأيت العصرين (1) كيف يقرضان الأعمار.

و يهدمان العمارة و العمّار (2) . و يسكنان الديار غير بناتها. و يورثان الأشجار جناة بعد جناتها. و يملكان (3) صاحبة الغيران غيره بعدما كان ينهالك عليها غيره. و يقسمان ما دوّخ (4) في اكتسابه‏ (1) العصران الليل و النهار و قال المتلمس:

«و لن يلبث العصران يوم و ليلة # إذا طلبا أن يدركا ما تيمما»

(2) العمار الكثير العمارات، و به سمي الرجل عمارا كما سمي عامرا.

(3) املك و ملك أخوان في النقل من ملك، نحو انزل و نزّل إلا أن ملك عام و املك خاص. يقال: كنا في املاك فلان و املك فلان فلانة و املكه خطبته. هذا مما يشهد لك في وجوب الوقف على الاسجاع فإنك لو وصلت لزمك أن تقول غيره.

(4) دوّخ الرجل: قهره و ذلله. و دوّخني الهجر: ذللني. منقول من داخ له يدوخ دوخا إذا ذلّ له. و قالوا: أداخ له أي ذلّ له.

و أنشدوا:

«و حوثرة المهديّ بمصر جياده # و أسيافه حتى أداخت له مصر

-

47

القرى و المدائن. و أقفل عليه المخابى‏ء و المخازن. بين حي كحيّات الوادي. كلّهم له حسّاد و أعادي. فرويدك (1) بعض هذا الحرص‏ ق-ثم قيل على الاستعارة: دوخ البلاد: أي ذللها بكثرة وطئه. و في معناه طريق معبد أي مذلل. و يقال للطرق الاذلال الواحد ذل و منه المثل أجر الأمور على إذلالها أي على طرقها الموطأة.

(1) رويد رويدا في معنى امهل، و هو من الأسماء المقتضبة على لفظ التصغير نحو جميل و كعيت. و معناه امهل قليلا و هي من جملة الأصوات التي سميّت بها الأفعال كبله وايه واف و في معناه تيدك فإن قلت تيدك من أين هو قلت هو من التؤدة التي هي الاناة و الرفق، و تأد في الأمر. و سمعت منهم من يقول على تيدك، فسألته عن معناه.

فقال: معناه التؤدة و التاء منقلبة عن الواو من الوئيد و هو مشي المقثل.

قالت الزباء: «ما للجمال مشيها وئيدا» ؟و وأدت الخيل. و قال ضرار:

«و الجرد ترفل بالابطال شازبة # كأنها حدأ في سيرها تئد»

و منه الموؤدة فإن قلت و أده و آده من قوله تعالى‏ (وَ لاََ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمََا» (1) أيهما مقلوب من صاحبه؟قلت: كلاهما أصل برأسه لاستوائهما في التصرف، و نظيرهما جذب و جبذ. فإن قلت: التأيد بمعنى التأني في قول أبي الطيب: «نحتي من خطوها تأيدها» .

أما كان قياسه بالواو دون الياء. قلت: هو تفعيل كالتدير و ليس بنفعل. فإن قلت: أرأيت إن كان تفعلا من الايد؟قلت: لا يبعد لأن من شأن المتحامل على ضعفه أن يتكلف قوة. فإن قلت: فلم قلبوا الهمزة في تئدك ياء و قياس تخفيفها تادك بالألف كنظائره من راس-

____________

(1) سورة البقرة، الآية 255.

48

الشديد. على تشييد البناء الجديد. و لا يصدّنّك إبار (1) السّحق (2) الجبّار. عن التّبتّل إلى الملك الجبّار (3) و إيّاك و الكلف ببيضات (4) ق-و فاس: قلت: هو قلب خارج عن القياس و نظيره الذيم في الذأم، يقال ذأمه ذيما في ذأمه ذأما.

(1) ابار النخل تلقيحها يقال ابر النخل و ابره، و منه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: (من باع نخلا موبرا فمثرته للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع) .

و به احتجّ الشافعي على أنه إن كان مؤبرا فالثمرة للبائع و ان كان غير مؤبر فهي للمبتاع لأن من أصله العمل بدليل الخطاب. و أبو حنيفة رحمه اللّه يسوّي بين المؤبر و غير المؤبر في أن ثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع.

(2) السحوق النخلة التي بعدت في الارتفاع من السحق، و الجمع سحق. قال زهير:

«كأنّ عينيّ في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنّة سحقا»

(3) و الجبار العظام الطوال من النخل الواحدة جبارة. و قال الأعشى:

«طريق و جبار رواء أصوله # عليه أبابيل من الطير ينعب»

.

(4) تشبه الحسان البيض من النساء ببيض النعام: قال اللّه تعالى:

(كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) (1) و يقال: بيضات الخدور، على طريق الاستعارة و أضافهن إلى الخدور للدلالة على أن المراد النساء. كما يقال أسد اللقاء و رأيت أسد تميم و ثعالب قيس تريد رجالهم الموصوفين بالشجاعة و الخبّ. و قال امرؤ القيس: -

____________

(1) سورة الصافات، الآية 49.

49

الخدور. و قسماتهنّ (1) المشبهة بالبدور. و أن تعلّق همّتك بأعلاق (2) الأموال. و الاستيثاق منها بالأبواب و الأقفال. و استنظر نفسك إن تقاضتك (3) إيثار الملاهي. و استمهلها إن طالبتك بارتكاب المناهي، إلى أن يتفضّل عليك ذو الطول و المنّة. بالوصول إلى دار الجنّة.

ق-

«و بيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت عن لهو بها غير معجل

فكم عقعق قد رام مشية قبجة # فانسي ممشاه و لم يمش كالحجل»

و في لغز بعضهم: «بيضة الحجلة أكلت أختها» .

(1) القسمة أعلى الوجنة: و قيل وسط الوجه الأنف و الوجنتان.

و قيل مجاري الدموع و قال:

«كأن دنانيرا على قسماتهم # و إن كان قد شفّ الوجوه لقاء»

(2) العلق النفيس الذي تعلق به النفس. قال نهشل بن جري الدارمي:

«إني و قومي إن رجعت اليهم # كذا العلق آلى لا ينول و لا يشري»

أي لا يعطيه نوالا و لا يبيعه لعزته عليه و نفاسته عنده. و قيل:

لا يستعمل إلا فيما لا روح فيه كالثوب و نحوه.

(3) اقتضاه الدين و تقاضاه إذا طلب اليه قضاءه.

50

مقامة التسليم‏

مقامة التسليم جديدان (1) يبلى بتناسخهما كلّ جديد. و يكلّ على تعاقبهما كلّ حديد. و طلوع شمس و غروب شمس. يطّرحان كلّ إنسي تحت الرّمس (2) . و ما الدّهر إلاّ أمس (3) و يوم وغد. و ما العيش‏ (1) الجديدان و الاجدان الليل و النهار و تناسخهما نسخ كل واحد منهما الآخر.

(2) الرمس تراب القبر و رمسته دفنته.

(3) الامس له ثلاثة أحوال يكون اسم جنس منصرفا متصرفا كاليوم و الغد و غيرهما من أسماء الأحيان فيستعمل نكرة و معرفا باللام و الإضافة. فيقال: ما الدهر إلا أمس و يوم و غد. و مضى الأمس و امسك. قال اللّه تعالى: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) قال نهشل بن جري الدارمي:

«و لا تدرك الأمس القريب إذا مضى # بمرّ قطاميّ من الطير أجدل» .

و علما غير منصرف فيقال مضى أمس و ما رأيته منذ أمس قال:

«لقد رأيت عجبا مذامسا # عجائزا مثل السعالي خمسا»

-

51

إلا ضنك (1) و رغد (2) . و أيهما قيّض لإنسان. فقد وكّل بإزالته مرّ الزمان. فذو اللبّ من جعل لذاته كأوصابه. و سوّى بين حالتي عرسه و مصابه. و لم يفصل بين طعمي أريه و صابه. فإذا اعتوره النعيم و البوس. لم يعتقب عليه التهلّل و العبوس. ذاك لأنه مسلّم لمجتلب القضا. عالم أنّ كلّ ذلك إلى انقضا. و الذي‏ ق-و مبنية على الكسر كقولك مضى أمس بما فيه. قال سيبويه: كسروها كما كسروا غاق. و قال الكسائي: سمي بأمس الذي هو أمر من أمسى و إذا نسب اليه كسر أوله و هو من تغييرات النسب.

(1) الضنك مصدر من ضنكه يضنكه ضنكا إذا ضيقه و منه المضنوك للمزكوم. و لذلك وصف بالمذكر و المؤنث. قال اللّه تعالى: (مَعِيشَةً ضَنْكاً) (1) و قرى‏ء ضنكي على فعلي. و قالوا: ضنك ضناكة و ضنوكة فهو ضنك فإذا يكون الضنك صفة كالضخم و الفخم و يكون مصدرا كما يكون الضيق بمعنى الضيق و الضيق. فإن وصف به المذكر احتمل الأمرين، و إن وصف به المؤنث كان مصدرا. و منه الضناك السمينة لأن جلدها يضيق عنها، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة و السلام:

(لا مقورة الالياط و لا ضناك) . كيف قابل بها المقورة و هي المهزولة المتسعة الجلد من قولهم دار قوراء.

(2) الرغد سعة العيش و الرفاهية و قد رغد العيش رغدا فهو راغد و رغد رغادة فهو رغد و رغيد.

____________

(1) سورة طه، الآية 124.

52

بين دفّيه (1) قلب هواء (2) . قد تياسرته (3) الشهوات و الأهواء.

لا استبصار (4) يزعه. و لا روية تردعه. لا يعرف الغناثة و السّمن إلاّ في بدنه و ماشيته. و لا يفطن للقلة و الكثرة إلاّ في ضبنته (5) و حاشيته. لا يعبأ بدينه أغث هو أم سمين. بل هو بالغثاثة قمين.

و لا يكترث بخيره أقليل هو أم كثير. بل هو بالقلّة جدير. و لا يرى النقصان إلا ما وقع في ماله. و لا يبالي به في سيره و أعماله. (1) الدفان: الدفان و منه المثل مثقل استعان بدفيه. و هذا من جملة ما استدركه ابن السكيت على الحياني حين قعد لاملاء نوادره، و قد أملاه مثقل استعان بذقنه.

(2) هواء خال فارغ قال اللّه تعالى: (وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوََاءٌ) (1) و قال حسان: «فأنت مجوّف نخب هوآء» و هو وصف بالهواء الذي هو الجو.

(3) تياسرته: تقاسمته من الميسر. قال ذو الرمة:

«بتفريق اظعان تياسرن قلبه # و خان العصا من عاجل البين فادح»

(4) الاستبصار لبصيرة القلب كالابصار لبصر العين. يقال:

استبصر في أمره و دينه إذا كان ذا بصيرة.

(5) ضبنة الرجل: عياله و تبعه، لأنه يضطبنهم أي يجعلهم تحت ضبنه، و هو ما بين الابط و الكشح و يؤويهم اليه و يكنفهم.

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية 43.

53

قد ران (1) على قلبه حبّ الدنيا رينا. و زانه الشيطان في عينه زينا فذاك إن نزل به بعض الّلأواء. رزء فيه أيضا (2) بمثوبة العزاء.

و لا يدري أنّ الرّزء بالثواب أطم (3) . و إن سال به البحر الغطم (4) . (1) الرين و الران: ما يغشى القلب و يغطيه من القسوة و الغلظة.

قال ابن دريد: أصل الرين الصدا الذي يركب السيف. و يقال رين بفلان و ران به السكر و النوم و فيه و عليه. و قال عبدة بن الطبيب:

«أوردته القوم قد ران النعاس بهم # فقلت إذ نهلوا من مائه قيلوا»

و قال الشماخ:

«مخافة أن يرين النوم فيهم # بسكر سناتهم كلّ الريون»

و في التنزيل: (بل ران على قلوبهم) .

(2) الايض: الصيرورة. و آض الرجل عالما صار عالما. و يكون بمعنى العود يقال آضت المياه. و منه قولهم: قد آضت ذكاء و انتشرت الرعاء. و قد وقع موضعا مكينا يعني الرزء بفقد ثواب المصيبة مصيبة أخرى. فمن جزع فقد جمع على نفسه مصيبتين.

(3) أطم: أغلب. و منه الطامة النازلة التي تطم أي تغلب قال البحتري:

«جرى الوادي فطم على القرى»

و طم الركية كبسها.

(4) الغطم: الكثير الماء. و في معناه الغطامط و هو من تركيبه، إلا أن عينه مكرره و منه غطمط البحر و تغطمط إذا زخر و عبّ. غ

54

رزء الفتى بثوابه لعزائه (1) # ينسي الشديد الصّعب من أرزائه

ليس الفتى إلاّ فتى إن نابه # عزّاء (2) دهر عزّ في عزّائه

و العزّ أن يلوي على الصّبر الّذي # يمشي (3) ثواب اللّه تحت لوائه‏

(1) اللام في لعزائه تتعلق بثوابه أي بما أثيب به لأجل عزائه.

(2) العزّاء: الشديدة من شدائد الدهر. قال دريد بن الصمة:

«كميش الازار خارج نصف ساقه # صبور على العزاء طلاع أنجد

(3) يمشي ثواب اللّه تحت لوائه: من أبرع كلام و ابدعه‏