دور الشيعة في بناء الحضارة الاسلامية

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
144 /
3

التقديم:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لا يأتي المرء بجديد إذا ذهب إلى القول بأنّ الحقبة الزمنية التي شهدت البعثة المباركة لخاتم الأنبياء محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و سنوات عمره المعطاءة القصيرة كانت تشكل بحد ذاتها انعطافا رهيبا و تحولا كبيرا في حياة البشرية، في وقت شهد فيه الخط البياني الدال على مدى الابتعاد المتسارع عن المنهج السماوي و شرائعه المقدسة انحدارا عميقا و ترديا ملحوظا أصبح من العسير على أحد تحديد مدى انتهائه و حدود أبعاده.

بلى، انّ مجرد الاستقراء المتعجّل لأبعاد التحول الفكري و العقائدي في حياة البشرية عقيب قيام هذه الدعوة السماوية في أرض الجزيرة-المسترخية على رمال الوهم و الخداع و سيل الدم المتدافع-يكشف و بلا تطرّف و محاباة عظم ذلك التأثير الإيجابي الذي يمكن تحديد مساره من خلال رؤية التحول المعاكس في كيفية التعامل اليومي مع أحداث الحياة و تطوراتها، و بالتالي في فهم الصورة الحقيقية لغاية خلق الإنسان و دوره في بناء الحياة.

كما أنّ هذه الحقائق المجسّدة تكشف بالتالي عن عظم الجهد الذي بذله صاحب الرسالة صلى اللّه عليه و آله و سلم في تحقيق هذا الأمر و تثبيت أركانه، في وقت‏

4

شهدت فيه البشرية جمعاء ضياعا ملحوظا في جميع قيمها و معتقداتها، و خلطا و تزييفا مدروسا في مجمل عقائدها و مرتكزات أفكارها، كرس بالتالي مسارها المبتعد عن الخط السماوي و مناهجه السوية، و أنّ أي استعراض لمجمل القيم السائدة آنذاك-و التي كانت تشكل المعيار الأساسي و المفصل المهم الذي تستند إليه مجموع السلوكيات الفردية و الجماعية و تشذّب من خلاله-يكشف عن عمق المأساة التي كانت تعيشها تلك الأمم في تلك الأزمنة الغابرة.

فمراكز التشريع الحاكمة آنذاك-و التي تعتبر في تصور العوام و فهمهم مصدر القرار العرفي و الشرعي المدير لشؤون الناس و المتحكم بمصائرهم و مسار تفكيرهم-تنحصر في ثلاث مراكز معلومة أركانها الأساسية: اليهود بما يمتلكونه من طرح عقائدي و فكري يستند إلى ثروات طائلة كبيرة، و الصليبيون بما يشكلونه من قوة مادية ضخمة تمتد مفاصلها و مراكزها إلى أبعد النقاط و الحدود، و أصحاب الثروة و الجاه من المتنفّذين و المتحكمين في مصائر الناس.

و من هنا فإنّ كل الضوابط الأخلاقية و المبادئ العرفية و العلاقات الروحية و الاجتماعية كانت تخضع لتشذيب تلك المراكز و توجيهها بما يتلائم و توجهاتها التي لا تحدها أي حدود.

إنّ هذه المراكز الفاسدة كانت تعمل جاهدة لأن تسلخ الإنسان من كيانه العظيم الذي أراده اللّه تعالى له، و دفعه عن دوره الكبير الذي خلق من أجله عندما قال تعالى للملائكة: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً بل تعمل جاهدة لأن تحجب تماما رؤية هذه الحقيقة العظيمة عن ناظر الإنسان‏

5

ليبقى دائما بيدقا أعمى تجول به أصابعهم الشيطانية لتنفيذ أفكارهم المنبعثة من شهواتهم المنحرفة.

و أمّا ما يمكن الاعتقاد به من بقايا آثار الرسالات السابقة، فلا تعدو كونها ذبالات محتضرة لم تستطع الصمود أمام تيارات التزييف و الكذب و الخداع التي مسخت صورتها إلى أبعد الحدود.

نعم بعث محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى قوم خير تعبير عنهم قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي: أيها الملك كنّا أهل جاهلية نعبد الأصنام، و نأكل الميتة، و نأتي الفواحش، و نقطع الأرحام، و نسي‏ء الجوار، و يأكل القوي منا الضعيف.

هذا في الوقت الذي كانت فيه مراكز القوى تلك تتضخّم و تتعاظم على حساب ضياع البشرية و موت مبادئها.

و هكذا فقد كانت الدعوة الإسلامية الفتيّة و صاحبها صلى اللّه عليه و آله و سلم في مواجهة هذه المراكز بامتداداتها الرهيبة و قدراتها العظيمة، و التي شكلت أعنف مواجهة شرسة و قتال ليس له مثيل صبغ أرض الجزيرة و رمالها الصفراء، بلون أحمر قاني لسنوات لم يعرف فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و خيرة أصحابه للراحة طعما و للسكون مسكنا.

إنّ تلك الحصون المليئة بالشر و الخراب لم تتهاوى إلاّ بعد جهد جهيد وسيل جارف من الدماء الطاهرة التي لا توزن بها الجبال، من رجال أوقفوا أنفسهم و أرواحهم من أجل هذا الدين و صاحبه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

إستطاع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أن يقيم حكومة اللّه تعالى في الأرض و أن يثبّت فيها الأركان على أساس الواقع و الوجود، فلم تجد آنذاك كل قوى الشرّ بدّا

6

من الإختباء في زوايا العتمة و الظلام تتحيّن الفرص السانحة و الظروف الملائمة للانقضاض على هذا البنيان الذي بدا يزداد شموخا و علوّا مع تقادم السنين.

و لقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يدرك عيانا أنّ نقطة ضعف هذه الأمّة يمكن في تفرّقها و في تبعثر جهودها ممّا سيمكن من ظهور منافذ مشرعة في هذا البنيان الكبير لا تتردد أركان الكفر و أعداء الدين المتلوّنين و المتسترين من النفوذ خلالها و التسلل بين أهلها، و في ذلك الخطر الأكبر. و لذا فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يصرّح و يحذّر من افتراق أمّته، و يلوح للمفترقين بالنار و الجحيم.

بيد أنّ ما حذّر منه صلى اللّه عليه و آله و سلم و ما كان يخشاه، بدت أوّل معامله الخطرة تتوضح في اللحظات الأولى لرحيله صلى اللّه عليه و آله و سلم و انتقاله إلى عالم الخلود، و عندها وجد أعداء هذا الدين الفرصة مؤاتية للولوج إلى داخل هذا البناء و العمل على هدمه بمعاول أهله لا بمعاولهم هم.

فتفرّقت هذه الأمّة فرقا فرقا و جماعات جماعات، لا تتردد كل واحدة من أن تكفّر الأخرى و تكيل لها التهم الباطلة و الافتراءات الظالمة، و انشغل المسلمون عن أعدائهم بقتال إخوانهم و التمثيل بأجسادهم، و حل بالأمّة و باء و بيل بدا يستشري في جسدها الغض بهدوء دون أن تنشغل بعلاجه.

نعم بعد هذه السنين المرة من الفرقة و التشتّت بدأ المسلمون في أخريات المطاف يلعقون جراح خلّفتها سيوف إخوانهم لا سيوف أعدائهم في حين ينظر إليهم أعداؤهم بتشفّ و شماتة.

7

إنّ ما حلّ بالمسلمين من مصائب و تخلّف في كافة المستويات أوقعتهم في براثن المستعمرين أعداء اللّه و رسله يعود إلى تفرق كلمتهم و تبعثر جهودهم و تمزّق وحدتهم، و لعل نظرة عاجلة لما يجري في بقاع المعمورة المختلفة يوضّح لنا هذه الصورة المؤلمة و المفجعة، فمن فلسطين مرورا بلبنان و أفغانستان، و البوسنة و الهرسك، و الصومال و غيرها و غيرها مشاهد مؤلمة لنتائج هذا التمزّق و التبعثر.

و إن كان من كلمة تقال فإنّ للجهود المخلصة الداعية إلى الالتفات إلى مصدر الداء لا أعراضه فقط الثقل الأكبر في توقي غيرها من المضاعفات الخطيرة التي تتولد كل يوم في بلد من بلاد المسلمين لا في غيرها.

و لا نغالي إذا قلنا بأنّ للجمهورية الإسلامية في إيران و مؤسّسها الإمام الخميني-رضوان اللّه تعالى عليه-الفضل الأكبر في تشخيص موضع الداء و تحديد موطنه.

و لعل الإستقراء المختصر لجمل توجيهات الإمام-رحمه اللّه-طوال حياته و لسنين طويلة يدلّنا بوضوح على قدرته التشخيصية في وضع يده على موضع الداء، و دعوته إلى الالتفات إلى ذلك، لا إلى الإنشغال بما عداه.

فمن نداء له-رحمه اللّه-إلى حجاج بيت اللّه الحرام في عام (1399 هـ) قال: و من واجبات هذا التجمع العظيم دعوة الناس و المجتمعات الإسلامية إلى وحدة الكلمة و إزالة الخلافات بين فئات المسلمين، و على الخطباء و الوعّاظ و الكتّاب أن يهتمّوا بهذا الأمر الحياتي و يسعوا إلى إيجاد

8

جبهة للمستضعفين للتحرر بوحدة الجبهة و وحدة الكلمة و شعار (لا إله إلاّ اللّه) من أسر القوى الأجنبية الشيطانية و المستعمرة و المستغلة، و للتغلب بالاخوة الإسلامية على المشاكل.

يا مسلمي العالم، و يا أتباع مدرسة التوحيد رمز كل مصائب البلدان الإسلامية هو اختلاف الكلمة و عدم الإنسجام، و رمز الانتصار وحدة الكلمة و الإنسجام، و قد بيّن اللّه تعالى ذلك في جملة واحدة: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا و الاعتصام بحبل اللّه تبيان لتنسيق جميع المسلمين من أجل الإسلام و في اتجاه الإسلام و لمصالح المسلمين، و الإبتعاد عن التفرقة و الإنفصال و الفئوية التي هي أساس كل مصيبة و تخلّف.

و قال-رحمه اللّه-في كلمة له مع وفد من كبار علماء الحرمين الشريفين (1399 هـ) : رمز انتصار المسلمين في صدر الإسلام كان وحدة الكلمة و قوة الإيمان.

لو كان ثمة وحدة كلمة إسلامية، و لو كانت الحكومات و الشعوب الإسلامية متلاحمة فلا معنى لأن يبقى ما يقارب مليارد إنسان مسلم تحت سيطرة القوى الأجنبية، لو أنّ هذه القدرة الإلهية الكبرى تقترن بقوة الإيمان و يسيروا جميعا متآخين على طريق الإسلام فلا تستطيع أية قوة أن تتغلب عليهم.

و أكّد-رحمه اللّه-على مغزى سر انتصار المسلمين في صدر الإسلام الأوّل رغم قلّة عددهم و تواضع امكانياتهم، و انكسارهم في الوقت الحاضر مع عظم امكانياتهم و كثرة عددهم بقوله: يا مسلمي العالم ماذا دهاكم فقد دحرتم في صدر الإسلام بعدة قليلة جدا القوى العظمى و أوجدتم الأمّة

9

الكبرى الإسلامية الإنسانية، و اليوم و أنتم تقربون من مليارد إنسان و تملكون مخازن الخيرات الكبرى التي هي أكبر حربة تقفون أمام العدو بمثل هذا الضعف و الإنهيار، أتعلمون أنّ كلّ مآسيكم تكمن في التفرقة و الاختلاف بين زعماء بلدانكم و بالتالي بينكم أنتم أنفسكم.

و قال أيضا: إثارة الاختلافات بين المذاهب الإسلامية من الخطط الإجرامية التي تدبرّها القوى المستفيدة من الخلافات بين المسلمين، بالتعاون مع عملائها الضالّين بمن فيهم وعاظ السلاطين المسودة وجوههم أكثر من سلاطين الجور أنفسهم، و هؤلاء يؤججون نيران هذه الاختلافات باستمرار، و كل يوم يرفعون عقيرتهم بنعرة جديدة، و في كل مرحلة ينفذون خطة لإثارة الخلافات، آملين بذلك هدم صرح الوحدة بين المسلمين من أساسه.

و هكذا فإنّ الصورة تبدو أكثر وضوحا عند قراءة سلسلة خطب الإمام الخميني و توصياته المستمرة إلى عموم المسلمين و خصوصا في مواسم الحج التي تشكّل أفضل تجمّع إسلامي تشارك فيه أعداد ضخمة من المسلمين و من شتّى بقاع المعمورة في مؤتمر ضخم لا بد من أن يكرّسه المسلمون لتدارس أمورهم و علاج مشاكلهم و مناقشة معتقداتهم، حيث أنّ الإمام-رحمه اللّه-كان يواظب على إثارة هذه الأمور الحساسة و المهمة في حياة الإسلام و المسلمين، و لم يدخر في ذلك جهدا.

كما أنّ الإطلاع على فتاوى الإمام-رضوان اللّه تعالى عليه-يكشف بوضوح عمق توجهه إلى هذا الأمر الحيوي و الدقيق، و تأكيده عليه.

فمن توجيهاته-رحمه اللّه-إلى الحجاج نورد هذه الملاحظات المختصرة:

10

قال: يلزم على الإخوة الإيرانيين و الشيعة في سائر البلدان الإسلامية أن يتجنّبوا الأعمال السقيمة المؤدّية إلى تفرقة صفوف المسلمين، و يلزم الحضور في جماعات أهل السنّة، و الإبتعاد بشدة عن تشكيل صلاة الجماعة في المنازل و وضع مكبّرات الصوت بشكل غير مألوف و عن إلقاء النفس على القبور المطهرة و عن الأعمال التي قد تكون مخالفة للشرع.

يلزم و يجزي (أي يكفي) في الوقوفين متابعة حكم القاضي من أهل السنّة، و إن حصل لكم القطع بخلافه.

على عامّة الإخوة و الأخوات في الدين أن يلتفتوا إلى أنّ واحدا من أهم أركان فلسفة الحج إيجاد التفاهم و ترسيخ الإخوة بين المسلمين.

و غير ذلك من الفتاوى المهمّة التي ندعو جميع المسلمين إلى مطالعتها و التأمّل فيها.

و على هذا الخط المبارك واصلت الجمهورية الإسلامية مسارها في الدعوة إلى وحدة كلمة المسلمين بعد رحيل الإمام الخميني-رضوان اللّه تعالى عليه- و أخذت تؤكد عليه في كل مناسبة و مكان على لسان قائدها سماحة آية اللّه السيد علي الخامنئي-حفظه اللّه-و باقي مسؤوليها، و لم تدّخر جهدا في العمل على اقامة هذا الأمر الشرعي المهم و الدفاع عنه، من خلال توجيهاتها المستمرة في هذا المنحى أو دعمها غير المحدود لكل الجهود المخلصة في هذا الميدان.

و أخيرا.. فإنّ هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم-و هو بقلم الباحث القدير الشيخ جعفر السبحاني-دعوة للتأمّل ضمن الحدود

11

التي أشرنا إليها في حديثنا، و هي بالتالي تعكس صورة صادقة عن حجم الهجمة الكافرة التي أرادت تمزيق الأمّة و دفعها إلى التشتت، و بيان ما أخذت من مساحة واسعة في فكر هذه الأمّة و معتقداتها.

بلى لسنا في معرض الدفاع عن الوجود المقدس لهذه الشريعة السماوية فحسب، بل ابتغينا إزاحة اللثام و إماطة الخبث عن الدسائس الخبيثة التي تريد بالأمّة الهلاك.

و قد قامت معاونية شؤون التعليم و البحوث بنشره، حتى يعم نفعه و يتعرف المسلمون على الشيعة عن كثب.

و اللّه تعالى من وراء القصد.

معاونية شؤون التعليم و البحوث الإسلامية

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

مقدمة الكتاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إنّ الحديث عن دور الإنسان في بناء الحضارة البشرية حديث ذو شجون لا يسع المرء و هو يتحدث عنه إلاّ أن يتبيّن بوضوح أثر العمق العقائدي في استقرار هذه الحضارات المتلاحقة و التي تركت-و بلا شك- لها بعض الآثار الدالّة عليها، و هذا العامل الداعم لقيام تلك الحضارات يشكل و بلا أدنى ريب المفصل الأساسي في هيكلية ذلك البناء الكبير.

و لقد شهدت الحياة البشرية على هذا الكوكب (الأرض) حضارات متعدّدة، لكلّ ميزاتها و خصائصها التي ضبطها التاريخ، و أفصحت عنها الاكتشافات الأثرية.

و من مشاهير هذه الحضارات: الحضارة الصينية، المصرية، البابلية، اليونانية، الرومانية، الفارسية، و أخيرا الحضارة الغربية القائمة في عصرنا الراهن، و لكلّ من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصة.

و أمّا الحضارة الإسلامية و التي تتوسّط بين الحضارة الأخيرة (الغربية) و ما تقدّمها فهي تعدّ بلا شك من أكبر الحضارات في تاريخ الإنسان و أكثرها اهتماما بالعلم و الفلسفة و الأدب و الفنون. و هي الأساس الوطيد

14

الذي قامت عليه حركة النهضة الأورپية. و لقد وضع عشرات من العلماء موسوعات و كتب لبيان ما قدّمته الحضارة الإسلامية من خدمات جليلة إلى المجتمع البشري في المجالات المختلفة.

و لا يمكن لأحد القول بأنّ الحضارة الإسلامية حضارة عربية بحتة تفرّد العرب في إقامة بنيانها و تثبيت أركانها، بقدر ما كانت تمثّل الجهد المتفاعل لجميع الشعوب الإسلامية بقومياتها المختلفة من عرب و فرس و ترك و غيرهم من القوميات، الذين ذابوا في الإسلام و نسوا قوميّاتهم و مشخّصاتهم العنصرية و البيئية.

و من هنا فإنّ أي تعبير عن الحضارة التي سادت أبان تلك الحقبة الزاهرة من حياة البلاد العربية و ما يجاورها، فإنّ المراد به الإشارة إلى الحضارة الإسلامية بكل أبعادها و أسس بنيانها، و التي شارك فيها جميع المسلمين، المخلصين لرسالة السماء التي جاء بها نبيّ الرحمة محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم.

إنّ المسلمين الأوائل و بفضل جهدهم المخلص في بناء حياة الأمم و الشعوب، استطاعوا أن يقيموا للإسلام حضارة عظيمة و رائعة مترامية الأطراف كانت متوازية مع خط انتشار الدعوة الإسلامية، فلا غرو أن تخفق راياتها في بقاع واسعة من العالم تمتد من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.

بلى لقد استطاع المسلمون أن يقيموا حضارة حقيقية ترتكز على أسس أخلاقية و عقائدية سماوية، ضربت جذورها في أعماق البناء الإنساني و استطاعت أن تجعل منه و كما أراد خالقه له أن يكون خليفته في أرضه.

15

و إذا كان «ويل دورانت» في كتابه الشهير «قصة الحضارة» قد أشار إلى أنّ الحضارة تتألّف من عناصر أربعة، و هي:

1-الموارد الاقتصادية.

2-النظم السياسية.

3-التقاليد الخلقية.

4-متابعة العلوم و الفنون.

و هي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب و القلق، لأنّه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحرّرت في نفسه دوافع التضلّع و عوامل الابداع و الانشاء، و بعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة و إزدهارها (1) .

فإنّ ما ذكره ذلك العالم الباحث من أسس الحضارة و أركانها يرجع إلى تفسير الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الإلهية و الماديّة، و أمّا بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الأسس الدينية فمن أهم أركانها توعية الإنسان في ظلال الاعتقاد باللّه سبحانه و اليوم الآخر، حتى يكون هو الدافع إلى العمل و الالتزام بالسلوك الأخلاقي و الديني، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية، و تمدّن مادّي و ليس بإلهي.

إنّ مؤسّس الحضارة الإسلامية هو النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و قد جاء بسنن و قوانين دفعت البشرية إلى مكارم الأخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم و الفنون، و استغلال الموارد الطبيعية، و تكوين مجتمع تسود فيه النظم

____________

(1) -ويل دورانت: قصة الحضارة 1/3.

16

الاجتماعية المستقيمة.

و لا يشك في ذلك من قرأ تاريخ الإسلام، و تاريخ النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، خصوصا إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الإسلام بما قبلها.

ثمّ إنّ المسلمين شيّدوا أركان الحضارة الإسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم من خلال القرآن و السنّة، فأصبحت لهم قوّة اقتصادية، و نظم سياسية، و تقاليد دينية و خلقية، و ألوا العلوم المختلفة جلّ اهتمامهم، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوّقين و البارعين في شتى مناحي العلم، و رفدوا حركة تطور الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة، و التي تعكسها مؤلّفاتهم القيّمة و التي لا زالت حتى يومنا هذا مثار أعجاب الجميع، بل انّهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة لدى غيرهم من الأمم، مثل الفرس و اليونانيين و غيرهم، فأغنوا المكتبة الإسلامية بسيل وافر من المؤلفات القيّمة و المهمة.

لقد شملت الحضارة الإسلامية كلّ ميادين الحياة المختلفة، فلم تلق جلّ جهدها في جانب واحد من جوانب الرقي الحضاري دون غيره، بل شمل اهتمامها كلّ جوانب الحياة المختلفة، و تلك حقيقة لا يمكن لأحد الاغضاء عنها، فإذا كانت كل حضارة من الحضارات المعروفة قد تميّز برقي في جانب واحد من الجوانب الحياتية، سواء الاقتصادي كان أو العسكري، فإنّ الحضارة الإسلامية تتمتّع بمجموع هذه المميزات فلم تترك ميزة دون أخرى.

و الذي يطيب لنا هنا ذكر مشاركة الشيعة في بناء هذه الحضارة، خصوصا فيما يتعلق بالركن الرابع و هو متابعة العلوم و الفنون، و أمّا الأركان‏

17

الثلاثة الباقية فغير مطلوبة لنا في هذا المقام و ذلك: لأنّ الموارد الاقتصادية شارك فيها المسلمون انطلاقا من دوافعهم النفسية من خلال الاهتمام بالأمور التالية:

1-التنمية الزراعية بجوانبها المختلفة.

2-استخراج و صناعة المعادن المختلفة، مثل الذهب و الفضة و الأحجار الكريمة بأنواعها النفيسة المختلفة.

3-إحداث القنوات المائية و بناء السدود.

4-الاهتمام بتطوير الثروة الحيوانية و توسيعها.

5-صناعة الألبسة و الأقمشة و غيرها.

6-صناعة الورق و كتابة الكتب و نشرها في العالم.

7-ايجاد المواصلات البرّية و البحريّة، و تنظيم حركة الملاحة، و محاربة قطاع الطرق و اللصوص في البحر و البرّ.

8-العناية الفائقة بالتجارة، و عقد الاتّفاقيات التجارية مع البلدان المجاورة.

إلى غير ذلك ممّا يوجب ازدهار الوضع الاقتصادي، فلا يصح إبعاد قوم عن تلك الساحة و تخصيص الازدهار الاقتصادي بطائفة دون أخرى، فإنّ الإنسان حسب الفطرة و الدافع الغريزي ينساق إلى ذلك.

و أمّا النظم السياسية، فإنّ الدول الإسلامية المختلفة قد ساهمت في إرساء دعائمها و تثبيت أركانها خلال سني حكمها، و لا فرق في ذلك بين دول الشيعة منها كالحمدانيين و البويهيين و الفاطميين و غيرهم كالساميين‏

18

و السلاجقة و غيرهم.

و أمّا التقاليد الخلقية فقد كانت منبثقة من صميم الإسلام، و مأخوذة من الكتاب و السنّة، كما أنّ التقاليد القومية للشعوب المختلفة، و التي لم تكن معارضة لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء فقد أفسح لها المسلمون المجال و لم ينه عنها.

فلأجل ذلك نركّز على الركن الرابع من هذه الأركان الأربعة للحضارة، و هو متابعة العلوم و الفنون، فهي الطابع الأساسي للحضارة الإسلامية، و بها تتميّز عن ما تقدّم عليها و ما تأخّر، فنأتي بموجز عن دور الشيعة في بناء هذا الركن-أي ازدهار العلوم و الفنون-ليظهر أنّهم كانوا في الطليعة، و كان لهم الدور الأساسي في ازدهارها.

و لما كانت الحضارة الإسلامية تستمد أسباب وجودها من الكتاب و السنّة، فكلّ من قدّم خدمة للقرآن و السنّة لفظا و معنى، صورة و مادة، فقد شارك في بناء الحضارة الإسلامية. و إليك هذا البيان تأييدا لما أسلفنا:

1-قدماء الشيعة و علم النحو:

إنّ دراسة القرآن بين الأمّة و نشر مفاهيمه يتوقّف على معرفة العلوم التي تعد مفتاحا له، إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة، و نشرها في ربوع العالم غير ميسور جدّا. بل لولا هذه العلوم و نضجها لحرم جميع المسلمين حتى العرب منهم من الاستفادة من القرآن الكريم. لأنّ الفتوحات فرضت على المجتمع العربي الاختلاط مع بقية القوميات، و سبّب ذلك خطرا على بقاء اللغة العربية، و كان العرب عند ظهور الإسلام‏

19

يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن، إلاّ من خالطهم من الموالي و المتعرّبين، و لكن اللحن لم يكثر إلاّ بعد الفتوح و انتشار العرب في الآفاق، فشاع اللحن في قراءة القرآن، فمست الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللغة (1) .

فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الإمام أمير المؤمنين -عليه السلام-، فأبو الأسود إمّا واضع علم النحو أو مدوّنه، و كان من سادات التابعين، و قد صاحب عليّا و شهد معه صفّين، ثمّ أقام في البصرة.

يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي: إنّ عليا دخل عليه أبو الأسود يوما. قال: فرأيته مفكّرا، فقلت له: ما لي أراك مفكّرا يا أمير المؤمنين؟قال: «إنّي سمعت من بعض الناس لحنا، و قد هممت أن أضع كتابا أجمع فيه كلام العرب» .

فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواما من الهلاك.

فألقى إليّ صحيفة فيها: الكلام كلّه إسم و فعل و حرف، فالإسم ما دلّ على المسمّى، و الفعل ما دلّ على حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى و ليس بإسم و لا فعل. و جعل يزيد على ذلك زيادات.

قال: و استأذنته أن أصنع في النحو ما صنع، فأذن، و أتيته به فزاد فيه و نقص.

و في رواية: أنّه ألقى إليه الصحيفة و قال له: «انح نحو هذه» فلهذا

____________

(1) -جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1/219.

20

سمّي النحو نحوا (1) .

و من المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحّة، و لكن أبا الأسود قام باكمالها و ضبطها و بتمييز المنصوب من المرفوع، و الإسم من الفعل، بعلامات نسمّيها الإعراب. فالروايات مجمعة على أنّ أبا الأسود (و هي شيعي المذهب توفّي سنة 69 هـ) إمّا مدوّن علم النحو أو واضعه و أضحى ما دوّنه مصدرا لهذا العلم في العصور اللاحقة.

و هناك كلام لابن النديم دونك لفظه، يقول:

قال محمّد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أنّ النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، و أنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام-.

ثمّ نقل عن الطبري و قال: إنّما سمّي النحو نحوا لأنّ أبا الأسود الدؤلي قال لعلي-عليه السلام-و قد ألقى عليه شيئا من أصول النحو، قال أبو الأسود: و استأذنته أن أصنع نحو ما صنع. فسمّي ذلك نحوا (2) .

2-و إذا كان أبو الأسود الدؤلي واضعا للنحو، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقّح له و الباسط له. قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي: و الخليل بن أحمد، أوحد العصر، و فريد الدهر، و جهبذ الأمّة، و أستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، و لا عرف في الدنيا عديله، و هو الذي

____________

(1) -حسن الصدر: تأسيس الشيعة ص 51 و لقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرّخين في ما قام به الإمام و تلميذه في تأسيس علم النحو.

(2) -ابن النديم: الفهرست ص 66 و للكلام صلة من أراد فليرجع إلى المصدر.

21

بسط النحو و مدّ أطنابه و سبب علله و فتق معانيه و أوضح الحجاج فيه، حتى بلغ أقصى حدوده، و انتهى إلى أبعد غايته... و سيوافيك أنّ الخليل من أصحاب الإمام الصادق و من شيعته.

ثمّ إنّ علماء الفريقين شاركوا في انضاج هذا العلم و إيصاله إلى القمة. و ليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أخرى، و لكن لما كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير العلوم و تتبّعها فانّا نذكر من ألف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط، و منهم:

1-عطاء بن أبي الأسود: قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن علي: و منهم ابن أبي الأسود الدؤلي.

و قال الحافظ السيوطي في الطبقات: عطاء، استاذ الأصمعي و أبو عبيدة (1) .

2-أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي: قال السيوطي: هو أوّل من وضع من الكوفيين كتابا في النحو و سمّاه الفيصل، و هو أستاذ الكسائي و الفرّاء (2) .

قال النجاشي: روى هو و أبوه عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه-عليهما السلام- و له: كتاب الوقف و الابتداء، و كتاب الهمز، و كتاب إعراب القرآن‏ (3) .

3-حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين: كان نحويا إماما فيه، عالما

____________

(1) -تأسيس الشيعة: ص 65.

(2) -المصدر نفسه: ص 67.

(3) -النجاشي: الرجال 2/200 برقم 884.

22

بالحديث و اللغة و القرآن، أخذ النحو و القراءة عن ابن أبي الأسود، و أخذ عنه الفرّاء، و كان قد أخذ الحديث عن الإمام السجاد و الباقر و الصادق. و آل أعين بيت كبير بالكوفة من أجلّ بيوت الشيعة، و لأبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال: كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة و كان عالما بالنحو و اللغة (1) .

4-أبو عثمان المازني، بكر بن محمّد: قال النجاشي: كان سيد أهل العلم بالنحو و العربية و اللغة، و مقدمته بذلك مشهورة، و كان من علماء الإمامية، قد تأدّب على يد إسماعيل بن ميثم‏ (2) ، له في الأدب: كتاب التصريف، كتاب ما يلحن فيه العامة، التعليق. مات سنة 248 ه (3) .

5-ابن السكيت، يعقوب بن إسحاق السكيت: كان مقدّما عند أبي جعفر (الجواد) و أبي الحسن (الهادي) -عليهما السلام-و كانا يختصّانه. و له عن أبي جعفر-عليه السلام-رواية و مسائل، و قتله المتوكّل لأجل تشيّعه عام 244 هـ، و أمره مشهور. و كان وجيها في علم العربية و اللغة، ثقة، مصدّقا، لا يطعن عليه. و له كتب: إصلاح المنطق، كتاب الألفاظ، كتاب ما اتّفق لفظه و اختلف معناه، كتاب الأضداد، كتاب المذكّر و المؤنث، كتاب المقصور و الممدود، و... (4) .

____________

(1) -أبو غالب: رسالة في آل أعين 2-3 بتلخيص.

(2) -و هو من أئمّة المتكلّمين في الشيعة.

(3) -النجاشي: الرجال 1/272 برقم 277 و ذكره ابن النديم في أخبار النحويين و اللغويين ص 90، و الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد ج 7 برقم 3529.

(4) -المصدر نفسه: 2/425 برقم 1215.

غ

23

و سبب قتله: إنّ المتوكّل سأله يوما و هو يعلّم ابنيه و قال: يا يعقوب أيّهما أحبّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن و الحسين؟فأجابه: «انّ قنبرا خادم علي خير منك و من ابنيك» فأمر المتوكّل، فسلّوا لسانه من قفاه فمات، و قد خلّف بضعة و عشرين أثرا في النحو و اللغة و الشعر (1) .

6-ابن حمدون، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون: قال فيه النجاشي: الكاتب النديم شيخ أهل اللغة و وجههم. أستاذ أبي العباس‏ (2) و كان خصيصا بسيدنا أبي محمّد العسكري و أبي الحسن قبله. له كتب. ثمّ ذكر كتبه‏ (3) .

7-أبو إسحاق النحوي، ثعلبة بن ميمون: قال عنه النجاشي: كان وجها في أصحابنا، قارئا، فقيها، نحويّا، لغويّا، راوية، و كان حسن العمل، كثير العبادة و الزهد، روى عن الصادق و الكاظم‏ (4) . و بما أنّ الإمام الكاظم توفّي عام مائة و ثلاث و ثمانين، فهو من أهل المائة الثانية.

8-قتيبة النحوي الجعفي، الكوفي: قال النجاشي: المؤدب، المقرئ، ثقة عين، روى عن الصادق-عليه السلام- (5) .

و ذكره السيوطي في بغية الوعاة، و وصفه في تأسيس الشيعة بأنّه إمام

____________

(1) -جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1/424 و ترجمه ابن خلّكان في وفياته، و ياقوت في طبقات الأدباء و غيرهم.

(2) -يريد ثعلب (200-291 هـ) .

(3) -النجاشي: الرجال 1/237 برقم 228.

(4) -المصدر نفسه: 1/294 برقم 300، و ذكره ابن حجر في لسان الميزان ج 2 برقم 332.

(5) -المصدر نفسه: 2/185 برقم 867.

24

أهل النحو و اللغة (1) .

9-إبراهيم بن أبي البلاد: قال النجاشي: كان ثقة، قارئا، أديبا، روى عن الصادق و الكاظم-عليهما السلام- (2) .

10-محمّد بن سلمة اليشكري: قال النجاشي: جليل من أصحابنا الكوفيين، عظيم القدر، فقيه، قارئ، لغوي: راوية، خرج إلى البادية و لقى العرب و أخذ عنهم. و أخذ عنه يعقوب بن السكيت. ثمّ ذكر كتبه‏ (3) ، و بما أنّه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية و أوائل الثالثة.

11-أبو عبد اللّه النحوي، الحسين بن أحمد بن خالويه: سكن حلب و مات بها، و كان عارفا بمذهبنا، مع علمه بعلوم العربية، و اللغة، و الشعر.

و له كتب، و من كتبه: مستحسن القراءات و الشواذ، كتاب في اللغة (4) .

و وصفه السيوطي في الطبقات: إنّه إمام اللغة و العربية، و غيرهما من العلوم الأدبية، دفن ببغداد سنة 314 هـ.

12-أبو القاسم التنوخي: قال الشيخ رشيد الدين ابن شهر آشوب:

انّه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت.

و قال ياقوت: كان في النحو و حفظ الأحكام و علم الهيئة العروض قدوة، و كان يحفظ من اللغة و النحو شيئا عظيما (5) .

____________

(1) -تأسيس الشيعة: ص 76.

(2) -النجاشي: الرجال 1/102 برقم 31.

(3) -المصدر نفسه: 2/218 برقم 897.

(4) -المصدر نفسه: 1/188 برقم 159.

(5) -تأسيس الشيعة 91.

25

ما ذكرناه نماذج من أئمّة اللغة من الشيعة الإمامية في القرون الأولى، و أمّا من وليهم من الأئمّة فحدّث عنهم و لا حرج، فإنّ ذكر أسماءهم و نبذ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد، و قد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال، فقد بلغ النهاية، و قد ذكر أئمّة النحو من الشيعة إلى القرن السابع‏ (1) فبلغ 140 إماما و أستاذا و مؤلّفا في الأدب العربي، و لا سيما النحو، و بينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى و الشريف الرضي و ابن الشجريّ الذي يقول في حقه السيوطي:

كان أوحد زمانه، و فرد أوانه في علم العربية و معرفة اللغة و أشعار العرب، توفّي عام 542 هـ.

و نجم الأئمّة الرضي الاسترآبادي، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة.

2-قدماء الشيعة و علم الصرف:

إنّ أوّل من دوّن الصرف أبو عثمان المازني، و كان قبل ذلك مندرجا في علم النحو، كما ذكره في كشف الظنون، و شرحه أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّي في 392 ه (2) .

و أبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الأئمّة محمّد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، و له شرح الشافية في الصرف، كما له شرح الكافية في النحو، و كلا كتابيه جليلا الخطر محمودا الأثر، قد جمع بين الدلائل و المباني.

____________

(1) -لاحظ تأسيس الشيعة 39-137.

(2) -كشف الظنون 1/249 مادة «كافية» .

26

قال في كشف الظنون: للكافية شروح أعظمها شرح الشيخ رضيّ الدين محمّد بن الحسن الطوسي الاسترآبادي النحوي. قال السيوطي: لم يؤلّف عليها، بل و لا في غالب كتب النحو مثله جمعا و تحقيقا، فتداوله الناس و اعتمدوا عليه، و له فيه أبحاث كثيرة و مذاهب ينفرد بها، فرغ من تأليفه سنة 683 هـ.

أقول: فرغ من شرح الكافية سنة 686 هـ في النجف الأشرف، كما هو مذكور في آخر الكتاب.

و لنكتف بهذا المقدار عن مساهمة الشيعة مع غيرهم في بناء الأدب العربي، و تجديد قواعده و ارسائها في مجالي النحو و الصرف، و فيما ذكرناه غنى و كفاية.

3-قدماء الشيعة و علم اللغة:

و نريد بعلم اللغة: الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث أصولها، و اشتقاقاتها و معانيها، و هو يعد بحق من العلوم الإنسانية التي ساهمت بشكل مباشر في إقامة صرح الحضارة الإسلامية، و قد ظهر في ميدان هذا العلم المهم جملة واسعة من علماء الشيعة، خلّفوا آثارا مهمة أصبحت زادا لطلاّب العلم و المعرفة، و من هؤلاء الأفاضل:

1-أبو عبد الرحمان الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الأزدي: سيد أهل الأدب، و هو أوّل من ضبط اللغة، و أوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود، فهو أسبق العرب إلى تدوين اللغة و ترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه «العين» الذي جمع فيه ما كان معروفا في أيّامه من‏

27

ألفاظ اللغة، و أحكامها، و قواعدها، و رتّب ذلك على حروف الهجاء، لكنّه رتّب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان، فالأسنان، فالشفتين، و بدأ بحرف العين و ختمها بحروف العلّة «واي» و سمّي الكتاب بأوّل لفظ من ألفاظه‏ (1) .

و كان الكتاب مخطوطا عزيز النسخة، لكنّه رأى النور أخيرا و طبع محقّقا.

و الخليل بن أحمد الذي لا يشك أحد في تشيّعه من أعلام القرن الثاني الهجري، قال المرزباني: أنّه ولد عام مائة من الهجرة و توفّي سنة 170 أو 175 هـ، و قال ابن قانع: إنّه توفّي سنة 160 ه (2) .

قد ألّف كتابا في الإمامة، أورده بتمامه محمّد بن جعفر المراغي في كتابه و استدرك عليه ما لم يذكره و أسماه «الخليلي» .

قال النجاشي: محمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني الوادعي المعروف بـ «المراغي» كان يتعاطى الكلام، له: كتاب مختار الأخبار، كتاب الخليلي في الإمامة، و كتاب ذكر المجاز من القرآن‏ (3) .

قال العلاّمة في الخلاصة: كان خليل بن أحمد أفضل الناس في الأدب و قوله حجّة فيه و اخترع علم العروض، و فضله أشهر من أن يذكر و كان إماميّ المذهب‏ (4) .

____________

(1) -آداب اللغة العربية 427-428.

(2) -المامقاني: تنقيح المقال 1/403 برقم 3739.

(3) -النجاشي: الرجال 2/318 برقم 318.

(4) -العلاّمة الحلّي: الخلاصة، القسم الأول 67.

28

و قال ابن داود: الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الأدب، فضله و زهده أشهر من أن يخفى، كان إمامّي المذهب‏ (1) .

2-أبان بن تغلب بن رباح الجريري: من أصحاب الباقر و الصادق، قال النجاشي: كان قارئا من وجوه القرّاء، فقيها، لغويا، سمع من العرب و حكى عنهم‏ (2) .

و قال ياقوت: ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنّفي الإمامية. و قال: هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، و قال: كان قارئا، فقيها، لغويّا، نبيها، ثبتا (3) .

3-ابن حمدون النديم: شيخ أهل اللغة و وجههم و أستاذ أبي العباس ثعلب‏ (4) .

4-أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي: الأديب اللغوي، صاحب الجمهرة في اللغة، مات هو و أبو هاشم الجبّائي في يوم واحد، فقال الناس: مات علم اللغة و الكلام. و ألّف كتاب «جمهرة اللغة» على منوال كتاب «العين» للخليل، و اختصره الصاحب بن عباد و سمّاه «جوهرة الجمهرة» (5) .

5-الصاحب بن عباد: عظيم الشأن، جليل القدر في العلم و الأدب،

____________

(1) -ابن داود الحلّي: الرجال، القسم الأول 88 برقم 574.

(2) -النجاشي: الرجال 1/73 برقم 6.

(3) -ياقوت: معجم الأدباء 1/107.

(4) -الطوسي: الفهرست 11/56. و قد تقدم ذكره في أساتذة النحو.

(5) -الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/195.

29

و ألّف الصدوق (306-381 هـ) كتاب عيون أخبار الرضا-عليه السلام- لأجله، و من كتبه في اللغة: «المحيط» عشر مجلدات، قد عرفت تلخيص «الجوهرة» ، و أمّا تشيّعه فحدّث عنه و لا حرج.

و كم له من قصائد في مدح أهل البيت نذكر منها:

ألم تعلموا أنّ الوصي هو الذي # آتى الزكاة و كان في المحراب

ألم تعلموا أنّ الوصي هو الذي # حكم الغدير له على الأصحاب‏ (1)

و هكذا فإنّنا نتوقّف عند هذا الحد من إيراد نماذج من كبار القدماء الذين شاركوا المسلمين في تأسيس العلوم العربية و تطويرها، و من أراد التفصيل فليطلبه من محالّه‏ (2) .

4-قدماء الشيعة و علم العروض:

كما أسلفنا سابقا من أنّ الشيعة بمفكّريها كانت هي المبتكرة لعلم النحو بتوجيه من الإمام-علي-عليه السلام-باب علم النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، فإنّهّا أيضا المبتكرة لعلم العروض و المؤسسة لبنيانه الشامخ، و إليك أسماء بعض

____________

(1) -الغدير 4/66 و له قصائد أخرى مذكورة فيه.

(2) -لاحظ تأسيس الشيعة للسيد الصدر فقد ترجم فيه 24 شخصا كلّهم من أقطاب علم اللغة، و للمناقشة في بعض ما ذكره و إن كان مجالا لكنّه لا يحط من عظم الجهد الذي بذله في طريق تأليفه.

30

روّاده و رجاله:

1-الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري: قال ابن خلّكان: هو الذي استنبط علم العروض و أخرجه إلى الوجود، و حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا (1) .

2-كافي الكفاة الصاحب بن عباد: الطائر الصيت، له كتاب الاقناع في العروض‏ (2) .

و قد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة الإمامية.

و من أبرز ما ألّف في العروض أخيرا أثران:

أحدهما: للسيد الشريف هبة الدين الشهرستاني (1301-1386 هـ) أسماه «رواشح الفيوض في علم العروض» و قد طبع في طهران 1324 هـ.

ثانيهما: منظومة رصينة قيّمة قلّما رأى الدهر مثلها للشيخ مصطفى التبريزي (1298-1338 هـ) شرحها العلاّمة أبو المجد الشيخ محمّد رضا الاصفهاني (1286-1362 هـ) و أسماها «اداء المفروض في شرح ارجوزة العروض» و إليك مستهلّها:

____________

(1) -وفيات الأعيان 2/244 برقم 220.

(2) -قال في كشف الظنون 1/140: الاقناع في العروض-لأبي القاسم إسماعيل عباد الوزير المعروف بالصاحب المتوفّي سنة (385 هـ) ، كشف الظنون 1/132.

31

الحمد للّه على اسباغ ما # أولى لنا من فضله و أنعما

و خصّنا منه بواف وافر # من بحر جوده المديد الزاخر

صلّى على نبيّنا المختار # ما عاقب الليل على النهار

و آله معادن الرسالة # بهم يداوي علل الجهالة

خذها ودع عنك رموز الزامرة # كعادة تجلى عليك بارزة

تجمع كل ظاهر و خاف # في علمي العروض و القوافي‏ (1)

5-قدماء الشيعة و طرائف الشعر:

لا نريد من الشعر في المقام الألفاظ المسبوكة، و الكلمات المنضّدة على أحد الأوزان الشعرية، و انّما نريد منه ما يحتوي على المضامين العالية في الحياة، و ما يبث روح الجهاد في الإنسان، أو الذي يشتمل على حجاج في الدين أو تبليغ للحق. و على مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الإنسانية، و هو مقياس ثقافة الأمّة و رقيّها، و له خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور و الأيّام.

فما نقرأه في الذكر الحكيم من التنديد بالشعراء من قوله تعالى:

وَ اَلشُّعَرََاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغََاوُونَ (2) ، إنّما يراد بذلك الشعراء المأجورون الذين يتاجرون بالشعر فيقلبون الحقائق، و يصنعون من الظالم مظلوما، و من المظلوم ظالما، و لأجل ذلك قال سبحانه: أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وََادٍ

____________

(1) -نحتفظ منها بنسخة بخط السيد الإمام الخميني-قدس سره-و فرغ من نسخها عام 1346 هـ.

(2) -الشعراء/224.

32

يَهِيمُونَ*`وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مََا لاََ يَفْعَلُونَ (1) .

و من هنا فإنّا نعني بحديثنا هنا أولئك الشعراء الذين أوقفوا أشعارهم في خدمة كلمة الحق و إعلاء شأن الدين الحنيف. و لقد ظهرت في سماء الشعر و في القرون الأولى للعهد الإسلامي من بين رجالات الشيعة طائفة من الشعراء حظوا برعاية أهل البيت-عليهم السلام-و تقديرهم.

و إليك أسماء بعض من شعراء الشيعة مع ذكر أبيات من شعرهم الخالد:

1-قيس بن سعد بن عبادة:

سيّد الخزرج، و الصحابي الجليل، كان زعيما مطاعا، كريما ممدوحا، و كان من شيعة علي-عليه السلام-و من أشد المتحمّسين له، بعثه أميرا على مصر سنة 36 هـ، و هو و أبوه و أهل بيته من الذين لم يبايعوا أبا بكر و قالوا: لا نبايع إلاّ عليّا (2) .

و من أشعاره التي أنشدها بين يدي أمير المؤمنين-عليه السلام-في صفّين:

قلت لما بغى العدو علينا # حسبنا ربّنا و نعم الوكيل

حسبنا الذي فتح البصـ # رة بالأمس و الحديث الطويل

و علي إمامنا و إمام # لسوانا أتى به التنزيل‏

____________

(1) -الشعراء/225-226.

(2) -الطبري: التاريخ 3/462.

غ

33

يوم قال النبيّ من كنت مو # لاه فهذا مولاه خطب جليل

إنّما قاله النبيّ على الأمّ # ة حتم ما فيه قال و قيل‏ (1)

2-الكميت بن زيد (60-126 هـ) :

شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، و من شعراء مضر.

كان معروفا بالتشيّع لبني هاشم، مشهورا بذلك، و قد حظى بتقدير أئمّة أهل البيت لاجهاره بالحق، و لجهاده في سبيله، و هاشمياته المقدّرة بـ 578 بيتا خلّدت ذكراه في التاريخ و هي مشتملة على ميمية و بائية و رائية و غيرها.

و إليك أبياتا من عينيّته:

و يوم الدوح دوح غدير خم # أبان له الولاية لو أطيعا

و لكن الرجال تبايعوها # فلم أر مثلها خطرا مبيعا

إلى أن قال:

أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا # و أقومهم لدى الحدثان ريعا

تناسوا حقّه و بعوا عليه # بلا ترة و كان لهم قريعا

فقل لبني أمية حيث حلّوا # و إن خفت المهنّد و القطيعا

و لقد طبع ديوان الكميت في غير مرّة و شرحه الأستاذ محمد شاكر الخياط و الأستاذ الرافعي‏ (2) .

____________

(1) -المفيد: الفصول المختارة 87، الكراجكي: كنز الفوائد 234، سبط ابن الجوزي:

تذكرة الخواص 20.

(2) -إقرأ حياة الكميت في الغدير 2/180-212.

34

3-السيد الحميري (المتوفّى 173 هـ) :

أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الملّقب بالسيد، الشاعر المعروف، و من المكثرين المجيدين، و من الثلاثة الذين عدّوا أكثر الناس شعرا في الجاهلية و الإسلام و هم: «السيّد» و «بشار» و «أبو العتاهية» ، و كان السيّد الحميري متفانيا في حبّ العترة الطاهرة فلم يكن يرى لمناوئيهم حرمة و قدرا، و كان يشدّد النكير عليهم في كلّ موقف و يهجوهم بألسنة حداد في كل حول و طول.

و من قصائده المعروفة عينيّته، و قد شرحها عدة من الأدباء و مستهلّها:

لأمّ عمرو باللوى مربع # طامسة أعلامها بلقع

تروع عنها الطير وحشيّة # و الوحش من خيفته تفزع‏ (1)

4-دعبل الخزاعي (المتوفّى 246 هـ) :

أبو علي دعبل بن علي الخزاعي، من بيت علم و فضل و أدب، يرجع نسبه إلى بديل بن ورقاء الخزاعي الذي دعا له النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم.

قال النجاشي: أبو علي الشاعر المشهور في أصحابنا، صنّف كتاب طبقات الشعراء، و من أراد التوغّل في حياته و سيرته فليقرأ النواحي الأربعة من حياته:

1-تهالكه في ولائه لأهل البيت-عليهم السلام-.

____________

(1) -إقرأ ترجمة السيد في الغدير 2/213-289.

35

2-نبوغه في الشعر و الأدب و التاريخ و تآليفه.

3-روايته للحديث و الرواة عنه و من يروي عنهم.

4-سيرته مع الخلفاء ثم ملحه و نوادره و ثمّ ولادته و وفاته‏ (1) .

و إليك نزرا من تائيته المعروفة:

تجاوبن بالأرنان و الزفرات # نوائح عجم اللفظ و النطقات‏

إلى أن قال:

هم نقضوا عهد الكتاب و # فرضه و محكمه بالزور و الشبهات

و لم تك إلاّ محنة قد كشفتهم # بدعوى ضلال من هن و هنّات

تراث بلا قربى و ملك بلا هوى # و حكم بلا شورى بغير هداة

5-الأمير أبو فراس الحمداني (320-357 هـ) :

أبو الفراس الحرث بن أبي العلاء، قال عنه الثعالبي: كان فرد دهره، و شمس عصره، أدبا و فضلا و كرما و نبلا و مجدا و بلاغة و براعة و فروسية و شجاعة، و شعره مشهور سائر بين الحسن و الجودة، و السهولة و الجزالة، و العذوبة و الفخامة، و الحلاوة و المتانة (2) .

و تبعه في اطرائه و الثناء عليه ابن عساكر.

____________

(1) -لاحظ حياته في الغدير 2/369-386.

(2) -يتيمة الدهر 270.

36

و من قصائده المعروفة ميميته التي مستهلّها:

الحق مهتضم و الدين مخترم # و في‏ء آل رسول اللّه مقتسم

و الناس عندك لا ناس فيحفظهم # سوم الرعاة و لا شاء و لا نعم‏

إلى أن قال:

يا للرجال أما للّه منتصر # من الطغاة أما للّه منتقم

بنو علي رعايا في ديارهم # و الأمر تملكه النسوان و الخدم‏

إلى أن قال:

ابلغ لديك بني العباس مالكة # لا يدّعوا ملكها ملاكها العجم

أيّ المفاخر أمست في منازلكم # و غيركم آمر فيها و محتكم

أنّى يزيدكم في مفخر علم # و في الخلاف عليكم يخفق العلم

يا باعة الخمر كفّوا عن مفاخركم # لمعشر بيعهم يوم الهياج دم‏ (1)

و يطيب لي في هذا المقام أن أشير إلى أسماء بعض من أنجبتهم مدرسة أهل البيت-عليهم السلام-في حلبة الشعر و الأدب في القرن الرابع و الخامس، من أناس معدودين في القمّة، يمكن للقارئ الكريم أن يجد الشي‏ء الكثير عن حياتهم في دواوينهم، أو في كتب الأدب المختلفة.

____________

(1) -الغدير: 3/399-401.

37

1-ابن الحجاج البغدادي (المتوفّى 321 هـ) صاحب القصيدة المعروفة:

يا صاحب القبّة البيضاء في النجف # من زار قبرك و استشفى لديك شفى‏

2-الشريف الرضي (359-406 هـ) الغني عن كل تعريف و بيان.

3-الشريف المرتضى (355-436 هـ) و هو كأخيه أشهر من أن يعرّف.

4-مهيار الديلمي (المتوفّى 448 هـ) الذي يعد في الرعيل الأوّل من شعراء القرن الرابع و له غديريات كثيرة منها:

هل بعد مفترق الأظغان مجتمع # أم هل زمان بهم قد فات يرتجع‏

هذا عرض موجز لبعض الشعراء البارزين من الشيعة، و فيه كفاية لمن أراد الإجمال، و أمّا من أراد التوسّع فليرجع إلى الكتب التالية:

1-الأدب في ظلّ التشيّع: للشيخ عبد اللّه نعمة.

2-تأسيس الشيعة: للسيّد حسن الصدر، الفصل السادس.

3-الغدير: للعلاّمة الأميني بأجزائه الأحد عشر.

38

6-قدماء الشيعة و علم التفسير:

إنّ القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة و الشريعة، و هو المعجزة الخالدة للنبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، و قد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الإلهي على وجه لا تجد له مثيلا بين أصحاب الشرائع السابقة، حتى أسّسوا لفهم كتابهم علوما قد بقي في ظلّها القرآن مفهوما للأجيال، كما قاموا بتفسيره و تبيين مقاصده بصور شتى، لا يسع المقام لذكرها. فأدّوا واجبهم تجاه كتاب اللّه العزيز-شكر اللّه مساعيهم-من غير فرق بين الشيعة و السنّة.

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسيرا على أصعدة مختلفة، و خدمت الذكر الحكيم بصور شتّى، فأتى بوجه موجز، لما ألّف في القرون الإسلامية الأولى.

إنّ أئمّة أهل البيت-بعد الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم-هم المفسّرون الحقيقيون للقرآن الكريم، حيث فسّروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم بأقوالهم و أفعالهم و تقريراتهم التي لا تشدّ عن قول الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و فعله و حجته، و من الظلم الفادح أن نذكر الصحابة و التابعين في عداد المفسّرين و لا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت و هم عديله باتفاق الجميع.

و هذا ما فعله في كتابه محمّد حسين الذهبي، جعل عليّا-و هو الوصي و باب علم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم-في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه، و جعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الأولى‏ (1) !!، و لم يذكر عن بقية الأئمّة شيئا

____________

(1) -الذهبي: التفسير و المفسّرون 1/89-90.

39

مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة.

أقول: ما أن ارتحل النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم حتى عكف المسلمون على دراسة القرآن و تدبره، بيد أنّهم وجدوا أنّ لفيفا من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن. و القرآن و إن نزل بلغة الحجاز إلاّ أنّه يحوي ألفاظا غير رائجة فيها و ربّما كانت رائجة بين القبائل الأخرى، و هذا النوع من الألفاظ ما سمّوه بـ «غريب القرآن» و قد سأل ابن الأزرق-رأس الخوارج-ابن عباس عن شي‏ء كثير من غريب القرآن و أجاب عنه مستشهدا بشعر العرب الأقحاح، و قد جمعها السيوطي في اتقانه‏ (1) .

و بما أنّ تفسير غريب القرآن كان الخطوة الأولى لتفسيره، فقد ألّف أصحابنا في أبان التدوين كتبا في ذلك المضمار، نذكر قليلا من كثير.

1-غريب القرآن، لأبان بن تغلب بن رباح البكري (المتوفّى عام 141 هـ) (2) .

2-غريب القرآن، لمحمّد بن السائب الكلبي، من أصحاب الإمام الصادق-عليه السلام- (3) .

3-غريب القرآن، لأبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي، قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت‏ (4) .

4-غريب القرآن، لعبد الرحمان بن محمّد الأزدي الكوفي، جمع فيه ما

____________

(1) -السيوطي: الاتقان 4/55-88.

(2) -النجاشي: الرجال 1/73 برقم 6.

(3) -المصدر نفسه: 1/78 برقم 6.

(4) -ابن النديم: الفهرست 57، النجاشي: الرجال 1/78.

40

ورد في الكتب الثلاثة المتقدّمة (1) .

5-غريب القرآن، للشيخ ابن جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي (المتوفّى عام 313 هـ) (2) .

و قد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية، فبلغ العشرات، و كان أخيرها-لا آخرها-ما ألّفه السيد محمّد مهدي الخرسان في جزئين‏ (3) .

مجازات القرآن:

إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن و ألفاظه، فإنّ في الجانب الآخر منه لون آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده و معانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز و الكناية و الاستعارة. إليك أخي القارئ الكريم نماذج قليلة ممّا ألّف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة:

1-مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفرّاء يحيى بن زياد الكوفي المتوفّى عام 207 هـ، و قد طبع أخيرا في جزئين‏ (4) .

2-مجاز القرآن، لمحمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني. قال النجاشي: له كتاب «ذكر المجاز من القرآن» (5) .

____________

(1) -النجاشي: الرجال 1/78.

(2) -ابن النديم: الفهرست 58.

(3) -الطهراني آغا بزرك: الذريعة 16/50 برقم 208.

(4) -المصدر نفسه: 19/351 برقم 1567.

(5) -النجاشي: الرجال 2/319 برقم 1054.

41

3-مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بتلخيص البيان في مجازات القرآن، و هو أحسن ما ألّف في هذا الباب و هو مطبوع.

التفسير بصور متنوّعة:

و هناك لون آخر من التفسير، يعمد فيه المفسّر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصّة كالمحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و آيات الأحكام، و قصص الأنبياء، و أمثال القرآن، و أقسامه، و الآيات الواردة في مغازي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، و النازلة في حق العترة الطاهرة-عليهم السلام-إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعم جميع آيات القرآن، بل تختص بموضوع واحد.

و كان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب الحيوي و المهم، و رفدوا المكتبة الإسلامية بهذه الأنواع من التفاسير، و من أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم، و أخص بالذكر:

الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

الشيعة و التفسير الموضوعي:

إنّ نزول القرآن نجوما، و توزّع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور متعدّدة، يطلب لنفسه نمطا آخر، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي، فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة، و آية بعد آية، و أمّا النمط الأوّل فيحاول فيه المفسّر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص، في مجال البحث، و تفسير الجميع جملة واحدة و في محل واحد.

فيستمدّ المفسّر من المعاجم المؤلّفة حول القرآن، و من غيرها، في‏

42

الوقوف على الآيات الواردة في جانب معيّن، مثلا في خلق السماء و الأرض، أو الإنسان، أو أفعاله و حياته الأخروية، فيفسّر المجموع مرّة واحدة، و يرفع إبهام آية بآية أخرى، و يخرج بنتيجة واحدة، و هذا النوع من التفسير و إن لم يهتم به القدماء و اكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الأحكام، و الناسخ و المنسوخ، إلاّ أنّ المتأخّرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه، و لعلّ العلاّمة المجلسي (1037-1110 هـ) كان أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه في موسوعته الموسومة بـ «بحار الأنوار» ، حيث أورد في أوّل كل باب من أبواب كتابه المتخصصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب، ثمّ لجأ إلى تفسيرها إجمالا، ثمّ أورد ما جمعه من الأحاديث التي لها صلة بالباب.

و قد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد و المعارف و خرج منه حتى الآن سبعة أجزاء و انتشر باسم «مفاهيم القرآن» نسأل اللّه تعالى التوفيق لإتمامه.

الشيعة و التفسير الترتيبي:

قد تعرّفت على أنّ المنهج الراسخ بين القدماء و أكثر المتأخّرين هو التفسير الترتيبي، و قد قام فضلاء الشيعة من صحابة الإمام علي و التابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير، إمّا بتفسير جميع سوره، أو بعضها، و الغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الأولى، هو التفسير بالأثر، و لكن انقلب النمط إلى التفسير العلمي و التحليلي من أواخر القرن الرابع. فأوّل من ألّف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي‏

43

(359-406 هـ) مؤلّف كتاب «حقائق التأويل» في عشرين جزءا (1) ، ثمّ جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بالدرر و الغرر. ثمّ توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الأكبر الطوسي (385-460 هـ) مؤلّف «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء كبار، إلى عصرنا هذا.

فقد قامت الشيعة في كل قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوّعة، و لغات متعدّدة. لا يحصيها إلاّ المتوغّل في المعاجم و بطون المكتبات.

و لقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسّرين من الشيعة و أعلامهم في 14 قرنا، و فصلنا كل قرن عن القرن الآخر، و اكتفينا بالمعروفين منهم، لأنّ ذكر غيرهم عسير و محوج إلى تأليف حافل. فبلغ عددهم 122 مفسّرا. و من أراد الالمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدمة التي قدّمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي، و لأجل ذلك نطوي الكلام في المقام.

7-قدماء الشيعة و علم الحديث:

إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الإسلامية بجميع مجالاتها، و لم يكن شي‏ء أوجب بعد كتابة القرآن و تدوينه و صيانته من نقص أو زيادة، من كتابة حديث الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و تدوينه و صيانته من الدس و الدجل، و قد أمر به الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم غير مرّة، فقد روى الإمام أحمد عن عمر بن

____________

(1) -و للأسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلاّ الجزء الخامس و هو يكشف عن عظمة هذا السفر و يدل على جلالة المؤلّف.

غ

44

شعيب عن أبيه عن جدّه أنّه قال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟قال: «نعم» . قلت: في الرضا و السخط؟قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «نعم، فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّ حقّا» (1) .

إنّ اللّه سبحانه أمر بكتابة الدّين حفظا له، و احتياطا عليه، و اشفاقا من دخول الريب فيه، فالعلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدّين أحرى بأن يكتب و يحفظ من دخول الريب و الشك فيه‏ (2) .

فإذا كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم لا ينطق عن الهوى و إنّما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه‏ (3) فيجب حفظ أقواله و أفعاله أسوة بكتاب اللّه المجيد، حتى لا يبقى المسلم في حيرة من أمره، و يستغني عن المقاييس الظنّية و الاستنباطات الذوقية.

و بالرغم من وضوح الأمر و أهمتيه القصوى إلاّ أنّ الخلافة الإسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك، بل و حاسبت عليه حتى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قال لأبي ذر و عبد اللّه بن مسعود و أبي الدرداء: «ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟» (4) .

و لقد أضحى عمل الخليفة سنّة فاتّبعه عثمان و مشى على خطاه

____________

(1) -مسند أحمد 2/207.

(2) -الخطيب البغدادي: تقييد العلم 70.

(3) -اقتباس عن قوله سبحانه: مََا ضَلَّ صََاحِبُكُمْ وَ مََا غَوى‏ََ*`وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ النجم/2-4.

(4) -كنز العمال 10/293 برقم 29479. و فيه: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّه في الافاق.

45

معاوية، فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، و عدّت الكتابة شيئا منكرا مخالفا لها.

إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و كتابته و تدوينه، و فسح المجال في نفس الوقت للرهبان و الأحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح و باطل، و لقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقص‏ (1) .

و لما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة، أدرك ضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، أن يقوم بتدوين الحديث قائلا: إنّ العلم لا يهلك حتى يكون سرّا (2) .

و مع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة، لأنّ رواسب الحظر السابق المؤكد من قبل الخلفاء حالت دون أمنيته، إلى أن زالت دولة الأمويين و جاءت دولة العباسيين، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة 143 هـ، و أنت تعلم أخي القارئ الكريم انّ الخسارة التي لحقت بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنّة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيّف، و بعد موت الصحابة و كثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي و سمعوا منه الحديث، و لم يحدثوا ما سمعوه إلاّ سرّا و من ظهر القلب إلى مثله.

أضف إلى ذلك أنّ الأحبار و الرهبان و المأجورين للبلاط الأموي نشروا كلّ كذب و افتراء بين المسلمين.

____________

(1) -كنز العمال 10/281.

(2) -صحيح البخاري 1/27.

46

اهتمام الشيعة بتدوين الحديث:

قام الإمام أمير المؤمنين علي-عليه السلام-بتأليف عدّة كتب في زمان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، فقد أملى رسول اللّه كثيرا من الأحكام عليه و كتبها الإمام و اشتهر بكتاب علي، و قد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث» (1) و باب «أثم من تبّرأ من مواليه» (2) و تبعه-عليه السلام-ثلّة من الصحابة الذين كانوا شيعة له، و إليك أسماء من اهتمّ بتدوين الآثار و ما له صلة بالدين، و إن لم يكن حديث الرسول.

1-قام أبو رافع صحابي الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم بتدوين كتاب السنن و الأحكام و القضايا (3) .

2-و قام الصحابي الكبير سلمان الفارسي: المتوفّى سنة 34 هـ بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم.

قال الشيخ الطوسي: روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (4) .

3-و ألّف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفّى سنة 32 هـ كتاب الخطبة التي يشرح فيها الأمور بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (5) .

____________

(1) -صحيح البخاري 1/27 كتاب العلم.

(2) -المصدر نفسه: 8 كتاب الفرائض الباب 20 ص 154.

(3) -النجاشي: الرجال 1/64 برقم 1.

(4) -الطوسي: الفهرست 8.

(5) -المصدر نفسه: 54.

47

هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة، و أمّا الشيعة من غير الصحابة أعني التابعين و تابعي التابعين منهم، فقد قام لفيف منهم بتدوين السنّة إلى عصر الغيبة الكبرى، و قد تكفّلت بذكرهم و ذكر تآليفهم معاجم الرجال قديما و حديثا، و إليك عرضا موجزا من محدّثي الشيعة و مؤلّفيهم في القرن الأوّل و بداية القرن الثاني.

الطبقة الأولى:

1-الأصبغ بن نباتة المجاشعي، كان من خاصة أمير المؤمنين -عليه السلام-روى عنه-عليه السلام-عهد الأشتر، و وصيته إلى ابنه محمّد (1) .

2-عبيد اللّه بن أبي رافع، المدني، مولى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، كان كاتب أمير المؤمنين-عليه السلام-له كتاب قضايا أمير المؤمنين-عليه السلام-و تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل و صفّين و النهروان‏ (2) .

3-ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم عن أمير المؤمنين -عليه السلام- (3) .

4-سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب مطبوع باسم: سليم ابن قيس.

5-علي بن أبي رافع، قال النجاشي عنه: تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أمير المؤمنين-عليه السلام-، و كان كاتبا له و حفظ كثيرا،

____________

(1) -النجاشي: الرجال 1/70 برقم 4.

(2) -الطوسي: الفهرست 107.

(3) -النجاشي: الرجال 1/67 برقم 2.

48

و جمع كتابا في فنون من الفقه: الوضوء، و الصلاة، و سائر الأبواب‏ (1) .

6-عبيد اللّه بن الحر الجعفي، الفارس، الفاتك، الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين-عليه السلام- (2) .

7-زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين-عليه السلام- على المنابر في الجمع و الأعياد و غيرها (3) .

الطبقة الثانية:

1-الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين-عليهما السلام-، له الصحيفة الكاملة، المشتهرة بزبور آل محمّد-عليهم السلام-.

2-جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّه، المتوفّى سنة 128 هـ، له كتب‏ (4) .

3-لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة، له كتب كثيرة، أوردها الشيخ في رجاله و عدّه في أصحاب الحسن و الصادق -عليهما السلام- (5) .

4-جارود بن منذر، الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الحسن و الباقر و الصادق-عليهم السلام-، له كتب‏ (6) .

____________

(1) -النجاشي: الرجال 1/65 برقم 1.

____________

(2) -المصدر نفسه: 1/71 برقم 5.

(3) -الطوسي: الفهرست 72.

(4) -النجاشي: الرجال 1/313 برقم 330.

(5) -الطوسي: الرجال 279 من أصحاب الصادق-عليه السلام-و لا حظ تعليقة المحقّق.

(6) -المصدر نفسه: 112 في أصحاب الباقر-عليه السلام-.

49

الطبقة الثالثة:

و هم من أصحاب السجاد و الباقر-عليهما السلام-:

1-برد الاسكاف، من أصحاب السجاد و الصادقين-عليهم السلام-، له كتاب‏ (1) .

2-ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي الأزدي، الثقة، المتوفّى سنة 150 هـ، روى عنهم-عليهم السلام-، له كتاب، و له النوادر و الزهد، و له تفسير القرآن‏ (2) .

3-ثابت بن هرمز، الفارسي، أبو المقدم العجلي، مولاهم الكوفي، روى نسخة عن علي بن الحسين-عليهم السلام- (3) .

4-بسّام بن عبد اللّه، الصيرفي، مولى بني أسد، أبو عبد اللّه، روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه-عليهما السلام-، له كتاب‏ (4) .

5-محمّد بن قيس البجلي، له كتاب قضايا أمير المؤمنين -عليه السلام- (5) .

6-حجر بن زائدة الحضرمي، روى عن الباقر و الصادق-عليهما السلام-، له كتاب‏ (6) .

____________

(1) -النجاشي: الرجال 1/284 برقم 289.

(2) -المصدر نفسه: 1/289 برقم 294.

(3) -المصدر نفسه: 1/292 برقم 296.

(4) -المصدر نفسه: 1/282 برقم 286.

(5) -الطوسي: الفهرست 131.

(6) -النجاشي: الرجال 1/347 برقم 382.

50

7-زكريا بن عبد اللّه الفياض، له كتاب‏ (1) .

8-ثوير بن أبي فاختة «أبو جهم الكوفي» ، و اسم أبي فاختة: سعيد ابن علاقة (2) .

9-الحسين بن ثور بن أبي فاختة، سعيد بن حمران، له كتاب نوادر (3) .

10-عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري، المتوفّى سنة 147 هـ، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب السجّاد و الصادقين-عليهم السلام-، له كتاب‏ (4) .

و لقد خصّص أبو عمرو الكشي بابا للمحدّثين المتقدّمين من الشيعة و جعله في صدر رجاله، و تبعه النجاشي في رجاله فخصّ الطبقة الأولى بباب، ثمّ أورد أسماء الرواة على حسب الحروف الهجائية.

و لقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرّف على طبقات الشيعة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى عصره، فذكر الأئمّة الإثنى عشر، و ذكر أصحاب كل إمام وفق الترتيب الزمني، ثمّ ذكر بابا آخر باسم من لم يرهم و لكن روى عنهم بالواسطة.

و أحسن كتاب الّف في هذا المجال هو ما ألّفه أستاذنا الجليل السيد النحرير المحقّق البروجردي-رحمه اللّه-الذي أخرج رجال الشيعة في 34 طبقة، من عصر الصحابة إلى زمانه (1292-1380 هـ) فهذا الكتاب

____________

(1) -النجاشي: الرجال 1/391 برقم 452.

(2) -المصدر نفسه: 1/295 برقم 301.

(3) -المصدر نفسه: 1/166 برقم 124.

(4) -المصدر نفسه: 2/168 برقم 653.

51

يكشف عن سبق الشيعة في نظم الحديث و تدوينه، و أنّهم لم يقيموا لمنع الخلفاء وزنا و لا قيمة. و بذلك حفظوا نصوص النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و أهل بيته و قدموها إلى المجتمع الإسلامي، فعلى جميع علماء المسلمين أن يتمسّكوا بهذا الحبل الذي هو أحد الثقلين.

هذ عرض موجز لمحدّثي الشيعة من عصر الإمام أمير المؤمنين علي -عليه السلام-إلى عصر السجّاد و الباقر-عليهما السلام-و أمّا الطبقات الأخرى فيأتي الكلام في فصل قدماء الشيعة و الفقه لأنّهم تجاوزوا عن التحديث إلى درجة الاجتهاد.

8-قدماء الشيعة و الفقه الإسلامي:

إنّ الفقه الشيعي هو الشجرة الطيّبة الراسخة الجذور، المتّصلة الأسس بالنبوّة، و التي امتازت بالسعة، و الشمولية، و العمق، و الدقّة، و القدرة على مسايرة العصور المختلفة، و المستجدّات المتلاحقة من دون أن تتخطّى الحدود المرسومة في الكتاب و السنّة.

إنّ الفقه الإمامي يعتمد في الدرجة الأولى على القرآن الكريم، ثمّ على السنّة المحمدية المنقولة عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عن طريق العترة الطاهرة -عليهم السلام-أو الثقات من أصحابهم و التابعين لهم باحسان.

و كما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب و السنّة، فإنّه كذلك يتّخذ من العقل مصدرا في المجال الذي له الحق في ابداء الرأي، كأبواب الملازمات العقلية، أو قبح التكليف بلا بيان، أو لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني.

52

و لا يكتفي بذلك، بل يستفيد من الاجماع الكاشف عن وجود النص في المسألة أو موافقة الإمام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور.

إنّ الشيعة الإمامية قدّمت في ظلّ هذه الأسس الأربعة فقها يتناسب مع المستجدّات، جامعا لما تحتاج إليه الأمّة، و لم يقفل باب الاجتهاد، منذ رحلة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى يومنا هذا، بل فتح بابه طيلة القرون، فأنتج عبر العصور فقهاء عظاما، و موسوعات كبيرة، لم يشهد التاريخ لها و لهم مثيلا، و إليك عرضا موجزا لمشاهير فقهائهم مع الايعاز إلى بعض كتبهم في القرن الثاني و الثالث:

فقهاء الشيعة في القرن الثاني:

تخرّجت من مدرسة أهل البيت و على أيدي أئمة الهدى-عليهم السلام- عدّة من الفقهاء العظام لا يستهان بعددهم، فبلغوا الذروة في الاجتهاد، كزرارة بن أعين، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية، و الفضيل بن يسار و كلّهم من أفاضل خريجي مدرسة أبي جعفر الباقر و ولده الصادق-عليهما السلام- فأجمعت الطائفة على تصديق هؤلاء، و انقادت لهم في الفقه و الفقاهة.

و يليهم في الفضل لفيف آخر، هم أحداث خريجي مدرسة أبي عبد اللّه الصادق-عليه السلام-، أمثال: جميل بن دراج، و عبد اللّه بن مسكان، و عبد اللّه بن بكير، و حمّاد بن عثمان، و حمّاد بن عيسى، و أبان بن عثمان.

و هناك ثلة أخرى يعدّون من تلاميذ مدرسة الإمام موسى الكاظم و ابنه أبي الحسن الرضا-عليهما السلام-منهم: يونس بن عبد الرحمن، و محمّد بن أبي عمير، و عبد اللّه بن المغيرة، و الحسن بن محبوب، و الحسين بن علي بن‏