الشيعة في مسارهم التاريخي

- السيد محسن الأمين المزيد...
742 /
5

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم‏

هذا الكتاب هو الجزء الأوّل من موسوعة «أعيان الشّيعة» للعلاّمة السّيّد محسن الأمين.

و السّيّد الأمين، كما هو معروف، علاّمة مجتهد، و مفكّر مصلح، و مؤرّخ محقّق، و باحث متضلّع، و علم من أعلام النهضة العربيّة الإسلاميّة، و شاعر مجيد...

و قد أغنى المكتبة العربيّة الإسلاميّة بالعديد من المؤلّفات القيّمة... ، و منها موسوعة «أعيان الشّيعة» ، و هي موسوعة ضخمة تتضمّن تراجم وافية لأعلام المسلمين الشّيعة، من علماء و أدباء و شعراء و كتّاب، في مختلف مجالات الثّقافة العربيّة-الإسلاميّة.

و ليس من شكّ في أن أيّ قارئ منصف يخلص، لدى اطّلاعه عليها، إلى أنّها تمثّل تاريخا شاملا و عميقا للثّقافة العربيّة-الإسلاميّة، منذ نشوئها و إلى أيّام تأليف الموسوعة و طباعتها.

و قد انبرى نجله المؤرّخ الأديب السيد حسن الأمين إلى مواصلة هذا العمل العظيم، فأعاد، من نحو أوّل، إصدارها محقّقة في حلّة أنيقة، و عمل من نحو ثان على متابعة العمل و إكماله في مستدركات لا تزال تصدر تباعا.

يعدّ هذا الجزء الذي نقدّمه إليك، عزيزي القارئ، و المتضمّن اثنى عشر بحثا، مقدّمة وافية للموسوعة؛ إذ إنه يبحث في معنى لفظ الشّيعة و تطوّره تاريخيا، و في مبدأ ظهور الشّيعة إلى زمن انتشارهم، و يشير إلى بعض ما وقع لأهل البيت عليهم السّلام من الظّلم و الاضطهاد، و يناقش ما رمي به الشيعة من افتراءات قديما و حديثا، و يدحضها، و يقدّم خلاصة لعقيدة الشّيعة الجعفريّة، الاثني عشريّة، و يبيّن فضائل أهل البيت و شيعتهم و دورهم في خدمة الدين الإسلامي. ثم‏

6

يبحث في أسباب انتشار التّشيّع، و بخاصة في بلاد الشّام، و يشير إلى علماء الشّيعة و أدبائهم و مصنّفيهم و إلى البلدان التي يوجد الشّيعة فيها...

و تقديرا من مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة لهذا المؤلّف القيّم ارتأى إعادة نشره في تحقيق جديد، و في حلّة جديدة، مقتنعا بأن في نشره فائدة جلّى للمسلمين جميعهم، فعسى أن نكون قد وفّقنا، و اللّه سبحانه و تعالى وليّ التوفيق.

7

العلامة السيد محسن الأمين و الموسوعة الخالدة «أعيان الشيعة»

بقلم د. إبراهيم بيضون‏

1-تمهيد

هو العاملي المفعم بتراث الجبل الأشّم، ولد في «البقعة المباركة» (1) ، و أقام في جراحها شاعرا متمردا، و انطلق عالما متميزا إلى فضاء العروبة، و على طريق الصحابة الأطهار حمل الإسلام في نبضاته، ثورة و رسالة إصلاح و سلام.

فتصدى للجهل و قاوم الظلم و حارب الانقسام، حتى غدا من أولئك الرموز أمثال الأفغاني و عبده و الكواكبي و الآخرين من نخب النهضة في شرقنا العربي الإسلامي.

هو ابن البيئة الصّعبة نموذجا و شخصية متّصلة بالجذور، البيئة التي قهرت الجور بالتّحدي، و انتصرت على الفقر بالعلم، و ما انفكت تعيد إنتاج تاريخها على هذه الصّورة.. فلا مهادنة لعدو، و لا عذر لمتخاذل، و لا غفران لانحراف. السياسة لها حدود كالدّين، و ليست المقاومة إلا من «أركانه» ، و القعود عنها خروج على الأصول. هذه البيئة، و فتيانها اليوم ينشرون دماءهم كالعبق على ترابها، ليست حديثة عهد بالتقاليد، و لكن هذه عميقة فيها راسخة. و التاريخ لا يعيد نفسه، و لكنه يستعاد عندما تهجر السيوف أغمادها، و يتناوب المجاهدون على الحرب و الصلاة... هكذا جبل عامل في تاريخه و تراثه، علماء و شعراء و فقراء، و قبل ذلك مقاومون يتّشحون العواصف و يختلجون في الدوي، و يخطّون الطريق كالنهر.

من هنا تبدأ قراءة السّيّد الكبير، الذاهب حتى الجذور في الجبل العاملي، المتشبّث بترابه، المضطرب بمعاناته، و ليس أخيرا الباحث في «تاريخه» و «خططه» . و لا ينفك المكان يسطع بالنجوم و تعمر فيه بيوت العلم، على الرغم

____________

(1) انظر الآية 30 من سورة القصص.

8

من قساوة الزمن و عظم التحديات. و فرادته أن الفقر المنتشر على المساحة الكبيرة، لم يعق حركة التقدم أو يحبط النفوس المتوثبة و الرائية دائما إلى الشمس. و الدّين هنا ينتج الثّقافة و الثّورة، و ليس مجرّد طقوس و أدعية و ابتهالات.

لقد انتفض جبل عامل مبكرا على السّلطة الظالمة و دعوات منظّريها الناس إلى الخضوع و الركون للأمر الواقع. و منذ القديم كان للإسلام مفهوم آخر لدى علمائه، فلا فصل بين سيف و قلم، فإن تعثّر الأول كان الثاني هو السّلاح، ذلك الذي امتشقه العامليّون في معركة التّحدي أبناء عن آباء عن أجداد. كان العلم إذا وسيلتهم إلى قهر الظروف القاسية و مواجهة الظلم و تحقيق الذات في الحرية و العدالة و الارتقاء. و هذا ما عبّر عنه قبل نيف و ستة قرون، الشهيد الأول (محمد بن مكي) مؤسس النهضة العلمية و الأدبية في جبل عامل حين قال:

شغلنا بكسب العلم عن طلب الغنى # كما شغلوا عن مطلب العلم بالوفر

فصار لهم حظ من الجهل و الغنى # و صار لنا حظ من العلم و الفقر (1)

لم يقف الفقر حاجزا أمام التّقدّم، بل كان الحافز إلى العلم، بوصفه سبيلا للخروج من الواقع الصعب. و البيوت الخالدة هي التي عمرت بالعلماء و استمرت مضيئة على مدى الأزمنة، فيما اندثرت تلك التي تأسست على الجهل و سلطة المال. و في هذا المعنى يقول الشاعر العاملي موسى الزين شرارة:

رب بيت خلّد المرء # و آلاف البيوت

لم تعش غير قليل # كبيوت العنكبوت‏

من سلالة هذا الحبر النقي، و من معدن العلم المشبع بالقضيّة و المختلج بالمعاناة، كان أحد البيوت الشامخة التي تحدّر منها السيد محسن الأمين، و تعملق علما من رموز النهضة في المشرق العربي.

2-الولادة و النشأة

ثمة محطات ثلاث أساسية في تاريخ السيد الأمين: الأولى في جبل عامل،

____________

(1) حسن الأمين، عصر حمد المحمود و الحياة الشعرية في جبل عامل، ص 14.

9

حيث الولادة و النشأة حتى منتصف العقد الثالث من حياته، و الثانية في العراق طالب علم و فقيها متنوّرا، و الثّالثة في دمشق، و هي مرحلة الاكتمال في مشروعه الإصلاحي و الدور العربي الإسلامي البارز.

في شقراء، كانت الولادة في العام 1284 للهجرة، و هي قرية قديمة تعود إلى أيام «الصليبيين و الرومانيين» (1) ، كما ورد في كتابه «خطط جبل عامل» . و لعل المقصود هنا الرومان أو الروم (البيزنطيون) ، و كلاهما كان سابقا على العهد الصليبي بوقت طويل. «و فيها-و الكلام هنا له-آبار كثيرة واسعة، و لها بركة كبيرة شرقيها، يجتمع فيها ماء المطر في الشتاء فيبقى إلى الشتاء الثاني تسقى منه المواشي و يستغلّه أهل القرية في حوائجهم» (2) . فهي شأن القرى العاملية تعتمد على تجمّع الماء في البرك و الآبار، مما يتواءم و نمط الإنتاج فيها، أي الاقتصاد الزراعي، حيث «كانت عامرة جدا بالزيتون و البطم و الكروم» على حد قوله‏ (3) . إلى ذلك، فإن العلم من تقاليدها، إذ عرفت العديد من الأفذاذ فيه، لا سيما الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن بشارة العاملي، و هو من تلاميذ الشهيد الأول الذي وصفه بـ «الشيخ الأجلّ العالم العامل الفاضل الفقيه الكامل الزاهد العابد... » (4) .

كان ذلك قبل مجي‏ء الأسرة (الأمين) من الحلّة إلى العراق، و سكناها القرية في أواخر القرن الحادي عشر للهجرة على ما يرجّحه السيد في «خططه» (5) . و هي تتصل نسبا بالحسين بن علي بن أبي طالب، و قد حملت حينذاك اسم «قشاقش» الذي بقي مجهولا أساسه لديه، و لكنه يفترض أن الكلمة تصحيف للأقساسيين، و هم طائفة كبيرة أقامت بالقرب من الكوفة و انتسبت إلى الإمام الحسين كما جاء في سيرته‏ (6) .

____________

(1) خطط جبل عامل، ص 243.

(2) المرجع نفسه، ص 244.

(3) المكان نفسه.

(4) المكان نفسه.

(5) المكان نفسه.

(6) الإمام السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه و أقلام آخرين، ص 22.

10

أما الأمين فهي صفة اشتهر بها والد جدّه‏ (1) و عرفت بها ذرّيته منذ القرن التاسع عشر الميلادي. على أن الإسم الأول ظلّ متداولا بصورة ما حتى الخمسينات من القرن العشرين، و أذكر حين توفي السيد-و كنت في نحو العاشرة-إنني سمعت والدي يعلن علينا بوجوم وفاة السيد محسن «قشاقش» .

و يروي السّيّد عن الشّيخ علي سبيتي، صاحب كتاب «الجوهر المجرد في شرح قصيدة علي بك الأسعد» ، أن السيد «أبو الحسن ابن السيد حيدر أتى أبوه من العراق، و سكن مجدل سلم، ثم هاجر ولده إلى شقرة و سكن بها و انقطع إلى الدرس و التدريس مدة عمره، فوفد عليه الطالبون للعلم من سائر الأقطار... و لم يمهر منهم سوى ابن أخيه السيد جواد الحافظ، صاحب مفتاح الكرامة في الفقه، و السيد حسين ابن أخيه الثاني، و الشيخ ابراهيم يحيى الشاعر، فهؤلاء الثلاثة تصدّروا في العلم حتى فضّلهم من رآهم على أستاذهم. و الثلاثة هاجروا إلى العراق بعد وفاة السيد أبي الحسن، و قرأوا على بحر العلوم السيد مهدي الطبطبائي و مهر كل منهم في فن. أما السيد جواد فمهر في الفقه و الأخبار و الأحاديث، و أما السيد حسين فكان أصوليا محقّقا، و أما الشيخ ابراهيم فأمره في الشعر و كثرة النظم أشهر من أن يذكر» (2) .

لم يحدّثنا السيد عن سبب هجرة هذا الفرع من «العشيرة» إلى جبل عامل، و ذلك لافتقاده إلى المعطيات في هذا السبيل. فلا نملك حينئذ سوى الترجيح بأنها تمّت في سياق العلاقة العلمية بين جبل عامل و العراق، و التي تعود إلى أيام الشهيد الأول الذي ربما ابتدأت معه هذه العلاقة أو كان من روّادها (3) . فقد تبادل الاثنان العلماء و الطلاب منذ وقت بعيد، و لم يكن يخلو الجبل من شخصية علمية عراقية تفد عليه لمل‏ء فراغ مرجعي، أو بناء على دعوة خاصة، كما حدث على سبيل المثال، عندما استقدمت بنت جبيل العلامة السيد مهدي الحكيم‏ (4) ، والد السيد محسن الذي تولى المرجعية العلمية الشيعية في ستينات القرن العشرين.

____________

(1) السيد محمد الأمين ابن السيد أبي الحسن موسى، المرجع السابق نفسه.

(2) خطط جبل عامل، ص 245.

(3) حسن الأمين، عصر حمد المحمود، ص 15.

(4) السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه و أقلام آخرين، ص 64 و ما بعدها.

11

و السّيّد، عندما يحدّثنا عن طفولته في القرية، فالشريط يتعدى الأخيرة إلى جبل عامل، حيث أصبحت الأسرة القادمة من العراق جزءا من التركيبة الاجتماعية فيه، منخرطة في شؤونه و شجونه. و المعاناة هي الجامع المشترك حينذاك بين السكان الرازحين تحت الظلم، تمارس ألوانه السلطنة العثمانية عبر أدواتها «الملتزمين» الذين أرهقوا الجبل بالضرائب و السخرة، فضلا عن تحريض القوى الدائرة في فلكها للقيام بعمليات عسكرية ضدّه. و هذه المعاناة نال السّيّد الطفل نصيبه الوافر منها، و أشدها وطأة الفقر الذي كان أبوه (السيد عبد الكريم) من قبل قد واجه فصولا صعبة منه، حيث نشأ يتيما في بيت صغير و انتهى به الأمر إلى فقدان البصر. و لقد تأثر السيد كثيرا بالأب الورع الزاهد، كما أن الجدّ (السيد علي) ، العالم الكبير، لم يكن غائبا عن ذهن الفتى المنبهر بشخصيته و سلوكه‏ (1) .

و لم يغفل تأثّره بالوالدة «ابنة العالم الصالح الشيخ محمد حسين فلحة الميسي» ، و قد وصفها بأنها «صالحة ذكية... عابدة، مواظبة على الأوراد و الأدعية» (2) ، و اعترف بفضلها العظيم على تربيته و حثّه منذ الطفولة على طلب العلم‏ (3) .

3-على خطى العلماء

في ظلّ أسرة عريقة كهذه، كان الخيار واضحا أمام الأبناء و هم يقتفون آثار السلف، و ينضوون طوعا تحت راية التقاليد. و على الرغم من تعثّر المسيرة في بدايتها، فلم ير السيد خيارا آخر في طريقه، هذا الذي بدا غير واضح حينذاك.

و لم يكن سوى الكتّاب المتواضع ما يلبّي الحاجة الماسّة في الزّمن الصّعب.. كان ذلك في العام 1291 هـ، و قد بلغ الصّبي السابعة من عمره، و هو «سنّ التمييز» حسب تعبيره‏ (4) . على أنه سرعان ما يضيق صدره بالمكان، خصوصا شخصية المعلّم المتجهّم و الممتلى‏ء قسوة، و الذي نفر منه الصّبي منذ أن وطأت قدماه عتبة

____________

(1) المرجع نفسه، ص 23.

(2) المكان نفسه.

(3) المكان نفسه.

(4) المرجع نفسه، ص 24.

12

الكتّاب. فلم يكد يمضي سحابة من النهار حتى انصرف و أبى العودة ثانية، من دون أن يجبر-و هو الوحيد-على غير ذلك.

و السيد إنّما يؤرّخ هنا، ليس لحدث خاص فحسب، بل يقدّم لنا صورة عن واقع التعليم في عصره، حيث «المعلّم» الشيخ لا يفارق «عرشه» ، و الصّبيان يحتشدون تحت قدميه، و قد سكن في قلوبهم الخوف. و سلطته ليس لها حدّ أو عليها حساب، فقد «بايعه» الأهل و أطلقوا ليده العنان ضربا و «فلقا» ، و ما إلى ذلك من أدوات «التربية» المناسبة في ذلك الوقت. و يقدّم السيد وصفا طريفا لسلطة «الشيخ» فيقول: «إذا غضب المعلم على واحد لذنب هو عنده من الكبائر، كأن يهرب فرارا مما يلاقيه، أرسل المعلم الأطفال الكبار ليأتوا به كما يرسل رئيس الشرطة أو الدرك جنوده لإحضار من يريد عقابه. فإن حضر معهم مشيا على الأقدام و إلاّ حملوه مشهّرا بين الناس و هو يبكي و يصيح و لا من مجيب، و هم في أثناء ذلك ينشدون الأناشيد في ذمّه، فيضعونه أمام المعلم معتزّين فرحين، فيأمرهم أن يلقوه على ظهره و يرفعوا رجليه، ثم يتناول الفلقة و يضع رجليه بين الحبل و الخشبة... ثم ينهال المعلم ضربا على رجليه... و يقول له: تهرب بعد يا خبيث، فيقول: و اللّه يا شيخي ما عدت أهرب أبدا. أما عدد الجلدات فليس له حدّ في شرع المعلمين و ليس هو كحدّ الزنا و شرب الخمر له مقدار، بل هو نوع من التغرير الموكول أمره في الشرع إلى نظر الإمام، و هذا موكول أمره إلى نظر المعلم، فيختلف بحسب اختلاف ذنب الطفل و تكرره منه و مقدار درجة عقل المعلم و تفاوت حاله في الغضب و حظ الطفل في السعادة و التعاسة... » (1) .

على أن صدمة الكتّاب لم تصرفه عن طلب العلم الذي وجد في البيت مناخا ملائما لتحصيله بعيدا عن التوتر في ظل سلطة الشيخ المتغطرس. و مثل هذا البيت لم يكن غريبا عن تقاليده أن يكون لسيّدته حظّ من العلم، و أن تتعهد بنفسها رعاية الخطوات الأولى للصّبي الوحيد. فتتولى تعليمه القرآن، حتى إذا اختتمه شرع في تعلّم الكتابة، ثم النحو برعاية «شيوخ العشيرة» . لقد وضع قدميه على الطريق،

____________

(1) المرجع نفسه، ص 25.

غ

13

و أصبح في الجعبة من الزاد ما يشجّعه على المضي قدما فيه، لا سيما بعد اقتناء ديوان أبي فراس الحمداني، و الذي سيكون له تأثير في التكوين الثقافي للصبي الناضج قبل أوانه.

كانت تلك الخطوة الأولى المهمّة في المسار الصعب، حيث الاختيار وعدة السفر و العزيمة المتوثبة. و إذ بلغ الثالثة عشرة من عمره، انتقل إلى عيتا الزط (الجبل) ليدرس على السيد جواد مرتضى، ثم بعد أربع سنوات إلى بنت جبيل على الشيخ موسى شرارة، و كان هذا قد سبقته شهرته بوصفه واحدا من أبرز العلماء في جبل عامل. و على قصر تلك المدّة، فقد شكّلت منعطفا مهما في حياة السيد و تحديدا أكثر لحركة مساره. فقد بهرته شخصية الشيخ الإصلاحي المتنوّر، و وجد نفسه إلى جانبه، كذلك «الأستاذ» اكتشف تفوّقا في تلميذه، ما دفعه إلى الاهتمام به و إلى تكليفه بقراءات و مساءلات يلقيهما على الطّلاّب، متّخذا دور «المعيد» أو ما يشبه ذلك في التقاليد الجامعية.

و لم تدم هذه التجربة أكثر من عام، و قد انتهت بوفاة الشيخ، و بالتالي إقفال مدرسته؛ إذ كانت في الغالب هذه الصروح العلمية مرتبطة بأصحابها. على أن تأثيرها في نفس الطالب المتفوّق كان عميقا، حيث المعاناة صهرت شخصيته، و لم تثنه الصعوبات عن متابعة مشروعه الذي تبلور في ذلك الوقت. فإذا كانت حوافزه قد تأثرت من قبل بتقاليد الأسرة و موقعها العلمي البارز في جبل عامل، فإن تجربة بنت جبيل أضافت إلى حوافزه الرؤية الإصلاحية التي اقتبسها حينذاك من أستاذه الشيخ الكبير.

عاد السيد-و قد اقترب من الشباب-منكسرا إلى شقراء، و لكن نفسه تضطرب بالآمال على خطى الشيخ الذي ترك فراغا، لم يستطع أحد ملأه في جبل عامل خلال تلك الآونة. يتعثّر حينذاك مشروع السيد الشاب، و التحديات تتعاظم في طريقه، فينكفئ إلى مواجهتها مثقلا بالمحن و الشدائد. فقد طلب إلى الخدمة العسكرية، ثم توفيت الوالدة، و كفّ بصر الوالد نتيجة مرض أصاب عينيه. و لم يكن بدّ، و قد امتلأ قلبه أسى، من مواجهة الواقع، و أصعب ما فيه كان الفقر الذي ما انفك يرهق البيئة

14

العاملية و يخمد الطموح المتوهج لأبنائها. فتراجع عن مشروعه ليتعاطى «أمورا لم يسبق له تعاطيها» على حد قوله‏ (1) ، و التجارة ما قصده السيد من هذه الأمور، و كانت ممارستها صعبة و شاقّة، و اقتضت منه التّرحال إلى أماكن بعيدة.

و لكنّ طالب العلم لم تؤثّر التجارة في خياراته، فظلّت هذه متّقدة في نفسه، خصوصا و أن بنت جبيل عادت توقظها من جديد، عندما قدم إليها السيد مهدي الحكيم من العراق. فدرس عليه وقتا قصيرا، إذ شغل الأستاذ بالوعظ و إصلاح المجتمع، أكثر من انشغاله بالتدريس. فلم يطل السيد، بسبب ذلك، مقامه في بنت جبيل. و تمرّ سنوات أربع عكف خلالها على القراءة، من دون أن تصرفه هذه عن «أموره» الأخرى، و ذلك قبل أن يقرّر-بالمصادفة-الذهاب إلى العراق، و هو في الرابعة و العشرين من عمره (1308 هـ) .

4-إلى العراق‏

كانت هذه المحطّة الثانية في مساره الذي كاد يتعثّر تحت تأثير الضائقة و يتحوّل إلى اتجاه آخر. و لكن إيمانه جعل الحلم حقيقة، و إذا به في النجف التي طالما شغف بها محاولا ما أمكن تعويض المهدور من الأيام السالفة. ذلك أن بعض العامليين كانت تأخذ بهم المجالس الخاصّة، و يمضون أكثر الوقت في تناول الشاي و تبادل الأحاديث، فانصرف عنهم مواظبا على حلقات كبار العلماء الذين نوّه بعدد غير قليل ممّن أصابوا شهرة في الفقه منهم. و لم ينس نقد الطرائق المتّبعة، فدعا إلى إعادة النظر في مناهج التدريس التي انطوت على كثير من الخلل و من ذلك «إدخال مسائل الكلام في علم أصول الفقه» ، أو «إهمال علم الحديث» ، أو ما له علاقة بتنظيم الدراسة، إذ لم تكن حينذاك آليّة خاصة بإلقاء المحاضرات و مواقيتها، و إنما كان الأمر خاضعا لمزاج الأستاذ و ظروفه‏ (2) . فضلا عن طبيعة الحياة الاجتماعية و الاقتصادية في النجف، و التي تشجّع على الاسترخاء و تبطئ حركة الإنتاج على كافة الصّعد فيها. مكث السيد الأمين إحدى عشرة سنة

____________

(1) المرجع نفسه، ص 45.

(2) المرجع نفسه، ص 80.

15

في دراسة مكثفة لم يصرفه عنها أيّ اهتمام آخر، و هو الذي عرف بإرادته الصّلبة و شدّة انضباطه في متابعة تحصيله العلمي. و قد ساعده ذلك على اختصار مسافة طويلة بهذا القدر من السّنين، فضلا عن الذخيرة التي جاء بها، ممهدة أمامه الكثير من الصّعاب. على أن الرحلة في طلب العلم لم تنته في العراق، عندما وجد نفسه يغادره تلبية لطلب من «شيعة الشام» . فهذه ليست لها نهاية عند السيد الذي دأب عليها حيث حلّ و حيث كان له ترحال، فقد كان همّه الاطلاع على المكتبات و التزوّد من ذخائرها، و كل ما يساعده على توفير المادة لأبحاثه و دراساته الغزيرة.

5-في السّياسة و الإصلاح التّربوي و الاجتماعي‏

كان وصول السّيد الأمين إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319 للهجرة، و كان ذلك متزامنا مع أحداث مهمّة في الشام و المنطقة. فقد زال حكم الأتراك عن الأخيرة مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، و كانت قد عقدت اتفاقيات على هامشها بين فرنسا و انكلترا لتقاسم النفوذ في المنطقة، ستؤدّي إلى وضعها تحت انتداب الدولتين المنتصرتين في الحرب. و لم يكن السّيّد في وعيه السياسي خارج هذه التطورات، و لكنه أصبح في دائرتها بعد مجيئه إلى دمشق التي صخبت حينذاك بالحركة القومية مجسّدة بحكومة الملك فيصل بن الحسين. و كان لهذه المرحلة تأثيرها في بلاد الشام كافة، بما فيها جبل عامل الذي امتدّت إليه رياح الثورة، فقاوم الفرنسيين و تعاطف علنا مع الحكومة العربية. و ليس ثمة شك في أن السّيد الذي عاش توهّج المشروع العربي الوحدوي، ثم انكفاءه بعد نفي الملك فيصل و تكريس الانتداب الفرنسي على سوريا و لبنان (سان ريمو 1920) ، لم يعد رجل دين يهتمّ فقط بأمور الشيعة في دمشق، و لكنه بات مرجعا و طنيا في الحركة المناهضة للانتداب، على المستوى العربي، و من ثمّ قطبا في تيّار التجديد و النهضة على المستوى الإسلامي.

لقد فهم السّيّد وظيفة رجل الدين بهذا المعنى التجديدي الإصلاحي. فهو صاحب دور شمولي على صعيد الأمّة و المجتمع، و ليس العارف فقط بمسائل الفقه و الموجّه لفئة من الناس «تقلّده» أو تحيط به. فمن المعاناة في جبل عامل، إلى‏

16

تخلّف مناهج التدريس في النجف، إلى صخب السّياسة في الشام، كانت رؤية السّيّد تتبلور في هذا المجال، و تتكشّف عن أبعاد لم تألفها المرجعيات الدينية الشيعية في ذلك الوقت. و هنا تكمن ريادته في استقلالية القرار و الموقف، و عدم التأثّر بموقف السلطة، أية سلطة، الأمر الذي جعل مشروعه محصّنا من الشّبهة أو الارتهان للمصالح الخاصة. و في هذا المعني يقارب د. حسن جابر من منظور فقهي طبيعة هذا الدور و مسوّغاته فيقول: «المعلم البارز في مسيرة العلامة الأمين، حضوره السياسي المكثّف في مرحلتي ما بعد سقوط الخلافة العثمانية و احتلال الفرنسيين و الإنكليز للمنطقة على أثر الحرب العالمية الأولى، و صعوبة تحديد خيارات جذرية وفق المعطيات الجذرية التي يفرضها الواقع. فمسألة ترميم الكيان السياسي الإسلامي الهرم، مع ما أفرزه من عوارض مرضيّة موهنة، لم تبق أمامه إلا الخيار الأقل ضررا... في مقابل الرهان الخاسر على العثمانيين الأتراك الذين خسروا كل شي‏ء حتى تأييد المسلمين و الرأي العام الشامي تحديدا. فلجأ إلى موقف الضرورة السياسية الذي كان يفترض دعم حكومة فيصل بالرغم من كل سلبياتها» (1) .

و الريادة تكتسب أهميتها أيضا في التلاؤم بين الوطني و الإسلامي على صعيد السياسة في فكر السيد الأمين، الذي رأى في ضعف المسلمين و انقساماتهم تشجيعا للاستعمار الأوروبي على احتلال بلادهم و السّيطرة على مقدراتهم. و من هذا المنظور، فإن النضال الوطني يتكامل مع الدعوة إلى نهضة العالم الإسلامي و تحريره من الجهل و التخلّف و الجمود. فهو يلتقي مع الإصلاحي الكبير الشيخ محمد عبده في هذا التلاؤم الذي يعبّر عن اتجاه واقعي في السياسة. و يذهب الأستاذ منح الصلح في هذا المنحى، فيرى فيه انموذجا يماثل ابن باديس في التعبير عن «العلاقة الخلاّقة بين العمل الوطني و الإسلام» (2) . و يصف السيد الأمين بأنه «كان في دمشق إمام العمل الوطني السّوري و مرجع المذهب الشيعي الأعلى، فهو على الصعيد الديني لم يقل أثرا وسعة أفق عن محمد عبده. و على الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين

____________

(1) المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين في ذكراه السنوية الأربعين، ص 203.

(2) الإمام السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه و أقلام آخرين، ص 174.

17

السوريين، و في بيته أعلنت الحركة الوطنية في سوريا (1936) إضراب الستة أشهر الشهيرة» (1) . و تتكامل شمولية الرؤية السياسية للسّيد في قوله د. وجيه كوثراني الذي وصفه بأنه «من أعلام المدرسة التي ربطت عملية الاجتهاد بالإصلاح، و رأت الاجتهاد الموصل إلى الإصلاح حاله من حالات الجهاد و الفريضة» (2) .

و في ضوء هذا التلاؤم نقارب خطوط الإصلاح لدى السيد الأمين، و في مقدّمتها الإصلاح السياسي، و محوره البارز الوحدة الإسلامية. و لعل تجربته في دمشق و احتكاكه المباشر بأحداث لها بعدها الوطني و القومي على أرضها، أثّرا في تأجيج حوافزه نحو هذه المسألة و التي عبّر عنها قائلا: «توحيد المسلمين هدفي منذ أربعين سنة. منذ إقامتي في هذه الديار و أنا أدعو إليها بالقلم و اللسان و أعمل من أجل تحقيقها» (3) . فالوحدة تبقى أساس قوة المسلمين و نهضتهم، فيما الانقسام يسلبهم الدور و يجعلهم على هامش الأمم المتقدمة. و من أبلغ ما وصف به حال المسلمين في ذلك الوقت، قوله الشهير في أعقاب الانتداب: «ما زلنا نتخاصم على شرعية الخليفة حتى صار المندوب السامي خليفتنا» (4) . لقد مرّ زمن طويل على أسباب ذلك الانقسام الذي يلمح السيد إليه، و لم يعد جائزا الاستغراق فيها على حساب مشكلات الحاضر و تحدّيات المستقبل. و دائرة الوحدة ليس مداها الإسلام في فكر السيد، و لكنها مفتوحة على المدى الإنساني الواسع، انطلاقا من دعوته إلى احترام جميع العقائد و الأديان.

و اللافت، في مسألة السياسة عند السيد الأمين، أن هذه لم تمثّل نقطة ضعف في سلوكه على غرار العلماء الذين جرّتهم السياسية إلى التّبعيّة. فعلى العكس من ذلك، كانت استقلاليته عامل قوة و تحصين لموقعه، إذ كان الزعماء يأتون إليه و لا يذهب إليهم. و قد رأى فيه هؤلاء «زعيما» يستلهمون منه الرأي الصّائب و الفكر المستنير و الموقف الشجاع. و كان بينهم من عرفه عن قرب مثل

____________

(1) المكان نفسه.

(2) المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص 102.

(3) المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص 104.

(4) المرجع نفسه، ص 104.

18

السيد لطفي الحفّار (رئيس الوزراء السوري الأسبق) الذي قال في هذا السياق:

«كان لنا نبراسا يضي‏ء في المدلهمات و الملمّات و قبسا يشعّ نوره في مختلف الحادثات. و لا أنكر أننا كنا نلاقي مثل هذا التأييد من مختلف رجال الدين الآخرين على اختلاف المذاهب و الطوائف الذين يستشعرون بواجباتهم الدينية و الدنيوية. غير أن ما كان يتمتع به من العلامة السيد محسن من الزعامة و القوة و الحب العميق من جميع من عرفه و اجتمع إليه... كانت هذه الزعامة و الحب قوة لنا لمتابعة الجهاد و النضال دون تردد و ضعف» (1) . و عن محاولات الفرنسيين لاستدراج السيد الأمين، يضيف الرئيس الحفّار: «إني لأذكر أن الفرنسيين حاولوا كثيرا استمالته بشتى الوسائل المغرية و عرضوا عليه دار فخمة يقيم فيها و راتبا ضخما يتقاضاه منهم، فردّهم ردّا عنيفا و أعرض عنهم و لم يبال بقوتهم، و كان لهذا كله أعظم تأثيرا لدى الذين يتصلون به و يعرفون مناقبه و فضائله» (2) .

لقد واكب السيد الأمين عن كثب التحوّلات في أواخر قرن و أوائل قرن، و عاش تفاصيل المرحلة بكل صخبها و تداعياتها. و انخراطه في الحدث كان من أوليات دوره، بوصفه عالم دين، يرى موقعه مع الناس و في صميم معاناتهم، و ليس فقط في المسجد يؤم الصلاة و يحدّق في المحراب. و هو مفهوم استلهمه من الإسلام نفسه، الذي جاء الجهاد بين أركانه، من دون أن تكون الفريضة محصورة بالحرب، و لكنها تعني المقاومة بجميع أشكالها و في جميع الأزمنة.

كان ذلك في وعيه حين تصدّى من دون تردّد للانتداب، موحّدا الصفوف في معركة التحرر الوطني. و لقد حدث أن قائدا فرنسيا زاره في داره بدمشق، فأخذ ينال من الملك فيصل فردّ على الفور: «إنك ضيف في منزلي و حرمة الضيافة وحدها تمسكني عن إهانتك. و لكن تأكدوا أن التاريخ لم يسجل أن القوة استطاعت الانتصار على الحق انتصارا أبديا، و لا بدّ للعرب في سوريا أن ينتصروا في النهاية بحقهم على قوتكم» (3) .

____________

(1) الإمام السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه و أقلام آخرين، ص 180 و 181.

(2) المرجع نفسه، ص 181.

(3) من مقاله للوزير الأسبق علي بزي، المرجع نفسه، ص 214.

19

هذه المعادلة ما خذلت يوما المؤمنين بقضيتهم، المقاومين بدمائهم و حبرهم و أكفّهم النظيفة. و لقد كان السيد محسن الأمين في طليعة هؤلاء، فقاوم و تزهّد و ترفّع من الصغائر. و ليس أخيرا كان أنموذجا للعلماء ممّن ينطبق عليهم قول الإمام الصادق بأنهم «أمناء الرسل» .. على أنه كان من نخبهم الذين أبوا «الركوب» إلى السلاطين فلم «يتهموا» (1) .

إن الجهاد، بوصفه مضمونا إسلاميا شموليا، ما رأى إليه السيد في حركته الإصلاحية، سواء في جانبها السياسي، أو في الجوانب التربوية و الاجتماعية و كل ما يؤدي إلى نهضة الشعوب العربية و الإسلامية الراكدة في التخلّف و الفقر و التبعية، و إلى تجديد فكرها و رؤيتها لتتمكن من مواكبة التقدم، و مواجهة التفوّق الأوروبي. و السيد الأمين من هذا المنظور داعية إصلاحي على غرار أسلافه الكبار، غير أنه في برنامجه-انطلاقا من طبيعة المكان و تناقضات على مساحته -كان أكثر اهتماما بالتفاصيل التي اقتضت-أو غالبيتها-التعاطي المباشر معها.

و منذ انتقاله إلى دمشق، بادر إلى التحرك في هذا الاتجاه، حيث وجد نفسه أمام «أمور» وصفها بأنها «علّة العلل» و قد اختصرها في ثلاثة:

1-الأمية و الجهل.

2-الانقسام و الخلافات الحزبية.

3-مجالس العزاء و ما يمارس فيها من تشويه و مبالغات‏ (2) .

كانت التّحدّيات كبيرة، خصوصا و أن البلاد خارجة لتوّها من الزمن العثماني الذي نشر الجهل و أسّس للتخلف و الانقسام. و السيد الوحدوي فكرا و أيمانا، رأى في التصدي لهذه «الأمور» جهادا ليس يفوقه الجهاد ضدّ المعتدين.

فلكي يتحرّر المجتمع من السيطرة الخارجية، يجب أن يتخلص، أوّلا، من الرّواسب الآسنة فيه. لذلك يصرف وقته أو جلّه إلى إصلاحه، فيعالج انقساماته «الحزبية» بالمساواة على مستوى الطائفة، و الانفتاح على مستوى العقيدة. كما

____________

(1) مقتبس من قول الإمام الصادق: الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم.

(2) وجيه كوثراني، المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص 109.

20

حارب التّخلف بروح التجدّد و عدم الرضوخ لفكر الماضي و تعقيداته و أساليبه، فضلا عن الثوابت التي تجاوزها الزمن. و قد انتقد قدسيّة النصّ لدى الأجيال، تلك التي أورثت الجمود في الفكر الإسلامي، معبّرا عن ذلك في موقف أشار إليه الشيخ محمد رضا الشبيبي‏ (1) إذ قال-أي السيد الأمين- «لماذا نحذو حذو الأقدمين و هم رجال و نحن رجال؟» (2) .

و البداية كانت من المدرسة التي جاءت تعبيرا عن الروح التعاونية بين أبناء الحي الذي عاش فيه. فقد بعث فيهم التحفّز للعطاء، و هو الأنموذج الذي يتقدّم الصفوف قائدا و جنديا في آن. و المدرسة، بمناهجها المتجدّدة و دروسها المبسّطة، فضلا عن العلوم العصرية التي أدخلت عليها، كانت أحد أبرز مشروعات المرحلة و تحوّلاتها من جمود القديم إلى آفاق الحاضر الرحب. و هي قد اكتملت في خطوة رائدة بتأسيس مدرسة للبنات إلى جانبها، انطلاقا من قناعته بأن إصلاح المجتمع عملية متكاملة، و أن الاقتصار على تعليم الذكور يبقي نصفه الآخر غارقا في الجهل. و لقد مثل ذلك ثورة في حينه، إذا توقفنا عند العزلة التي فرضت على المرأة في المجتمعات العربية و الإسلامية، و انقطاعها التام عن دورها في ذلك الوقت. و نكتفي في هذا السياق بما قاله الوزير الأسبق علي بزي، مثمّنا هذا العمل الريادي: «لقد أسّس مدرسة للبنات في وقت كان الكثيرون يتحرّجون في تعليم الصبيان» (3) .. إنها كلمة حقّ من سياسي مثقّف، عاصر السيد و تأثر بفكره و انبهر برؤيته النهضوية، و أخذ عنه مع آخرين دروسا في الوطنية و مقاومة الانتداب‏ (4) . و قد أشار إلى ذلك في رثائه حين قال: «أبناؤك في جبل عامل متمسّكون بعروتك، يهتدون بهديك و يقتفون في الجهاد و الصبر أثرك، إلى أن تعلو كلمة الحق التي أفنيت عمرك في إعلائها» (5) .

____________

(1) رئيس مجلس الأعيان و الوزير الأسبق في العراق.

(2) الإمام السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه و أقلام آخرين، ص 176.

(3) المرجع نفسه، ص 213.

(4) من تلامذته المتأثرين به: المناضلان الشاعر موسى الزين شرارة و الحاج علي بيضون، و كلاهما من أقطاب انتفاضة 1936 على الانتداب الفرنسي في بنت جبيل.

(5) المرجع نفسه، ص 214.

غ

21

كانت المدرسة المدخل الرئيس لإصلاح المجتمع الغارق في الجهل، و العازف عن مواكبة التقدم في العالم المتحضّر. و قد خاض السيد بشجاعة التجربة الرائدة، فلم تثنه عن عزمه حملات المنتقدين و المشككين، أولئك الذين وجدوا في حركته تهديدا لمواقعهم، فحاربوه، قبل أن يعود بعضهم إلى اقتفاء نهجه بعد سنوات طويلة. المدرسة إذا، كانت المدماك المتين الذي تأسس عليه مشروعه لإصلاح المجتمع و تنشئة أجيال واعدة تمارس دورها في البناء و التقدّم.

و لعلها من هذا المنظور ليست مجرّد صفوف و تلاميذ و معلمين، و لكنها أفكار أيضا، و نهج ينسحب على المجتمع كافة، بما في ذلك التقاليد و الأعراف و المفاهيم. و الفقيه من موقع المرجعية مسؤول عما يعوّق حركة المجتمع نحو التقدّم، فلا يدع الأوهام تأخذ بعقول الناس، و لا يتهيّب كشف الحقائق أمامهم.

فالجهل لا يحول فقط دون التقدم، و لكنه يقطع بين الناس و تراثهم، و يجعل عقولهم هدفا للتشويه و الأسطرة و الجمود. و السيد يقوم هنا بما يمليه عليه دوره المرجعي الإسلامي لإصلاح المجتمع، مستهديا بقول الإمام علي: «إن للّه عبادا يختصّهم اللّه بالنعم لمنافع العباد، فيقرّهم في أيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حوّلها إلى غيرهم» (1) . و على خطى الإمام كان عاملا لما يفيد الناس و دافعا ما استطاع عنهم الضرر. و في ضوء نهجه العقلاني كان موقفه الشهير من «مجالس العزاء» ، و دعوته إلى تهذيب نصوصها و تجديد طرائقها. «فكان ما يتلى فيها من أحاديث غير صحيحة-و الكلام هنا للسيد-و من ضرب الرؤوس بالسيوف و القامات و بعض الأعمال المستنكرة» (2) ، ما دفعه إلى خوض أصعب المعارك في حياته، و ذلك لما أثارته من ردّات فعل عنيفة، سواء في لبنان أو في العراق.

و لن ندخل في تفاصيل هذه الحركة الرّائدة، فهي معروفة و متداولة في الذاكرة و الأبحاث و الدراسات، و سنكتفي بإبراز الدلالة و ما رافقها من حوافز نفترض أنها تدخلت فيها. و من اللافت أن المجالس الحسينية التي كانت لا تزال

____________

(1) نهج البلاغة، ج 3، ص 255.

(2) المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص 109.

22

تشكّل موقع نفوذ لمعظم علماء الشيعة، فلم يتدخلوا في قراءات الخطباء، و ربما شجعوا خروجهم على النصّ متأثرين باللحظة المشحونة، كان السيد الأمين خلافا لذلك يرى إنقاذها من التشويه و الابتداع، لما يشكّله كلاهما من إساءة أكثر ما تستهدف الإمام الحسين الذي تسلبه هذه الطقوس ثوريته و قضيته التي استشهد من أجلها. فلم يخرج الإمام ليموت كما في وعي الخطيب الحسيني، و لكنه خرج للإصلاح و في جعبته خيارات، و الوصول إلى الكوفة كان مما يطمح إليه، حتى بعد وقوفه على أخبار «الانقلاب» فيها، فقال: «أنا قادم عليكم و حثيت السير إليكم» (1) ، حسب رواية الدينوري.

و السيد الأمين الذي قرأ جيدا التاريخ و اكتنه رواياته، كان يصعب عليه التسليم بمنطق نصّ العزاء، و من ثمّ التسويغ لبعض الشعائر التي تنمّ عن جهل بالحسين و ثورته الرائدة، فهذا البعض أقرب إلى القصص الشعبي منه إلى الحقيقة التاريخية، و لذلك كانت الدوافع دينية عندما قام السيد بحركته لإصلاح مجالس العزاء، فيما كانت دوافع المعارضين لها شخصية أو سياسية أو اقتصادية. و إذا كانت قد استهدفتها حملة واسعة و لم تحظ إلا بتأييد عدد قليل من العلماء، فإن الحملة ما لبثت أن استكانت، على الرغم مما قام به المعارضون من التحريض للعامة و التشجيع على العنف الجسدي و استخدام الطبول و الأبواق، إلى آخر ما أظهروه من ردات فعل على فتوى السيد بتحريم بعض تلك الطقوس. على أن الزمن لا يعود إلى الوراء، و ما دعا إليه قبل عشرات السنين، كان لا بد من أن يحدث إذا أمعنّا النظر في نهجه و طريقة تفكيره و اندفاعه من دون تردّد في ما يعتقد أنه الحق و أنه الصواب.

6-الإنجاز العظيم‏

في الماضي، كان طالب العلم، و بمجرد أن يعتمر العمامة، فهو مشروع كاتب أو شاعر أو مؤرّخ، و بالتالي فإن موقعه العلمي لا يكتمل إلاّ بتلك الإضافة

____________

(1) الأخبار الطوال، ص 245.

23

الأدبية. و الذين لم ينعموا بالموهبة، فقد تذوّقوا الشعر و أحسنوا الاستماع إليه و حفظوا الروائع منه. و لعل المناخ الثقافي الذي ساد العراق، خصوصا النجف منذ القرن التاسع عشر، كان له تأثير على هذه العلاقة الحميمة بين الفقه و الأدب. و إذا كان السيد الأمين قد نظم الشعر قبل الذهاب إلى النجف، فإن أجواء الأخيرة لم تكن غائبة عن أسرته المتحدرة أساسا من العراق، و التي كان الشعر قد ترعرع فيها إلى جانب العلم. و لكن مرحلة الدراسة في النجف، حيث الحركة الأدبية أكثر نضجا، أسهمت في إكساب تجربته على هذا الصعيد بعدها التأملي الفلسفي.

و إذا كان الاهتمام بالتاريخ ممّا ألفه الفقهاء منذ القرون الأولى في الإسلام، نظرا للعلاقة التكاملية بينه و بين العلوم الدينية في ذلك الوقت، فإن السيد الأمين خاض فيه من موقع الباحث برؤيته و مسوغاته، و ليس بهدف المراكمة أو إثارة المواقف. فلا بدّ إذا من إضافة جديد، أو سدّ نقص، أو كشف مجهول، أو غير ذلك مما يسوّغ البحث أو التأليف أو التحقيق، وفقا لشروط «حاجي خليفة» أو بعضها في «كشف الظنون» . و السيد عندما كتب «أعيان الشيعة» ، إنما كان ينطلق من هذه الأساسيات، و ليس من خليفة مذهبية لا تعبّر عنها بالمطلق اتجاهاته الإسلامية الوحدوية. و «الأعيان» عبارة عن موسوعة كبيرة تشمل تعريفا بالعلماء و الفقهاء و المحدّثين و المؤرخين و الجغرافيين و النحويين و الشعراء و الأدباء و الوزراء و القضاة و غيرهم ممن خلت منه أو كادت المصنفات العربية، و كانوا ظلوا مجهولين لو لم يكرّس الوقت و الجهد و الصحة وضوء العينين للقيام بهذا العمل الكبير. و لقد استطاع السيد بدأبه و صبره تجميع المادة المتناثرة، مستفيدا من رحلاته الكثيرة، حيث كانت المكتبات ما يعنيه أساسا في البلدان التي حطّ رحاله فيها. و من طريف ما يرويه في هذا السياق و كان قد نزل في ضيافة أحد العلماء بكر منشاه: «أحضر صاحب المنزل لنا كتبا كثيرة و نحن ننقل منها و الحاضرون يساعدوننا... » (1) .

كما روى أثناء زيارته لـ «بلد الشاه عبد العظيم» في ضواحي طهران:

____________

(1) رحلات السيد محسن الأمين، ص 146.

24

«جلسنا في طرف المجلس و أمامنا المحبرة و الكتب و الدفاتر و الشيخ إسحق (مضيفه) يستقبل الناس و يتحدث إليهم، أما نحن فنكتفي بردّ السلام و القيام لهم و الدفتر في يدنا، ثم نجلس و نأخذ في عملنا من قراءة و كتابة» (1) .

و كان السيد و الوقت في سباق، فلا يدّخر سانحة دون الإفادة منها في القراءة أو التصنيف أو البحث، هذا فضلا عن دوره التوجيهي الإصلاحي البارز. فقد كتب في التاريخ و الفقه و النحو و الرحلة، و كانت له ردود كثيرة على أئمة العلم و الأدب في زمانه، مثل الشيخ محمد رشيد رضا، و محمد كرد علي و الشاعر جميل صدقي الزهاوي... ، و هي تشكّل مراجع في موضوعاتها. و لعله في صبره و جلده، يذكرنا بشيخ المؤرخين أبي جعفر الطبري الذي روي أنه واظب أربعين سنة على الكتابة، و «كان يكتب في يوم أربعين ورقة» (2) .

و لكن «أعيان الشيعة» يبقى له الموقع الخاص في تراث السيد، هذه الموسوعة التي تجاوزت إطارها العربي إلى الإطار العالمي، متخذة مكانها الذي تستحق في الجامعات و المراكز العلمية. فهي، و مرة أخرى بالمقارنة مع تاريخ الطبري، حفظت مادة غزيرة من الضياع، و لا تختلف في منهاجها التفصيلي عن «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، على أنها في تنوّعها موضوعا و زمانا تكتسب فرادة قد لا نجدها في الموسوعات الأخرى. كما تميزت بمقدماتها القيمة، و هي عبارة عن دراسة مستفيضة للشيعة في تطورهم التاريخي و الثقافي، و التي تشكل مادة هذا الكتاب، مندرجة تحت اثني عشر عنوانا في الموضوعة الشيعية.

و يخوض الأوّل في معنى التشيع لغة و اصطلاحا. كما يتناول الشيعة لغة و تاريخا في دراسة مفصّلة، اعتمد فيها على أمّهات المصادر، و تحدث عن فرقها، منتقدا ما جاء في كتب «الملل و النحل» التي بالغت في تعداد فرق الشيعة و التي وصلت لدى المقريزي إلى الثلاثمائة، و دون أن يذكر هذا سوى عشرين منها.

____________

(1) المرجع نفسه، ص 175.

(2) د. أحمد الحوفي، الطبري، ص 88.

25

و في البحث الثاني يعرض السيد الأمين لبدايات تشكّل الحركة الشيعية انطلاقا من السقيفة التي تمت فيها بيعة الخليفة الأول، و أدت إلى نشوء أول الاتجاهات السياسية في الإسلام، ممثّلا بالأنصار الذين انحازوا حينذاك إلى علي، و انخرطوا في التيّار المؤيد له، و الذي كان نواته حينذاك مجموعة من الروّاد في الإسلام، بينهم خالد بن سعيد (من الأسرة الأموية) . و في مقدمة ما يعنيه ذلك أن عليا لم ير إلى الخلافة من منطلق القرابة، و لكنه وجد في نفسه-كما أصحابه- كفاءة تؤهله للدور من الموقع الإسلامي التمثيلي.

و من اللافت أن عليا واجه منذ البداية تكتّلا عصبويا لإبعاده عن السلطة، كان مصدره قريش التي تألبت ضده بعد أن صارت هذه إليه. و هو ما يتطرق إليه البحث الثالث في إطار الظلم الذي «وقع على أهل البيت و شيعتهم» ، سواء في العهد الأموي أو في العهود العباسية، لا سيما الأخيرة، حين تعرّض الشيعة لمحنة الانقسام بعد انشقاق الفرقة المعروفة بالإسماعيلية، ممهّدة لانقسامات على نطاق أوسع بعد ذلك.

و تناولت البحوث الثلاثة التالية ما تعرّض له أهل البيت و الشيعة من تحامل و افتراء، و ذلك في سياق مناقشات علمية هادئة لعدد من العلماء و الكتّاب، سواء من الماضين مثل ابن قتيبة و ابن حزم، أو من المعاصرين للسيد مثل أحمد أمين و مصطفى صادق الرافعي. و تخلل ذلك توضيحات حول مسائل تتعلق بالإمامة و الغيبة، و دفع اتهامات و أباطيل، ما انفك يقذف بهما الشيعة، إما متعصّب يقرأ بعين الحاضر التاريخ، أو متحامل يفضحه جهله عندما يحتدم النقاش.

و في البحث السابع يعرض السيد باختصار لأسباب التشيع في بلاد الإسلام و الأماكن التي حلّ فيها، و من ثمّ التغيرات التي استهدفتها. و خلافا لذلك يسهب البحث الثامن في إبراز فضائل أهل البيت في الإسلام، خصوصا، العلم الذي تميّز به الإمام علي، و انتقل بعده إلى أبنائه، حتى بات هؤلاء مرجعيات العصور التي عاشوا فيها. و في ذلك يؤكد السيد الأمين أن الإمام الباقر و ابنه الإمام الصادق هما أول من صنّف في الفقه و بيّن أصول مسائله، كما يتعرض لاجتهاد الصادق و مناظراته مع أئمة العلم من معاصريه.

26

و يتخذ البحث التاسع منحى الدراسة المعمقة و الموثّقة في موضوعة العقائد عند الشيعة الاثني عشرية. فيعرض لفقههم و مذهبهم في الاجتهاد و التقليد و في أدلّة الأحكام الفرعية، فضلا عن مذهبهم في «حكم الحاكم» و الصحابة، و ذلك في سياق تاريخي متين و متماسك. أما البحث العاشر فيختص بعلماء الشيعة و شعرائهم و أدبائهم و كتّابهم و مصنفيهم و ما «أسدوه من خدمة جلى إلى الإسلام» حسب تعبيره. و هو بحث موثق و مسهب ناقش فيه دور الشيعة في حركة الفكر و تتبع فقهاءهم و مؤرخيهم و العلماء النابغين منهم في التراجم و علم الرجال و علم الكلام، فضلا عن الطب و المنطق و الفلسفة و علوم القرآن و الحديث. و قد وردت فيه لائحة بأشهر الفقهاء و مؤلفاتهم و سني وفاتهم، و لائحة مماثلة بمؤلفي الشيعة في التاريخ و السير و المغازي و الأنساب و الجغرافية و تقويم البلدان و الفلك، كذلك علماء اللغة و النحو و البلاغة و العروض، وصولا إلى الشعراء. و تتجلى أهمية هذا البحث في مادته الغنية و في اللوائح المدرجة فيه، و هو يشكّل مرجعا على مساحة الدراسات الأدبية و الفكرية الإسلامية، و ليس فقط للمعنيين بتراث الشيعة و تاريخهم.

و يبقى البحثان الأخيران من الكتاب، و قد اختصّ أولهما بالوزراء و الأمراء و القضاة من الشيعة، فيما تناول الثاني بالتفصيل الأقطار التي وجد فيها الشيعة، سواء في الماضي أو في الوقت المعاصر للمؤلف. و قد اعتمد الطريقة الألفبائية في تصنيف المدن و البلدان و الأقاليم و تحديد مواقعها، و تعمّد التوسع في بعضها مثل أفغانستان التي تتبّع أحوالها منذ القرن العاشر الهجري، بما في ذلك تكوينها الاجتماعي و السياسي و ظروف تشيّعها. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا البحث يحتوي على معلومات شديدة الأهمية في التاريخ و الجغرافية و الاقتصاد و الثقافة.

و قد اعتمد فيها المؤلف على عدد من المصادر، عدا مشاهداته في البلدان التي قصدها في «رحلاته» ، و ما تناهى إليه من أخبار أثناء نزوله فيها.

إن هذا الكتاب سيحتل من دون شك المكانة المرموقة في حقل الدراسات الإنسانية، و هو يقدّم نفسه رسالة انفتاح و حوار و فكر و حدوي، و غيرها من قيم آمن بها السيد الأمين في حياته العلمية و العملية. فعلى خطى الطبري و ابن عساكر سار السيد ممتشقا قلمه و معه دواته و لم يتوقف. و كان شأن سلفيه قد اقترن اسمه‏

27

بكتابه، على الرغم مما أنجزه من دراسات مهمة في أكثر من مجال. غير أن «الأعيان» كان مشروعه الأساسي الذي أخذ به إلى دائرة التاريخ، ليبحر في خضمّها المتلاطم، فكانت له ريادة على مستوى المنهج، و موضوعيته لا يرقى إليها شك، و تعاطى بمرونة مع الرواية التي يخضعها عادة للنقد، ربما بصورة غير مباشرة، أو للشك كما يبدو جليا في أبحاثه و تصنيفاته. و ليس علينا سوى العودة إلى الكتاب، لنستخلص من ثناياه العديد من النماذج المعبّرة عن هذا المنهج الذي تجاوز كثيرا مساحة عصره، و منها هذا النموذج في الفصل الرابع، و هو يبحث في أسباب «عدم الأنصاف» لشيعة أهل البيت:

«كثيرا ما ذكرت أحوالهم على غير ما هي عليه بحسب الأهواء و الأغراض و كثرة الافتراضات و النسب الباطلة إليهم، و تبع في ذلك المتأخر المتقدم و قلّد اللاحق السابق و بنى على أساسه من غير تحقيق. و ساعدت على ذلك الأحوال السياسية و التمشّي مع ميول العامة، و أيّدته و نصرته السلطات الدولية المتعاقبة، و ساعدت عليه التعصّبات الدينية و علماء السوء تحبّبا إلى الملوك و الأمراء و إلى العوام، و قوّاه غاية التقوية ما أودعه علماء السوء في كتبهم التي انتشرت في الآفاق من تصوير الشيعة فيها بأبشع صورة، و تلقّاها من تأخر بالقبول لحسن ظنه بهم من غير تحقيق و لا تمحيص و لا تبصّر» .

و لست أدري إذا كان السيد الأمين قد اطّلع مباشرة على ابن خلدون في «مقدمته» التي انتقد فيها المصنّفين الأوائل في التاريخ الإسلامي بقوله: «لم يلاحظوا أسباب الوقائع و الأحوال و لم يراعوها، و لا رفضوا ترهات الأحاديث و لا دفعوها، فالتحقيق قليل و طرف التنقيح في الغالب كليل، و الغلط و الوهم نسيب للأخبار و خليل، و التقليد عريق في الآدميين سليل» (1) .

فقد تنبّه السيد الأمين شأن سلفه إلى مواقع الضعف في الرواية التاريخية التي صنّفت من غير «تحقيق» و درج على الأخذ بها جيل بعد آخر، معيدة إنتاج نفسها بأخطائها و شوائبها و التباساتها. و السيد الأمين من هذا المنظور لم يكتب

____________

(1) مقدمة ابن خلدون، ص 3.

28

التاريخ على طريقة الفقهاء الذين يأخذون بالمطلق الرواية أو يرفضونها، و لكنه الباحث الدؤوب المنتشر روحا في فضاء الحقيقة، و هي لا «يقاوم سلطانها» كما قال العلامة ابن خلدون في مكان آخر من المقدمة (1) .

أجل الحقيقة ما رأى إليها السّيّد الأمين في حياته، و لقد انتصر بها في معاركه الصعبة ضد الجهل و التشويه و الانحراف، و بها تسلّح مؤرخا هادئا، يدقّق في الرواية مسقطا عليها نهجه المتوازن و فكره اللمّاح، فلا يتعصب لموقف أو تتحكّم فيه نزعة أو يتأثر بتراكمات الأزمنة. و لقد جاءت «المقدمات» التي ضمّها الكتاب تؤكد هذا المنحى التجديدي في الكتابة التاريخية، و تؤكد أيضا أن «أعيان الشيعة» لم يكن لفئة من المسلمين، و لكنه موسوعة علمية موجّهة إلى كل قارئ و باحث و طالب علم في هذا العالم الوسيع.

و الرسالة المضيئة لم تخمد شعلتها بعد ما وضع السيد قلمه جانبا و رحل، فقد حملها نجله السيد حسن في وجدانه و قلبه. و ما زال مكرّسا لها العمر على مسافة نصف قرن، مستدركا ما نقص و متابعا ما استجد، فكان «الأمين» عليها بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

التحية إلى أستاذنا المؤرخ العلامة السيد حسن الأمين، و التحية أيضا إلى الصديق سماحة الشيخ خالد العطية رئيس مركز الغدير لإصداره هذا الكتاب الذي يسدّ فراغا كبيرا في المكتبة التاريخية و الفقهية و الأدبية، و يبرز القيمة الدراسية إلى جانب القيمة الموسوعية لأعيان الشيعة.

د. إبراهيم بيضون‏

رئيس قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية بيروت في 22/1/2000

____________

(1) المصدر نفسه، ص 3.

غ

29

مقدمة المؤلّف‏

في الكلام على معنى الشيعة، و أوّل من أطلق عليه هذا الاسم في الإسلام، و متى حدث اسم العلوية و العثمانية و بقية الأسماء التي تطلق على الشيعة و فرقها المعروفة، و خطأ جماعة أو تحاملهم عند بيان فرق الشيعة، و مبدأ ظهورهم و انتشارهم و ما وقع على أهل البيت عليهم السّلام و أتباعهم من الظلم في الدول الإسلامية و عدم إنصاف النّاس لهم و كثرة التحامل عليهم، و النّسب الباطلة إليهم، و البحث عن السبب الحقيقي في ذلك، و خلاصة عقيدتهم، و خطأ جماعة في بيانها جهلا أو تحاملا، و الإشارة إلى علمائهم، و نبهائهم، و شعرائهم، و أدبائهم، و كتّابهم، و مصنّفيهم في فنون الإسلام في كلّ عصر، و فضلهم على الأدب العربي و اللّغة العربية، و تفصيل عقائدهم في الأصول و الفروع، و عددهم و بلدانهم التي وجدوا فيها بكثرة و غير ذلك مما يتعلق بهم، ليكون ذلك ترجمة إجمالية لهم قبل الشروع في تراجم آحادهم التفصيلية، و ليعرف الناظر في كتابنا هذا حقيقة ما هم عليه، فإن التحامل كاد أن يطمس كثيرا من حقائق أحوالهم، كما سنوضحه في البحثين: الرابع و السادس و نذكر ذلك في ضمن اثني عشر بحثا.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

البحث الأول في معنى لفظ الشيعة

و مشتقاته و متفرعاته، و أوّل من أطلق عليه هذا الاسم في الإسلام، و متى حدث اسم العلويّة و العثمانية و بقيّة الأسماء الّتي تطلق على الشيعة و فرقها المعروفة.

الشيعة

في القاموس‏ (1) : شيعة الرّجل بالكسر أتباعه و أنصاره و الفرقة على حدة، و يقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث، و قد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا و أهل بيته حتّى صار اسما لهم خاصّا، و الجمع أشياع و شيع كعنب.

و في تاج العروس‏ (2) : كلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، و كلّ من عاون إنسانا و تحزّب له فهو شيعة له، و أصله من المشايعة و هي المتابعة و المطاوعة، و قيل: عينه واو من شوع قومه إذا جمعهم.

و في لسان العرب‏ (3) : الشيعة القوم الّذين يجتمعون على الأمر، و كلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة-إلى أن قال-: و الشيعة أتباع الرجل و أنصاره، و جمعها شيع، و أشياع جمع الجمع، و يقال: شايعه كما يقال والاه من الولي -إلى أن قال-:

و أصل الشيعة الفرقة من النّاس، و يقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث بلفظ واحد و معنى واحد، و قد غلب هذا الاسم على من يتوالى عليّا و أهل بيته (رضوان اللّه عليهم أجمعين) حتّى صار لهم اسما خاصا، فإذا قيل:

____________

(1) القاموس المحيط، مادة شاع: 3/61-62.

(2) تاج العروس، الزبيدي: مادة شيع.

(3) لسان العرب، ابن منظور: مادة شيع: 8/188-189.

32

فلان من الشيعة عرف أنّه منهم، و في مذهب الشيعة كذا أي عندهم، و أصل ذلك من المشايعة و هي المتابعة و المطاوعة.

و قال الأزهري‏ (1) : معنى الشيعة الّذين يتّبع بعضهم بعضا و ليس كلّهم متّفقين، و الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يوالونهم.

فمن إطلاقها على الواحد المذكر و المؤنث قولهم فلان شيعة لعليّ، و كانت فلانة شيعة لعليّ، و من إطلاقها على الجمع قوله تعالى: هََذََا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هََذََا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: 15]و قوله تعالى:

وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرََاهِيمَ [الصّافات: 83].

في الكشاف: (من شيعته) ممّن شايعه على أصول الدين و إن اختلفت شرائعهما، أو شايعه على التصلّب في دين اللّه و مصابرة المكذّبين، و يجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء، و عن ابن عباس (رضي اللّه عنه) : من أهل دينه و على سنّته‏ (2) .

و من إطلاقها على الجمع قول الكميت:

و ما لي إلاّ آل أحمد شيعة # و ما لي إلاّ مشعب الحقّ مشعب‏ (3)

فجعل الآل شيعة له على عكس المتعارف أي أنصارا و أعوانا، و قولهم عليهم السّلام:

شيعتنا منا (4) ، و ما ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: عليّ و شيعته هم الفائزون‏ (5) .

و جاء في القرآن الكريم أشياع و شيع: كَمََا فُعِلَ بِأَشْيََاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ: 54]، في لسان العرب: أي بأمثالهم من الأمم الماضية و من كان مذهبه مذهبهم‏ (6) .

____________

(1) تهذيب اللّغة، الأزهري: مادة شيع.

(2) الكشاف للزمخشري: 4/48.

(3) الهاشميات: 73.

(4) الكافي، الكليني: 1/238 ح 15.

(5) م. ن: 2/209 ح 3.

(6) لسان العرب، ابن منظور: مادة شيع: 8/189.

33

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنََا أَشْيََاعَكُمْ [القمر: 150]أي أمثالهم من الماضين.

اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً [الأنعام: 153]أي فرقا.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهََا شِيَعاً [القصص: 4]أي فرقا.

و كانت هذه اللّفظة تقال على من شايع عليّا عليه السّلام قبل موت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده، قال الشيخ أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي‏ (1) (من أهل القرن الرابع) في كتاب الفرق و المقالات‏ (2) ما لفظه:

جميع أصول الفرق أربع فرق: الشيعة، و المعتزلة، و المرجئة، و الخوارج، فالشيعة: هم فرقة عليّ بن أبي طالب المسمون بشيعة عليّ في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما بعده، معروفون بانقطاعهم إليه و القول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود (3) ، و سلمان الفارسي‏ (4) ، و أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري‏ (5) ، و عمار بن

____________

(1) أبو محمّد، الحسن بن موسى النوبختي، متكلم، فيلسوف، فاضل شيعي، كان جمّاعة للكتب، له مصنّفات و كتب عديدة، منها: الآراء و الديانات، التوحيد، حدوث العالم و غيرها، سير أعلام النبلاء:

15/327 ترجمة رقم 162، لسان الميزان: 2/258.

(2) الفرق و المقالات، النوبختي: 43.

(3) المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحد السابقين الأولين، قيل له: المقداد بن الأسود لأنه كان حليفا للأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه، شهد بدرا و المشاهد، له عدّة أحاديث في كتب الصحاح الستة، مات بالجرف قرب المدينة، و دفن بالبقيع، سنة ثلاث و ثلاثين للهجرة و هو ابن سبعين سنة، الطبقات الكبرى لابن سعد:

3/119، سير أعلام النبلاء: 1/385 ترجمة رقم: 81.

(4) أبو عبد اللّه، سلمان الخير مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصله من فارس، له قصة طويلة في كيفية إسلامه، صحب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خدمه، و روى عنه، و له مناقب عدّة منها، و فيه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (إن الجنّة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ و عمار و سلمان) ، و كان من المعمرين، توفي سنة خمس و ثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، له روايات في الصحاح، ظ: الطبقات الكبرى: 4/56، أسد الغابة:

2/515، سير أعلام النبلاء: 3/505، ترجمة رقم: 91.

(5) جندب بن جنادة، أبو ذر الغفاري، من السابقين الأوائل إلى الإسلام، و من نجباء أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يفتي في خلافة أبي بكر، و عمر، و عثمان، هاجر إلى المدينة بعد هجرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليها، كان قمة في الزهد و الصدق و العلم و العمل يقول الحق و لا تأخذه بذلك لومة لائم، له مواقف معروفة و مشهورة مع معاوية و عثمان، حتى أبعده إلى الربذة فتوفي فيها، قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (ما أظلّت الخضراء، و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سرّه أن ينظر إلى زهد عيسى-

34

ياسر (1) ، و من وافق مودته مودّة عليّ عليه السّلام و هم أول من سمّي باسم التشيع من هذه الأمة؛ لأن اسم التشيع قديما لشيعة إبراهيم و موسى و عيسى و الأنبياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) .

و عن كتاب الزينة تأليف أبي حاتم سهل بن محمد السّجستاني‏ (2) المتوفى سنة (205 هـ) كما في كشف الظنون في الجزء الثالث من كتاب الزينة:

إنّ لفظ الشيعة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان لقب أربعة من الصحابة سلمان الفارسي، و أبي ذر الغفاري، و المقداد بن الأسود، و عمار بن ياسر.

ثم بعد مقتل عثمان و قيام معاوية و أتباعه في وجه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و إظهاره الطلب بدم عثمان و استمالته عددا عظيما من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية، و هم من يوالون عثمان و يبرأون من عليّ، أما من يوالونهما فلا يطلق عليهم اسم العثمانية، و صار أتباع عليّ يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم و استمرّ ذلك مدة ملك بني أمية.

و في دولة بني العباس نسخ اسم العلوية و العثمانية و صار في المسلمين اسم الشيعة و اسم السنّة إلى يومنا هذا، و لم يبق في فرق المسلمين اليوم من يبرأ من عليّ سوى الخوارج الّذين يبرأون منه و من عثمان معا.

و بناء على ما مرّ عن كتاب الزينة و عن كتاب الفرق و المقالات فما يظهر من

____________

ق-فلينظر إلى أبي ذر) توفي في خلافة عثمان بن عفان، الطبقات الكبرى لابن سعد: 4/165، سير أعلام النبلاء: 2/46 ترجمة رقم: 10.

(1) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة، أمه سميّة بنت خياط أول شهيدة في الإسلام، أحد السابقين إلى الإسلام و الأعيان المقربين، شهد جميع المشاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كان من أشدّ المحبين و الموالين لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، استشهد في صفين مع أمير المؤمنين، يكفي فيه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) ، الطبقات الكبرى لابن سعد: 3/186، سير أعلام النبلاء: 1/406، ترجمة رقم: 406.

(2) سهل بن محمد بن عثمان، أبو حاتم السجستاني ثم البصري، من كبار أعلام اللّغة و الأدب، له أكثر من ثلاثين كتابا، منها: إعراب القرآن، المعمرين، ما تلحن فيه العامة، توفي سنة: (248 هـ و قيل 255 هـ و قيل 250 هـ) سير أعلام النبلاء: 12/268 ترجمة رقم: 102، أعلام الزركلي:

3/143.

35

فهرست ابن النديم من أن تسمية أتباع عليّ عليه السّلام بإسم الشيعة كان ابتداؤه من يوم الجمل ليس بصواب بل تسميتهم بذلك من زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال محمّد بن إسحاق النديم في الفهرست‏ (1) ما لفظه: ذكر السبب في تسمية الشيعة بهذا الاسم:

قال محمد بن إسحاق: لمّا خالف طلحة و الزبير على عليّ، و أبيا إلاّ الطلب بدم عثمان بن عفان، و قصدهما عليّ عليه السّلام ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر اللّه جلّ اسمه، تسمّى من اتبعه على ذلك الشيعة، فكان يقول: شيعتي، و سمّاهم عليه السّلام:

الأصفياء الأولياء

شرطة الخميس‏ (2) الأصحاب‏

و سواء أكان إطلاق هذا الاسم عليهم يوم الجمل أم في حياة رسول

____________

(1) الفهرست، ابن النديم: 171.

(2) في فهرست ابن النديم: معنى شرطة الخميس: أن عليّا قال لهذه الطائفة: تشرّطوا إنما أشارطكم على الجنّة، و لست أشارطكم على ذهب و لا فضّة، إن نبيّا من الأنبياء في ما مضى قال لأصحابه: تشرّطوا فإني لست أشارطكم إلاّ على الجنّة.

و روى الكشي: 1/19 ح 8، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة في تسميتهم شرطة الخميس، قال: ضمنّا له الذبح، و ضمن لنا الفتح يعني أمير المؤمنين عليه السّلام.

و في رواية أخرى عنه: كان يقول لنا: تشرّطوا تشرّطوا إشراطكم، فو اللّه ما اشترطكم لذهب و لا لفضة، و ما أشترطكم إلاّ للموت، إلاّ أن قوما من قبلكم تشارطوا نبيّهم فما مات أحد منهم حتى كان نبيّ قومه أو نبيّ قريته، أو نبيّ نفسه، و إنكم لبمنزلتهم غير إنكم لستم بأنبياء، و ذكرنا الروايتين في ترجمة أصبغ.

و روى الكشي: 1/20 ح 9، بسنده عن غياث الهمداني، قال: مرّ بنا أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:

اكتبوا في هذه الشرطة فو اللّه لا غناء لمن بعدهم إلاّ شرطة النار من عمل بمثل أعمالهم.

و قال البرقي في رجاله: شرطة الخميس ستة آلاف رجل، قال عليّ بن الحكم، قال أمير المؤمنين عليه السّلام لهم: تشرطوا... إلى آخر ما مرّ عن الفهرست.

أقول: الشرطة بوزن غرفة جماعة مخصصون من الجيش جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، و الخميس الجيش لأنه مركب من خمسة أقسام: القلب، و الجناحان، و المقدمة، و الساقة، أو لأنه يأخذ خمس الغنيمة، و يظهر مما تقدم أن شرطة الخميس كان من زمن عليّ عليه السّلام إسما لجماعة خاصة مخلصة في ولائه، و أن سبب تسميتهم بذلك قوله لهم: تشرطوا أو أنهم تشرطوا على أنفسهم القتل في الحرب كما تدلّ عليه رواية الأصبغ و غيرها، و اللّه أعلم.

36

اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو بعد يوم الجمل فالقول بتفضيل عليّ عليه السّلام و موالاته الّذي هو معنى التشيع كان موجودا في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و استمرّ بعده إلى اليوم.

و في كتاب (غاية الاختصار في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار) تأليف السيّد تاج الدين بن حمزة زهرة الحسيني نقيب حلب‏ (1) ، المطبوع بمصر ما لفظه: (حديث تسمية الشيعة بهذا الاسم) :

كلّ قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع، و شيعة الرجل أتباعه و أنصاره، و يقال شايعه كما يقال والاه من الولي و المشايعة، و كأن الشيعة لمّا اتبعوا هؤلاء القوم و اعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سمّوا بهذا الإسم لأنهم صاروا أعوانا لهم و أنصارا و أتباعا.

فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية و تسلّمها معاوية ابن صخر من الحسن بن عليّ، و تلقفها من بني أمية رجل فرجل، نفر كثير من المسلمين من المهاجرين و الأنصار عن بني أمية و مالوا إلى بني هاشم، و كان بنو علي و بنو العباس يومئذ في هذا شرع، فلما انضموا إليهم و اعتقدوا أنهم أحقّ بالخلافة من بني أمية و بذلوا لهم النصرة و الموالاة و المشايعة سمّوا شيعة آل محمّد، و لم يكن إذ ذاك بين بني عليّ و بني العباس افتراق في رأي و لا مذهب، فلما ملك بنو العباس و تسلّمها سفّاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم و بين بني عليّ، فبدا منهم في حقّ بني عليّ ما بدا، فنفر عنهم فرقة من الشيعة و أنكرت فعلهم و مالت إلى بني عليّ، و اعتقدت أنّهم أحقّ بالأمر و أولى و أعدل فلزمهم هذا الإسم فصار المتشيّع إلى اليوم الّذي يعتقد إمامة أئمة الإمامية من بني عليّ عليه السّلام إلى القائم المهديّ محمّد بن الحسن (عج) لا الموالي لبني عليّ و العباس كما كان من قبل.

و مما تقدم يظهر فساد ما يتوهمه بعضهم من أن مذهب الشيعة و التشيع حادث و اللّه الهادي.

____________

(1) تاج الدين بن محمّد بن حمزة بن عبد اللّه بن محمّد بن محمّد بن عبد المحسن بن الحسن بن زهرة بن الحسن بن عز الدين أبي المكارم حمزة الحسيني الإسحاقي الحلبي ثم الفوعي، كان شيخا كبيرا معمرا رحل إلى بلاد العجم لطلب العلم، توفي سنة (927 هـ) ، ظ: أعيان الشيعة: 3/628.

غ

37

(و الشيعي) نسبة إلى الشيعة يقال للواحد منهم شيعي، في أنساب السمعاني‏ (1) :

الشيعي هذه النسبة إلى الشيعة، ثم ذكر جماعة ممن اشتهر بهذه النسبة من شيعة بني العباس، ثم قال: و ثم جماعة من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و يتولّون إليه و هم كثرة، و يقال لهم الشيعة، منهم محمّد بن عليّ بن عبدك الشيعي، قال أبو تمام‏ (2) في محمّد بن عبد الملك الزيات‏ (3) وزير المعتصم:

وزير حقّ و والي شرطة و رجا # ديوان ملك و شيعيّ و محتسب‏ (4)

و قال محمد بن هانى‏ء الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور (5) :

لي صارم و هو شيعي كحامله # يكاد يسبق كراتي إلى البطل

إذا المعز معز الدين سلطه # لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل‏ (6)

و قال الأخرس البغدادي الشاعر المعاصر المشهور:

و إنّي لشيعيّ لآل محمّد # و إن أرغمت أناف قومي و عذّلي

و أشهد أن اللّه لا ربّ غيره # و إن وليّ اللّه بين الورى علي‏

و قال مهيار الديلمي‏ (7) ، يصف قصائده في أمير المؤمنين عليه السّلام:

____________

(1) الأنساب، السمعاني: 3/514، ط دار الكتب العلمية: بيروت.

(2) حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي، أبو تمام الطائي، شاعر كبير من فحول الشّعراء، ولد أيام هارون الرشيد، مدح الخلفاء و الكبار و شعره في القمة، و كان البحتري يرفعه، ظ: الأغاني لأبي الفرج: 16/383، 399، وفيات الأعيان: 2/11، سير أعلام النبلاء: 12/63 ترجمة رقم: 63.

(3) أبو جعفر محمّد بن عبد الملك بن أبان بن الزيات، الوزير الأديب أبو جعفر، وزر للمعتصم و الواثق، له قصص و أخبار و نوادر كثيرة، توفي في سنة: (233 هـ) ظ: وفيات الأعيان: 4/182، 5/94، سير أعلام النبلاء: 12/172 ترجمة رقم: 74.

(4) ديوان أبي تمام: 321.

(5) أبو الحسن، محمد بن هاني الأزدي المهلبي الأندلسي، ولد بإشبيلية، و كان ذا حظوة عند صاحبها، كان بديع النظم، حافظا لأشعار العرب و أيامها، له ديوان كبير توفي في سنة (362 هـ) ظ: وفيات الأعيان: 4/421، سير أعلام النبلاء: 16/131 ترجمة رقم: 88.

(6) ديوان ابن هاني: 211.

(7) مهيار بن مرزويه الديلمي، الشاعر المشهور المعروف، كان مجوسيا فأسلم على يد الشريف الرضي فهو أستاذه في التشيع و الشعر، و قيل: إنّه أسلم في سنة: (394 هـ) كان شاعرا جزل القول، قوي-

38

غرا اقد من الجبال معانيا # فيها و ألتقط النجوم قوافيا

و تعصبا و مودّة لك صيّرا # في حبّك الشيعي من إخوانيا

(و تشيع) صار شيعيا و هو متشيع.

قال ابن أبي الحديد (1) في بعض علوياته:

و رأيت دين الاعتزال و أنني # أهوى لأجلك كل من يتشيّع‏ (2)

و في لسان العرب‏ (3) : شيع الرجل إذا ادعى دعوى الشيعة.

و في كتاب بشارات الشيعة (4) للشيخ محمد بن الحسين بن محمد رضا المازندراني الشهير بإسماعيل، شرع في تأليفه سنة 1155 هـ قال في موثق أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام أنه قال:

ليهنئكم الاسم، قلت: و ما هو جعلت فداك؟قال: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرََاهِيمَ [الصّافات: 83]و قوله عزّ و جلّ: فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: 15]فليهنئكم الإسم.

و في مجمع البيان، روى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ليهنئكم الاسم، قلت: و ما هو؟قال: الشيعة، قلت: الناس يعيروننا بذلك، قال: أما تسمع قوله سبحانه: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرََاهِيمَ و قوله: فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ (5) .

و في مجمع البيان أيضا: روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

____________

ق-المعنى له ديوان شعر كبير و هو مشهور، توفي في سنة: (428 هـ) ظ: سير أعلام النبلاء: 17/472 ترجمة رقم 310، وفيات الأعيان: 5/359 ترجمة رقم: 755.

(1) موفق الدين قاسم بن هبة اللّه بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد، كان الوزير ابن العلقمي يجلّه كثيرا، و له ألّف كتاب شرح نهج البلاغة المعروف، توفي سنة: (656 هـ) .

(2) القصائد الهاشميات و القصائد العلويات: 144.

(3) لسان العرب، مادة شيع: 8/189.

(4) بشارات الشيعة، إسماعيل المازندراني: 111.

(5) مجمع البيان، الطبرسي: 8/701.

39

ليهنئكم الإسم، قلت: و ما الاسم؟قال: الشيعة أما سمعت اللّه سبحانه يقول:

فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ مجمع البيان‏ (1) .

و في حسن المحاضرة (2) للسيوطي: أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب، أن تبيعا قال:

كان السّحرة من أصحاب موسى (عليه الصّلاة و السّلام) و لم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل.

ثم روى عن ابن عبد الحكم بسنده عن تبيع، قال: استأذن جماعة من الّذين كانوا آمنوا من السّحرة موسى عليه السّلام في الرجوع إلى أهلهم و مالهم بمصر فأذن لهم، فترهبوا في رؤوس الجبال فكانوا أول من ترهب و كان يقال لهم الشيعة (الحديث) .

الإمامية

قال المرتضى في كتاب العيون و المحاسن من كتاب المجالس للمفيد (3) :

هم القائلون بوجوب الإمامة و العصمة و وجوب النصّ، و إنما حصل لها هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول.

و قال السمعاني‏ (4) في الأنساب: الإمامية جماعة من غلاة الشيعة، و إنما لقّبوا بهذا اللّقب لأنهم يرون الإمامة لعليّ و أولاده، و يعتقدون أنه لا بدّ للناس من الإمام، و ينتظرون إماما سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.

أقول: تبرأ الإمامية الإثنا عشرية من كلّ غال في أحد من أهل البيت عليهم السّلام مخرج له عن درجة العبودية، و من كلّ ناصب لهم العداوة إلاّ أن يكون السّمعاني يرى أن هذا الاعتقاد الّذي نقله عنهم غلوّا و هو عين القصد.

____________

(1) م. ن: 7/381.

(2) حسن المحاضرة، السيوطي: 1/310.

(3) سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، الفصول المختارة من العيون و المحاسن: 2/296.

(4) الأنساب، السمعاني: 1/311.

40

و الإمامية فرق، منهم: (الإثنا عشرية) و هم الّذين وضع كتابنا هذا لتراجمهم و لا نذكر غيرهم إلاّ قليلا، و منهم: (الكيسانية) القائلون بإمامة محمّد بن الحنفية (1) ، و هم أصحاب المختار (2) الّذي كان يلقب كيسان و قد انقرضوا، و منهم (الزيدية) القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليه السّلام‏ (3) و كل من خرج بالسيف من ولد عليّ و فاطمة عليهما السّلام و كان عالما شجاعا.

و في خطط المقريزي‏ (4) : أن يكون فيه ستّ خصال: العلم، و الزهد، و الشجاعة، حسنيا أو حسينيا، و زاد بعضهم صباحة الوجه، و عدم الآفة.

و منهم (الإسماعيلية) القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق‏ (5) بعد أبيه، و يسوقون الإمامة في ولده و هم في بلاد الهند و يسمّون اليوم (بهرة) و لهم تكايا منظمة في جميع البلاد التي يقصدونها للحج و الزيارة، و هم غير الإسماعيلية الباطنية أتباع آغا خان، و منهم: (الفطحية) القائلون بإمامة عبد اللّه الأفطح ابن

____________

(1) أبو القاسم، محمد بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أمه خولة بنت جعفر الحنفية من سبي اليمامة، ولد في العام الذي توفي فيه أبو بكر، روى عن أبيه عليه السّلام و عمر بن الخطاب، و عمار بن ياسر و جماعة من الصحابة، و حدّث عنه بنوه و جماعة من الاعلام، شهد مع أبيه جميع حروبه و له القدح المعلّى في ذلك، مات سنة (65 هـ) . ط: طبقات ابن سعد: 5/91، سير أعلام النبلاء: 4/110 ترجمة رقم: 36.

(2) المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، أسلم في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم استعمل أباه عمر بن الخطاب على جيش العراق في وقعة الجسر المعروفة، كان من ذوي الرأي و الفصاحة و الشجاعة و الدهاء، ظ: أسد الغابة: 5/122، الإصابة: 3/518، سير أعلام النبلاء: 3/538 ترجمة رقم: 144.

(3) زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أبو الحسين الهاشمي العلوي، روى عن أبيه و أخيه الباقر عليه السّلام و روى عنه شعبة و ابن أبي الزناد و غيرهم، كان ذا علم و جلالة و صلاح، خرج على بني أمية في الكوفة و استشهد في الواقعة المعروفة، و صلب أربع سنين، استشهد في سنة (125 هـ) ، ظ: مقاتل الطالبيين: 127، وفيات الأعيان: 5/122، سير أعلام النبلاء: 5/389 ترجمة رقم: 178.

(4) الخطط المقريزية: 3/411.

(5) إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أبو محمد، توفي في حياة أبيه الصادق عليهم السّلام سنة (133 هـ) بالعريض، و دفن في البقيع، إليه تنسب الإسماعيلية، كان فاضلا عالما دينيا ورعا، ظ: الأعيان: 3/316.

41

الإمام جعفر الصادق عليه السّلام، بعد أبيه، لقب بذلك لأنه كان أفطح الرأس أي عريضه، أو الرجلين أي عريضهما و قد انقرضوا، و منهم: (الواقفة) الواقفون على الكاظم عليه السّلام و ربما يطلق على غيرهم و قد انقرضوا أيضا، و منهم: (الناووسية) عن الملل و النحل‏ (1) للشهرستاني: أنهم من وقف على جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام اتباع رجل يقال له (ناووس) و قيل نسبة إلى قرية (ناووسا) (2) قالوا: إن الصادق لم يمت و لن يموت حتى يظهر و يظهر أمره و هو القائم المهدي و قد انقرضوا أيضا.

و الموجود اليوم من فرق الشيعة هم الإمامية الإثنا عشرية و هم الأكثر عددا، و الزيدية، و الإسماعيلية (البهرة) .

المتاولة

يطلق في الأعصار الأخيرة على شيعة جبل عامل، و بلاد بعلبك، و جبل لبنان و هو جمع متوالي اسم فاعل من توالى، مأخوذ من الولاء و الموالاة و هي الحبّ، لموالاتهم أهل البيت و إتّباعهم طريقتهم، قال مهيار (3) :

بالطّالبيّين اشتفى من دائه الـ # مجد الّذي عدم الدّواء الشّافيا

شرعوا المحجّة للرشاد و أرخصوا # ما كان من ثمن البصائر غاليا

و أمّا و سيّدهم عليّ قولة # تشجي العدوّ و تبهج المتواليا

و عن الشيخ محمد عبده‏ (4) العالم المصري الشهير: أنهم كانوا يقولون في حروبهم: مت وليّا لعليّ، فسمي الواحد منهم متواليا لذلك.

____________

(1) الملل و النحل، الشهرستاني: 1/167.

(2) ظ: معجم البلدان: 5/295.

(3) ديوان مهيار الديلمي: 136.

(4) محمّد عبده بن حسن خير اللّه، مفتي الديار المصرية، ولد في شنرا (من قرى الغربية بمصر) و نشأ في محلة (نصر) بـ (البحيرة) ، أخذ دروسه في الجامع الأحمدي بطنطا ثم الأزهر، من كبار رجال الإصلاح و التجديد في الإسلام، شارك في الجهاد ضد الإنكليز حتى سجن ثم نفي إلى بلاد الشام، له بحوث و مقالات و مجلات معروفة، تولّى الإفتاء في الديار المصرية سنة (1317 هـ) توفي في الإسكندرية، و دفن في القاهرة. الأعلام: 6/252.

42

و قال الفاضل الشيخ أحمد رضا العاملي النباطي المعاصر فيما أدرجه في كتاب خطط الشام للفاضل المعاصر محمد كرد علي الدمشقي ما حاصله:

الظاهر أن تلقيبهم بذلك في جبل عامل لم يتقدم عن القرن الثاني عشر للهجرة لأن المؤرخين قبله لم يعرفوا لهم هذا اللّقب، فالمحبّي في (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) ينبزهم بالرافضة، و المرادي في (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) يسميهم في جبل عامل المتاولة.

و جاء في بعض السالنامات التركية أن ابتداء ظهور المتاولة سنة (1100 للهجرة) و بالجملة سموا بذلك لما أظهروا وجودهم السياسي و خلعوا طاعة أمراء لبنان و اجتمعوا جملة واحدة في جبل عامل بقيادة آل نصار الوائليين، و في بعلبك تحت لواء بني حرفوش، و في شمالي لبنان بزعامة المشايخ آل حمادة: كانوا يومئذ ينتخون باسم بني متوال فعرفوا به و اشتهر عنهم، و يدلّ عليه أن هذا اللّقب لم يكن إلاّ للذين دخلوا غمار تلك الحروب من شيعة جبل عامل و بعلبك و جبل لبنان دون شيعة حلب و حمص و حماه و دمشق إلاّ من تدير الصالحية و الميدان من مهاجرة جبل عامل و بعلبك و لبنان.

قزلباش‏

لفظ تركي معناه ذو الرأس الأحمر، في بستان السياحة ما ترجمته:

إنه اسم لطائفة من طوائف الترك و التركمان، و أصل هذه الطائفة يتفرع إلى خمس فرق (شاملو) و (استجلو) و (تكلو) و (تركمان) و (ذو القدر) و كلّ فرقة من هذه الفرق تنسب إلى عدّة و جاقات، و هؤلاء التركمان غير طائفة التركمان المعروفة (بصاين خاني) التي في نواحي جرجان، و دشت، قبجاق، و خراسان و هم سنيّون لأن أهل قزلباش شيعة إمامية إثنا عشرية، و قيل: وجه تسميتهم بذلك إن السلطان حيدر ابن السلطان جنيد الصفوي رأى في منامه أمير المؤمنين مع سائر الأئمة عليهم السّلام في مجلس و نظر إليه بعين العطف و الرحمة، و أمره أن يجعل علامة مميزة لأصحابه فوقع في نفسه أنه اخترع تاجا من السقرلاط الأحمر له إثنا عشر ركنا و لبسه على رأسه، و حيث إنّ اسم الأحمر بالتركية (قزل) و الرأس (باش)

43

سماه أتباعه (قزلباش) أي ذو الرأس الأحمر، و أطلق هذا الاسم أيضا على سائر أتباعه و مريديه، و بقي رسم هذا التاج معمولا به إلى زمن الشاه حسين الصفوي ثم ترك، و الآن اسم قزلباش في بلاد إيران مشهور.

و في مملكة التورانيّين و بلاد الهند يسمى كلّ شيعي و كلّ إيراني قزلباش، و في بلاد الروم و الشام يسمون كلّ شيعي بذلك، و في بلاد إيران يسمون الجندي قزلباش.

الرافضة

لقب ينبز به من يقدّم عليّا عليه السّلام في الخلافة، و أكثر ما يستعمل للتشفي و الإنتقام، و إذا هاجت هائجة العصبية لم يتوقف في إطلاقه على كلّ شيعي، و قد أدّى حبّ الانتقام إلى اختلاق الروايات في ذلك عن صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّ محبّي أهل بيته و مواليهم الّذين أكّد الوصاية بهم، و جعلهم أحد الثّقلين اللذين لا يضلّ المتمسك بهما (1) .

و شاع في جملة من المؤلفات أن أصل هذا اللّقب من عهد زيد بن علي بن الحسين عليهم السّلام لما سئل عن الشيخين بالكوفة، فقال: هما صاحبا جدي و ضجيعاه في قبره أو ما يشبه ذلك فرفضوه فسموا بذلك، و لا يبعد أن يكون هذا من المختلقات، فلم يذكره أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطّالبيين عند ذكره مقتل زيد، و إحاطته غير منكورة، و جماعة غيره لم يذكروه عند ذكر واقعة زيد و مقتله، و لم يذكروا أن جماعة من أهل الكوفة تركوه لذلك بل ذكروا أنه بايعه منهم جمهور كبير، ثم خذلوه على عادتهم في الخذلان لجدّه أمير المؤمنين، و عمّ أبيه الحسن، و جدّه الحسين عليهم السّلام.

____________

(1) إشارة إلى حديث التمسك المشهور و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) سنن الترمذي: 2/308، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة في باب فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام، مسند أحمد بن حنبل: 3/17، كنز العمال: 944.

44

و في كتاب بشارات الشيعة (1) : ما أحسن ما ذكره الثعلبي بإسناده، قال أنشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني‏ (2) ، قال: أنشدني منصور الفقيه لنفسه:

إن كان حبّي خمسة # زكت بهم فرائضي

و بغض من عاداهم # رفضا فإني رافضي‏

و أحسن منه ما نقل عن الإمام الشافعي (رض) حيث يقول‏ (3) :

يا راكبا قف بالمحصّب‏ (4) من منى # و اهتف بساكن خيفها و النّاهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى # فيضا كمرفض الفرات الفائض

إن كان رفضا حبّ آل محمّد # فليشهد الثّقلان أنّي رافضي‏

و للإمام الشافعي أيضا كما عن كتاب الجوهر اللّماع:

إذا في مجلس ذكروا عليّا # و سبطيه و فاطمة الزّكيّة

فأجرى بعضهم ذكرا سواهم # فأيقن أنّه لسلفلقية

إذا ذكروا عليّا أو بنيه # تشاغل بالروايات العليّة

و قال تجاوزوا يا قوم هذا # فهذا من حديث الرافضيّة

برئت إلى المهيمن من أناس # يرون الرّفض حبّ الفاطميّة

على آل الرسول صلاة ربّي # و لعنته لتلك الجاهليّة (5)

و قال العبدي، شاعر آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، من قصيدة:

لقبت بالرفض لمّا أن منحتكم # ودّي و أفضل ما ادعى به لقبي‏ (6)

____________

(1) بشارات الشيعة: 213.

(2) أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، ولد سنة (277 هـ) الحافظ الحجّة الفقيه له تصانيف عديدة و حدّث عنه الكثير من العلماء، توفي في سنة (371 هـ) ظ: الوافي بالوفيات: 6/213، سير أعلام النبلاء: 16/292 ترجمة رقم: 208.

(3) تجدها في الغدير، الأميني: 4/324.

(4) بالضم ثم الفتح و صاد مهملة مشدّدة، موضع بين مكة و منى و هو إلى منى أقرب، معجم البلدان: 5/74.

(5) تجدها في الغدير: 4/371.

(6) م. ن: 4/371.

غ

45

قال المرزباني، كما في قطعة مخطوطة عندنا منتخبة من بعض مؤلفاته خاصة بشعراء الشيعة:

لما ولي الرشيد رفع إليه في السيّد الحميري أنه رافضي، فقال: إن كان الرافضي هو الّذي يحبّ بني هاشم و يقدّمهم على سائر الخلق فما اعتذر منه و لا أزول عنه، و إن كان غير ذلك فما أقول به و أنشد:

شجاك الحيّ إذ بانوا # فدمع العين هتّان

كأني يوم زمّوا العيـ # س للرحلة نشوان

و فوق العيس إذ ولّوا # بها حور و غزلان

إذا ما قمن فالأعجا # ز في التشبيه كثبان

و مان جاوز للأعلى # فأقمار و أغصان‏

إلى أن قال:

عليّ و أبو ذرّ # و مقداد و سلمان

و عمّار و عباس # و عبد اللّه إخوان

دعوا فاستودعوا علما # فأدّوه و ما خانوا

أدين اللّه ذا العز # ة بالدين الّذي دانوا

و ما يجحد ما قد قلـ # ت في السّبطين إنسان

و إن أنكر ذو النّصب # فعندي فيه عرفان

و إن عدوه لي ذنبا # و حال الوصل هجران

فلا كان لهذا الذنـ # ب عند القوم غفران

و كم عدّت إساءات # لقوم و هي إحسان

و سرّي فيه يا داعي # دين اللّه إعلان

فحبّي لك إيمان # و ميلي عنك كفران

فعدّ القوم ذا رفضا # فلا عدّوا و لا كانوا (1)

____________

(1) الغدير، الأميني: 3/396.

46

و حكى المرزباني أيضا في القطعة المذكورة، عن شريك بن عبد اللّه القاضي‏ (1) ، قال: سعي بي إلى المهدي بأني رافضي-إلى أن قال-فقلت: إن كان الرافضي من أحبّ رسول اللّه و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، فأنا أشهد بأن أمير المؤمنين رافضي، أفتبغضهم أنت، قال: معاذ اللّه.

الجعفرية

اشتهر به في هذا العصر أصحابنا الإمامية الاثنا عشرية باعتبار أن مذهبهم في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام و نسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه و إن كان أخذهم عن أئمة أهل البيت الاثني عشر بالسواء، لكن لمّا كانت الروايات عنه في فروع الفقه أكثر منها عن غيره بكثير لكون عصره في آخر عصر الدولة الأموية عندما بدأت بالضعف و أول عصر الدولة العباسية التي لم يكن قد بدأ فيها التعصب الشديد لكونها دولة هاشمية في أول نشأتها، فكان للأئمة من أهل البيت يومئذ شي‏ء من الحرية و عدم الخوف، فأخذوا في نشر مذهبهم الّذي تلقوه عن جدهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كثرت الرواة عنهم فيه.

أما في عصر المنصور و الرشيد و من ضارعهما من جبابرة ملوكهم فقلّ الرواة عنهم لمكان الضغط و الخوف الشديدين كما في عصر الدولة الأموية إبان قوتها بل أشد، و قال لي عالم من علماء المغاربة بدمشق ينسب إلى الحسن السبط عليه السّلام:

أنا لو علمت مذهب الإمام جعفر الصادق لما عدوته، و لكن لا سبيل لي إلى العلم به لأنّ الشيعة يكذبون في نسبة مذهبهم إليه، فقلت له: من المحقق أن مذهب كلّ شخص يعلم من أتباعه و يؤخذ منهم فكيف علمنا مذهب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مما اتفق عليه المسلمون، و علمنا مذهب الإمام أبي حنيفة ما نقله الحنفية عنه، و مذهب الإمام الشافعي مما حكاه الشافعية عنه، و لم نعلم مذهب الإمام جعفر مما رواه شيعته و أتباعه عنه، فقال: لا بد من حكم خارج عن

____________

(1) أبو عبد اللّه النخعي القاضي، أدرك عمر بن عبد العزيز، روى عن جماعة كثيرة، و روى عنه جماعة، و ثقّة يحيى بن معين، ظ: تاريخ بغداد: 9/79، سير أعلام النبلاء: 8/200 ترجمة رقم (37) .

47

الفريقين، فقلت: إذا نحكّم عالما من أهل الذمة، فقال: كيف تقول هذا؟فقلت:

أنت تقوله، فانقطع و سكت.

الخاصّة

و هذا يطلقه أصحابنا على أنفسهم مقابل العامّة الّذين يسمّون بأهل السنّة، لأن أصحابنا يرون أنفسهم أحقّ من أخذ بالسنّة، و لأنهم فرقة خاصة بين عموم فرق المسلمين المتكثرة.

تنبيه هام‏

يوجد في كتب الملل و النحل من تأليف غير الشيعة، و فيما ذكره المقريزي في خططه‏ (1) عند ذكر الفرق و اختلاف عقائدها أسماء لمسميات أدرجوها في فرق الشيعة لم نسمع بها من غيرهم، و بالغوا في تكثير فرقها حتّى قال بعضهم: إنّ الثلاثة و السبعين فرقة أكثرها من الشيعة، و كأنهم لمّا نقص عليهم العدد اضطرّوا إلى اختراع فرق لا وجود لها، و وضعوا لها أسماء من عندهم كما سنبرهن على ذلك، مع أن المقريزي الّذي زعم أن فرقها بلغت الثلثمائة (2) لم يستطع أن يعدّ منها غير عشرين زعم أنها المشهور، على أننا سنثبت أن جملة من هذه العشرين مختلق مخترع.

و إننا و أيم اللّه لنتحامى و نتجافى عن كلّ ما يستشم منه التحيّز و نبتعد جهدنا عن الردّ و النقض ما أمكن، و لكن ما نصنع و قد طبع من هذه الكتب الألوف و انتشرت في الآفاق و قرأها العام و الخاص و اعتقدها الكثيرون صوابا حتّى وصلت إلى أهل هذا الزمان أمثال الرافعي‏ (3) و غيره، و بنوا عليها القصور و العلالي و أودعوها مؤلفاتهم، و تصدّوا لذمّ الشيعة فيها لمناسبة و غير مناسبة، و أنكروا كلّ

____________

(1) الخطط المقريزية: 3/412.

(2) م. ن: 3/408.

(3) مصطفى صادق بن عبد الرزاق الرافعي، أديب، شاعر، كاتب كبير، ولد سنة (1881 م) في الشام، له تآليف كثيرة، من أهمها: تاريخ آداب اللّغة العربيّة، تحت راية القرآن، و غيرها، توفي بمصر سنة (1937 م) . أعلام الزركلي: 7/235.

48

فضيلة لهم لأجل هذه النّسب الباطلة، فالضرورة و واجب الدين و تمحيص الحقّ و المحاماة عنه المفروضة توجب علينا بيان ما فيها من الباطل لا سيما إنّ السّكوت عنها يعدّ كالإقرار بها، سائلين من خلص إخواننا السّاعين في تأليف الكلمة أن يقبلوا عذرنا في ذلك.

قال المقريزي في خططه‏ (1) : إن فرق الرافضة بلغت ثلثمائة، و المشهور منها عشرون و هي الإمامية.

أقول: مع أن جلّ هذه الفرق التي ذكرها هو و غيره لا يعرف لأسمائها مسمّيات حتّى في عصر ناقلها، فهي إمّا منقرضة أو لم توجد في الدنيا، فوجودها و عدمها لا يضرّنا بعد ما كانت طائفتنا الإمامية الإثنا عشرية الجعفرية منزّهة عمّا زعم فيها، إنما نريد أن نلفت الأنظار إلى جملة منها نسبت عقائدها إلى أجلاّء أصحاب أئمة أهل البيت عليهم السّلام و ثقاتهم المنزّهين في عقائدهم مما نسب إليها، و ذلك دليل على أنها مختلقة مكذوبة من دون شك. منها: (الزرارية) قال المقريزي‏ (2) :

و قالت الزرارية أتباع زرارة بن أعين‏ (3) : الإمام بعد جعفر ابنه عبد اللّه، إلاّ أنه سأله عن مسائل فلم يمكنه الجواب عنها، فادعى إمامة موسى بن جعفر من بعد أبيه.

ثم قال بعد نحو من ورقة: و الفرقة العاشرة الزرارية أتباع زرارة بن أعين أحد الغلاة في الرفض، و زعم مع ذلك أن اللّه تعالى لم يكن في الأول عالما و لا قادرا حتّى اكتسب لنفسه جميع ذلك (و عدّ من فرق المشبهة) .

(الهشامية) قال: أتباع هشام بن الحكم‏ (4) ، و يقال لهم أيضا الحكمية و من

____________

(1) الخطط المقريزية: 3/408.

(2) م. ن: 4/409.

(3) زرارة بن أعين بن سنسن، أبو الحسن شيخ الإمامية و متقدمهم، قارئ فقيه متكلّم شاعر أديب، له كتب و مؤلفات عديدة، من أصحاب الإمام الباقر عليه السّلام، رواياته في الكافي و التهذيب و غيرها، ظ:

معجم رجال الحديث: 7/471، رجال النجاشي: 1/397.

(4) هشام بن الحكم المتكلم الشيعي المعروف، من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام له باع طويل و شهرة عريضة في علم الكلام، له كتب عديدة في الردّ على المعتزلة، و له في التوحيد، ظ: لسان الميزان:

6/194، سير أعلام النبلاء: 10/543 ترجمة رقم 174.

49

قولهم: الإله تعالى كنور السّبيكة الصّافية يتلألأ من جوانبه، قال: و الجولقية أتباع هشام بن سالم الجولقي‏ (1) ، و هو من الرافضة أيضا، و من شنيع قوله: إنّ اللّه تعالى على صورة الإنسان نصفه الأعلى مجوف و نصفه الأسفل مصمت، و ليس بلحم و دم بل هو نور ساطع، و له خمس حواسّ كحواسّ الإنسان، و يد و رجل و فم و عين و أذن و شعر أسود، ثم قال:

و الفرقة التاسعة الهشامية، و هم صنفان: أحدهما أتباع هشام بن الحكم، و الثاني أتباع هشام الجولقي، و هما يقولان لا تجوز المعصية على الإمام، و تجوز على الأنبياء، و إنّ محمّدا عصى ربّه في أخذ الفداء من أسرى بدر (2) .

قال: و المفضلية، أتباع المفضل بن عمرو (3) ، قالت: الإمام بعد جعفر ابنه موسى، و إنه مات فانتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن موسى‏ (4) .

قال: و اليونسية، أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي‏ (5) ، و كلّهم من الروافض، ثم قال:

و الخامسة عشرة اليونسية، أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي أحد الغلاة المشبهة (6) ، فجعله تارة ابن عبد الرحمن و تارة ابن عبد اللّه، و الصواب ابن عبد الرحمن، و التعدد معلوم العدم.

____________

(1) هشام بن سالم الجواليقي، نسبة إلى بيع الجوالق وعاء معروف يعمل من صوف لحم الأمتعة و هو معرب، مولى بشر بن مروان، من سبي الجوزجان، روى عن السجاد عليه السّلام و أبي عبد اللّه عليه السّلام و الكاظم عليه السّلام ثقة، من كبار متكلمي الإمامية، ظ: رجال النجاشي: 2/399، معجم رجال السيد الخوئي: 19/413.

(2) الخطط المقريزية: 3/412.

(3) المفضل بن عمر الجعفي، وقع الاختلاف فيه، فمنهم من وثقه مثل المفيد و الطوسي، و منهم من ضعفه و تركه مثل النجاشي و غيره، ظ: رجال النجاشي: 2/359، معجم رجال السيد الخوئي:

18/480، أعيان الشيعة: 10/132.

(4) م. ن: 3/409.

(5) يونس بن عبد الرحمن، مولى علي بن يقطين، وجيه من الإمامية المقدمين، عظيم المنزلة، روى عن الإمامين الكاظم عليه السّلام و الرضا عليه السّلام و كان الإمام الرضا يشير عليه بالفتيا، ورد فيه مدح كثير، ظ:

رجال النجاشي: 2/420، رجال الكشي ترجمة رقم: 351.

(6) الخطط المقريزية: 3/414.

50

قال: و السّابعة عشرة الشيطانية، اتباع محمّد بن النعمان شيطان الطّاق‏ (1) ، و قد شارك المعتزلة و الرافضة في جميع مذهبهم، و انفرد بأعظم الكفر-قاتله اللّه- و هو أنه زعم: أن اللّه لا يعلم الشي‏ء حتّى يقدّره، و قبل ذلك يستحيل علمه‏ (2) .

و قال عند ذكر فرق المعتزلة: و الفرقة العشرون من المعتزلة الشيطانية، أتباع محمّد بن نعمان-المعروف بشيطان الطاق-و هو من الروافض، شارك كلا من المعتزلة و الروافض في بدعهم، و قلما يوجد معتزلي إلاّ و هو رافضي إلاّ قليلا منهم، انفرد بطامّة و هي: أن اللّه لا يعلم الشي‏ء إلاّ ما قدّره و أراده، و أما قبل تقديره فيستحيل أن يعلمه، و لو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم و يختبرهم‏ (3) .

قال المؤلف: إن زرارة بن أعين، و الهشامين، و يونس بن عبد الرحمن، و محمّد بن النعمان الملقب بمؤمن الطاق، كلّهم ثقات صحيحو العقيدة، متكلمون حذّاق، من أجلاّء تلاميذ و أصحاب الإمامين جعفر بن محمّد الصّادق و ابنه موسى بن جعفر الكاظم عليه السّلام و عنهما أخذوا، و منهما تعلّموا، و بهما اقتدوا في كلّ علم لا سيّما وصف الباري تعالى بصفات الكمال و تنزيهه عن صفات النقص، و عصمة سيّد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يمكن أن يعتقدوا أمثال هذه الخرافات في حقّه تعالى، و لا في حقّ نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد أخذوا عقائدهم عن أئمة أهل البيت الطاهر معادن العلم و الحكمة، و لم ينقل عنهم هذه الخرافات ناقل يوثق به، فما نسب إليهم محض افتراء و اختلاق، و تأتي تراجمهم في أبوابها، و هم مترجمون في كتب رجال الشيعة بكلّ وصف جميل، و هم إمامية اثنا عشرية ليس لهم مذهب و لا نحلة خاصة سوى ذلك و لا أتباع ينسبون إليهم.

مع أن كلامه في حقّ زرارة يناقض بعضه بعضا، فإذا كان زرارة سأل عبد اللّه عن مسائل عجز عن جوابها، فقال بإمامة أخيه الكاظم دونه فكيف يكون صاحب

____________

(1) محمد بن النعمان، مؤمن الطاق، من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام، متكلم جلد مؤمن، له كتب عديدة منها: الإمامة، الردّ على المعتزلة، طلحة و عائشة، المعرفة و غيرها، ظ: الفهرست لابن النديم: 224، سير أعلام النبلاء: 10/553 ترجمة قم: 187.

(2) الخطط المقريزية: 3/414.

(3) م. ن: 3/401.

51

مذهب و نحلة في عبد اللّه و له أتباع ينسبون إليه، و هذا لو وقع لكان قبل اعتقاده بإمامته بأن يكون سأله ليعرف مبلغ علمه فكيف يكون صاحب مذهب و نحلة فيه و له أتباع ينسبون إليه.

و الّذي زعم أنها تنسب إليه الشيطانية التي لم يخلقها اللّه تعالى هو من أصحاب الإمام موسى الكاظم عليه السّلام لقب بشيطان الطّاق لأنه كان صيرفيا بطاق المحامل في الكوفة، كان يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال شيطان الطّاق مبالغة في حذقه، و أصحابه يلقبونه مؤمن الطّاق و له من الإمام أبي حنيفة نوادر مذكورة، و أما جعله رئيسا لفرقة من المعتزلة تنسب إليه فطريف جدا، و فيه من الخبط و الخلط ما لا يخفى، كقوله: قلّما يوجد معتزلي إلاّ و هو رافضي، فالرجل إمامي اثنا عشري و أين الإمامي من المعتزلي، و إن وافقت المعتزلة الإمامية في بعض العقائد إلاّ أنها تخالفها في أكثر الأصول و الفروع، و توافق الأشاعرة في الأصول و الفروع أكثر من موافقتها للإمامية، و لكن عدم المبالاة بالكذب و الاختلاق يجرّ إلى أكثر من هذا، و لا شي‏ء أعجب من جرأته على هذا الرجل العظيم بالشتم و النسبة إلى أعظم الكفر بدون مبرر إلاّ قلّة الحياء ورقة الدين.

و أما المفضل بن عمر، فاختلف أصحابنا في وثاقته و عدمها، بل في صحّة عقيدته و عدمها، و نسب إلى الغلو بل قيل إنه كان خطابيا، فمن زعم عدم وثاقته لم يقبل روايته، و من زعم فساد عقيدته بالغلو تبرأ منه، و هذا دأب أصحابنا مع كلّ غال و هو مما نفاخر به، و كيف كان فليس له أتباع ينسبون إليه، على أن الّذي رجّحه المحققون من أصحابنا وثاقته و براءته من الغلو.

ثم إنّ المقريزي و غيره عدّوا في فرق الشيعة فرقا أخرى لم نحققها، و هي إما منقرضة أو لم توجد في الدنيا، كالمباركية أتباع مبارك، و الشميطية (1) أتباع يحيى بن شميط الأحمسي صاحب المختار و غيرهما، و بعد ما وجدناهم كالتي سبق ذكرها لم يبق لنا وثوق بوجود غيرها ما لم نعلمه، على أن ابن شميط كان من أتباع المختار على إمارته لا صاحب نحلة و مذهب خاص حتّى يكون له أتباع على نحلته ينسبون إليه.

____________

(1) الخطط المقريزية: 3/409.

52

ثم إنهم عدّوا في فرق الشيعة الغلاة و غيرهم ممن هم خارجون عن الإسلام كالخطابية و السّبئيّة أصحاب عبد اللّه بن سبأ و غيرهم، و هذا جهل أو تجاهل، فالخارج عن الإسلام لا يصح عدّه من فرق المسلمين، و الشيعة الإمامية الاثنا عشرية الجعفرية تبرأ من كلّ غال و كلّ مؤلّه لمخلوق.

قال المقريزي‏ (1) : و من فرق الروافض الحلوية و الشاعية و الشريكية، يزعمون أن عليّا شريك محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و التناسخية القائلون أن الأرواح تتناسخ، و اللاّعنة، و المخطّئة الّذين يزعمون أن جبريل أخطأ، و الإسحاقية، و الخلفية الّذين يقولون لا تجوز الصّلاة خلف غير الإمام، و الرجعية القائلون سيرجع عليّ و ينتقم من أعدائه، و المتربصيّة الّذين يتربصون خروج المهدي، و الآمرية، و الجبية، و الجلالية، و الكريبية اتباع أبي كريب الضرير، و الحزنية أتباع عبد اللّه بن عمر الحزني.

أقول: يعلم اللّه أن هذه الأسماء كلّها لم نسمع بها و لم نرها في كتب الشيعة، و ما هي إلاّ مختلقة لا يقصد من ذكرها غير التشنيع و التهجين، و هي أسماء بلا مسمّيات، و لم يذكرها أحد من المؤرخين، و لا نقلها من كتب في الملل و النحل من الشيعة كالشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب الفرق و المقالات المتكفل لذكر فرق الشيعة و غيره.

و وجود بعض النحل الباطلة بين من ينسب إلى التشيّع و إن كان لا يضرّنا و نحن بريئون منه كما لا يضرّ الدين الإسلامي الحقّ وجود بعض النّحل الباطلة فيمن ينسب إليه، و كذا لا تضرّ دعوى النبوّة الباطلة الحقّة إلاّ أن الحقيقة يجب أن تظهر و تعرف.

ثم إنّنا نسأل المقريزي كيف لم يذكر بين المشبهة و المجسمة أقوال من يقول من أهل نحلته: إنّ اللّه تعالى ينزل في كلّ ليلة جمعة على سطوح المساجد راكبا على حماره بصورة غلام أمرد قطط الشعر في رجليه نعلان من ذهب.

____________

(1) م. ن: 3/415.

غ

53

و قول من قال من أهل نحلته: دعوني من الفرج و اللّحية و سلوني عما شئتم، و قول ابن تيمية على منبر جامع دمشق: إنّ اللّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا و نزل درجة من درج المنبر، كما حكاه مشاهدة ابن بطوطة في رحلته‏ (1) ، و كيف لم يعدّ المعتزلة مع فرق أهل السنّة و جعلهم أقرب إلى الشيعة، وعدّ الغلاة و غيرهم مع فرق الشيعة مع أن المعتزلة أقرب إلى أهل السنّة من الغلاة إلى الشيعة كما لا يخفى.

____________

(1) رحلة ابن بطوطة: 112.

54

-