اصول البحث

- الشيخ عبد الهادي الفضلي المزيد...
288 /
5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه و سلام على عباده الذين اصطفى.

و بعد:

فقد كنت منذ أمد غير قليل أفكر في إعداد مؤلف في (أصول البحث) يأتي متمما لما أعددته من مؤلفات كمقدمات للدرس الشرعي، و التي تمثلت في:

-مختصر الصرف.

-مختصر النحو.

-تلخيص البلاغة.

-تلخيص العروض.

-خلاصة المنطق.

خلاصة علم الكلام.

-مبادى‏ء أصول الفقه.

-تحقيق التراث.

و التي أخضعت جميعها للتجربة التعليمية في أكثر من جامعة و كلية و حوزة علمية-عربية و غير عربية-.

إلاّ أن انشغالي في إعداد كتاب فقهي يمهد لحضور البحث الخارج الحوزوي و الدرس العالي الجامعي قد أخرني عن ذلك.

6

لو لا انتسابي لهيئة التعليم في (الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية) ، حيث كان العامل الحافز لإعداد هذا الكتاب، ليكون المقرر الدراسي لمادة (أصول البحث) في (كلية الشريعة) من كليات هذه الجامعة العامرة.

و لأن التخصص في هذه الكلية يقتصر على الفقه الإمامي و أصوله، اقتصرت في الكتاب على دراسة (منهج البحث الفقهي) و (منهج البحث الأصولي) مستخلصين من واقع الدرس الفقهي الإمامي و واقع الدرس الأصولي الإمامي في الحوزات العلمية الإمامية و المقررات التعليمية فيها و المراجع المعتمدة في أوساط أساتذتها و علمائها.

و إذا كان لي أن أذكر ما مررت به من صعوبة في إعداد هذا المقرر، فهي عدم وجود تجارب سابقة في هذا المجال أتخذ منها العضد المساعد، فكل ما كتب في (منهج البحث العلمي) -مما اطلعت عليه-يقتصر و يركز على (المنهج التجريبي) ، مغفلا (المنهج العقلي) و (المنهج النقلي) و هما عماد الدراسات الإسلامية في علمي الفقه و أصوله.

و لكن سلوكي طريق استخلاص المنهجين من واقع الدراسات الفقهية و الدراسات الأصولية يسّر لي الوصول إلى الغاية فيما اخال.

و لذا لا يعدو عملي هذا عن أن يكون محاولة متواضعة رادت المجال، و الرائد قد يخطأ، و لي كل الأمل في الأساتذة المعنيين أن يصوبوا الخطأ و يصححوا الغلط، و اللّه تعالى وحده و لي التوفيق و هو الغاية.

عبد الهادي الفضلي 15/7/1410 هـ 11/2/1990 م‏

7

التمهيد

تعريف أصول البحث‏

تاريخ أصول البحث‏

8

-

9

تعريف أصول البحث‏

بغية أن نتعرف تعريف هذا العلم، و نعرف ماذا يعنى بـ (أصول البحث) لا بد من أن نمهد لذلك ببيان معنى كلمة (أصول) ثم معنى كلمة (بحث) في هذا السياق.

الأصول:

أما الأصول فهي جمع (أصل) .

و الأصل-كما يعرفه المعجم اللغوي العربي-:

«ما يبنى عليه الشي‏ء، أو ما يتوقف عليه» (1) .

و «أصل الشي‏ء أساسه الذي يقوم عليه» (2) .

و «هو ما يبتني عليه غيره» (3) .

و قد مرت كلمة (أصل) شأنها شأن الكثير من الكلمات العربية بمراحل تطورت فيها دلالتها من معنى إلى آخر، حيث وضعت أول ما وضعت لأسفل الشي‏ء «فيقال: أصل الجبل، و أصل الحائط، و أصل الشجرة» ، و يراد به أسفل الجبل أي قاعدته، و أسفل الحائط أي أساسه، و أسفل الشجرة أي جذرها.

____________

(1) الصحاح: مادة (أصل) .

(2) المعجم الوسيط: مادة (أصل) .

(3) التعريفات: مادة (أصل) .

10

«ثم توسع المعنى حتى تناول كل ما يستند وجود الشي‏ء إليه، فالأب أصل الولد، و النهر أصل للجدول» ، و هكذا (1) .

و بعد ذلك تطورت دلالة الكلمة من الإستعمال في المعاني المادية المحسوسة التي ذكرت في أعلاه إلى التوسع في دائرة الإستعمال لما يشمل الأفكار و الأمور المعنوية، فأصبحت تطلق الكلمة في لغة العلوم، و يراد بها:

القاعدة التي يبنى عليها الحكم.

فعند ما يقال: (أصول العلم) فإنه يراد بها قواعد العلم التي تبنى عليها أحكامه.

و هو المعنى المراد هنا.

فأصول البحث-في ضوء هذا-تعني قواعد البحث.

و يقابل (الأصول) -الكلمة العربية-في اللغة الإنجليزية كلمة (seluR) أو كلمة (snoitalugeR) .

البحث:

قال ابن فارس في تعريف (البحث) لغويا: «الباء و الحاء و الثاء، أصل واحد، يدل على إثارة الشي‏ء.

قال الخليل: البحث: طلبك شيئا في التراب.

و البحث: أن تسأل عن شي‏ء و تستخبر.

تقول: استبحث عن هذا الأمر.

و أنا استبحث عنه.

و بحثت عن فلان بحثا.

و أنا أبحث عنه.

و العرب تقول: (كالباحث عن مدية) يضرب لمن يكون حتفه بيده،

____________

(1) انظر: معجم لاروس: مادة (أصل) .

11

و أصله في الثور تدفن له المدية في التراب فيستثيرها و هو لا يعلم فتذبحه، قال (أبو ذؤيب الهذلي) :

و لا تك كالثور الذي دفنت له # حديدة حتف ثم ظل يثيرها

قال: و البحث لا يكون إلاّ باليد-و هو بالرجل الفحص-، قال الشيباني: البحوث من الإبل التي إذا سارت بحثت التراب بيدها أخرا أخرا (1) ، ترمي به وراءها، قال:

يبحثن بحثا كمضلاّت الخدم‏

و يقال: «بحث عن الخبر أي طلب علمه» (2) .

و يستخلص (المعجم الكبير) للبحث معنيين، هما:

1- الحفر.

2- طلب الشي‏ء.

ثم توسع في دلالة الكلمة من المادي إلى المعنوي، و من مجال الحس إلى مجال الفكر، فأصبحت تطلق على «بذل الجهد في موضوع ما، و جمع المسائل التي تتصل به» .

و هو ما نعنيه هنا.

و يقابله في الإنجليزية noitagitsevni .

و قد عرّف علميا بأكثر من تعريف، منها:

1- تعريف فان دالين، بأنه «محاولة دقيقة و منظمة و ناقدة، للتوصل إلى حلول لمختلف المشكلات التي تواجهها الإنسانية، و تثير قلق و حيرة الإنسان» .

2- تعريف وينتي‏ ycntihW : «البحث: استقصاء دقيق يهدف إلى اكتشاف حقائق و قواعد عامة يمكن التأكد من صحتها مستقبلا» .

____________

(1) الأخر: ضد القدم، يقال: رجع أخرا، كما يقال: ذهب قدما.

(2) مقاييس اللغة: مادة (بحث) .

12

3- تعريف بعضهم بأنه: جهد علمي يهدف إلى اكتشاف الحقائق الجديدة و التأكد من صحتها، و تحليل العلاقات بين الحقائق المختلفة.

4- تعريف بولنسكي‏ yksnaloP : «البحث: استقصاء منظم يهدف إلى اكتشاف معارف و التأكد من صحتها عن طريق الإختبار العلمي» .

5- البحث: وسيلة للدراسة يمكن بواسطتها الوصول إلى حل لمشكلة محددة، و ذلك عن طريق التقصي الشامل و الدقيق لجميع الشواهد و الأدلة التي يمكن التحقق منها، و التي تتصل بهذه المشكلة المحددة (1) .

و يلاحظ على بعض هذه التعريفات المذكورة أنها وضعت لبيان معنى البحث العلمي التجريبي، و ذلك لمرادفتها البحث لـ (الإستقصاء) و «التقصي الشامل» الذي يراد به-هنا-الإستقراء noitcudni الذي يعتمد الملاحظة و التجربة، و يقوم على التعميم لأنه ينتقل من الواقعة إلى القانون، و مما عرف في زمان أو مكان معين إلى ما هو صادق دائما و في كل مكان‏ (2) .

و عليه يكون مثل هذه التعريفات غير شامل للبحوث التي تقوم على أساس من المنهج العقلي أو المنهج النقلي أو المنهج التكاملي أو غيرها.

و يرجع هذا إلى أن هذه التعريفات و أمثالها هي لعلماء غربيين انطلقوا من خلفياتهم الثقافية المتأثرة بأجواء الثورة الثقافية التي ألغت اعتبار المناهج القديمة، و لمتأثرين بهم من العلماء العرب.

و لأن المناهج القديمة كالمنهج العقلي و المنهج النقلي لا تزال تستخدم في ثقافتنا الإسلامية كمناهج أصيلة لا نستطيع الركون إلى شي‏ء من هذه التعريفات.

____________

(1) انظر: البحث العلمي، د. عبيدات و رفيقيه ط 4 ص 41، و أصول البحث العلمي و مناهجه، د. بدر، ط 5 ص 16.

(2) انظر: المعجم الفلسفي (مجمع) : مادة (استقراء) .

13

و عليه ليس أمامنا إلاّ إلتماس تعريف آخر يعم مختلف البحوث بمختلف مناهجها.

و أقرب تعريف إلى طبيعة معنى البحث أن يقال:

البحث: هو استخدام الوسائل العلمية من أفكار و أدوات وفق قواعد المنهج لمعرفة مجهول ما.

و يأتي-فيما بعده-مزيد توضيح له.

و في ضوء ما تقدم، فإن أصول البحث تعني قواعد البحث.

و علم أصول البحث يعني دراسة قواعد البحث.

و لما كانت قواعد البحث يطلق عليها المناهج، تكون دراستنا هنا لمناهج البحث.

تاريخ أصول البحث‏

يرتبط تاريخ المنهج بتاريخ التفكير، ذلك أن البحث يعني التفكير و المنهج يعني الطريقة، و كل تفكير-بدائيا كان أو غير بدائي، أصيلا أو غير أصيل-لا بد من اعتماده على طريقة تساعده في الوصول إلى النتيجة.

و من هذا نستطيع أن نقول: إن المنهج كان توأم التفكير في الولادة، فإذن هو قديم قدم التفكير.

و في ضوئه يأتي التأريخ لنشوء و تطور الفكر البشري تأريخا لنشوء و تطور المنهج.

و سأعرض هنا لما ألمح إليه علماء المنهج من مراحل تطورية مر بها الفكر الإنساني أولا، ثم أحاول المقارنة ثانيا بينها و بين ما أشار إليه القرآن الكريم و هو يؤرخ للظاهرة الدينية، و منها الفكر الديني، و ذلك لما لمسته من مفارقة وقع فيها بعض علماء المنهج المسلمين متأثرين بالجو الثقافي الغربي المعاصر الذي يلغي اعتبار الدين وحيا إلهيا-كما سنتبين هذا.

يذهب علماء المنهج متأثرين بما انتهى إليه علماء الإنسانيات من نتائج‏

14

في دراستهم لنشوء و تطور الفكر الإنساني إلى أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل، و في كل مرحلة منها كان للإنسان منهجه الذي يلتقي و طبيعة المرحلة.

و هذه المراحل هي:

1- مرحلة الأسطورة.

2- مرحلة الفلسفة.

3- مرحلة العلم.

مرحلة الأسطورة htyM :

و لكي نتفهم واقع هذه المرحلة لا بد من تحديد المراد بالأسطورة، و بيان مدى علاقة الدين بها، و من ثم ننتقل إلى تعرف المنهج الذي كان يعتمده الإنسان الأسطوري في تفكيره.

يعرّف ابن منظور الأساطير بأنها الأباطيل، و بأنها أحاديث لا نظام لها (1) .

و حديثا يعرّفها (المعجم الوسيط) بالأباطيل أيضا و بالأحاديث العجيبة (2) .

و هي من الكلم المعرّب عن (اسطوريا ayerotsi ) السريانية، التي هي بدورها مأخوذة من اليونانية، و هي فيها (هستريا) ، فحوّلها نظام التقارض اللغوي إلى (اسطوريا) في السريانية، و حوّل (اسطوريا) إلى (اسطورة) في العربية.

و جاء في بيان أسباب نزول الآية الكريمة: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) ، أن النضر بن الحارث الذي تعلم أحاديث ملوك فارس في

____________

(1) لسان العرب: مادة (سطر) .

(2) مادة (سطر) .

____________

(3) سورة الأنعام 25.

15

الحيرة، كان يجلس في موضع مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا غادره، و يحكي للناس أحاديث رستم و اسفنديار (1) ، و هما من أبطال الفرس الأسطوريين ليشكك الناس في أن قصص القرآن و أحاديثه من هذا.

و علميا عرّفت الأسطورة بأنها حكاية تقليدية تروي أحداثا خارقة للعادة أو تتحدث عن أعمال الآلهة و الأبطال‏ (2) .

و تنتقل بوساطة الرواية (3) .

«و بدأ التفسير الحديث للأسطورة في القرن التاسع عشر مع المستشرق و العالم اللغوي البريطاني ماكس مولر relluM xaM الذي صنف الأساطير وفقا للغرض الذي هدفت إليه» و «اعتبرها تحريفات لغوية» (4) .

«ثم جاء العالم الأنثربولوجي و الباحث الفولكلوري البريطاني السير جيمس جورج فريزر rezarF فربط الأسطورة في كتابه الشهير: الغصن الذهبي: دراسة في السحر و الدين‏ cigaM ni yduts: hguoB nedloG ehT noigileR dna بفكرة الخصب في الطبيعة» (5) .

____________

(1) رستم دستان: من أبطال الفرس، شخصية أسطورية، قالوا: إنه عاش نحو 300 ق. م، و قام بأعمال عجيبة، تزوج بامرأة تركية طورانية، و قتل في الحرب، تغنّى الفردوسي في (الشاهنامه) بمغامراته، و زين الفنانون الفرس مخطوطاتهم بمشاهد أخباره... (المنجد في الأعلام: رستم دستان) .

و اسفنديار: اسم فارسي، ورد في سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان إذا جلس رسول اللّه (ص) مجلسا فدعا فيه إلى اللّه تعالى، و تلا فيه القرآن و حذّر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد و عن اسفنديار و ملوك فارس... (و هو) من أبطال الفرس، و أخباره في (الشاهنامه) ... (المفصل في الألفاظ الفارسية المعرّبة ص 9) .

و في (الفهرست) : «اسماء الكتب التي ألفها الفرس في السير و الأسماء الصحيحة التي لملوكهم: كتاب رستم و اسفنديار، ترجمه جبلة بن سالم. ص 424 ط بيروت.

(2) موسوعة المورد 7/93 مادة htyM .

(3) الموسوعة العربية الميسرة 148.

(4) موسوعة المورد و الموسوعة العربية الميسرة أيضا.

(5) موسوعة المورد أيضا.

16

«وثمت تفسير يرى أن الأسطورة ابتكرت للإبانة عن الحقيقة في لغة مجازية ثم نسي المجاز و فسرت حرفيا...

و لا يسلّم علماء الإنسان القديم الآن بنظرية واحدة تطبق على كل الأساطير، و الأصح عندهم التفسير الخاص بأساطير كل أمة» (1) .

و لأن الأسطورة حكاية تروى أو تنقل بوساطة الرواية-كما رأينا-يكون منهجها هو النقل.

و هذا-بدوره-يكشف لنا أن المنهج النقلي أقدم المناهج و أسبقها من ناحية تاريخية.

أما عن علاقة الدين بالأسطورة فتقول (الموسوعة العربية الميسرة ط 2- 1972 م-ص 148) : «و بين الأسطورة و الدين علاقة، و كثيرا ما تحكي الشعائر أحداث أسطورة» (2) .

و هي تشير بهذا إلى معجزات الأنبياء و كرامات الأولياء أمثال: عمر نوح، و فوران التنور بطوفانه، و تحوّل نار النمرود مع إبراهيم إلى برد و سلام، و قصة قصر بلقيس، و عصا موسى، و كذلك خلق الكون و الخ...

فإن جميع هذه و أمثالها كانت قبل التاريخ المدوّن، و لم نعثر على ما يشير إلى شي‏ء منها من آثار، و إنما تعرفناها من الكتب الدينية و الحكايات الأسطورية، و هي بهذا تدخل إطار الغيبيات، و العلم الحديث لا يؤمن إلاّ بالمشاهد و المحسوس، أو ما يمكن أن يخضع للملاحظة أو التجربة، كما سنتبين هذا في المرحلة الثالثة.

يقول (هيوم‏ emuH ) -متأثرا بالمنهج التجريبي-: «لقد رأينا الساعات و هي تصنع في المصانع، و لكننا لم نر الكون و هو يصنع، فكيف نسلم بأن له صانعا» (3) .

____________

(1) الموسوعة العربية الميسرة أيضا.

(2) هكذا في المطبوعة و أخال أنها خطأ مطبعي، صوابه: أحداثا أسطورية.

(3) الإسلام يتحدى ط 6 ص 27.

غ

17

«و لذلك رأى أن العناية الإلهية و خلود النفس و سائر صفات اللّه و كل قصة الخلق كما تؤمن بها المسيحية و كل الأخرويات هي-في رأيه-مجرد خرافات» (1) .

و يقول (جوليان سوريل هكسلي) : «تعتبر التطورات العلمية التي حدثت في القرن الماضي انفجارا معرفيا noisolpxeE egdelwonK في وجه جميع الأساطير الإنسانية عن الآلهة و الدين كما تفجرت الأفكار القديمة عن المادة و نسفت بمجرد تفجير الذرة» (2) .

و لا أريد أن أطيل حيث سيأتي-فيما بعد-مزيد بيان لهذا، و وقفة نقد مع هؤلاء و أمثالهم، و إنما أريد-فقط-أن أشير هنا إلى أن الدين في جانب كبير من أفكاره يعتمد المنهج النقلي أيضا.

فاذن أول ما وجد من المناهج قرينا للتفكير الإنساني-في ضوء هذا-هو المنهج النقلي.

غير أننا سنجد-فيما بعد-أن المناهج الثلاثة: النقلي و العقلي و التجريبي، ولدت في أحضان الدين، إلاّ أنها لم تأخذ شكلها الفني و طابعها العلمي إلاّ بعد نضج الفلسفة القديمة حيث ترسم المنهج العقلي طريقه بوضوح، و بعد استقلال العلم عن الفلسفة حيث شق المنهج التجريبي مجراه في التفكير البشري بعمق، و بعد تقعيد القواعد و تأصيل الأصول في العلوم الإسلامية حيث تأكد و تعمق المنهج النقلي مفهوما، و استخداما.

مرحلة الفلسفة yhposolihP :

تعنى الفلسفة بدراسة المبادى‏ء الأولى للأشياء و حقائقها و علاقة بعضها ببعض.

____________

(1) موسوعة الفلسفة 2/618 ط 1 1984 م.

(2) الإسلام يتحدى ط 6 ص 25 نقلا عن:

. 1961,24 tpeS,enizagaM yadnuS,semit natsdniH

18

«و كانت تشمل العلوم جميعا» (1) .

ثم انفصلت عنها العلوم الرياضية فسائر العلوم الأخرى، و اقتصرت في دراساتها على الموضوعات التالية:

-المعرفة.

-الوجود.

-القيم الثلاث (الحق و الخير و الجمال) .

و العلم الذي اختص بدراسة الحق هو علم المنطق، و الذي اختص بدراسة الخير هو علم الأخلاق، و بالجمال هو علم الجمال أو الفن.

و كان علم المنطق يمثل منهج التفكير حيث يعنى بدراسة قواعد التعريف و قواعد الإستدلال و قواعد تنظيم العلوم، التي استقلت-هذه الأخيرة-فيما بعد باسم (مناهج البحث) .

فمناهج البحث التي ولدت في أحضان الفلسفة كانت فرعا من المنطق.

و لأن الفلسفة تقوم على أساس من التفكير العقلي، و يتوصل إلى نظرياتها و آرائها عن طريقه كان منهجها المنطقي عقليا أيضا.

فكانت الفكر المرحلي الذي تمخض عن المنهج العقلي.

و أخيرا، استقل علم المنطق عن الدرس الفلسفي، و كذلك استقل علم الأخلاق عنها، و تبعهما في ذلك علم الجمال، فأصبح كل واحد من هؤلاء الثلاثة علما مستقلا بذاته.

و اختصت الفلسفة بدراسة (المعرفة) و (الوجود) .

ثم و بعد ذلك انفصلت الدراسات المتأخرة بما يعرف بنظرية المعرفة.

و اقتصرت الفلسفة على دراسة (ما بعد الطبيعة) أو ما يعرف بـ (الميتافيزيقا scisyhpateM ) .

____________

(1) المعجم الوسيط: فلسفة.

19

«و قد بدأ التفكير الفلسفي المنظم أول ما بدأ في بلاد اليونان في القرنين السادس و الخامس قبل الميلاد، فظهرت (المدرسة الأيونية nainoI loohcs ) . و بعدها ظهرت (المدرسة الإيلية loohcs citaelE ) ، ثم كان عصر الفلسفة الإغريقية الذهبي مع سقراط و أفلاطون و أرسطو.

و بعد أرسطو ظهرت (الرواقية msiciots ) و (الإبيقورية msinaerucipE ) فـ (الأفلاطونية المحدثة sinotalpoeN ) .

مرحلة العلم‏ ecneicS :

يراد بالعلم هنا: «المعرفة النظامية المنسقة المبنية على الملاحظة و الإختبار» (1) ، و هو ما يعرف بـ (العلم التجريبي) في مقابل العلم بمعناه العام.

و تقتصر عناية العلم التجريبي على دراسة العناصر التي تتألف منها الأشياء و ظواهرها على اختلاف أنماطها العلمية.

و قد مهد له و لإلغاء الإعتماد على المنهج العقلي حلول عصر الفلسفة الحديثة nredoM yhposolihP الذي «يمكن القول: إنها بدأت مع الفلاسفة العقليين الذين جعلوا العقل الفرد القول الفصل في الحكم على الأشياء، و أبرز هؤلاء: ديكارت‏ setracseD ، و سبينوزا azonipS ، و لايبتز ztinbieL » (2) ، حيث جاء بعد هؤلاء الفلاسفة العقليين «الفلاسفة التجريبيون الذين قالوا: إن أصل المعرفة التجربة لا العقل.

و في طليعة هؤلاء: جون لوك‏ kcoL و دايفيد هيوم‏ emuH (3) .

«و في القرن السادس عشر، و مع غاليلو oelilaG على وجه التحديد بدأ عصر العلم التجريبي‏ ecneics latnemirepxE و منذ ذلك الحين طبق الإنسان

____________

(1) موسوعة المورد: مادة ecneicS .

(2) موسوعة المورد 8/25.

(3) م. ن.

20

الطرائق العلمية dohtem cifitneicS في البحث.

«و تقضي الطريقة العلمية الحديثة بدراسة الوقائع المشاهدة، ثم تفسير هذه الوقائع أو الظواهر بفرضية sisehtopyh تتخذ منطلقا لمزيد من البحث.

فإذا أيد الإختبار المكثف هذه الفرضية على نحو يخلو من جميع الثغرات الهامة أصبحت الفرضية نظرية yroeht .

حتى إذا قام الدليل القطعي على صحة النظرية بحيث يتعذر وضع أية نظرية أخرى قادرة على تعليل نفس المعطيات أصبحت (النظرية) قانونا waL .

و لكنها تبقى مع ذلك مجرد تعميم لبيّنة تجريبية، لا تقريرا لحقيقة سرمدية» (1) .

و كان هذا هو النضج الفكري الذي تبلور في جوّه و بوضوح المنهج التجريبي.

الدين‏ noigileR :

و بعد هذه الرفقة العلمية لتاريخ مسيرة التفكير الإنساني الذي تمخض عن المناهج الثلاثة النقلي و العقلي و التجريبي، نكون برفقة العنصر الأساسي المفقود في حلقات هذه الدراسات، و الذي حشر بغير حق في مجال الأسطورة، و هو الفكر الديني الإلهي.

إن من الصعوبة بمكان أن يأتي الباحث بتعريف للدين عام يشمل في عمومه جميع أنواعه.

و مرجع هذا هو اختلافها في المنشأ و الوجهة.

و من هنا رأيت أن أقسم الدين إلى أنواعه، ثم أعرّف كل نوع على حدة.

____________

(1) موسوعة المورد: مادة ecneicS .

21

و بهذا اللون من السير في البحث نستطيع أن ندرك سبب المفارقة التي وقع فيها الباحثون الذين اعتدوا الدين من نوع الأسطورة أو السحر أو ما إليهما.

فمن خلال الواقع الذي عاشه الإنسان، و يعيشه على هذا الكوكب، بما خامر ذهنه من اعتقاد، و ما ملأ وجدانه من إيمان نقف على الأنواع التالية للدين:

1-الدين الإلهي:
و يتمثل هذا في الشرائع الإلهية التي بعث اللّه تعالى بها الأنبياء كشريعة نوح و شريعة إبراهيم و شريعة موسى و شريعة عيسى و شريعة نبينا محمد (ص) .

و مصدره: الوحي الإلهي.

2-الدين البدائي:
و يتمثل هذا في معتقدات الشعوب البدائية من عبادة المخلوقات كالإنسان و الحيوان و الكواكب و الأوثان و ما إليها.

و مصدره: الوهم البشري.

3-الدين الطبيعي (الربوبية msied ) :
و تعرّفه موسوعة المورد (1) ، بعامة بـ «الإيمان باللّه من غير اعتقاد بديانات منزلة.

و بخاصة: مذهب فكري يدعو إلى الإيمان بدين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي، و يؤكد على المناقبية أو الأخلاقية منكرا تدخل اللّه في نواميس الكون.

و قد ظهرت الربوبية أول ما ظهرت في القرن السابع عشر.

____________

(1) 3/169 مادة msied .

22

و يعتبر مونتيسكيو ueiuqsetnoM و قولتير eriatloV و روسّو uaessuoR من أبرز الداعين إليها» .

و مصدره: العقل الفردي.

و قد أشار القرآن الكريم إلى الدين البدائي، و إلى مناقضته و موازاته للدين الإلهي في (سورة الكافرون) ، قال تعالى:

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*`قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ*`لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ*`وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ*`وَ لاََ أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ*`وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ*`لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ .

كما أنه سماه دينا.

و الخطأ في اعتداد الدين مطلقا من الأساطير جاء من عدم التفرقة بين الأديان الإلهية و الأديان البدائية للتشابه بين النوعين في ذكر الحوادث الخارقة للعادة أو لنواميس الطبيعة.

و متى أدركنا الفرق في أن الأسطورة حادثة غير موثقة، أو على أقل تقدير أنها لم توثق، و أن المعجزة في الدين الإلهي حادثة موثقة، ندرك وجه المفارقة.

و هو أن مجي‏ء المعجزة مشابهة للأسطورة إنما هو من باب المجاراة لمتطلبات الذهنية البشرية المعاصرة لها.

و لنأخذ مثالا لذلك عصا موسى (ع) حيث جعلت السحرة يؤمنون بأن فعلها ليس من السحر في شي‏ء لأنهم سحرة يدركون معنى السحر و يدركون الفرق بينه و بين ما سواه من أفعال، كما أنه ليس من فعل البشر-موسى أو غيره-، و إنما هو من فعل قوة عليا قدرتها فوق قدرة البشر.

فالخبرة التي أفادها السحرة من تجاربهم في القدرة على التمييز بين ما هو سحر و ما هو ليس بسحر، و تحكيم العقل قادتهم إلى الإيمان برب موسى و الإستجابة لدعوته.

23

فالإيمان منهم جاء عن إخضاع الحادثة لتقييم الخبرة لها و اختبارها في ضوء ما مروا به من التجارب.

و هو معنى التوثيق للمعجزة الذي أشرت إليه.

فَأُلْقِيَ اَلسَّحَرَةُ سُجَّداً قََالُوا آمَنََّا بِرَبِّ هََارُونَ وَ مُوسى‏ََ*`قََالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ اَلَّذِي عَلَّمَكُمُ اَلسِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاََفٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنََا أَشَدُّ عَذََاباً وَ أَبْقى‏ََ*`قََالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى‏ََ مََا جََاءَنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلَّذِي فَطَرَنََا فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ إِنَّمََا تَقْضِي هََذِهِ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا*`إِنََّا آمَنََّا بِرَبِّنََا لِيَغْفِرَ لَنََا خَطََايََانََا وَ مََا أَكْرَهْتَنََا عَلَيْهِ مِنَ اَلسِّحْرِ وَ اَللََّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ (1) .

فقولهم: (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات) هو التوثيق للحادثة الذي وصل بها إلى درجة الإيمان اليقيني بها، و الإرتفاع بها عن مستوى الأسطورة.

فالباحثون في المنهج إنما وقعوا في هذه المفارقة لأنهم اعتمدوا ما انتهى إليه (علم الإجتماع الديني) -و هو يدرس نشأة الدين-من أن الدين هو من وضع الشعوب البدائية تحت ضغط أوضاع طبيعية أو اجتماعية معينة، فرضتها الظروف الراهنة آنذاك من غير أن يفرق بين البدائي منه و الإلهي، فكان الخطأ المشار إليه.

و يكفينا هنا أن نذكر ما سجله (الكسيس كاريل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) من ملاحظة علمية دقيقة على النتيجة التي أشرت إليها و أمثالها، قال: «يجب أن يفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، فإن علوم الإجتماع و الإقتصاديات علوم تخمينية افتراضية» (2) .

و لا أعتقد أننا بعد أن نقرأ أمثال هذه الملاحظة يسوغ لنا أن نركن أو نتحاكم في تقييم أو تفسير أو تعليل قضايانا الدينية و الفكرية إلى التخمين و الإفتراض.

____________

(1) سورة طه 70-73.

(2) الإنسان ذلك المجهول، تعريب شفيق أسعد فريد ط 3 ص 40.

24

و أخيرا:

إننا نؤمن بأن معتقدات اتباع الأديان البدائية هي أساطير غير موثقة، و أباطيل مرفوضة.

أما بالنسبة إلى الأديان الإلهية فنفترق في إيماننا بها عن اولئكم الباحثين الغربيين الذين لم يؤمنوا بالدين مطلقا.

و من هنا نؤمن بأن عندنا بالإضافة إلى المنهج التجريبي المنهج النقلي و المنهج العقلي لأن الدين الإسلامي يؤمن بها جميعا، كلا في مجاله-كما سيأتي.

و بعد:

فهي إلمامة سريعة لتعريف أصول البحث دلالة و تاريخا، بغية التمهيد بها لما يأتي من بحوث الكتاب.

25

مدخل إلى المنهج‏

(المعرفة)

-تعريف المعرفة

-مصادر المعرفة

-أنواع المعرفة

26

-

27

تعريف المعرفة

رادف بعض أرباب المعاجم العربية بين المعرفة و العلم‏ (1) .

و فارق بينهما آخرون بأن قالوا:

العلم هو إدراك الكلي و المركب...

و المعرفة هي إدراك الجزئي و البسيط...

و المعرفة تستعمل في التصورات...

و العلم يستعمل في التصديقات...

و لذا يقال: عرفت اللّه، و لا يقال: علمته‏ (2) .

و المعرفة هي الإدراك المسبوق بنسيان حاصل بعد العلم...

بخلاف العلم...

و لذلك يسمى الحق (تعالى) بالعالم دون العارف‏ (3) .

و قصر (المعجم الوسيط) المعرفة على ما يدرك بإحدى الحواس، فقد جاء فيه: «و عرف الشي‏ء عرفانا و عرّفانا و معرفة: أدركه بحاسة من حواسه، فهو عارف و عريف، و هو و هي عروف، و هو عروفة، و التاء للمبالغة» (4) .

____________

(1) انظر: المعجم الوسيط: مادة (علم) .

(2) انظر: محيط المحيط: مادة (عرف) .

(3) م. ن.

(4) مادة (عرف) .

28

و عرّفها البستاني في (محيطه) : «إدراك الشي‏ء على ما هو عليه» (1) .

و في (صحاح اللغة و العلوم) : «معرفة (ج) معارف‏ egdelwonK :

هي ثمرة التقابل و الإتصال بين ذات مدركة و موضوع مدرك.

و تتميز من باقي معطيات الشعور من حيث إنها تقوم في آن واحد على التقابل و الإتحاد الوثيق بين هذين الطرفين» (2) .

و حديثا:

رادفوا بينها و بين الفكر...

كما رادفوا بين العلم و الفكر...

و فرقوا بينهما بأن قالوا:

المعرفة: فكر غير منظم.

و العلم: فكر منظم، أو معرفة منظمة.

و نستطيع أن نخلص من هذا كله إلى أن المعرفة هي: مطلق الإدراك تصورا كان أو تصديقا، منظما أو غير منظم.

مصادر المعرفة

دأب دارسو نظرية المعرفة-فلسفيا أو علميا-على حصر مصادرها في مصدرين، هما:

-الحس.

-و العقل.

كما دأبوا على استعراض الصراع الفكري و الجدلي بينهم في أن المصدر هو الحس فقط أو هو العقل فقط أو هما معا.

و كان هذا لأنهم استبعدوا الفكر الديني أو المعرفة الدينية من مجال

____________

(1) مادة (عرف) .

(2) مادة (عرف) .

غ

29

دراساتهم للسبب الذي ذكرته آنفا.

و لأنّا نؤمن بالدين الإلهي-كما تقدم-تتربع المصادر لدينا و كالتالي:

1- الوحي.

2- الإلهام.

3- العقل.

4- الحس.

الوحي‏ noitaleveR :

قال ابن فارس: «الواو و الحاء و الحرف المعتل: أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء إلى غيرك» (1) .

و في (معجم لاروس) : «الوحي: كل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غلّب في ما يلقيه اللّه إلى أنبيائه» (2) .

و قال الشيخ المفيد: «و أصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شي‏ء قصد به إفهام المخاطب على السر له عن غيره، و التخصيص به دون من سواه، و إذا أضيف إلى اللّه تعالى كان فيما يخص به الرسل-صلى اللّه عليهم-خاصة دون من سواهم على عرف الإسلام و شريعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» (3) .

و في (مفردات الراغب) (4) : «و يقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه و أوليائه وحي» .

و ذلك أضرب حسبما دل عليه قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ

____________

(1) مقاييس اللغة 6/93.

(2) مادة (وحى) .

(3) تصحيح الإعتقاد 56.

(4) ص 515.

30

حَكِيمٌ (1) ... » .

ذكرت الآية الكريمة ثلاثة طرق لتكليم اللّه تعالى البشر، هي:

1- الإلهام، الذي عبرت عنه بالوحي، و هي لغة القرآن في هذا؛ لأن كلمة الوحي تشمله من حيث اللغة لأنه إلقاء علم إلى الغير في السر و الإخفاء، و منه قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ أُمِّ مُوسى‏ََ أَنْ أَرْضِعِيهِ (2) ، و قوله تعالى: وَ أَوْحى‏ََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ (3) .

2- من وراء حجاب، كما في حديث موسى، قال تعالى: وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ*`إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً*`فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ*`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً*`وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ* `إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي (4) .

3- إرسال الملك المكلف بوظيفة التبليغ للأنبياء، و هو جبريل أو جبرائيل، و هو أقرب ملائكة اللّه المقربين لديه، و يعرف بـ (روح القدس) (5) لطهارته، و (الروح الأمين) لإتمانه على التبليغ إلى الرسل و الأنبياء.

و إليه يشير أيضا قوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ نُوحِي إِلَيْهِ (6) .

و عرّفه علميا (المعجم الفلسفي-مجمع) بما نصه:

« 1- فكرة دينية و فلسفية، معناها: كشف الحقيقة كشفا مباشرا مجاوزا للحس و مقصورا على من اختارته العناية الإلهية.

____________

(1) سورة الشورى 51.

(2) سورة القصص 7.

(3) سورة النحل 68.

(4) سورة طه 9، 10، 11، 12، 13، 14.

(5) كلمة (القدس) من المعرب عن العبرية و تعني: الطهر.

(6) سورة الأنبياء 25.

31

و يتخذ هذا الكشف صورا شتى نظّمها المتكلمون في مراتب مختلفة كالرؤيا الصادقة، و الإتصال بجبريل في صورة رجل عادي.

2- يذهب فلاسفة الإسلام إلى أن الوحي اتصال النفس الإنسانية بالنفوس الفلكية اتصالا روحيا فترتسم فيها صور الحوادث و تطلع على عالم الغيب.

و للأنبياء استعداد خاص لهذا الإتصال.

و قد يدركه الولي و العارف في درجات أدنى، و هذا ما يسمى بالإلهام.

3- فسر محمد عبده الوحي تفسيرا قريبا من هذا، و قرر أنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند اللّه بواسطة أو بغير واسطة» (1) .

و أخيرا استقرت كلمة (الوحي) مصطلحا علميا شرعيا يراد به:

أ- جبرائيل وسيطا في نقل ما يؤمر بنقله من اللّه تعالى إلى الأنبياء.

ب- ما يتلقاه الأنبياء من علم من عالم الغيب، و يتمثل في شريعتنا في القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة.

فالوحي-على هذا-مصدر من مصادر المعرفة، و بخاصة فيما يتعلق بالغيبيات و عالم الغيب.

الإلهام‏ noitaripsnI :

قال الراغب الأصفهاني: «الإلهام: إلقاء الشي‏ء في الرّوع.

و يختص ذلك بما كان من جهة اللّه تعالى و جهة الملأ الأعلى، قال تعالى: فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا (2) ... » (3) .

و الرّوع-لغة-: القلب و الذهن و العقل.

____________

(1) مادة: الوحي.

(2) سورة الشمس 8.

(3) المفردات 455.

32

و في (المعجم الوسيط) (1) : «الإلهام: إيقاع شي‏ء في القلب يطمئن له الصدر، يختص اللّه به بعض أصفيائه.

و الإلهام: ما يلقى في القلب من معان و أفكار» .

و عرّفه (صليبا) في (المعجم الفلسفي) (2) بقوله: «الإلهام: مصدر ألهم، و هو أن يلقي اللّه في نفس الإنسان أمرا يبعثه على فعل الشي‏ء أو تركه، و ذلك بلا إكتساب أو فكر، و لا استفاضة، و هو وارد غيبي» .

و عدّه بعضهم-كما رأينا فيما سبقه-من أنواع الوحي.

و عدّ في رأي آخرين رافدا معرفيا مستقلا.

و كيف ما كان الأمر، فالإلهام مصدر آخر من مصادر المعرفة كالوحي.

العقل‏ nosaeR :

قال ابن فارس: «العين و القاف و اللام أصل واحد منقاس مطرد، يدل عظمه على حبسة في الشي‏ء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، و هو الحابس عن ذميم القول و الفعل.

قال الخليل: العقل: نقيض الجهل، يقال: عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله، و جمعه عقول.

و رجل عاقل، و قوم عقلاء و عاقلون، و رجل عقول إذا كان حسن الفهم وافر العقل، و ما له معقول أي عقل» (3) .

و قال الدكتور صليبا: «العقل-في اللغة-: هو الحجر و النهي، و قد سمي بذلك تشبيها بعقل الناقة، لأنه يمنع صاحبه من العدول عن سواء السبيل، كما يمنع العقال الناقة من الشرود» (4) .

____________

(1) مادة (لهم) .

(2) 1/130.

(3) مقاييس اللغة 4/69.

(4) المعجم الفلسفي 2/84

33

هذا من حيث اللغة.

و علميا للعقل أكثر من معنى نستطيع أن نوجزها مدرجة تحت العناوين التالية:

1-العقل الشرعي:

و هو ما يميز به بين الحق و الباطل، و الصواب من الخطأ، و النافع من الضار.

و سميته شرعيا لأنه هو الذي يعتبر شرطا في التكليف و الخطابات الشرعية، و ترتب الأحكام القانونية عليه في التشريعات الوضعية.

و هو الذي ورد ذكره في الحديث، ففي الصحيح عن أبي جعفر الباقر (ع) : «لمّا خلق اللّه العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: و عزتي و جلالي، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلاّ فيمن أحب، أمّا إني إيّاك آمر، و إيّاك أنهى، و إيّاك أعاقب، و إيّاك أثيب» (1) .

2-العقل الفلسفي:

و أعني به المبادى‏ء العقلية (الفلسفية) التي يلتقي عندها العقلاء جميعا، و هي: مبدأ العليّة، و مبدأ استحالة التناقض، و استحالة الدور، و استحالة التسلسل.

و سميته فلسفيا لأنه هو الذي يقول ببداهة و ضرورة هذه المبادى‏ء، و هي مما يدرس و يؤكد عليه في الفلسفة، و عليه يقوم المنهج العقلي الذي يتخذ من الدرس الفلسفي مجالا له.

3-العقل الإجتماعي:

و أريد منه المبادى‏ء العقلية التي تطابقت و اتفقت عليها آراء الناس العقلاء

____________

(1) صحيح الكافي 1/1.

34

جميعا في مختلف مجتمعاتهم و شتى أزمانهم و أماكنهم، كقبح الظلم، و حسن العدل، و وجوب ما لا يتم الواجب إلاّ به، و اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، و هو ما يعرف في لغة أصول الفقه بسيرة العقلاء

و تعريفه يعرب عن وجه تسميته بالإجتماعي.

4-العقل الخلقي:

نسبة إلى الأخلاق، حيث تقسمه الفلسفة الأخلاقية إلى قسمين: نظري و عملي.

أ-العقل النظري:
و هو الذي يتجه إلى ما ينبغي أن يعلم، فينصب على الإدراك و المعرفة.

ب-العقل العملي:
و هو الذي يتجه إلى ما ينبغي أن يعمل، فينصب على الأخلاق و السلوك.

و في الفلسفة الحديثة «يحدد برونشقيك‏ ggivhcsnurB في (كتابات فلسفية ج 2 ص 84 و ما يليها، باريس سنة 1954) ثلاث وظائف للعقل، هي:

أ- التجريد و التصنيف.

ب- التفسير.

جـ- التنظيم» (1) .

و يذهب (كنت‏ tnaK ) في كتابه (نقد العقل المحض ط 1 ص 298، ط 2 ص 355) إلى أن «كل معرفتنا تبدأ من الحواس، و من ثم تنتقل إلى الذهن، و تنتهي في العقل.

و ليس فينا ما هو أسمى من العقل لمعالجة مادة العيان وردها إلى الوحدة

____________

(1) موسوعة الفلسفة 2/71.

35

العليا للفكر» (1) .

و هي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورة عامة، و التي أطلق عليها استاذنا الشهيد الصدر عنوان (نظرية الإنتزاع) في كتابه (فلسفتنا) (2) و أعطى عنها بقوله: «و تتلخص هذه النظرية في تقسيم التصورات الذهنية إلى قسمين:

أ- تصورات أولية.

ب- و تصورات ثانوية.

فالتصورات الأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري، و تتولد هذه التصورات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة، فنحن نتصور الحرارة لأننا أدركناها باللمس، و نتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر، و نتصور الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق، و نتصور الرائحة لأننا أدركناها بالشم. و هكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسنا، فإن الإحساس بكل واحد منها هو السبب في تصوره و وجود فكرة عنه في الذهن البشري.

و تتشكل من هذه المعاني القاعدة الأولية للتصور و ينشى‏ء الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية، فيبدأ بذلك دور الإبتكار و الإنشاء، و هو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الإنتزاع) فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأولية.

و هذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحس، و إن كانت مستنبطة و مستخرجة من المعاني التي يقدمها الحس إلى الذهن و الفكر.

و هذه النظرية تتسق مع البرهان و التجربة، و يمكنها أن تفسر جميع المفردات التصورية تفسيرا متماسكا.

فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلة و المعلول، و الجوهر و العرض، و الوجود، و الوحدة، في الذهن البشري.

____________

(1) موسوعة الفلسفة 2/74.

(2) انظر: ص 61-62 من ط 13 لسنة 1402 هـ-1982 م.

36

إن كلها مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة.

فنحن نحس-مثلا-بغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته مائة، و قد يتكرر إحساسنا بهاتين الظاهرتين-ظاهرتي الغليان و الحرارة-آلاف المرات و لا نحس بعلية الحرارة للغليان مطلقا، و إنما الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتين اللتين يقدمهما الحس إلى مجال التصور» (1)

هذه النظرية-في واقعها-جاءت لتبيان مدى علاقة العقل بالحس، و أن الأمر ليس كما يذهب إليه الحسيون من الفلاسفة القدامى و التجريبيون من الفلاسفة المحدثين من أن الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة البشرية، و إنما هناك الأفكار الفطرية و البسيطة التي يولد العقل مزودا بها، و هناك الأفكار الغيبية التي تأتي عن طريق الوحي أو الإلهام.

و تفسير ما يعنيه (كنت) و تعنيه النظرية الإنتزاعية فسلجيا: هو أن الحواس تقوم بوظيفة نقل المعلومات إلى الذهن، و يقوم الذهن بوظيفة جمعها و تخزينها، ثم يأتي دور العقل فيقوم بوظيفة التجريد و التصنيف و التحليل و التنظيم و التقعيد.

و من جميع ما تقدم ندرك انتظام العقل في سلسلة مصادر المعرفة و مدى أهميته في مصافها.

الحس‏ esneS :

لم يك الإدراك بإحدى الحواس من المعاني التي أدرجها المعجم العربي القديم في قائمة الحس.

ففي (لسان العرب) (2) : «حس الشي‏ء يحس حسا و حسا و حسيسا، و أحس به و أحسه: شعر به.

و يقال: حست الشي‏ء إذا علمته و عرفته» .

____________

(1) م. ن.

(2) مادة (حسس) .

37

و هو أقرب المعاني التي ذكرها ابن منظور إلى معنى الحس العلمي الذي نريد أن نتحدث عنه هنا.

و لعل أول ما أشير إليه عربيا هو فيما جاء في مثل الحديث الذي ذكره ابن الأثير في (النهاية) (1) ، و ما قام به من تعريف للإحساس، قال: « (إنه قال لرجل: متى أحسست أمّ ملدم) أي متى وجدت مس الحمى.

و الإحساس: العلم بالحواس.

و هي (يعني الحواس) : مشاعر الإنسان كالعين و الأذن و الأنف و اللسان و اليد» .

و لأن المعنى دخل المعجم العربي في العصر العباسي، كما رأينا الإلماح إليه من قبل ابن الأثير المتوفى سنة (606 هـ) عده (المعجم الوسيط) من المولد، قال: «الحس: الإدراك بإحدى الحواس الخمس (مو) أي مولد» .

و قد ركز الفلاسفة على الحواس الخمس كمصدر للمعرفة، و توسع علماء وظائف الأعضاء (الفسيولوجيون) باستقصاء جميع أعضاء الحس و بيان دورها في تحصيل المعرفة، فقسموا «الحواس الخمس إلى مجموعتين:

أ-المجموعة الأولى: و تتألف من حاستي اللمس و الذوق، و تقوم بدور نقل الإنطباعات البيئية أو الإحساسات المختلفة عن طريق الإحتكاك المباشر بالأشياء المادية المحيطة بالإنسان.

ب-المجموعة الثانية: و تتألف من حاسة البصر و حاسة السمع و حاسة الشم، و تقوم بدور نقل انطباعات الأشياء المادية دون أن تحتك احتكاكا مباشرا بتلك الأشياء المادية، بل عن طريق الأشعة الضوئية الصادرة عن الأشياء المرئية بالنسبة لحاسة البصر، و عن طريق الأمواج الصوتية المنبعثة من الأشياء المسموعة الصوت بالنسبة لحاسة السمع، و عن طريق الروائح المنبعثة

____________

(1) 1/284 تحقيق الزاوي و الطناحي.

غ

38

من الأشياء ذات الرائحة بالنسبة لحاسة الشم» (1) .

و قالوا: «بالإضافة إلى أعضاء الحس الخمسة التي تعرف بالحواس الظاهرة-و التي مر ذكرها- (هناك) حواس أخرى كثيرة (تشاركها في تحصيل المعرفة) و تعرف بالحواس الباطنة، و منها:

-عضو الإحساس بالإتزان الموجود في الأذن الداخلية الذي عن طريقه يشعر الشخص بتوازن جسمه أو انحرافه أثناء الوقوف أو الحركة أو ركوب الدراجة، و يشعر أيضا بتوازن رأسه مع أعضاء جسمه الأخرى، و كذلك من ناحية مواقع أعضاء جسمه بالنسبة لبعضها.

-أعضاء الحس الداخلية كالقلب و المعدة و الرئتين التي تجعل مخ الإنسان يشعر بالجوع و العطش و ألم المعدة مثلا و ما يجري مجراها.

و قد ثبت-أيضا-في الوقت الحاضر أن في سطح الجلد خلايا عصبية حسية أخرى بالإضافة إلى الخلايا الحسية الجلدية المختصة بالإحساس باللمس: فهناك الخلايا الحسية الجلدية المتخصصة بالإحساس بالحرارة، و هي منتشرة في جميع أرجاء الجسم على هيئة بقع لا ترى بالعين المجردة يتجاوز مجموعها (000,30) بقعة.

و توجد على سطح الجلد كذلك خلايا حسية متخصصة بالشعور بالألم، و أخرى بالشعور بالضغط، و جميعها تنتشر في مختلف مناطق الجسم على هيئة مجاميع تختلف كثافتها باختلاف تلك المناطق.

كما ثبت أيضا أن حاسة الذوق مؤلفة بدورها من أربع مجموعات من الخلايا الحسية الذوقية المنتشرة على سطح اللسان يختص بعضها بالإحساس بالحلاوة، و بعض آخر بالمرارة، و ثالث بالحموضة، و رابع بالملوحة، فطرف اللسان مثلا أكثر تخصصا بالإحساس بالحلاوة، و حافته بالحموضة،

____________

(1) الفكر: طبيعته و تطوره. د. نوري جعفر ظ 1 ص 204 بتصرف.

39

و قاعدته بالمرارة» (1) .

و الحس-كما رأينا-ذو دور مهم في تحصيل المعرفة.

أنواع المعرفة

بعد أن تبينا تعريف المعرفة و تعرفنا مصادرها ننتقل-هنا-إلى استعراض أنواعها الرئيسية التي تتحدث عن الكون و الإنسان و الحياة لنتعرف مجالاتها العامة، و من ثم مناهجها العامة، و هي:

1- الدين.

2- الفلسفة.

3- العلم.

4- الفن.

الدين:

و أريد به-هنا-الدين الإلهي المتمثل الآن في الشريعة الخاتمة (الإسلام) .

و حقيقته منتزعة من واقعه، و هي أنه: عقيدة إلهية يقوم على أساس منها نظام كامل و شامل لجميع شؤون الحياة.

و الدين بهذا التعريف يأتي أوسع مجالا من الفلسفة و العلم، و معارفه- و هي ما يعرف بالعلوم الشرعية أو العلوم الإسلامية-تعرب عن هذا و تؤكده، ففيه:

1- ما يدخل في مجال العلم‏

ما يدخل في مجال العلم من الإشارة أو العرض لبعض النظريات و القوانين العلمية التي يمكن أن تبحث في ضوء المنهج التجريبي فتخضع للملاحظة أو التجربة، أمثال:

____________

(1) م. س 203.

40

أ-حركة الفلك:
المشار إليها في مثل قوله تعالى: وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهََا ذََلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ*`وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ حَتََّى عََادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ*`لاَ اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهََا أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَ لاَ اَللَّيْلُ سََابِقُ اَلنَّهََارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (1) .

حيث تفند هذه الآي الشريفة النظرية الفلكية القديمة القائلة بأن الفلك جرم شفاف ثبتت فيه الكواكب تثبيتا فلا حركة لها و لا فيها، و إنما الحركة للفلك التي هي فيه فقط.

و تفيد أن لكل كوكب-مما ذكر-حركة في نفسه و حركة في مداره الفلكي.

و هذا مما يدخل في مجال الملاحظة.

ب-دور الرياح في توزيع سقوط المطر:
المشار إليه في قوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيََاحَ فَتُثِيرُ سَحََاباً فَيَبْسُطُهُ فِي اَلسَّمََاءِ كَيْفَ يَشََاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ فَإِذََا أَصََابَ بِهِ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ إِذََا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (2) .

فقد ثبت-علميا-أن من العوامل التي تسيطر على توزيع سقوط المطر:

مقدار الرياح المحمّلة بالرطوبة (3) .

جـ-نزول الحديد:
المشار إليه في الآية الكريمة: وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ (4) .

____________

(1) سورة يس 38 و 39 و 40.

(2) سورة الروم 48.

(3) انظر: الموسوعة العربية الميسرة 1712.

(4) سورة الحديد 25.

41

فقد ثبت-علميا-أن الرجم‏ etiroetem و هو شهاب أو نيزك يبلغ سطح الأرض من غير أن يتبدد تبددا كاملا، إنه يتكون «من حديد حينا و من حجارة حينا و من مزيج من الحديد و الحجارة في بعض الأحيان» (1) .

فهذه و أمثالها كثير في القرآن الكريم و الحديث الشريف مما يدخل في مجال البحث العلمي و تفاد نتائجه من الملاحظة الإستقرائية.

2- ما يدخل في مجال الفلسفة

ما يدخل في مجال الفلسفة من الإلماح أو الإستعراض لبعض النظريات أو القوانين العقلية الفلسفية مما يمكن دخوله مجال البحث الفلسفي وفق المنهج العقلي، أمثال:

أ-الإستدلال بمبدأ العليّة:
كما ورد في القرآن الكريم في قصة إبراهيم (ع) ، قال تعالى:

وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ* `فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأى‏ََ كَوْكَباً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ* `فَلَمََّا رَأَى اَلْقَمَرَ بََازِغاً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ*`فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي هََذََا أَكْبَرُ فَلَمََّا أَفَلَتْ قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ*`إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (2) .

حيث تفيد الآي الشريفة هذه أن النبي إبراهيم (ع) استدل من الأفول باعتباره أثرا حادثا أن لهذه الكواكب مؤثرا محدثا، و هو اللّه تعالى.

و كما ورد في (نهج البلاغة) -الخطبة 185-من قول الإمام أمير المؤمنين (ع) : «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد و لا تحويه المشاهد و لا تراه النواظر و لا يحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، و بحدوث خلقه على وجوده» .

____________

(1) موسوعة المورد 7/21.

(2) سورة الأنعام 75-79.

42

ب-الإستدلال بدليل التمانع:
كما في قوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا (1) ...

و قوله تعالى: مَا اِتَّخَذَ اَللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَ لَعَلاََ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ (2) .

و هذا و أمثاله مما ورد في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو المأثور عن أئمة و علماء المسلمين مما يندرج في قائمة الإستدلال الفلسفي الذي يسير في تطبيقاته على ضوء المنهج العقلي.

3-ما هو من الغيبيات:

و هو كثير في القرآن و الحديث و المنقول التاريخي أمثال:

أ- الإيمان بوجود الجن.

ب- الإيمان بوجود الملائكة.

جـ- الإيمان بيوم القيامة.

د- الإيمان بالجنة.

هـ- الإيمان بالنار.

و- الإيمان بالإسراء و المعراج.

ز- الإيمان بعمر نوح و طوفانه.

ح- الإيمان بانفلاق اليم لموسى.

ط- الإيمان بخلق آدم من تراب.

ي- الإيمان بولادة عيسى من غير أب.

و أمثال هذه مما لا مسرح للعقل فيها لأنه لا يستطيع أن يثبت-هنا-أكثر من إمكانها و جواز وقوعها.

كما أنه لا مجال للملاحظة و التجربة فيها-كما هو واضح.

فلا محيص لإثباتها إذن من الرجوع إلى المنقولات و النصوص الدينية في

____________

(1) سورة الأنبياء 22.

(2) سورة المؤمنون 91.

43

ضوء معطيات المنهج النقلي.

و هذا الغيب أو الغيبيات مما انفرد به الدين.

و في ضوء جميع ما تقدم تدخل أفكار الدين جميع مجالات البحث، فبعض في مجال الغيب، و هو مما استقل به، و بعض في مجال ما وراء الطبيعة، و بعض في مجال الطبيعة و الإنسان.

و من البيّن أن اختلاف المجال أو الموضوع يتطلب اختلاف المنهج الذي يتبع في دراسته و بحثه.

و من هنا نقول:

-يرجع في دراسة الأفكار الغيبية إلى المنهج النقلي.

-و في دراسة الأفكار الميتافيزيقية إلى المنهج العقلي.

-و في دراسة الأفكار التي ترتبط بالطبيعة و الإنسان تكوينا و مجتمعا إلى المنهج التجريبي.

-و في دراسة التشريعات الدينية-لأن مصدرها النصوص النقلية-يرجع إلى المنهج النقلي.

و هكذا...

الفلسفة:

و لأن مجال الفلسفة انحصر الآن في دراسة ما يعرف بـ (ما بعد الطبيعة scisyhpateM ) ، و هو مما لا يمكن اخضاعه للملاحظة أو التجربة، لا بد من الإلتزام في بحث أفكاره بالمنهج العقلي.

و لكن، قد يقال: إن الفلسفة الحديثة بعد الإنتفاضة العلمية التي أحدثها رينيه ديكارت حيث «بدأ بتحطيم كل اتصالية بالفلسفة القديمة و عفى على كل ما فعل قبله في هذا العلم و شرع بإعادة تحديده بتمامه منذ البداية و كأن أحدا ما تفلسف قبله قط» -كما يقول شلينگ‏ (1) ، و «وضع المبدأ الشهير: لا

____________

(1) انظر: معجم الفلاسفة 275.

44

يجوز للإنسان أن يصدق سوى الأشياء التي يقرها العقل، و تؤكدها التجربة» (1) .

و مهد به لهيمنة المنهج التجريبي على أبحاث الفلسفة و انهزام المنهج العقلي أمامه، كيف نلزم بالتزام المنهج العقلاني في الدرس الفلسفي؟!.

نقول في الجواب عن هذا: إننا إذا أدركنا أن الثورة الثقافية في أوروبا التي أتت على الموروث الفلسفي فبددته، و ربما حطمت الكثير منه إن لم نقل كله، لم تمس شيئا منه مما هو موجود لدينا في مدونات الدراسات الإسلامية.

ذلك أن الفلسفة الإسلامية، و كذلك التراث الفلسفي الإغريقي الموجود عندنا، و مثلهما علم الكلام، لا تزال جميعها عقلانية الفكر و عقلانية المنهج، و تدرس و تبحث على هذا الأساس.

فمن هنا ليس الآن لنا و نحن نريد دراسة الفكر الفلسفي الإسلامي أو الإغريقي إلاّ اتباع المنهج العقلي.

و قد نضيف إليه و بخاصة في علم الكلام المنهج النقلي أيضا.

العلم:

و أعني بالعلم-هنا-ما يعرف بـ (العلوم الطبيعية) كالفيزياء و الكيمياء و الجيولوجيا و الفلك و الخ، و (العلوم الإنسانية) كالتربية و علم الإجتماع و علم النفس و علم الإقتصاد و علم الإدارة و الخ.

و لأن مجالها الطبيعة و الإنسان بدراسة ما فيهما من ظواهر، و هي مما يدخل في إطار الملاحظة أو التجربة يأتي استخدام المنهج التجريبي فيها أمرا طبيعيا.

____________

(1) م. ن.

45

الفن‏ trA :

و مجاله التعبير عما يحدث في النفس، و لذا عرّفه (المعجم الفلسفي) بأنه «تعبير خارجي عما يحدث في النفس من بواعث و تأثرات بواسطة الخطوط أو الألوان أو الحركات أو الأصوات أو الألفاظ، و يشمل الفنون المختلفة كالنحت و التصوير» (1) .

و لأن مجاله التعبير عما يحدث في نفس الإنسان فهو بالعلوم الإنسانية ألصق، و إليها أقرب، فيأتي-لهذا-منهجه المنهج التجريبي.

ملحوظة:

و بعد هذا المرور السريع في التعريف لمجالات المعرفة و ما يلتقي و طبيعتها من منهج لابد من الإشارة إلى التالي:

1- أن المناهج المذكورة هي المناهج العامة، و عنها تنبثق المناهج الخاصة-كما سيأتي هذا.

2- إن هذه المناهج العامة قد تتداخل فيشترك أكثر من منهج في دراسة مسألة ما إذا كانت المسألة ذات جوانب متعددة و مختلفة.

و لنأخذ مثالا لهذا-بغية الإيضاح-فكرة وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا.

فالبحث الفلسفي في ضوء المنهج العقلي يسلمنا إلى النتيجة القائلة بإمكان وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لأن القول بالفكرة لا يلزم منه الوقوع في غائلة الدور أو التسلسل أو التناقض.

و البحث الديني يوصلنا إلى وقوع أو تحقق وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لما ورد في حديث جابر الجعفي عن الإمام محمد الباقر (ع) :

«لعلك ترى أن اللّه إنما خلق هذا العالم الواحد، و ترى أن اللّه لم يخلق بشرا

____________

(1) المعجم الفلسفي «مجمع» مادة: الفن.

46

غيركم، بلى-و اللّه-لقد خلق اللّه ألف ألف عالم، و ألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم و أولئك الآدميين» (1) .

و البحث العلمي يدلنا على حقيقة تلكم العوالم، أو يكشف لنا على الأقل عن جانب من حقيقة تلكم العوالم، فقد عثرت الكشوف العلمية الحديثة على «هياكل بشرية مشابهة لهيكل هذا الإنسان الحالي، كانت تعيش على الأرض قبل ملايين السنين» (2) .

3- إن أكثر الدراسات المعاصرة لموضوع مناهج البحث أكدت على المنهج التجريبي متجاهلة أو ناسية المنهج العقلي و المنهج النقلي و هما عماد دراساتنا للفكر الإسلامي، متأثرة عن قصد أو غير قصد بالدراسات الغربية في الموضوع.

4- كان هذا الحديث عن المعرفة مدخلا للحديث عن المنهج: تعريفه و أقسامه.

____________

(1) التوحيد، الصدوق 277.

(2) عقيدتنا، عبد اللّه نعمة 58.

47

المنهج‏

-تعريف المنهج‏

-أقسام المنهج‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

تعريف المنهج‏

المنهج‏ dohteM

يقال: منهج-بفتح الميم، و منهج-بكسرها.

و يقال أيضا: منهاج-بكسر الميم، و الألف بعد الهاء.

و هو في اللغة العربية: الطريق الواضح.

و أضاف إليه المعجم اللغوي العربي الحديث معنى آخر، هو: (الخطة المرسومة) (1) .

و لعله أفاد هذا من التعريف العلمي له أو من الترجمة العربية لكلمة dohteM الإنجليزية بسبب اشتهارها في الحوار العلمي العربي، و هي تعني:

الطريقة، و المنهج، و النظام.

و عرّف المنهج علميا بأكثر من تعريف، منها.

1- ما جاء في معجم (الصحاح في اللغة و العلوم) (2) : «المنهج: هو خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر و يتتبعها للوصول إلى نتيجة» .

2- و في (المعجم الفلسفي-مجمع-) و (معجم المصطلحات العربية

____________

(1) انظر: المعجم الوسيط: مادة (نهج) .

(2) مادة (نهج) .

غ

50

في اللغة و الأدب) (1) : «وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة» .

3- و عرّفه عناية في كتابه (مناهج البحث) (2) : «المنهج: طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم» .

و عرّفه عبد الرحمن بدوي في كتابه (مناهج البحث العلمي) (3) بالتعريفين التاليين:

4- البرنامج الذي يحدد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة.

5- الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم.

6- و في كتاب (البحث العلمي) للدكتور محمد زيان عمر (4) : «و قد حد العلماء المنهج بأنه فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إمّا من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون» .

7- و عرّفه النشار في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) (5) بـ «طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية» .

8- و أشهر تعريف للمنهج هو التعريف القائل: بأنه «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل و تحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة» (6) .

و نخلص من هذه التعريفات إلى أن:

____________

(1) مادة (منهج) .

(2) ص 76.

(3) ص 6 ط 3 في 1977.

(4) ص 48.

(5) 1/36.

(6) مناهج البحث العلمي ص 5.

51

9- المنهج: مجموعة من القواعد العامة يعتمدها الباحث في تنظيم ما لديه من أفكار أو معلومات من أجل أن توصله إلى النتيجة المطلوبة.

و باختصار:

المنهج: طريقة البحث.

أقسام المنهج‏

يقسم المنهج تقسيما أوليا إلى قسمين، هما:

أ-المنهج التلقائي:

و يراد به ما يزاوله عامة الناس في تفكيرهم و أعمالهم من دون أن يكون هناك التفات منهم إليه، أو خطة واضحة ثابتة في أذهانهم له، و إنما يأتيهم عفوا و وفق ما يمليه الظرف.

و قد أشار إلى هذا مناطقة بورت رويال بقولهم: «إن عقلا سليما يستطيع أن يصل إلى الحقيقة في نطاق البحث الذي يقوم به، بدون أن يعرف قواعد الإستدلال» (1) .

ب-المنهج التأملي:

و هو ما نسميه و نصطلح عليه بالمنهج-و هو موضوع دراستنا هذه-و سمي بالتأملي لأنه جاء نتيجة التأمل الفكري الذي أدى إلى وضع قواعده و أصوله.

و هو ينقسم إلى قسمين رئيسين، هما:

أ-المناهج العامة:

و تعرف بالمناهج المنطقية أيضا.

ب-المناهج الخاصة:

و تسمى المناهج الفنية أيضا.

____________

(1) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/35 نقلا عن:

noitcubortnI layoR troP ed euqigoL

52

المناهج العامة

تعريفها:

المناهج العامة: هي تلكم القواعد المنهجية العامة التي يرجع إليها عند البحث في أي حقل من حقول نوع عام من أنواع المعرفة التي تقدم تعريفها فيما سبق.

تقسيمها:

تنقسم المناهج العامة إلى الأقسام التالية:

1- المنهج النقلي.

2- المنهج العقلي.

3- المنهج التجريبي.

4- المنهج الوجداني.

المنهج النقلي:
المنهج النقلي: هو طريقة دراسة النصوص المنقولة.

و يقوم على العناصر العامة التالية:

1- توثيق إسناد النص إلى قائله:

بمعنى التأكد من صحة صدور النص من قائله.

و يتأتى هذا بالرجوع إلى المنهج الخاص في المجال المعرفي الخاص به، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، و تاريخ الرواة العاربة و الحاضرة في دراسة اللغة و الأدب.

2- التحقق من سلامة النص:

بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص أو ما إلى هذه، أي أنه سليم من هذه و كما قاله قائله.

3- فهم مدلول النص:

و يتأتى هذا بالرجوع إلى الوسائل و الأدوات العلمية المقرر استخدامها

53

لذلك، و تعرف في ضوء المنهج الخاص بحقله المعرفي كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مداليل النصوص الفقهية من آيات و روايات.

و مجال استخدام هذا المنهج: كل معرفة مصدرها النقل.

المنهج العقلي:
المنهج العقلي: هو طريقة دراسة الأفكار و المبادى‏ء العقلية.

و يقوم على قواعد علم المنطق الأرسطي، فيلتزم الحدود و الرسوم في التعريف، و القياس و الإستقراء و التمثيل في الإستدلال.

و قد عدّل فيه المناطقة المسلمون، فالتزموا في التعريف ما سموه بـ (شرح الاسم) ، و ابتعدوا عن وجوب الأخذ بالحد و الرسم، و عللوا هذا بعدم وجود فصول لحقائق الأشياء يمكن الوصول إليها و معرفتها، و عليه يكتفى بـ (الخاصة) و هي تعني ما يطلق عليه في البحوث العلمية التجريبية بـ (الظاهرة) .

كما أضافوا إلى مادة الإستقراء في كثير من مؤلفات المنطق الحديثة الطرق الخمس التي وضعها (جون استيوارت مل) ، و التي تسمى (طرق الإستقراء) و (قوانين الإستقراء) ، و موضوعات أخرى رأوا من اللازم اضافتها (1) .

أما خطوات البحث، و التي يسميها هذا المنطق بـ (حركة العقل بين المعلوم و المجهول) ، و قد يطلقون عليها اسم (النظر) و اسم (الفكر) ، فيلخصها أستاذنا الشيخ المظفر في كتابه (المنطق) (2) بقوله: «أن النظر-أو الفكر-المقصود منه: إجراء عملية عقلية في المعلومات الحاضرة لأجل الوصول إلى المطلوب.

و المطلوب: هو العلم بالمجهول الغائب.

____________

(1) يرجع إلى: مذكرة المنطق: المقدمة-مبحث التبويب، لمعرفة شي‏ء من هذا.

(2) ط 2 حـ 1 ص 17

54

و بتعبير آخر أدق: إن الفكر هو: حركة العقل بين المعلوم و المجهول.

و تحليل ذلك: أن الإنسان إذا واجه بعقله المشكل (المجهول) و عرف أنه من أي أنواع المجهولات هو، فزع عقله إلى المعلومات الحاضرة عنده، المناسبة لنوع المشكل، و عندئذ يبحث فيها، و يتردد بينها، بتوجيه النظر إليها، و يسعى إلى تنظيمها في الذهن، حتى يؤلف المعلومات التي تصلح لحل المشكل، فإذا استطاع ذلك، و وجد ما يؤلفه لتحصيل غرضه، تحرك عقله حينئذ منها إلى المطلوب، أعني معرفة المجهول و حل المشكل.

فتمر على العقل-إذن-بهذا التحليل خمسة أدوار:

1- مواجهة المشكل (المجهول) .

2- معرفة نوع المشكل، فقد يواجه المشكل و لا يعرف نوعه.

3- حركة العقل من المشكل إلى المعلومات المخزونة عنده.

4- حركة العقل-ثانيا-بين المعلومات للفحص فيها، و تأليف ما يناسب المشكل و يصلح لحله.

5- حركة العقل-ثالثا-من المعلوم الذي استطاع تأليفه مما عنده إلى المطلوب.

و منذ أن ترجم هذا المنطق من اليونانية إلى العربية عن طريق السريانية و الفارسية، كان و لا يزال هو المنهج المعتمد في الدراسات الإسلامية، و بخاصة الفلسفة الإسلامية و علم الكلام و أصول الفقه.

و مد رواقه أيضا على الدراسات اللغوية العربية فاعتمد إلى حد بعيد في علم النحو و علوم البلاغة.

و هو المنهج المتبع و المعتمد حاليا في الدرس الفلسفي و الدرس الكلامي و الدرس الأصولي في الحوزات العلمية (مراكز الدراسات الدينية) عند الشيعة الإمامية.

و كذلك في الحوزات العلمية السنّية في مثل أفغانستان و باكستان و هندستان و اليمن و مصر و دول المغرب العربي.