أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
3

[مقدمه فى موضوع العلم و تمايز العلوم‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على اوليائه المقربين لا سيما محمد بن عبد اللّه و آله الطاهرين و بعد فهذه عمدة المباحث الاصولية التى تبتنى عليها مسائل الفقه الاسلامى حررناها طبقا لما أدى اليه الفكر و النظر تذكرة للبصير و تبصرة لمن استبصر و اللّه الموافق.

مقدمة: قد شاع بين الاعلام البحث عن الموضوع بمعناه العام و ما هو موضوع لعلم الاصول فى هذا المقام و اضاف اليه بعض المتأخرين البحث عما يمتاز به العلوم بعضها عن بعض فهنا مقامات من البحث.

الاول: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية قيل العرض الذاتى ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة او بواسطة امر اخص او مساو فما يعرضه بواسطة امر اعم او مباين فعرض غريب و قيل العرض الذاتى ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة في العروض و ان كان له‏

4

واسطة فى الثبوت و النسبة بين الضابطين عموم من وجه فان المباين او الاعم قد يكونان واسطة في الثبوت فالعرض ذاتى كما الاخص او المساوى قد يكونان واسطه فى العروض فالعرض غريب و التحقيق ان العرض الذاتى ما يعرض الشي‏ء حقيقة لا ما ينسب اليه مجازا لمجاورة او علاقة اخرى مضافا الى ان محمولات مسائل العلوم غالبا اعم او اخص مطلقا او من وجه بالنسبة الى موضوعات العلوم فلا بد من اعتبار الموضوع لا بشرط حتى تكون تلك المحمولات اعراضا ذاتية لتلك الموضوعات.

المقام الثانى: فيما يمتاز به علم عن آخر و هو امور على ما قيل او يمكن ان يقال الموضوعات و المحمولات و الاغراض و البحث تارة عما يصلح ان يكون مميزا و على فرض تعدده فى ما وقع به التميز فعلا فيمكن ان يكون المميز الفعلى لعلم شيئا و لآخر شيئا آخر، قال المحقق الخراسانى بعد ما عرف المسائل بانها قضايا جمعها اشتراكها فى الدخول فى الغرض ان المميز للعلوم منحصر فى الغرض و لا يصح ان يكون الموضوع مميزا اصلا و إلّا يعد كل باب علما و يتداخل العلوم بتداخل موضوعاتها و التحقيق ان يقال انه مما لا ريب فيه ان علوما متعددة كعلوم الفلسفة و العلوم العربية مما دونت بغرض مشترك او الاعم لما تكاملت و تشعبت مسائلها جعلت علوما شتى و فرعت منها فان الغرض الداعى للمدون الاول للمباحث الفلسفية باسرها هو الكشف عن حقايق الاشياء كما عرفت به الفلسفة

5

العامة ثم تكثرت مسائلها و تشعبت منها الحكمة النظرية الباحثة عما ليس وجودها باختيارنا و قدرتنا و الحكمة العملية الباحثة عما يكون وجودها بقدرتنا و اختيارنا ثم تشعبت الحكمة النظرية الى اقسامها الثلاثة المعروفة من الهيات و طبيعيات و رياضيات و تفرعت من كل منها علوما تعد المجموع بالعشرات كما انه تشعبت الحكمة العملية و تفرعت منها علوم كثيرة ثم تفرعت منها فى العصور الاخيرة علوما كثيرة اخرى، كعلم معرفة الارض، معرفة الانسان، معرفة الروح، معرفة الآثار القديمة، معرفة الحيوان، معرفة النبات و هكذا كما ان العلوم الادبية و العربية و الشرعية دونت فى الصدر الاول الاسلامى بغرض مشترك عام و هو فهم الكتاب المجيد الالهى و هو القرآن و فهم السنن النبوية و ما صدر من أئمة الدين و الغرض من ذلك فهم الاحكام و الآداب الاسلامية للتعبد بها و العمل على طبقها حيث ان القرآن نزل على لغة مضر و اسلوب لسانها المخصوص بها و لما تفرقت القبائل المضرية فى اقطار المعمورة و راء الفتح الاسلامى العام و قطنت فى الآفاق المختلفة المتباعدة و اختلطت مع الامم المغلوبة كالفرس و الروم و القبط و الحبش تبدلت ملكتها اللسانية القائمة بها تفاهم آيات القرآن المجيد و جوامع الكلم النبوية حتى زالت و اضمحلت فبادر الائمة و النبهاء الى وضع العلوم و تدوينها بغرض حفظ القرآن عن الضياع و النسيان فجمع مفردات اللغة العربية و جملها التركبية فتولدت من البحث عنها علم اللغة و الصرف و النحو

6

و المعانى و البيان و البديع ثم تفرعت منها علم العروض و القوافى ثم تطرق الشك فى صحة النصوص المعول عليها فى اثبات لغة او تركيب او لفظ صدر عن النبى و الائمة او عمل يبتنى عليه حكم دينى فتداول اسناد الاقوال الى قائليها لكسب اعتماد المستمعين فتولد علم الحديث و الرجال و كثر القيل و القال.

لا يقال ان تلك العلوم فى الصدر الاول كانت علما واحدا حيث ان الغرض من تدوينها شي‏ء واحد ثم بعد اتخاذ اغراض مخصوصة لعدة من المسائل صارت علوما شتى و انحل الغرض العام المقرر لها لانا نقول ان كل واحد من تلك العلوم كانت ممتازة فى الصدر الاول معروفة الاساتيد و مرتبة الطبقات كما تتضح من الرجوع الى تاريخها و تسلسل رجالها من لدن واضعيها كما ان العلوم الفلسفية ايضا كذلك نعم ليس لكل علم مسائل مبسوطة مجموعة فى الصدر الاول بل تكلمت و تجمعت مسائلها تدريجا نظرا الى الموضوع او الدخل فى الغرض الخاص كما سنحقق البحث عن المسائل و كيف جمعت و انضمت الى كل علم علم قريبا إن شاء اللّه اذا عرفت ما مهدناه لك من ان كل علم دون بالغرض المشترك فلا تعقل ان يكون المميز له الغرض فى التدوين فينحصر ان يكون المميز الذاتى له الموضوع بعد ما عرفت من امتناع ان يكون المميز فى العلوم محمولات المسائل لعدم حصرها و توقف ثبوتها و معرفتها على معرفة العلم فمرجع المبحث فى المقام حقيقة الى تشخيص ما هو الغرض فى تدوين العلم من اول‏

7

الامر و لا اشكال فى اختلاف العلوم من هذه الجهة و بهذا البيان يظهر ما فى كلمات الاعلام من الخلط و الاشتباه فى المقام حيث لم يفرقوا بين العلم من هذه الجهة حتى يظهر حقيقة الحال فادعى بعضهم مميزية الغرض مطلقا و بعضهم مميزية الموضوع كك فالتحقيق ان يقال ان الفلسفة انما دونت لغرض عام و هو العلم بحقائق الاشياء كما ان العلوم العربية دونت كك لغرض عام و هو الاطلاع على خصوصيات كلمات العرب لفهم الاحكام و ان كان فى الأخير تأملا بالنسبة الى بعض انواعها ففى هذه العلوم لا يعقل ان يكون المميز هو الغرض.

و اما علم اصول الفقه فهل يكون له مبدأ مشتركا مع علوم شتى آخر فى غرض التدوين حتى يحتاج فى تمييزه الى تجشم وجه آخر غير الغرض ام كان عند التدوين منفردا فى الغرض الخاص به و هو استنباط الاحكام عن الأدلة التفصيلية فيقع الكلام فى مقامين.

الاول فى انه هل يكون غرض مشترك بين هذا العلم و بعض العلوم الأخر صالح لان يكون هو المقصود للمدون الاول فلا يصلح ان يكون مميزا ام لا بل ليس بينه و بين غيره جامع فى غرض التدوين.

المقام الثانى فى ان بعد تصوير الغرض المشترك هل يكون هو المنظور للمدون. الاول ام الغرض المخصوص بهذا العلم و هذا كله بعد تسليم ان لعلم اصول الفقه غرض خاص به صالح لان يكون‏

8

داعيا للمدون الاول.

اما المقام الاول فالانصاف ان تصور الغرض المشترك بين هذا العلم و علوم شتى آخر كالتفسير و الحديث بل و اكثر فنون العربية واضح لا مرية فيه و لا شك يعتريه بداية ان استنباط الاحكام الشرعية و الاطلاع على الفروع الفقهية نتيجه مرتبة على جميع تلك العلوم و لم يكن نظر فقهاء المسلمين و علمائهم فى الصدر الاول إلّا العلم بحقائق الاحكام و فهم النسب الجزئية بين الافعال الاختيارية و محمولاتها الشرعية فبذلوا الجهد فى تحصيل كل ما يوصلهم الى ذلك فدونوا الحديث و التفسير و بعض العلوم العربية و علم الاصول الفقه ان قلت ان علم اصول الفقه يبحث عن كيفية استنباط الحكم عن الدليل بخلاف العلم الحديث و التفسير فانها يبحث فيها عن نفس الدليل الشرعى فلا يصح ان يكون كل هذه العلم مدونا بغرض واحد مشترك.

قلت هذه الفروق الدقيقة مما استنبطها المتاخرون بعد تدوين العلوم و تشخيصها و لم تكن مما التفت اليها العلماء فى الصدر الاول بل لم يكن علم الاصول- ح- الا قواعد عقلية او عرفية وجدوها مقدمة للعلم بالاحكام فجمعوها على شتاتها و تفرقها بتوالى الادوار و الافكار حتى صارت كما ترى و استمدوا فى علم الاصول بسائر المسائل من علوم شتى فدعوى تدوين علم الاصول فى الصدر اول بغرض مشترك غير بعيد عند المنصف.

ان قلت ان العلماء عرفوا الاصول بانه علم بالقواعد الممهدة

9

لاستنباط الاحكام الخ و قالوا ان التقييد بالممهدة لاخراج علوم العربية مما دون لاغراض كان يستفاد منها الاحكام ايضا قلت تعريف علم الاصول بهذا الوجه المتضمن للفصول و القيود يعد من الفوائد المتربة على علم الاصول بعد تدوينه و ضبطه كسائر تعاريف العلوم الموضوعة بعد تدوينها و ضبطها كما لا يخفى على الخبير الممارس.

و اما المقام الثانى فيظهر التحقيق فيه مما سلف من انه بعد تصوير الغرض المشترك و عدم التفات العلماء فى الصدر الاول الى جهات الفروق الدقيقة مما لا يعنيهم فيما هو الغرض المهم لهم من استنباط الاحكام الشرعية لا يبعد الجزم بان الغرض فى تدوين جميع العلوم الشرعية واحد و ما التفت المدون الاول الى الغرض المخصوص فلا يعقل ان يكون المميز الذاتى الاولى لعلم الاصول عن سائر العلوم هو الغرض كما زعمه المحقق الخراسانى و تبعه عليه غير واحد ممن تاخر عنه فينحصر ان يكون المميز هو الموضوع و ح بناء على ما ذهب اليه المتقدمون من الاصحاب من ان موضوعه الادلة الاربعة بعناوينها او بذواتها فلا اشكال.

و اما بناء على ما هو التحقيق من اعمية موضوعه من ذلك بداهة عدم امكان ارجاع جميع المحمولات المبحوثة عنها فى هذا العلم الى الادلة الاربعة على الوجهين بوجه تكون من الاعراض الذاتية لها على احد الوجهين اللذين صدر بنا لبحث بهما و ليس للموضوع بهذا العنوان العام جامع بين مفهوما ذاتيا كان ام عرضيا حتى يتميز به‏

10

العلم عن ساير العلوم و يمكن الجواب عن ذلك بوجهين.

الاول انه بناء على ما هو التحقيق من عدم لزوم جامع ذاتى بين موضوعات مسائل العلم كما سيئاتى إن شاء اللّه بل يمكن ان يكون موضوع علم واحد عدة امور يبحث عن عوارضها فى هذا العلم و الجهة الجامعة بينها الدخل فى الغرض العام المدون له العلم و ح يكون تميز العلم من جهة الموضوع مشككا اى باى مقدار من موضوعات المسائل بتبين يتميز هذا العلم عن غيره ففى مبدإ تدوين علم الاصول لما كان موضوعية الادلة الاربعة له مبينة تميز بهذا المقدار و بتضام المسائل المبينة على موضوعات أخر بعد التدوين زاد تميزا و تشخيصا

الثانى ان يقال ان المتقدمين و ان اخذوا موضوع العلم و المميز له الادلة الاربعة و لكن لا بما هى بخصوصها بل بما هى مصداق لكلى الموضوع العام الذى يبحث عن عوارضه الذاتية فى هذا العلم فتكون الادلة الاربعة تميزا اجماليا لهذا العلم عن ساير العلوم و هذا الجواب يجرى على جميع المبانى فى الموضوع.

فتحصل مما ذكرنا ان دعوى كون المميز الذاتى لعلم الاصول هو الغرض الخاص به لا برهان عليه و ان دعوى كون المميز له الموضوع باحد الوجهين ليس بعيدا عن الصواب.

بقى هنا امر وعدنا تحقيقه و هو انه هل يلزم رجوع شتات موضوعات المسائل الى جامع ذاتى لها يكون نسبته اليها نسبة الطبيعى الى افراده و الكلى الى مصاديقه ام لا ذهب بعضهم و منهم المحقق‏

11

الخراسانى الى الاول و غاية ما يمكن ان يستدل به لذلك المذهب وجهان.

الاول انه بناء على ان يكون المميز الذاتى فى العلوم هو الموضوع فلا بد و ان يكون لكل علم موضوعا واحدا على اختلاف مسائله و تشتت قواعده بتميز به عن غيره و إلّا لعد علم واحد علمان و يمكن ان بعد العلوم المتعددة علما واحدا.

الثانى انه بناء على وحدة غرض العلم الخاص به فقد يقال انه معلول للموضوع فيجب وحدة الموضوع و لا يلزم انتهاء الواحد بالذات الى الكثير و هو باطل لان الواحد لا يصدر منه الا الواحد و و الواحد لا يصدر إلّا من واحد و فى كلا الوجهين نظر.

اما الاول فلانه بناء على كون المميز للعلم هو الموضوع لا يلزم القول بالجامع الذاتى بين شتات موضوعات المسائل بل يكفى الجامع العرضى العنوانى بل ربها لا يلزم ذلك فيقوم التميز بنفس موضوعات المسائل على كثرتها كما اسلفناه فى الجواب الاول فى حل مميزية موضوع علم الاصول المبنى على المشككية بداهة ان المسائل المبحوثة فيها عن موضوعات كذا غير المبحوث فيها عن غيرها كما لا يخفى.

و اما الثانى فيرد عليه وجوه الاول ان احراز وحدة الغرض فى العلوم صعب جدا اذ ما من علم الا و يترتب عليه فوائد كثيرة يمكن ان يكون جميعها غرضا للمدون.

12

الثانى ان وحدة الغرض لا تفيد وحدة الموضوع الا بعد اثبات وحدته من جميع الجهات و هو ممتنع اذا غرض العلوم لها حيثيات متعددة يمكن ان يكون كل منها معلولا لموضوع من موضوعات المسائل.

الثانى ان اغراض العلم لا يترتب على الموضوع و لا تكون معلولة لها اما بالنسبة الى الوجود الخارجى فظاهر بداهة عدم ترتب غرض علم النحو و هو ملكة حفظ اللسان على الوجود الخارجى للكلمة و الكلام و اما بالنسبة الى وجوده الذهنى فكك ايضا بداهة ان مجرد تصور الموضوع لا يفيد فائدة العلم و لا يحصل غرضه و انما يترتب غرض العلم على التصديقات بمسائل العلم بداهة انها هى التى يقتدر بها على الملكات المحصلة لاغراض العلوم و هى صور علمية قائمة بالنفس متحدة حقيقتها و ان اختلف متعلقاتها فعلاقة العلية و المعلولية مسلوبة بين الموضوع و الغرض رأسا حتى يدل وحدته على وحدته الرابع ان القاعدتين المذكورتين فى الفلسفة انما كان موضوعهما الواحد بالوجود من طرف العلة و المعلول و محصلهما امتناع انتهاء الوجود الواحد الى الوجود الكثير و بالعكس لا الواحد الماهوى و فى المقام وحدة الغرض وحدة ماهوية لا وحدة حقيقيه وجودية بداهة تعدد وجود الغرض و الملكات المحصلة له بتعدد العالمين بالعلم كما لا يخفى و بعد بطلان البرهانين القائمين على انتهاء شتات موضوعات المسائل الى جامع ذاتى واحد فالحق هو القول الثانى فقد يكون موضوع‏

13

العلم امرا واحدا و هو موضوعات مسائله مندرجا تحت جامع ذاتى واحد بحيث يرجع البحث فيها اليه كما فى علم الهندسة فان كل مسائله يرجع البحث فيها الى الكم المتصل و قد لا يرجع الى جامع ذاتى فيكون نفس موضوعات المسائل على كثرتها و تشتتها موضوعا للعلم و هو مميز بها كما فى علم الاصول- فحينئذ- لا وجه لتجشم موضوع كلى ينطبق على موضوعات مسائله مضافا الى عدم امكان ذلك فى بعض العلوم كما فى علم النحو الذى موضوعه الكلمة و الكلام لانه لا جامع بين الكل و الجزء كما توهمه القوچانى فى حاشية الكفاية إلّا يقال ان موضوعه اللفظ العربى من حيث الاعراب فيدفع الاشكال و الانصاف ان تجشم الجامع ممكن فى كل العلوم إلّا انه مما لا يحتاج اليه اصلا كما لا يخفى ثم ان ما ستشكل على ما ذكره المتقدمون من ان موضوع علم الاصول هو الادلة الاربعة امور الاول انه يخرج عنه كل مسئلة يبحث فيها عن دليلية الدليل مثل مسئلة حجية الظواهر و حجية الخبر الواحد و مسئلة التعادل و التراجيح لان مفاد البحث فيها الى حجية اى الخبرين فى حال التعارض و مسئلة الانسداد الثانى انه- ح- يكون البحث فى اكثر مسائلها عن الاعراض الغريبة كدلالة الامر على الوجوب و مسئلة المفاهيم و مباحث العموم و الخصوص بداهة ان البحث فيها عن المحمولات اللغوية و العرفية و ان كان يقع نتيجتها فى طريق استنباط الحكم الشرعى و يمكن ارجاعها الى الاعراض الذاتية بالتزام التقييد فى طرف الموضوع او المحمول كما لا يخفى.

الثالث انه يستشكل فى ارجاع بعض المسائل العقلية الغير

14

المستقلة مثل مسئلة الملازمة بين وجوب المقدمة و ذيها و مسئلة جواز اجتماع الامر و النهى و عدمه و مسئلة الاستلزامات فى باب المفاهيم على بعض التقارير الى كونها بحثا عن حال العقل و عوارضه بعد تسليم عدم رجوع البحث فيها الى ساير الادلة و الانصاف ان الجواب الصحيح عن هذه الاشكالات هو الالتزام باعمية الموضوع عن الادلة الاربعة او اوسعيته و قد تصدى الاكابر لدفع بعض هذه الاشكالات بما لا يخلو عن نكلف و تعسف و ان اتعبوا انفسهم الشريفة مع وضوح الاشكال فى اكثرها و لا يهمنا التعرض لتحقيقها و بيان ما يرد عليها بعد وضوح الحق و بيان المسلك الصدق و الحمد للّه على نعمائه ثم لا يخفى ان مجرد الالتزام باعمية الموضوع مع تقييد جهة البحث بكونها من حيث يقع فى طريق استنباط الحكم لا يرفع المحذور بكله فانه يشكل عليه بمثل البحث عن قاعدة البراءة الشرعية و اصالة الحل فى الاشياء بل الاستصحاب على بعض الوجوه فان البحث فيها ليس بحث ما يقع فى طريق الاستنباط الحكم الشرعى بل هو بنفسه حكم شرعى فلا بد من الالتزام باعمية النتيجة من هذه الجهة ايضا و بما حررنا ظهر ان الاولى فى تعريف علم الاصول ان يقال انه صناعة يعرف به ما ينكشف به حال الاحكام الشرعية لفرعية كشفا او تنجيزا او اسقاطا فيتم التعريف و يعم كل المباحث و ان احطت خبرا بما تلونا عليك تقدر على استخراج ما يرد على سائر التعاريف فى المقام من مطاوى ما ذكرنا فلا نطيل الكلام بتوضيحها و البحث عنها مع قلة فائدتها فتدبر بقى الكلام فى كون‏

15

المميز للعلوم محمولات مسائلها و هو باطل لوجهين الاول ان مسائل العلوم كما عرفت غير محصورة و انما تجمع و تنضبط تدريجا بتكامل كل علم فى قرون كثيرة حسب اختلافها و لكل احد ان يلحق بكل علم ما استنبطه من المسائل فما لا حصر له لا تميز له فى نفسه فكيف يكون مميزا لغيره الثانى ان ثبوت المحمولات انما يكون فى العلم نفسه و هو بعد الفراغ عن تميزه بداهة تأخر مباحث كل علم عن رتبة تميزه و التميز لا بد و ان يكون بامر محقق ثابت فكون المحمول مميزا يتوقف على اثباتها و هو يتوقف على الدخول فى مباحث العلم و هو يتوقف على تميز العلم عن غيره فيكون دورا و ما ربما يتوهم من ان المحمولات بمنزلة الفصل المحصل للموضوعات و هى بمنزلة المادة لانها المحصل لها فى العلوم ففيه ان الصورة النوعية للعلم بمعنى المسألة هو النسبة التصديقية لان بها تصير القضية تامة فعلية فى العلم بمعنى الصناعة و هى الهيئة التركيبية للمسائل كما لا يخفى على المتأمل مضافا الى انه يلزم تعدد العلم بتعدد المحمولات بقى الكلام فيما يرد على كون الموضوع مميزا و هو امور (1) انه يلزم تعدد العلم بتعدد الابواب بل بتعدد المسائل و تعدد موضوع المسائل و الابواب غالبا و فيه ان لحوق المحمول للموضوع تارة يكون بما هو مندرج تحت عنوان آخر و يكون الخصوصية الصنفية او الشخصية ملغاة فى نظر الباحث و اخرى يكون الخصوصية الشخصية دخيلة فى لحوق المحمول فعلى الاول لا يرد جعل الباب او المسألة علما مستقلا بل لا بد من جعل‏

16

جميع ما يرجع البحث فيها الى ذلك الجامع علما لان البحث عن عوارضه فى الجميع و على الثانى فلا محيص عن جعله علما مستقلا لو لم يكن تعدد المسائل الى حد ما مأخوذا فى مسمى العلم (2) انه يلزم ان يكون العلوم المتعددة التى يكون موضوعها واحد كالعلوم العربية الباحثة عن اللفظ العربى علما واحدا و اجيب عنه بوجوه الاول تقسيم الموضوع بتقييده بجهة البحث فى كل علم فاللفظ العربى من جهة لحوق الاعراب و البناء موضوع النحو و من جهة لحوق الصحة و الاعتدال موضوع الصرف و هكذا الثاني تقسيم الموضوع و تكثيره بتقييده بحيث استعداده للحوق المسائل الثالث جعل حيثية محمول المسائل عنوانا للموضوع فيتعدد و كل هذه الوجوه لا يخلو عن مناقشة ترجع الى لزوم لحوق الشى لنفسه او صيرورة مسائل العلم قضايا بشرط المحمول غير قابلة للبحث عن ثبوتها فى العلم كما قيل إلّا ان الوجه الثانى فى الجواب لا يخلو عن قوة لان اخذ حيثية الاستعداد للحوق المحمولات الخاصة بالعنوان الاجمالى لا يرد عليه شى‏ء من الاشكالين اما عدم لحوق الشى‏ء لنفسه فظاهروا ما عدم صيرورة المسائل ضرورية بشرط المحمول فلان حيثية استعداد لحوق محمول لموضوع لا يكون علة تامة للحوقه و ثبوته‏

17

[فى الوضع و اقسامه‏]

(اصل) الوضع قيل هو تخصيص اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه و قيل هو نحو اختصاص بين اللفظ و المعنى و ارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة و كثرة استعماله فيه اخرى و قيل هو تعهد الواضع بارادة المعنى من اللفظ عند التكلم به و الاخير هو الاقوى و ذلك لان الوجهين الاولين لا يفى إلّا باثبات الدلالة التصورية للالفاظ و يحتاج اثبات الدلالة التصديقية الى بناء عقلائى منفصل عن الوضع و دون اثباته خرط القتاد و اما بناء على الثالث فالدلالة التصديقية للالفاظ نتيجة الوضع لان كل من التزم بوضع الواضع و تبعه فى قانون الوضع فقد التزم بارادة المعنى عند التلفظ و لا يخفى ان المسلكين الاولين مرجعهما لى امر واحد لان التخصيص و الاختصاص واحد وجودا مختلف اعتبارا كالكسر و الانكسار فاصحاب الراى الاول نظروا الى الفعل من حيث انتسابه الى الواضع و صدوره منه و اصحاب الرأى الثانى نظروا اليه من حيث تأثر اللفظ و المعنى منه باعتبار الاثر الحاصل بينهما من فعل الواضع فينبغى ان نجعلهما مسلكا واحدا

18

فى قبال القول بالتعهد ففى الوضع مسلكان مسلك القول بانه جعل الاختصاص و مسلك القول بالتعهد و لا بد من تحقيق المقام من الكلام فى مقامين الاول فى بيان الوجه المختار و تزييف المسلك الاول الثانى فى الثمرات المترتبة عليهما اما الكلام فى المقام الاول فاستدل القائلون بالتعهد على وجوه.

الاول دعوى امتناع جعل الاختصاص بين اللفظ و المعنى لانه من المعانى الانتزاعية و هى تابعة فى عالم التحقق لمنشا انتزاعها فاذا تحقق يتحقق سواء كان هناك جعل من جاعل ام لم يكن و متى لم يتحقق لا اثر للفظ الواضع فى ذلك و بعبارة اخرى المعانى الانتزاعية مما لا تنالها يد الجعل و لا يصل اليها اثر القدرة إلّا بتبع منشأ الانتزاع و ليس منشأ لانتزاع الاختصاص الا التعهد المذكور كما ان الاختصاص الحاصل بين الجل و الفرس ليس إلّا بتعهد مالك الفرس بوضع ذلك الجل على ذلك الفرس دون غيره‏

الثانى ان تاثير شي‏ء فى شي‏ء لا بد بان يكون لسنخية بينهما و ذلك ظاهر و إلّا لاثر كل شى‏ء فى كل شى‏ء و لا سنخية بين قول الواضع جعلت ذلك اللفظ لذلك المعنى مع الاختصاص بالحمل الشائع حتى يوجد به و بعبارة اخرى ما اوجده الواضع هو ما بالحمل الاول اختصاص و هو موجود بالوجود الذهنى اولا و ايجاده فى عالم اللفظ و المقصود هنا امر ثالث و هو وجود الاختصاص بالحمل الشائع بين اللفظ و المعنى فى الخارج كوجود سائر المعانى الانتزاعية و لا سنخية بين الوجودين‏

19

السابقين مع هذا الوجود حتى يتحقق بهما و لا يذهب عليك ان الاختصاص بين اللفظ و المعنى ليس من الامور الاعتبارية كالملكية و الزوجية حتى يتحقق فى عالم الاعتبار بعد اعتبار وجوده باللفظ كما توهمه بعض اهل التحقيق من المعاصرين و منشؤه الخلط بين المعانى الاعتبارية و الانتزاعية فالقسم الاول يوجد بايجاده اللفظى فى افق الاعتبار بخلاف الثانى فانه لا طريق لايجاده الا إيجاد منشأ انتزاعه خارجا فافهم فانه دقيق جدا.

الثالث ما اسلفناه من ان نفس جعل الاختصاص بناء على امكانه لا يفى بما هو المقصود من الدلالة التصديقية فى الالفاظ إلّا باثبات بناء عقلائى مستقل فى اثر وضع الواضعين و الانصاف انه بعيدا جدا بل لا يفيد إلّا الدلالة التصورية و هو خطور المعنى فى ذهن السامع عند سماعه اللفظ و هذا ليس اثرا للوضع لانه كما يترتب على قولك وضعت لفظ كذا لكذا يترتب على قولك ما وضعت لفظ كذا لكذا فكانه اثر تكوينى لهذه المقاولة نفيا او اثباتا و يمكن ان يعد ذلك دليلا رابعا للمطلوب و الانصاف ان المسألة بعد ذلك واضحة.

المقام الثانى فى الثمرات المرتبة على المسلكين و هى عدة امور الاولى انه بناء على المسلك المختار يكون الوضع من الامور القلبية و الاعمال الجوانحية فهو نحو تجزم يبديه الواضع و يتبعه عليه كل من يريد متابعته فى الوضع فهو من جانب الواضع الاول من مقولة الايقاع و من التابعين تقبل لهذا الايقاع الواقع و لذا يؤاخذ

20

الواضع و من تبعه على ذلك الاقرار بعد تحققه و اما على المسلك المزيف فيكون من قبيل الايجاد الانشائى و هو ايجاد خارجى تكوينى للفظ و جعلى اعتبارى للمعنى فالوجود الاعتبارى نحو ايجاد خارجى جوارحى فى قبال الافعال القلبية الثانية انه بناء على المسلك المختار يكون الموضوع له للالفاظ المعانى بما هى مرادة لا بما هى هى و لكن الارادة المأخوذة فى الموضوع له الارادة الطريقية كما هو مأخوذ فى مرحلة الاستعمال اجماعا و لا يلزم من ذلك- ح- صيرورة المعانى امورا ذهنية و كليات عقلية غير قابلة للحمل على الخارجيات إلّا بالتجريد كما توهمه المحقق الخراسانى لانه بناء على ان يكون الارادة المأخوذة فى الموضوع له طريقيا يكون كالارادة المأخوذة في مرحلة الاستعمال ملغاة عند ترتيب المحمولات الانشائية و الخبرية على موضوعاتها كما لا يخفى.

و اما بناء على المسلك المزيف يكون الموضوع له المعانى بما هى هى لان اخذ الارادة- ح- فى الموضوع له مما لا معنى له كما هو ظاهر.

الثالثة انه بناء على المسلك المختار يتضح مراد العلمين المحقق الطوسى و الشيخ الرئيس من قولهما الدلالة تتبع الارادة لانه بناء على اخذ الارادة بعنوان المرآتية فى الموضوع له فدلالة اللفظ على معناه تتبع ارادة المعنى لكونها قيدا له فلو لم تكن هناك ارادة فلا يكون دلالة لعدم المعنى و الموضوع لان المقيد ينتفى بانتفاء قيده‏

21

و اما بناء على المسلك المزيف فلا يتصور معنى معقولا نظريا لهذا الكلام بحيث يصح اسناده الى العلمين و قد ذكر المحقق الخراسانى بناء على ما اختاره من المسلك المزيف توجيها العلمين و هو ان المراد من الدلالة التصديقية اى كون المعنى مرادا للمتكلم و هى تتبع الارادة من باب تبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت و تبعية مقام الكشف للواقع المنكشف و لعمرى ان هذا المعنى و ان كان صحيحا إلّا انه بمفاد من الوضوح و البداهة بحيث لا يمكن ان يكون كلا ما علميا نظريا يتوجه الى ذكره و تحقيقه نظر من له رتبة دانية فى العلم فضلا عن من هو علم فى التحقيق و التدقيق فتدبر جيدا و يظهر ثمرات اخريين المسلكين نشير اليها فى اثناء المباحث الآتية إن شاء اللّه عند موقعها.

22

[فى المعانى الحرفية]

اصل- فى تحقيق ما وضع له الحروف و ما فى حكمها من الهيئات الجملية و الاضافية و نحوها فنقول الاقوال فى المقام ثلاثة

الاول انه لا معنى للحروف اصلا بل هى علامات لما فى متعلقاتها من العناوين كالاعراب فان الرفع علم الفاعلية و النصب علم المفعولية فالحروف فى حكم الاعراب المنفصل فلفظة من فى قولنا سرت من البصرة الى الكوفة علم لمبدأ السير و لا بد لتحقيق الفرق بين هذا القول و ما يأتى بعده من بيان كيفية دلالة الاعراب على ما فى مدخوله من الخصوصية هل هى بالوضع ام لا و على الاول ما الفرق بينه و بين ما ياتى من المعنى الثانى للحروف و هى هو ان الحرف موضع للدلالة على معنى فى غيره فهاهنا مقامان الاول فى انه للاعراب وضع ام لا الثانى فى الفرق بينه و بين الحروف مع المعنى الثانى.

اما المقام الاول فنقول لا اشكال فى ان الاعراب على قسمين الاول ما يكون حرفا ملفوظا كالرفع و النصب و الجر فانها

23

نونات مسبوقة بحركة الضم و الفتح و النصب الثانى ما يكون مجرد حركة كالضم و الفتح و الجر و الحركة كيف مسموع كالحرف و القسمان مثل الكلمات الملفوظة فى ان دلالتها ليست ذاتية على ما هو التحقيق بل يحتاج الى الوضع فكلما دل على ان دلالة الكلمات بالوضع يدل على ان دلالة الاعراب بالوضع فالقول بعدم الوضع فى الاعراب مجازفة محضة لا يصغى اليه اصلا فالتحقيق ثبوت الوضع للاعراب كالكلمات.

و اما المقام الثانى فنقول وضع اللفظ للدلالة على المعنى على قسمين الاول وضعه لان يدل على معنى غير مفاد بلفظ آخر كالكلمات الثانى ان يوضع لان يدل على تشخيص معنى معناه بامر آخر و هذا القسم فى حكم القرينة المعنية فكما انه فى المشترك كل من المعانى معنا و مدلول عليه بنفس اللفظ بحسب الوضع المختص به و القرينة تشخص ذلك المدلول المجمل لعروض الاحتمالات من قبل تعدد الوضع فكذلك فى المقام وضع الفعل و ما فى مفاد بحسب الهيئات الناشئة من اسناد الفعل و ما فى معناه الى الفاعل او تعلقه بالمفاعيل لمعان كانت للهيئة مع قطع النظر عن الاعراب مشتركا لفظيا بينها و وضع الاعراب قرينة مشخصة لهذه المعانى المتعددة الموضوع لها الهيئة الواحدة و كك فى هيئة الجمل و النسب التقييدية فوضع الاعراب وضع القرينة بخلاف وضع الحروف بناء على القول الثانى فانه وضع ذى القرينة و هى كالاسم و الفعل وضعت للدلالة على معان لولدها

24

لما دل عليها بشى‏ء فافهم و اغتنم الثانى انه للحروف معان كالاسماء و الافعال إلّا ان معانى الحروف معان ربطية لا تتحقق فى الذهن إلّا بتبع الغير فكما انه فى الخارج وجود قائم بذاته لذاته مقولة الجوهر و قائم بذاته لغيره كبعض المقولات العرضية من المحمول بالضميمة و قائم بغيره لغيره كالمقولات النسبية من الاعراض كك المفهوم المحقق فى الذهن تارة يكون وجوده الذهنى مستقلا يكون معنى اسميا و اخرى يكون وجوده الذهنى ربطا بين معينين آخرين فيكون معنا حرفيا و بعبارة اخرى كما ان الابتداء اذا وجد فى الخارج ليس وجوده الخارجى الا نسبة خاصة و ربط مخصوص بين السير و البصرة و ليس له ما الجذاء فى الخارج فإذا وجد فى الذهن كك- اى بتبع السير و البصرة كما هو فى الخارج فهذا هو المعنى الحرفى و مدلول عليه بلفظة من و اذا وجد مستقلا فهو المعنى الاسمى و مدلول عليه بلفظة الابتداء فعلى هذا كان سنخ المعانى الحرفية مغاير السنخ المعانى الاسمية و ان كانا مشتركين فى انهما موضوعا له للفظ مستقل و مدلولا عليه بلفظ كك الثالث ان المعانى الحرفية عين المعاني الاسمية و المستعمل فيه الحرف عين المستعمل فيه الاسم الموافق له معنى و الفرق بينهما فى ناحية الاستعمال فقط فلفظة من و لفظة الابتداء مترادفان إلّا ان الاول وضعت ليستعمل و يراد منها المعنى فى غيره و الثانى وضع ليستعمل و يراد منها المعنى مستقلا و فى نفسه و لا بد لتحقيق ما هو الصواب من تقديم امور الاول فى الفرق بين الاقوال‏

25

الثلاثة فنقول الفرق بين الاول و الاخيرين واضح لانه بناء على الاول ليس للحروف وضع للدلالة على المعنى اصلا و لو كان لها وضع كما فى الاعراب كان وضعا قرينيا لتعيين ما دل عليه بلفظ آخر و الفرق بين الثانى و الثالث قد مر آنفا من انه بناء على الثانى يكون المعنى ربطيا فى مرحلة الوضع فى الحروف و اما بناء على الثالث فلا يكون ربطيا فى عالم الوضع بل مستقلا فى التصور كما فى المعانى الاسمية بينها و لكن بصير ربطيا فى عالم الاستعمال على ما سنبينه الثانى انه لا اشكال فى انقسام الوجود الى اقسام اربعة الاول ما كان وجودا لنفسه بنفسه فى نفسه كوجود الواجب و هو احق الحقائق و اثبت الثابتات تعالى شأنه الثانى ما كان وجودا لنفسه بغيره فى نفسه كوجود الممكنات الجوهرية الثالث ما كان وجودا لنفسه بغيره فى غيره كوجود الاعراض المحمول بالضميمة الرابع ما كان وجودا بغيره لغير فى غيره و هو الوجود الرابط الذى كان مفاد كان الناقصة و غير القسم الاول يعم الوجود الذهنى و الخارجى بناء على ما هو التحقيق من ثبوت الوجود الذهنى و اما القسم الاول فأعلى و أجل من ان يحد بحد او يحيط به الوصف او العد فهل ينقسم الماهية الى هذه الاقسام ام للاشكال فى عدم امكان تصوير القسم الاول فى الماهيات لان الماهية فى حد ذاتها ليس محض و عدم صرف فلا يتصور فيه الثبوت الذاتى و التحقيق انه لا يتصور فى الماهية من حيث هى القسمان الاخير ان ايضا و ذلك لان مرحلة الماهية مرحلة التباين المحض و التكثر

26

الصرف فتأبى عن تصوير الارتباطية بمعنييه الذى فيه شوب وحدة و ملائمة فلا يتصور فى الماهية من حيث هى إلّا قسم واحد و هذه الاقسام كلها ثابت للوجود اولا و بالذات و لو رايت انتساب الاقسام فى كلمات الاكابر الى الماهية كان انتسابا بالعرض ان قلت قد قسموا اهل الفلسفة المقولات الى عشرة و جعلوا بعض اقسامها كالاضافة و الاين و نحوهما نسبية و بعضها كالكم و الكيف غير نسبية و المقولة تقع على الماهية لا على الوجود فيستفاد من تقسيمهم انقسام الماهية الى النسبية و غيرها قلت لا اشكال فى ان موضوع الفلسفة الاولى التى كان بيان المقولات و تقسيمها من جملة مسائلها هو الوجود و لا اشكال ان مرادهم بيان اقسام الموضوع فتقسيم المقولات و تحديدها انما كان باعتبار وجودها لا باعتبار صرف الماهية من حيث هى هى الثالث ان الموضوع له فى الالفاظ اما ان يكون الماهية من حيث هى هى او الماهية المقيدة بالوجود الذهنى او الخارجى او الاعم و قد اختار المشهور على ما نسب اليهم القول الاول و صرح باختياره المحقق الخراسانى فى الكفاية و لكن قد عرفت ان التحقيق هو الثانى و ان الوجود الذهنى بما هو مرآة و عنوان للخارج له دخل فى الموضوع له لما عرفت من تقييد المعانى الموضوع لها بالارادة و الارادة هنا عين الوجود الذهنى و اما الاحتمالان الاخيران فلم أر من صرح باختيارهما و على اى حال فالتحقيق ان يقال انه بناء على عدم دخل الوجود فى الموضوع له اصلا و جعل الموضوع له نفس‏

27

الماهية من حيث هى فلا محيص عن القول الثالث و الذى اختاره المحقق الخراسانى بناء على الالتزام بالوضع فى الحروف و ذلك لما عرفت من ان الماهيات ليست إلّا قسما واحدا و سنخا فاردا و هو ان كل ماهية ماهية بنفسها لنفسها فى نفسها لان ما هوية الماهية ذاتية و لا نتصور ماهية بغير كالوجود بالغير او ماهية رابطية كالوجود الربطي و- ح- لا بد من الالتزام باتحاد الموضوع له فى الاسماء و الحروف و لو كان بينهما فرق لا بد و ان يكون من ناحية الاستعمال باعتبار ان الاستعمال لا محالة يستتبع وجود الموضوع له فى الذهن فيمكن ان يتصور نحوين من الوجود لماهية واحدة يستعمل الحرف فى احدهما و الاسم فى الآخر و لا نريد تصحيح هذا الكلام و تصديق صحة اخذ شرط فى الوضع يختلف به المستعمل فيه و سيجي‏ء تحقيق صحة ذلك و فساده و ما نحن بصدده فى المقام انحصار الفرق بين الاسم و الحرف على ذلك المسلك بمرحلة الاستعمال و عدم تصويره فى مرحلة الموضوع له و اما بناء على دخل الوجود فى الموضوع له بنحو من الانحاء فالفرق بين المعنى الاسمى و الحرفى فى مرحلة الوضع و الموضوع له بمكان من الامكان لان الوجود كما عرفت ينقسم الى رابطى و رابط فيمكن ان يكون الموضوع له فى الاسماء الماهية بالوجود الرابطى و فى الحروف بقيد الوجود الرابط و حيث اخترنا كما عرفت دخل الوجود الذهنى و الارادة بما هى مرآة فى فى الموضوع له فنحن فى فسحة فى مقام الفرق بين المعانى الاسمية

28

و الحرفية فى مرحلة الموضوع له كما سيئاتى فى بيان المذهب المختار

الرابع ان الفرق بين المعانى الاسمية و المعانى الحرفية بان الاولى ادراكية و الثانية ايجادية مما لا محصل له إلّا ان يكون مرجعه الى ان الموضوع له فى الاسماء الماهية من حيث هى هى بلا قيد الوجود و فى الحروف مع قيد الوجود الذهنى و هذه التفرقة و ان كان مما يمكن بها من الفرق بين المعانى الاسمية و الحرفية من حيث الموضوع له لان اشراب الوجود فى المعانى الحرفية يمكن ان يؤخذ بنحو الوجود الرابط و لكن الانصاف ان هذا الفرق بعيد فى الغاية لانه ان كان مأخوذا فى معانى الحروف فليكن مأخوذا فى معانى الاسماء لان ما يرد من اخذ الوجود فى الموضوع له و ما يندفع به الايراد مشترك فى المقامين فلا وجه للفرق بينهما اشتراك الدليل حلا و نقضا مضافا الى ما عرفت من ان مقتضى كون الوضع هو التعهد ان يكون الوجود الذهنى العنوانى مأخوذا فى الموضوع له مطلقا اذا عرفت تلك المقدمات فالمختار هو القول الثانى و ذلك لان الموضوع له حيث كان الماهية المقيدة بالارادة و الارادة عين الوجود فى الذهن فيتصور ارادة المعنى و وجود الماهية فى الذهن على نحوين الاول ان يوجد فى الذهن بوجود مستقل كوجود الجوهر الثانى ان يوجد فى الذهن بوجود رابط اى فى الغير فالابتداء و ان كان ليس له بحسب وجوده العينى الا نحو وجود واحد و لكن تحققه فى الذهن يمكن على وجهين الاول على نحو تحققه عينا و هو المعنى الحرفى و مفاد

29

لفظة من الثانى على نحو تحقق سائر المفاهيم المستقلة و ذلك لان النفس بما اودع اللّه تعالى فيه من الاختراع و الخلاقية و للّه الامثال العليا يتصرف فيما يوجد فى الخارج فالاعراض التى لا يوجد فى الخارج الا فى الموضوع يوجد فى الذهن بلا موضوع و المعانى الرابطية التى لا توجد فى الخارج الا بوجود المتعلق توجد فى الذهن مستقلا كالابتداء و لكن لا بد فى المقام من بيان دقيقة و هى ان نسبة هذه المفاهيم المستقلة الموجودة فى الذى كمفهوم الابتداء الى ما هو بالحمل الشائع ابتداء نسبة الطبيعى الى مصاديقه كنسبة الانسان الى زيد او نسبة العناوين الى معنوناتها كنسبة الوجود المفهومى الى مصاديقه و بالجملة لنا فى المقام ثلاثة من انواع المفهوم المستقل المختلف بحسب المصداق الاول مثل مفهوم الانسان بالنسبة الى زيد و عمرو من مصاديقه الثانى مثل مفهوم البياض و الضرب بالنسبة الى مصاديقهما مما هو عرض محمول بالضميمة الثالث مثل مفهوم الابتداء و الانتهاء و الاضافة و النسبة بالنسبة الى مصاديقها العينية فهل يكون نسبة هذه المفاهيم الى مصاديقها نسبة واحدة بعد تسليم صحة حملها عليها بالحمل الشائع الصناعى من غير فرق بينها او كان النسبة مختلفة فما يظهر فى بادئ النظر التفصيل بين القسمين الاولين مع الاخير فيكون نسبة الاولين الى مصاديقها نسبة واحدة و هى نسبة الطبيعى الى المصداق و مرجعه الى وجود طبيعة واحدة فى الذهن و فى الخارج بخلاف القسم الاخير فان نسبته الى الخارج ليست نسبته لطبيعى الى المصداق‏

30

بل نسبة العنوان الى المعنون لان حقيقة النسبة و طبيعة الربط مما تأبى عن التحقق الاستقلالى فلا يعقل ان يكون الوجود المستقل فى التصور وجود الطبيعة الربط و حقيقة فلا يكون الا عنوانا له كالوجود المفهومى بالنسبة الى مصاديقه و لكن الانصاف انه للنظر فى ذلك الكلام مجال واسع لان اختلاف الطبيعة المتحققة بالوجود الذهنى مع الطبيعة المتحققة بالوجود الخارجى فى الآثار و اللوازم مما هو مشهود بالعيان فان الطبيعة المتحققة بالوجود الخارجى معروض الجزئية و الشخصية و الإباء عن التعدد و امثالها و الطبيعة الموجودة بالوجود الذهنى معروض الكلية و النوعية و الجنسية و امثال هذه العناوين من المعقولات الثانوية مضافا الى ان الاعراض المحمولة بالضميمة مثل البياض و الضرب مما تأبى عن الوجود لا فى الموضوع فى الخارج و لكن يوجد بلا موضوع فى صفحة الذهن فان قلنا بان نسبة البياض الموجود فى عالم الذهن الى مصاديقه نسبة الطبيعى الى مصاديقه مع هذا الاختلاف فنقول ان نسبة الابتداء الى مصاديقه كك و الفرق بين الوجودين بالارتباطية و الاستقلالية لا يمنع عن ذلك كما لا يخفى فالقول بان نسبة هذه المفاهيم الثلاثة الى مصاديقها نسبة واحدة غير بعيد عندى الآن و ان كان للتدبر فيه مجال لعله يحدث بعد ذلك امرا و السر فى ذلك ما عرفت سابقا من ان الارتباطية و الاستقلالية من اقسام الوجود و لا ربط لها بالطبائع و الماهيات من حيث هى هى ثم انه لا اشكال فى ان هذا النحو من المفاهيم اى ما كان وجودها العينى ربطا محضا

31

و تعلقا صرفا اذا تحققت فى الذهن بوجودها الاستقلالى مثل ما يؤدى بلفظة الابتداء و الانتهاء و الاضافة و النسبة كليات قابلة للصدق على الكثيرين مثل الانسان و الحيوان و اما اذا تحققت فى الذهن بنحو تحققها فى الخارج بعنوان الربطية و التعلقية مثل ما يؤدى بلفظه من فى قولنا سرت من البصرة او بهيئة الاضافة فى قول اب زيد و هكذا فهل يكون ايضا كليات ام هى جزئيات كما اذا وجدت فى الخارج فنقول ان الكلية و ان كانت من المعقولات الثانية العارضة للمفاهيم الموجودة فى الذهن و لكن لا اشكال فى انه لا بد من تخلية معروضها عن الوجود مطلقا و تجريده عنه لا بان يكون التجريد قيدا له بل حالا فيكون معروض الكلية هو الماهية ان كان ظرف عروضها الذهن و قد عرفت سابقا ان مقوم ربطية المعنى الوجود الذهنى بحيث لو القى الوجود لا يتصور الربطية التى هى قوام المعنى الحرفى فالتحقيق انه لا تتصور المعنى الربطي الكلى بالحمل الشائع فاذا التزامنا بان الموضوع له فى الحروف هو المعانى الربطية بالحمل الشائع و فرقنا بين الاسم و الحرف فى ناحية الموضوع له فلا محيص عن الالتزام بالوضع العام و الموضوع له الخاص فى الحروف و ما فى مناها كما هو المحكى عن غير واحد من الاعاظم فما عن غير واحد من افاضل اهل العصر من الالتزام يكون معانى الحروف ربطية بالحمل الشائع مع الالتزام بكليتها مما لا يمكن توجيهه بداهة ان الكلية يتوقف على الغاء خصوصية الوجود الذهنى و معه لا مجال لاعتبار لربطية فى‏

32

الموضوع له فى الحروف و بالجملة لا نتصور معنى ربطيا بالحمل الشائع كليا حتى يكون هو معنى لفظة من فى قبال مفهوم الابتداء فالقول باختلاف الاسم و الحرف فى ناحية الموضوع له باعتبار كون الموضوع له فى الحروف معانى ربطية مع القول بكلية الموضوع له فى الحروف مما لا يجمعان و القائلون بكلية الموضوع له فى الحروف لا محيص لهم عن الالتزام بالمعنى الثالث و الذهاب الى ما ذهب اليه المحقق الخراسانى من اتحاد الموضوع له فى الاسماء و الحروف و انحصار الاختلاف بينهما فى ناحيه الاستعمال و سيأتى ما فى هذا القول من الاشكال فتحصل مما ذكرنا ان التحقيق فى معانى الحروف و ما فى حكمها انها ربط محض و موجود بالغير فى عالم التصور بخلاف المعانى الاسمية فانها مستقل فى التصور و ان الوضع فى الحروف عام و الموضوع له خاص و ان الارادة فى معانى الحروف فصل مقوم و فى معانى الاسماء قيد مقسم و ان الكلية فى المعانى الحرفية ممتنعة ان قلت لو كان الوجود الذهنى قيد المعانى الاسمية امتنعت كليتها كما فى المعانى الحرفية لان الوجود ملازم او مرادف للتشخص بداهة ان الشى‏ء ما لم يتشخص لم يوجد قلت ذلك كك لو اخذ الوجود الذهنى بالمعنى الاستقلالى بحيث يكون منظورا فيه و اما اذا اخذ بنحو الالية و المرآتية و يكون ما ينظر به فقط فلا يرد ذلك لان المحكوم عليه بالمحمولات الذهنية و الخارجية- ح- هو المرئى و هو الماهية فلا يرد اشكال كما لا يخفى كما ان كون‏

33

الوجود الذهنى مأخوذا فى المعانى الحرفية لا يمنع عن صدقها و انطباقها على الخارجيات و التزام التجريد فيها كما توهمه المحقق الخراسانى بعين هذا الوجه و بعبارة اخرى لا اشكال ان المفاد باللفظ و الملقى الى المخاطب يصير مقيدا بالوجود الذهنى حين الاستعمال بداهة ان تصور المعنى و ارادته التى هى عين وجوده الذهنى من مقومات الاستعمال و مقدماته و لا يضر هذا التقييد بكلية ما يدل عليه باللفظ و لا يصدقه على الخارجيات و لا وجه له إلّا ان هذا الوجود ملغى لكونه مرآة و آلة و- ح- لا فرق بين عروض هذا التقييد فى مقام الاستعمال او فى مقام الوضع كما لا يخفى.

ان قلت قد يستعمل الحروف بنفسها فى المعانى الكلية كما نقله المحقق الخراسانى عن الفصول و ان الفصول التزم بان المعنى- ح- جزئى اضافى و هذا الالتزام مما لا يسمن و لا يغنى من جوع لان ما تقدم من البرهان يقتضى كون معانى الحروف جزئيات حقيقية كما تقدم و مثاله مثل ما لو قال المولى كن على السطح فان الاستعلاء المستفاد من لفظة على كلى قابل الصدق على الكثيرين قلت مقتضى ما تقدم من البيان ان معنى الحروف جزئيات فى عالم الذهن لكون الوجود الذهنى مقوما لها و اما من حيث الصدق على الخارج فهى فى حكم النكرة لا الكلى اى بعد الغاء الوجود الذهنى عنها فى مقام الصدق لكونه ماخوذا مرآتا ينطبق على اى فرد من الاستعلاءات الخارجية تامل فان فيه دقة بقى الكلام فى وجه تزييف القولين الآخرين و هنا مقامان‏

34

اما القول بانه لا معنى للحروف بل هى علامات لما فى متعلقاتها من الخصوصيات فيظهر فساده من بيان الفرق بين المعنى الحرفى و المدلول عليه بالاعراب و قد تقدم شطر من الكلام فيه سابقا فنقول لا اشكال ان المعانى الحرفية هى الروابط بين المعانى الاسمية و تحتاج الى الطرفين كما هو شأن المعانى النسبية و كانت بحيث لو قطع النظر من احد الطرفين لما يتصور المعنى الحرفى و لا يكن تصوره قائما بالمعنى الواحد فى عالم الذهن و هذا هو الفرق بين المعانى الحرفية و الاعراض التى كانت محمولة بالضميمة كما سلف الاشارة اليه و اما المعانى المدلول عليها بالاعراب فهى قائمة بالمعنى الواحد و ليست ربطية بل كانت بمنزلة الاعراض المعتورة على المحل الواحد مثل الفاعلية و المفعولية المدلول عليهما بالرفع و النصب و ليسا معنى ربطيا فى عالم الذهن حتى يكونان من سنخ المعانى الحرفية بل عرضان يعتوران على زيد فنقول ضرب زيد او ضربت زيدا و لذا يمكن تصور زيد بسمة الفاعلية او المفعولية و ان لم يكن هناك معنى آخر و لكن لا يمكن تصور معنى لفظة من مع السير فقط او مع البصرة فقط بل حين ما يتصور لا بد و ان يكون كلا المعنيين ملحوظين كما هو ظاهر و قد حققنا سابقا ان ما هو مفاد الاعراب مدلول عليه بالكلام إلّا انه لاشتراك الكلام مادة و هيئة بين محتملات مدلول الاعراب لا بد من وضع قرينة بينة لاحد المحتملات و هو الاعراب و اما الربط بين المعنيين فليس مدلولا لنفس المراد فلا بد من وضع ما يدل عليه و هو

35

الهيئات و الحروف مثلا اذ قال احد سار زيد من البصرة قلنا معانى خمسة مادة السير و زيد و الربط بينهما و البصرة و الربط بين السير و البصرة ثلاثة منها معنى اسمى و هى السير و الزيد و البصرة و اثنان منها معنى حرفى و هو الربط بين السير و الزيد و بين السير و البصرة و لا اشكال فى ان وضع نفس المواد لا يفى بافادة الربطين لا اجمالا و لا تفصيلا فلو قيل سير و زيد و بصرة لا يستفاد منه الربط بوجه فلا بد من افادة الربطين من وضع لفظ لهما كوضع اللفظ لمدلول السير و البصرة و اللفظ الموضوع لهما هيئة سار و لفظة من ثم لا اشكال فى انه بعد وضع الالفاظ للمواد و الروابط بصير فاعلية زيد مدلولا للكلام باعتبار وضع هيئة سار لان مدلولها النسبة الصدورية و لكن لاشتراك هيئة تعلق الفعل بين النسبة الفاعلية و المفعولية و اشتراك مادة زيد بين عروض معنى الفاعلية و المفعولية اى صلاحيته لكليهما يصير مجملا فتحتاج الى قرينة معينة و هى الاعراب فليس للاعراب معنى غير مستفاد من اصل الكلام بل هو لتعيين ما افاده الكلام مجملا فالفرق بين المعانى الحرفية و مدلولات الاعراب واضح جدا و قياس الحروف بالاعراب قياس مع الفارق كما لا يخفى.

المقام الثانى فى تزييف قول المحقق الخراسانى و هو القول الثالث و اعلم ان محصل هذا المسلك ثلاثة مطالب الاول توهم كلية الموضوع له و المستعمل فيه فى الحروف الثانى الاشكالات التى توهمت من القول باخذ اللحاظ و التصور الذهنى فى‏

36

ما وضع له الحروف الثالث دعوى امكان الفرق بين المعانى الاسمية و الحرفية فى مقام الوضع بعد الالتزام باتحادهما فى الموضوع له و المستعمل فيه فلا بد من التكلم فى كل واحد من المطالب الثلاثة و بيان وجه النقد و التصحيح فيها.

اما المطلب الاول فقد عرفت بعض الكلام فيه فى المقدمات من انه بناء على ما اختاره قد من ان الموضوع له هى الماهيات من حيث هى و ان اخذ الوجود فى الموضوع له ممتنع مطلقا فلا محيص له عن الالتزام بكلية ما وضع له الحروف كالاسماء بل و ما استعمل فيه لان الوجود الذهنى المأخوذ فى مرحلة الاستعمال يكون مرآتا و لا يقيد به المستعمل فيه كما توهمه المحقق القمى و هذا هو الذى صرح به المحقق الخراسانى فى الكفاية ففى الحقيقة كان النزاع فى المقام راجعا الى المبنى فعلى المبنى الذى اختاره لا محيص له عن الالتزام بكلية الموضوع له و المستعمل فيه إلّا انه قد عرفت فساد المبنى و العجب ممن سلك هذا المبنى و التزم بجزئية المعانى الحرفية و اما المطلب الثانى فالاشكالات التى توهم ورودها على القول بتقييد الموضوع له فى الحروف بالوجود الذهنى ثلاثة الاول تعدد اللحاظ فى مقام الاستعمال ليكون احدهما قيدا للمعنى و الثانى آلة الاستعمال و ذلك مخالف للوجدان مطلقا و موجب للدور على وجه الثانى صيرورة معانى الحروف كليات عقلية الثالث لزوم التجريد و التجوز فى مثل سر من البصرة الى الكوفة و فى كليا لا بد من انطباق معنى‏

37

القضية التى فيها الحرف على الخارج و التحقيق فساد هذه الاشكالات جميعا اما الاول فلان الاستعمال ليس إلّا متابعة الواضع فى كيفية ارادة المعنى من اللفظ فاذا كان تعهدا لواضع ارادة المعنى فى الغير عند التلفظ و عمل التابع بذلك فقد ادى حق الاستعمال سواء كان هذه الارادة قيدا فى الموضوع له ام لا و بعبارة اخرى هذا الاشكال مبنى على الالتزام بانه لا بد فى مقام الاستعمال من لحاظ للموضوع له بجميع قيوده و عدم الاكتفاء باللحاظ الذى قيد به الموضوع له و اى دليل على ذلك و هذا نظير ما قالوا من ان الارادة لو كانت اختيارية فلا بد فيها من ارادة اخرى متعلقة بها فيتسلسل غفلة من ان اختيارية الارادة بذاتها لان ما بالغير لا بد و ان ينتهى الى ما بالذات و اما الثانى ففيه اولا ان الوجود المحقق فى عالم النفس ربطا بوجود المعنى الآخر لا يتصور فيه الكلية لانها من شئون المتصورات الاستقلالية كما عرفت سابقا التنافى بين الربطية و الكلية بما لا مزيد عليه و ثانيا ليس كل معنى مقيد بالوجود الذهنى كليا عقليا بل الكلى العقلى هو الطبيعى المقيد بعدم امتناع صدقه على الكثيرين كما حقق فى محله و اما الثالث فلما عرفت مرارا من ان التزام ذلك انما يكون على تقدير ان لا يكون الوجود الذهنى المأخوذ فى الموضوع له مرآتيا محضا و اما على تقدير كونه مرآتيا فالاحكام و النسب انشائية كانت ام اخبارية لا تتعلق الا بالمرئى و المحكى كما فى الوجود المأخوذ فى مرحلة الاستعمال بعينه و حينئذ لا يحتاج الى‏

38

التجريد و التجوز لامكان الامتثال و غيره و بالجملة ما الفرق بين الارادة المأخوذة فى مرحلة الاستعمال و المأخوذة فى مرحلة الموضوع له ليلزم الاشكال على تقدير دون الآخر و اما المطلب الثالث فالتحقيق فيه ان يقال انه بناء على ما اختاره من ان الموضوع نحو اختصاص بين اللفظ و المعنى و ارتباط خاص بينهما الخ لا يمكن التفرقة بين المعنى الاسمى و الحرفى فى مرحلة الاستعمال بداهة انه بناء على هذا المبنى لا بد من الالتزام بان ارادة المتكلم للمعنى عند التلفظ باللفظ الموضوع اثر قهرى الترتب على حصول هذا الاختصاص بين اللفظ و المعنى ببناء عقلائى مستقل و- ح- بعد ما وضع الواضع لفظة من لمفهوم الابتداء كلفظة الابتداء فكونها مستعملة فى المعنى بما هو فى الغير اما ان يكون بنحو الاشتراط من الواضع فى ضمن الوضع او مستقلا او بنحو الداعى و على التقديرين فلا اثر له لان هذا للاشتراط او الداعى لا بقيد به الاختصاص الحاصل بين اللفظ و المعنى الذى هو اثر الوضع فلا يخصص به الاستعمال الذى هو اثر الاختصاص و ذلك بمكان من الوضوح نعم بناء على ان يكون الوضع هو التعهد يكون من سنخ الايقاع فيمكن تقييده بنحو الاشتراط فيرجع الى التزام الواضع بارادة المعنى من اللفظ فى حالة خاصة او بنحو خاص فلا بد لمن تبعه من الاستعمال بهذا الشرط و لكن المحقق المذكور لا يلتزم بذلك فعلى ما اختاره لا يمكن توجيه كلامه و على ما يمكن توجيهه فما اختاره فتدبر جيدا (بقى الكلام فى امور) الاول فى انطباق ما

39

ذكر من التعاريف للحرف على المذهب المختار فاقدم ما نقل فيه الرواية المنسوبة الى مولانا امير المؤمنين من ان الاسم ما انباء عن المسمى و الفعل ما انباء عن حركة المسمى و الحرف ما انباء عن معنى ليس باسم و لا فعل و هذا ظاهر الانطباق على ما اخترنا و تدل على رد القولين الآخرين فقوله ما انباء من معنى يدل على رد القول الاول و قوله ليس باسم و لا فعل يدل على رد القول الثالث و المشهور بين الادباء و المحققين فى تعريف الحرف انه ما دل على معنى فى غيره او انه ما دل على معنى غير مستقل و كل ذلك ايضا ظاهر الانطباق على المذهب المختار بل صريح فى ذلك و فى رد القولين الآخرين و اما ما يقال من ان الحروف وضعت لايجاد معانيها و استدل عليه بالرواية المذكورة بلفظ آخر فى معنى الحرف ظاهر فى ذلك و هو ان الحرف ما اوجد المعنى فى الاسم و الفعل فقد عرفت انه لا يرجع الى محصل لان معانى الحروف الموجودة فى النفس قائمة بالمتكلم مثل الاسماء و الفرق بينها الربطية و الاستقلالية كما عرفت و لو صح لفظ الرواية كذلك فلا محيص عن تأويله كما لا يخفى.

الثانى فى تحقيق اسماء الاشارة و الضمائير فقد قال فى الكفاية ان الاولى مما وضعت ليشار به الى المعنى و ان الثانية مما وضعت ليخاطب به الغير فاخذ الإشارة و الخطاب فيهما فى مقام الاستعمال بعنوان الاشتراط او الداعى و ان اتحد مفادهما مع ساير الاسماء من حيث الموضوع له و المستعمل فيه و قال بعض المتأخرين منه ان‏

40

اسماء الاشارة وضعت لايجاد معناها بناء على ما سلكه فى المعانى الحرفية من انها توجد بالالفاظ الموضوعة لها فيقول المتكلم بلفظ ذلك يوجد فردا من الاشارة يصدق الاشارة عليها صدق الكلى على فرده و التحقيق فساد كلا الوجهين و القولين.

اما الاول فلما عرفت من ان الشرائط و الدواعى لا يمكن ان تكون مقيدة لاثر الوضع بناء على ما اختاره فلازمه صحة استعمال هذا فى كل ما يصح فيه استعمال لفظ المفرد المذكر و هو فى محل من الفساد كما لا يخفى.

و اما الثانى اما اولا فلان من البديهى انه لا يوجد بلفظة هذا فرد الاشارة لان الاشارة ليست من الانشائيات و معلوم ان قصد المتكلم ليس ايجاد الاشارة باللفظ و الانشائيات متقومة بقصد الايجاد كما هو ظاهر و اما ثانيا فلانه خلاف ما عليه ديدن المتكلمين من اهل كل لسان من ايجاد الاشارة باليد او بالرأس او ساير الاعضاء عند التكلم بهذه الكلمات.

و اما ثالثا فلانه لو كان الاشارة المأخوذة فى معانى هذه الالفاظ توجد بنفس اللفظ فاللازم عدم الفرق فى استعمالها فى المعقول و المحسوس و المعدوم و الموجود كما لا يخفى مع التسلم بين اهل العربية انها مخصوصة بالمحسوس و ان استعمالها فى المعقول و المعدوم بنحو من العناية و التنزيل و التحقيق فى اسماء الاشارة ان يقال انها مما تعهد الواضع ارادة معانيها منها عند الاشارة الى‏

41

مصاديقها الخارجية فالاشارة الى المصداق مأخوذة شرطا للوضع بنحو القضية الحينية و قد عرفت ان اشتراط حالة خاصة او كيفية خاصة فى الوضع بناء على المسلك المختار بمكان من الامكان و اما الضمائر فالغائب منها فى حكم اسماء الاشارة و انفرق بان المأخوذة فى اسماء الاشارة الاشارة الحسية و فى ضمير الغائب الاشارة العقلية و اما المخاطب و المتكلم فالخطاب توجيه الكلام نحو الغير و هو امر يتحقق بدون الفاظ الموضوعة له اى بدون ضمير المخاطب و كذا الحكاية عن النفس و ليس الخطاب و الحكاية عن النفس مما يوجد بهذه الالفاظ كما قيل بل القسمين مما تعهد الواضع بارادة المعنى عنها حين ارادة الخطاب مع الغير او حين ارادة الحكاية عن النفس كما مر فى اسماء الاشارة فتدبر.

الثالث زعم فريق من المتأخرين اتحاد الموضوع له و المستعمل فيه فى الجمل فى الخبرية و الانشائية و اختلفوا فى الفرق بينهما فقال بعضهم انه نشاء عن مرحلة دواعى الاستعمال فمفاد بعت دائما هو النسبة الفاعلية لكنه قد يستعمل للحكاية عن ثبوت هذه النسبة فى موطنه فهو الخبر و قد يستعمل لايجادها و انشائها خارجا و هو الانشاء و استشكل عليه بانه ليس بين الوجود اللفظى و المعنى سنخية حتى يوجد المعنى باللفظ و قد يوجد ذلك القول و يجيب عن ذلك الاشكال بان معنى الانشاء جعل اللفظ وجود المعنى بالعرض بمعونة العلقة الوضعية فالعلقة الوصفية سبب لصيرورة اللفظ قالبا للمعنى و الاستعمال‏

42

عبارة من ايجاد اللفظ بالمعنى و جعل اللفظ وجودا له بالعرض و لكن الانصاف ان هذا الوجه لا يدفع الاشكال لان هذا المعنى مشترك بين الانشاء و الاخبار لكون كل منها متضمن للاستعمال فاذا كان الموضوع له واحدا فما الفرق فلا بد من ان يكون الايجاد للمعنى الذى جعل داعيا للاستعمال معنى آخر فى الانشائيات و هو مما لا يساعد عليه الدليل و الوجدان و بالجملة لا نتصور محصلا لهذا الفرق اصلا و قال البعض الآخر ان الفرق انما نشاء من قبل المدلولات السياقية مع اتحاد الموضوع له و المستعمل فيه فبعت فى الانشاء و الاخبار مستعمل من حيث الهيئة فى النسبة الفاعلية و من حيث المادة فى المعنى المجرد العقلانى الصادق على الكثيرين و لكن سياق كلام المتكلم فى احدهما يدل على انه يوجد المعنى و فى الآخر على انه يحكى عنه مضافا الى ان المدلول السياقى لا محصل له إلّا ان يكون المراد منه ما يفهم من القرينة الحالية و قرائن الحالية المكتنفة بالكلام مما لا يستفاد منها مدلولا زائدا على اصل الكلام مستقلا بل لا بد و ان تكون متصرفة فى مدلول الكلام كما هو شأن كل القرائن مما كان يقيده و تحقيقه انه لا بد من ان يقول هذا القائل ان مدلول الهيئة فى الجمل مطلقا هو النسبة الفاعلية و هي معنى واحد تنقسم الى الخبرية و الانشائية بالقرينة الحالية بتخصص هذا المعنى باحد القسمين لا محالة بتعدد الدال و المدلول و يرد عليه ان لازم هذا الكلام ان يكون الخبرية و الانشائية قيدا مقسما للنسبة و تكون فى المقام نسبة كلية جامعة بين‏

43

الخبرية و الانشائية بمعناها الحرفى تكون موضوعا له و مدلولا للكلام و من المعلوم انه ليس نسبة جامعة بينهما بالمعنى الحرفى حتى يكون هو موضوعا له و يستفاد القيود من القرائن الخارجية بناء على ما سلكه من ان المعانى الحرفية ربط محض بين المفاهيم توجد بالالفاظ نعم بناء على ما سلكه المحقق الخراسانى من ان الموضوع له هو الطبائع و الماهيات لو التزم به ففى المقام يمكن ان يقال ان مفهوم النسبة الفاعلية الجامع بين النسبتين بمعناها الاسمى تكون موضوعا له للهيئة و الفرق نشأ من سياق الكلام و لكن قد عرفت بطلان هذا المسلك و بالجملة النسبة الفاعلية الانشائية بالحمل الشائع معنى خاص تقوم بنفس المنشى و توجد بفعالية النفس كما ان النسبة الخبرية صورة اخرى قائمة بالنفس تباينها فى طور وجودها الخاص كما ان كل فرد من النسبة تباين الفرد الآخر منها كالافراد الموجودة لنوع واحد فى العين و قد عرفت ان قوام المعنى الحرفى هو الوجود الذهنى بحيث لو الفى يصير المعنى اسميا و- ح- لا محيص عن القول باختلاف الجمل الخبرية و الانشائية من حيث الموضوع له كما هو المشهور بين السلف فالموضوع له فى الجمل الخبرية هى النسبة التصديقية القائمة بنفس المخبر بنوع اتحاد بين الموضوع و المحمول فى موطن ما اى هذا ما يطابق تلك النسبة كما ان ما يطابق معنى لفظة من هو حد خاص بين السير و البصرة و هذه النسبة التصديقية اعم من الجزم و التجزم اى يكون لها فرد ان فى عالم النفس الجزم و التجزم فالاول فيما يعتقد المتكلم‏

44

صدق القضية و الثانى فى غيره مما كان أو ظانا او معتقدا للخلاف على ان يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا كما سلف و الموضوع له فى الجعل الانشائية هو النسبة الخاصة بين اجزائها قائمة بنفس المتكلم طلبية او قسمية او غير ذلك على اختلاف انحائها كما مر و ربما يكون لبعضها مصاديق متعددة فى النفس يصح استعمال الهيئة حقيقة باعتبار كل واحد منها و سيجي‏ء تحقيق ذلك إن شاء اللّه فى الاوامر لان التعرض لذلك فى المقام اكثر من ذلك يوجب انقلاب المبحث فتدبر جيدا و بناء على ما سلكنا فكون استعمال الهيئة الخاصة بالنسبة الخبرية فى الانشاء او بعكس مجازا كما هو المشهور نعم ربما يكون بعض الهيئات مشتركة كما لا يبعد دعوى الاشتراك فى مثل هيئة فعل الماضى و المضارع كما ان هيئة الامر حقيقة فى الانشاء و اما هيئة الجملة الاسمية ففى اشتراكها او اختصاصها بالاخبار وجهان الرابع هل يجرى المجاز فى الحروف كالاسماء ام لا وجهان بل قولان و الظاهر الجواز سواء قلنا ان المجاز يحتاج الى وضع نوعى او ترخيص من الواضع بحسب العلاقة المميزة عند اهل اللسان او قلنا ان المجاز من شئون للوضع للمعنى الحقيقى و اثر له قهرا كما هو التحقيق فلا يمكن الواضع المنع عنه من دون احتياج الى وضعه و رخصته و لا فرق بين القول بان الوضع هو الاختصاص او التعهد و ذلك لانه بناء على الاول ليس اثر الوضع الا علاقة توجب خطور المعنى بالبال عند سماع اللفظ و تلك لعلاقة كما انها تتحقق بالنسبة الى‏

45

الموضوع له كذلك تحقق مع لوازمه العقلية و العرفية و ليس المعنى للمجازى الا ما هو لازم للموضوع له باحد هذه الوجود نعم لا بد لارباب هذا المسلك من دعوى ان بناء العقلاء ثبت على ارادة هذا المعنى الموضوع له مع عدم القرينة و الدلالة التصديقية انما يتحقق بالنسبة اليه فقط و اما المعانى المجازية فالدلالة التصديقية بالنسبة اليها يحتاج الى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقى فى غير ما كان مدلولا التزاميا لفظيا فانه بالنسبة اليها يتحقق الدلالة التصديقية و لو مع ارادة المعنى الحقيقى ايضا و لذا يكون المتكلم مأخوذا بلوازم كلامه التى يتفهم من اللفظ ثم انه لا اشكال فى لزوم ملاحظة العلاقة المصححة للاستعمال المجازى سواء قلنا بان المجاز يحتاج الى الوضع و الترخيص او قلنا بان طبع وضع اللفظ للمعنى الحقيقى يقتضى جوازه لانه بناء على الاول كانت العلاقة المعتبرة مشخصة للموضوع له المجازى او لمورد الترخيص و بناء على الثانى مشخصة لمورد تقتضى الوضع الاولى حسنه و صحته بداهة عدم صحة الاستعمال فى جميع المعانى و هل يلحظ هذه العلاقة و المناسبة بين المعانى الاسمية التى هى عناوين للمعانى الحرفية او كليات منطبقة عليها بناء على احتمال سلف بيانه او يلاحظ بين نفس المعانى الحرفية بما هى ربط بالحمل الشائع او يكفى العلاقة و المناسبة باحد اللحاظين اما بناء على مسلك المحقق الخراسانى من اتحاد الموضوع له و المستعمل فيه فى الاسماء و الحروف و كون التشخص من ناحية الاستعمال فلا محيص عن الوجه الاول‏

46

بداهة لزوم تحقق العلاقة قبل رتبة الاستعمال المجازى فلو جاءت العلاقة باعتبار الخصوصية الناشية عن الاستعمال يصير دورا فمثلا اذا يريد استعمال لفظة باء الموضوعة للملابسة او الالصاق فى الظرفية لا بد و ان يلاحظ العلاقة و المناسبة بين الملابسة و الظرفية و اما بناء على مسلك القائلين بان معانى الحروف كليات ربطية مغاير مع هذه العناوين الاستقلالية فهل يكون فرقا بين المفاهيم الاستقلالية بحسب المناسبات و الروابط مع المعانى الربطية بحيث يتحقق مناسبة بين المعنيين باحد الوجهين دون الآخر أم يفترقان فى المناسبات و الروابط لا يبعد الوجه الثانى لان هذه المفاهيم الاستقلالية مع هذه المفاهيم الربطية باعتبار ما تصدق عليه و تطابقه متحدة و متفقة فيكون باعتبار المناسبات ايضا متحدة لان المناسبات ليست إلّا ما ينتزع عن خصوصية متحققة بين المعنونات مثل سببية احدهما للآخر او محليته له او كلية و جزئية و غير ذلك و- ح- يكون العلاقة المعتبرة ما هو المتحقق بين نفس المفاهيم الربطية و يكون العلاقة بين المفاهيم الاسمية مرآة لها و عنوانا مثبتا اياها و يجرى هذا الكلام بناء على المسلك المختار ايضا لانه ان قلنا بان الجزئيات الحقيقية التى هى موضوع له فى الحروف و ما فى حكمها مصاديق لهذه المفاهيم الاستقلالية نسبتها اليها نسبة الطبيعى الى افراده فاتفاقها فى المناسبات و العلاقة واضحة و ان قلنا ان هذه المفاهيم الاستقلالية عناوين لها فكذلك ايضا بداهة اتحاد العنوان و المعنون من جهة الحكاية فالمناسبات‏

47

و الروابط ايضا متحدة فتامل و ربما يقال ان لتجوز فى الحروف و النسب التى فى حكمها باعتبار المتعلقات و الاطراف لا باعتبار نفس المعانى الحرفية و لذا يسمون الاستعارة فى الحروف و الافعال بالاستعارة التبعية و ذلك كما فى نطقت الحال و قوله تعالى‏ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً حيث ان الاستعارة و التجوز فى الاول باعتبار النطق فانه ليس بثابت للحال حقيقة و شبه الشاعر مظاهرها الدالة على بعض المقاصد بنطق الانسان الناطق و استعمل فيه النطق استعارة او شبه الحال نفسها بالناطق باعتبار ظهور مقصود منها فعلى الاول ثبوت ما استعمل فيه النطق مجازا للحال حقيقى و النسبة الوقوعية متحققة و المجاز فى طرف النسبة و- ح- ان قلنا ان هيئات الافعال موضوعة لنسبة ما اريد من المبدا المقوم لها الى الفاعل و ان كان معنى مجازيا فلا يكون مجازا فى الهيئة الدالة على النسبة الصدورية اصلا و ان قلنا انها موضوعة لنسبة المعنى الحقيقى للمبدا المقوم لها الى الفاعل يصير الهيئة مجازا لا محالة بتبع مجازية المبدا و هذا هو الاقرب بكلمات القوم حيث يقولون انها استعارة تبعية اى دخل التجوز فى الهيئة بتبع دخوله فى المبدا و اما مثل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا و حزنا (8- القصص) فتحقيقه انه هيئة تعلق الفعل بالمفعول له موضوعة لافادة النسبة التعليلية الاعم من ان يكون الفعل معلولا كما فى مثل المفعول له الحصولى مثل قعد عن الحرب جنبا او كان الفعل علة كما فى المفعول له التحصيلى مثل ضربته تأديبا

48

و اعم من ان يكون العلية و المعلولية عقلية غير قابلة للتخلف او كانت عادية و اما اذا تحقق بعد الفعل امر اتفاقا ليس بينهما علية عقلية و لا عادية فلا بد ان يتحقق بينهما نسبة تصادفية لان وقوع الفعل فى سلسلة معدات ذلك الاثر امر قهرى فاذا استعمل هيئة تعلق الفعل بالمفعول له فى هذه النسبة التصادفية كان ذلك مجازا و هيئة التقطه ليكون هيئة تعلق الفعل بالمفعول لاجله المذكور فيه اللام لعدم اتحاده مع العامل وقتا و فاعلا و لكن لم يكن بين الالتقاط و كونه عدوا ملازمة و نسبة تعليلية بل تحقق النسبة بينهما و اداء التقاطه و اتخاذه ولدا الى كونه عدوا يكون من باب الاتفاق و الصدفة و على هذا يكون التجوز فى نفس مفاد الهيئة اصالة و الاطراف قد استعمل فى معناها الحقيقى فتسمية اهل البيان لهذه الاستعارة بالتبعية غير واضح بل ليس له وجه اصلا اذ لم يكن تجوز فى الالتقاط و لا فى كونه عدوا لهم بوجه و انما التجوز ابتداء فى نفس مفاد الهيئة كما هو ظاهر و ما حكى عن صاحب الكشاف من ان الشبيه انما وقع فى المتعلق و هو العداوة و الحزن باعتبار انهما شبيهان بالمحبة و التسلى الحاصلة من- الالتقاط عادة المتعلقة لغرض الملتقط الكائنة علة غائية للفعل فهو مما لا يستقيم مع كون الاستعارة مصرحة نعم يمكن توجيهه بناء على تأويل الاستعارة بالتبعية و الانصاف ان ما ذكرناه اوضح هذا تمام الكلام فى المعانى الحرفية.

49

(اصل) هل يجوز استعمال اللفظ فى اكثر من معنى ام لا

و البحث فى هذه المسألة لا بد و ان يقع فى مقامين الاول فى امكانه الثانى فى مساعدة الوضع و بناء العقلاء عليه و كلمات الاصحاب مختلطة فيظهر من بعضهم دعوى الامتناع و عدم المعقولية كما هو ظاهر ما ينقله صاحب المعالم فى بيان حجة المانعين و انه موجب لاجتماع المتناقضين و يظهر من بعضهم انه مما لا يساعد عليه الوضع لانه على طور خاص باعتبار الموضوع له لا يساعد على الاستعمال فى معنيين كما يظهر من المحقق القمى (قدّس سره) حيث تمسك للمنع بان اللفظ موضوع للمعنى حال الوحدة و قبل الخوض فى المقصود ينبغى تقديم امور الاول ان ذكر لفظ و ارادة معنيين يتصور على وجوه الاول ان يلاحظ المعنيان معا على نحو التركيب و الانضمام الثانى ان يلاحظ احدهما على نحو الابهام الثالث ان يلاحظ معنى عام شامل لهما الرابع ان يلاحظ كل من المعنيين غير مرتبط بالآخر بحيث كانه لوحظ منفردا و لا اشكال فى جواز استعمال اللفظ و ارادة المعنيين على احد الانحاء المتقدمة و انما النزاع و الاشكال فى الصورة الرابعة الثانى الاستعمال هل يكون معناه جعل العلامة لارادة المعنى او يكون له معنى آخر يعبر بعضهم عنه بانه ايجاد المعنى باللفظ و- بعضهم بانه جعل اللفظ وجود المعنى و بعضهم بفناء اللفظ فى المعنى و غير ذلك من العبارات التى لا يفهم لها معنى محصلا غير جعل العلامة و التحقيق ان يقال انه اذا ذكر لفظ و اريد منه معنى فهنا ثلاثة امور

50

الاول قصد المتكلم للمعنى و نظره اليه استقلالا الثانى ذكره اللفظ و نظره اليه تبعا الثالث قصده افهام هذا المعنى للغير و ليس فى الواقع بحسب الوجدان امر وراء ذلك فان شئت سمه بجعل العلامة اللفظية الوضعية لارادة المعنى و ان شئت سمه بفناء اللفظ فى المعنى باعتبار ان النظر الى المعنى استقلالى و النظر الى اللفظ تبعى و ان شئت سمه بايجاد المعنى باللفظ و باى اسم لا يكون غير الامور المذكورة و- المراد بكون اللفظ مقصودا تبعا ليس بمعنى أنه مغفول عنه و هناك نظر واحد ينسب الى المعنى ذاتا و الى اللفظ عرضا بل المقصود ان ارادة اللفظ تنشأ بتبع ارادة المعنى كارادة المقدمة التابعة لارادة ذى المقدمة لان صدور اللفظ فعل اختيارى للمتكلم لا بد ان يكون مسبوقا بالعلم و الارادة.

الثالث ان معنى الاستقلال المرادى ليس انفراد المعنى فى التصور الاستعمالى و إلّا لا وجه للنزاع بعد قبوله و مردود على مدعيه بل المراد لحاظ المعنى لا بما هو جزء او فرد لمعنى آخر و المقصود بالانفراد هذا لا الانفراد باللحاظ و اثره ان يكون المعنى موردا للنفى و الاثبات مستقلا بلا دخل شي‏ء آخر فيه.

الرابع انه بعد ما عرفت ان الوضع هو التعهد فيكون قابلا لاشتراط شرط من طرف الواضع كما ذكرنا فى اسم الاشارة من ان الواضع اشترط فيه الاشارة الى المراد و قد يقتضى اطلاق الوضع معنا كما يقولون ان اطلاق العقد يقتضى كذا و كذا فالشرط المستفاد من‏

51

اطلاق الوضع مثل نص الواضع معتبر و الخروج عنه موجب للاخلال بافادة المعنى اذا عرفت ما مهدناه لك فنقول دليل الامتناع وجوه.

1- ما عن المحقق الخراسانى من ان الاستعمال جعل اللفظ وجها و عنوانا للمعنى بل يوجه نفس المعنى كانه الملقى و لذا يسرى اليه حسنه و قبحه لانه فان فيه و لا يمكن ذلك الا لمعنى واحد ضرورة ان لحاظه كذلك فى معنى ينافى مع قصد معنى آخر لان هذا للحاظ بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه فناء الوجه فى ذى الوجه الخ و يرد عليه ان الاستعمال ليس إلّا جعل اللفظ علامة ارادة المعنى باعتبار الامور الثلاثة المتقدمة و جعله وجها للمعنى لا يزيد على هذه الامور الثلاثة و ما قيل من ان الاستعمال جعل اللفظ وجود المعنى او ايجاد المعنى باللفظ ففيه ان هذه الهوهوية ان كانت هو الاتحاد الحكائى اللازم لكل كاشف مع المنكشف قهرا المقصود للمتكلم بتبع قصد الافهام فهو حاصل و ان كان المقصود ان المتكلم يقصد كون اللفظ وجودا للمعنى بنظر استقلالى فلا يساعد عليه وجدان كل متكلم حتى هذا القائل.

الثانية قوله و لا يكاد يمكن جعل لفظ كذلك الا لمعنى واحد الخ ففيه ان اخذ الاستقلال فى الارادة بمعنى الانفراد فى التصور الاستعمالى ينافى لحاظ معنيين و اما ان كان المراد لحاظ المعنى فى ذاته فلا تنافى لامكان تصور معان متعددة معا و اما قوله حيث ان لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلّا بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه الخ ففيه انه ان كان المراد من تبعية اللحاظ ان لحاظا واحدا متعلق بالمعنى‏

52

ذاتا و باللفظ عرضا فهو باطل كما عرفت و ان كان المراد ان ارادة اللفظ تابع لارادة المعنى فلا محذور فى ارادة لفظ واحد بتبع ارادة معنيين.

2- ان الاستعمال ايجاد المعنى باللفظ فاللفظ علة لوجود المعنى فى مقام الاستعمال فلو قصد به معنيان يلزم صدور الكثير عن الواحد و فيه ان الايجاد اللفظى ليس إلّا الحكاية لا غير و حكاية واحد عن متعدد لا مانع منه كحكاية الجمع الاستغراقى عن افراده فان دلالته عليها ليس ارتباطيا كدلالة الكل على الاجزاء و لذا يقولون انه فى حكم العطف بالواو كان كل فرد مدلول مطابقى له لا تضمّنى و قيل انه ايجاد اعتبارى اى اعتبار اللفظ وجودا للمعنى فيقال انه لا محذور فى اعتبار لفظ واحد وجودا للمعنيين و الانصاف عدم صحة وجوه الامتناع و الاقوى عندى الجواز عقلا و هل يساعده قانون الوضع ام لا فالتحقيق ان يقال ان كان الوضع الاختصاص او ما يلزمه او يستلزمه الراجع الى تحقق علاقة بين اللفظ و المعنى موجبة للدلالة التصورية فقط فلا مانع من استعمال اللفظ فى معنيين بحسب الوضع ايضا مع القرينة لان دلالة اللفظ حاصلة بالوضع و قصد المعينين ممكن عقلا إلّا ان يقال ان الدلالة التصورية حاصلة لكليهما و لكن الدلالة التصديقية المقصودة فى مقام الاستعمال تحتاج الى شمول بناء العقلاء للمقام و يمكن منعه لانه فرع شيوع هذا الاستعمال فيما بينهم حتى يثبت بنائهم عليه و مع كثرة الالفاظ المشتركة فى كل لسان لم‏