آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج1

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
555 /
3

بسم اللّه الرحمن الرحيم

‏ الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و اللعن على اعدائهم الى يوم الدين.

و بعد فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة

اما المقدمة ففي المبادى اللغوية و اشباع الكلام فيها يكون ببيان امور

الامر الاول [فى تعريفه و غايته و موضوعه‏]

قد جرى ديدن القوم فى كل علم على ذكر تعريفه و غايته و موضوعه قبل الشروع في العلم و ربما زيد بيان رتبة العلم فأعلم ان التقدم على انحاء التقدم بالعلية كما فى حركتى اليد و المفتاح و التقدم بالطبع اى التقدم بالوجود كتقدم الواحد على الاثنين و التقدم بالوضع اى بحسب بناء اهل عرف خاص او عام كبناء عرف النحاة على تقدم احكام الفاعل على المفعول مثلا و التقدم بالشرف كتقدم العالم على الجاهل و الحق ان علم الاصول له التقدم على الفقه بالعلية لكونه مؤثرا فى الاستنباط و علة له بحيث لولاه لاختل امر كثير من المسائل الفقهية و بالوضع بحسب بناء السلف و الخلف كما هو واضح و لكنه متأخر عن الفقه بالشرف كما لا يخفى نعم هو فى عرض علم الرجال و المبادى اللغوية بشئونها التى تشمل المعانى الاولية للالفاظ و احكام الصرف و النحو و الادب و نحو ذلك من جهة وقوع الجميع فى طريق الاستنباط و الاحتياج اليها لذلك فنسبة الفقه الى علم الاصول كنسبته الى علم الرجال و الصرف و النحو و غيرهما من جهة الحاجة اليها بلا فرق و لا ترتب بينها فى ذلك كما ان نسبة كل واحد من هذه العلوم الى الآخر مع قطع النظر عن الوقوع فى طريق الفقه واحدة هى التباين اذ معرفة قواعد كل منها من حيث هى غير متوقفة على معرفة قواعد غيره فما تتحقق به الفصاحة و البلاغة مثلا لا تتوقف معرفته على معرفة أقسام الاعراب و البناء و اقسام الاعراب و البناء للكلمة و الكلام من الرفع و النصب و غيرهما لا تتوقف معرفتها على معرفة صحة الكلمة و الكلام و اعتلالهما و هكذا سائر ما يقع‏

4

فى طريق الاستنباط نعم قد يقال بأن رتبة علم الاصول متأخرة عن مهمات علم الرجال و المبادى اللغوية بشئونها و لكنه كما ترى فظهر أن ما فى تقرير بعض الاساطين‏ (1) من ان رتبة علم الاصول متقدمة على علم الفقه متأخرة عن سائر ما يقع فى طريق الاستنباط كما ان تلك العلوم طولية يترتب بعضها على بعض فى غير محله و قد علم من بيان رتبة هذا العلم ان غايته استنباط الاحكام الفقهية.

و اما تعريفه‏

فالحق ما عليه المشهور من انه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الفرعية و اللام فى القواعد للعهد اشارة الى المباحث المدونة فى علم الاصول فيخرج سائر ما يقع فى طريق الاستنباط و اللام فى لاستنباط، للغاية متعلقة بالممهدة دون القواعد و بديهى ان غرض التمهيد منحصر فى هذه الغاية فالمعنى ان تلك القواعد المدونة انما مهدت لاجل استنباط الاحكام الشرعية فلا يرد على هذا التعريف توهم عدم الاطراد تارة حيث يشمل سائر ما يقع فى طريق الاستنباط و توهم عدم انحصار فائدة تلك القواعد باستنباط الاحكام الشرعية اخرى حيث يستفاد منها احكام الموالى الظاهرية بالنسبة الى العبيد فعدول بعض الاساطين عن هذا التعريف لاجل ذاك الايراد الى انه كبريات اذا انضم اليها صغرياتها تستنج احكاما فقهية بلا وجه مضافا الى ان الايراد لو تم فهو جار فى تعريفه ايضا اذ المراد بالكبريات هى القواعد المدونة فى علم الاصول فيجرى فيها اشكال عدم انحصار فائدتها باستنباط الاحكام الشرعية كما ان ضمير صغرياتها راجع الى الكبريات فلا محالة تعم غير الصغريات الشرعية و إلّا كانت لبعض صغريات تلك الكبريات لا جميعها و بديهى ان انضمام صغريات كذائية الى كبرياتها لا تستنج احكاما شرعية بل هذا الاشكال موجود حتى مع تخصيص الصغريات بالشرعية بعد بقاء الكبريات على اطلاقها

____________

(1) المحقق النائيني‏

5

الا مع تقييد الكبريات بانها ممهدة لاستنباط خصوص الاحكام الشرعية و حينئذ تختص الصغريات ايضا بالشرعية و يتم التعريف لكن الاشكال فى تعريف المشهور على هذا و العدول الى ما ذكر بلا وجه بل حيث ان القرينة على التقييد موجودة فى تعريف المشهور كما اوضحناه غير موجودة فى هذا التعريف فالمتعين الأخذ به دونه (و توهم) بعض الاعاظم‏ (1) (ره) ان اخذ العلم فى التعريف غير لازم اذ الاصول نفس القواعد و لذا يتعلق بها العلم تارة و الجهل اخرى يقال فلان عالم بالاصول و فلان جاهل به فالقواعد لها وجود واقعى هو الاصول (مدفوع) بان القواعد العلمية مطلقا عبارة عن صور نفسانية و ليس لها وجود وراء ما فى النفوس او النقوش فهى متحدة مع العلم و قولك فلان عالم بها يعنى ان القواعد موجودة عنده و فلان جاهل بها يعنى انها غير موجودة عنده فالحق مع المشهور فى ادخال العلم فى التعريف نعم اضاف صاحبا الفصول و الكفاية (قدس سرهما) الى تعريف المشهور قيد: او ينتهى اليها الامر فى مقام العمل: لا دخال ما لا يقع من قواعد الاصول فى طريق استنباط الحكم الشرعى كحكم العقل بحجية الظن بعد الانسداد على تقرير الحكومة فانه وظيفة المجتهد و المقلد فى مقام العمل و سيأتى فى ذيل التعرض لموضوع الاصول بقية احكام التعريف و ان هذا القيد غير محتاج اليه فانتظر.

و اما الموضوع‏

فيعلم بتعريف الموضوع فى كل علم و الحق كما فى الفصول و الكفاية ان موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية اى بلا واسطة فى العروض فالعرض الذاتى ما يعرض للذات اما بلا واسطة كما فى عروض الامكان على الماهيات الممكنة او مع واسطة فى الثبوت اى الجهة التعليلية فى اصطلاح الاصولى كما فى عروض قطع اليد على السارق بواسطة السرقة او عروض الحرارة على الماء بواسطة النار اما ما يعرض الذات مع واسطة فى‏

____________

(1) المحقق العراقي‏

6

العروض اى الجهة التقييدية فى اصطلاح الاصولى كما فى عروض جواز التقليد على المجتهد العادل بواسطة ملكة نفسانية او عروض الحركة على جالس السفينة بواسطة السفينة فليس بعرض ذاتى اذ المعروض حقيقة هو الواسطة و لما كان الذات معروضا لها كان عارضا له ثانيا و بالعرض بحيث لو انفكت الواسطة عن الذات خارجا لم يعرضه اصلا بخلافه في الاولين فالمعروض فيهما اولا و بالذات نفس الذات فهذا الاخير عرض غريب لا ذاتى و تفصيل ذلك ان ما لا بد منه فى عروض محمولات مسائل العلوم على موضوع العلم انما هو نحو من الربط و الاختصاص بين تلك المحمولات مع الموضوع بان يكون الموضوع بجميع علل قوامه و قيوده معروضا لها كما هو الشأن فى كل قضية بحيث يصح حمل تلك المحمولات على الموضوعات و لو بالحمل الشائع الصناعى الذى يكون الاتحاد فيه من جهة المصداق مع التغاير من جهة المفهوم كما فى غير العلوم العقلية لما ستعرف إن شاء الله و لذا سمى المحمول فى ذلك بالمحمول بالضميمة فى اصطلاح اهل الفلسفة اذ لو كان العروض بواسطة امر اعم بحيث يكون هو المعروض اولا و بالذات فجعل الموضوع اخص مع انه اغراء بالجهل يكون لغوا و خلاف ترتيب العلوم اذ بناء اهل العلوم على ذكر عوارض كل شي‏ء عند ما كان ذلك الشي‏ء بنفسه موضوعا و قد مهد العلم لفهم اختصاصاته و ما له من الاحكام و لو كان بواسطة امر اخص يكون هو المعروض اولا و بالذات فجعل الموضوع اعم مع انه لغو و اغراء بالجهل و خلاف ترتيب العلوم يكون مخلا بالغرض الذى دون لاجله العلم اذا لوصول الى عوارض الاعم و احكامه لا يمكن من طريق فهم عوارض الاخص و احكامه نعم يمكن العكس و لذا لم نعترض على الاول من ناحية الاخلال بالغرض فالعرض الذى وجد فيه ذلك الربط بالنسبة الى معروضه ذاتى و ما لم يوجد فيه ذلك عرض غريب.

7

و بعد ذلك نقول انه فى العلوم العقلية حيث يكون موضوعها الوجود فذاك الربط انما يحصل بأن يكون نشو تلك العوارض من صميم الذات فتخرج من صميم الذات و تحمل عليها و لذا تسمى بالخارج المحمول فلا واسطة فى البين اصلا و لذا تريهم يتعرضون لاحكام الجنس فى باب مستقل مهد لفهم خصوص عوارضه مع جعل الجنس فيه هو الموضوع و لا يعدون عوارضه من عوارض النوع بل يتعرضون لعوارضه فى باب مختص به جعل فيه النوع هو الموضوع و هكذا و اما كون عوارض الجنس بالنسبة الى النوع عوارض غريبة عندهم فليس من جهة عدم التحصل للجنس كما قد يتوهم بل لان مصب العروض هو الجنس و اما فى العلوم الجعلية كالعلوم الادبية و علمى الاصول و الفقه فحيث ان محمولاتها جعلية بحيث لو لا الجعل لما كانت من عوارض ذلك الموضوع فالربط يحصل بان يكون مصب العروض اولا و بالذات نفس الذات و ان كان فى البين واسطة مباينة للموضوع اى يكون الغرض الاصلى من تدوين تلك العلوم فهم العوارض المحمولة على موضوعاتها و يكون تبويب الابواب و تشقيق المسائل و تخصيص كل بعنوان للوصول الى ذلك الغرض فالعناوين المجعولة من قبل واضع العلم واسطة فى ثبوت تلك العوارض للموضوعات و ان كانت مباينة للموضوع و ليست معروضة للعوارض أبدا فضلا عن كون العروض أوّلا و بالذات فمو ضوع علم اللغة مثلا مادة معراة عن الهيئة و عوارضه معانى موضوعة لتلك المواد و فعل الواضع اى جعل المواد للمعانى امر اعتبارى مباين لنفس المادة لكنه سبب لفهم تلك المعانى و واسطة فى ثبوتها للمواد و موضوع علم الصرف مادة متهيئة و جعل الصحة و الاعتلال فيها أمر مباين لها واسطة فى ثبوتهما لها و موضوع علم النحو مادة متهيئة منتسبة و جعل الاعراب و البناء لمصاديقها امر مباين لها واسطة فى ثبوت اقسام‏

8

الاعراب و البناء للمصاديق كل بحسبه و موضوع علم المعانى مادة متهيئة منتسبة مفيدة للمعنى فى كل مورد بحسب ما يقتضيه الحال و ليس شي‏ء من عناوين المسائل فى هذه العلوم معروضا لشي‏ء من عوارض موضوعها بل هى منتزعة من القيود المأخوذة فى الموضوع بحسب الذات فعنوان الفاعلية مثلا مأخوذ من قيد الانتساب المأخوذ فى موضوع علم النحو اذ من جملة اقسام الانتساب انتساب الفاعلية و هكذا سائر مسائل النحو و سائر العلوم الجعلية.

فموضوع هذه العلوم بنفسه مستعد و قابل لعروض تلك العوارض عليه بلا حاجة الى اعتبار الحيثية او شي‏ء آخر فيه و بذلك يتحد موضوعات المسائل مع موضوع العلم و تكون محمولاتها من العوارض الذاتية لموضوع العلم لان مصب العروض هو الذات من غير ان تعرض على شي‏ء آخر ثم بواسطته على موضوع العلم كما فى جواز التقليد الذى يعرض الملكة النفسانية اولا و بالذات ثم يعرض الذات الخارجى بواسطة عروض الملكة له و كما فى الحركة التى تعرض السفينة حقيقة ثم بواسطتها تعرض جالسها و لذلك ترى متأخرى الحكماء عرفوا العرض الذاتى بما يعرض الشي‏ء بواسطة فى الثبوت ايضا مضافا الى تعريف قد مائهم له بما يعرض الشي‏ء اولا و بالذات بلا واسطة اصلا اذ تعريف القدماء ينحصر بالعلوم العقلية فأضاف اليه المتأخرون ذلك كى يشمل العلوم الجعلية ايضا بل العلامة الزنوزى (قده) فى رسالته الحملية ادعى للعرض الذاتى تسعة اطلاقات و مما ذكر ظهر ان تمايز العلوم بتمايز نفس موضوعاتها بقيودها الاولية بلا حاجة الى زيادة قيد الاعتبار و الحيث لا بتمايز الاغراض و لا بتعدد الحيثيات فتلخص ان تعريف الموضوع لكل علم بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية بلا واسطة فى العروض هو الحق الذى يوافق تعريف العرض الذاتى لدى الحكماء نعم‏

9

يبقى علينا الاشكال بالنسبة الى بعض الأبحاث ان جعلناه من المقاصد كاجتماع الامر و النهى حيث لا اختصاص لموضوعه بما ورد فى الكتاب و السنة فلا بد اما ان يقال بانه لما لم يتعرضوا لمثل تلك المحمولات فى علم تعرضوا لها فى هذا العلم فتأمل و اما ان يلتزم بان هذه المحمولات- محمولات لما ورد فى الكتاب و السنّة لا بما هو وارد فى الكتاب و السنّة بل بما هو هو و العرض ذاتى له و اما وجه اختصاص الموضوع بالكتاب و السنّة فلتعلق الغرض عند الاصولى بما ورد فيهما و لذا زاد فى الفصول قيد الحيثية و مراده حيث البحث لا تقيد الموضوع بالحيث بل يمكن ان يقال بان الموضوع هو الجامع لما فى الكتاب و السنة و غيرهما.

و مما ذكرنا ظهر ما فى كلام بعض الاساطين (ره) فانه ضيّق الموضوع باخذ قيد الحيثية فيه ليجعل محمولات المسائل عوارض ذاتية لموضوع العلم و جعل موضوع العلوم مفاهيم بسيطة كى لا ينافيها التقيد بالحيث لعدم تأصله و ألغى خصوصيات عناوين المسائل كى لا يقع فى محذور اتحاد موضوعات المسائل و اتحاد محمولات المسائل مع موضوع العلم و لذا جعل تمايز العلوم بتمايز الحيثيات الموجب لتباين الموضوعات اذ مضافا الى ما عرفت من عدم الحاجة الى تقييد الموضوع بالحيث فى صيرورة المحمولات عوارض ذاتية له لا معنى محصل لهذا التقييد و لا فائدة فيه أصلا لأن الحيث (ان كان) أمرا انتزاعيا منشأ انتزاعه إمّا وجودات عينية نظير حيث الابوة و البنوة الذى ينتزع عن التوالد و التناسل اذ هو كما يكون جهة اعتبار اضافة الابوة و البنوة كذلك يكون منشأ انتزاع حيث الاضافة سواء قلنا بان هذه الاضافة من المقولات العينية ام الاعتبارية و اما وجودات اعتبارية نظير حيث الاعراب و البناء اذ هما عبارة عن جعل الواضع اللفظ معربا او مبنيا و ينتزع الحيث من هذا الامر الاعتبارى (فليس) بحذائه شي‏ء و

10

لا له مطابق فى الخارج اذ ليس وراء الاضافة و جهتها فى الاول و وراء اللفظ و اعتبار الاعراب و البناء فيه فى الثانى وجود يسمى بالحيث بل هو انتزاع عقلى صرف لا موطن له إلّا العقل فكيف يمكن ان يكون دخيلا فى الموضوع كى يضيقه او يعممه (و ان كان) امرا اعتباريا متحققا فى وعائه كما فى موضوعات العلوم الادبية بالنسبة الى عوارضها (فمن البديهى) ان موضوعات العلوم الادبية من المتأصلات العينية اى اللفظ الذى هو كيف مسموع و امر مقولى و هو موضوع لامرين اعتباريين احدهما نفس جعل اللفظ و وضعه من قبل الواضع ثانيهما جعل الاعراب و البناء و الاول بما هو يكون موضوعا و الثانى يكون محمولا بالنسبة الى علم النحو كما ان اللفظ بنفسه لا بما هو موضوع يكون موضوعا لعلم اللغة و كلا الاعتبارين قائمان باللفظ لا معنى لتحيث نفس اللفظ بهما الا عروضهما له فى عرض واحد و لا يتوهم انا نقول بقيام الثانى بالاول كى يشكل بان الاعتبارات بمنزلة الاعراض فى انه ليس لها وجود لا فى الموضوع و كما لا يمكن قيام العرض بمثله فكذلك قيام الاعتبار بمثله بل نقول بان الوضع و جعل الاعراب و البناء اعتبار ان قائمان بموضوع متأصل هو اللفظ لانه كيف مسموع و قد قرر فى الحكمة صحة قيام عرض اعتبارى بعرض مقولى و بعبارة اخرى الموضوع على هذا أبدا معروض للاعتبارين توأم معهما فاذن عروض العارض للمعروض شي‏ء و تحيثه و تقيده به شي‏ء آخر و على فرض تسليم التحيث بنفس العروض فكيف يمكن التفكيك و اعجب منه توهم ان هذا الحيث ذاتى بخيال استعداد الموضوع له و لعله حكى له ان اهل المعقول يرون التهيؤ و الاستعداد منوعا لموضوعات علو منهم فأخذ منهم ذلك غفلة عن ان هذا المعنى لو كان صحيحا فانما يصح فيما ليس لعروض العارض وراء ذاته حالة منتظرة و هل يقبل عاقل ان زيدا فى ضرب زيد مع قطع النظر عن قواعد خاصة مجعولة

11

فى لغة خاصة له استعداد الرفع.

ثم لا يخفى ان الحقائق المشتركة فى مفهوم بسيط يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز هى الحقائق ذات المراتب تكون كل مرتبة منها مشكلة لنوع مباين بتمام الحقيقة مع المتشكل عن المرتبة الاخرى فالمرتبة الشديدة من النور مثلا مع الضعيفة منه نوعان متباينان من النور لا يعقل حمل إحداهما على الاخرى و ما به الاشتراك فيهما نفس النور و ما به الامتياز هو الشدة و الضعف اللذان هما ايضا بالنور و اتحاد ما به الاشتراك مع ما به الامتياز وجودا فى المراتب لا ينافى اختلاف الحصة الجامعة مع الحصة المميزة و عليه (فمراد) هذا القائل من الغاء خصوصيات عناوين المسائل بلحاظ عينية ما به الاشتراك مع ما به الامتياز فيها (ان كان) الغائها مع حفظ المراتب المختلفة شدة و ضعفا التى بها تختلف موضوعات المسائل فهو غير معقول اذ قوام المراتب بتلك الخصوصيات و مع بقائها لا يمكن حمل موضوع العلم على موضوعات المسائل لا سيما بالحمل الشائع الصناعى اى اتحادهما مصداقا و اختلافهما مفهوما اذ الكلمة المطلقة مباينة معها بعنوان الفاعلية كما انها بهذا العنوان مباينة حقيقة معها بعنوان المفعولية و هكذا (و ان كان) الغائها مع عدم حفظ المراتب فليس فى البين مراتب حتى يتحد ما به الاشتراك فيها مع ما به الامتياز و يتعدد بذلك مسائل العلم (فتلخص) ان الحيث باى معنى كان لا يمكن تضييق الموضوع و تعميمه به و اخراج المحمولات عن كونها اعراضا غريبة على تقدير و عن كونها متحدة مع الموضوع على تقدير آخر فلا سبيل التى تمايز العلوم بتمايز الحيثيات و اما بتمايز الاغراض فلا يستلزم ترتبها عليها كى يشكل بامكان الانفكاك بل الملحوظ فى العلوم اقتضاء ترتب الاغراض عليها و ذلك غير منفك عنها.

12

ثم ان ما يعرض للشي‏ء بواسطة امر اعم لا يفيده اعتبار الحيث فى الموضوع من جهة اخرى ايضا اذ العارض لو كان بحسب الواقع و نفس الامر من العوارض الغريبة لذلك الشي‏ء فتقييد الموضوع بذلك الاعتبار و الحيث لا يجعله من عوارضه الذاتية و لا يخرجه عن كونه غريبا و ان كان بحسب نفس الامر من عوارضه الذاتية فاعتبار الحيث فى الموضوع لغو لا فائدة فيه اصلا فعروض الوجوب للامر الموجود فى الكتاب او السنة مثلا ليس بواسطة كونه فى الكتاب او السنة و تقييده بهذه الخصوصية بل بواسطة امر عام هو ظهور الامر الصادر عن العالى المتوجه الى الدانى فى الوجوب لدى اهل العرف و العقلاء و هكذا الفور و التراخى و غيرهما من عوارض الامر و كذا سائر موضوعات مسائل الاصول مما يكون عروضه للموضوع لا من جهة الخصوصيات النوعية المأخوذة فيه بل لكون مطلقه و جنسه معروضا لتلك العوارض عند اهل المحاورة حيث ان ذلك بالنسبة الى الموضوع اعم و لكنها مع ذلك ليست من عوارضه الغريبة بل الذاتية لان مصب العروض اولا و بالذات ذات الامر الذى هو الموضوع حقيقة فى تلك المسائل و خصوصية الكتابية و السنّتية لا دخل لها بالموضوع بل هى الغرض للبحث عن تلك العوارض فى علم الاصول فاعتبار قيد الحيثية فى الموضوع فى مثلها من قبيل ضم الحجر بجنب الانسان لا يغنى و لا يسمن من جوع لانه من السلب بانتفاء الموضوع اذ العوارض ذاتية (فان قلت) على هذا ينبغى تدوين علم على حدة و جعل ذلك العام موضوعا فيه و البحث عن عوارضه فلما ذا تعرضوا لها فى الاصول (قلت) لوجهين احدهما انها لم تذكر فى علم آخر قبل ذلك‏

13

ثانيهما تعلق الغرض بهذه المصاديق الخاصة من ذلك العام كالامر الموجود فى الكتاب و السنة او نحوه و لذا نقول بان تمايز الموضوعات فى مثلها انما هو اى حيث البحث كما مر بالاغراض دون الحيثية و لا نفس الموضوع و نظير الاعم فيما ذكر العارض للشي‏ء بواسطة امر مساو و هناك اختلاف بين تقريرى هذا القائل من جهة تعريف الواسطة فى الثبوت و- العروض احدهما على خلاف اصطلاح اهل الحكمة و الآخر على وفقه لكن مع تهافت بين كلمات هذا المقرر يعلم بالمراجعة.

كما قد ظهر مما اسلفناه ما فى كلام بعض المحققين‏ (1) (قده) فى تعليقته المباركة على الكفاية فانه انكر الاحتياج الى الموضوع للعلم (تارة) بجعل الموضوع فى غير العلوم العقلية كالفقه و العلوم الادبية عناوين منتزعة عن تحيث الموضوع بالاضافة الى عناوين المسائل بحيث كتحيث فعل المكلف بالاضافة الى الصلاة و الصوم بحيث الاقتضاء (مبدأ الاحكام الأربعة) و التخيير (الاباحة) بالنسبة الى الفقه ففعل المكلف من هذا الحيث مستعد للحوق الاحكام الخمسة و تحيث الكلمة و الكلام بالاضافة الى الفاعلية و المفعولية بحيث الاعراب و البناء فهما من هذا الحيث مستعدان للحوق الرفع و النصب و غيرهما و تلك العناوين المنتزعة مشيرة الى موضوعات المسائل فهى فى الحقيقة معنونات تلك العناوين لا نفسها (اذ هذا) كما ترى انكار لاصل موضوع العلم و اقرار بان المتأصل موضوعات المسائل لان الخارجية انما هى للمعنون و العنوان اعتبار فيه (و اخرى) بالتنزّل عن ذلك الى جعل الجهة الجامعة فى العلم ترتب الغرض الحاصل من نفس المحمولات بلا احتياج الى تحقق جامع بين الموضوعات من غير فرق بين عروض المحمولات للموضوعات بلا واسطة فى العروض او معها (اذ هذا) ايضا كما ترى انكار اصل الاحتياج الى الموضوع للعلم مع انه لا حاجة الى هذا التنزل‏

____________

(1) المحقق الاصفهاني‏

14

لذلك و كيف كان فهاتان الفقرتان من كلامه ناظرتان الى نفى الاحتياج الى الموضوع فى العلوم بلحاظ ان الجامع الاشتراكى اللازم فى كل علم لترتب الغرض عليه انما هو قائم بنفس المحمولات (وجه الظهور) ان تحيث الموضوع بعناوين المسائل كما عرفت امر انتزاعى خارج عن حقيقته اولا مضافا الى ان ذلك لا يجدى فى المقام شيئا على ان وحدة الغرض و الاثر لا بد لها من وحدة المحصل و المؤثر اما بالحقيقة و اما بالنوع اذ بها تتحقق السنخية بين الاثر و المؤثر و هى ضرورية على مذهب العدلية من كون الافعال معللة بالاغراض و الذى يكون فى العلوم مجمع الشتات المتباينة هو الواحد بالنوع الذى به يمكن الربط بين المتباينات بالذات و ذلك هو الجهة الجامعة الموجودة فى المحمولات و لما كانت المحمولات وجودات ربطية غير متأصلة بحيال ذاتها بل متحققة بتحقق الموضوعات و بلحاظ ذاك الاتحاد الوجودى يصح حملها على الموضوعات بالشائع الصناعى فلا بد من قيام تلك الوحدة بالموضوعات و هذا هو المراد بموضوع العلم فوحدة الغرض بنفسها كاشفة إنّا عن وجود موضوع فى البين بل عن لزومه و ان لم نعرفه بشخصه و لم نقدر على التعبير عنه اذ ذلك بمجرده لا يكشف عن العدم كما نبّه عليه صاحب الكفاية (قده) ثم ان متعلق الخطابات الشرعية هو الذى يخرج عن تحت ارادة المكلف المحركة لعضلاته نحوه و ذلك يسمى فى اصطلاح النحاة بالفعل و هو ذو ملاك نفس الامرى مصلحة او مفسدة بضرورة مذهب العدلية و اما تخصص ذلك الفعل بخصوصية الصلاة و الصوم و سائر عناوين المسائل فان قلنا بان الخصوصيات الفردية للفعل الصادر عن الفاعل نسب و اضافات فهو بلحاظ نسبته الى متعلق خاص قتل و بالاضافة- الى متعلق آخر ضرب و هكذا فتلك الخصوصيات امور انتزاعيّة عن ذات الفعل بلحاظ الانتسابات كالامساك للصوم و الحركات الخاصة للصلاة

15

قائمة بالفعل و لا وجود الا لموضوع العلم و لو قلنا بان نسبة الخصوصيات الى ما يصدر عن الفاعل انما هى كنسبة الفصول الى معروضها فهى وجودات متباينة ذات مراتب مختلفة كل مرتبة منها مشكّلة لنوع و ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز و هو كونها فعلا اذ الاشتداد و الضعف ايضا فى الكليات المشككة حاصلان من نفس المادة و عليه تكون محمولات المسائل غريبة عن موضوع العلم و لكن المتجه هو الاول فالحق ان موضوع الفقه نفس الفعل النحوى و موضوعات المسائل عناوين له و محمولاتها عوارضه الذاتية و اما موضوع العلوم الادبية فقد عرفته سابقا.

[انكار البعض الاحتياج الى الموضوع و رده‏]

ثم ان بعض الاعاظم (قده) ايضا فى مقالاته انكر الاحتياج الى الموضوع فى العلم لوجهين (احدهما) ان تأثير قواعد العلم فى الغرض ليس على نحو العلّى بدعوى ان تحقق الشي‏ء موقوف على سدّ ابواب عدمه بايجاد مقدماته التى عمدتها ارادة الفاعل و معها يكفى شأنية ترتب الاغراض و ذلك لا ينفك عن العلوم فتمايز العلوم بتمايز الاغراض و حيث ان ترتب الاغراض على القواعد التى هى محمولات المسائل ليس على نحو العلية بل على نحو ترتب الاضافة على ذيها فبعد تطبيق القواعد على مصاديقها ينتزع من اضافة تلك الصغريات الى الكبريات عنوان الغرض كانتزاع عنوان حفظ اللسان من الخطأ عن اضافة القاعدة الى مصداقها بعد تطبيق كل فاعل مرفوع على زيد فى ضرب زيد مثلا فلا حاجة الى جهة جامعة لترتب الاغراض على القواعد كى يستكشف منه وحدة الغرض المستندة الى وحدة الموضوع و تكون الجهة الجامعة المتخذة من موضوعات المسائل عبارة عن موضوع العلم اذ الموضوع لو كان بسيطا فالتعرض لخصوصيات موضوعات المسائل لغو و لو كان مركبا لدخل الخصوصيات فى ترتب الغرض الوحداني لزم صدور الواحد عن الكثير (ثانيهما) ان فى بعض العلوم‏

16

لا يعقل جامع صورى بين موضوعات مسائله كعلم النحو فليس بين الكلمة و الكلام جامع صورى نعم بينهما جامع معنوى هو القول و فى بعضها لا يعقل جامع مطلقا كعلم الفقه اذ موضوع بعض مسائله عدمى كالصوم سيما حال النوم و موضوعات سائر مسائله وجودية و لا جامع بين الوجود و العدم فلا سبيل الى لحاظ جامع بسيط يكون هو الموضوع و لو سلم فالغرض غير بسيط لتعدد جهاته الخارجية بالنسبة الى موضوعات المسائل فالغرض من كل علم انما يحصل بتطبيق قواعده اى المحمولات على مصاديقها اى الصغريات فى الخارج فلا حاجة الى موضوع للعلوم حتى يبحث فيها عن عوارضه- الذاتية نعم فى العلوم العقلية التى تنتزع العوارض عن صميم الذات كعلمى الحساب و الهندسة يكون لموضوعات مسائلها جامع بسيط هو المعروض بالاستقلال للمحمولات فهى عوارض ذاتية لذاك الجامع و هو موضوع العلم فيصح تعريفه بانه ما يبحث فى العلم عن عوارضه الذاتية.

و انت خبير بفساد كلا الوجهين (اما الاول) فلان معنى التاثير العلّى كون الاثر رشحا للمؤثر ينوجد بوجوده و ينعدم بعدمه نعم لو كان لشي‏ء آخر ايضا دخل فى انوجاده لكان علة ناقصة يتوقف وجود الاثر على سدّ باب العدم من ناحية ذلك الشي‏ء كما هو الشأن فى جميع الاسباب غير المنحصرة و الحاصل ان مؤثريّة شي‏ء فى آخر يكفى لها توقفه عليه و لو فى الجملة و دخله فى وجوده و لو من ناحية فالقواعد سواء لم نقل بوجود لها وراء صقع النفس ام قلنا بتقررها فى وعاء مناسب معها لها تأثير فى الغرض على نحو العلة الناقصة لان الغرض بمعناه المصدرى اعنى ايجاده فى الخارج لا يكفى فى ترتبه مجرد ارادة العامل اذ لا يحصل بارادة الجاهل بتلك القواعد و لذا توهم كون العلم بالقواعد مؤثرا فيه فالارادة من مبادى حصول كل فعل لا المؤثر التام فيه و إلّا كان مجرد ارادة الانبعاث و

17

الانزجار من المكلف كافيا فى حصولهما و لم يصح استناد البعث و الزجر الى الامر و النهى كما ان مجرد العلم اى الانكشاف لا يكفى فى ذلك و إلّا لزم كون العلم بجملة من القواعد مؤثرا فى حصول الغرض من قواعد اخرى و السر فى ذلك ان العلم ليس له وجود استقلالى و انما هو طريق الى معرفة غيره فله وجود تعلقى و منه يعلم فساد توهم كون العلم بالقواعد مؤثرا فى حصول الغرض بل القواعد ايضا بما هى مع قطع النظر عن تعلق العلم بها غير مؤثرة و انما هى بوجوداتها العلمية مؤثرة فى ترتب الغرض بمعناه المصدرى و محركة لارادة العامل نحو استعمال تلك القواعد المستتبع لحصول الغرض فالمحصل للغرض حقيقة هى القواعد بوجوداتها العلمية لا نفس الارادة و لا مجرد العلم و اما ترتب الغرض بمعناه الاسم المصدرى اى- انطباق مصاديق القواعد معها خارجا فلا دخل له بما نحن فيه.

ثم انك قد عرفت عند الجواب عن مقال بعض المحققين (قده) لزوم جامع بين القواعد اى المحمولات يكون هو المؤثر فى الغرض و لزوم جامع بين موضوعات المسائل يقوم به ذاك الجامع و كشف ذلك انّا عن وجود موضوع العلم و ان لم نعرفه بشخصه و لم نقدر على الاشارة اليه بعنوان خاص و انه لذلك يصح تمايز العلوم بتمايز الاغراض لا لما توهم من اختلاف الاغراض بحقايقها و عدم جامع بينها لان قيود موضوعات العلوم كما عرفت امور واقعية قيدت الموضوعات بها لا بحيثيات اعتباريّة او انتزاعيّة و لذلك قد يغفل عن القيود فتشتبه موضوعات العلوم و يتوهم اتحادها و تداخل العلوم من جهته لكن بالتأمل فى ان الاغراض الباعثة لتدوين تلك العلوم تكون بوجوداتها التصورية متعددة متمايزة ينكشف تعدد موضوعاتها لمكان تساوى الاغراض معها فسعة الغرض و ضيقه كاشفة عن سعة الموضوع و ضيقه بل يمكن كشف العناوين الخاصة لموضوعات تلك العلوم من نفس الاغراض فلدى‏

18

اشتباه موضوع علم الصرف و النحو و المعانى مثلا من جهة انه فى الجميع بحسب الظاهر هو الكلمة و الكلام يقال ان ما يمكن كونه محصلا للغرض من علم النحو اعنى حفظ اللسان عن الخطأ فى المقال هو الكلمة المعربة و هكذا الكلام اذ ذاك الغرض لا يحصل من المادة المعراة عن الهيئة و لا من المتهيئة الخالية عن الاسناد فينكشف ان موضوع علم النحو مادة متهيئة منتسبة بها يحصل الغرض فى مقام الاعمال بلا زيادة و لا نقصان و يعبر عنها تارة بالكلمة المعربة او المبنية و أخرى بالكلام المعرب او المبنى و هكذا فى سائر العلوم (و بالجملة) فالجهة الجامعة بين موضوعات المسائل و محمولاتها المحصلة للغرض هى موضوع العلم و اختلاف المسائل انما هو باختلاف الخصوصيات الفردية الطارية على ذاك الجامع الوحدانى فى كل مسئلة و إلّا فالموضوع فى جميع المسائل حقيقة هو الجامع و الخصوصيات وسائط فى ثبوت المحمولات على موضوعاتها و لذا تكون المحمولات من العوارض الذاتية لموضوع العلم فلنعم ما قال صاحب الكفاية (قده) من انه ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح ان يعبر عنه بكل ما دل عليه بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته اصلا و ان موضوعات المسائل متحدة مع موضوع العلم خارجا متغايرة مفهوما تغاير الكلى و مصاديقه و الطبيعى و افراده انتهى.

و من ذلك ظهر عدم تداخل شي‏ء من العلوم فى شي‏ء من المسائل اذ موضوعها نفس موضوع العلم السارى فى جميع مسائله المساوى للغرض الحاصل منها فتمايز موضوعات مسائل العلوم يحصل بنفس تمايز اغراضها و إلّا لزم محذور تعدد الاغراض حسب تعدد المسائل فى كل علم كما ان تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها و محمولاتها بلا استلزام صيرورة كل باب بل كل مسئلة من كل علم علما على حدة انما يصح لاجل ان الموضوعات و المحمولات‏

19

بلحاظ الجامع مساوية مع الاغراض الحاصلة منها فتعدد العلوم و تمايزها من جهة الاغراض هو تعددها و تمايزها من جهة الموضوعات و المحمولات و بالعكس و إلّا لم تكن الموضوعات و المحمولات مؤثرة فى تلك الاغراض و لا هى آثارا لها حاصلة منها مضافا الى أنّا لم نجد فى الخارج ما يكون موضوعا لمسألتين فى علم واحد او فى علمين او لعلمين و ما يتراءى من ذلك نظير بدن الانسان الموضوع لعلمى الطب و التشريح او الوجود لعلمى الحكمة و الكلام فانما هو لاجل غفلة عامة الناس عن بعض الحيثيات التقييدية الذاتية و القيود الواقعية للموضوع و إلّا فيستكشف التغاير بالدقة و الاطلاع على حذف قيد او حيثية او زيادته فى النظر البدوى الذى أوجب توهم التداخل فالبدن بلحاظ اجزائه المختلفة و بلحاظ حقيقة كل جزء يكون موضوعا لعلم التشريح و بلحاظ جهازاته و هيئة اجتماعه الذى يفسده بعض الاشياء و يصلحه الآخر يكون موضوعا للطب و الوجود بمعناه الاسم المصدرى مع قطع النظر عن صدوره من الله يكون موضوعا للحكمة اى لمعرفة حقيقة الاشياء و بمعناه المصدرى اى لحاظ صدوره عنه تعالى يكون موضوعا للكلام اى لمعرفة صانع الاشياء و هكذا و لهذا القائل فى تعريف العرض الذاتى كلام يعلم ما فيه بمراجعة ما قدمناه.

و اما الوجه الثانى فلانه لا حاجة الى الجامع الصورى بل لا معنى له كيف و لا يتصور ذلك فى مورد و إلّا لزم اتحاد المتباينات فيما به حصل التباين بينها و انما الجامع ما يشترك فيه امور متباينة بجهة من الجهات و لذا نقول بوجود الجامع بين الفعل و الترك من الجهة التى بها صح استناد الصدور و اللاصدور الى الفاعل فالذى يطالب بالخطاب و يسند الى المكلف فى الصوم و الصلاة هو الجامع بينهما على فرض تسليم ان يكون الصوم عدميا (فتلخص) مما ذكرنا ان وجود الموضوع للعلوم مما لا بد منه‏

20

و ان تمايز العلوم كما يكون بتمايز موضوعاتها و محمولاتها كذلك يكون بتمايز اغراضها و المناط فى الجميع واحد هو وجود المساواة بين الاغراض مع الموضوعات و المحمولات من جهة تأثير قضايا العلوم موضوعا و محمولا فى الاغراض على نحو العلّى و المعلولى.

و العجب من بعض المحققين (قده) فانه اعترف بكون تمايز العلوم بتمايز الاغراض لكنه انكر توقف ذلك على وجود موضوع للعلوم بدعوى ان وحدة الغرض لا تكشف عن وحدة فى موضوعات قضايا العلوم و محمولاتها ليكون ذاك الجامع الوحدانى موضوعا للعلم بل الغرض انما يترتب على الموضوعات و المحمولات بما هى متشتتة متعددة اذ ليس لها تأثير علّى فى الغرض كى تشمله قاعدة امتناع صدور الواحد عن الكثير و توجب اعتبار السنخية بين الاثر و المؤثر و هو الجامع فيما نحن فيه و إنّما المؤثر فى حصول الغرض ارادة العامل قواعد العلم كما هو الشأن فى كل فعل اختيارى لان ايجاد الغرض فعل اختيارى للعامل نعم علمه بتلك القواعد شرط لتأثير ارادته فى حصول الغرض لكن لا سنخية بين الشرط و مشروطه كما فى مماسة النار مع جسم خارجى التى هى شرط لتأثير النار فى الاحراق كما أن تأثير الموضوعات فى المحمولات تأثير ذى الغاية فى الغاية اذ الاحكام الشرعية التى هى محمولات مسائل الفقه من الوجوب و الحرمة و غيرهما انما هى غايات مترتبة على موضوعاتها من الصلاة و الغصب و غيرهما فلا يعتبر السنخية بينهما كى يكشف عن وجود الجامع و لو سلم تأثيرها العلّى فلا يكشف عن وجود الجامع فى المقام لاختصاص القاعدة بمورد يكون الاثر و المؤثر من الامور التكوينية كما فى العلوم العقلية فلا تجرى فى العلوم الجعلية التى عرفت ان محمولاتها امور اعتبارية و موضوعاتها عناوين انتزاعية بل لو سلم وجود الموضوع فى العلوم الجعلية فلا يجدى شيئا

21

لان فائدة وجود الموضوع للعلم زيادة بصيرة الطالب من معرفته و ما ليس له عنوان خاص و اسم مخصوص لا يوجب زيادة البصيرة.

اذ يتوجه عليه (اولا) ان قاعدة امتناع صدور الواحد عن الكثير جارية فى التكوينيات و الاعتباريات معا أمّا في التكوينيات فواضح ضرورة لزوم السنخية بين العلل و المعاليل التكوينية بالطبع و إلّا لزم صدور المباين عن المباين بل صدور الشي‏ء عن اللاشي‏ء المستلزم لاجتماع النقيضين و أمّا فى الاعتباريات فللزوم السنخية فى عالم الجعل و الاعتبار لدى العقلاء فى مجعولاتهم و اعتبارياتهم حيث لا يعتبرون كل شي‏ء فى كل شي‏ء حفظا لا تساق النظام اذ الاعتباريات ايضا موجودة فى الخارج قائمة بمحالها فمناط القاعدة و هو امتناع صدور كل شي‏ء عن كل شي‏ء موجود فى المقامين غاية الامر انه فى التكوينية لاستلزامه اجتماع النقيضين و فى الاعتبارية لاستلزامه عدم اتساق النظام و لو سلم عدم جريان القاعدة فى الاعتبارية فملاحظة وقوع السنخية بينها خارجا حيث ان العقلاء لا يعتبرون شيئا فى مباينة و غير مسانخه كاشفة عن وجود الجامع فيها و استناد التأثير اليه (و ثانيا) انك عرفت ان تأثير قضايا العلوم فى الاغراض انما هو على النحو العلّى و المعلولى و ان القواعد بوجوداتها العلمية مؤثرة محركة لارادة العامل و ان المحصل للغرض حقيقة وجود الجامع الذى هو موضوع العلم فهو ضرورى الوجود فى العلوم و لا غرو بعدم تعنونه احيانا بعنوان و عدم تسميته باسم بعد استكشاف اصل وجوده بالبرهان كيف و قد ادعى ابن سينا ان العلم بالفصل الحقيقى منحصر بعلام الغيوب و لم ينكشف لغيره و ان ما يعبرون به عن الفصل عناوين مشيرة اليه مع ان الموضوع فى العلوم العقلية هو الوجود و الموجود و اصل وجود ذلك الفصل مبرهن فكيف بالعلوم الجعلية الاختراعية سيما علم الاصول الذى توسعت دائرته تدريجا حسب‏

22

توسعة الافكار تسهيلا للاستنباط فلا بأس بعدم امكان الاشارة الى موضوعه بعد ضرورية اصل وجوده كما عرفت فالقضايا بوحدتها النوعية مؤثرة فى الغرض لا بوحدتها الشخصية و إلّا لزم صدور الواحد عن الكثير مضافا الى ان باب التسمية واسع و ان اللازم لطالب العلم معرفة الموضوع اجمالا و ذلك كاف فيه بل لا يتمكن من معرفته تفصيلا قبل الاطلاع على تفاصيل القواعد (فتحصل) انه صح ان يقال ان موضوع علم الاصول هو الكلى المنطبق على موضوعات مسائله الواقع فى طريق الاستنباط و لا يمكن التعبير عنه بعنوان خاص و اسم مخصوص، و ان جاز التعبير عنه بما سيأتى منا.

[استشكال صاحب الكفاية قده على جعل القدماء موضوع علم الاصول الادلة الاربعة]

و لاجل ذلك استشكل صاحب الكفاية (قده) فى تعبير القدماء عن موضوع علم الاصول بالادلة الاربعة بأن لازم ذلك خروج مباحث مهمة من الاصول عن العلم و كونها استطرادية فيه لان البحث فيها ليس عن عوارض ذاتية للادلة لا بذواتها مع قطع النظر عن كونها معروضة للحجية و لا بما هى ادلة معروضة لوصف الحجية مع انه لا وجه للالتزام بالاستطراد فى المهمات (بيان الملازمة) ان السنة مثلا لا تخلو (اما ان يراد بها) نفس قول المعصوم (ع) او فعله او تقريره من غير ان يكون لحاكوية قول الرواة عنها دخل فى ذلك (و عليه) فعمدة مباحث التعادل و التراجيح بل و مسئلة حجية الخبر الواحد و كذا مسئلة اجتماع الامر و النهى لا تكون من عوارضها بل فى الاولين تكون من عوارض نفس الحواكى و فى الاخير تكون من عوارض مجمعها و دعوى ان الاول يرجع الى البحث عن ثبوت اى الخبرين الراجع فى الحقيقة الى البحث عن حجية الخبر و الثانى يرجع الى البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد مدفوعة بان ذلك لا يجعله بحثا عن عوارض السنة بهذا المعنى اذ البحث حينئذ عن‏

23

ثبوت الموضوع الذى هو مفاد كان التامة مع ان البحث عن عوارض الشي‏ء بحث عما هو مفاد كان الناقصة (فان قلت) البحث عن الثبوت الواقعى للسنة و ان كان بحثا عن مفاد كان التامة لكن المهمّ فى هذه المباحث هو البحث عن ثبوتها التعبدى اى ثبوت حكم السنة المحكية بالخبر (و هو وجوب العمل على طبقها) للحاكى صادف الواقع ام لا و لا ريب ان هذا مفاد كان الناقصة (قلت) الثبوت التعبدى على هذا من عوارض الحاكى دون المحكى كما لا يخفى (و اما ان يراد بها) ما يعم الحاكى (و عليه) فالبحث فى جل المسائل كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها يكون عن عوارض غريبة للسنة بهذا المعنى لانها تعرض او امر الكتاب و السنة و نواهيهما بواسطة امر اعم هو مطلق الامر و النهى المتوجه الى الدانى من العالى فالمعروض فى الحقيقة هو المطلق لا خصوص الادلة.

(و ربما زاد) بعضهم لتسجيل اشكال صاحب الكفاية على الشق الثانى ان السنّة لو اريد بها ما يعم الحكاية الراجع الى كون الموضوع السنة المحكية لدخل الحاكوية فيه لكان البحث عن حجية الخبر من المبادى التصورية للعلم التى لا بد من معرفتها فى تصور الموضوع فالبحث عنها فى نفس العلم لغو و تحصيل للحاصل مضافا الى ان الحجية على هذا عارضة للسنة بواسطة امر مباين هو الحاكى فتكون غريبة عنه فلا بد من كون الموضوع امرا وسيعا و ان لم يكن له عنوان خاص (و لكن) يدفعه ان دخل الحاكوية فى الموضوع ملازم لكون الحيثية تقييدية و معه كيف يمكن كون الحاكى مباينا واسطة فى عروض الحجية للسنة اذ الحيثية على هذا تكون تعليلية مضافا الى ما عرفت سابقا من ان العارض بسبب مباين واسطة فى الثبوت ليس غريبا و الى ان السنة ليست معروضة للحجية العارضة للحواكى ابدا ضرورة ان عروض الحجية للسنة بعد ثبوت اصلها عقلى لا يحتاج الى اثباتها

24

بالتعبد اذ هو كحجية القطع لا تناله يد الجعل نفيا و اثباتا نعم تصدى بعض المحققين (قده) لتصحيح تعبير القدماء بادراج البحث عن حجية الخبر و عن التعادل و الترجيح فى علم الاصول بتصوير كونه من عوارض نفس السنة سواء اريد من ثبوتها مفاد كان التامة ام الناقصة اما بمفاد كان التامة فلان البحث تارة عن اثبات السنة بالخبر و اخرى عن ثبوتها الواقعى فالخبر وسط ثبوتا أو اثباتا و مرجع الاول الى البحث عن كاشفية الخبر عن السنة و عدمها و لا شك انه من عوارض السنة بعد الفراغ عن ثبوت نفسها و الثانى بحث عن علة ثبوتها الواقعى فهو بحث عن عوارض الوجود كما ان البحث فى الفلسفة العليا عن علة الوجود الذى هو مفاد كان التامة اى عن استناد الوجود الظلى الامكانى الى الحقيقى الوجوبى بحث عن عوارض الوجود و هذا التصوير و ان كان ممكنا يندفع به اشكال خروج البحث عن الثبوت الواقعى عن المسائل لكنه غير معقول خارجا لان الخبر يحتمل الصدق و الكذب فلا يمكن كشفه عن الوجود الواقعى بل لا بد له من كون الطريقية حتمية مضافا إلى ان الخبر ليس علة ثبوت السنة واقعا بل العلة جعل الشارع و اما بمفاد كان الناقصة فلان الثبوت التعبدى و هو جعل حكم ظاهرى مماثل اى تطبيق العمل مع الخبر الحاكى عن السنة انما هو من مراتب وجود السنة لانه وجود تنزيلى لها فى طول وجودها التحقيقى فله مساس بالسنة و البحث عنه بحث عن عوارضها ايضا لا عن عوارض نفس الحاكى فقط لان نفس الحكم و هو تطبيق العمل على الخبر فى حد ذاته وجود تحقيقى لا تعبدى فهو من مراتب وجود السنة نعم بناء على جعل المنجزية فى باب الحجية لا الحكم المماثل فالتنجز بحسب الظاهر من عوارض نفس الخبر دون السنة فاشكال عروض المنجزية للموضوع اى السنة الواقعية بواسطة الخبر يجرى و جوابه ان جعل الخبر منجزا يلازم‏

25

جعل السنة منجزة فلها مساس بالسنة ايضا و تكون وجودا تنزيليا لها فالبحث عنه يكون من مسائل العلم.

و لكنه (قده) سجل استطرادية مباحث الالفاظ بناء على كون الموضوع الادلة بدعوى ان الادلة سواء اعتبرت بذواتها ام بوصف الدليلية لا تخلو إمّا أن تكون مع فرض اطلاق الموضوع فى المسائل اعنى مطلق اللفظ و عليه فلازم اشتمال موضوع العلم على موضوعات المسائل ادخال الاعم فى الاخص و هو مستهجن و اما ان تكون مع تخصيص الاعم فى موضوعات المسائل بحيثية الورود فى الكتاب و السنة و عليه يندفع اشكال اندراج الاعم فى الاخص لكن تكون العوارض غريبة عن موضوعات المسائل حيث تعرض بواسطة الاعم و هو مطلق اللفظ لا يقال قد سلف ان العارض بواسطة الاعم و ان كان غريبا بالدقة العقلية لكنه ذاتى بالمسامحة العرفية من غير تجوز فانه يقال ذلك مخصوص بموضوع العلم و لا يجرى فى موضوعات المسائل عقلا و اما ان يعتبر الموضوع أمرا وسيعا شاملا لموضوعات المسائل و غيرها و عليه لا يلزم شي‏ء مما ذكر لكن لازم اشتمال الموضوع على موضوعات المسائل ادخال الاخص فى الاعم و كون الغرض اخص و هو كما ترى نعم ما اسلفناه من عدم الالتزام بوجود جامع يكون موضوعا للعلم يندفع به الا و لان من المحاذير الثلاثة دون الاخير.

و انت خبير بما فى هذا التصحيح من مواقع النظر (احدها) قياس الاعتباريات و احكامها كالاصول و سائر العلوم الجعلية بالتكوينيات كالفلسفة و تصوير امر غير واقع ثم انكاره (فانه) قياس مع الفارق و تكلف زائد (ثانيها) الاشكال باحتمال الصدق و الكذب فى الخبر (اذ) فى باب الحجية سواء كان المجعول حكما مماثلا ام تنزيل المؤدى منزلة الواقع ام تتميم الكشف ام لم يكن هناك جعل بل كان الارشاد الى الطريقية كما هو

26

الحق (يكون) المطلوب اثبات الخبر للواقع تعبدا او كونه طريقا اليه و بديهى ان احتمال الكذب فى الخبر لا ربط له بذلك طبعا اذ ينسد باب الاحتمال بكون المخبر ثقة (ثالثها) جعل الثبوت التعبدى من مراتب وجود السنة (إذ) مع عدم العلم بالوجود الواقعى للسنة كما هو لازم جعل الطريق و كونه لدى المصادفة مع الواقع هو هو لا شي‏ء ورائه و لدى عدم المصادفة عذرا فليس للسنة وجود تحقيقى كى يكون الخبر وجودا تنزيليّا فى طوله و مع العلم بوجودها الواقعى لا حاجة الى جعل طريق اليه نعم يبقى حينئذ اشكال صاحب الكفاية (قده) من أن الثبوت التعبدى عرض للحاكى دون المحكى (رابعها) تسجيل استطرادية مباحث الالفاظ (اذ) قد لا يتعلق الغرض النوعى بالبحث عن عوارض الاعم فى علم على حدة يدوّن لذلك كى يغنى عن البحث عنها فى ضمن علم آخر و ذلك نظير مطلق الامر و النهى اذ لم يتعلق لغير الاصولى غرض بالبحث عن عوارضهما كى يدون له علم على حدة و يستغنى بذلك عن البحث عنها فى الاصول فمست الحاجة الى البحث عنها فى الاصول حتى يعرف منه عوارض الاوامر و النواهى الموجودة فى الكتاب و السنة و ذلك بمجرده لا يجعل البحث عنها استطراديا و لا يوجب كون العوارض غريبة عن الموجودة فى الكتاب و السنة بعد ما كان مصب العروض حقيقة فى اوامرهما و نواهيهما ذات الامر و النهى بلا دخل خصوصية كونهما فى الكتاب و السنة فى العروض بل هى كما اسلفناه واسطة لثبوت عوارض المطلق على افراده.

فالصواب فى الجواب عن استشكال صاحب الكفاية (قده) فى تعبير القدماء عن موضوع علم الاصول بالادلة الاربعة ان يقال بانا نختار الشق الثانى و هو ان يراد بالسنة ما يعم الحاكى و نجيب عن كون مباحث الالفاظ و نحوها عوارض غريبة للسنة و كونها لذلك استطرادية فى الاصول‏

27

بما عرفت آنفا من ان مصب العروض حقيقة ذات الامر و النهى و خصوصية (1) كونهما فى الكتاب و السنة واسطة فى الثبوت دون العروض و قد اسلفناه ان مثل هذا العرض ذاتى للموضوع و ليس بغريب و من ان تلك المباحث لما لم تذكر فى علم على حدة فهى مباحث اصلية للاصول تعلق بالبحث عنها غرض الاصلى للاصولى فليست استطرادية ابدا (و عليه) فالحق ان موضوع علم الاصول ذوات الادلة الاربعة لا الجامع بينها و لا بما هى ادلة و لا يرد كون بعض الاعراض غريبة لما قلنا من ان مصب عروضها نفس ما فى الكتاب و السنة فلا تغفل و يستنتج من ذلك كله أنّ موضوع علم الاصول له عنوان خاص و اسم مخصوص و يكون جل الاشكالات المتقدمة عن بعض المحققين و غيره على ذلك من السلب بانتفاء الموضوع فتدبر جيدا نعم لبعض الاعاظم (ره) ايراد على جعل الموضوع امرا وسيعا شاملا لموضوعات المسائل و غيرها منشؤه ما تقدم منه فى تعريف الموضوع من جعل الموضوعات عناوين مشيرة الى الذوات فيندفع بما اسلفناه هناك جوابا عن مقاله فراجع و تأمل.

نعم قد أيد صاحب الكفاية (ره) كون موضوع الاصول الكلى المنطبق على موضوعات المسائل بتعريف الاصول بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية بدعوى ان القواعد تعم مباحث الاصول فلا بد من موضوع عام تنطبق عليه و مع جعل الموضوع الادلة يخرج جل مباحث الاصول و يكون البحث عنه استطراديا ثم اختار ان تعريف العلم بانه صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن ان نفع فى طريق استنباط الاحكام‏

____________

(1)- بل التحقيق ان تلك الخصوصية ملغاة لعدم مدخليتها فى تلك العوارض فالبحث عن تلك الحصة اوجب تخصيصها فى الموضوعية بلا استيجاب لصيرورة العوارض بالنسبة اليها غريبة فتدبر فانه دقيق نافع.

28

أو التى ينتهى اليها فى مقام العمل يكون اولى من تعريف المشهور لوجوه احدها ان بعض العلوم لا يحصل الغرض منه بمجرد معرفة قواعده بل لا بد فيه من تحصيل الملكة بالممارسة و المزاولة كعلم الرياضى و الصّناعة فى الاصطلاح اسم لذلك و حيث ان علم الاصول من هذا القبيل فالاولى تبديل لفظ العلم بالصناعة.

ثالثها ما مرت الاشارة اليه من أن استنباط الحكم الشرعى غير ممكن من بعض قواعد الاصول كمسألة حجية الظن على تقرير الحكومة اذ مفادها حكم عقلى و كمسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية اذ مفادها نفس الحكم الشرعى لا ما يستنبط منه ذلك و زيادة قيد أو ينتهى توجب دخول تلك المسائل لان مفادها ما هو وظيفة المكلف فى مقام العمل ثانيها ان تعريف المشهور اما غير مطرد ان اريد من القواعد ما له دخل فى الاستنباط و لو غريبا حيث يشمل سائر ما له دخل فى الاستنباط من المبادى اللغوية و علم الرجال و غير ذلك و اما غير منعكس ان اريد من القواعد مقدماته الغريبة حيث يخرج مباحث الالفاظ التى يتوسط حجية الظهور فى الاستنباط منها مضافا الى عدم انحصار فائدة القواعد باستنباط الاحكام الشرعية اذ يستفاد منها احكام الموالى و العبيد الظاهرية ايضا مع ان الظاهر من اللّام كون الاستنباط غاية للقواعد فتبديل قيد التمهيد للاستنباط بقيد امكان الوقوع فى طريقه يدفع هذا الايراد.

بل زعم بعض الاعاظم (ره) ان تعريف الاصول بانه: القواعد التى يمكن ان تقع فى طريق تعيين وظيفة المكلف فى مقام العمل: اولى من سائر التعاريف لانه سالم طردا و عكسا اذ الغرض من القواعد هو الاستنباط و لو بجعل القاعدة كبرى لقياس يستنتج منه الحكم الكلى و هو اما شرعى واقعى كمفاد الامارات بناء على ان المجعول فيها معاملة الواقع اى‏

29

تتميم الكشف و اما شرعى ظاهرى كمفاد الامارات بناء على ان المجعول تنزيل المؤدى اى الحكم المماثل و كذا مفاد الاستصحاب و سائر الاصول العملية الشرعية و اما عقلى كمفاد الاصول العملية العقلية اذ يقال ما دل على منجسية التغير خبر واحد و كل خبر واحد حجة فينتج ان منجسية التغير حجة فجميع القواعد متعلقة بافعال المكلفين فهى داخلة فى التعريف بخلاف ما اذا اخذ الاستنباط فى تعريفه اذ لازمه كون قواعد العلم وسائط فى الاثبات مع ان بعض المسائل كالاصول العملية و الامارات بناء على جعل الحكم المماثل مفادها نفس الحكم الكلى الشرعى او العقلى لا انه وسط فى اثبات الحكم الشرعى فتخرج الاصول العملية و لا يكون التعريف منعكسا و اما استفادة حكم الموارد الجزئية من مضامين الاصول العملية فهو من تطبيق الكلى على الموارد نظير هذا خمر و كل خمر يحرم شربه فهذا يحرم شربه و ليس من الاستنباط فى شي‏ء فلا ربط له بطولية الاحكام الشرعية عن الاصول العملية.

و لكنك خبير بفساد ذاك التأييد لما اسلفناه من عدم استطرادية شى‏ء من المباحث مع جعل الموضوع ذوات الادلة و بعدم اولوية لشي‏ء من هذه التعاريف و عدم خلوها عن محذور عدم الاطراد و الانعكاس (اما تبديل) التمهيد بالوقوع فى الطريق كما صنعه صاحب الكفاية و تبعه تلميذه بعض الاعاظم (قدهما) (فلما) اسلفناه من ان اللام فى الاستنباط غاية للتمهيد لا للعلم بالقواعد و اللام فى القواعد اشارة الى ما دون فى الاصول و معلوم ان التعريف على هذا مطرد و منعكس و ان الغرض من التمهيد منحصر فى الاستنباط و بذلك يندفع ثانى وجوه اولوية تعريف صاحب الكفاية الذى جعله اشكالا على تعريف المشهور ايضا و إلّا فمحذور عدم الطرد و العكس بحاله مع التبديل لان ما يمكن وقوعه فى الطريق من القواعد ان اريد به‏

30

المقدمات الغريبة شمل كل ما له دخل فى الاستنباط و فى تعيين الوظيفة من الفنون العربية و غيرها و ان اريد به المقدّمات القريبة خرج مباحث الالفاظ ضرورة توسط حجية الظهور فى الاستنباط و تعيين الوظيفة منها (و اما تبديل) الاستنباط بتعيين الوظيفة بان يجعل القاعدة كبرى لقياس يستنج منه الحكم الكلى كما صنعه بعض الاعاظم (قده) (فلان) وقوع قواعد الاصول و نتائج مسائله كبرى لقياس يستنتج منه الحكم الكلى الواقع كبرى فى مسئلة فقهية و المنطبق على موارده الجزئية كاف حسب اعترافه (قده) فى وسطية القواعد فى الاثبات و طولية الاحكام الكلية الفقهية لها بان يقال مثلا شرب التّتن مما لم يرد فيه بيان من الشارع و كلما كان كذلك فهو مرفوع عنه الإلزام فيستنتج الحكم الكلى الذى يقع محمولا لمسألة فقهية و ينطبق على موارده الجزئية و هو ان شرب التتن مرفوع عنه الالزام او يقال مثلا لبس الحرير مشكوك الحلية و الحرمة و كلما كان كذلك فهو محكوم بالحلية فيستنتج منه حكم كلى منطبق على الجزئيات فى مسئلة فقهية و هكذا و على ذلك فلا اشكال فى اخذ الاستنباط فى التعريف و إلّا لم يصح التعبير بالاستنتاج ايضا لانه عبارة اخرى عن الاستنباط فلا فرق بين ان يقال نتيجة المسألة الاصولية ما يمكن جعلها كبرى لقياس يستنتج منه الحكم و بين ان يقال يستنبط منه الحكم بل لو كان مفاد بعض المسائل نفس الحكم الشرعى او العقلى و لم يمكن وقوعه كبرى لقياس- الاستنباط لم يكن وجه للتعبير بالقواعد ايضا فى التعريف لان مضامين تلك المسائل نفس وظيفة المكلف و الحكم المتعلق بفعله لا القواعد الواقعة فى طريق تعيين ذلك مضافا الى ان الاستنباط لو لم يمكن اخذه فى التعريف لم يصح جعله غرضا للاصول لان معرفة الغرض تستتبع تعريف العلم و بذلك يندفع اشكال خروج الاصول العملية عن تعريف المشهور

31

(و اما زيادة) قيد او ينتهى الخ: الذى هو ثالث وجوه اولوية تعريف صاحب الكفاية (قده) (فلان) اللام فى الاحكام للجنس فتشمل حتى الامضائية فضلا عن الواقعية و الظاهرية و مسئلة حجية الظن على الحكومة كسائر القواعد العقلية من قبيل الاول و مسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية من قبيل الاخير و قد تقدم ان وقوع جميع القواعد كبرى لقياس الاستنباط ممكن و ذلك كاف فى كونها وسطا فى الاثبات فهذا القيد غير محتاج اليه نعم اول وجوه اولوية تعريف صاحب الكفاية و هو تبديل لفظ العلم بالصناعة تمام لكن الاولوية غير ملزمة كما هو ظاهر كلامه (قده) ايضا ضرورة اطلاق العلم على ذلك حقيقة و لذا ترى بعض الاعاظم استشكل اولا فى اخذ لفظ العلم فى التعريف بدعوى لزوم اللغوية و التكرار من جهة ان العلم استعمل فى المقام فى القواعد ثم اعترف اخيرا بصحة اخذه من جهة اتحاد العلم و المعلوم (و العجب) ان صاحب الكفاية (قده) صرح فى غير مورد بان التعاريف حتى الواقعة من القوم فى العلوم كلها من قبيل شرح الاسم لا الحد الحقيقى فلا معنى للاشكال عليها بعدم الاطراد او الانعكاس اذ لا سبيل لنا الى معرفة حقايق الاشياء و مع ذلك استشكل على تعريف المشهور فى المقام بما تقدم و عدل عنه الى ما ذكر (فتلخص) ان تعريف المشهور للاصول بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية صحيح طردا و عكسا و لو بمعونة القرائن الداخلية و الخارجية و من هنا يظهر عدم الحاجة الى ما صنعه بعض المحققين (قده) من تبديل الاستنباط بتحصيل الحجة زاعما ان تعريف الاصول بانه ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعى اولى من سائر التعاريف حيث تبين عدم اولوية لهذا التعريف ايضا فتدبر جيدا.

الامر الثانى من المقدمة فى الوضع‏

و هو كما عليه المشهور

32

نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما حاصل اما من تخصيص اللفظ بالمعنى و يسمى بالوضع التعيينى و اما من كثرة استعمال اللفظ فى المعنى و يسمى بالوضع التعيّنى من غير ان تكون بين اللفظ و المعنى مناسبة ذاتية او لحاظ تعهد من الواضع بل و لا بين اللفظ و المستعمل بان يكون بنائه القلبى على جعل اللفظ فى مقابل المعنى دخيلا فى الوضع و هذا مما لا اشكال فيه انما الكلام فى نحو وجود العلقة الوضعية و انها من المقولات الواقعية اى العرضية التى لها مطابق فى الخارج او من الانتزاعيات التى لها منشأ صحيح فى العين اى حيثيات المقولات الواقعية عرضية أم جوهرية او من الاعتباريات (فنقول انها) ليست من المقولات الواقعية و لا من حيثياتها ضرورة احتياج هاتين الى وجود موضوع محقق فى الخارج لافتقار العرض الى محل يقوم به و ليس كذلك الوضع لان الربط انما هو بين طبيعى اللفظ و طبيعى المعنى لا المتشخص الموجود منهما فى الخارج و لذا لو لم يتلفظ احد بلفظ الماء مثلا و لم يوجد فى ذهنه مفهومه لما اخل بالارتباط الوضعى كيف و المقولات امور واقعية لا تختلف فيها الانظار و لا تتبدل بتبدل الاعتبار بخلاف الوضع فيختلف حسب اختلاف الآراء و اللغات و يتبدل حسب تبدل الاعتبار بين الطوائف بل المقولات اجناس عالية للماهيات لا تصدق خارجا الا بعد تحقق المهيات فى الخارج لتكون بحذاء المقولات و يصح وجودها او انتزاعها مع انه ليس بعد الوضع شي‏ء فى الخارج ينطبق معه مفهوم الاختصاص و يكون بحذائه فكيف يمكن جعله من المقولات نعم قد يتوهم كون منشأ انتزاعه صيغة وضعت فهو من الانتزاعيات الموجودة بوجود منشأ انتزاعها نظير انتزاع الملكية عن صيغة بعت فهى موجودة بالعقد او المعاطاة لكنه فاسد اذ شرط الانتزاع صحة حمل العنوان المنتزع على منشئه فيقال مثلا

33

السماء فوقنا و الكعبة أمامنا مع انه لا يصح حمل عنوان المختص او المربوط على صيغة وضعت كما لا يصح حمل عنوان المالك او المملوك على صيغة بعت اذ المختص هو اللفظ بالمعنى و المربوط احدهما بالآخر كما ان المالك ذات قامت به الملكية و المملوك ذات وقعت عليه الملكية فالانشاء ليس منشأ للانتزاع فى مورد سواء للوضع؟؟؟ ام الملك ام غيرهما.

(بل هى) من الاعتباريات التى موطنها اذهان عامة العرف فحقيقة الوضع (و هى العلاقة بين اللفظ و المعنى) امر اعتبارى حاصل بانشاء الواضع موجود فى ذهن العرف و ليس وعائه الخارج كما هو واضح بالوجدان و لا متن الواقع و نفس الامر اذ ليس لنا وراء الخارج و الذهن وعاء يسمى بذلك نعم يحتاج هذا الامر الاعتبارى فى بقائه الى تنفيذ العرف له بعطف اللحاظ اليه و استعمال اللفظ فى المعنى فما دام يلاحظه و يستعمل اللفظ فى معناه الموضوع له يكون باقيا ببقائه فلو قطع عنه اللحاظ فلم يستعمل اللفظ فى معناه حتى صار متروكا بل استعمله كثيرا فى غير ما وضع له بحيث اذا اطلق لم يتبادر منه المعنى الاولى لارتفعت تلك العلاقة و انتفى ذلك الاعتبار و هذا كما فى اللغات الدخيلة فان العرف لا يرى علاقة بينها و بين معانيها الاولية المتروكة و لذا لا ينتقل منها الى تلك المعانى بل الى المعانى الثانوية و ذلك هو الوجه فى صحة تعلق العلم و الجهل بالوضع (و بالجملة) فهذا الاعتبار يحتاج الى العلة حدوثا و بقاء اولا ينافى ذلك بقائه بعد فناء معتبره لما عرفت من ان وعائه ذهن العرف نعم لو لم يبق فى الخارج عرف لما كان لهذا الاعتبار ايضا وجود ثم انك عرفت ان هذا الاعتبار كما يحصل بالانشاء و يسمى بالوضع التعيينى كذلك بكثرة الاستعمال و يسمى بالوضع التعيّنى فاذا استعمل لفظ فى غير معناه الحقيقى كثيرا يحصل بينهما ارتباط لدى العرف من ممارسته فينتقل من اللفظ

34

الى ذلك المعنى دون معناه الاولى و هذا القسم ايضا يحتاج فى بقائه الى تنفيذ العرف بالمعنى المتقدم و بهذا الاعتبار يصح تسميته بالوضع ففى الاول يكون الوضع بمعناه المصدرى و فى الثانى بمعناه الاسم المصدرى و على التقديرين يحتاج فى بقائه الى العلة و هى عطف اللحاظ اليه و حفظ ذلك الاعتبار باللحاظ و الاستعمال (فمراد) بعض المحققين (قده) من نفى الجامع بين القسمين و انهما يشتركان فى نتيجة الامر بلا احتياج الى اعتبار اهل المحاورة على حد اعتبار الواضع لانه لغو بعد حصول النتيجة (ان كان) نفى الحاجة الى العلة حتى فى البقاء من قبل اعتبار العرف و لحاظه بالنحو المتقدم كما هو ظاهر سياق كلامه فقد عرفت فساده (و ان كان) ما ذكرنا من عدم الحاجة فى الوضع التعيّنى الى العلة حدوثا بعد حصول الارتباط بين اللفظ و المعنى بسبب كثرة الاستعمال و الممارسة بان يحدث اهل المحاورة الارتباط و العلاقة بينهما ثانيا و من اشتراك التعيّنى مع التعيينى فى الاحتياج الى العلة بقاء فهو صحيح لا محيص له عنه.

و لقد أجاد بعض المحققين (قده) فى بيان كون الوضع اعتباريا لا من المقولات او حيثياتها بما يقرب مما ذكرنا إلّا انه (قده) انكر كونه من الاعتباريات الذهنية التى موطنها الذهن بدعوى ان هذا النحو من الاعتبارى مقترن بالتشخصات الذهنية اذ الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد مع ان الاختصاص فى الوضع ليس كذلك لان معروضه نفس الطبيعى (بلا لحاظ) تشخص و إلّا لم يكن طبيعيا لا ذهنا كما فى نفس الكلية و الجزئية و النوعية و الجنسية و لا خارجا كما فى المقولات العرضية (بل) بما هو هو مع قطع النظر عن تشخص ما بحيث تكون تخليته اى تجريده اقترانه و اختار كونه من الاعتبارات العنوانية بأن يعتبره الواضع فيوجد بذلك فقال بأن الاختصاص و الملكية و نحوهما من الاضافات العنوانية و العناوين الاعتبارية توجد بنفس اعتبارها

35

و تقوم بمعتبرها الى الشارع او العرف او طائفة خاصة و انكر ان يكون للاعتبارات وجود فى الخارج وراء نفس المعتبر و طرفى الاعتبار فقال بأن نفس الاعتبار وجود واقعى قائم بالمعتبر و ان العناوين المعتبرة باقية على مفهوميتها و طبيعيتها فمعنى وجودها وقوعها طرفا لاعتبار المعتبر و لذا يشترك اللفظ مع سائر الدوال فى جامع الانتقال منه الى غيره حيث ينتقل من سماع اللفظ الى معناه كما ينتقل من رؤية العلامة الى ذيها و يفترق معها فى ان وضع اللفظ اعتبارى ليس له مطابق بخلاف وضع العلامة فانه أمر حقيقى و له مطابق كما انه (قده) قسم المجعول بالاعتبار الى نوعين احدهما ما يوجد مباشرة و تسبيبا معا كايجاد الملكية فانه فعل مباشرى للشارع و تسبيبى للمتعاقدين بسبب الايجاب و القبول ثانيهما ما لا يوجد إلّا مباشرة كاعتبار الاختصاص بين اللفظ و المعنى فانه فعل مباشرى للواضع بلا تسبب له بواسطة صيغة وضعت كما هو واضح و لا حاجة فى وجوده الى ازيد من قيام الاعتبار بالواضع.

و انت خبير بما فى مقالية اما انكار ان يكون للاعتبار بعد صدوره عن المعتبر وجود فى وعاء مناسب معه فلان الايجاد و الوجود فى مثله متحدان خارجا كاتحاد الانشاء مع المنشأ خارجا و التفاوت انما هو بالاعتبار اى لحاظ جهة الصدور تارة و عدمه اخرى على ما حققناه فى محله فتحقق وجود الاعتبار انما هو بنفس ايجاده بلا فصل بينهما اصلا فهو بعد صدوره عن المعتبر موجود فى وعاء مناسب معه و هو ذهن العرف كما عرفت و كون طرفى هذا الاعتبار طبيعى اللفظ و طبيعى المعنى لا ينافى مع تشخص نفسه بالوجود الذهنى و توطنه فى ذهن عامة العرف فلا موجب لكونه من الاعتبارات العنوانية و اما فرقه بين الايجاد المباشرى مع التسبيبي و تنويع الاعتبار اليهما فلان الصيغة من حيث هى لا دخل لها فى تحقق الاعتبار

36

فى الخارج و إلّا لم يكن وجه لاعتبار قصد الانشاء فالعمدة فى ايجاد الاعتبار و تحققه من المتعاقدين نفس الانشاء و لا فرق من هذه الجهة بين الشارع و العاقد ضرورة تحقق الاعتبار بانشاء كل منهما و لو بدون استعمال صيغة كما فى المعاطاة بل ليس للشارع اعتبار و جعل جديد فى المعاملات بعد تداول هذه الاعتبارات بين العرف قبل الشرع ايضا و عدم ردع الشارع عنها ليس إمضاء منه كى يصير اعتبارا ثانيا يستقل به الشرع اذ ذلك أعم منه بل ردع بعض المصاديق انما هو من جهة تخطئة العرف فى اختياره ذلك مصداقا مع انه خال عن الملاك فلا يلازم الجعل كما انه فى ترتيب الآثار على اعتبار لا حاجة الى صدوره عن نافذ الاعتبار او تنفيذه له بل يكفى من غيره ايضا اذا تابعة العرف و تداول بينهم لحاجة دعتهم الى ذلك (و بالجملة) فايجاد الاعتبار انما هو مباشرى ابدا صدر من أىّ شخص.

و مما ذكرنا يظهر بعض وجوه الاشكال فى مقال بعض الاعاظم (ره) حيث انه فرق بين اللفظ مع سائر الدوال كالنّصب و العلامات بدعوى وجود الاثنينية فيها بين الدال و المدلول حقيقة اذ ينتقل من رؤية العلامة الى ذيها مع استقلال كل بلحاظ بخلاف اللفظ و المعنى فينتقل من سماع الاول الى تصور الثانى من غير التفات الى الاثنينية بينهما كما ليست بين المرأة و المرئى بل لحاظ اللفظ هو لحاظ المعنى فهو فإن فى المعنى فناء العنوان فى معنونه و المرآة فى المرئى لحاظا كما يشهد به الذوق السليم و الوجدان المستقيم نعم الملازمة فى المقام جعلية و فى المثال ذاتية فاللفظ قالب للمعنى و نحو وجود له و لذا يسرى حسن المعانى و قبحها الى الالفاظ كما يسرى تعقيد الالفاظ الى المعانى ثم التزم بان العلقة الوضعية وعائها نفس الامر و متن الواقع و انها وسط بين الوجودات الحقيقية غير المحتاجة فى الوجود الى الجعل و الاعتبار لا حدوثا

37

و لا بقاء كالجواهر و الاعراض و بين الاعتبارات المحضة المحتاجة الى ذلك حدوثا و بقاء بحيث تنعدم بانقطاع الاعتبار و هى تارة ذهنية و اخرى خارجية بتبع طرفيها كالمفاهيم التحليلية من الاجناس و الفصول و الوجودات الادعائية الخيالية كأنياب الاغوال اذ الملازمة الوضعية كسائر العلوم- الجعلية و القوانين المخترعة تحتاج الى الجعل و الاعتبار حدوثا لا بقاء لانها بعد الجعل متحققة فى نفس الامر و متن الواقع وجد فى الخارج من يعلم بها ام لا فهى فى نحو الوجود وسط بين القسمين و تكون ذهنية تارة و خارجية أخرى و لا ينافى نفس الامريتها كونها مجعولة و يرشدك الى ذلك تعلق العلم و الجهل بها ثم اختار ان اطلاق الوضع على تلك العلقة يكون بالعناية لاجل المشابهة مع وضع شي‏ء على شي‏ء فى الخارج كوضع العلامة على رأس الفرسخ فهو اطلاق تنزيلى ادعائى و مجرد مناسبة معنى الوضع لغة مع الاعتبار لا تكشف عن كون العلقة امرا قائما بالمعبر كما قد يتوهم ثم انه (قده) نقل كلام صاحب تشريح الاصول من كون الوضع عبارة عن تعهد الواضع على ذكر اللفظ عند لحاظ المعنى او مع ارادة تفهيمه و احتمل فيه وجوها منها جعل الملازمة بين اللفظ و المعنى و منها غير ذلك من المحتملات التى استحسن بعضها و استشكل على بعض آخر.

اما فرقه بين اللفظ و سائر الدوال ففيه ان الاثنينية مشاهدة بالوجدان- بين اللفظ و المعنى ايضا بعين ما فى الاشارة و النّصب و العلامات و غيرها من الدوالّ بلا فرق بينهما من هذه الجهة اصلا و اما الانتقال الى لوازم المعنى من الحسن و القبح بمجرد سماع اللفظ فانما هو للانتقال الى مدلوله لا لاجل سرايتها الى اللفظ فهى لوازم نفس المعنى بوجوده الذهنى الحاصل فى النفس عند سماع اللفظ كما انه ينتقل من رؤية

38

العلامات المنصوبة للفرح او الحزن الى ذيها و ذلك الانتقال يوجب الفرح فى الاول و الحزن فى الثانى للملازمة بين هذه الآثار مع الوجود الذهنى الحاصل من ذى العلامة فى النفس عند رؤية العلامة و كما لا يوجب هذا الانتقال اتحاد الدال و المدلول فى النّصب و العلامات بحيث لا يلتفت الى الاثنينية بينهما و لا سراية آثار المدلول الى الدال او العكس فليكن كذلك فى اللفظ بالنسبة الى المعنى (و بالجملة) فالفرق بين اللفظ و المعنى و سائر الدوال مما لا يرجع الى محصل و لا يساعد عليه البرهان القويم كما يشهد عليه الذوق السليم و الوجدان المستقيم و اما جعل وعاء العلقة الوضعية نفس الامر و متن الواقع ففيه ما عرفت من انه ليس لنا وراء الخارج و الذهن وعاء يسمى بذلك و اما جعل العلقة فى نحو الوجود وسطا بين الوجودات التكوينية و الاعتبارية من جهة الاحتياج الى الجعل و الاعتبار حدوثا لا بقاء ففيه ان الوجود الواحد سنخا لا يمكن ان يفتقر الى العلة فى طرف و يستغنى عنها فى طرف آخر اذ مرجع ذلك الى عدم السنخية بين العلة و المعلول المستلزم لصدور الشي‏ء عن المباين بل عن اللاشي‏ء فلا بد و ان يستند الى العلة ابدا و قد عرفت ان العلة فى طرف البقاء كالحدوث هو الاعتبار غاية الامر فى طرف الحدوث اعتبار الجاعل و فى طرف البقاء اعتبار العرف و ذلك لا يخرجه عن اتحاد العلة سنخا بعد كونها فى الطرفين نفس الاعتبار و اما المفاهيم التحليلية كالاجناس و الفصول و الوجودات الفرضية كأنياب الاغوال فليست من الاعتباريات فى شي‏ء بل الاول عبارة عن لحاظ الوجودات التكوينية فى عالم الذهن كما ينتزع من امر بسيط مفاهيم متعددة متقررة فى وعاء الذهن كالصفات المتعددة المنتزعة عن ذات الواجب تعالى و الثّانى عبارة عن مخلوقات النفس فى وعاء الذهن (و بالجملة) فتصور الوجود الخارجى‏

39

فى الذهن و خلق المفاهيم الفرضية فيه غير انشاء الامر الاعتبارى كما هو واضح و اما جعل اطلاق الوضع على الملازمة تنزيليا ففيه ان الاطلاق فى جميع الموارد من النّصب و العلامات و الاشارة و اللفظ و الكتب حقيقى لا تنزيل فيه اذ الوضع فى الجميع عبارة عن جعل الملازمة و اعتبارها بين الدال و المدلول و السّرّ فى ذلك ان المعانى من المعقولات التى لا يمكن دركها بالحواس الظاهرة فلا بد من الاشارة اليها بامر محسوس كاللفظ (الذى هو كيف مسموع) و الخط (الذى هو كيف مبصر) و الاشارة (الّتي هى فعل نحوى للمشير) و العلامة (التى هو وجود تكوينى) ينتقل من رؤيتها الى انتهاء الفرسخ مثلا فجعل الملازمة بين هذه المحسوسات و بين تلك المعانى لا مكان الاشارة بها اليها فنفس الارتباط بين الطرفين امر اعتبارى مجعول للوصول الى المعانى موجود فى وعائه المناسب معه من غير ان يكون فيه ادعاء و تنزيل كما يكون فى تنزيلات الشارع فانها عبارة عن التشريك فى الحكم و ترتيب آثار شي‏ء على آخر لجهة واقعية و اما ارجاع كلام صاحب تشريح الاصول (قده) الى جعل الملازمة بين اللفظ و المعنى او غيره من المحتملات ففيه ان الظاهر من مجموع كلامه صدرا و ذيلا على ما بالبال الى ان يقع التأمل فيه ثانيا إن شاء الله ان مراده- التعهد بين الواضع و المستعمل ليكون من قبيل العقود لا جعل نفس الملازمة ليكون من قبيل الايقاعات نعم يتوجه على مقاله انه لا تعهد بين الواضع و المستعمل بل هو ادعاء صرف و انما الوضع كما عرفت انشاء الاعتبار و جعل الملازمة و الربط بين اللفظ و المعنى على النحو المتقدم‏

ثم انه ما أبعد بين ما تقدم من بعض المحققين (قده) من كون- العلقة الوضعية اعتبارا عنوانيا و بين ما يظهر من بعض الاساطين (قده) من استنادها الى المناسبة الذاتية و الجعل معا بدعوى ان استنادها

40

الى المناسبة الذاتية بين الالفاظ و المعانى فقط خلاف المشاهد بالوجدان من عدم الدلالة فى حق الجاهل بالوضع و الجعل كما ان استنادها الى الجعل فقط يستلزم المحال اى الترجيح بلا مرجح اولا و خلاف شهادة التاريخ بعدم ثبوت استنادها الى شخص خاص ثانيا اذ لم ينعقد مجلس لوضع الالفاظ قبال المعانى بل لا يمكن صدوره من واحد لعدم الاحاطة بجميع المعانى مع كثرتها و مع فرض اجتماع عدة اشخاص محيطين بهيئة الاجتماع فلا يمكنهم ذلك ايضا ضرورة ان المعانى غير محصورة و لا يفى دوران العمر بجعل الالفاظ لها فلا سبيل الى دعوى تحقق ذلك بالجعل دفعة كما هو واضح و لا تدريجا اذ يشكل الامر حينئذ فى كيفية تأدية المقاصد بالنسبة الى الخلق الاول قبل تحقق الجعل فالحق استنادها الى المناسبة و الجعل معا بان يقال انه تعالى الهم اهل كل لغة باستعمال الفاظ مخصوصة عند ارادة تفهيم المقاصد لمناسبة بين تلك الالفاظ و معانيها تخرج بذلك عن الترجيح من غير مرجح او أوحى الى نبى من الانبياء ان يتكلم بتلك الالفاظ عند ارادة تفهيم تلك المقاصد فشايع بين الناس- بذلك.

اذ يتوجه عليه (اولا) ان محذور عدم احاطة البشر بجميع المعانى بكثرتها كما اليه يئول ايضا عدم تمكن جماعة من الوضع لعدم حصر المعانى لا يندفع بالالتزام بالمناسبة بل المحذور بحاله مع ذلك فمجرد عدم احاطة البشر بجميع المعانى لعدم حصرها لا يكشف عن تحقق المناسبة فى البين و هو واضح (و ثانيا) ان بعض المعانى لا يحتاج اليها بعض اصناف اهل اللغات فى معاشهم ليتداول بينهم الفاظها فالالفاظ الموضوعة لتلك المعانى لا تكون دالة عليها عندهم و كذا عند الجاهل بالوضع مع ان مقتضى تحقق المناسبة بينهما سيما اذا كانت على نحو الأثر

41

بالخاصية هو الانتقال اليها بمجرد سماع الفاظها اذ العلم و الجهل و الحاجة و عدمها لا تخرج الدلالة عن كونها أثرا بالخاصية و مقتضى طبع اللفظ بل لا سبيل الى ذلك فى اللفظ الموضوع لضدين و لو بحسب اللغتين كى لا يقال بوجود جامع بينهما اذا كان فى لغة واحدة كالقرء للطهر و الحيض و ان الجامع فيه هو الحالة الانوثية اذ لا يجرى ذلك مع تعدد اللغة و ان كان لا يجدى فى رفع الاشكال مع وحدة اللغة ايضا لان الاستعمال فى الاضداد حينئذ من قبيل تطبيق الكلى على الفرد لا استعمال اللفظ فى المتضاد (و بالجملة) فعدم الدلالة عند الجاهل بالوضع و المستغنى عن اعمال بعض المقاصد الموضوع لها اللفظ و دوران الدلالة مدار الجعل وجودا و عدما كاشف عن فقدان المناسبة و عدم اناطة الدلالة بها بل اناطتها بالجعل و الاعتبار و كذلك الكلام فى المعانى الحرفية فهل يمكن الالتزام بالمناسبة الذاتية فيها اذ لا فرق بينهما من هذه الجهة اصلا (و ثالثا) ان التاريخ انما يشهد على تطور اللغات خصوصا فى بعضها مع السعة الحاصلة لها تدريجا اضعاف ما كانت عليه فى الاصل و لا حاجة الى شخص معين او عدة مخصوصين للوضع و لا الى المحيط بجميع المعانى بل يختار كل طائفة فى كل زمان حسب احتياجاتهم قلة و كثرة الفاظا لتفهيم مقاصدهم فكلما قل تعداد اهل لغة الى ان ينتهى بواحد قلت- الالفاظ المفهمة لقلة المقاصد المحوجة الى اختيار اللفظ و كلما ازداد زادت الالفاظ لزيادة المقاصد (و بالجملة) فالوضع قليل المئونة يقدر عليه من له ادنى مرتبة الخبروية بعالم الالفاظ و المعانى و لذا حصل بمرور الدهور فى كل لغة من المستحدثات ما ربما لا يحصى كثرة (فتلخص) ان الوضع امر اعتبارى حاصل بانشاء الواضع او كثرة الاستعمال موجود فى ذهن العرف باق ببقائه محتاج الى العلة حدوثا و بقاء بلا مناسبة ذاتية بين الألفاظ و معانيها.

42

ثم انك قد عرفت انه لا بد فى الوضع من لحاظ المعنى فاعلم انه لا ريب كما لا اشكال لدى القوم فى تثليث اقسام الوضع بحسب التصور العقلانى احدها ان يكون كل من الوضع و الموضوع له عاما بان يكون الملحوظ حال الوضع عاما و يوضع اللفظ بازاء نفس الملحوظ كما فى اسماء الاجناس كالانسان او الحيوان او نحوهما ثانيها ان يكون كل منهما خاصا بان يكون الملحوظ حال الوضع خاصا و يوضع بازائه اللفظ كما فى الاعلام الشخصية كزيد و عمرو ثالثها ان يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا بان يكون الملحوظ حال الوضع عاما لكن يوضع اللفظ بازاء ما كان الملحوظ مرآة له و سببا لمعرفته و لو بوجه كمصاديق العام فان تصوره يستلزم تصور افراده اجمالا اذ هو الجامع الاشتراكى بين الافراد فيكون وجها لها و لا ريب ان معرفة وجه الشي‏ء تكون معرفة الشي‏ء بوجه و هذا المقدار كاف فى لحاظ الشي‏ء ليجعل بازائه اللفظ كما فى المعانى الحرفية على بعض الاقوال كما سنشير اليه إن شاء الله انما الخلاف و الاشكال فى تربيع الاقسام و انه هل يتصور الوضع الخاص و الموضوع له العام ام لا فذهب الى كل فريق و الحق وفاقا لجماعة من المحققين استحالته اذ الخاص بما هو خاص- يستحيل ان يكون مرأة و آلة للحاظ العام بما هو عام لان اللحاظ انما هو للاشارة الى ما يوضع له اللفظ و ما هو مزدوج من حصة جامعة و حصة مائزة كيف يعقل ان يكون مشيرا الى حصة جامعة فقط من غير ان يكون هناك مشار اليه للحصة المائزة نعم يمكن قصر اللحاظ على خصوص الجامعة فى ضمن المزدوج و قطع اللحاظ عن المائزة لكن الوضع على هذا عام كالموضوع له.

و لكن تصدى بعض المتأخرين لتصحيح القسم الرابع (فمنهم)

43

صاحب البدائع (قده) (و حاصل) ما حكى عنه ان الخاص اذا كان موضوعا لحكم فيه فائدة يشترك معه فيها سائر الافراد فلا ريب فى تسرية حكمه الى سائر الافراد كما فى منصوص العلة و ذلك يكشف عن ان الخاص وجه للعام و مرآة لتصوره و إلّا لم يكن وجه لتسرية الحكم فكذلك فى الوضع اذ الخصوصية المائزة المتحققة فى الخاص موجودة فى سائر افراد العام ايضا فلحاظ الخاص بهذا النحو يكون لحاظ العام بوجه و يصح معه الوضع (و فيه) ان الخاص بلحاظ الخصوصية كما عرفت يستحيل ان يكون مرآة للعام بلحاظ العموم و اما تسرية الحكم فى منصوص العلة فانما هى لكون التعليل فى مقام اعطاء الضابط و شمول الحكم للخاص ايضا من جهة دخوله تحت الضابط و أين هذا من عروض حكم لموضوع بجميع خصوصياته بلا لحاظ جامع وحدانى فيه كالمسكرية فى: لا تشرب الخمر لانه مسكر: بل الملحوظ فى مثله انما هو الحصة الجامعة فى ضمن الفرد الذى جعل موضوعا فى لسان الدليل فيكون من قبيل ما تقدم من تصور العام فى ضمن الخاص و يصير الموضوع له فيه كالوضع عاما هذا خلف (و منهم) المحقق الحائرى (قده) بما (حاصله) ان الخاص اذا كان معلوما بالتفصيل لا يعقل كونه مرآة للعام اما اذا كان معلوما بالاجمال فيجوز صيرورته مرآة له فاذا رأينا من بعيد شبحا مرددا بين احد طبيعتين كالحيوان و النامى فيصح ان يوضع للجامع الموجود فى ضمنه لفظ خاص كالجسم مثلا بمجرد لحاظ شخصه بلا لزوم محذور غاية الامر ان الموضوع له حينئذ يمتاز عن غيره بعد العلم التفصيلى بذاك الجامع بسبب رؤيته من قريب و بالجملة فتصور الوضع الخاص و الموضوع له العام بمكان من الامكان كسائر الاقسام و ليس بمستحيل (و فيه) ان اللاحظ لا يخلو إما لا يعلم بان كل موجود زوج تركيبى مزدوج من جهة جامعة و جهة مائزة

44

و هذا لا يمكنه لحاظ ذاك الجامع و لو بتبع لحاظ الشخص و اما يعلم بذلك كما هو مفروض الكلام فعلمه بوجود الجامع فى ضمن الشبح بعينه لحاظ الحصة الجامعة المتحققة فى البين بوجه بل الملحوظ فى الحقيقة حينئذ تلك الحصة و بتبعها الخصوصية فيكون من قبيل ما تقدم من تصور العام فى ضمن الخاص و يصير الموضوع له كالوضع عاما هذا خلف.

(اللهم إلّا) ان يقرر كلام صاحب البدائع (قده) بامكان ان يلاحظ شخص الخاص بما فيه من الخصوصية المشتركة بينه مع سائر الافراد لا ان- يلاحظ التشخص بما هو كى يشكل باستحالة كونه مرآة للعام و لا الخصوصية بما هى كى يشكل بان الملحوظ هو العام فقط بل الملحوظ هو المشتمل على خصوصيّة جامعة بين الافراد فيتصور زيد بما فيه من حقيقة الحيوان الناطقية و يوضع لفظ الانسان لتلك الحقيقة الموجودة فى ضمنه و يسرى الى كل ما وجد فيه تلك الحقيقة باسقاط خصوصية المورد كسراية حكم منصوص العلة من شخص المورد الى كل ما وجد فيه العلة باسقاط الخصوصية و اما عدم التسرية فى غيره فلعدم العلم بملاك الحكم و حقيقة الموضوع و لذا يسرى مع تنقيح المناط ايضا سواء كان فى الغير اقوى كما فى الفحوى نظير فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ أو مساويا كما فى غير ذلك (و بالجملة) فمع العلم بحقيقة الموضوع لا بأس بتسرية الحكم كما ان مع العلم بحقيقة الملحوظ من الجهات المفردة و الجامعة و المنوعة لا بأس بلحاظ المجموع و وضع اللفظ للخصوصية الجامعة كان يلاحظ المتولد فى ليلة عاشوراء و يوضع لفظ الحسين لكل من يولد فى تلك الليلة و كذا سائر الاعلام الشخصية اذ الملحوظ حال الوضع حينئذ هو الشخص المشتمل على تلك الخصوصية و الموضوع له نفس الخصوصية فكما انه لو صرح بمناط الجعل و التسمية و انه انتساب تلك الليلة بالحسين (ع) حكم بتعميم تسميته فيما وجد فيه الملاك كذلك‏

45

مع العلم بذاك المناط (و لكنه) فاسد اذ الملحوظ لو كان هو الخصوصية الضمنية مع قطع النظر عن اكتنافها بالتشخصات المفردة كان الوضع كالموضوع له عاما و لو كان مع اكتنافها بها عاد محذور استحالة ان يكون مثله مرآة للعام.

و اذ قد ثبت تثليث أقسام الوضع ثبوتا و عدم تصوير القسم الرابع فهناك اشكالات حول الاقسام الثلاثة اثباتا اما الوضع الخاص و الموضوع له الخاص (فقد يقال) كما يظهر من بعض الاساطين بان الاعلام الشخصية ليست من قبيله بل هى من قبيل الوضع العام و الموضوع له الخاص اذ له قسمان احدهما تكون الخصوصية المفردة ناشئة من المدلول فيقال: كلّ من يولد لى فى ليلة الجمعة سميته عليّا: فالملحوظ حال الوضع كلّى المتولد فى تلك الليلة مع وضع اللفظ لما يتحقق منه فى الخارج لكن خصوصية الليلة توجب تشخص الافراد خارجا فهى المفردة ثانيهما تكون الخصوصية المفردة ناشئة من اللفظ و من هذا القسم اسماء الاشارة و النداء اذ يلاحظ كلى المفرد المذكر مثلا و يوضع لفظ هذا للاشارة الى افراده الخارجية لكن التخاطب باللفظ يوجب التشخص فهو المفرد فيمكن جعل الاعلام الشخصية من هذا القبيل (و لكن يدفعه) ان مفهوم الاشارة جزء مدلول اللفظ اذ هو كون الشي‏ء مفردا مذكرا مشارا اليه و هذا المفهوم المزدوج من مفهومين الذى هو مدلول لفظ هذا له فى الخارج مصاديق و لا يمكن تطبيق اللفظ المستعمل فى ذاك المفهوم على تلك المصاديق لدى تحققها فى الخارج الا بفعل ممن يشير اليها كحركة اصبعه و نحوها فمحقق الاشارة اعنى فعل المشير هو المفرد لا ان الخصوصية جاءت من قبل اللفظ لدى الاستعمال بل يمكن القول بان المقام من اطلاق الكلى على الفرد عند الاستعمال و إلّا كان مجازا حيث استعمل فى غير ما وضع‏

46

له فالخصوصية فى اسماء الاشارة و النداء مستندة الى المدلول لان انطباقه على المصاديق يتوقف على الاشارة و التخاطب بفعل من المشير اى المخاطب بالكسر غير مستندة الى اللفظ لانه استعمل فى المفهوم الكلى من غير حاجة الى لحاظ المصاديق و خصوصياتها فظهر انه ليس لهذا النحو من الوضع قسمان بل هو أبدا قسم واحد فلا يمكن جعل الاعلام- الشخصية من قبيله.

ثم ان هذا القائل ادعى كون الوضع العام و الموضوع له الخاص من قبيل الاشتراك اللفظى مع تفاوت ان الوضع فيه على نحو القضية الحقيقية المنحلة الى اوضاع متعددة حسب تعدد الافراد خارجا فينطبق الوضع عليها فى الخارج و فى غيره على نحو القضية الخارجية اعنى كون الوضع حقيقة من اول الامر متعددا حسب تعدد الافراد لا انحلالا نظير وضع العين لسبعين معنى مثلا و بالجملة ففى هذا القسم من الوضع مع المشترك اللفظى لا فرق بين الافراد من جهة تباينها خارجا و الجامع بينها انما هو التعبير و التسمية فى مثل: كل من يولد لى ليلة الجمعة سميته عليا: و إلّا فالمسميات متباينة بتمام الحقيقة بلا جامع بينها خارجا فما يظهر من الشيخ (قده) فى تصوير الجامع فى باب الصحيح و الاعم من الفرق بين المشترك اللفظى و هذا القسم من الوضع لعله ناظر الى خصوص المشترك اللفظى الذى يتعدد فيه الوضع خارجا فلا ينافى دخوله فى القسم الآخر من المشترك اللفظى (و لكن يدفعه) وضوح الفرق بين الاشتراك اللفظى مع الوضع العام و الموضوع له الخاص اذ الاول شرطه ان يكون كل واحد من وحدات المفاهيم التى وضع لها اللفظ مباينا مع الآخر بالحقيقة الماهوية فكيف يعقل جمعها فى عالم اللحاظ و لو على نحو القضية الحقيقية بخلاف الثانى فالملحوظ فيه حال الوضع هو المفهوم‏

47

الكلى باعتبار كونه مرآة للخصوصية الموجودة فى كل واحد من افراد العام اى الحصة الانسانية فى المثال و هذه الخصوصية التى تسرى فى جميع الافراد و تكون مفردة لها اى بما هى مشتملة على تلك الخصوصية تكون افرادا للعام غير الخصوصيات الماهوية و القيود العدمية الموجبة لتباين الافراد خارجا نظير تولده فى مكان كذا و كونه ابن فلان و نحو ذلك اذ هى غيرية انحلالية عقلية و ان اتحدت معها خارجا فهذه جهات- تباينية غير ملحوظة بلحاظ العام و لو بنحو المرآتية بل الملحوظ بالمرآتية انما هو الخصوصية المنتشرة فى جميع الافراد المكتنفة فى عالم التحقق بالخصوصيات التباينية و تلك الخصوصية بما هى لدى تعريتها عن المكتنفات واحدة و تعددها باعتبار انوجادها فى ضمن كل فرد و انحلالها الى المتعدد حسب تعدد الافراد و ذلك لا ينافى وحدتها مع قطع النظر عن المكتنفات و الافراد و لذا قد يقال بكليتها فى عين الجزئية و وحدتها فى عين الانتشار فالموضوع له فى الوضع العام و الموضوع له الخاص هو تلك الخصوصية المنتشرة باعتبار سريانها فى افراد العام و انحلالها الى المتعدد حسب تعدد الافراد اذ بهذا الاعتبار يكون متعددا بخلاف المشترك اللفظى فان الموضوع له فى كل وضع هو المزدوج من الجامع و من الجهات الماهوية الموجبة للتباين بتمام المعنى لكل وضع مع الآخر و ان شئت قلت بان المأخوذ فى كل وضع الجهات من الاوضاع التباينية التى هى قيود عدمية بها ينفصل كل فرد عن الآخر فلا يعقل اتحاد الوضع فيه و لو بالانحلال اذ ليس فيه جهة اتحاد بخلاف الاول نعم هو داخل فى المشترك المعنوى اذ الجامع الملحوظ فيه حال الوضع يكون تارة بلحاظ المرآتية لخصوصيات الافراد كما فى الوضع العام و الموضوع له الخاص و اخرى بلحاظ نفسه مع قطع النظر عن خصوصية ما كما فى العام و

48

الموضوع له العام.

و اما الوضع العام و الموضوع له العام (فقد يتصور) له قسمان و يقال‏ (1) باحتياج احدهما الى دال آخر فى عالم الاثبات وراء نفس اللفظ الموضوع دون القسم الآخر بدعوى ان الجهة المشتركة تارة تحصل من تجريد الافراد الخارجية عن التشخصات و تعريتها عنها فى الذهن و فى هذا القسم لا حاجة الى دال وراء اللفظ الموضوع لتلك الجهة الجامعة و اخرى تحصل من تجريد الافراد الذهنية عن التشخصات و تعريتها عنها فى عالم الذهن و ينتزع من الجهة المشتركة عنوان يلاحظ مرآة لتلك الجهة و يوضع لها اللفظ و فى هذا القسم لا بد من دال آخر وراء اللفظ الموضوع للجهة الجامعة كى يوجب ذاك الدال تشخص الموضوع له و انوجاده لان وجود الفرد مقدمة لتحقق الكلى فلا يمكن تحققه بدون تحقق الفرد حتى فى وعاء الذهن فلا يكفى اللفظ للكشف عن تشخص الفرد بل لا بد له من دال آخر (و قد انكر) على هذا القائل بعض المحققين (قده) تصور القسم الثانى بدعوى ان الملحوظ حال الوضع اذا كان معنى منتزعا من الجهة المشتركة بين الافراد الذهنية التى لكل منها حصة متقرّرة فى ذاتها بمعنى تعرية الخصوصيات التحققية عن الافراد فاللفظ حينئذ و ان كان يوضع بازاء الجامع المتقرر فى ذاته الذى يكون منشأ انتزاع ذاك العنوان الملحوظ لكون العنوان مرآة له و لا بد من دال آخر غير اللفظ الموضوع للعام يدل على الخصوصية المفردة اذ لا يعقل احضار الجهة المشتركة بلا احضار الخصوصية المفردة لان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد لا ذهنا و لا خارجا إلّا ان ذلك فاسد مبنى و بناء اما الاول فلان الجامع ليس له تقرر كى يوضع له اللفظ اذ معنى تقرره تحقق الطبيعى و وجوده بالواحد

____________

(1)- القائل صاحب هداية المسترشدين قده.

49

العددى و هو بديهى البطلان لان الماهية ليست واجدة الا لذاتها و ذاتياتها و انما يعتبر الكلية و الاشتراك فى الذهن لا بما هو فى الذهن فالطبيعى انما ينتزع عن كل واحد من الافراد و يكون موجودا بالعرض و نسبته الى الافراد كنسبة الآباء الى الابناء لا انه موجود بالاستقلال كى يصير ملحوظا و يوضع له اللفظ و يكون نسبته الى الافراد كنسبة اب واحد الى الابناء و اما الثانى فلانه على فرض التقرر لا حاجة الى دال وراء اللفظ اذ نفس استعمال اللفظ فيه مفرّد حيث لا بد فى الاستعمال من تصور الموضوع له فبذلك يوجد فى الذّهن كما هو الشأن فى جميع موارد الاستعمال حتى الملحوظ بالاستقلال الذى هو المشهور فى الوضع العام و الموضوع له العام.

لكن تصدى بعض الاعاظم (ره) لتصحيح تصور ذاك القائل و دفع ايراد هذا المحقق عنه بان الملحوظ حال الوضع اما معنى عام مستقل غير ملاصق بخصوصيات الأفراد كما فى وضع الحيوان لمعناه و هذا هو القسم المشهور من الوضع العام و الموضوع له العام و اما الملاصق بتلك الخصوصيات اى الجهة الجامعة المنتزعة عنها و هذا هو القسم الثانى الذى تصوره القائل (و توضيح مقال) هذا المصحح بتحرير و اضافة منا انه لا يرتاب احد فى ان اتصاف الطبيعى بالوجود ليس بنحو الوحدة العددية بل بالسنخية اذ ذلك ينافى كون الطبيعى كليا صادقا على كثيرين لان الواحد العددى لا يتثنى و لا يتكرر و الواحد الحقيقى البسيط ايضا هو الواجب تعالى بل الطبيعى جامع ماهوى منتزع عن حصص موجودة فى الخارج فى ضمن الافراد حاصلة من تخصص تلك الافراد بالخصوصيات منفصلة كل واحدة عن الاخرى بفصول عدمية و قيود تشخصية ماهوية فالحصة الجامعة بين تلك الحصص اى المفهوم المنتزع عنها الذى موطنه الذهن لا بما هو فى الذهن بل بتخليته عن التشخص الذهنى كالخارجى فى عين تحليته بذلك هو الكلى الطبيعى‏

50

من غير ان يكون لوصف الكلية و مفهومها دخل فيه و إلّا فهو كلى منطقى عارض على الطبيعى فللعقل ان ينتزع هذا النحو من الوجود عن الوجودات الخارجية بتعريتها عن التشخصات الخارجية و الذهنية و لذا يقال بان الطبيعى هو معقول ثانوى متصف بالوجود ثانيا و بالعرض بعد اتصاف الافراد به اولا و بالذات و هذا معنى وجوده بوجود افراده فنسبة الطبيعى الى افراده كنسبة الآباء الى الابناء لا اب واحد الى ابناء متعددة و هناك وجود آخر يسمى بالوجود السعى اذ للعقل تعرية نفس الوجودات الخارجية عن تشخصاتها فى عالم الخارج لا فى الذهن كى يصير طبيعيا فاذا نظر اليها و لاحظها بما هى فى الخارج لكن مجردة عن لحاظ تلك التشخصات و ان شئت قلت لاحظ الوجود فيها معرّى عن القيود العدمية و الجهات الماهوية وجدها وجودا واحدا ممتدا وسيعا بحيث كلما قلت القيود العدمية فى تلك الوجودات بتعريتها عنها زاد ذلك الوجود سعة و امتدادا بمعنى ان هذه القيود المكتنفة بذاك الوجود السعى الممتد بمنزلة ستر و حجاب على وجهه فكلما ازداد كشف الستر عن وجهه بتعرية القيود و عدم لحاظها كثر انكشافه لا نقول بان الوجود السعى يتحقق بسبب عدم اللحاظ و التعرية كى يقال ان ذلك عين الطبيعى الذى عرفت ان موطنه الذهن لا بما هو فى الذهن و ليس فى الخارج غيره شي‏ء يسمى بالوجود السعى بل نقول ينكشف بذلك تحققه و يتبين ثبوته فعدم اللحاظ و التعرية دليل كاشف عن ذلك فتعرية القيود و التشخصات عن افراد الانسان ينكشف بها الوجود السعى الممتد بذلك المقدار و عن افراد الحيوان ينكشف بها ما هو اوسع و اكثر امتدادا و هكذا عن النامى ثم الجسم ثم الجوهر و بهذا الاعتبار صح ان يقال بان تحقق الوجود السعى يحصل بتحقق كل من الافراد و هذا بخلاف الجنس و الفصل الماهوى حيث‏

51

تسالموا على ان الفصل معبر للوجود بالنسبة الى جنسه بمعنى ان الوجود يتعلق بالفصل ثم بالجنس و ان نوقش فى هذه الدعوى فالمدعى يثبت بدونها ايضا.

و مما يشهد على تحقق الوجود السعى فى الخارج صحة ترتيب آثار نفس الوجود بما هو وجود لا بما هو معروض لقيد و مكتنف بتشخص على الوجودات الخارجية مثلا القطرة و البحار المتصلة الوسيعة كلاهما ماء يترتب عليه آثار المائية و الذرة و المعادن الوسيعة كلاهما ملح و هكذا فصدق الوجود على جميع مراتبه سعة و ضيقا على نحو سواء و ترتب آثار نفس الوجود عليه كذلك مع ما لها من الاختلاف فى القيود و المكتنفات اقوى شاهد على ما ذكرنا فالوجود السعى متقدم فى الرتبة على الافراد و المتشخصات لانه معروض للتشخصات و مكتنف بها نحو عروض الستر على المستور و الحجاب على المحجوب و اكتنافهما بهما و اما الطبيعى فهو متأخر عنها كذلك لانه منتزع عنها و ان شئت قلت ان تعرية الوجود عن التشخصات و المكتنفات تكون تارة فى الذهن فيسمى بالطبيعى و يكون متأخرا عن الوجودات العينية و اخرى فى الخارج فيسمى بالوجود السعى و يكون حقيقة متأصلة متحققة فى العين متقدمة على التشخصات بالنظر العقلى متحدة معها بالنظر البدوى و ان نسبة الوجود السعى الى الطبيعى كنسبة العهد الى الجنس من جهة الانتزاعية و التأصل و الملحوظية و عدمها بل هما هما من حيث السريان لان العهد الذهنى ما يكون الملحوظ فيه الخارج على نحو السعة و اللام فيه اشارة الى ذلك فهو و العهد الخارجى مساوقان فى كون الملحوظ ما فى الخارج و الفرق الوحدة و التعدد فقولك اوصيك بهذا الرجل و قولك ادخل السوق و اشتر اللحم متساويان فى كون اللام اشارة الى الخارج و الفرق الوحدة و التعدد بمعنى السعة و الانبساط

52

و اما الطبيعى فالملحوظ فيه نفس المعنى بما هو اذ اعرفت ذلك فالجامع المنتزع عن الوجودات الخارجية قد يلاحظ غير ملاصق بخصوصيات تلك الافراد حال الوضع و يوضع له اللفظ و هذا هو القسم الاول المشهور من الوضع و الموضوع له العامين و قد يلاحظ ملاصقا بها حال الوضع و يوضع له اللفظ و هذا هو القسم الثانى منه و الفرق بين القسمين هو الاحتياج فى الثانى الى دال آخر يكون هو المفرد اذ اللفظ الموضوع للعام بلحاظ الملاصقة لا دلالة على الخصوصية و عدم الاحتياج فى الاول اذ الخصوصية لم تلاحظ كى نحتاج فى الكشف عنها الى دال آخر و لا ريب فى تصور هذا القسم ايضا و صحته بناء و مبنى و عدم التزام قائله بمحذور اتصاف الكلى بالوحدة العددية و كون نسبة الطبيعى الى الافراد كنسبة أب واحد الى الابناء.

و التحقيق ان شيئا من مقال المصحح و ايراد المحقق و كلام القائل لا يخلو عن الاشكال اما مقال المصحح فلان لحاظ الملاصقة يتصور على انحاء ثلاثة احدها ان يكون دخيلا فى خصوص الوضع اى مجرد لحاظ المعنى و هذا ليس إلّا الوجه المشهور فيما كان الوضع فيه كالموضوع له عاما من كون اللفظ موضوعا للعام الملحوظ بالاستقلال بلا دخالة شي‏ء آخر فى المدلول و معلوم ان لحاظ الملاصقة حينئذ لغو لا اثر فيه ثانيها ان يكون دخيلا فى الموضوع له على نحو الاجمال بمعنى دخل لحاظ خصوصية ما فيه و هذا ايضا راجع الى الوجه المشهور غاية الامر ان الملحوظ حينئذ هو المفهوم المركب ثالثها ان يكون دخيلا فى الموضوع له على نحو التفصيل بمعنى دخل لحاظ كل واحدة من خصوصيات الافراد فيه و هذا راجع الى الوضع العام و الموضوع له الخاص و على اى حال لا حاجة الى دال آخر كما فى الوجه المشهور و الوضع العام و الموضوع له الخاص (و الحاصل) ان المراد