آراؤنا في أصول الفقه‏ - ج2

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
351 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[تتمة المقاصد]

المقصد السادس فى مباحث القطع.

و فيه فصول:

فصل: [بحث القطع خارج عن الاصول‏]

قال في الكفاية، ان بحث القطع خارج عن المباحث الاصولية و كانت أشبه بمسائل الكلام و لكن انما نتعرض لها لشدة مناسبتها مع المقام فيقع الكلام في امور:

الامر الاول: [ان بحث القطع خارج عن المسائل الاصولية]

ان بحث القطع خارج عن المسائل الاصولية و الوجه فيه ان الاصول عبارة عن القواعد التي تقع في طريق استنباط الحكم، و الحال ان القطع بالحكم لا يقع في طريق استنباطه كما هو ظاهر و بعبارة واضحة: بعد حصول القطع بالحكم الشرعي لا مجال لاستنباطه بالطريق الاستنباطي و ان شئت قلت القطع بنفسه متعلق بالحكم لا طريق الى حصول القطع.

ان قلت: هذا البيان تام بالنسبة الى القطع الطريقى و أما بالنسبة الى القطع الموضوعي فلا، مثلا لو جعل المولى القطع بعدالة زيد موضوعا لوجوب صوم يوم فاذا حصل القطع بعدالة زيد يكون هذا القطع مقدمة للعلم بوجوب الصوم.

قلت: الامر و ان كان كذلك لكن القطع بالعدالة في المثال كبقية موارد العلم بالموضوعات مثلا لو ثبت بالدليل حرمة الخمر فحصل العلم للمكلف بكون المائع الفلاني خمرا يحصل له العلم بحرمته فان‏

4

الموضوعات كلها شرائط للاحكام و العلم بالشرط يوجب العلم بالمشروط و العلم بهذه الاحكام المترتبة على موضوعاتها حاصلة من القواعد الاصولية، فالنتيجة ان بحث القطع خارج عن علم الاصول و صفوة القول: ان القطع بالموضوعات يوجب تطبيق الكبريات على صغرياتها و تلك الكبريات مستفادة من المسائل الاصولية.

الامر الثاني: [ان بحث القطع أشبه بمسائل الكلام‏]

ان بحث القطع أشبه بمسائل الكلام فان بحث الكلام متعلق بالمبدإ و المعاد هذا من ناحية، و من ناحية اخرى نبحث في مبحث القطع في كونه حجة ذاتا فيحصل به التنجيز و التعذير فيصح أن يقال انه يستحق العبد العقاب و الثواب بالقطع و البحث عن الثواب و العقاب بحث كلامي و ان شئت قلت ان البحث في القطع عن حسن الثواب و العقاب و البحث عن التحسين و التقبيح بحث كلامي.

الامر الثالث: [ان البحث عن القطع مناسب مع البحث الاصولى‏]

ان البحث عن القطع مناسب مع البحث الاصولى و الوجه فيه ان النتيجة في البحث الاصولي استنباط الحكم الشرعي فالقطع بالحكم الشرعي نتيجة البحث الاصولي.

فصل: [المراد من المكلف‏]

قال الشيخ الانصارى (قدس سره) في رسائله «فاعلم ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعي فاما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن، فان حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل و تسمى بالاصول العملية» الى آخر كلامه رفع في علو مقامه.

و وقع كلام الشيخ (قدس سره) مورد الانظار و قد بحثوا فيه من جهات:

الجهة الاولى: في أن المكلف الواقع في عبارته ان كان المراد منه المكلف الفعلي ينافيه قوله بعده، «اذا التفت» فان الالتفات مقوم للتكليف فيكون المراد من المكلف الشأني لا من يكون مكلفا

5

بالفعل، و صاحب الكفاية غير عنوان المكلف بعنوان البالغ العاقل، بتقريب ان المكلف الفعلي لا يشمل من كان جاهلا بالحكم الواقعي و يكون في حال يجري في حقه أصل البراءة.

و فيه: ان الجهل بالواقع لا يقتضي عدم كون المكلف مكلفا بذلك التكليف، و بعبارة اخرى: الحكم الواقعي محفوظ حال الجهل فالمكلف مكلف بالتكليف الواقعي مع جهله غاية الامر ربما لا يكون منجزا في حقه.

الجهة الثانية: في بيان المراد من المكلف و انه خصوص المجتهد أو الاعم منه و من المقلّد، اختار سيدنا الاستاد الثاني و قال: لا يختص الاقسام المذكورة في كلام الشيخ و الاحكام المترتبة عليها بالمجتهد بل يعمّ المقلّد و أفاد انه يتوقف توضيح المدعى على التكلم في مقامات ثلاثة:

المقام الاول: ان المجتهد اذا التفت الى حكم شرعي بالنسبة الى حكم نفسه فاما يحصل له القطع بالحكم و اما يحصل له طريق معتبر و اما لا هذا و لا ذاك فعلى الاول يعمل على طبق قطعه و على الثاني يعمل على طبق ذلك الطريق و على الثالث يعمل على طبق الاصول العملية بلا فرق في ذلك بين الحكم الواقعي و الظاهري.

المقام الثاني: ان المقلّد كالمجتهد فتارة يقطع بالحكم الشرعي فيعمل به و اخرى يقوم عنده طريق معتبر اي فتوى المجتهد فيعمل به و ثالثة لا هذا و ذاك ففي هذه الصورة يعمل على طبق الاصول العملية و يجري ما ذكر بالنسبة الى الحكم الظاهري ايضا فان المقلّد تارة يقطع بفتوى المجتهد و اخرى يقوم له طريق الى الفتوى كقول عدلين و ثالثة لا هذا و لا ذاك فيعمل على طبق الاصول و الحاصل انه‏

6

لا فرق بين المجتهد و المقلّد نعم طريق المقلّد الى الحكم الشرعي فتوى مجتهده.

المقام الثالث: ان المجتهد بالنسبة الى احكام غيره من مقلديه تارة يحصل له القطع بالحكم الشرعي أو يقوم عنده طريق معتبر فيفتي على طبق القطع أو الطريق و اخرى لا هذا و لا ذاك فيفتي على طبق الاصول العملية.

و ربما يشكل: بأن جريان الاصل لا مجال له لان المفروض ان المجتهد ليس مكلفا فمن يجري الاصل لا يكون مكلفا و من يكون مكلفا اي المقلّد لا يجرى الاصل. و اجاب عن الاشكال الشيخ الانصاري بأن المجتهد نائب عن المقلّد.

و يرد عليه: انه لا دليل على الاصل النيابى و الاصل النيابي لا أصل له.

و الحق ان يقال: تارة يكون الحكم مورد التفات المقلّد و يشك فيه و المجتهد حيث يرى ان مقتضى ادلة الاستصحاب ابقاء ما كان على ما كان يفتي بمفاد تلك الادلة و المقلّد يستصحب و يمكن للمجتهد في الفرض المذكوران يستصحب الحكم بلحاظ يقينه السابق و شكه اللاحق حيث يعلم بكون الحكم كذلك سابقا و يشك في بقائه و يفتي على طبقه و المقلّد يرجع اليه من باب رجوع الجاهل الى العالم و اخرى لا يكون المقلّد ملتفتا و في هذه الصورة يفتي المجتهد على طبق ما استفاد من الادلة و المقلّد يرجع اليه هذا ملخص ما أفاده في المقام على ما في تقرير مقرره.

و الذي يختلج بالبال أن يقال: تارة يتكلم في الشبهة الحكمية و اخرى في الشبهة الموضوعية، أما الشبهات الحكمة فالميزان شك المجتهد مثلا المجتهد يشك في بقاء وجوب صلاة الجمعة بعد انقضاء زمان الحضور فيستصحب الوجوب و يفتي على‏

7

طبق الاستصحاب بوجوبها، أو يشك في حرمة شرب التتن فيفتي بحليته بمقتضى قاعدة الحل و هكذا و هكذا، و بعبارة اخرى يستفيد الاحكام الشرعية من ادلتها و يبين تلك الاحكام للناس.

و أما في الشبهات الموضوعية فالميزان بشك المكلف و لا اشكال فيه و لذا يبين المجتهد للمقلّد بأنه ان كان عالما بالطهارة ثم شك في بقائها يستصحب الطهارة السابقة و لا بد في جريان الاستصحاب للمقلّد أن يحصل له الشك و اليقين و مما ذكر ظهر الجواب عن الاشكال الوارد في البراءة العقلية و أمثالها و هو ان قبح العقاب بلا بيان انما يجري في حق من يفحص عن الدليل و لا يجده و المقلد عاجز عن الفحص فكيف يتمسك بالقاعدة.

و الجواب: ان المجتهد يدرك عقله قبح العقاب عند عدم البيان فيفتي بان الدعاء عند رؤية الهلال غير واجب و هكذا.

الجهة الثالثة: في تثليث الاقسام الذي صنعه الشيخ (قدس سره) فانه جعل اقسام المكلف ثلاثة بقوله: «اما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك».

و أورد عليه صاحب الكفاية بأن اللازم جعل الاقسام ثنائيا بأن نقول البالغ الذي وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلي واقعي أو ظاهري فاما أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني لا بد من انتهائه الى ما استقل به عقله من اتباع الظن لو حصل و تمت مقدمات الانسداد على الحكومة و إلّا فالرجوع الى الاصول العقلية، و أفاد في وجه العدول انه لا فرق في أحكام القطع بين تعلقه بالحكم الواقعي و بين تعلقه بالحكم الظاهري، و الوجه في تخصيص الحكم بالفعلي عدم الاثر لو تعلق القطع بالحكم الانشائي و قال: و ان ابيت الا عن تثليث الاقسام فالاولى أن يقال: ان المكلف اما أن يحصل له القطع‏

8

أو لا، و على الثاني اما يقوم عنده الطريق المعتبر أولا، لان لا يتداخل الاقسام، و الوجه في التداخل ان الشيخ جعل مدار الرجوع الى الامارات الظن و مدار الرجوع الى الاصول الشك و الحال ان الامر ليس كذلك فان من قام عنده الامارة لا بد من العمل بها و لو كان شاكا و من لم يقم عنده لا بد من العمل بالاصول و لو كان ظانا فيلزم التداخل في الاقسام.

و أورد عليه سيدنا الاستاد و قال: «الانسب بمباحث الاصول ما صنعه الشيخ لان الغرض عن علم الاصول تحصيل المؤمن فالمؤمن الاول القطع فينبغي البحث عنه و لو استطرادا و المؤمن الثاني الامارة المعتبرة فلا بد من البحث عنها في باب آخر و المؤمن الثالث الاصول العملية شرعية أو عقلية فلا بد من تثليث الاقسام و البحث في مقامات ثلاثة، و ما صنعه صاحب الكفاية يناسب أن يبحث عن القطع بالحكم الواقعي أو الظاهري في باب و البحث عن الظن الانسدادي على الحكومة و الاصول العملية العقلية في باب آخر فلا يبقى مجال للبحث عن الامارات و الاصول العملية، الشرعية مضافا الى ان ما أفاده من جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي و الظاهري غير مناسب لان مرتبة الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي فيلزم ان يكون ما في الطول في العرض، و بعبارة اخرى يلزم الجمع بين العلم بالحكم الواقعي و عدم العلم به.

و أما ما أورده على الشيخ من تداخل الاقسام فيرد عليه ان مراد الشيخ من الظن الامارة المعتبرة و ان لم يكن المكلف ظانا، و المراد من الشك عدم وجود امارة و ان كان المكلف ظانا فلا يرد عليه الاشكال بلزوم التداخل».

و يرد عليه اولا انه لو كان الغرض من علم الاصول تحصيل المؤمن‏

9

فكيف يكون البحث عن القطع استطراديا فانه جمع بين المتنافيين و بعبارة اخرى على هذا يكون البحث عن القطع بحثا عن المسألة الاصولية.

و ثانيا: ان ما أفاده من ان ما صنعه صاحب الكفاية من جعل الاقسام ثنائيا يستلزم أن لا يبقى مجال للبحث عن الامارات و الاصول الشرعية غريب لان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي و الظاهري فيدخل في هذا القسم مباحث القطع و الامارات و الاصول الشرعية لان القطع اما يتعلق بالحكم الواقعي و اما يتعلق بالحكم الظاهري و على الثاني تارة يكون الحكم الظاهرى المتعلق للقطع مفاد الامارة و اخرى يكون متعلقه مفاد الاصل و لا يكاد ينقضي تعجبي كيف أورد عليه بهذا الايراد الذي يكون عدم وروده أوضح من ان يخفى، سيما عن سيدنا الاستاد الذي اشتهر في الآفاق و يشار اليه بالبنان و لكن العصمة مخصوصة باهلها و لعله دام ظله ناظر الى نكتة لم افهمها و انا معترف بقصوري و قلة بضاعتي.

و يرد عليه ثالثا: ان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي فيبحث في هذا الفصل عن القطع و عن الامارات و الاصول الشرعية و بعبارة اخرى: يبحث عن الطريق الوجداني و التعبدي و عن الوظيفة المقررة و لا يلزم من كلام صاحب الكفاية الجمع بين العلم بالحكم الواقعي و عدمه بل لازم كلامه أن يبحث عن القطع المتعلق بالحكم غاية الامر تارة يتعلق القطع بالحكم الواقعي فلا مجال للظاهري و اخرى يكون الواقع مجهولا و متعلق القطع حكم ظاهري فالمرتبة محفوظة بلا اشكال، و أما ما أفاده من أن مراد الشيخ من الظن الامارات و من الشك الاصول فهذا خلاف الظاهر، و الميزان في الافادة و الاستفادة الظهورات العرفية و لكن الذي يهون الخطب ان‏

10

هذا البحث لا يترتب عليه اثر عملي و لذا لا يناسب الاطالة فانها بلا طائل.

فصل: [العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع‏]

قد ذكر صاحب الكفاية في المقام امورا: الاول: ان العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع و يستحق المكلف العقاب على مخالفته و بعبارة اخرى بعد كونه كاشفا عن الواقع لو تعلق القطع بحكم الزامي يرى العقل جواز العقاب على مخالفته فيلزم المكلف بالاطاعة بمقتضى قاعدة دفع الضرر المحتمل.

و الظاهر ان ما أفاده تام غير قابل للانكار فانه من الواضحات الاولية أي كون القطع كاشفا من الواضحات فاذا حصل القطع بالوجوب أو الحرمة العقل يلزم المكلف بالامتثال في الاول و الانزجار في الثاني و يدرك صحة العقوبة على المخالفة و وجه الزامه دفع الضرر المحتمل فلاحظ.

الثاني: ان كاشفية القطع أمر ذاتي للقطع و غير قابلة للجعل التأليفي فان الجعل التأليفي يتوقف على قابلية الانفكاك بين المحمول و الموضوع كعلم زيد و شجاعته و امثالهما و أما المحمولات التي تكون ذاتية لموضوعاتها و غير قابلة للانفكاك فلا يتصور فيها الجعل التأليفي بل الجعل فيها بالعرض و بالتبع أي جعلها تابع لجعل الموضوع و بعبارة واضحة: لا يمكن تعلق الجعل بلوازم الذات الا بالتبع و بالعرض.

الثالث: انه مع القطع بالحكم و كونه كاشفا منجزا لا يمكن المنع عن تأثيره اذ لا يعقل أن لا يكون مؤثرا و بعبارة اخرى لا يمكن سلب الذاتي عن الذات و ان شئت قلت: كما انه لا يمكن الجعل التأليفي في الذاتيات كذلك لا يمكن سلبها.

الرابع: انه في صورة المنع يلزم التناقض واقعا في صورة

11

الاصابة و اعتقادا في صورة عدم الاصابة و يرد عليه: انه لا يتصور التناقض في الاحكام لان الحكم من مقولة الاعتباريات و من الظاهر ان الاعتبار خفيف المئونة فاذا أمر المولى بشي‏ء و نهى عنه في زمان واحد لا يلزم التناقض نعم هو أمر لا يصدر عن الحكيم لكونه خلاف الحكمة.

الخامس: ان الحكم ما لم يصل الى مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يصل الى مرحلة التنجّز و لا يوجب مخالفته العقاب و ان كان ربما توجب موافقته ترتب الثواب و كان الحكم في الفرض المذكور مما سكت اللّه عنه كما في الخبر (1).

و الحق أن يقال ان الحكم تارة يكون فعليا و لا يكون منجزا اذا كان المكلّف معذورا كما لو فحص و لم يجد دليلا عليه و تمت في حقه اصالة الاباحة و بعبارة واضحة: ان المولى اذا تمت عنده مقدمات الحكم يعتبر الفعل في ذمة المكلّف و يحكم بعد هذه المرحلة و اذا لم يكن المكلّف معذورا يصير ذلك الحكم منجزا في حقه و إلّا فلا، لكن مع عدم كونه منجزا يكون فعليا و واصلا الى مرحلة البعث و الزجر و لذا يكون الاحتياط حسنا و لا يكون مخالفته موجبا للعقاب كما أفاد صاحب الكفاية و أما الثواب فدائمي فان الاتيان بما يحتمل كونه محبوبا للمولى و مأمورا به من قبله يوجب استحقاق الثواب لكونه عبدا منقادا و مستحقا للمثوبة و استحقاقه لها يكون دائميا لا احيانا فالتعبير بقوله «ربما» لا يكون في محله و أما الاشكال المشهور في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري فنتعرض له و لجوابه في محله إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

الكلام فى التجرى:

يقع الكلام في التجري من جهات:

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أبواب صفات القاضى الحديث: 12.

12

الجهة الاولى: في أن التجري لا يختص بخصوص القطع المخالف بل يعم بقية الطرق و الامارات التعبدية اذ لا وجه للاختصاص بل الحق شموله لكل حكم ظاهري بل يعم كل منجز و لو لم يكن حكما كالشبهة قبل الفحص، فالميزان تحقق المنجز و انما يذكر خصوص القطع لكونه أظهر مصاديق المنجّز.

ان قلت: لا مجال للتجري في باب الامارات و الاصول العملية فان التجري متقوّم بانكشاف الخلاف و لا يتصور في موارد الامارات و الاصول فانه بعد كشف الواقع يتبدل الموضوع و بعبارة اخرى يكون مخالفة الامارة و الاصل عصيانا واقعيا لا تجريا. قلت: هذا البيان انما يتم على القول بالموضوعية و السببية و ان الاحكام مجعولة على طبق الامارات و الاصول و لا واقع في مواردها و الحال ان الامر ليس كذلك بل الاحكام محفوظة في الواقع و لا فرق فيما نقول بين القول بكون مفاد دليل الامارة جعل الطريقية و بين القول بأن مفاده جعل الحكم، أما على الاول فظاهر و أما على الثاني فان الحكم المجعول حكم طريقي اما منجز للواقع و اما معذّر و على كل حال الواقع محفوظ بحاله و إلّا يلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور الباطل عقلا.

الجهة الثانية: ان صاحب الكفاية افاد بأنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة في صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الاصابة على التجري بمخالفته أو استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا؟. الحق انه يوجبه بشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمه على تجريه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان و صحة مثوبته و مدحه‏

13

على اقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته الى آخر كلامه.

أقول يقع الكلام في موضعين، الموضع الاول: في أنه هل يتغير حكم الفعل المتجرى به بالقطع بالخلاف أو يبقى حكمه على ما كان فاذا قطع المكلّف بأن المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء هل يحرم ام يبقى على حكمه الواقعي اي الحلية؟.

الموضع الثاني: في أنه على فرض بقاء الفعل المتجرى به على حكمه و عدم تغيره هل يوجب التجري استحقاق العقاب ام لا؟. أما المقام الاول: فيقع الكلام فيه من جهتين: الجهة الاولى: في أنه هل يحرم الفعل بالملاك الواقعي بعد الاعتقاد المتعلق به فان المكلف اذا اعتقد ان المائع الفلاني خمر فهل يشمله دليل حرمة الخمر أم لا؟

الجهة الثانية: في أنه اذا لم نقل بصيرورته حراما بالملاك الاولي فهل يحرم بالملاك الثانوي و هو التمرد و الطغيان ام لا؟

فنقول: ربما يقال ان الاطلاقات الاولية شاملة لموارد القطع بالخلاف فلو قال المولى يحرم الخمر يشمل ما لو قطع المكلّف ان المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء و استدل لاثبات الدعوى بثلاث مقدمات:

المقدمة الاولى: انه لا اشكال في اشتراط التكليف بالقدرة و ما لا يكون مقدورا لا يتعلق به التكليف.

المقدمة الثانية: ان المحرك للانسان بالنسبة الى العمل قطعه و أما كونه مطابقا للواقع و عدمه فهو اجنبي عن المحركية و الزاجرية و لذا نرى انه لو قطع شخص بوجود سبع مفترس يفر و ان كان قطعه مخالفا مع الواقع و مع القطع بالخلاف لا يفر و لو مع وجود السبع في الخارج.

14

المقدمة الثالثة: ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا للمكلّف فالنتيجة ان التكليف يتعلق بما تعلق به القطع اذ ثبت بالمقدمة الاولى ان التكليف لا يتعلق إلّا بالحصة المقدورة و ثبت بالمقدمة الثانية ان المقطوع اختياري للمكلّف و ثبت بالمقدمة الثالثة ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا فالنتيجة ان تعلق التكليف هو الذي تعلق به القطع.

و يرد عليه اولا: انه يلزم تحقق الامتثال بما أمر به المولى كالصلاة في الوقت فلو قطع المكلف بالوقت و صلى يلزم الاجزاء و لو كانت الصلاة واقعة في خارج الوقت واقعا و هل يمكن الالتزام به و بعبارة اخرى: على هذا القول لا فرق في الواجبات و المحرمات أي كما ان المحرمات تتغير بالقطع تتغير الواجبات به و هل يمكن الالتزام به.

و ثانيا: نجيب بالحل و هو ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و لا دخل للقطع و عدمه فيها و التكاليف متعلقة بالعمل و الاختيار طريق الى تحصيله في الخارج و بعبارة واضحة: جميع المكلفين مشتركون في تعلق التكاليف بهم و لا يختص التكليف بالقاطع مضافا الى أن الالتزام بالتقريب المذكور يستلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور المحال. و صفوة القول: ان العمل المقطوع به لو صادف الحكم الواقعي يصح العقاب عليه لو كان عصيانا و يصح الثواب عليه لو كان اطاعة و على كلا التقديرين يكون الفعل اختياريا و بعبارة واضحة: يلزم أن يكون العقاب على الفعل الصادر عن الاختيار و مع القطع بالمصادفة للواقع يصدق انه فعل اختياري.

نعم اذا كان قطعه على الخلاف كما لو شرب مائعا مقطوع الحرمة و الحال انه حلال واقعا فانه ترك الخمر و ترك شرب الحرام و لكن‏

15

هذا الترك ترك غير اختياري فاذا لم يعاقبه المولى لعدم شربه المحرم لا يكون فيه محذور اذ المحذور في العقاب على أمر غير اختياري و أما عدم العقاب لعدم العصيان فلا يكون فيه محذور و ان كان عدم العصيان بدون الاختيار فتحصل ان القطع بكون المائع الفلاني خمرا لا يوجب حرمته بعنوان انه خمر، هذا تمام الكلام في الجهة الاولى.

و أما الجهة الثانية: فربما يقال بأن القطع بكون شي‏ء حراما يوجب حرمته بالعنوان الثانوي و ذكر في تقريبه وجوه: الوجه الاول: ان القطع بالمفسدة في شي‏ء يوجب حرمته و كذلك القطع بوجود المصلحة في شي‏ء يوجب وجوبه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و القطع بالمفسدة يوجبها كما ان القطع بالمصلحة كذلك.

فيه: انه لا دليل على هذا المدعى بل الدليل على خلافه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها و المصالح و المفاسد امور واقعية لا دخل للقطع و عدمه في ثبوتها و عدمها. ان قلت:

يمكن التأثير و يحتمل تحقق الملاك في المتعلق بالقطع. قلت:

نفرض امكانه و لكن مجرد الامكان لا يقتضي الحكم على طبقه مضافا الى أن استصحاب العدم يقتضي عدمه فان استصحاب عدم تحقق الملاك يقتضي عدم تحققه كما ان مقتضى استصحاب عدم حدوث الحكم عدم تحقق الحرمة و الوجوب بل مقتضى اطلاق حلية ذلك الشي‏ء بقاء حليته حتى في حال القطع بحرمته إلّا أن يقال انه مع القطع بالحرمة لا مجال لبقاء الحلية لعدم ترتب أثر عليه، اضف الى ذلك ان لازم القول المذكور انه لو قطع المكلف بحرمة شي‏ء و كان حراما واقعا تكون حرمته متضاعفة اذ المفروض كونه حراما في حد نفسه و من ناحية اخرى فرض ان المكلف قطع بحرمته و هل يمكن‏

16

الالتزام بهذا اللازم.

الوجه الثاني: ان التجري كاشف عن سوء سريرة العبد و خبث باطنه و هذا يوجب قبح الفعل فاذا كان قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة و انه كلما حكم به العقل حكم به الشرع.

و فيه: ان قبح المنكشف لا يسري الى الكاشف كما ان حسنه لا يسري اليه مضافا الى أن قاعدة الملازمة مخدوشة و لا يمكن الالتزام بها كما اشرنا اليه مرارا.

الوجه الثالث: ان تعلق القطع بقبح فعل يوجب قبحه كما ان القطع بحسن فعل يوجب حسنه فيحكم بحرمته في الاول و وجوبه في الثاني لقاعدة الملازمة بين العقل و الشرع فهنا دعويان: الدعوى الاولى: ان القطع بحرمة شي‏ء يوجب قبح ذلك الفعل. الدعوى الثانية:

انه لو صار قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة.

أما الدعوى الاولى: فقد اورد فيه ايرادان: الاول: ما افاده بعض و هو انا بالوجدان لا ندرك قبحا في الفعل في مورد التجري كما انه لا ندرك حسنا في الفعل في مورد الانقياد.

و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن خلافه وجداني، و استدل على مدعاه بأنهم قائلون بأن المستفاد من أخبار «من بلغه ثواب» ان الانقياد يوجب المثوبة و من ناحية اخرى ان التجري و الانقياد من واد واحد و بعبارة اخرى الفقهاء قائلون بأنه لا يستفاد من أخبار من بلغ استحباب الفعل بل المستفاد منها الارشاد الى حكم العقل بترتب الثواب على الانقياد و من ناحية اخرى الانقياد في قبال التجري فكما ان الانقياد حسن، يكون التجري قبيحا

و يرد على ما أفاده: بأن العبد اذا قطع بأن فلانا ابن المولى و الحال انه أعدى عدوه و تجرى فقتله، نسأل ان القتل المذكور محبوب‏

17

للمولى أو مبغوض أو انه لا مبغوض و لا محبوب أو انه محبوب و مبغوض لا سبيل الى الرابع لاجتماع الضدين و هو محال كما انه لا مجال للثالث اذ لا يمكن أن لا يتفاوت حاله بالنسبة اليه كما انه لا يمكن الثاني كما هو ظاهر فيكون المتعين هو الشق الاول أي يكون محبوبا ليس إلّا و هل يمكن أن يكون القبيح محبوبا كلا.

الايراد الثاني: ان القبيح يلزم أن يكون أمرا اختياريا للمكلف و بعبارة اخرى: العناوين المقبحة و المحسنة يلزم أن تكون متعلقة للارادة و القاطع لا يتوجه بقطعه بل ربما لا يصدر الفعل عن اختياره مثلا لو قطع بكون المائع الفلاني خمرا و كان في الواقع ماء فشربه لم يكن شربه اختياريا اذ ما قصده لم يقع لانه لم يكن خمرا و ما وقع لم يقصد لانه لم يقصد الشارب شرب الماء.

و أجاب عن الوجه المذكور سيدنا الاستاد انه يكفي لتعنون الفعل بالحسن و القبح التفات الفاعل بالعنوان العارض بالفعل و لا يلزم ان العنوان غرضا و غاية للفاعل و لذا نرى ان ضرب اليتيم أمر قبيح و ان لم يكن الغرض من الضرب ايلام الطفل و ايذائه و أما دعوى ان عنوان القطع غير ملتفت اليه فغير صحيح اذ العلم حاضر عند العالم بالعلم الحضوري و القاطع ملتفت الى قطعه غاية الامر توجهه اليه اجمالي و ارتكازي و هذا المقدار يكفي لكونه اختياريا و أما ما افيد في التقريب بأن ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع فلم يصدر عنه فعل اختياري. فيرد عليه: انه لا اشكال في أن مثله فعل اختيارى و لا يصح أن يقال انه شرب المائع بلا اختيار و العرف ببابك، هذا تمام الكلام في الدعوى الاولى.

و أما الدعوى الثانية فيرد عليها اولا، انه لا دليل على هذه الدعوى و بعبارة واضحة: ذكرنا مرارا انه لا طريق للعقل الى كشف الملاكات‏

18

الشرعية و القبح العقلى لا يستلزم الحكم الشرعي و لذا يمكن ان يكون الامر الفلاني قبيحا في نظر العقل و مع ذلك يتعلق به الامر الشرعي و لذا نرى ان ابراهيم النبى (عليه السلام) امر من قبل اللّه بذبح ولده اسماعيل و تصدى لامتثاله و لم يستشكل بأنه ظلم محرم هذا اولا.

و ثانيا: لو سلمنا الملازمة فانما تتم اذا كان حكم العقل بالقبح أو الحسن في سلسلة علل الاحكام، و أما اذا كان حكم العقل في سلسلة المعاليل فلا تتم الدعوى المذكورة اذ حكم العقل بقبح العصيان اذا كان كافيا في زجر المكلف عن الارتكاب فلا يحتاج الى حكم الشرع و ان لم يكن كافيا فلا أثر لحكم الشرع.

فتحصل ان القطع بحرمة ما لا يكون حراما لا يوجب حرمته كما ان القطع بوجوب ما لا يكون واجبا لا يوجب وجوبه، نعم العقل يرى ان المتجري مستحقا للعقاب كما انه يرى ان المنقاد مستحقا للمثوبة بل لو عزم احد على العصيان و أتى ببعض مقدماته كما لو عزم على شرب الخمر و أخذ الكأس لان يشرب منه الخمر يكون مستحقا للعقاب في نظر العقل بل يمكن أن يقال ان مجرد عزم المكلف على العصيان يوجب استحقاق العقاب كما انه لا يبعدان العزم على الاطاعة يوجب استحقاق الثواب الانقيادي بل لا يبعد أن الترديد في العصيان يوجب استحقاق العقوبة فان وظيفة العبد أن يكون عازما جازما على الاطاعة و الانقياد من المولى و أما الترديد في الاطاعة كما لو كان مرددا في اطاعة امر المولى اذا كان امرا استحبابيا لا يوجب استحقاق المثوبة و استدل على المدعى ببعض الآيات و الروايات، أما الآية فقوله تعالى‏ «وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» (1) بتقريب ان مجرّد النية في القلب توجب العقاب و المثوبة و الظاهر ان الآية

____________

(1) البقرة/ 284.

19

غير قاصرة عن الدلالة على المدعى، و استدل ايضا بقوله تعالى‏ «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» (1) بتقريب ان الامر القلبي يوجب السؤال و العقوبة، و فيه: ان الآية الشريفة لا تدل على المدعى بل تدل على أن كل عضو يصدر عنه العصيان يؤخذ به فان صدر العصيان عن العين أو السمع أو القلب يؤخذ و أما تعيين المصداق فلا تعرض له في الآية و بعبارة واضحة: ان المكلف يجب عليه أن يعمل بوظيفته مثلا وظيفة القلب الاعتقاد بالامور الاعتقادية فاذا لم يعتقد يوجب العقوبة و السؤال.

و استدل ايضا بقوله تعالى‏ «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» (2) بتقريب ان المستفاد من الآية ان الامر القلبي يوجب المؤاخذة، و فيه: ان الظاهر من الآية الشريفة ان اليمين بلا قصد امر لغو و لا اثر له و أما اذا كان عن قصد فيترتب عليه الاثر فلا ترتبط بالمقام و استدل ايضا بقوله تعالى‏ «وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (3) و قد ظهر مما ذكرنا تقريب الاستدلال بالآية على المدعى و الجواب عنه.

و أما من الاخبار فقد استدل على المدعى بجملة من النصوص:

و من تلك النصوص ما رواه السكونى عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)): نيّة المؤمن خير من عمله، و نيّة الكافر شر من عمله، و كل عامل يعمل على نيّته. (4)

____________

(1) الاسراء/ 36.

(2) البقرة/ 225.

(3) الاحزاب/ 5.

(4) الوسائل الباب 6، من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 3.

20

و هذه الرواية ضعيفة سندا فلا يعتد بها مضافا الى أنه لا يمكن الالتزام بظاهرها.

و منها ما رواه ابو هاشم قال: قال ابو عبد اللّه ((عليه السلام)): انما خلّد أهل النار في النار، لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها ان يعصوا اللّه ابدا، و انما خلّد اهل الجنة في الجنة، لان نياتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها ان يطيعوا اللّه ابدا، فبالنيات خلّد هؤلاء و هؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ) قال:

على نيته. (1)

و الحديث ضعيف سندا الى غيرهما من النصوص الدالة على المطلوب لاحظ النصوص في باب 7 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل و يستفاد من جملة من النصوص ان نية الخير تكتب و أمانية الشر فلا تكتب. منها: ما عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه ((عليه السلام)) قال: ان العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى أفعل كذا و كذا من البرّ و وجوه الخير، فاذا علم اللّه ذلك منه بصدق نيّة كتب اللّه له من الاجر مثل ما يكتب له لو عمله، ان اللّه واسع كريم‏ (2).

و منها: ما عن زرارة، عن احدهما ((عليه السلام)) قال: ان اللّه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذريته ان من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، و من همّ بحسنة و عملها كتبت له عشرا، و من همّ بسيئة لم تكتب عليه، و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيئة (3).

بقي شي‏ء في المقام لا بأس بالتعرض له. و هو ان سيدنا الاستاد

____________

(1) عين المصدر، الحديث 4.

(2) نفس المصدر الحديث 1.

(3) عين المصدر الحديث 6، و كذلك الحديث 7 و 8 و 9 و 10 و غيرها المذكور فى الباب المشار اليه فلاحظ.

21

أفاد على ما في التقرير بأنه ربما يستدل على حرمة التجري بالنصوص الدالة على العقاب على قصد المعصية لاحظ الوسائل الباب السادس من أبواب مقدمة العبادات الحديث 3 و 4 و 5 و 11 و 22 و الباب السابع من هذه الابواب الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و في قبال هذه الروايات نصوص تدل على عدم العقاب على مجرد القصد و قد جمعوا بين الطائفتين بوجهين:

الوجه الاول: ان الطائفة الاولى حملت على القصد مع الاشتغال ببعض المقدمات و الثانية على القصد المجرّد.

الوجه الثاني: حمل الطائفة الاولى على ما اذا لم يرتدع من قبل نفسه حتى مانعة مانع قهري و الطائفة الثانية على الارتداع من قبل نفسه، و الحق عدم تمامية ما افيد في المقام و عدم قابليته للاستدلال على المدعى مع قطع النظر عن المعارض و ذلك لوجوه: الوجه الاول: ان ما يدل على ترتب العقاب على القصد قاصر سندا فلا يكون قابلا للاستناد. الوجه الثاني: ان المستفاد من تلك الطائفة ان العقاب على قصد ارتكاب الحرام الواقعي فلا يرتبط بقصد ارتكاب الحرام الخيالي.

الوجه الثالث: انه على فرض غمض العين عما ذكرنا لا تدل تلك الطائفة على حرمة العمل المتجرى به بل تدل على ترتب العقاب على القصد فلا يكون الاستدلال تاما و بعبارة اخرى: لا يستفاد من تلك الاخبار الا استحقاق العبد للعقاب اذا كان قاصدا للعصيان و العقل حاكم بهذا المقدار فلا تزيد الاخبار على ما يحكم به العقل و ما أفاده تام.

و صفوة القول: انه لا دليل على حرمة التجري و الظاهر ان العقل‏

22

حاكم باستحقاق المتجري للعقاب و هل يمكن القول بعدم عقابه ببركة ما وردت من النصوص التي تدل على عدم المؤاخذة بالعزم و النية؟

الانصاف ان الجزم بكونه مستفادا من تلك النصوص مشكل إلّا ان يستفاد الملاك و الجزم به ايضا مشكل اذ لا يبعد ان المستفاد من تلك النصوص ان العازم على العصيان لو انصرف لا يكتب عليه و اللّه العالم بحقائق الامور.

فصل: [طريقية القطع ذاتية]

قد مرّ ان طريقية القطع لا تقبل الجعل بل هي ذاتي له كما انه لا يمكن ازالة الطريقية عنه لكن لا مانع من جعل القطع موضوعا لحكم من الاحكام فنقول قد يؤخذ القطع بحكم موضوعا لحكم آخر لا يضاده و لا يماثله بلا فرق بين كونه من جنسه أو من غير جنسه كما لو قال المولى «اذا قطعت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك التصدق» أو يقول «اذا قطعت بحرمة شرب التتن وجب عليك الصوم» و قد يؤخذ القطع بشي‏ء موضوعا لحكمه كما لو قال المولى «اذا قطعت بخمرية مائع يحرم عليك شربه» أو قال «اذا قطعت بدخول الشهر يجب عليك التصدق» و هكذا.

[في تقسيم القطع الى اقسام‏]

و قد قسم القطع الموضوعي الى قسمين: اذ تارة يؤخذ القطع في الموضوع بما انه طريق و اخرى يؤخذ بما انه صفة فان القطع من الامور الاضافيّة فكما انه لا يتحقق إلّا بالقاطع كذلك لا يتحقق إلّا بالمقطوع به، و بعبارة واضحة: ان العلم نور بنفسه و منور لغيره فلا يتحقق الا بالقاطع و العالم و المعلوم و يقوم بهما و عليه يمكن أن يؤخذ في الموضوع بما انه صفة للنفس و يمكن أن يؤخذ في‏

23

الموضوع بما انه منور للغير.

و ربما يقال: انه ينقسم الى أربعة اقسام اذ كل قسم ينقسم الى تمام الموضوع و الى جزء الموضوع فطبعا يكون الاقسام أربعة، و توضيح المدعى ان القطع المأخوذ في الموضوع تارة هو القطع و هو تمام الموضوع بلا فرق بين اصابته مع الواقع و عدمه و اخرى يؤخذ في الموضوع بعنوان كونه جزءا و يكون الجزء الآخر هو الواقع فالاقسام اربعة. ذهب اليه صاحب الكفاية، و ايضا ذهب الى ان القطع المأخوذ في الموضوع صفة قد يؤخذ بعنوان كونه صفة للقاطع و اخرى يؤخذ بعنوان كونه صفة للمقطوع به.

و أورد عليه سيدنا الاستاد اولا، بأن القطع المأخوذ في الموضوع صفة يتصور فيه أخذه تمام الموضوع و أخذه جزء الموضوع اذ ربما يكون تمام الموضوع تلك الصفة بلا دخل للواقع في الموضوع كما انه يمكن أخذه جزء الموضوع بأن يكون الموضوع مركبا من الامرين و أما أخذ القطع بعنوان الطريقية في الموضوع فلا يمكن إلّا بنحو جزء الموضوع. و الوجه فيه: ان كونه تمام الموضوع، انه لا دخل للواقع و تمام الموضوع هو القطع و لو لم يكن مطابقا للواقع و معنى القطع طريقا الى الواقع معناه دخل الواقع في الموضوع فالجمع بين الطريقية و كون القطع تمام الموضوع جمع بين المتناقضين فالحق أن يقال ان الاقسام ثلاثة بأن نقول القطع المأخوذ في الموضوع صفة قد يكون تمام الموضوع و اخرى يكون جزء الموضوع و قد يؤخذ في الموضوع طريقا و هذه ثلاثة اقسام.

و أورد عليه ثانيا: بأنه ما المراد من كون القطع صفة للمقطوع به فان كان المراد بالمقطوع به المعلوم بالذات و هي الصورة الحاصلة في النفس فهو عبارة اخرى عن كونه صفة للقاطع و بعبارة

24

اخرى: تلك الصورة عين القطع، و ان كان المراد المعلوم بالعرض فلحاظه يرجع الى كون القطع ملحوظا على نحو الطريقية فالجمع بين الامرين جمع بين المتنافيين.

و الذي يختلج بالبال أن يقال لا اشكال في أن كل قطع له ثلاث جهات:

الجهة الاولى: كونه صفة للقاطع، الجهة الثانية كونه طريقا الى المقطوع به، الجهة الثالثة ان المقطوع به ينكشف به فاي مانع في جعل الجهة الثانية موضوعا للحكم بلا دخل المصادفة و عدمها ان قلت:

لا ينفك القطع الطريقى عن المقطوع به، قلت: القطع بعنوان كونه صفة أيضا كذلك لكن المولى ربما ينظر الى الجهة الاولى و قد ينظر الى الجهة الثانية و في كلا المقامين ربما يجعلها تمام الموضوع و اخرى جزءا له فلاحظ.

و أما ايراده الثاني فنقول: لا نرى مانعا من جعل الجهة الثالثة موضوعة للحكم و بعبارة اخرى: لا اشكال في كون القطع أمرا اضافيا و له ارتباط بالمقطوع به كما ان له ارتباطا بالقاطع فكما انه يمكن جعل القطع موضوعا بما انه صفة للقاطع كذلك يمكن جعله موضوعا بما انه صفة للمقطوع به مع قطع النظر عن حيثية الطريقية و لا نرى مانعا عما ذكر فلاحظ.

ثم انه أفاد سيدنا الاستاد انه لا اشكال في قيام الامارات و الطرق مقام القطع الطريقي بنفس ادلة اعتبارها فتترتب عليها الآثار المترتبة عليه من التعذير و التنجيز عند المخالفة و المطابقة و لا ريب في عدم قيامها مقام القطع الموضوعي صفة بنفس ادلة اعتبارها و ذلك لان القطع من الصفات النفسانية كبقية صفاتها و المأخوذ صفة لم يلحظ فيه جهة طريقيته و ادلة اعتبار الامارات لم تجعل الامارات صفة كالقطع.

25

و اما قيام الامارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية فقد اخلفت كلماتهم فيه فذهب الشيخ الانصاري (قدس سره) الى قيامها مقامه و تبعه المحقق النائيني، و خالفهما صاحب الكفاية و استدل على مدعاه بأن الالتزام بذلك يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي بيان ذلك: ان التنزيل يستدعى لحاظ المنزل و المنزل عليه و لحاظ الامارة و القطع في تنزيل الامارة طريقا آلي اذ الاثر مترتب على الواقع و لحاظ الامارة و القطع في جعل الامارة منزلة القطع المأخوذ في الموضوع استقلالي و لا يمكن الجمع بين اللحاظين في لحاظ واحد و حيث ان الظاهر من دليل الاعتبار جعل المؤدى منزلة الواقع لا يمكن جعل الامارة منزلة القطع.

و يرد عليه: ان تنزيل المؤدى منزلة الواقع مبني على القول بالسببية و هذا القول على خلاف مسلك صاحب الكفاية اذ هو قائل بأن المجعول في باب الامارات المنجزية و المعذرية مضافا الى أن القول المذكور فاسد ثبوتا و اثباتا اي لا دليل عليه في مقام الاثبات أما فساده ثبوتا فلانه يستلزم التصويب و أما فساده اثباتا فلانه لا يستفاد من الادلة و عمدتها السيرة العقلائية جعل الحكم مطابقا للمؤدّى فنقول: أما على مسلك صاحب الكفاية فلا يلزم محذور اذ على هذا لا يلاحظ الواقع بل يلاحظ الامارة و يجعل الامارة منزلة القطع فتارة يلاحظ الاثر العقلي و اخرى الاثر الشرعي و ثالثة يلاحظ كليهما و مقتضى اطلاق التنزيل أن يجعل الامارة منزلة القطع على الاطلاق و السريان و أما على القول بأن المجعول في باب الامارات الطريقية فنقول مقتضى اطلاق الدليل جعله بكلا الاعتبارين فلاحظ.

26

و الذي يختلج ببالي القاصر أن يقال ان القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية لو كان جزءا للموضوع و الجزء الآخر منه هو الواقع فقيام الطريق مقامه متقوم بأن يعتبر الامارة طريقا و يجعل مؤدى الطريق هو الواقع فيلزم محذور الجمع بين اللحاظين المذكور في كلام صاحب الكفاية مضافا الى المحذور الثبوتي و هو التصويب المذكور في كلام سيدنا الاستاد، و الذي يمكن أن يقال ان محذور اجتماع اللحاظين مدفوع من أصله اذ يمكن للمولى أن يلاحظ كل واحد من الامرين و يرى الجعل بكلا الاعتبارين و يجعل مجعوله مطلقا مثلا اذا لاحظ المرآة بما هي مرآة بالاستقلال و لاحظ الصورة المنطبعة فيها ايضا بالاستقلال و حكم عليهما بحكم بأن قال جعلت المرآة و ما فيها محترما هل يلزم من هذا الجعل اجتماع اللحاظين و المقام كذلك، نعم الاشكال الثبوتي و هو لزوم التصويب بحاله فلاحظ.

ثم قال: مقتضى مذهب صاحب الكفاية و هو ان المجعول في باب الامارات و الطرق المنجزية و المعذرية التخصيص في حكم العقل و التخصيص في الحكم العقلي غير معقول بيان ذلك: ان العقل حاكم بقبح العقاب بلا بيان فتارة يتصرف الشارع في موضوع حكم العقل و يجعل الطريقية للامارة فينتفى حكم العقل و يحكم بالتنجز اذ المفروض بعد جعل الشارع الامارة طريقا الى الواقع يتبدل عدم البيان بالبيان و لذا نقول دليل الامارة يكون واردا على الدليل العقلي اي ينعدم موضوعه و أما اذا لم نقل بذلك بل قلنا ان المجعول هو التنجز فمعناه ان العقاب بلا بيان قبيح الا مع قيام الامارة و بعبارة واضحة: ان لم يكن المجعول في باب الامارات الطريقية لا يتبدل عدم البيان بالبيان و مع عدم البيان يكون العقاب قبيحا الا مع الامارة

27

و تخصيص الحكم العقلي أمر غير معقول هذا ما أفاده سيدنا الاستاد في هذا المقام.

و لنا أن نقول: لا مجال لهذا الاشكال فان العقل يلزم المكلف بدفع الضرر المحتمل فاذا قال المولى جعلت الامارة منجزة معناه التوعيد بالعذاب و المؤاخذة في صورة المخالفة و على ما ذكرنا لا يشكل بأن التنجيز و التعذير لا يكونان قابلين للجعل فان التنجيز معناه التوعيد فلا يلزم التخصيص في حكم العقل و ببيان واضح ان العقل لا يحكم بقبح العقاب مع توعيد المولى به و المفروض ان المولى أوعد به فهذا الاشكال غير وارد على صاحب الكفاية، و عليه نقول ما أفاده صاحب الكفاية قابل في مقام الثبوت و لكن غير تام اثباتا اذ ليس المجعول المعذرية و المنجزية بل المجعول في باب الطرق و الامارة اما الحكم الطريقي الظاهري و أما الطريقية كما عليها سيدنا الاستاد.

ثم ان سيدنا الاستاد صرح بأنه لو كان دليل اعتبار الامارة السيرة العقلائية يترتب عليه قيام الامارة مقام القطع الطريقي و مقام القطع الذي اخذ في الموضوع على نحو الطريقية.

و يرد عليه: ان السيرة دليل لبّي لا لسان لها و لا اطلاق فيها فلا مجال لهذه الدعوى بل تختص الامارة بالقيام مقام القطع الطريقي المحض نعم لو كان دليل الاعتبار النص يمكن أن يفرض فيه الاطلاق و تفصيل هذه الجهات موكول الى مجال آخر.

و أما الاصول المحرزة كالاستصحاب فمقتضى القاعدة قيامها مقام القطع الطريقي و القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية، و الوجه فيه ان الشارع الأقدس اعتبرها علما فعلى تقدير كون الاصول المحرزة امارات مجعولة لا مانع عن قيامها مقام القطع الطريقي‏

28

و الموضوعي على نحو الطريقية.

ان قلت: كيف يمكن اعتبار مواردها علما مع أخذ الشك في موضوعها لاحظ قوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين بالشك» و بعبارة اخرى لا يمكن الجمع بين الشك و اليقين. قلت: التنافي بين اليقين الوجداني و الشك الوجداني و اما بين الشك الوجداني و العلم التعبدي فلا تنافي و ان فتح باب الاشكال المذكور ينسد باب الحكومة الظاهرية فان قوام الحكومة الظاهرية بالشك و جعل موردها علما مضافا الى أنه لو تم هذا الاشكال لا يمكن قيام الامارات مقام القطع اذ الامارة متقومة بالشك غاية الامران الشك مأخوذ في لسان الدليل في الاصول و الشك مأخوذ بحكم العقل في الامارات توضيح المدعى ان الاهمال غير معقول في الواقع و عليه نقول الامارة كقول العادل مثلا اما طريق و علم للعالم بمفادها و اما حجة للعالم بالخلاف و اما حجة للشاك لا سبيل الى الاول و الثاني فيكون الامر منحصرا في الثالث‏

ان قلت: على هذا فلا فرق بين الاصول و الامارات و لا وجه لتقدم الامارات على الاصول و الحال ان المسلم عندهم تقدم الامارات على الاصول.

قلت: الوجه في التقدم ان ادلة الامارات حاكمة على ادلة الاصول و ناظرة الى موضوعها، و بعبارة واضحة: ان المأخوذ في موضوع الاستصحاب الشك و مع وجود الامارة لا مجال للشك و ان شئت قلت مفاد الامارة يتصرف في موضوع الاصل و يرفعه مضافا الى أنه لو لم يقدم دليل الامارة على الاصل يلزم أن يكون جعل الامارة لغوا مثلا لو لم تكن الامارة مقدمة على الاستصحاب لا يبقى مجال لقول العادل فان العادل لو اخبر بوجوب صلاة الجمعة يكون مفاد الاستصحاب عدمه و ايضا لو كان مفاد الامارة حرمة شرب التتن يكون مقتضى‏

29

الاستصحاب عدم الحرمة و هكذا، فلا اشكال في تقدم الامارة على الاصل، فالنتيجة انه لا مانع عن قيام الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي و الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقية ثبوتا فلو تم الدليل في مقام الاثبات نلتزم بقيامها مقامه، فتحصل ان مقتضى القاعدة الاولية قيام الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي و المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية، نعم لو استلزم قيامها مقام القطع الطريقي المأخوذ في الموضوع محذورا نلتزم بعدم قيامها مقامه مثلا لو قلنا ان المستفاد من ادلة احكام الشكوك في ركعات الصلاة ان القطع بالركعتين الاولتين في الصلوات الرباعية و القطع بركعات المغرب و الصبح مأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية لا يمكن الالتزام بقيام الاستصحاب مقامه و إلّا يلزم كون اخذ القطع مأخوذا في الموضوع لغوا لان مقتضى استصحاب عدم الركعة المشكوك فيها احراز ان المأتي به متيقنا مثلا لو شك المصلي في أن ما بيده الاولى أو الثانية يكون مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بالثانية فيكون المأتي به ركعة واحدة فلا تصل النوبة الى القطع فاخذه في الموضوع لغو.

و أما الاصول غير المحرزة اي البراءة و الاشتغال عقلا و شرعا فلا مجال لقيامها مقام القطع فانها وظائف للجاهل و بعبارة اخرى قد فرض في موضوعها كون المكلف جاهلا بالواقع فلا يحتاج المدعى الى تطويل البحث، و يمكن أن يستدل عليه بأن كل تنزيل يحتاج الى امور ثلاثة: المنزل و المنزل عليه و وجه التنزيل مثلا جعل في الشريعة الفقاع منزلة الخمر فنقول الفقاع منزّل و الخمر منزل عليه و وجه التنزيل الحرمة، و أما في المقام فالاركان غير تامة اذ الاحتياط

30

العقلي عبارة عن تنجز الواقع كالشبهة قبل الفحص و البراءة العقلية عبارة عن التعذير و قس عليهما البراءة الشرعية و الاشتغال الشرعي فالبراءة عبارة عن التعذير و الاشتغال عبارة عن التنجيز و المفروض ان أثر القطع التنجز أو التعذر فلا بد في التنزيل أن يكون بلحاظهما و أما نفس التنجز و التعذر فلا مجال لقيامهما، و على الجملة احد الاركان الثلاثة مفقود في المقام فلا يتحقق ما يتقوم بالاركان فلاحظ.

ايقاظ: ان صاحب الكفاية بعد ما بنى على عدم امكان قيام الامارة و الاصول مقام القطع الموضوعي لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالى، أفاد ان الدليل الدال على قيام الامارة مقام القطع الطريقى يدل بالملازمة العرفية على قيامها مقام القطع الموضوعي فان الدليل المتعرض لقيام الامارة و الاصول مقام القطع الطريقى متعرض لجعل المؤدّى منزلة الواقع و بالملازمة العرفية يدل على ان القطع بالمؤدّى يكون بمنزلة القطع بالواقع و عليه نقول اذا كان الموضوع مركبا من الواقع و القطع به تقوم الامارة و الاصول المحرزة مقامه، بالتقريب المذكور و لكن عدل عن هذا الرأي و قال هذا التقريب دوري فلا يمكن الالتزام به بيانه: ان كل موضوع مركب لا بد في ترتيب الاثر عليه من احراز الجزءين الدخيلين في الموضوع اما بالوجدان أو احدهما بالوجدان و الآخر بالتعبد و اما كليهما بالتعبد بأن يشمل الدليل كلا الجزءين في عرض واحد، و أما اذا لم يشمل الدليل كلا الجزءين في عرض واحد كما في المقام لما مرّ من لزوم محذور الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالى فلا يكون الدليل شاملا لتنزيل كلا الجزءين اذ يلزم الدور فان المفروض ان احد التنزيلين في طول التنزيل الآخر فشمول الدليل للتنزيل الاول متوقف على شموله للتنزيل الثاني اذ بدونه لا يتم الامر و الحال ان التنزيل الثاني يتوقف‏

31

على شمول الدليل للتنزيل الاول و هذا دور صريح.

نعم اذا ورد دليل في خصوص مقام بحيث لو لم يشمل كلا التنزيلين تلزم اللغوية نلتزم بشمول الدليل لكلا التنزيلين بدليل الاقتضاء و أما لو لم يكن الامر كذلك بل كان الدليل عاما أو مطلقا لها مصاديق كما ان الامر كذلك في المقام فلا وجه للالتزام بشمول الدليل لتنزيل كلا الجزءين الا بالتقريب الدوري و بعبارة واضحة: التنزيل بلحاظ قيام الامارات و الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي لا يستلزم التنزيل بلحاظ القطع الموضوعي و بعبارة اخرى: لا مجال للاخذ بدليل الاقتضاء فان التنزيل بلحاظ القيام مقام القطع الطريقى له مصاديق كثيرة كما هو واضح فلاحظ.

بقي شي‏ء: و هو انه ان قلنا بأن المجعول في باب الامارات و الاصول المحرزة الحكم الطريقى الظاهري فهل يكون مجال لقيام الامارات و الاصول مقام القطع الطريقى أو الموضوعي أم لا؟

الظاهر هو الثاني فان المفروض ان المجعول من قبل المولى الحكم لا الطريقية و الكاشفية كى تقوم مقام القطع الذي هو طريق بالذات و لكن الظاهر ان النتيجة تظهر فيما يكون القطع موضوعا و أما في القطع الطريقي فلا نتيجة و لا فرق بين القولين اذ في القطع الطريقي يتنجز الواقع أو يكون العبد معذورا و الحكم المجعول من قبل الشرع ينتج هذه النتيجة ايضا اذ على تقدير الموافقة يكون الحكم الواقعي منجزا و على تقدير المخالفة يكون الحكم الطريقي معذرا و أما ان كان القطع جعل موضوعا لحكم من الاحكام فلا وجه لقيام الامارة و الاصل المحرز مقامه فلاحظ.

ثم ان صاحب الكفاية تعرض لجعل العلم بالحكم موضوعا لنفس ذلك الحكم أو لضده أو لمثله، فنقول لا اشكال في عدم امكان العلم‏

32

بالحكم موضوعا لنفس ذلك الحكم للزوم الدور فان العلم بالحكم متوقف على وجود الحكم و متأخر عنه و يتوقف على وجوده و الحال انه فرض ان تحقق الحكم متوقف على العلم به و هذا دور و محال، و ان شئت قلت: كل شرط من شروط الحكم في رتبة علل ذلك الحكم فكيف يجوز أن يكون ما هو مقدم في الرتبة متأخرا فالنتيجة انه لا يمكن اخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم و أما اخذ العلم بالحكم في موضوع ضده كما لو قال المولى «اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تحرم عليك صلاة الجمعة» فربما يقال بجوازه لاختلاف المتعلق و عدم اتحاده اذ الوجوب تعلق بالصلاة و الحرمة تعلقت بالصلاة بقيد كونها واجبة فمتعلق الوجوب مطلق و متعلق الحرمة مقيد نعم لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال اذ الانبعاث نحو عمل و الانزجار عنه في آن واحد غير ممكن.

و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن اجتماع الضدين لازم للقول المذكور فان الحرمة و ان كان مقيدة بصورة العلم بالوجوب لكن الوجوب مطلق و موجود في كلا الحالين فيلزم أن تكون الصلاة في حال العلم بوجوبها حراما فالصلاة واجبة و محرمة في زمان واحد فيلزم اجتماع الضدين.

و يرد عليه: ان الاحكام الشرعية امور اعتبارية و لا تضاد بينها و عليه لا مجال لهذا الاشكال و لكن مع ذلك لا يمكن أن يكون فعل واحد حراما و واجبا في زمان واحد و ذلك لتحقق المحذور في المبدأ و المنتهى أما في المبدا فللزوم اجتماع الضدين اي اجتماع الحب و البغض في نفس المولى و أما في المنتهى فلانه لا يمكن للعبد الجمع بين الوجود و العدم و الحال ان مقتضى وجوب الامتثال الاتيان بالعمل و مقتضى وجوب الانزجار تركه و لا يعقل أن يجمع بين الفعل و الترك،

33

و أما اخذ القطع بالحكم في موضوع مثل ذلك الحكم فربما يقال بأنه يستلزم اجتماع المثلين و اجتماعهما محال كاجتماع الضدين و الحق انه لا محذور فيه و السر فيه انه في مورد اجتماع الملاكين يتأكد الشوق من قبل المولى و يتأكد الحكم المولوي ايضا و لذا لو كان بين عنوانين عموم من وجه كالعالم و الهاشمي و ثبت وجوب اكرام كل من الفريقين بدليل كما لو قال المولى «اكرم كل عالم» و قال في دليل آخر «اكرم كل هاشمي» يكون وجوب اكرام العالم الهاشمي آكد من وجوب اكرام العالم غير الهاشمي و الهاشمي غير العالم فلو قال المولى اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك صلاة الجمعة لا يترتب عليه محذور اذ ربما لا يقطع المكلف بوجوبها و تكون واجبة عليه بالوجوب الاولي و اخرى يقطع بالوجوب و لا وجوب في الواقع فتجب بهذا العنوان و ثالثة تكون الصلاة واجبة و المكلف يقطع بوجوبها ففي هذه الصورة يتأكد الوجوب فلا اجتماع للمثلين مضافا الى أنه قد ذكرنا آنفا انه لا مجال للاجتماع بين الضدين أو المثلين في الاحكام فانها امور اعتبارية و لا مانع عن اجتماع أحكام عديدة في موضوع واحد و انما الاشكال على تقدير حدوثه اما في المبدا و اما في المنتهى و اما في كليهما فلاحظ.

ثم انه هل يمكن اخذ العلم ببعض مراتب الحكم موضوعا لبعض مراتبه ام لا، و لا بد من بيان مراتب الحكم كى يعلم و يتضح الحال:

فنقول يمكن أن تجعل للحكم مراتب: المرتبة الاولى، مرتبة الاقتضاء فان في الخمر مثلا ملاك الحرمة و لا مانع من أن يأخذ المولى العلم بهذه المرتبة موضوعا لتحريم الخمر أو لحليته و لا محذور فيه ثبوتا.

المرتبة الثانية: مرتبة الشوق و الانزجار و البغض فان المولى‏

34

بعد علمه بالملاك ربما يشتاق الى الفعل كما يشتاق الى أن المكلف يصلي، أو ينزجر عن الفعل كما ينزجر عن الافعال القبيحة أو فقل يبغض ارتكاب القبيح و لا مانع من جعل العلم بهذه المرتبة موضوعا للحكم و لا يترتب عليه اشكال و لا يلزم محذور الدور و لا محذور اجتماع الضدين و لا اجتماع المثلين.

المرتبة الثالثة: مرتبة الانشاء المولوي و هو الجعل الانشائي و نعبر عنه بالفعلية من قبل المولى و العلم بهذه المرتبة موضوع لحكم العقل بالتنجز الذي نعبّر عنه بالمرتبة الرابعة للحكم، هذا تمام الكلام في جعل العلم بالحكم موضوعا للحكم و قد عرفت ما هو الحق فيه.

و أما جعل الظن بالحكم موضوعا للحكم فله أقسام: القسم الاول: أن يكون الظن بحكم موضوعا لحكم آخر و يكون الظن تمام الموضوع كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك التصدق» و لا اشكال في امكان هذا القسم بلا ترتب اشكال عليه فاذا ظن المكلف بوجوب صلاة الجمعة يجب عليه التصدق.

القسم الثاني: عين القسم الاول و لكن يكون الظن جزءا للموضوع و الجزء الآخر هو الواقع فان كان الظن ظنا معتبرا يترتب عليه الحكم بلا حالة منتظرة لتمامية الموضوع بكلا جزئيه احد جزئيه بالوجدان و الجزء الآخر بالتعبد و ان كان ظنا غير معتبر لا يترتب عليه الحكم الا في ظرف احراز الواقع بدليل معتبر من امارة او أصل.

القسم الثالث: ان يؤخذ الظن بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم كما لو قال المولى اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك الدعاء عنده و هذا القسم غير معقول للزوم الدور فان ترتب الحكم المجعول متوقف على الظن بالحكم و الحال ان الظن‏

35

بالحكم يتوقف على ثبوت ذلك الحكم و بعبارة اخرى لا فرق بين القطع و الظن من هذه الجهة.

القسم الرابع: أن يجعل الظن بحكم موضوعا لحكم يضاده كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يحرم عليك الدعاء» و هذا القسم أمر غير ممكن اذ مرجعه الى الظن بأن المولى يجعل الوجوب و الحرمة لموضوع واحد في زمان واحد و الحال انه مقطوع الخلاف فلا يحتمل فكيف أن يظن به.

القسم الخامس: ان يجعل الظن بحكم موضوعا لحكم مثله كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك صلاة الجمعة» و هذا القسم لا مانع منه في مقام الثبوت فان غايته التأكد كما كان كذلك في جعل القطع بحكم موضوعا لمثله.

فصل: [في الموافقة الالتزامية]

وقع الكلام بين القوم في وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه، و لتوضيح المدعى قالوا لا اشكال في وجوب تصديق النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في كل ما جاء به من الاحكام الالزامية و غير الالزامية بل يجب تصديقه في كل ما اخبر به من الامور التكوينية من العلوية و السفلية من المتقدمة و المتأخرة من الدنيوية و الاخروية و لا يرتبط بهذا البحث فان تصديق النبي من اصول الدين و كلامنا في المقام في فروع الدين و ايضا لا يرتبط البحث في المقام بان الواجب في الواجبات التعبدية الاتيان بالواجب قربة الى اللّه فان قصد القربة وجوبه مختص بالتعبديات و البحث في المقام عبارة عن أن كل واجب ينحل الى وجوبين وجوب الاتيان بمتعلقه و وجوب عقد القلب بأن الامر الفلاني واجب.

36

ثم انهم ذكروا ان نتيجة هذا البحث تظهر في دوران الامر بين المحذورين و في اطراف العلم الاجمالي فيما كانت الاطراف محكومة بالحكم الالزامي ثم علم بارتفاع الالزام من بعض الاطراف كما لو علم المكلف بنجاسة اناءين ثم علم بطهارة احدهما و انه صار طاهرا فهل يجري الاصل في كلا الطرفين مع العلم بأن احد الطرفين صار طاهرا أم لا، و يقع البحث تارة في ظهور هذه النتيجة و عدمه و اخرى في وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه فيقع الكلام في مقامين:

فنقول: المقام الاول: في أنه هل يكون جريان الاصل منافيا مع وجوب الموافقة الالتزامية ام لا؟ الذي يختلج بالبال أن يقال لا تنافي بين الامرين اذ مقتضى الاصل الجاري في كل من الطرفين حكم ظاهرى فان مقتضى الاستصحاب الجاري في كل من الإناءين و ابقاء نجاسته بالاستصحاب حكم ظاهري فلا تنافي بين الالتزام و عقد القلب بطهارة احد الإناءين في الواقع و نفس الامر و بين الالتزام بكون كل من الإناءين نجسا ظاهرا بل القاعدة تقتضي كذلك اي لو قلنا بوجوب الموافقة الالتزامية يجب على المكلف أن يعتقد بوجود النجاسة في احدهما واقعا و كون كل واحد منهما نجسا ظاهرا هذا هو المقام الاول.

انما الكلام في أن دليل الاصل العملي هل يشمل موارد العلم الاجمالى اذا لم يلزم المخالفة العملية أو لا يشمل و البحث من هذه الجهة موكول الى بحث الاصول العملية و نتعرض هناك إن شاء اللّه تعالى لان مقتضى القاعدة جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي اذا لم يستلزم مخالفة عملية، فانتظر.

و أما المقام الثاني فنقول: المعروف بين القوم انه لا تجب‏

37

الموافقة الالتزامية و انما الواجب الموافقة العملية اذ لا دليل على وجوبها، مضافا الى وجوب العمل الخارجي و للمناقشة في هذه المقالة مجال اذ كيف يجمع بين تصديق النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و بين عدم عقد القلب بوجوب الواجب الفلاني و بعبارة اخرى: اذا علم المكلف بأن العمل الفلاني واجب بالعلم الوجداني أو التعبدي معناه انه علم بأنه مما جاء به النبي، فنقول هل يجب تصديق النبي ام لا، لا سبيل الى الثاني و مع وجوب التصديق كيف يمكن أن يلتزم العبد و لا يعقد عقد القلب به.

فصل: [هل يمكن منع القطاع‏]

وقع الكلام بين القوم في أنه هل يمكن أن يمنع القطاع عن العمل بقطعه اذا كان حاصلا من الطريق غير العادي ام لا يمكن و المراد من القطاع كما ظهر مما ذكرنا من لا يكون شخصا عاديا في حصول القطع له اى يكون حصول القطع له على خلاف المتعارف من الناس و ليس المراد من القطاع من يحصل له القطع كثيرا لاطلاعه على الامور الموجبة لحصول القطع فنقول القطع الطريقي غير قابل لان يمنع عنه فانه قد ذكرنا في اول بحث القطع ان حجية القطع ذاتية و لا تنالها يد الجعل لا اثباتا و لا نفيا و القاطع يرى الواقع و يرى المنع عن العمل بقطعه مناقضا مع الواقع.

و أما القطع الموضوعى فيمكن أن يجعل له حدود و قيود من قبل المولى و الجاعل و بعبارة اخرى القطع الموضوعي أمره بيد الجاعل فله أن يجعل موضوع حكمه في أطار خاص و دائرة مخصوصة و هذا لا اشكال فيه.

38

فصل: [القطع الحاصل من غير الكتاب و السنة]

وقع الكلام في انه هل يمكن النهي عن العمل بالقطع الحاصل عن غير الكتاب و السنة و الكلام يقع تارة في الصغرى و انه هل يحصل القطع بالحكم الشرعي من المقدمات العقلية ام لا، و اخرى في أنه على تقدير حصول القطع من غير الكتاب و السنة هل يمكن المنع عن العمل به ام لا فالكلام يقع في مقامين:

اما المقام الاول: فنقول حصول العلم من المقدمات العقلية يتصور على ثلاثة أقسام: القسم الاول: ان العقل يدرك مصلحة في فعل أو يدرك مفسدة في فعل فيقطع بوجوب ذلك الفعل أو بحرمة الفعل الآخر من باب تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و لا يخفى ان التقريب المذكور فاسد اذ لا يمكن للعقل الاحاطة على جميع الجهات و لعلّ المصلحة المدركة مزاحمة بملاك آخر يكون مانعا عن ترتب الحكم عليها و كذلك في المفسدة المدركة و مع الاحتمال المذكور لا مجال لاستكشاف الحكم الشرعي.

القسم الثاني: أن يدرك العقل حسن شي‏ء أو يدرك قبح شي‏ء فيكشف الحكم الشرعي من باب الملازمة بين العقل و الشرع و ان الملازمة بين الحكمين تقتضي العلم بالحكم الشرعي فنقول لا اشكال في ادراك العقل حسن بعض الاشياء و قبح بعض الاشياء الأخر و إلّا يلزم كون بعث الانبياء و الرسل لغوا، فان العقل حاكم بقبح اجراء المعجزة على يد الكاذب المدعي للنبوة و كذلك يحكم بقبح عقاب المطيع و هكذا فلا اشكال في التحسين و التقبيح عقلا لكن هذا المقدار لا يكفي لاثبات المدعى اذ مجرد حكم العقل بقبح فعل لا يمكن أن يستكشف منه انه حرام شرعا و كذلك ادراك العقل حسن فعل لا يقتضي وجوبه شرعا اذ العقل لا يحيط بجميع الجهات الواقعية فربما يدرك‏

39

حسن فعل و الحال ان فيه المفسدة و كذلك ربما يدرك قبح فعل و الحال انه ذو ملاك حسن و لذا لا ريب في جواز النهي الشرعي عن فعل حسن في نظر العقل و كذلك لا مانع من تعلق الامر بما يكون قبيحا في نظره و الحل الوحيد في المقام ان ادراك العقل حسن فعل او قبحه مربوط بالاجتماع و في هذه الدائرة و لذا ورد في الخبر ان دين اللّه لا يصاب بالعقول و السنة اذا قيست محق الدين.

و مما يدل على ان الحكم الشرعى لا يمكن دركه بالعقل انا نرى اختلاف الآراء في عقلاء العالم و كل حزب بما لديهم فرحون.

و صفوة القول: انه لا طريق الى اثبات الملازمة بين العقل و الشرع و مما يدل على صدق مقالتنا ان ابراهيم امر بذبح ولده اسماعيل و لا اشكال في أن ذبح مثل اسماعيل بنظر العقل امر قبيح في حد نفسه و اذا كانت الملازمة المدعاة تامة لكان اللازم ان لا يقوم ابراهيم بهذه المهمة و لهذه القضية نظائر دل عليها الكتاب و التاريخ.

منها: جواز الزواج المتعدد للرجل مضافا الى ملك اليمين و عدم جوازه للمرأة فان العقلاء يرون هذه التفرقة خلاف العدل و لكن لا اشكال فيه شرعا فان الشارع الأقدس عالم بتمام الجهات و اختيار الكل بيده نعم حكم العقل بوجوب الاطاعة و حسنها و قبح العصيان أمر مسلم و مستلزم للحكم الشرعي و لكن هذا الحكم العقلي في سلسلة المعلول و الشرع يرشد الى الحكم العقلي بقوله‏ «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» و لا يعقل أن يكون الامر بالاطاعة مولويا و إلّا يلزم التسلسل.

القسم الثالث: حكم العقل بالملازمات كحكمه بأن وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدمته او ان الامر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضد على القول به و هذا الحكم العقلي لا يرتبط بالشرع‏

40

بل هذا الحكم موجود من العقل و لو لم يكن شرع في العالم فاذا حكم و اوجب الشارع أمرا نقطع بوجوب مقدمته من باب حكم العقل لكن لا يرتبط بالمدعى في المقام، فانقدح انه لا طريق الى كشف الحكم الشرعي عن طريق العقل، هذا تمام الكلام في المقام الاول.

و أما المقام الثاني و هو كون القطع الحاصل من غير الكتاب و السنة حجة أم لا؟ فتارة يقع الكلام في امكان النهي عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، و اخرى في تحقق النهي منه بعد امكان النهي عنه فيقع الكلام في موضعين:

أما الموضع الاول: فالحق انه لا يمكن المنع عن العمل بالقطع اذ حجية القطع ذاتية و غير قابلة لان يمنع عن العمل به فانه اذا حصل القطع بحكم شرعي من اي سبب من الاسباب يكون النهي عن العمل به مرجعه الى التناقض في نظر القاطع بلا اشكال و كلام.

و عن الميرزا النائيني انه ذهب الى جواز المنع عن العمل بالقطع على نحو يرجع الى النهي عن العمل بالمقطوع به و بعبارة اخرى ذهب الى امكان التصرف في المقطوع لا في القطع كى يقال حجية القطع ذاتية لا يمكن أن ينهى عن العمل به و ما أفاده مبتن على مقدمات ثلاث، المقدمة الاولى: انه لا يعقل أن يجعل القطع بحكم موضوعا لذلك الحكم كما سبق للزوم الدور المحال.

المقدمة الثانية: ان التقابل بين الاطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة و اذا استحال احد المتقابلين يستحيل الآخر اذ المفروض ان التقابل بالعدم و الملكة فاذا استحال التقييد استحال الاطلاق.

المقدمة الثالثة: انه مع ذلك الاهمال في مقام الثبوت غير معقول و عليه لا بد من احد الامرين الإطلاق أو التقييد، و بعبارة واضحة بالمقدمة الاولى ثبت ان التقييد محال و بالمقدمة الثانية ثبت ان‏

41

الإطلاق أيضا غير ممكن فالحكم بالنسبة الى العلم به و عدمه لا مقيد و لا مطلق و لكن الاهمال ايضا أمر غير جائز فلا بد من متمم الجعل فاما يقيد الحكم بدليل آخر فيسمّى بنتيجة التقييد و اما يطلق فيسمّى بنتيجة الإطلاق فعلى هذا الاساس لو استفيد من الدليل المتمم ان الحكم مقيد بالعلم نلتزم بالتقييد كما ان الامر كذلك في باب الجهر و الاخفات فان المستفاد من الدليل ان وجوب الجهر و الاخفات مشروط بالعلم و أما في بقية الموارد فببركة قاعدة الاشتراك في التكليف نفهم ان الحكم مطلق و غير مقيد بخصوص العالم به فلاحظ.

اذا عرفت ما تقدم نقول: أما المقدمة الاولى التي ذكرها في كلامه فتامة و لا نقاش فيها. و أما المقدمة الثانية فقد تعرضنا لجوابها في بحث التعبدي و التوصلي و قلنا ان الامر ليس كما ذكره فان التقابل بالعدم و الملكة مشروط بالقابلية لكن يكفي القابلية النوعية و أما القابلية الشخصية فغير لازم، مثلا الانسان ليس قابلا لان يحيط على اللّه علما و لكن قابل للتعلم و العلم فيجوز أن يتصف بكونه جاهلا بذاته تعالى. و على هذا الاساس نقول اذا استحال التقييد يجب الإطلاق لاستحالة الاهمال في الواقع و ايضا يستحيل جهل الباري بالمخلوقات لكن يجب علمه بها و يستحيل علم المخلوق بذاته تعالى، لكن يجب جهله بذاته و قس عليه بقية الموارد فالمقدمة الثانية المذكورة في كلامه مخدوشة و باطلة و بعد بطلان المقدمة الثانية تبطل المقدمة الثالثة اذ بعد ما علم ان التقييد غير قابل و الاهمال ايضا غير قابل يجب جعل الحكم على نحو الاطلاق و لا تصل النوبة الى متمم الجعل، فعلم مما ذكرنا انه لا يمكن النهي عن العمل بالقطع بلا فرق بين الموارد و بعبارة واضحة: انه اذا حصل القطع بحكم من‏

42

الاحكام الشرعية لا يمكن أن ينهى عنه على الاطلاق لرجوعه الى التناقض فلاحظ.

و اما ما ورد في مسألة الجاهل بالجهر و الخفت فنقول المستفاد من الدليل ليس ان الموضوع لوجوب الجهر أو الاخفات العلم بالحكم بل المستفاد من الدليل الاجزاء و الاجزاء اعم من كون الحكم مختصا بالعلم به و اذا اخذ في الموضوع عنوان العالم بالحكم فيمكن أن يكون الوجه للاجزاء عدم امكان تحقق المطلوب و بعبارة اخرى يمكن ان يكون الجهر في حال وجوب الخفت و بالعكس مشتملا على مقدار من المصلحة و مع تحقق تلك المصلحة لا يمكن درك المصلحة الباقية فلا مجال الا للاجزاء و مثلنا سابقا بأن شخصا لو صار عطشانا و في عين الحال عرضه وجع الرأس و الصداع فيلزم أن يشرب السكنجبين كى يرتفع عطشه و صداعه كلاهما فاذا شرب الماء لا يمكنه بعد رفع العطش شرب السكنجبين حيث فرض امتلاءه و عدم مجال لشرب ما يزيل صداعه فتحصل ان الاجزاء لا يقتضي تحقق المدعى مضافا الى أنه ادعى التسالم بين الاصحاب على استحقاق عقاب الجاهل بالحكم اذا كان مقصرا فلولا اطلاق الحكم و عدم اختصاصه بالعالم لم يكن وجه للعقاب و لا لان يقال العقاب على تجريه فتحصل مما ذكرنا ان الحكم لا يعقل أن يختص بالعالم فما أفاده الميرزا غير تام و بعبارة اخرى قد ظهر مما ذكرنا انه لا يمكن المنع عن العمل بالقطع و قد نهى عن الفلسفة و الخوض في المطالب العقلية فلو خاض احد فيها و حصل له العلم بخلاف الواقع لا يكون معذورا لانه كان مقصرا حيث خاض فيما نهي عنه و يستفاد من بعض النصوص ان القياس لا يوجب العلم بالحكم. منها ما رواه سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال:

قلت أصلحك اللّه الى أن قال: فينظر بعضنا الى بعض و عندنا ما يشبهه‏

43

فنقيس على أحسنه فقال: و ما لكم و للقياس انما هلك من هلك من قبلكم بالقياس الرواية (1). هذا تمام الكلام في الموضع الاول.

و اما الموضع الثاني و هو انه هل نهي عن العمل بالقطع الحاصل عن غير الكتاب و السنة فلا موضوع له و لا مجال للبحث اذ المفروض ان النهي غير ممكن ثبوتا فلا تصل النوبة الى مقام الاثبات و الدلالة و على فرض دلالة دليل عليه لا بد من تأويله و حمله على غير ظاهره اذ المفروض عدم امكانه اذا عرفت ما تقدم نقول قد ذكرت في المقام فروع توهم انه قد نهي عن العمل بالقطع:

الفرع الاول: انه لو أودع شخص درهما عند الودعي و أودع شخص آخر درهمين فتلف احد الدراهم قالوا يعطى درهما و نصف درهم لصاحب الدرهمين و يعطى نصف درهم لصاحب الدرهم الواحد ثم اذا وقع المجموع في ملك شخص و اشترى به جارية يقطع تفصيلا بعدم كون الجارية مملوكة له لانه لا اشكال في كون نصف الدرهم وقع ثمنا لها بلا اذن من مالكه و الحال ان بناء الفقهاء على الصحة و عدم الاشكال في معاملة المشتري معاملة الملك مع الجارية و معناه المنع عن العمل بالقطع التفصيلي فما الحيلة؟.

و الجواب: عن الاشكال انه اما نقول بأن الدليل قائم على الحكم المذكور و اما نلتزم بعدم قيام الدليل عليه أما على الاول فلا اشكال فان الشارع الاقدس ولي الكل في الكل و هو قادر على كل شي‏ء تكوينا و تشريعا و المفروض انه حكم بهذا النحو فلا مجال لان يقال ان المالك لم يجز فان المفروض انه خرج عن ملكه بحكم الشارع، و أما على الثاني فائضا لا اشكال اذ عليه يلزم ان يعمل بمقتضى القرعة و تعيين المالك فعلى كلا التقديرين لا يبقى اشكال‏

____________

(1) الاصول من الكافى ج 1، ص: 57، حديث 13، كتاب فضل العلم.

44

كما انه ظهر بما ذكرنا انه لم يمنع عن العمل بالقطع كما هو ظاهر.

الفرع الثاني: انه نقل عن بعض جواز الارتكاب في بعض اطراف الشبهة المحصورة و الحال انه فرض العلم الاجمالي بالتكليف.

و الجواب: عن هذه الشبهة ان الكلام في جواز رفع اليد عن العلم و من الظاهر ان العلم الاجمالي بالتكليف يجامع مع الشك فيه بالنسبة الى بعض الاطراف فاذا قلنا ان دليل الاصل يشمل بعض الاطراف فقط كما التزمنا به في محله و قلنا ان دليل الاصل يشمل كل واحد من الاطراف بشرط الاجتناب عن بعض الاطراف الأخر يترتب عليه جواز الاقتحام في بعض الاطراف و لا يكون العلم منجزا بالنسبة الى جميع الاطراف فلا يكون المقام نقضا للكبرى فلاحظ.

الفرع الثالث: انه لو علم احد بجنابة نفسه أو جنابة زيد قالوا يجوز أن يقتدي بزيد مع انه يعلم تفصيلا ببطلان صلاته اما لجنابة نفسه أو لجنابة امامه و كذا قالوا انه لو علم بجنابة احد شخصين يجوز له أن يقتدي بهما في صلاة واحدة أو صلاتين مترتبتين و الحال انه يعلم تفصيلا ببطلان صلاته.

و الجواب: انه ان قلنا بأن الحكم الظاهري للامام نفسه يوجب جواز الاقتداء به فلا مجال للاشكال لان الشارع بنفسه جوز الاقتداء في الصلاة المفروضة و ان لم نقل بالجواز فلا بد من الحكم بالبطلان فعلى كلا التقديرين لا مجال للنقض.

الفرع الرابع: انه لو اقر احد بعين لاحد ثم اقر بها للآخر فيؤخذ المبدل و البدل منه فلو اجتمعا عند ثالث فاشترى بهما جارية مثلا يعلم تفصيلا بأن الجارية غير داخلة في ملكه لان بعض ثمنها غصب و الحال انهم قائلون بصحة المعاملة و هذا من موارد النقض.

و الجواب: عنه انه ليس في المقام نص و انما قالوا به من باب‏

45

قاعدة الاتلاف بتقريب ان المقر باقراره الاول أثبت ان العين لزيد مثلا و باقراره الثاني أثبت انها لبكر و حيث انه أتلف العين بالاقرار الاول فهو ضامن للمقر له الثاني بالبدل فان قلنا بأن هذا التقريب فاسد حيث ان الاقرار الاول يوجب كون العين للمقر له الاول فلا مجال للاقرار الثاني لوقوع الاقرار في مال الغير و الاقرار المتعلق بمال الغير لا أثر له فلا موقع لهذا الفرع و أما ان قلنا بتمامية التقريب فنقول بعد اجتماع البدل و المبدل منه في يد الثالث ان قلنا بأن الحكم الظاهري في كل منهما يوجب جواز التصرف واقعا للثالث فائضا لا مجال للنقض و ان لم نقل به كما لا نقول حيث لا دليل عليه فلا مجال ايضا للاشكال اذ عليه نلتزم بعدم الجواز فلا يرد النقض.

الفرع الخامس: انه لو اختلف المتداعيان في السبب بأن ادعى المالك انه باعها الدابة و ادعى الآخر انه وهبها اياه ترد الدابة بعد التحالف الى مالكها الاول، قال سيدنا الاستاد في هذا المقام ان كانت الهبة المدعاة جائزة ترد بانكارها فان انكارها فسخ و لا يرد النقض اذ عليه لا يعلم تفصيلا بعدم كونها للمالك الاول.

و يرد عليه: ان الفسخ من الامور الانشائية القصدية و المفروض انه لم يقصد الفسخ، فالحق في الجواب أن يقال ان الانفساخ ان كان واقعيا فلا مجال للاشكال كما هو ظاهر اذ المفروض رجوع الدابة الى مالكها الاول و ان كان ظاهريا لا يجوز التصرف فيها الّا ان يقوم عليه دليل و على فرض قيام الدليل نلتزم بكون الجواز بامر الشارع و هو ولي الكل في الكل فلا مجال للاشكال على كل تقدير.

الفرع السادس: انه لو اختلف البائع و المشتري في المبيع و تداعيا بأن قال البائع المبيع جارية و ادعى المشتري انه دار فان لم تكن لاحدهما بينة و تحالفا يحكم بالانفساخ و رجوع كل من المالين‏

46

الى صاحبه، ثم انه انتقل الدار و الجارية الى ثالث افتوا بجواز التصرف في كليهما مع القطع بان احدهما غصب.

و الجواب عن هذه الشبهة انه ان قلنا بتحقق التفاسخ واقعا بحكم الشارع فلا اشكال و لا موضوع للعلم بكون المال غصبا و ان قلنا بأن التفاسخ ظاهري لحسم مادة النزاع فان قام دليل على جواز التصرف من قبل شخص ثالث فيعمل بذلك الدليل و لا اشكال ايضا اذ الشارع الاقدس له الولاية على الكل في الكل و ان لم يقم دليل على الجواز نلتزم بعدم جواز التصرف فلا اشكال أيضا فلاحظ.

فصل: في العلم الاجمالي:

و يقع الكلام في مقامين:

المقام الاول: في ثبوت التكليف بالعلم الاجمالي كثبوته بالعلم التفصيلي.

المقام الثاني: في تحقق الامتثال بالعلم الاجمالي كما يتحقق بالعلم التفصيلي و على القول به يجوز الاحتياط بتكرار العمل و لو كان قريبا.

أما المقام الاول: فيقع الكلام فيه تارة من حيث تنجز العلم الاجمالي بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية، و اخرى في تأثير العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية. فيقع الكلام في موضعين: و الموضع الثاني يبحث فيه في بحث الاشتغال للتناسب بين البحثين فان البراءة تجري في الشبهة البدوية مع احتمال وجود الحكم في الواقع و جريان الاصل في بعض الاطراف دون البعض يشبه جريان البراءة في الشبهة البدوية حيث لا علم بالخلاف في كلا الموردين، فالبحث في المقام في الموضع الاول و البحث في‏

47

هذا الموضع يقع في جهات ثلاث:

الجهة الاولى: في أن العقل الحاكم في باب الاطاعة و العصيان هل يفرق بين العلم الاجمالي و التفصيلي و بعبارة اخرى العقل الحاكم بقبح المعصية هل موضوع حكمه وصول حكم المولى اليه بالعلم التفصيلي او لا فرق في نظر العقل بينهما؟ ربما يقال بأن حكم العقل بالقبح يختص بما يكون التكليف معلوما تفصيلا و حين العصيان يميز العصيان عن غيره و لذا نرى انه لو أجرى المكلف اصالة البراءة و ارتكب محرما أو ترك واجبا ثم علم بأنه كان حراما أو واجبا لا يؤخذ بعصيانه بتركه الواجب أو ارتكابه المحرّم فاذا كان العلم اجماليا و لم يكن الحرام مميزا عن غيره لا يحكم العقل بقبح الترك أو الفعل و هذا التقريب غير تام فان الميزان في حكم العقل وصول التكليف الى العبد باي نحو كان و تميز المكلف به لا دخل له في حكم العقل و لذا لا اشكال في ان لو حرم عليه النظر الى فلان و علم انه في جملة العشرة يكون النظر الى العشرة دفعة واحدة عصيانا عقلا و قبيحا و على الجملة لا اشكال في قبح المخالفة بلا فرق بين كون المكلف به متميزا عن غيره و بين أن لا يكون فالمتحصل انه لا فرق بين العلم الاجمالي و التفصيلي في كون كل واحد منهما يوجب الوصول و ان الحكم غير مشروط بكونه معلوما بالتفصيل بل و لا بالاجمال لاستلزامه الدور.

الجهة الثانية: في أنه وقع الكلام في أنه هل يمكن للشارع الاقدس الترخيص في المخالفة القطعية أم لا؟ ربما يقال انه يمكن بتقريب ان مرتبة الحكم الظاهري مع الشك في الحكم الواقعي محفوظة و لا مضادة بين الحكم الظاهري و الواقعي و لذا نرى انه‏

48

جوز الشارع الاقدس اجراء الاصل في أطراف الشبهة غير المحصورة و الحال انه لا فرق بين المقامين فان احتمال اجتماع الضدين كالقطع به محال و عليه لا مانع من جريان الاصل في جميع الاطراف في المعلوم بالاجمال بل لو كان جعل الحكم الظاهري مضادا مع الحكم الواقعي لما كان جريان الاصل في الشبهة البدوية جائزا لعين الملاك المذكور فان احتمال التضاد غير معقول.

و التقريب المذكور فاسد فان اساس هذا التقريب مبني على الالتزام بتعدد المرتبة للحكم و الحال ان الامر ليس كذلك فان الحكم بعد تمامية مقدماته من وجود المقتضي و تحقق الشوق من قبل المولى يجعل من قبله على نحو القضية الحقيقية كما في قوله تعالى‏ «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» و نسمى هذه المرتبة بالفعلية من قبل المولى فاذا استطاع العبد يتم الحكم بالنسبة الى فعليته من قبل العبد و اذا علم العبد به يصير منجزا بلا فرق بين العلم الاجمالي و التفصيلي و على الجملة فعلية الحكم لا تتوقف على العلم به و إلّا يلزم الدور كما تقدم و قياس مورد العلم الاجمالي بالشك البدوي و الشبهة غير المحصورة قياس مع الفارق توضيح الفارق انه لا مضادة بين الاحكام فان التضاد يتصور بين الامور الواقعية المتأصلة كالسواد و البياض و امثالهما و الحكم امر اعتباري و لا يتصور التضاد في الاعتباريات و على هذا نقول في الشبهة البدوية لا يحتمل التضاد كما انه لا تضاد في مورد العلم الاجمالي فاذا لم يكن الالزام الواقعي معلوما لا محذور في الترخيص اذ المحذور يحصل بعد فرض تنجز التكليف و أما اذا لم يكن منجزا فلا تنافي بين الالزام الواقعي و الترخيص الظاهري و بعبارة واضحة: انه لا يتصور التنافي بين الحكمين لما ذكرنا من ان الحكم من عالم الاعتبار و الاعتباريات‏

49

لا يتصور التضاد بينها بل التنافي و الاشكال اما يحصل في المبدا و اما يحصل في المنتهى بأن نقول الحكم الوجوبي الواقعي ناش عن المصلحة في الفعل و المولى مشتاق الى ذلك الفعل و هذا لا ينافي مع الترخيص الظاهري فان الترخيص الظاهرى تابع للملاك في نفس الجعل و لا ينشأ عن عدم الاقتضاء في الفعل كى يقال يلزم التناقض في الواقع و ايضا الشوق الواقعى للمولى لا ينافي الترخيص الظاهري فان الشوق المولوي محفوظ مع وجود الترخيص فلا ينافيه، فالنتيجة انه لا اشكال من ناحية المبدا و أما في المنتهى فائضا لا يتوجه اشكال اذ مع الشك في الحكم الواقعي الترخيص الظاهري موجود و الحكم الواقعي لا يكون منجزا على المكلف و مع عدم تنجزه يكون العبد في السعة بلحاظ الترخيص الظاهري المولوى و اذا علم بالتكليف لا موضوع للترخيص الظاهري اذ مع العلم بالتكليف لا مجال للترخيص هذا من ناحية و من ناحية اخرى لا فرق من هذه الجهة بين العلم التفصيلي و العلم الاجمالي، فالنتيجة انه مع العلم الاجمالي بالحكم لا مجال للترخيص لحصول التنافي في المبدأ أو المنتهى فلاحظ.

فتحصل مما ذكرنا انه لا يمكن الترخيص في ارتكاب ما علم كونه حراما و لو بالعلم الاجمالي.

الجهة الثالثة: في أنه لو تنزلنا و قلنا انه لا مانع عن الترخيص في المخالفة القطعية فهل يمكن الاخذ بدليل البراءة لاثبات المدعى في جوازه ثبوتا على الفرض.

ربما يقال كما عن الشيخ (قدس سره): انه لا مجال للاخذ بدليل البراءة لاثبات المدعى لان الاخذ به يستلزم التناقض لاحظ ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك،

50

و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. (1)

فان مقتضى الصدر جريان البراءة في كل من أطراف العلم الاجمالي اذ المفروض ان كل واحد مجهول الحرمة و مقتضى الذيل عدم الجريان اذ قد قيدت البراءة المفهومة من الصدر بعدم العلم بالحرمة و المفروض ان المكلف يعلم بالحرمة فمقتضى الصدر الجريان و مقتضى الذيل عدم الجريان فتكون الرواية مجملة و غير قابلة للاستدلال بها و بعبارة واضحة: ان مقتضى اطلاق الصدر شمول الدليل لاطراف العلم الاجمالي و مقتضى اطلاق الذيل عدم الفرق بين العلم التفصيلي و الاجمالي فلا بد من رفع اليد عن احد الاطلاقين و حيث لا مرجح لرفع اليد عن احدهما دون الآخر يكون الحديث مجملا و غير قابل للاستدلال به.

ان قلت: قوله (عليه السلام)، «بعينه» في الحديث يدل على أن المراد بالعلم العلم التفصيلي فيكون العلم الاجمالي خارجا عن دائرة الذيل قلت: يمكن أن يكون قوله (عليه السلام) «بعينه» لتأكيد العلم لا لتميز المعلوم عن غيره هذا ملخص ما افيد في المقام.

و يرد عليه اولا: انه فرضنا ان الرواية المشار اليها و امثالها مجملة لكن يكفي لاثبات المدعى ما لا يكون مذيلا بهذا الذيل لاحظ قوله (عليه السلام) «الناس في سعة ما لم يعلموا» (2) فان اجمال‏

____________

(1) الوسائل الباب 4 من ابواب ما يكتسب به الحديث 4.

(2) جامع الاحاديث ج 1، ص 88، الحديث 6.

51

حديث بلحاظ ذيله لا يسرى الى حديث آخر لا يكون مذيلا بهذا الذيل.

و ثانيا: ان الظاهر من ادلة البراءة المذيلة بقوله حتى تعلم تعلق العلم بعين ما تعلق به الشك و من الظاهر ان العلم الاجمالي لا يتعلق بما تعلق به الشك و إلّا يلزم اجتماع الضدين فتحصل انه لا مانع عن شمول الادلة في مقام الاثبات بل الاشكال ثبوتي فلا تصل النوبة في مقام الاثبات و الدلالة هذا تمام الكلام في المقام الاول.

و أما المقام الثاني: فتارة يقع الكلام في التوصليات و اخرى في الوضعيات و ثالثة في التعبديات فيقع الكلام في ثلاثة مواضع:

الموضع الاول: في التوصليات و قبل الخوض في البحث، نقول هذا البحث انما يطرح فيما يمكن الامتثال التفصيلي و إلّا فلا مجال للقول بعدم كفاية الاحتياط اذ المفروض ان غاية العبودية مع عدم امكان الامتثال التفصيلي الامتثال الاجمالي فكيف لا يكون مجزيا و بعد ذلك نقول: أما الامور التوصلية فلا اشكال في تحقق الامتثال باتيانها و لو مع امكان الامتثال التفصيلي فان الامتثال الاجمالي كاف فيها لان المفروض ان المطلوب فيها تحققها في الخارج و المفروض تحققها بلا اشكال.

و أما الموضع الثاني: و هي الوضعيات كالتطهير و أمثاله فائضا كذلك بعين البيان و يدخل في هذا القسم العقود و الايقاعات و ربما يقال لا يجوز فيها الاحتياط اذ يشترط فيها الجزم و لذا اجمعوا على أن التعليق يفسد العقد.

و فيه انه لا ربط بين المقام و مسألة التعليق المفسد للعقد اذ الجزم في العقود و الايقاعات لا ينافيه الاحتياط فان الترديد ليس في الانشاء بل الترديد في الحكم الشرعى مثلا لو شك في أن السبب الموجب للملك في البيع قول البائع بعتك او قوله ابيعك ينشئ‏

52

البائع و يعتبر الملكية بلا ترديد و بلا تعليق و يبرزه تارة بقوله بعتك و اخرى بقوله ابيعك و قس عليه جميع موارد الاحتياط في الانشائيات من العقود و الايقاعات.

و أما الموضع الثالث و هي التعبديات فتارة يقع الكلام فيما لا يكون التكليف منجزا كالشبهة الحكمية بعد الفحص و كالشبهة الموضوعية مطلقا و اخرى في مورد تنجز التكليف أما على الاول فالظاهر عدم الاشكال عندهم في جوازه و الحال انه يتوجه الاشكال بأنه ما الوجه في التفرقة فان الاحتياط اذا كان مجزيا فلا فرق بين تنجز التكليف و عدمه و ان لم يكن مجزيا مع القدرة على التميز فلا وجه للتفرقة بين الموارد.

و أما على الثاني، فتارة يقع الكلام في مورد عدم استلزام الاحتياط تكرار العمل و اخرى في مورد استلزامه تكراره. أما المورد الاول فيقع الكلام فيه في فروع ثلاثة:

الفرع الاول: ما لا يستلزم الاحتياط التكرار مع كون التكليف استقلاليا و كون التكليف معلوما في الجملة كما لو علم بتعلق الامر بالدعاء عند رؤية الهلال لكن لا يدري ان الدعاء عند رؤيته واجب أو مستحب، ربما يقال بعدم جواز الاحتياط للزوم قصد الوجه اي الوجوب أو الاستحباب و التميز اي تميز الواجب عن المستحب.

و يرد عليه: ان مقتضى الاطلاق اللفظى عدم وجوبهما كما ان مقتضى الاصل العملي كذلك.

ان قلت: ما يترشح من قبل الامر لا يمكن أخذه في متعلقه. قلت:

قد مر الكلام فيه في بحث التعبدي و التوصلي و قلنا لا مانع من اخذ القربة و ما يشابهها في متعلق الامر مضافا الى أنه يكفي لدفع الشبهة