آراؤنا في أصول الفقه‏ - ج3

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
239 /
3

[تتمة المقاصد]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقصد العاشر: فى الاستصحاب‏

و الكلام يقع فيه من جهات:

الجهة الاولى: [تعريف الاستصحاب‏]

في تعريفه قال الشيخ (قدس سره) أسد التعاريف و أخصرها ابقاء ما كان و المراد بالابقاء الحكم بالبقاء الخ.

و قال في الكفاية ان عباراتهم في تعريفه، و ان كانت شتى و لكن تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه. و اما من جهة بناء العقلاء الخ.

و قال سيدنا الاستاد «ان ما أفاده في الكفاية من كان التعاريف مشيرة الى معنى واحد غير سديد لاختلاف المباني في الاستصحاب.

فانه كيف يصدق التعريف المذكور على القول بأن الاستصحاب من الأمارات فان الامارة ما ينكشف به الحكم الشرعي فكيف يكون مصداقا لنفس الحكم الشرعي.

و عليه نقول ان كان الاستصحاب من الامارات فلا بد من أن يعرف باليقين السابق و الشك اللاحق اذ اليقين السابق و الشك اللاحق يوجب الظن النوعي و انكشاف المتعلق، فيكون الاستصحاب كبقية الامارات و يكون مثبتا للوازمه، و ان كان فيه اشكال نتعرض له و ان قلنا باعتباره من باب الظن الشخصي يكون كبقية الظنون الشخصية كالظن بالقبلة.

4

و الصحيح في تعريفه أن يقال: ان الاستصحاب عبارة عن الظن بالبقاء و ان قلنا انه من الاصول العملية فلا بد في تعريفه من أن يقال ان الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملى». و الذي يختلج ببالي القاصر أن يقال: ان الاستصحاب المستفاد من النصوص الخاصة الواردة في المقام عبارة عن الحكم ببقاء حكم شرعي أو بقاء موضوع ذي حكم شرعي فان المستفاد من النصوص ان الشارع الأقدس حكم ببقاء حكم شرعي كان معلوما سابقا و الآن صار مشكوكا فيه كوجوب صلاة الجمعة فانها كانت واجبة في زمان الحضور و صار وجوبها مشكوكا فيه بعد زمان الغيبة أو الحكم ببقاء موضوع ذي حكم شرعي كما لو كان ماء مسبوقا بالكرية و بعد مدة شك في بقاء كريته و عدم بقائها فيحكم ببقاء الكرية و تترتب عليه احكامها.

و لقائل أن يقول: لا يستفاد من قوله (عليه السلام) لا ينقض اليقين بالشك، الحكم بالبقاء، بل المستفاد من الجملة جعل اليقين السابق امارة على البقاء، و الدليل على هذا ان نقض اليقين بالشك لا يكون من المحرمات الشرعية مثلا لو كانت يد احد طاهرة ثم شك في بقاء طهارتها لا يحرم غسلها احتياطا و هكذا. فقوله (عليه السلام): لا ينقض اليقين بالشك ارشاد الى بقاء اليقين.

و على هذا يكون الاستصحاب امارة.

ان قلت: فما الوجه في تقدم الامارات عليه؟ قلت: لا مناص عن ذلك و إلّا يلزم لغوية بقية الامارات مثلا قاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو اليد و ايضا بقية القواعد مفادها مخالف مع مفاد الاستصحاب. فاذا لم تقدم على الاستصحاب تكون لغوا.

و ايضا لو دلت رواية على حكم من الأحكام يكون مقتضى‏

5

الاستصحاب عدمه. و هل يمكن الالتزام به كلا.

فالحق أن يقال: الاستصحاب امارة حيث لا امارة و ان شئت قلت:

ان المستفاد من دليل الاستصحاب اعتبار اليقين السابق امارة مع لحاظ الشك و أما في بقية الامارات فالشك يعتبر معدوما فلاحظ.

الجهة الثانية: [هل الاستصحاب من الاصول‏]

في أن بحث الاستصحاب من المباحث الاصولية أو من القواعد الفقهية. أفاد سيدنا الاستاد (قدس سره): ان قلنا ان الاستصحاب لا يجري إلّا في الشبهات الموضوعية التي لا تختص بخصوص المجتهد، يكون بحث الاستصحاب بحثا فقهيا، و ان قلنا بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية كما هو المشهور يكون البحث اصوليا.

و يرد عليه اولا: انه لا اشكال في جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية و ان قلنا بالتعارض بين استصحاب الجعل و المجعول و ذلك لأن التعارض انما يتصور فيما يجري الاستصحاب في الحكم الوجودي مثلا جريان الاستصحاب في بقاء وجوب صلاة الجمعة حال الغيبة يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد بالنسبة الى زمان الحضور و بعد التعارض يسقط الاستصحاب عن الاعتبار.

و أما الشبهة لو كانت في بقاء عدم الجعل كاستصحاب عدم الحجية فيما يشك فيها و كاستصحاب عدم حرمة شرب التتن و أمثاله فلا اشكال في جريان الاستصحاب اذ لا موضوع للمعارضة فالاستصحاب يجري في الشبهة الحكمية في الجملة على جميع المسالك.

و ثانيا: ان الحق ان بحث الاستصحاب بحث فقهي و لو على القول بجريانه في الأحكام الكلية و ذلك لأن البحث الاصولي عبارة عن‏

6

بحث يقع نتيجة ذلك البحث في طريق استنباط الحكم الفرعي الالهي و أما القاعدة التي تكون متعرضة لنفس الحكم الشرعي كقاعدة الطهارة و الحل و أمثالهما فلا يكون البحث فيها بحثا اصوليا و لذا قد تقدم منا ان البحث في اصالة البراءة لا يكون اصوليا و الاستصحاب كذلك فانه لا فرق بين الاستصحاب و البراءة فان البراءة متعرضة لعدم الوجوب و الحرمة و قاعدة الحل متعرضة للحلية و الاستصحاب متعرض لبقاء الوجوب أو بقاء الحرمة و هكذا.

نعم يمكن أن يقال: ان استصحاب الحجية أو عدمه يترتب عليه اثر فقهي و بعبارة اخرى: استصحاب الحجية أو عدمه كالبحث في كون الخبر الواحد حجة أم لا فكما ان البحث في اعتبار الخبر بحثا اصوليا كذلك البحث عن بقائه اصوليا.

و بعبارة اخرى: لا فرق بين البحث عن اصل الحدوث و بين البحث عن بقائه بعد حدوثه كما انه يترتب على استصحاب عدم الحجية اثر فقهي.

هذا كله لو قلنا: الاستصحاب عبارة عن حكم الشارع ببقاء الحكم أو الموضوع، و أما لو قلنا ان المستفاد من دليل الاستصحاب كون اليقين السابق و الشك اللاحق امارة على تحقق متعلق اليقين فيكون بحث الاستصحاب كبحث حجية الخبر الواحد فلاحظ.

الجهة الثالثة: [قاعدة المقتضى و المانع‏]

في بيان الفرق بين قاعدة المقتضي و المانع و قاعدة اليقين و الاستصحاب فنقول: تارة يتعلق اليقين بما يقتضي وجود أمر كما لو تعلق اليقين بوجود النار و شك في وجود الرطوبة المانعة عن احراقها فهل القاعدة تقتضي الحكم بتحقق الاحراق بأن يقال:

7

المفروض تحقق المقتضي له و هو وجود النار و الرطوبة المانعة عنه مشكوك فيها و محكومة بالعدم فالاحراق محقق، و هذه القاعدة تسمي بقاعدة المقتضي و المانع.

و لا بد أن يقع البحث فيها و انه هل يكون دليل على تماميتها أم لا؟ ففي هذه القاعدة متعلق اليقين أمر و متعلق الشك أمر آخر، و اخرى يتعلق اليقين بأمر كما لو تعلق بعدالة زيد يوم الجمعة في يوم السبت أي يكون ظرف اليقين بالعدالة يوم السبت و في يوم الأحد يشك في عدالته على نحو الشك الساري أي يكون عدالته في يوم الجمعة متعلقة لليقين و الشك كليهما غاية الأمر زمان اليقين بالعدالة مغاير مع زمان الشك فيها.

و بعبارة اخرى: يكون أمر واحد متعلقا للشك و اليقين و الشك يكون ساريا و تسمى هذه القاعدة بقاعدة اليقين و لا بد من البحث في أنه هل يكون دليل على تمامية هذه القاعدة ام لا؟

و ثالثة يتعلق اليقين بشي‏ء كما لو تعلق اليقين بعدالة زيد و يشك في بقائها و يسمى بالشك الطاري فلو تعلق اليقين بأن زيدا كان عادلا يوم الجمعة و شك في بقاء عدالته الى يوم السبت فلو استصحب عدالته الى يوم السبت و حكم ببقائها يسمى هذا الابقاء بالاستصحاب المشهور عند القوم.

هذا فيما لو شك في بقاء ما تعلق به اليقين و أما لو شك في ثبوت ما تعلق به قبل ذلك كما لو علم بأن لفظ الغناء مثلا موضوع في زماننا في معنى فلاني و شك في أنه هل كان كذلك فى عصر الائمة (عليهم السلام) أم لا، يكون جره الى ذلك الزمان استصحابا قهقريا و هذا خارج عن الاستصحاب الذي محل الكلام فان الاستصحاب القهقري من الاصول اللفظية التي عليها بناء العقلاء و لو لا هذا

8

الاصل اللفظي لانسد باب استنباط الأحكام الشرعية في كثير من الموارد.

و على الجملة الاستصحاب القهقري لا اشكال في اعتباره.

الجهة الرابعة: [تقسيم الاستصحاب الى جهات‏]

في تقسيم الاستصحاب من جهات مختلفة و انحاء متعددة فان المستصحب قد يكون حكما شرعيا و اخرى يكون أمرا خارجيا و على الاول قد يكون حكما كليا و اخرى يكون جزئيا و ايضا قد يكون وضعيّاً و اخرى يكون تكليفيا و منشأ اليقين قد يكون هو العقل و قد يكون غيره من الكتاب أو السنة أو الرواية و السماع.

و ايضا يقسم من حيث منشأ الشك فانه قد يكون الشك ناشيا عن احتمال انقضاء المقتضي للبقاء و يسمى بالشك في المقتضي و قد يكون الشك في البقاء ناشيا عن احتمال وجود الرافع و يسمّى بالشك في الرافع.

و قد وقع الكلام بين القوم فلعلّ بعضهم ذهب الى القول بالحجية على الاطلاق و بعضهم الى عدمه كذلك و فصّل الفرقة الثالثة.

و العمدة النظر في الادلة التي يمكن قيامها لاثبات حجية الاستصحاب و استفادة المقصود منها.

فنقول:

قد استدل على اعتبار الاستصحاب بوجوه:

الوجه الاول: [السيرة الجارية بين العقلاء]

السيرة الجارية بين العقلاء على العمل بالمعلوم السابق ما دام لم يقم على عدمه دليل بل ربما يقال، بأن الحيوان مجبول على العمل على طبق الحالة السابقة و لذا يرجع الطائر بعد طيرانه الى قفصه أو الى عشه و هكذا بقية أنواع الحيوانات.

9

و يقع الكلام تارة في تحقق السيرة و عدمه و اخرى في أنه على فرض تحققها تكون حجة أم لا.

فيقع الكلام في موضعين: أما الموضع الاول فنقول: الظاهر انه لا سيرة على العمل على طبق الحالة السابقة و بعبارة اخرى: مجرد كون شي‏ء سابقا متعلقا لليقين لا يقتضي عند العقلاء العمل به الى أن يحصل اليقين بخلافه، فان العمل على طبق الحالة السابقة على أقسام:

فانه تارة يكون ناشيا عن العلم بالبقاء، أو الاطمينان به و هو كثير مثلا الطالب في كل يوم يروح الى المدرسة الفلانية أو الكلية الفلانية حيث يطمئن ببقاء المكان المعد للدراسة على حاله و عدم خرابه و تغيره.

و اخرى يكون العمل على طبق الحالة السابقة من باب الاحتياط و الاخذ بالحائطة كمن يرسل في كل شهر أو كل سنة مقدارا من المال الى ولده الساكن في البلدة الكذائية لرفع حوائجه و اصلاح اموره حتى مع احتمال عدمه لموته أو انتقاله الى مكان آخر، و ثالثة يكون العمل على طبق الحالة السابقة لأجل الغفلة و عدم الالتفات الى امكان زوال تلك الحالة.

و ان شئت فقل: يكون القسم المذكور عملا على طبق العادة و لا يبعد أن يكون عمل الحيوان على طبق الحالة السابقة ناشيا عن العادة.

و الذي يدل على عدم السيرة: ان اعتبار الاستصحاب وقع محل الكلام بين القوم و انه معتبر أم لا و اذا كانت السيرة قائمة عليه لم يكن مجال للبحث.

و ايضا يدل على عدمها انه لو كانت لكنا نعمل به فانا من العقلاء

و بعبارة اخرى: السيرة ناشية عن سبب عقلائى و لا نجد في‏

10

أنفسنا سببا للعمل على طبق الحالة السابقة.

و عن الميرزا النائيني (قدس سره) ان السيرة العقلائية بالهام من اللّه تعالى لحفظ النظام.

و يرد عليه اولا: ان المنكرين للاستصحاب لم يختل نظامهم.

و ثانيا: ان الالهام المذكور ان كان موجودا فلا جرم يكون كل انسان ملهما بهذا الالهام و نحن لا نجد الالهام المذكور و على تقدير الالهام المذكور لم يكن مجال للقيل و القال فان الامور الارتكازية وجدانية لكل احد فالنتيجة انه لا سيرة هذا تمام الكلام في الموضع الاول.

و اما الموضع الثاني: فعن صاحب الكفاية انها مردوعة بالدليل الناهي عن العمل بغير العلم.

و يرد عليه اولا: انه لو كان الدليل الدال على النهي عن العمل بغير العلم قابلا للمنع عن العمل بالسيرة فلا بد من كونه رادعا و مانعا عن العمل بالسيرة في بقية الموارد كالعمل بالظواهر مثلا و الحال انه بنفسه لا يلتزم بهذا اللازم.

و ثانيا: ان الشارع الأقدس لم يجعل لنفسه طريقا خاصا لفهم المرادات في المحاورات الجارية بين ابناء المحاورة و المفروض ان السيرة العقلائية جارية على العمل على طبق الحالة السابقة كما ان سيرتهم جارية على العمل بالظواهر.

و بعبارة اخرى: لا فرق بين الموردين فلا وجه للتفريق.

و ثالثا: ان الشارع لو كان رادعا عن السيرة لم يكن أمرا مجهولا بل كان ظاهرا. و بعبارة اخرى: لو كان لبان.

الوجه الثاني: [المعلوم سابقا مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه‏]

ان كون شي‏ء معلوما سابقا و مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه و كلما يكون كذلك يجب العمل به.

و يرد عليه اولا و ثانيا، أما اولا، فلعدم الاقتضاء المذكور

11

و مجرد كون شي‏ء معلوما سابقا و كونه مشكوكا فيه لا حقا لا يقتضي الظن بالبقاء لا شخصا و لا نوعا.

و أما ثانيا فلا دليل على اعتبار الظن المذكور بل الدليل قائم على عدم اعتباره فان الظن لا يغني عن الحق شيئا و نفس الشك في اعتبار أمر يساوق القطع بعدم اعتباره. و السّر فيه ان الحجة ما يكون قابلا لأن يحتجّ به و ما يكون مشكوك الاعتبار لا يكون قابلا للاحتجاج به مضافا الى أن مقتضى الاصل عدم اعتباره.

الوجه الثالث: الاجماع،

و فيه اولا: ان اعتبار الاستصحاب محل الكلام و الاشكال فلا اجماع.

و ثانيا ان القائلين باعتباره مستندون الى الوجوه المذكورة في المقام فلا يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (عليه السلام).

* الوجه الرابع: [الأخبار و النصوص‏]

الأخبار و النصوص الواردة في المقام و من تلك النصوص ما رواه زرارة

[الحديث الأولى لزرارة]

قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فاذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت: فان حرّك الى جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر (1).

[الكلام فيها من حيث السند]

و هذه الرواية يقع الكلام فيها تارة من حيث السند، و اخرى من حيث الدلالة. أما من حيث السند فربما يقال انها مضمرة و لا دليل على كون المسئول المعصوم (عليه السلام) بل يحتمل ان السؤال غير

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 1.

12

متوجه الى المعصوم، و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و قد اجيب عن الاشكال المذكور بأجوبة: الجواب الاول: ان ذكر الرواية في كتب الحديث و اثبات الحسين بن سعيد و حريز و حماد لها في اصولهم شاهد على كون الرواية مروية عن المعصوم و إلّا فلا مقتضي لاثباتها في الكتب و الاصول كما هو ظاهر.

و يرد على هذا الوجه ان اثبات هؤلاء الرواية في كتبهم و اصولهم يمكن أن يكون الوجه فيه انهم يرون زرارة اجل شأنا من أن ينقل الحديث عن غير المعصوم فلا يكون الاثبات في الاصول و الكتب شهادة على أن الضمير يرجع الى المعصوم.

الجواب الثاني: ان الرواية و ان كانت مضمرة في التهذيب إلّا انها مسندة الى الباقر (عليه السلام) في جملة من كتب الاصحاب الاجلة كالقوانين و الفصول و محكي فوائد العلامة الطباطبائي و فوائد الوحيد البهبهاني و مفاتيح الاصول و الوافية و الفاضل النراقي و حيث يحتمل عثورهم على الاصل الذي ذكر فيه المسئول بعنوان المعصوم يحمل شهادتهم على الحس و يكون معتبرا و لولاه لم يكن وجه لذكر خصوص الباقر (عليه السلام) فانه كيف يمكن ان هؤلاء الاعلام الاتقياء ينقلون الحديث بالنحو المذكور مع عدم اطلاعهم على الأمر و عدم عثورهم على المدرك.

الجواب الثالث: ان الاضمار انما يضر اذا كان الخبر خبرا واحد و أما اذا كان متواترا معنويا أو اجماليا فلا يضر الاضمار في اعتباره و نقل عن الضوابط و المفاتيح كون أخبار الاستصحاب متواترة.

و يرد على هذا الوجه ان التواتر لا يتحقق بهذا المقدار مضافا

13

الى أنا لم نفهم انه كيف لا يضر الاضمار في صورة التواتر، فلاحظ.

الجواب الرابع: ان زرارة أجل شأنا من أن يسأل غير المعصوم مع نقل الخصوصيات و الاهتمام بها.

و ان شئت قلت: ان زرارة مشار اليه بالبنان و بأنه باب الاحكام و واسطة في ايصالها عن المعصوم الى الناس و انما يعتبر نقله لأنه ناقل عن مخزن الوحي و مع هذه الخصوصية يكون عدم الاشعار بأن المسئول غير المعصوم خيانة في النقل و هل يمكن ان زرارة يخون فان خيانته تسقط اعتبار نقله و تكون النتيجة عدم اعتبار الرواية، فتحصل ان الرواية تامة سندا.

[الكلام فيها من حيث الدلالة]

و أما من حيث الدلالة فنقول قد سئل الراوي سؤالين السؤال الاول: عن أنّ الخفقة و الخفقتين هل توجب الوضوء و هذا سؤال عن الشبهة الحكمية حيث انه يمكن ان المقرر في الشريعة المقدسة كون الخفقة من النواقض و أجابه (عليه السلام) بأن الناقض نوم القلب و هذا السؤال و الجواب لا يرتبطان بما نحن بصدده أي لا يرتبطان بالاستصحاب.

السؤال الثاني عن الشبهة الموضوعية فانه بعد ما علم بأن الناقض للوضوء نوم القلب بالاضافة الى نوم العين و الاذن يسأله عن مورد الشك في تحقق الناقض فأجابه (عليه السلام) بعدم انتقاض الوضوء بالشك في الناقض بل يتوقف الانتقاض بحصول العلم و اليقين بتحقق الناقض و هذا عبارة عن الاستصحاب الذي نحن بصدده.

و بعبارة اخرى: لا اشكال في أن السؤال الثاني للراوي عن الشبهة الموضوعية فانه يستفاد من السؤال انه بعد ما علم ان الناقض النوم الكامل الشامل للقلب قام في مقام السؤال عن الشك في تحقق النوم‏

14

الناقض فأجاب (عليه السلام) بعدم وجوب الوضوء الى زمان اليقين بتحقق النوم الناقض فلا اشكال في أن المستفاد من الحديث اعتبار الاستصحاب في الوضوء، انما الكلام في أنه هل يستفاد من الرواية القاعدة الكلية السارية في جميع الموارد أم لا.

فنقول: يمكن الاستدلال على المدعى بتقريبين: التقريب الاول:

أن يقال: ان الشرطية المذكورة في كلامه (عليه السلام) أي قوله «و إلا» جوابها محذوف و قد اقيم مقام الجواب قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه» و الجواب المحذوف عدم وجوب الوضوء و عدم وجوب الوضوء الذي يكون جوابا للشرط يفهم من الكلام السابق و اقامة العلة مقام الجواب امر متعارف في الكلام.

لاحظ قوله تعالى‏ «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» (1) فانه من الظاهر ان اللّه غني عن العالمين مطلقا و ليس معلقا على كفر الناس، فالجواب للشرط محذوف أي فلن يضر اللّه شي‏ء. و قد اقيم مقام الجواب العلة و هو غناء اللّه تعالى عن المخلوقين و نقل الفاء الجوابية من الجواب المحذوف الى ما قام مقامه. و ما نحن فيه كذلك فان الجواب محذوف أي و إلا لا يجب الوضوء و علته اليقين بالوضوء و لا ينقض اليقين بالشك.

و الاحتمالات الموجودة في الجملة الاخيرة ثلاثة.

الاحتمال الاول: أن يكون المراد باليقين، اليقين المتعلق بالوضوء و يكون المراد بالشك، الشك المتعلق بالنوم و على هذا يلزم التكرار اذ الجواب المحذوف عبارة عن عدم وجوب الوضوء على من تيقن بالوضوء و شك في النوم.

____________

(1) آل عمران/ 97.

15

و أيضا قال (عليه السلام) «لانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالوضوء بالشك في النوم». و عدم النقض عبارة عن وجوب الوضوء و هذا هو التكرار الذي يبعد صدوره عن الحكيم البليغ.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من اليقين خصوص اليقين بالوضوء و يكون المراد بالشك، الشك في مطلق الناقض و لا دليل على تعين الاحتمال المذكور.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد من اليقين مطلق اليقين و المراد من الشك أيضا مطلق الشك في ارتفاع ما تعلق به اليقين فيكون المستفاد من الحديث الميزان الكلي و ضابط جامع بين جميع الموارد و هو اعتبار الاستصحاب في جميع المصاديق.

و لا يبعد أن يكون الأرجح الاحتمال الاخير اذ لا دليل على كون اللام للعهد الذكري و رجوع اللام الى اليقين بالوضوء، بل الظاهر التعليل بالقاعدة الكلية و حمل اللام على الجنس على طبق القاعدة الاولية و حمله على العهد الذكري يحتاج الى قرينة.

مثلا لو قال احد رأيت انسانا في السوق يشرب الخمر و يسب الناس علانية، فان الانسان مغرور فهل يفهم من كلامه انه في مقام بيان ان جنس الانسان مغرور أو يفهم من كلامه انه بصدد بيان غرور الانسان الذي رآه في السوق، الظاهر انه لا شك في أنه يفهم الكلي من كلامه.

و صفوة الكلام: انا ندعي ان العرف يفهم الجنس من اللام في هذه المقامات و الذي يؤيد المدعى بل يدل عليه ان التعليل الحقيقي يقتضي ان تذكر الكبرى الكلية فتكون اللام للجنس فلاحظ.

التقريب الثاني: للاستدلال على الكلية الجارية في جميع الموارد أن لا يكون جواب الشرط محذوفا بل الجواب مذكور بأن نقول:

16

الجواب للشرطية اما عبارة عن قوله (عليه السلام) «و لا ينقض اليقين بالشك» و قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه» توطئة للجواب و اما يكون قوله (عليه السلام) «فانه على يقين» بنفسه جوابا للشرط.

و لا بد من أن يتكلم أولا في امكان كون أحد الامرين جوابا بحسب القواعد و ثانيا: في أنه على تقدير الامكان هل تستفاد الكلية السارية في جميع الموارد أم لا؟

فنقول: أما كون الجواب قوله (عليه السلام) «و لا ينقض» فلا يمكن، فان لفظ الواو مانع و بعبارة اخرى: الجواب للشرط يصدّر بالفاء لا بالواو. و أما قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه» فلا يمكن جعله جوابا للشرط لأنه اما يبقى على ظاهره من كونه جملة خبرية و اما يحمل على الانشاء أما على الاول فلا يترتب على الشرط و لا يرتبط به فان اليقين بالوضوء السابق محفوظ بلا فرق بين حصول العلم بالنوم أو ناقض آخر و بين عدم الحصول.

و بعبارة واضحة: العلم بالوضوء أجنبي عن العلم بالناقض للوضوء. و أما على الثاني فقد أفاد سيدنا الاستاد (قدس سره) بأنه لا يمكن مساعدته اذ لم يعهد استعمال الجملة الاسمية في مقام الانشاء و الطلب فلا يقال زيد قائم في مقام ايجاب القيام بخلاف الجملة الفعلية فانهما تستعمل كثيرا في مقام الانشاء كقوله يعيد و يتوضأ و يقضي و يصوم.

مضافا الى أنه لو فرض حمله على الانشاء لا يستفاد وجوب جري العمل على طبق الحالة السابقة بل المستفاد منه وجوب تحصيل اليقين بالوضوء. و لا معنى له لأن المفروض انه على يقين من وضوئه فلا مجال لوجوب تحصيل اليقين بالوضوء.

و يرد على ما أفاده ان استعمال الجملة الاسمية في مقام الانشاء

17

و الطلب كثير و ذكرنا جملة من موارده الموجودة في النصوص في قاعدة لا ضرر. و يكفي لا ثبات المدعى قوله تعالى‏ «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ» (1) فلاحظ.

نعم اشكاله الثاني على الظاهر وارد اذ لا يكون المولى في مقام ايجاب تحصيل اليقين و الذي يهون الامر انه لا يتوقف الاستدلال بالصحيحة على التقريب المذكور. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى من البحث.

و أما الجهة الثانية و هي انه على فرض صحة الاستعمال هل تستفاد الكلية أم لا؟ الظاهر انه تستفاد فان قوله و لا ينقض اليقين بالشك قاعدة كلية سارية و جارية في جميع الموارد بلا فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية و بلا فرق بين كون الحكم كليا أو جزئيا تكليفيا أو وضعيا و لا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فان المستفاد من الحديث ان اليقين لا ترفع اليد عنه بالشك على الاطلاق أي بلا فرق بين متعلقات الشك و اليقين كما أن قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء حلال» شامل للشبهة الحكمية و الموضوعية بالاطلاق فلاحظ.

[تنبيهات الاستصحاب‏]

ثم انه تقع في ذيل الحديث تنبيهات:

التنبيه الاول: [في عدم اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع‏]

ان الشيخ (قدس سره) أفاد بأن جريان الاستصحاب يختص بمورد يكون الشك في الرافع و أما اذا كان الشك في المقتضي فلا يجري الاستصحاب.

و قال سيدنا الاستاد: «يقع الكلام في مقامين: المقام الاول: في بيان مراد الشيخ من الشك في المقتضي. المقام الثاني فى صحة ما أفاده من التفصيل.

____________

(1) البقرة/ 197.

18

أما المقام الاول فنقول: في كلام الشيخ (قدس سره) احتمالات:

الاحتمال الاول: أن يكون المراد من المقتضي السبب التكويني الذي يكون جزء للعلة التامة. و هذا الاحتمال منفي في كلامه اذ هو (قدس سره) قائل بجريان الاستصحاب في العدميات و لا معنى للاقتضاء في العدميات و أيضا هو (قدس سره) قائل بجريان الاستصحاب في الاحكام الشرعية، و الاحكام الشرعية لا مقتضي لها بل أمرها وضعا و رفعا بيد الشارع الاقدس.

الاحتمال الثاني: أن يكون مراده بالمقتضي الموضوع فانه ثبت اصطلاح من الفقهاء بأن يعبّروا عن الموضوع في الاحكام التكليفية بالمقتضي و في الأحكام الوضعية بالسبب و هذا الاحتمال أيضا منفي اذ لا بد في جريان الاستصحاب من وجود الموضوع و إلّا أي مع العلم بعدم الموضوع يكون أخذا بالقياس و مع احتمال عدم الموضوع يكون الاخذ بالقياس احتمالا و الامامية غير قائلين بالقياس.

و بعبارة واضحة: التحفظ على الموضوع و ان كان شرطا في جريان الاستصحاب لكن لا مجال لاحتمال كون نظره الى هذا الامر فانه من الواضحات.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد من المقتضي ملاكات الاحكام ففي كل مورد يكون الشك في الملاك لا يجري الاستصحاب و في كل مورد يكون الشك فيما يزاحم الملاك يجري.

و هذا الاحتمال لا يجري في كلام الشيخ (قدس سره) أيضا فانه يجري الاستصحاب في الموضوعات الخارجية و لا ملاك فيها.

مضافا الى أن العلم بوجود الملاك يختص بعلّام الغيوب و كيف يمكن لنا أن نعلم بوجوده.

و نرى انه (قدس سره) قائل بجريان الاستصحاب في بقاء الملكية

19

في المعاطاة بعد رجوع أحد المتعاقدين و يصرح بأن الشك فيه شكا في الرافع و ينكر الاستصحاب في بقاء الخيار في خيار الغبن لكون الشك في المقتضي و من أين علم بوجود الملاك في الاول و عدمه في الثاني.

و الظاهر ان القوم تصوروا ان مراد الشيخ من المقتضي المقتضي لمتعلق اليقين فحملوا كلامه تارة على السبب و اخرى على الموضوع و ثالثة على الملاك و مراد الشيخ ظاهرا من المقتضي نفس متعلق اليقين من حيث الجري العملي فحق التعبير أن يقال: اذا كان الشك من جهة المقتضي لا يجري الاستصحاب و اذا كان الشك في البقاء من جهة الشك في الرافع يجري.

و ببيان أوضح: ان الاشياء التي توجد في الخارج على نحوين:

أحدهما: انه اذا وجد يكون موجودا في مقدار من الزمان و بانتهاء زمانه ينعدم بنفسه و ثانيهما انه بعد ما وجد في الخارج يبقى في عمود الزمان الى أن يرفعه رافع، و لو لا الرافع يبقى.

مثلا خيار الغبن اذا شك في بقائه بعد الزمان الاول لا يجري استصحاب بقائه لأنه يحتمل أن يكون باقيا في الزمان الثاني، و يمكن فيه اقتضاء البقاء.

و أما في مورد بقاء الملكية في المعاطاة بعد رجوع أحد المتعاملين فيجري الاستصحاب لان الشك في وجود الرافع و لو لا الرافع تكون الملكية باقية في عمود الزمان.

و لتوضيح المقام نذكر الاقسام في ضمن امثلة فنقول: الاحكام المجعولة على ثلاثة أقسام: القسم الاول: أن يكون باقيا في حد نفسه و لا يرتفع إلّا برافع كالملكية الحاصلة بالبيع فانها باقية الى أن يحصل ناقل و إلّا فهي باقية في عمود الزمان.

20

القسم الثاني: أن يكون الحكم مغيا بغاية كالزوجية الانقطاعية فانها تزول بنفسها بحصول غايتها و لا يحتاج ارتفاعها الى رافع.

القسم الثالث: أن يشك في ان ما تحقق في الخارج من أي القسمين كما لو شك في زوجية امرأة بأنها دائمية أو انقطاعية.

أما القسم الاول فلا اشكال في جريان الاستصحاب فيه.

و أما القسم الثاني فتارة يشك في البقاء من جهة وجود الرافع و اخرى من جهة الشك في تحقق الغاية فان كان الشك في الرافع يجري الاستصحاب.

و أما ان كان الشك في تحقق الغاية فتارة يكون من جهة الشبهة الحكمية و اخرى من جهة الشبهة المفهومية و ثالثة من جهة الشبهة الموضوعية فان كان من جهة الشبهة الحكمية فكما لو شك في أن الغاية لصلاة المغرب و العشاء للغافل نصف الليل أو الفجر فلا يجري الاستصحاب، للشك في المقتضي.

و أما اذا كانت الشبهة مفهومية فكما لو شك في أن المغرب بماله من المفهوم عبارة عن غروب الشمس أو عبارة عن ذهاب الحمرة فأيضا لا يجري الاستصحاب.

و أما اذا كانت الشبهة موضوعية فكما لو شك في أن الشمس غابت أو بعد لم تغب فان الاستصحاب يجري في بقاء اليوم فانه في نظر العرف من الشك في الرافع و ان كان في الحقيقة الشك فى المقتضي فان الرافع لا يكون نفس الزمان بل الرافع أمر زماني.

و أما القسم الثالث فلا يجري فيه الاستصحاب لان الشك فيه شكا من جهة المقتضي فانقدح ان المراد من الشك في المقتضي ان ما تعلق به اليقين لا يكون فيه استعداد البقاء و لا يبقى في عمود

21

الزمان الا في مقدار معين و المراد من الشك في الرافع ان متعلق اليقين يبقى في نفسه و يرتفع برافع يرفعه. هذا تمام الكلام في المقام الاول.

و أما المقام الثاني فنقول: المستفاد من كلام الشيخ (قدس سره) انه اريد من قوله لا ينقض اليقين بالشك عدم نقض المتيقن.

و بعبارة اخرى: اريد من اليقين متعلقه و عليه لا بد من التفصيل لان النقض يرد على الامر المستحكم فان كان متعلق اليقين أمرا قابلا للبقاء لو لا وجود الرافع يصدق عنوان النقض لانه مستحكم و أما لو لم يكن كذلك فلا يصح اسناد النقض اليه لانه لا يكون مستحكما.

و أورد عليه في الكفاية بأنه لا دليل على أن المراد من اليقين متعلقه كي يتم البيان المذكور و مع عدم الدليل يبقى لفظ اليقين بحاله و يراد من اللفظ نفس اليقين و يصح اسناد النقض اليه فانه أمر مستحكم.

و يمكن أن يجاب عن الاشكال المذكور بأنه نفرض ان النقض متعلق بنفس اليقين و لم يرد من لفظ اليقين متعلقه إلّا ان اسناد النقض اليه ليس تماما و لا يسند اليه باعتبار نفسه اي لا يسند اليه باعتبار كونه صفة قائمة بالنفس و لا باعتبار الآثار المترتبة على نفس اليقين.

أما الاول فلأن اليقين باعتبار نفسه و باعتبار كونه صفة قائمة بالنفس ينتقض بالشك ان اخذ متعلقه مطلقا، و لا ينقض ان اخذ متعلقه مقيدا و على كلا التقديرين لا مجال لأن ينهى الشارع عن نقضه.

بيان ذلك: انه لو تيقن زيد بعدالة احد يوم الجمعة ثم شك في عدالته و بقائها الى يوم السبت فان اخذ متعلقه مطلقا يكون يقينه‏

22

بالعدالة منتقضا كما هو المفروض فان يقينه تبدل بالشك و ان قيد متعلقه بخصوص العدالة في يوم الجمعة فلم ينتقض فما معنى النهي عن نقضه.

و أما الثاني فلعدم ترتب حكم شرعي على نفس اليقين و على فرض ترتبه يكون يقينا موضوعيا خارجا عن اطار البحث فان الكلام في اليقين الطريقي فلا بد من أن يكون المراد من عدم نقض اليقين عدم نقض آثار المتيقن و ترتيب آثاره.

و عليه نقول: اذا كان ما تعلق به اليقين له الدوام في عمود الزمان و لا يرتفع الّا برافع يجري الاستصحاب و إلّا فلا يجري.

و ربما يقال في الرد على الشيخ: بأن دليل الاستصحاب غير منحصر في حديث زرارة كي يتم هذا التقريب بل هناك حديثان آخران و لا يشتملان على لفظ النقض و يكفي وجودهما للاطلاق و عدم التفصيل.

الحديث الاول ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر: اني اعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليّ فأغسله قبل ان اصلّي فيه؟

فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن انه نجسه‏ (1).

الحديث الثاني: ما روي عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: من كان على يقين ثم شك فليمض على يقينه فانّ الشك لا ينقض اليقين الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا و اياكم و الكسل فان من كسل لم يؤدّ حق اللّه عزّ و جل تنظفوا بالماء من نتن‏

____________

(1) الوسائل الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث 1.

23

الريح الذي يتأذى به تعهّدوا انفسكم فان اللّه يبغض من عباده القاذورة الذي يتأنّف به من جلس اليه اذا خالط النوم القلب وجب الوضوء اذا غلبتك عينك و انت في الصلاة فاقطع الصلاة و نم فانك لا تدري لعلّك أن تدعو على نفسك‏ (1).

و يجاب عن الحديث الاول بأن مورده الشك في الرافع اذ مورد جريان الاستصحاب الطهارة و من الظاهر ان الطهارة تبقى الى أن ترفع برافع و أما الحديث الثاني فعبر فيه بالامضاء و امر به و الامضاء مساوق للنهي عن النقض.

اقول:- مضافا الى كون الحديث ضعيفا سندا على ما يظهر من الشيخ الحر في الوسائل «فان اسناد الصدوق الى حديث الاربعمائة ضعيف بالعبيدي و قاسم بن يحيى»-: انه قد علل الحكم في الذيل بقوله (عليه السلام) «فان الشك لا ينقض اليقين» فمفاد هذه الرواية عين مفاد رواية زرارة هذا تمام الكلام في بيان كلام الشيخ.

و يرد عليه نقضا و حلا أما الاول فبموارد: منها: استصحاب عدم النسخ فانه لا اشكال في جريانه بل المحدث الاسترآبادي ادعى انه من ضروريات الدين و الحال ان استصحابه من الشك في المقتضي اذ الشك في النسخ و عدمه الشك في مقدار الجعل و إلّا يلزم البداء في حق تعالى.

و بعبارة اخرى: الشك في النسخ عبارة عن الشك في أن الجعل الشرعي مستمر أو محدود فيكون شكا في المقتضي.

و منها: الاستصحاب في الموضوعات الخارجية كاستصحاب وجود زيد و عمرو فانّه لا شك في جريان الاستصحاب في الموضوعات مع‏

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 6.

24

ان الشك في بقاء زيد مثلا شك في المقتضي اذ لا يعلم ان زيدا بأي مقدار يكون مستعدا للبقاء و لا يكون له مقدار منضبط فانه اذا جعل الميزان بالجنس فانواعه مختلفة و ان جعل النوع فاصنافه مختلفة و ان جعل الصنف فأفراده مختلفة لاختلاف الأمزجة.

و منها: استصحاب عدم تحقق الغاية من جهة الشبهة الموضوعية كالشك في تحقق الغروب مثلا أو الشك في دخول هلال الشهر الفلاني فان الاستصحاب جار في هذه الموارد. بل قوله (عليه السلام):

«افطر للرؤية و صم للرؤية» صريح في استصحاب عدم تحقق الغاية فان الشك في تحقق الغاية من أقسام الشك في المقتضي اذ الشك في تحققها ناش عن الشك في مقدار استعداد البقاء في الزمان. مثلا ان الشك في الظهر يكون مرجعه الى الشك في أن ما قبل الظهر أي مقدار مستعد للبقاء، و الحال ان جريان الاستصحاب في عدم تحقق الغاية ظاهر واضح، و الشيخ قائل بجريانه فيه.

و أما الحل فنقول مقتضى الدقة عدم تحقق عنوان نقض اليقين بالشك لأن متعلق اليقين غير متعلق الشك فان عدالة زيد متعلق اليقين لكن عدالته في يوم الجمعة مورد اليقين و عدالته في يوم السبت مورد الشك و متعلقه فلا يصدق نقض اليقين بل اليقين بنفسه انتقض و ارتفع.

و أما بالنظر العرفي المسامحي فكأن متعلق اليقين بعينه متعلق الشك و لا يجوز رفع اليد عن الأمر المستحكم بغيره فلا يجوز نقضه و رفع اليد عنه.

و ان ابيت عن ذلك نقول: الشارع يعبدنا ببقاء اليقين و عليه لا فرق بين كون الشك من ناحية الاستعداد و بين كون الشك من ناحية احتمال الرافع، فالاستصحاب حجة على الاطلاق».

25

هذا ملخص ما أفاده و يضاف الى ما ذكره ان قوله (عليه السلام) في ذيل الحديث «و لكنه ينقضه بيقين آخر» يستفاد منه بالفهم العرفي انه يجب على المكلف أن يرتب آثار متعلق اليقين الى زمان تبدل شكه بيقين بخلاف اليقين الاول.

و صفوة القول: انا نسأل بأن زرارة ما ذا فهم من كلام الامام و جوابه (عليه السلام)؟ و نقول هل فهم من الجواب انه يجب عليه ترتيب الآثار على اليقين السابق و عدم رفع اليد عنه و كأنه في حال الشك ايضا يقينه باق على حاله ام لم يفهم؟

أما على الاول فيتم المدعى و يثبت المطلوب. و أما على الثاني فهل فهم شيئا و قنع بالجواب ام لم يفهم شيئا.

أما على الاول فما ذا هو و أما على الثاني فكيف سكت مع عدم قناعته بجواب الامام و كيف نقل و روى كلام المعصوم و لم يذكر عدم قناعته بالجواب و كون الجواب مجملا و هل يمكن احتمال هذا الأمر بالنسبة الى مثل زرارة مع جلالته.

ان قلت: ان النقض عبارة عن رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل و الأقرب الى المعنى الحقيقي رفع اليد عن أمر فيه اقتضاء البقاء و ان كان يستعمل ايضا في مطلق رفع اليد عن أمر، و ان لم يكن فيه اقتضاء البقاء فيدور الأمر بين أن يراد من المتعلق خصوص ما فيه الاقتضاء و بين مطلق الأمر و لو لم يكن فيه اقتضاء للبقاء.

و حيث ان الاول أقرب الى المعنى الحقيقي يحمل اللفظ عليه فيختص الاستصحاب بما يكون الشك في البقاء ناشيا عن ناحية احتمال الرافع فيتم مدعى الشيخ (قدس سره).

و بعبارة واضحة يكون المقام، أي قوله «لا ينقض اليقين» كقول القائل «لا تضرب احدا» فان لفظ احد اعم من الميت و الحي و لكن‏

26

الضرب ظاهر في الضرب المولم فيكون قرينة لكون المراد من لفظ احد خصوص الحي.

قلت: اسناد النقض الى اليقين لا يكون باعتبار متعلقه كي يتم البيان المذكور بل صحة الاستعمال باعتبار نفس اليقين فكأن اليقين أمر مستحكم بلا فرق بين كون متعلقه فيه الاستعداد للبقاء و كون متعلقه غير مستعد له.

و بعبارة واضحة: حسن الاسناد باعتبار اليقين. ان قلت اذا لم يكن الاستعمال باعتبار المتعلق فلا انتقاض لليقين. نعم في قاعدة اليقين ينقض اليقين و لكن الكلام ليس في تلك القاعدة بل الكلام في الاستصحاب.

قلت مع الغاء الخصوصية عن المتعلق يصح الاسناد. و بعبارة واضحة: مع الغاء الخصوصية ينتقض اليقين بلا فرق بين كون المتعلق من هذا القسم أو من ذلك القسم، و أما مع عدم الغاء الخصوصية فاليقين باق بلا فرق بين أقسام المتعلق.

و صفوة القول: ان اسناد النقض الى اليقين مع الدقة العقلية غير حسن و أما مع التسامح العرفي يكون حسنا، نعم اذا كان المتعلق فيه استعداد البقاء يكون الاستعمال اقرب الى المعنى الحقيقي اعتبارا و ذوقا، و لكن الظواهر لا تكون تابعة للاعتبارات و الأذواق، فالنتيجة انه لا فرق فيما هو المهم بين كون الشك من جهة المقتضى و كونه من جهة الرافع فلاحظ.

التنبيه الثانى: [في كلام النراقي‏]

التفصيل الذي اختاره النراقي و هو جريان الاستصحاب في الأحكام الجزئية و الموضوعات الخارجية و عدم جريانه في الأحكام‏

27

الكلية الالهية: فنقول تارة يشك في بقاء الموضوع الخارجي و عدمه كحياة زيد و عدالة عمرو الى غيرهما من الموضوعات الخارجية.

و اخرى يشك في بقاء الحكم الشرعي.

أما على الاول فلا اشكال في جريان الاستصحاب و أما على الثاني، فتارة عموم الحكم معلوم في عمود الزمان، و نشك في نسخه فلا اشكال في جريان استصحاب عدم النسخ.

بل عن المحدث الاسترابادي ان جريان استصحاب عدم النسخ من الضروريات، مضافا الى قوله (عليه السلام): «فحلاله حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة»- الحديث‏ (1).

و اخرى لا يكون مقدار الجعل معلوما و يشك في بقاء الحكم، و في هذه الصورة تارة يكون الشك في الحكم ناشيا عن الشبهة الحكمية و اخرى ناشيا عن الشبهة الموضوعية فان كان الشك ناشيا عن الشبهة الموضوعية كما لو شك في بقاء الطهارة من جهة الشك في تحقق الحدث و عدمه فلا اشكال في جريان الاستصحاب.

و أما ان كان الشك في البقاء ناشيا عن الشبهة الحكمية فتارة يكون لكل موضوع حكم غير ما ثبت للفرد الآخر و اخرى يكون المجعول حكما مستمرا لموضوع واحد فان كان من قبيل الاول كحرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم لا يجري الاستصحاب اذ كل وطء له حكم غير الحكم الثابت للوطء الآخر، فاذا انقطع الدم و شك في حرمة الوطء بعد الانقطاع لا يجري استصحاب الحرمة حتى على القول بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية اذ المفروض ان الوطء بعد الانقطاع موضوع مغاير مع الموضوع الآخر.

____________

(1) الاصول من الكافى ج 2 ص 17- الحديث 2.

28

و بعبارة واضحة: الحرام الوطء الواقع على المرأة ذات الدم و أما بعد الانقطاع، فلا علم بالحرمة من أول الامر، و استصحاب الحرمة بالنسبة اليه يكون من اجراء حكم موضوع في موضوع آخر، و من اسراء الحكم من مورد الى غيره من الموارد و هذا داخل في القياس.

و أما ان كان من القبيل الثاني كالنجاسة العارضة على الماء القليل فلو تمم كرا و شك في بقاء نجاسته من جهة احتمال ان تتميمه كرا يوجب زوال النجاسة و صيرورته طاهرا فمثله محل الكلام اذ مقتضى استصحاب المجعول أي النجاسة بقائها، و من ناحية اخرى لا ندري ان جعل المولى بأى مقدار و انه مغني بالتتميم أو مطلق.

و مقتضى استصحاب عدم الجعل الزائد عدم نجاسته.

و ببيان واضح: قبل الشرع بل في أول الشريعة لم تجعل النجاسة للماء القليل الملاقي مع النجس و بعد الجعل لا ندري مقداره و مقتضى الاستصحاب عدم الجعل الزائد.

و ان شئت قلت: الامر دائر بين الاقل و الاكثر و لا بد من الاخذ بالاقل و الزائد محكوم بالعدم ببركة الاستصحاب فيقع التعارض بين استصحابي الجعل و المجعول فتصل النوبة الى جريان قاعدة الطهارة.

هذا ما أفاده النراقي في المقام، أقول: بل التعارض المذكور جار في بعض الشبهات الموضوعية مثلا اذا زوج زيد امرأة و لا ندري ان تزويجه دائمي أو انقطاعي و نفرض انه على تقدير كونه انقطاعيا مقداره و مدته سنة فبعد مضي سنة من الزواج نشك في بقاء الزوجية و عدمه و مقتضى استصحاب بقاء المجعول بقاء

29

الزوجية و مقتضى استصحاب عدم الجعل الزائد عدمها و له نظائر كثيرة فلاحظ.

ان قلت: في التزويج المردد بين الموقت و الدائم بعد التعارض و التساقط هل يجوز نكاح المرأة ام لا يجوز؟ أما على الاول فيشكل بأنها يحتمل كونها ذات البعل و في الشبهة المصداقية لا مجال للاخذ بالعموم.

و أما على الثاني فما الحيلة و ما الوسيلة للخروج عن هذه العويصة؟

قلت: الذي يختلج ببالي في هذه العجالة أن يقال: بعد تعارض الاصلين الموضوعيين تصل النوبة الى التوسل بقاعدة اخرى و لا يبعد أن يكون المرجع القرعة و لكن الاشكال في عموم دليل القرعة و شمولها لمثل المقام فلا بد من الاحتياط و اللّه العالم بالاحكام.

فتحصل ان استصحاب المجعول في الشبهات الحكمية يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد. اذا عرفت ما تقدم، فاعلم انه قد اوردت إيرادات على كلام النراقي.

الايراد الاول: ما ذكره صاحب الكفاية، و هو ان الفاضل النراقي تارة نظر نظرا مسامحيا عرفيا، فأجرى استصحاب الوجود، و اخرى نظر نظرا دقيا عقليا فاجرى استصحاب العدم. فان الماء المتمم غير الماء الذي لم يتمم بالدقة العقلية و عينه بالنظر العرفي و الحال ان الميزان في وحدة الموضوع النظر العرفي و عليه لا بد من جريان الوجود و لا مجال لاستصحاب العدم.

و هذا الايراد غير وارد على النراقي. فانا نسلم ان وحدة الموضوع عرفية، و لكن مع ذلك التعارض موجود، فان الماء المتمم كرا مع انه وجود واحد، نعلم بنجاسته قبل التتميم، و بعده نشك في بقاء النجاسة. و أيضا نشك في مقدار الجعل.

30

و بعبارة واضحة: لا ندري ان الموضوع الواحد أى الماء بعد اتمامه كرا هل يكون نجسا أم لا؟ و كل من المجهول و الجعل مسبوق باليقين. فان اركان الاستصحاب في كل من الجعل و المجعول تامة، فيقع التعارض بين الاستصحابين.

الايراد الثاني: هو الذي أورده الشيخ (قدس سره) على الفاضل و هو ان الزمان ان كان مفردا و يكون موجبا لتعدد الموضوع فلا يجري استصحاب الوجود بل يجرى استصحاب العدم فقط. و ذلك لانه مع تعدد الموضوع لا يمكن اسراء حكم موضوع الى موضوع آخر.

و بعبارة اخرى: يشترط في جريان الاستصحاب وحدة الموضوع و ان لم يكن الزمان مفردا يجري استصحاب الوجود و لا يجرى استصحاب العدم فان المفروض ان الحالة السابقة عبارة عن وجود الحكم.

و يرد عليه ان الزمان لا يكون مفردا و لكن مع ذلك يكون التعارض موجودا و الحالة السابقة وجود باعتبار و عدم باعتبار آخر. فان المجعول له حالة سابقة وجودية و الجعل له حالة سابقة عدمية مثلا صلاة الجمعة في زمان الحضور كانت واجبة فوجوبها له حالة سابقة وجودية و الاستصحاب يقتضي بقائه فتكون واجبة في زمان الغيبة أيضا. و عدم جعل وجوبها أزيد من زمان الحضور له حالة سابقة عدمية و مقتضى الاستصحاب بقائه على عدم الجعل الزائد فهو يقتضي عدم الالزام بقاء فالتعارض موجود بين استصحابي عدم الجعل و وجود المجعول فلا اشكال.

الايراد الثالث: انه يشترط في جريان الاستصحاب اتصال زمان الشك باليقين و اليقين بالحكم متصل بالشك فيه و أما اليقين‏

31

بعدم الحكم فلا يكون متصلا بالشك فيه مثلا العلم بحرمة وطء الحائض في أيام الدم متصل بالشك في بقاء الحرمة بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فيجري الاستصحاب. و أما العلم بعدم الحرمة فقد انتقض بالعلم بالحرمة فلا يجري الاستصحاب.

و الجواب عن هذا الاشكال ان العلم بعدم الحرمة قد انتقض بالعلم بها بالنسبة الى زمان الدم فيجري استصحاب الحرمة بعد الانقطاع، و أما بالنسبة الى زمان الانقطاع فلم يحصل يقين بالحرمة بل عدم الجعل كان معلوما و يشك في جعل الحرمة بالنسبة اليه و مقتضى الاستصحاب عدم جعل الزائد فالشك في الحرمة متصل بالعلم بالحرمة و الشك في جعل الزائد متصل بالعلم بعدم الجعل فأركان الاستصحاب تامة بالنسبة الى الطرفين فيقع التعارض.

و حيث لا ترجيح لاحدهما على الآخر يتساقطان.

ان قلت: انه لا يشترط في الاستصحاب اتصال الشك باليقين و لذا يمكن ان الانسان يتيقن بأمر ثم يغفل عنه و بعد التوجه و التذكر يشك في بقائه فيجري الاستصحاب بلا اشكال، بل الشرط في الاستصحاب اتصال المشكوك فيه بالمتيقن، و في المقام لا يكون كذلك.

مثلا المكلف يعلم بعدم جعل الحرمة لوطء المرأة الحائض قبل الشريعة و يتيقن انه جعلت الحرمة بعد الشرع و الشريعة و بعده يشك في بقاء الحرمة فعدم الجعل تبدل بالجعل فالمتيقن الحرمة و المشكوك فيه بقائها فاركان الاستصحاب بالنسبة الى الحرمة تامة و أما بالنسبة الى عدم جعلها فلا فان اليقين بعدم الجعل قد انتقض باليقين بالجعل.

قلت: أركان الاستصحاب بالنسبة الى كلا الامرين تامة فان لنا شكا و يقينين لأنا نعلم بعدم الجعل قبل الشريعة و نعلم بالحرمة

32

بعد الشرع للوطء الواقع في زمان الدم، و أما بعد الانقطاع فنشك في الحرمة و نشك في سعة الجعل. فكما ان الحرمة مشكوك فيها متصلة بالمتيقن كذلك الجعل المشكوك فيه متصل بعدم الجعل المتيقن فاركان الاستصحاب بالنسبة الى كلا الامرين تامة فلا تغفل.

الايراد الرابع: ان استصحاب عدم الجعل في رتبته معارض باستصحاب عدم جعل الحلية و بعد التعارض يجري استصحاب الحرمة بلا معارض.

و يمكن أن يجاب عن هذا الايراد باجوبة: الجواب الاول: ان استصحاب جعل الحلية لا مجال له اذ الاشياء كلها في صدر الشريعة كانت مرخصا فيها و التكاليف قد جعلت بالتدريج فلا حالة سابقة لعدم الحلية.

الجواب الثاني: انه لا تعارض بين استصحاب عدم جعل الحرمة و استصحاب عدم جعل الحلية فان التعارض بين الاصلين يحصل باحد وجهين:

احدهما: التنافي بين الاصلين في حد نفسهما كاستصحاب الحرمة و استصحاب الوجوب فان الاصلين في أمثال المقام متعارضان في حد نفسهما فتأمل، لانّ التنافي بين الاحكام لا أصل له و لا تنافي بين الاحكام حتى بين وجوب شي‏ء و حرمته فان الاحكام من الاعتباريات و الاعتبار خفيف المئونة.

ثانيهما: ان يلزم مخالفة عملية قطعية كما لو علم بنجاسة احد الإناءين فجريان اصالة الطهارة في كليهما يوجب المخالفة العملية القطعية، و أما في المقام فلا محذور فان استصحاب عدم جعل الالزام لا ينافي عدم جعل الاباحة كما انه لا يلزم من جريانهما خلاف عملي.

33

الجواب الثالث: انه فرضنا التعارض المدعى لكن نقول: يقع التعارض بين الاصول الثلاثة دفعة و تساقطت أيضا دفعة و لا وجه للترتب المذكور بأن يقال: يتعارض استصحاب عدم جعل الحرمة مع استصحاب عدم جعل الترخيص فتصل النوبة الى استصحاب الحرمة بل يجري الاستصحاب من نواح ثلاث و بعد التعارض و التساقط تصل النوبة الى البراءة.

الايراد الخامس: ان استصحاب عدم الجعل لا أثر له لا شرعا و لا عقلا ففي حد نفسه لا يجري فلا مجال لان يعارض استصحاب المجعول.

و بعبارة اخرى: الاحكام الانشائية لا اثر لها مثلا جعل وجوب الحج للمستطيع لا يترتب عليه اثر حتى مع العلم.

و صفوة القول: مجرد الجعل لا يكون موضوعا لا للاثر الشرعي و لا للاثر العقلي.

و فيه ان الاشكال المذكور في غاية الضعف و الوهن. فان الاحكام الشرعية على سبيل القضايا الحقيقية و يكون الفعلية فيها متوقفا على الجعل و على تحقق الموضوع في الخارج، مثلا حرمة الخمر تتوقف على جعل الحرمة من قبل الشارع و على وجود الخمر خارجا بل توجه التكليف بعدم الشرب لا يتوقف على الخمر خارجا فان المكلف لو امكنه الشرب ينهى عنه و لو لم يتحقق الخمر في الخارج.

فظهر ان الايرادات كلها غير واردة و ما أفاده النراقي تام.

و ربما يقال: بأنه لا تعارض بين استصحاب الجعل و المجعول بل يجري استصحاب عدم الجعل فقط، و ذلك لأن الشك في بقاء المجعول مسبب عن الشك في مقدار الجعل و قد قرر في محله ان‏

34

الاصل السببي حاكم على الاصل المسببي فلا مجال لاستصحاب الحرمة.

و يرد عليه ان الميزان في تقدم الاصل السببي على الاصل المسببي ان المسبب يكون من الآثار الشرعية للسبب مثلا لو شككنا في اللباس النجس المغسول بالماء المستصحب طهارته انه طهر أم لم يطهر نقول استصحاب الطهارة في الماء لا يبقى مجالا لاستصحاب النجاسة لأن الماء الطاهر يترتب عليه شرعا انه اذا غسل به ثوبا نجسا يطهر و بهذا التقريب يتم الامر. و تفصيل الكلام موكول الى مجال آخر.

و في المقام لا يكون كذلك فان عدم الحرمة ليس اثرا شرعيا لعدم الجعل بل اثر تكويني بل يصح أن يقال: ان عدم الحرمة عين عدم الجعل فان عدم الحرمة عبارة عن عدم تعلق الجعل بحرمته فالتقريب المذكور غير تام.

ثم انه لا يخفى ان عدم الاستصحاب في الشبهات الحكمية يختص بالاحكام الوجودية، و أما اذا شك في أصل الالزام كما لو شك في حرمة شرب التتن فلا مانع عن جريان الاستصحاب و لا يعارضه استصحاب عدم جعل الترخيص و الاباحة اذ الاشياء على الاباحة الى أن يرد فيها أمر أو نهي عن الشارع الاقدس. مضافا الى أنا نفرض التعارض و التساقط و لكن بعد التساقط تصل النوبة الى البراءة.

ثم ان سيدنا الاستاد (قدس سره) أفاد في المقام بأنه لا مانع عن جريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية، مثلا اذا شك في طهارة شي‏ء بقاء لا مانع عن استصحاب الطهارة. فان الطهارة لا تحتاج الى الجعل بل الاشياء طاهرة. و ايضا الطهارة الحدثية كذلك‏

35

و الناقضية تحتاج الى الجعل فالنتيجة ان الحكم الوضعي لا يكون مورد تعارض الاصلين.

و عليه لا بد من التفصيل بأن يقال: الاستصحاب لا يجري في الشبهة الحكمية التكليفية و يجري في الشبهة الحكمية الوضعية فهذا قول ثالث في قبال القول بالجريان على الاطلاق كما هو المشهور، و القول بعدم الجريان كذلك كما عليه النراقي. هذا حاصل ما أفاده في هذا المقام على ما في التقرير. (1)

و يرد عليه اولا: ان الطهارة التي تكون موضوعة للاحكام الشرعية هل هي من الامور التكوينية أو من الامور الاعتبارية أما على الاول فهو خلاف ما بنوا عليه من أن الطهارة و النجاسة أمران اعتباريان و بنى عليه ايضا سيدنا الاستاد. و أما على الثاني، فيحتاج الى الجعل.

و ثانيا: انه فرضنا تمامية ما أفاده بالنسبة الى الطهارة الخبثية لكن كيف يتم بالنسبة الى الطهارة الحدثية فانه لا اشكال في أن الطهارة الحدثية مجعولة بالجعل الشرعي الاعتباري و تنعدم بوجود الناقض الشرعي، و عليه نقول: لو تحققت الطهارة الحدثية في وعاء الاعتبار يكون بقائها بمقدار بقاء الاعتبار.

و لا مجال لأن يقال بأن بقائها لا يحتاج الى الجعل بل النقض يحتاج الى الجعل فاذا شك في الناقض يكفي استصحاب عدم الناقض و ذلك لأن الناقضية كالشرطية و المانعية و القاطعية و الجزئية امور واقعية لا تنالها يد الجعل فبقاء الطهارة الحدثية بمقدار جعلها في وعاء الاعتبار فاذا شك في بقائها يقع التعارض بين استصحاب بقائها و استصحاب عدم الجعل الزائد فالتعارض فيها كالتعارض‏

____________

(1)- مصباح الاصول ج 3 ص 47.

36

في الاحكام التكليفية طابق النعل بالنعل.

و ثالثا انه سلمنا ما أفاده في الطهارة الحدثية ايضا لكن لا اشكال و لا كلام في أن الملكية الشرعية من الامور الاعتبارية و تحتاج الى الجعل و كذلك الزوجية و كذلك بقية الاحكام الوضعية فالتعارض فيها واقع بلا كلام.

و ببيان واضح: هل يمكن أن يقال: ان زوجية امرأة لرجل امر واقعي غير محتاجة الى الجعل و كذلك رقية انسان لغيره؟ كلا ثم كلا فعلى تقدير تمامية كلامه فانما يتم في الجملة لا بالجملة و قد ظهر بما ذكرنا عدم تماميته حتى في مورد واحد فالحق ما أفاده النراقي طيب اللّه رمسه و ما أفاده (قدس سره) تترتب عليه آثار مهمة في أبواب الفقه فللّه درّه و عليه اجره.

ايقاظ و تتميم:

ربما يقال: ان النفي اذا ورد على العموم تكون نتيجته سلب العموم لا عموم السلب مثلا اذا قال زيد: «ليس كل عالم عادلا» معناه سلب العدالة عن بعض العلماء لا أن كل عالم فاسق، و عليه نقول: النفي الوارد في هذه الرواية و بقية الروايات على اليقين كقوله (عليه السلام) «لا ينقض اليقين» لا يستفاد منه العموم بل المستفاد منه ان اليقين في الجملة لا ينقض فلا دليل على اعتبار الاستصحاب في جميع الموارد.

و يرد على الايراد المذكور ان ما ادعى في الاشكال من أن المستفاد من الجملة سلب العموم على فرض تماميته يختص بمورد يكون العموم مستفادا من المدخول فالسلب الوارد عليه يفيد سلب العموم، كما لو قال احد: «لا احب كل عالم» فان المدخول دال على العموم‏

37

و السلب يرد عليه فيكون النتيجة سلب العموم.

و أما اذا لم يكن كذلك كما لو كان المدخول دالا على الجنس فدخول السلب عليه يفيد عموم السلب كقول القائل لا رجال في الدار و المقام كذلك فان لفظ اليقين المحلّى بلام الجنس غير دال على العموم بل العموم مستفاد من النفي و الاطلاق.

و ثانيا: ان استفادة سلب العموم لا عموم السلب يتوقف على القرينة.

و بعبارة اخرى: الكلمة الدالة على العموم تدل على العموم الاستغراقي و حملها على العام المجموعي يحتاج الى قرينة فلو قال المولى: لا تهن العلماء يستفاد منه حرمة اهانة كل عالم على نحو العموم الاستغراقي.

و بعبارة واضحة: المدخول ان كان دالا على العموم في حد نفسه فيرد عليه النفي أو النهى لا يستفاد منه العام المجموعي بل المستفاد العموم الاستغراقي.

و ثالثا: انّا سلمنا الكبرى لكن لا يمكن انطباقها على المقام لاجل القرينة القائمة على العموم. فانه (عليه السلام) بعد ما حكم بعدم انتقاض الوضوء بالشك في النوم علّل الحكم بأن اليقين لا ينقض بالشك ابدا، فاذا لم يكن كلام الامام (عليه السلام) دالا على العموم الاستغراقي و كان دالا على عدم نقض بعض افراد اليقين لم يكن مجال لأن يقنع زرارة بالجواب اذ يمكن أن لا يكون اليقين بالوضوء من ذلك البعض و الحال انه نرى ان زرارة قنع بالجواب فالنتيجة هو العموم المدعى.

و لا يخفى ان الجواب الاخير غير تام اذ لا اشكال في أن اليقين بالوضوء مشمول للحكم على كل حال اذ حكم (عليه السلام) بالصراحة

38

بعدم انتقاض اليقين بالوضوء بالشك في الانتقاض.

مضافا الى أنه يلزم عدم جوابه عن السؤال و الحال انه لاوجه لامساكه عن الجواب و عدم تعرضه فلاحظ.

تذكرة:

اعلم ان جريان الاستصحاب في الامور الوجودية يختص بالشبهات الموضوعية كاستصحاب وجود زيد و عدالة عمرو و شجاعة بكر و خباثة خالد الى غيرها من الموارد و أما في الحكم فلا يجري الاستصحاب اذا شك في بقائه بلا فرق بين الحكم التكليفي و الوضعي و بلا فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية. و الوجه فيه انه لو شك في حكم من الاحكام الشرعية فان كان الشك في بقاء الحكم الكلي و بعبارة اخرى ان كانت الشبهة حكمية يكون استصحاب بقاء الحكم المشكوك فيه معارضا باستصحاب عدم الجعل الزائد كما مر قريبا و ان كانت الشبهة موضوعية فلأجل ان الشك في بقاء الحكم الجزئي الخارجي دائما يكون ناشيا عن الشك في الرافع و يكون الاصل الجاري في السبب حاكما على الاصل الجاري في المسبب.

مثلا اذا كان الشخص متوضئا ثم شك في ارتفاعه و يكون الشك في البقاء ناشيا و مسببا عن الشك في وجود الناقض و مقتضي الاصل عدم تحقق الناقض فيكون الوضوء محكوما بالبقاء.

و ايضا اذا شك في بقاء الطهارة الخبثية و قس عليهما كل مورد يشك في بقاء الحكم تكليفيا كان أم وضعيا فلا تغفل هذا تمام الكلام في الحديث الاول الذي استدل به على اعتبار الاستصحاب في الجملة أو بالجملة.

[* بقية الوجه الرابع في الأخبار و النصوص‏]

[الحديث الثاني لزرارة]

و من تلك النصوص ما رواه زرارة ايضا قال قلت أصاب ثوبي‏

39

دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من مني فعلّمت اثره الى أن اصيب له من الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم اني ذكرت بعد ذلك.

قال تعيد الصلاة و تغسله. قلت: فاني لم اكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد.

قلت: فان ظننت انه قد اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟

قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا.

قلت: فاني قد علمت انه قد أصابه و لم ادر اين هو فاغسله؟ قال:

تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علىّ ان شككت في أنه اصابه شي‏ء ان انظر فيه؟ قال: لا و لكنك انما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك.

قلت: ان رأيته في ثوبي و انا في الصلاة. قال: تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رايته و أن لم تشك ثم رايته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء اوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك‏ (1).

و هذه الرواية تارة يبحث فيها من حيث السند و اخرى من حيث الدلالة، أما من حيث السند فالظاهر ان السند تام فان اسناد الشيخ الى حسين بن سعيد لا اشكال فيه و هو ينقل عن حماد عن حريز عن‏

____________

(1)- التهذيب ج 1 ص 421 الحديث 8.

40

زرارة فلا اشكال في السند. و أما الاضمار فقد تقدم ان اضمار مثل زرارة لا يضر، فان زرارة اجل شأنا من أن ينقل عن غير المعصوم (عليه السلام) فالسند لا اشكال فيه.

و أما من حيث الدلالة فمورد الاستشهاد على المدعى موردان.

المورد الاول: قوله (عليه السلام)- بعد السؤال الثالث- «لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا» فان عموم العلة يقتضي سراية الحكم الى كل مورد يكون فيه الملاك المذكور.

و بعبارة اخرى: العلة تعمّم و تخصص مضافا الى أن مقتضى اطلاق اليقين الذي نهى عن نقضه عدم الفرق بين الموارد.

و اشكال كون اللام للعهد الذكري قد ظهر الجواب عنه في الحديث السابق، و قلنا الظهور الاولي يقتضي كون اللام للجنس.

و قد ورد في المقام اشكال و هو ان الكبرى الكلية و هي عدم نقض اليقين بالشك لا تنطبق على المورد، اذ الاعادة لو كانت واجبة لا تكون نقضا لليقين بالشك بل نقض اليقين باليقين بوجوب الاعادة فلا تنطبق على الاستصحاب. و لذا حمل الحديث على قاعدة اليقين.

و قال سيدنا الاستاد (قدس سره) «و حمل الحديث على قاعدة اليقين عجيب اذ قاعدة اليقين متقومة بأمرين. احدهما: اليقين السابق ثانيهما الشك الساري كما لو علم زيد بعدالة بكر في يوم الجمعة ثم شك في عدالته في يوم الجمعة فى يوم السبت و شي‏ء من الأمرين لا يكون متحققا في مورد الحديث.

أما الشك فعدمه واضح اذ المفروض ان المكلف يعلم بوقوع الصلاة في النجس، و أما اليقين فان كان المراد به اليقين بالطهارة قبل الظن بالنجاسة فهو باق بحاله و لم يتبدل بالشك و ان كان المراد

41

اليقين بالطهارة بعد الظن بالنجاسة فلم يذكر في الحديث و مجرد النظر و عدم الوجدان لا يدل على اليقين بالطهارة فلا يرتبط الحديث بقاعدة اليقين بل هو من ادلة الاستصحاب غاية الأمر انطباق الحديث على المورد غير معلوم و هذا المقدار من الاشكال لا يوجب سقوط الرواية عن قابلية الاستدلال على المدعى. هذا ما افاده (قدس سره) في المقام.

اقول: الظاهر ان الحديث ينطبق على المقام و المورد اذ المفروض ان المكلف انما صلى قبل اليقين بالنجاسة.

و بعبارة اخرى: ان قاعدة الاستصحاب كانت جارية في حقه في زمان الشك و الاتيان بالصلاة هذا من ناحية. و من ناحية اخرى ان اشتراط الصلاة بطهارة لباس المصلي شرط ذكري لا شرط واقعي و المفروض تحققه في ظرف الاتيان فلا تجب الاعادة فعدم وجوب الاعادة مقتضى جريان الاستصحاب فلا اشكال في الحديث لا من حيث الكبرى و لا من حيث الصغرى هذا ما يرجع بالمورد الاول.

المورد الثاني: قوله (عليه السلام)- في ذيل الحديث- «ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك» فانه يستفاد من الذيل ايضا القاعدة الكلية بأن اليقين لا ينقض بالشك.

و يمكن تقريب الاستدلال بالذيل بوجهين احدهما: التعليل الواقع في كلامه (عليه السلام) و هو قوله «لانك لا تدري لعله شي‏ء اوقع عليك» فان التعليل يفيد العموم.

ثانيهما: قوله (عليه السلام) «فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك» فان العرف يفهم من الحديث الضابط الكلي الساري في جميع الموارد فلاحظ.

42

[الحديث الثالث لزرارة]

و من تلك النصوص ما رواه زرارة ايضا عن احدهما (عليهما السلام) في حديث قال: اذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف اليها اخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط احدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبني عليه و لا يعتد بالشك في حال من الحالات‏ (1).

و هذه الرواية من حيث السند تامة، و أما من حيث الدلالة فتقريب الاستدلال بها على المدعى ان المكلف يعلم بعدم الاتيان بالركعة الرابعة و بعد ذلك يشك في الاتيان بها و يجب عليه أن لا ينقض يقينه بالشك.

و بعبارة اخرى: قد طبقت الكبرى الكلية و هي عدم نقض اليقين بالشك على المورد.

و قد اورد على الاستدلال بالرواية على المدعى ايرادان.

الايراد الاول: انه لا تستفاد من الحديث الكبرى الكلية بل المستفاد منه الحكم الخاص و هو حكم المورد فلا يكون دليلا على العموم.

و ربما يجاب عن الايراد المذكور بأن الكلية تستفاد من جملة من النصوص الأخر.

و يرد على الجواب المذكوران استفادة الكلية من بقية النصوص لا تقتضي الكلية في هذه الرواية و لكن يمكن تقريب الكلية باحد وجهين:

أحدهما: قوله (عليه السلام) «لا ينقض اليقين بالشك» فانه تستفاد الكلية من هذه القضية، فان الظاهر من اللام لام الجنس و مقتضى‏

____________

(1)- الوسائل الباب 10 من أبواب الخلل الواقع فى الصلاة الحديث 3.

43

الاطلاق عدم تقييد المطلق فالنتيجة هو العموم.

ثانيهما: قوله (عليه السلام)- في ذيل الحديث- «و لا يعتد بالشك في حال من الحالات» فان الكلية تستفاد من هذه الكلمة.

الايراد الثاني: انه ما المراد من قوله (عليه السلام) «قام فاضاف اليها اخرى» فان كان المراد الركعة المنفصلة كما عليه الامامية فيكون المراد باليقين اليقين بالبراءة لا اليقين بعدم الاتيان فان الاتيان بالركعة المنفصلة تقتضي اليقين بالبراءة اذ لو كانت ما بيده ناقصة تكون الركعة متممة لنقصها و لم يزد في الصلاة ركوع و لا سجود، و ان كانت تامة تكون الركعة المنفصلة خارجة عن الصلاة و لا توجب بطلانها.

و أما لو اكتفى بالمقدار المأتي به و لم يضف اليه فيمكن نقصان الصلاة كما انه لو اضيف اليه شي‏ء متصلا يمكن أن يكون زائدا و يوجب البطلان من جهة الزيادة.

و أما ان كان المراد الاتيان متصلا و يكون المراد من عدم النقض بالشك الاخذ باليقين بعدم الرابعة و الاتيان بها متصلا تكون الرواية دالّة على الاستصحاب و لكن يكون على خلاف مذهب الامامية.

ان قلت يمكن حمل الحديث على بيان القاعدة الكلية السارية في جميع الموارد و أما تطبيق الحديث على المورد فيكون من باب التقية.

قلت: حمل كلام المعصوم على التقية خلاف الاصل الاولي. اذا عرفت ما تقدم نقول لا اشكال في أن المستفاد من الحديث ان اليقين لا ينقض بالشك فاليقين بعدم الرابعة لا ينقض بالشك فيها بل لا بد من تحصيل اليقين باتيانها فلا اشكال في أن الظاهر من‏

44

الحديث انه يجب اضافة ركعة اخرى الى المأتي به كى يحصل اليقين بالامتثال فلو كنا نحن و هذه الرواية لكنا نأخذ بظاهرها و حكمنا بوجوب اضافة ركعة متصلة و لكن حيث ان هذه الطريقة خلاف المذهب قطعا نرفع اليد عن ظهور الحديث بالنسبة الى هذه الجهة.

و لكن لا مقتضي لرفع اليد عن أصل الظهور.

و صفوة القول ان المستفاد من الحديث مفاد الاستصحاب غاية الامر قد علم من الخارج ان طريق العلم بالامتثال الاتيان على نحو الانفصال فتحصل ان الحديث تام من حيث الدلالة على المدعى كما انه تام سندا فلاحظ.

و من تلك النصوص ما رواه اسحاق بن عمار قال: قال لي أبو الحسن الاول (عليه السلام): اذا شككت فابن على اليقين. قال:

قلت: هذا اصل قال: نعم‏ (1).

و هذه الرواية من حيث السند مخدوشة فان اسناد الصدوق الى اسحاق بن عمار ضعيف على ما كتبه الحاجياني. و أما من حيث الدلالة فيستفاد منها ان الاخذ باليقين اصل أولي و مقتضى الاطلاق المنعقد فيه سريانه في جميع الموارد الا فيما يقوم دليل على الخلاف.

و عن الشيخ (قدس سره) ان الحديث ناظر الى حكم الشك في عدد الركعات و حكمه الاتيان بالركعة المنفصلة فيكون المراد من اليقين الوارد في الحديث اليقين بالبراءة. فلا ترتبط الرواية بما نحن فيه.

و يرد عليه أولا: ان الخبر لم يرد في بيان حكم الركعات و لا قرينة فيها على المدعى المذكور، و انما نقلها و ذكرها اصحاب الحديث و الفقهاء في الباب المشار اليه.

____________

(1)- الوسائل الباب 8 من أبواب الخلل الواقع فى الصلاة الحديث 2.

45

و ثانيا: ان الظاهر من الحديث ان الموضوع المفروض في الحديث عنوان اليقين و قد رتب عليه الحكم فاليقين لا بد من فرض وجوده فلا يرتبط بحكم باب الشكوك في الركعات فان الحكم هناك تحصيل اليقين بالبراءة و لم يفرض يقين في الرتبة السابقة بخلاف ما يستفاد من الحديث فان المستفاد من الحديث ترتيب الاثر على اليقين المفروض وجوده. و أما احتمال كون الرواية ناظرة الى قاعدة اليقين فغير سديد فان اليقين في القاعدة لا يكون موجودا بقاء و الظاهر من الحديث تحقق عنوان اليقين في زمان ترتيب الاثر عليه فتحصل ان المستفاد من الحديث قاعدة الاستصحاب في جميع الموارد، فانه يجب البناء على المتيقن عند الشك. غاية الامر ترفع اليد عن الاطلاق في باب الشك في عدد الركعات لاجل قيام دليل هناك على الخلاف فلاحظ.

[حديث الخصال و القاساني‏]

و من تلك النصوص ما رواه في الخصال عن علي (عليه السلام)(1).

و هذه الرواية مخدوشة سندا فلا يعتد بها، و أما من حيث الدلالة فربما يقال انها ناظرة الى قاعدة اليقين.

و يرد عليه ان الظاهر من الرواية التحفظ على عنوان اليقين بالفعل و الحال ان اليقين في القاعدة زائل بالشك الساري.

و من تلك النصوص ما رواه علي بن محمد القاساني قال كتبت اليه و أنا بالمدينة اسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية و افطر للرؤية (2).

____________

(1)- قد تقدم ذكر الحديث فى ص 22.

(2)- الوسائل الباب 3 من أبواب احكام شهر رمضان الحديث 13.

46

و الحديث ضعيف بالقاساني و غيره فلا تصل النوبة الى ملاحظة دلالته و البحث فيه.

[جملة من الأحاديث‏]

و من تلك النصوص ما رواه ابن سنان‏ (1) فانه يستفاد من الحديث ببركة التعليل الوارد فيه ميزان كلي و ضابط عام لعدم نقض اليقين بالشك. و لكن في خصوص باب الطهارة الخبثية لا أزيد فيكون الحديث مؤيدا.

بقى الكلام في جملة من النصوص الدالة على الطهارة و الحلية.

منها ما رواه عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر فاذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك. (2)

و منها ما رواه حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

الماء كلّه طاهر حتى يعلم انه قذر (3).

و منها ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (4).

و الاحتمالات المتصورة في هذه النصوص متعددة. الاحتمال‏

____________

(1)- قد تقدم ذكر الحديث فى ص 22.

(2)- الوسائل الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 4.

(3)- الوسائل الباب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 5.

(4)- الوسائل الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

47

الاول: أن يكون المراد اثبات الطهارة للاشياء الى زمان انفعالها بالنجس.

و بعبارة اخرى: تكون في مقام بيان ان الحكم الواقعي للاشياء الطهارة الى زمان تأثير النجاسة فيها و يكون العلم المذكور فيها علم طريقي فكأنه قال كل شي‏ء طاهر الى زمان انفعاله بالنجاسة.

و أيضا كل شي‏ء حلال الى أن يصير حراما.

و هذا الاحتمال خلاف الظاهر فان الظاهر من هذه النصوص ان الطهارة المجعولة لمورد الشك في الطهارة و النجاسة.

و بعبارة اخرى المستفاد من هذه النصوص الحكم الظاهري لا الواقعي بل لا يمكن الالتزام به بالنسبة الى ما دل على الحلية فان قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» يفهم منه انه قد فرض محرم و محلل و الشارع الاقدس يحكم بالحلية عند الشك في أن ما في الخارج من القسم الحلال أو من القسم الحرام بل الامر كذلك بالنسبة الى ما يدل على الطهارة. فان قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر» صريح في أن الحكم بالطهارة ما دام لا يحصل العلم بكونه نجسا فالمجعول الطهارة الظاهرية.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد ان الطهارة أو الحلية باقيتان الى أن يعلم بالخلاف فتكون النصوص دليلا على الاستصحاب.

و فيه ان قوام الاستصحاب بالمتيقن السابق و لم يفرض اليقين في النصوص المشار اليها بل الحكم بالطهارة و الحلية ما دام الشك.

فالنصوص دالة على قاعدة الطهارة و الحلية و لا ترتبط بالاستصحاب.

الاحتمال الثالث: أن تكون النصوص ناظرة الى الحكم الواقعي و الظاهري. و فيه انها ظاهرة في جعل الحكم الظاهرى أى الطهارة

48

و الحلية عند الشك فيهما فلا مجال لهذا الاحتمال.

الاحتمال الرابع: أن تكون ناظرة الى جعل الطهارة الظاهرية و استصحاب تلك الطهارة فصدر الحديث دليل القاعدة و ذيله دليل الاستصحاب.

و فيه ان الظاهر من النصوص جعل الحكم الظاهري في زمان الشك فما دام الشك موجودا يشمله الدليل و أما مع عدم الشك فلا موضوع للنصوص.

الاحتمال الخامس: أن تكون الجملة متعرضة للحكم الواقعي و بقاء ذلك الحكم الى زمان العلم بالخلاف فتكون دالة على الحكم الواقعي و الاستصحاب لاحظ الحديث الرابع من الباب السابع و الثلاثين من أبواب النجاسات من الوسائل فان صدر الجملة يدل على الطهارة الواقعية و ذيلها يدل على الطهارة الظاهرية بالاستصحاب.

و فيه ان المستفاد من كلامه (عليه السلام) و هو قوله «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر» انه (عليه السلام) في مقام بيان الطهارة الظاهرية في ظرف الشك و عدم العلم بقذارة الشي‏ء.

و بعبارة واضحة الظاهر من الجملة انه (عليه السلام) في مقام بيان مشكوك الطهارة و القذارة و لذا جعل الغاية العلم بكونه قذرا فالشي‏ء المشكوك فيه يكون طاهرا حتى مع كونه قذرا في الواقع.

الاحتمال السادس: أن تكون الجملة دالة على الطهارة الواقعية و الظاهرية و استصحابها بتقريب ان عنوان كل شي‏ء، يشمل كل عنوان معلوم كالماء و الحجر و المدر و ما هو مشكوك العنوان كالماء الذي يشك في انفعاله بالملاقاة فتدل الجملة على الطهارة الواقعية و الظاهرية و على بقاء تلك الطهارة الى زمان العلم بالخلاف فتدل‏

49

على أمور ثلاثة الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و الاستصحاب.

و هذا القول منسوب الى صاحب الكفاية.

و قد اورد الميرزا عليه بأنه لا يمكن الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بتقريب: انه مع قطع النظر عن الغاية يكون الموضوع الجامع بين الاشياء.

و بعبارة اخرى: في كل عام يكون المأخوذ في الموضوع تمام الموضوع بلا لحاظ خصوصية من الخصوصيات.

مثلا لو قال المولى يجب اكرام كل عالم يفهم ان تمام الموضوع لوجوب الاكرام العلم بلا دخل كون العالم عربيا أو هاشميا أو غيرهما.

و عليه نقول: اذا كان عنوان العموم شاملا للمشكوك فيه من حيث النجاسة و الطهارة لا يكون الشك دخيلا في الحكم بل الدخيل عنوان الشي‏ء و على هذا الاساس نقول الرواية لا يمكن شمولها للمشتبه لا بعنوان الحكم الظاهري و لا بعنوان الحكم الواقعي.

أما الاول فلما تقدم من عدم كون الخصوصية دخيلة في الموضوع، و أما الثاني فلأنه؟؟؟ لا اشكال في نجاسة جملة من الاشياء فلا يمكن الحكم بالطهارة الواقعية لجميع الاشياء فان الاخذ بالعموم في مورد المشتبه اخذ بالعام في الشبهة المصداقية و قد قرر في محله انه غير جائز.

و قال سيدنا الاستاد (قدس سره) ان هذا الاشكال الذي أورده شيخه متين جدا.

أقول: الذي يختلج ببالي القاصر أن يقال أى مانع عن شمول العموم للمشتبه غاية الامر نرفع الاشتباه بالاصل الموضوعي اي الاستصحاب فانه نحرز بالاستصحاب أن الفرد المشتبه لا يكون فردا للخارج عن تحت العام كما في بقية الموارد.

50

مثلا لو قال المولى اكرم العلماء الا الفسّاق و نحن احرزنا علم زيد و لكن شككنا في فسقه و عدمه نحرز عدم فسقه بالاستصحاب و كذلك في المقام.

اذا عرفت ما تقدم نقول قد تقدم منا ان المتفاهم من الحديث بالفهم العرفي ان الشارع الاقدس في مقام بيان الحكم بعنوان كون الشي‏ء مشكوكا فيه من حيث الطهارة و النجاسة و لذا قال (عليه السلام) «كل شي‏ء نظيف حتى يعلم انه قذر» فقد فرض في الحديث ان الحكم الواقعي محفوظ في ظرفه. و في ظرف الشك فى ذلك الحكم الواقعي حكم بالطهارة فالحديث متكفل لبيان الحكم الظاهري فلاحظ.

الاحتمال السابع: أن يكون الحديث في مقام الحكم الظاهري و هذا هو الظاهر من النصوص الواردة في المقام المشار اليها فيكون الاحتمال السابع هو المتعين.

بقى شى‏ء و هو انه ربما يقال ان المستفاد من حديث حماد بن عثمان‏ (1) حجية الاستصحاب في الجملة بتقريب ان طهارة الماء أمر واضح. غاية الامر ان الامام تعرض لبقائها الى حصول العلم بالخلاف فيكون دليلا على الاستصحاب.

و يرد عليه ان الظاهر من الحديث بيان الحكم الظاهرى و بعبارة واضحة: قوله (عليه السلام) «حتى تعلم انه قذر» لا يكون جملة مستقلة في الكلام بل من متعلقات الجملة السابقة و عليه نسأل ان الجملة الواقعة في الذيل أي قوله (عليه السلام) حتى تعلم انه قذر قيد للحكم أو للموضوع و على كلا التقديرين يكون الحديث دالا على الحكم‏

____________

(1)- تقدم ذكر الحديث فى ص 46.

51

الظاهري و لا يرتبط بالاستصحاب.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الدليل على الاستصحاب تام و الاستصحاب حجة على الاطلاق بلا فرق بين الأمور الخارجية و الاحكام الشرعية و بلا فرق بين كون الحكم جزئيا أو كليا وضعيا أو تكليفيا.

التنبيه الثالث: [ما أفاده السبزواري من التفصيل بين الشك في الرافع و رافعية الموجود]

ما أفاده السبزواري من التفصيل بين الشك في الرافع و الشك في رافعية الموجود بجريانه في الاول و عدم جريانه في الثانى.

بتقريب: انه لو كان الشك في وجود الرافع كما لو كان متطهرا فشك في تحقق الناقض يكون رفع اليد عن اليقين السابق بالشك.

و أما في ظرف الشك في رافعية الموجود اعم من أن تكون الشبهة موضوعية أو حكمية يكون رفع اليد عن اليقين السابق باليقين بما يشك في كونه رافعا و يدل على المدعى ان الشك في كون الرعاف ناقضا أم لا لا يوجب النقض فلا يجوز رفع اليد عن اليقين بالطهارة اذا شك في كون الرعاف ناقضا أم لا و أما في صورة اليقين بالرعاف خارجا لا يكون رفع اليد عن اليقين بالشك بل نقض اليقين باليقين فلا بد من التفصيل.

و يرد عليه ان مجرد اليقين بشي‏ء لا يقتضي رفع اليد عن اليقين السابق بل لا بد من تعلق اليقين اللاحق بعين ما تعلق به اليقين السابق و المفروض ان اليقين تعلق بوجود الرعاف لا بعنوان الناقض و أما ما افاده من أن الشك في كون الرعاف ناقضا أم لا فهو الشك في كبرى القضية و هو يجتمع مع العلم بالطهارة و يصح أن يقال: انه غالط بهذا البيان.

52

و حاصل الكلام: انه لا فرق بين الشك في رافعية الموجود و في وجود الرافع، و لتوضيح المدعى نقول: اذا كان الشخص متطهرا ثم ابتلي بالرعاف و شك في كون الرعاف ناقضا أم لا؟ هل يكون شاكا في بقاء الطهارة أم لا؟

أما على الاول فلا بد من أن يتمسك بالاستصحاب و أما على الثاني، فنقول: كيف يجمع بين كون الشخص شاكا في بقاء الطهارة و كونه متيقنا بها فلاحظ.

فتحصل انه لا فرق بين الشك في الرافع و بين الشك في رافعية الموجود في جريان الاستصحاب و لا يختص الاستصحاب بخصوص القسم الاول.

نعم اذا كان الشك في الحكم الكلي و بعبارة اخرى: اذا كانت الشبهة حكمية يقع التعارض بين استصحاب المجعول و استصحاب عدم الجعل الزائد و هذا امر آخر لا يرتبط بما افاده.

بقى شى‏ء فى المقام: [في بيان جملة من الأحكام الوضعية]

ربما يقال بأن الاستصحاب يختص جريانه بالحكم التكليفي و لا يجري في الحكم الوضعي بدعوى ان الحكم الوضعي لا تناله يد الجعل بل ينتزع عن التكليف.

و الحق ان الأمر ليس كذلك فان الحكم الوضعي قابل للجعل كالحكم التكليفي، و في مقام الثبوت يتصور جعله و يكون امرا ممكنا في نظر العقل، مثلا الزوجية و الرقية و الملكية و الطهارة و النجاسة و أمثالها امور قابلة للجعل و الاعتبار يتعلق بها كما يتعلق بالتكليف و لا تكون من الامور الانتزاعية. فان الامر الانتزاعي لا واقعية له‏