اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
291 /
3

[المقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

بسم اللّه الذي‏ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ و الصفات العليا، و الحمد للّه الذي‏ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد المصطفى و على آله الأتقياء الأوصياء و اللعن على أعدائهم في الآخرة و الأولى.

و بعد: اعلم أنه قد كثر استعمال عدة من الألفاظ لدى الأصوليين في معاني مخصوصة تغاير معانيها الحقيقية أو تباينها، بحيث صارت عندهم منقولة عن المعاني الأولية و حصل لها وضع تخصصي أو تخصيصي في المعاني الحديثة.

فأنتج ذلك تعسر إدراك المقصود منها للباحث في هذا الفن، أو عدم نيله إلى حقيقة الغرض من البحث.

فرأيت مستعينا باللّه تعالى أن أضع كتابا شاملا لتوضيح ما اصطلحوا عليه و تفسيره مراعيا فيه حسن التعبير، مجتنبا عن الإطناب و التعسير، موضحا كل مطلب بمثال، مشيرا فيه إلى بعض الأقوال، و إيراد ما يناسب البحث من الاستدلال، محافظا في ذلك على مقتضى الحال فأوردت ما تيسر لي ذكره من العناوين المصطلحة على ترتيب حروف أوائله ليكون سهل التناول للباحث الفاحص.

ثم إني رجوت أن تكون في هذا التأليف خدمة لطلبة العلم و رواد الحقيقة و تسهيلا

4

لأمرهم في دراسة علم الأصول، و حفظا لأوقاتهم الثمينة عن التضييع فيما لا يعنيهم، فقصدت القربة و أقدمت على التأليف مع ضيق الباع و قلة الاطلاع و المرجو من الرب الكريم أن يتقبل ذلك بقبول حسن و يثيبني عليه ثوابا جميلا، و يأجرني و من يراجعه و يستفيد منه أجرا جزيلا فإنه أهل لذلك و هو ولي التوفيق.

و ينبغي قبل الورود في المقصود من تقديم أمر هام و هو أنه قد وردت في شرف العلم و فضله و الثناء عليه و مدحه و حمد طالبيه و إطراء حامليه، أخبار كثيرة و أحاديث غفيرة تبلغ حد التواتر بل تزيد عليه بكثير، إن تريدوها لا تحسبوها و إن تعدوها لا تحصوها. فنذكر هنا نبذا يسيرا، و نزرا قليلا تشرفا بنقلها و تيمنا بذكرها.

و ليعلم قبل ذلك أن المراد من العلم الذي كثر الحثّ في تلك الأخبار على تحصيله و الترغيب في تعلمه و تعليمه حتى إنه عدّ من أعلا الفرائض و أغلاها، و أشرف الذخائر و أسماها، إنما هو علم الدين و فقه الشريعة من أصولها الاعتقادية و قوانينها الأخلاقية و فروعها العملية، فهي المتصفة بالشرف و الفضيلة و الممدوحة بمدائح جميلة كقوله (عليه السّلام) «بالعلم حياة القلوب و نور الأبصار من العمى، بالعلم يطاع اللّه و يعبد و بالعلم يعرف اللّه و يوحّد، و بالعلم توصل الأرحام، و به يعرف الحلال من الحرام، و إنه السبب بينكم و بين اللّه، و إنه لا خير في دين لا تفقه فيه، و إن ذخيرة العلم اجتناب الذنوب، و إن تعلم العلم حسنة و مدارسته تسبيح، لأنه معالم الحلال و الحرام، و إن بالعلم تحسن خدمة ربك» إلى غير ذلك مما ستسمعه.

و أما العلوم المتداولة الدارجة، و الفنون المتعارفة الرائجة في هذه الأعصار فإن كان الغرض منها تحصيل المعاش الحلال، و توسعة الرزق، و عمارة الأرض و البلاد، و الخدمة للعباد، فهي لدى الشرع و مشرعه كسائر صنوف تحصيل المعاش و المكاسب و التجارات حلال محلل و ممدوح محمود، تشمله الأدلة الدالة على محبوبية طلب الحلال و توسعة المعاش و إعانة الضعفاء و حفظ نظام المجتمع و المعاونة على رفاههم، كل ذلك بشرطها و شروطها.

و إن كان الغرض مجرد الدنيا و جعلها مقدمة لتحصيل الثروة و حيازة المقام و الترأس على ضعفة العباد و توسعة السلطة على الملك و البلاد، و إشباع القوى البهيمية

5

و الشهوية، و الإجابة للملتمس الميول النفسانية و تقوية الملكات السبعيّة ليمنع منازعه في هواه و يدفع مزاحمه في مناه فهي الدنيا المبغوضة الملعونة و المشتغلون بها هم أهل الدنيا، و قد صارت هي أكبر همهم و مبلغ علمهم و نعوذ باللّه من ذلك.

و أما ما أردنا إيراده من الأخبار فها إليك نبذا منها تتعلق بفضل نفس العلم و فضيلة التعلم و التعليم، و نبذا مما يتعلق بشرف طالبيه و حامليه و كرامتهم عند اللّه.

فمن الأول: ما ورد من أنه: «لا كنز أنفع من العلم».

و أن: «من سلك طريقا يطلب به علما سلك اللّه به طريقا إلى الجنة».

و أن تعلم العلم حسنة و مدارسته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة و بذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال و الحرام و سالك بطالبه سبيل الجنة، و هو أنيس في الوحشة و صاحب في الوحدة و سلاح على الأعداء و زين الأخلاء، يرفع اللّه به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم و تقتبس آثارهم و ترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لأن العلم حياة القلوب و نور الأبصار من العمى و قوة الأبدان من الضعف، و ينزل اللّه حامله منازل الأبرار و يمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة، بالعلم يطاع اللّه و يعبد و بالعلم يعرف اللّه و يوحد و بالعلم توصل الأرحام و به يعرف الحلال من الحرام، و العلم إمام العقل و العقل تابعه يلهمه السعداء و يحرمه الأشقياء.

و أن فضل العلم أحب إلى اللّه من فضل العبادة.

و أن كمال المؤمن في ثلاث خصال أولها تفقهه في دينه.

و أنه يلزم لكل ذي حجى استماع العلم و حفظه و نشره عند أهله و العمل به.

و أن العلم ضالة المؤمن.

و أنه وراثة كريمة.

و أن طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل حال، فاطلبوا العلم من مظانه و اقتبسوه من أهله.

و أنه السبب بينكم و بين اللّه تعالى.

و أن طلب العلم فريضة من فرائض اللّه.

6

و أنه يجب تعلمه من حملته و تعليم الإخوان كما علمه العلماء.

و أنه لا خير في دين لا تفقه فيه.

و أن كمال الدين طلب العلم و العمل به.

و أن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و سيفي لكم به، و العلم مخزون عليكم عند أهله قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه، و اعلموا أن كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب و أن كثرة العلم و العمل به مصلحة للدين سبب إلى الجنة، و النفقات تنقص المال و العلم يزكو على إنفاقه، و إنفاقه بثه على حفظته و رواته.

و أنه لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقهوا.

و أنه أف لكل مسلم لا يجعل في كل جمعة يوما يتفقه فيه أمر دينه و يسأل عن دينه.

و أنه لا يستحي الجاهل إذا لم يعلم أن يتعلم.

و أنه يجب تعلمه قبل أن يقبض و قبل أن يجمع.

و أنه يجب طلبه و لو بالصين.

و أنه لا شرف كالعلم.

و أن هذا العلم و الأدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما فما يزيد في علمك و أدبك يزيد في ثمنك و قدرك، فإن بالعلم تهتدي إلى ربك و بالأدب تحسن خدمة ربك، و بأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته و قربه.

و أنه ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك و لكن الخير أن يكثر علمك و يعظم حلمك.

و أن كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع.

و أن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.

و أن العلم أشرف الأحساب.

و أنه لا كنز أنفع من العلم و لا قرين سوء شر من الجهل.

و أنه صلة بين الإخوان و دال على المروة و تحفة في المجالس و صاحب في السفر

7

و أنس في الغربة.

و أن الكلمة من حكمة يسمعها الرجل فيقول أو يعمل بها خير من عبادة سنة.

و أن بابا من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون أبو قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل اللّه.

و أن مثل العلم الذي بعث اللّه به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كمثل غيث أصاب أرضا منها طائفة طيبة فقبلت الماء و أنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا منه، و سقوا و زرعوا فذلك مثل من فقه في دين اللّه و تفقه فعلم ما بعث اللّه به نبيه و علم.

و أن النوم مع العلم خير من صلاة مع الجهل.

و أن قليلا من العلم خير من كثير من العبادة.

و أنه كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسن و يفرح إذا نسب إليه.

و أن العلم أفضل من المال لسبعة:

الأول: أنه ميراث الأنبياء و المال ميراث الفراعنة.

الثاني: أن العلم لا ينقص بالنفقة و المال ينقص.

الثالث: يحتاج المال إلى حافظ و العلم يحفظ صاحبه.

الرابع: العلم يدخل في الكفن و يبقى المال.

الخامس: المال يحصل للمؤمن و الكافر و العلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة.

السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم و لا يحتاجون إلى صاحب المال.

السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط و المال يمنعه.

و أنه إن لم يسعد لم يشق، و إن لم يرفع لم يضع و إن لم يغن لم يفقر و إن لم ينفع لم يضر، و العلم يشفع لصاحبه و حق على اللّه أن لا يخزيه.

و أن بابا من العلم تتعلمه أحب إلى أبي ذر من ألف ركعة تطوعا.

و أن العلم عليه قفل و مفتاحه السؤال.

و أن المؤمن إذا مات و ترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة

8

سترا فيما بينه و بين النار.

و أنه من جلس مجلسا يحيا فيه أمر الأئمة (عليهم السّلام) لم يمت قلبه يوم يموت القلوب.

و أن حلق الذكر رياض الجنة.

و أنه يجب تحادث العلم، فإن بالحديث تجلى القلوب الرائنة.

و أنه يجب التكلم في العلم ليتبين قدر الرجل.

و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لما رأى مجلس الدعاء و مجلس مذاكرة الفقه قال:

كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون اللّه و أما هؤلاء فيتعلمون و يفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعلم أرسلت، ثم قعد معهم.

و أنه رحم اللّه عبدا أحيا العلم و تذاكر به عند أهل الدين و الورع.

و أن تذكر العلم دراسة و الدراسة صلاة حسنة.

و أنه يجب على الإنسان أن يرتع في رياض الجنة أعني حلق الذكر، فإن للّه سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بها.

و أنه لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج.

و من الثاني: أعني ما دل على فضل حملة العلم و كرامتهم عند اللّه فقد ورد أنه لا خير في العيش إلا لرجلين، عالم مطاع أو مستمع واع.

و أنه منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا، فأما طالب العلم فيزداد رضا الرحمن، و أما طالب الدنيا فيتمادى في الطغيان.

و أنه من خرج من بيته يطلب علما شيعه سبعون ألف ملك يستغفرون له.

و أنه إذا رأيتم المتفقهين فاستوصوا بهم خيرا.

و أن العالم بين الجهال كالحي بين الأموات.

و أن اللّه يحب بغاة العلم.

و أن أكثر الناس قيمة أكثرهم علما و أقل الناس قيمة أقلهم علما.

و أن قلبا ليس فيه علم كالبيت الخراب الذي لا عامر له.

9

و أنه أوحى اللّه تعالى إلى النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنه من سلك مسلكا يطلب فيه العلم سهلت له طريقا إلى الجنة.

و أنه ما من عبد يغدو في طلب العلم و يروح إلا خاض الرحمة خوضا، و هتف به الملائكة مرحبا بزائر اللّه و سلك من الجنة مثل ذلك المسلك.

و أن صحبة العالم و اتباعه دين يدان به اللّه، و طاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات و ذخيرة للمؤمنين و رفقة في حياتهم و جميل الأحدوثة عنهم بعد موتهم.

و أن فقيها واحدا أشد على إبليس من ألف عابد.

و أن من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين.

و أن من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا.

و أن طالب العلم لا يموت أو يمتع جده بقدر كده.

و أن قوام الدنيا بأربعة: أولهم عالم يستعمل علمه و ثانيهم جاهل لا يستنكف أن يتعلم.

و أنه لا حرج على من لا يعلم أن يسأل من يعلم.

و أن طالب العلم أحبه اللّه و أحبه الملائكة و أحبه النبيون و لا يحب العلم إلا السعيد فطوبى لطالب العلم يوم القيامة، و هذا كله تحت هذه الآية: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ».

و أن من خرج يطلب بابا من علم ليرد به باطلا إلى حق أو ضلالة إلى هدى كان عمله ذلك كعبادة متعبد أربعين عاما.

و أن الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في سبيل اللّه، و كم من مؤمن يخرج في طلب العلم فلا يرجع إلا مغفورا.

و أنه من تعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل كان أفضل من أن يصلي ألف ركعة تطوعا.

و أنه إذا خرج في طلب العلم ناداه اللّه عزّ و جلّ من فوق العرش مرحبا بك.

و أن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به.

و أن الناس أبناء ما يحسنون.

10

و أن العالم كبير و إن كان حدثا و الجاهل صغير و إن كان شيخا و أن الشريف من شرف علمه.

و أن الملوك حكام على الناس و العلماء، حكام على الملوك. و أنه من طلب علما فأدركه كتب اللّه له كفلين من الأجر و من طلب علما فلم يدركه كتب اللّه له كفلا من الأجر.

و أن من جاءه الموت و هو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه و بين الأنبياء درجة واحدة في الجنة.

و أن من غدا إلى مسجد ليتعلم خيرا، أو ليعلمه كان له أجر معتمر تام العمرة و من راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه فله أجر حاج تام الحجة.

و إن أمقت الناس إلى اللّه الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم.

و أن أحب الناس إلى اللّه التقي الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء. و أنه ويل لمن سمع بالعلم و لم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار.

و أن اللّه يقول يوم القيامة يا معشر العلماء ما ظنكم بربكم فيقولون ظننا أن ترحمنا و تغفر لنا فيقول اللّه تعالى فإني قد فعلت إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي و رحمتي.

و أنه إذا جاء الموت لطالب العلم و هو على هذه الحالة مات شهيدا.

و أن الأئمة (عليهم السّلام) هم العلماء و الشيعة هم المتعلمون و سائر الناس غثاء.

و أنه يجب أن يكون الإنسان إما عالما و إما متعلما و إما محبا للعلماء و لا يكون قسما رابعا فيهلك ببغضهم.

و أن العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة.

و أن النظر إلى وجه العالم عبادة.

و أن مروّة الإنسان مجالسة العلماء و النظر في الفقه.

و أن الفقهاء قادة و الجلوس إليهم عبادة.

و أن الفقهاء سادة و الجلوس إليهم زيادة.

11

و أنه يجب الجلوس مع العلماء فإنك إن تكن عالما ينفعك علمك و يزيدونك علما، و إن كنت جاهلا علموك، و لعل اللّه أن يظلهم برحمته فتعمك معهم.

و أن اللّه عزّ و جلّ يقول لملائكته عند انصراف أهل مجلس الذكر و العلم إلى منازلهم:

اكتبوا ثواب ما شاهدتموه من أعمالهم فيكتبون لكل واحد ثواب عمله، و لا يكتبون لمن حضر معهم ممن ليس بعالم، و لا تكلم معهم بكلمة فيقول الجليل: اكتبوه معهم أنهم قوم لا يشقى بهم جليسهم فيكتبون له ثوابا مثل ثواب أحدهم.

و أن محادثة العالم على المزبلة خير من محادثة الجاهل على الزرابي.

و أن النظر إلى وجهه حبّا له عبادة.

و أن من جالس العلماء وقر.

12

و ها نحن نشرع في مطالب الكتاب على ترتيب حروف أوائل المصطلحات ليسهل الوصول إليها مستمدا من المحسن المجمل و مستعينا بالمنعم المفضل.

الابتلاء و عدم الابتلاء

المشهور أن كل تكليف إلهي من إيجاب أو تحريم مشروط في مقام فعليته بعدة شرائط عقلية غير ما لاحظه الشارع شرطا له بالخصوص.

و المسلم منها أربعة: البلوغ و العقل و القدرة و الالتفات، و تسمى بالشرائط العامة، فالصبي و المجنون و العاجز عن الامتثال و الغافل لا حكم لهم فعليا، و إن قلنا بكونه ثابتا في حقهم اقتضاء و إنشاء. بمعنى أن الملاك في أفعالهم موجود و الإنشاء في حقهم مجعول و لكن لا إرادة جدية بالنسبة إليهم.

هذا و قد أضيف إليها في التكليف التحريمي شرط آخر يسمى بالابتلاء، فقيل إن النهي لا يكون فعليا ما لم يصر متعلقه محلا لابتلاء المكلف.

و بيانه: أن الغرض من النهي المنع عن إرادة المكلف للحرام لئلا يتحقق منه في الخارج و حينئذ لو كان الحرام مترقب الحصول منه بحيث كان المكلف مريدا له أو يصح و يمكن تولد الإرادة في نفسه فلا إشكال في صحة النهي عنه فعلا، و لو كان بعيد الحصول منه جدا كما لو كان الخمر المطلوب تركها في البلاد النائية و لا يصح من الشخص تولد الإرادة فعلا على شربها، فلا يصح النهي عنها نهيا فعليا بل يصح معلقا على الظفر بها و الوصول إليها لأن الغرض من النهي و هو عدم الإرادة و عدم تحقق الفعل‏

13

حاصلان حينئذ قهرا، فلا مقتضي للنهي الفعلي عنه، و هذا معنى ما أفاده الشيخ (رحمه الله) في رسائله من قوله: «و المعيار في الابتلاء و عدمه صحة التكليف بذلك عند العرف و عدم صحته»، و مراد صاحب الكفاية (رحمه الله) من قوله: «إن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر هو ما إذا صحّ انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد» فالأصوليون قد سموا ترقب حصول الفعل من المكلف الابتلاء و عدم ترقبه عدم الابتلاء.

تنبيهان:

الأول: إذا شككنا في كون متعلق التكليف داخلا في محل الابتلاء أو خارجا عنه،

كما إذا كان الإناء النجس في ملك زيد و تحت سلطنته لا يبيعه و لا يهبه، فشككنا في كونه عند العرف معدودا من محل الابتلاء بالنسبة إلينا ليكون حكمه منجزا أم ليس بمحل الابتلاء فلا يكون بمنجز ففيه قولان:

أحدهما: الحكم بفعلية التكليف فيه بتقريب أن المورد من قبيل الشبهة المفهومية للمخصص، أو أن المخصص فيه لبي و الحكم فيها الرجوع إلى العموم أو الإطلاق، فقوله اجتنب عن الخمر مثلا مطلق و الحاكم بعدم فعلية ذلك التكليف في الخمر الخارجة عن محل الابتلاء هو العقل و هو دليل لبي يقتصر في تخصيصه على المتيقن، أو أنه و إن فرضنا كون المخصص لفظيا فخرج به عنوان غير المبتلى به عن إطلاق وجوب الاجتناب إلا أن مفهوم الابتلاء مجمل عند العرف يشك في تحققه في المورد فاللازم أيضا التمسك بالمطلق.

ثانيهما: الحكم بعدم الفعلية و إجراء أصالة البراءة في المورد إما لأن مفهوم الابتلاء معلوم و الشك إنما هو في تحقق مصداقه فالشبهة مصداقية حكمها الرجوع إلى الأصول، و إما لأن جواز التمسك بالإطلاق إنما هو في موارد الشك في تقييد متعلق التكليف، كما إذا شككنا في أن الرقبة المأمور بها مقيدة بالإيمان أم لا، لا فيما شك في قيود نفس التكليف و فعليته كما في المقام فإن كون المتعلق محلا للابتلاء شرط عقلي لفعلية التكليف و تنجزه فالشك في الابتلاء شك في فعلية التكليف و الأصل فيه البراءة.

14

الثاني: قد يقع الشي‏ء المعلوم خروجه عن محل الابتلاء أو المشكوك الخروج طرفا للعلم الإجمالي،

كما إذا فرضنا في صورة العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين كون أحدهما حاضرا عند المكلف و الآخر في البلاد النائية أو في ملك زيد و تحت يده بحيث لا يبيعه و لا يهبه، فإن كان الابتلاء شرطا في فعلية التكليف لم يجب الاجتناب عن الثوب الحاضر، إذ يحتمل أن يكون النجس هو الخارج عن الابتلاء فالتكليف الواقعي ليس بفعلي، أو هو الداخل في محل الابتلاء فهو فعلي فلا علم للمكلف حينئذ بتكليف فعلي، و الشرط في وجوب الاحتياط كون التكليف فعليا على كل تقدير و لو لم يكن شرطا وجب الاجتناب عن الحاضر أيضا و هذه من ثمرات كون الابتلاء شرطا و عدمه.

15

الاجتماع و الامتناع‏

لا إشكال عند العقل في عدم جواز صدور أمر و نهي من الحكيم يتعلقان بفعل واحد له عنوان واحد في زمان واحد.

فلا يجوز له أن يأمر عبده بإكرام زيد و ينهاه عن إكرامه، أو يأمره بشرب العصير و ينهاه عن شربه في زمان واحد.

و لكن قد وقع الاختلاف بين الأعلام في إمكان تعلق الحكمين كذلك بواحد ذي عنوانين، فيأمر به بعنوان و ينهى عنه بعنوان آخر كالأمر بالصلاة في الدار المغصوبة بعنوان الصلاة و النهي عنها بعنوان الغصب.

فذهب فريق من الأعلام إلى الجواز و إمكان كون الواحد ذي الوجهين مأمورا به و منهيا عنه.

فإن متعلقيهما حينئذ و إن كانا متحدين وجودا إلا أنهما متعددان عنوانا، و تعدد العنوان مستلزم لتعدد المعنون عقلا، فالموجود المتراءى في نظر أهل العرف واحدا يكون بنظر العقل متعددا فهو وجود واحد عرفا و وجودان عقلا، فعل واحد ظاهرا و فعلان واقعا، فلا مانع من تعلق الأمر به بعنوان و النهي عنه بعنوان آخر، و يترتب عليه آثارهما من حصول الإطاعة و استحقاق المثوبة بالنسبة إلى الأمر، و المعصية و استحقاق العقوبة

16

بالنسبة إلى النهي فسمي هذا المبنى بالاجتماع و القائلون بذلك بالاجتماعيين.

و ذهب آخرون إلى الامتناع عقلا و أن اتحاد متعلق الأمر و النهي خارجا يستلزم اجتماع الضدين، أعني تعلق إرادة الآمر و كراهته بالنسبة إلى فعل واحد و هو مستحيل، و لا ينفع في ذلك تعدد العنوان، فإن كثرة الاسم لا يجعل المسمى متكثرا و يسمى هذا المبنى بالامتناع و القائلون به بالامتناعيين.

تنبيهان:

الأول: قد علم مما ذكرنا أن وجه الإشكال في المسألة هو لزوم المحذور العقلي في ناحية الحكيم الصادر عنه الحكم،

فالقائل بالامتناع يدعي استحالة توجيه الحكمين على النحو المذكور لاستلزامه اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس المولى مع تعلقهما بفعل واحد في زمان واحد، فالمحذور هو كون نفس التكليف محالا، لا أنه يلزم التكليف بالمحال فإنه على فرض لزومه في بعض الموارد محذور آخر.

الثاني: العنوانان المتعلقان للأمر و النهي المنطبقان على وجود واحد

يتصوران على أقسام ثلاثة.

أولها: أن يكون بينهما التساوي في الصدق كما إذا قال جئني بالضاحك، و قال لا تجئ بالكاتب.

ثانيها: أن يكون بينهما العموم من وجه كما إذا قال صل و لا تغصب.

ثالثها: أن يكون بينهما العموم المطلق كما إذا قال جئني بحيوان و قال لا تجئ ببقر.

و الظاهر أن في موارد التصادق في الجميع يجري نزاع الاجتماع و الامتناع، فيقول المجوز أنه لا محذور عقلي من ناحية المولى في تعلق التكليفين بمورد الاجتماع و إن كان المانع من ناحية العبد موجودا في القسم الأول، فإنه لا قدرة له لو أراد الامتثال التام بإتيان المأمور به و ترك المنهي عنه للتلازم بينهما في الوجود، فعدم جواز القسم الأول لدى الاجتماعي إنما هو للزوم التكليف بالمحال لا التكليف المحال بنفسه، بخلاف‏

17

القسمين الأخيرين فإنه يمكن للمكلف امتثال كلا التكليفين، فإن صلى في غير الغصب و ترك الغصب أطاع الأمر و امتثل النهي و إن صلى فيه كان ذلك إطاعة و عصيانا.

فعلم من ذلك أنه لا تعارض عندهم بين دليلي صل و لا تغصب حتى يخصص أحدهما بالآخر أو يتساقطا فيرجع إلى الأصول العملية، و كذا لا تعارض بين قوله جئني بحيوان و لا تجئ ببقر حتى يخصص الأول بالثاني لعدم اجتماعهما حقيقة في مورد واحد.

و أما الامتناعي فالقسم الأول عنده باطل من وجهين و القسم الثاني داخل في المتعارضين و الثالث في الجمع الدلالي.

18

الاجتهاد و التقليد

أما الاجتهاد:

فهو في الاصطلاح تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية الفرعية عن ملكة و استعداد.

و المراد من تحصيل الحجة أعم من إقامتها على إثبات الأحكام أو على إسقاطها.

و تقييد الأحكام بالفرعية لإخراج تحصيل الحجة على الأحكام الأصولية الاعتقادية، كوجوب الاعتقاد بالمبدإ تعالى و صفاته و الاعتقاد بالنبوة و الإمامة و المعاد، فتحصيل الدليل على تلك الأحكام كما يتمكن منه غالب العامة و لو بأقل مراتبه لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح.

و تقييد التحصيل بكونه عن ملكة لإخراج فعل من قد يتفق له استنباط حكم فرعي مع عدم وجود الملكة له كما إذا تصدى من له حظ من علم اللغة لاستنباط حلية البيع و حرمة الربا من قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» مع عدم قدرته على غير علم اللغة من مقدمات الاستنباط، و أيضا لإخراج من له ملكة الاستنباط و لكنه لم يستنبط شيئا من الأحكام فيشكل إطلاق اسم الفقيه و المجتهد عليه لظهور الأدلة في فعلية الاستنباط و الاستخراج.

ثم إنه يندرج في التعريف تحصيل العلم بالأحكام الفرعية، و كذا إقامة الدليل‏

19

و الأمارة الشرعية عليها، و كذا تحصيل الظن الانسدادي حكومة أو كشفا. و يندرج أيضا فيه إجراء الأصول العملية الشرعية و العقلية، فإنها أمور ممهدة لرعاية حال الأحكام الواقعية، معمول بها في سبيل إثباتها أو إسقاطها فهي أشبه شي‏ء بحجج منجزة أو معذرة.

ثم إن المجتهد إما أن يكون محصلا للحجة على معظم الأحكام عن ملكة استنباط جميع ما يحتاج إليه و يسأل عنه. فيسمى مجتهدا مطلقا، و إما أن يحصل الحجة على البعض و له ملكة استنباط البعض دون بعض لتفاوت المدارك في السهولة و الصعوبة فهو يسمى مجتهدا متجزيا، لتجزي الملكات في حقه، فالمتجزي من له ملكة أو ملكات قليلة و المطلق من له ملكات كثيرة، لا أن المتجزي من له ملكة ضعيفة و المطلق من له ملكة شديدة، فالتفاوت بالكمية لا بالكيفية.

ثم إن للعلماء رحمهم الله في أصل إمكان التجزي و في جواز عمل المتجزي بالحكم الذي اجتهد فيه و في جواز رجوع غيره إليه في ذلك أقوال مختلفة.

و أما التقليد:

فقد يعرف بأنه أخذ قول الغير للعمل به في الفرعيات و الالتزام به قلبا في الاعتقاديات تعبدا و بلا مطالبة دليل، فإذا أفتى الفقيه بوجوب صلاة الجمعة أو حرمة شرب العصير فالتزم به المقلد و بنى قلبا على العمل به من دون أن يطالبه بدليل الحكم تحقق التقليد و صح أن يقال إنه قلد الفقيه في هذه المسألة و إن لم يعمل به بعد، و كذا إذا أفتى المجتهد بأن المعراج مثلا جسماني فتعلمه المقلد و اعتقد به في قلبه تحقق التقليد فيها.

و قد يعرف بأنه العمل استنادا إلى قول الغير و عليه لا يتحقق التقليد بمجرد تعلم الحكم ما لم يعمل به.

و لا يخفى عليك أن المناسب للمورد من معانيه اللغوية معنيان:

الأول: كونه بمعنى جعل الشي‏ء ذا قلادة و يتعدى حينئذ إلى مفعولين: أولهما:

الشي‏ء الذي تجعل القلادة له و ثانيهما الشي‏ء المجعول قلادة، يقال قلد الهدي نعله أي جعله قلادة له و قلد العبد حبلا أي جعله قلادة على عنقه، فيكون معنى قلدت الفقيه صلاتي و صومي و حجي جعلتها على عنقه و ألقيتها على عهدته، و هذا المعنى يقتضي كون‏

20

التقليد هو العمل فإنه ما دام لم يعمل لم يصدق أنه قلده و ألقى العمل على رقبته.

الثاني: التبعية و يتعدى إلى المفعول الثاني بفي يقال قلده في مشيه أي تبعه فيه فيكون معنى قلد الفقيه في وجوب الصلاة و حرمة الخمر اتبعه فيهما، و على هذا المعنى إن أريد في باب التقليد من التبعية التبعية بحسب القلب و الاعتقاد كان التقليد هو الالتزام و إن أريد بها التبعية بحسب العمل كان هو العمل عن استناد.

ثم إن كثرة استعمالهم التقليد متعديا بفي شاهدة على إرادتهم المعنى الثاني و إن كان أحدهما كناية عن الآخر.

تنبيه: استدلوا على نفوذ الاجتهاد و حجية فتوى المجتهد، و على صحة تقليد الجاهل له بأمور:

منها: آية النفر، قال اللّه تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» فأوجب اللّه تعالى لطائفة التفقه في الدين و هو يشمل الاجتهاد و تحصيل الحجة على الأحكام كما يشمل نقل الرواية.

و طلب من آخرين الحذر العملي من إخبار المنذرين و هو يشمل التقليد كما يشمل أخذ الرواية.

و منها: قوله (عليه السّلام) «يا أبان اجلس في المسجد و أفت للناس فإني أحب أن يرى في أصحابي مثلك».

و ليس الأمر بإفتائه إلا لكونها حجة و قاطعا للعذر عن السامعين و كون العمل منهم على طبقها مطلوبا.

و منها: قوله في رواية أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة: «آخذ عنه معالم ديني؟ قال (عليه السّلام) نعم». فأخذ معالم الدين يشمل التقليد و إبلاغه و بيانه يشمل الإفتاء.

و منها: جريان السيرة العملية العقلائية على العمل بقول أهل الخبرة و الاطلاع في كل علم و فن بلا مطالبة دليل منهم.

21

الإجزاء

هو في اللغة بمعنى الكفاية، و في الاصطلاح عبارة عن تأثير إتيان متعلق الأمر في حصول غرض الآمر لينتج سقوط الأمر، و حيث إنهم قسموا الأمر إلى واقعي أولي و واقعي ثانوي كالأمر الاضطراري و إلى ظاهري، وقع البحث منهم في مواضع ثلاثة:

أولها: في إجزاء إتيان متعلق كل أمر بالنسبة إلى نفس ذلك الأمر فهل يجزي إتيان المأمور به بالأمر الواقعي كصلاة الصبح مثلا في سقوط ذلك الأمر و إتيان المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري كالصلاة بالتيمم أو مع استصحاب الطهارة في سقوط أمرهما أم لا، و المخالف في هذا المقام نادر و النزاع فيه لا يليق بحال العلماء، فإنه لو أمر المولى بفعل و أتى المكلف به بتمام ما له دخل في غرض المولى و متعلق أمره فلا معنى لعدم سقوط غرضه و أمره.

ثانيها: في إجزاء إتيان المأمور به بالأمر الاضطراري و نحوه في سقوط الأمر الواقعي بأن يقال إنه لو أتى الفاقد للماء صلاة بتيمم ثم وجد الماء في الوقت أو خارجه فهل تجزي تلك الصلاة الاضطرارية عن الأمر الواقعي فيسقط الإعادة و القضاء أم لا يجزي فيجبان.

ثالثها: في إجزاء إتيان المأمور به بالأمر الظاهري في سقوط الأمر الواقعي، فإذا

22

صلى بإجراء أصالة الطهارة في ثوبه أو استصحابها مثلا ثم انكشف الخلاف في الوقت أو خارجه فهل تجزي تلك الصلاة الظاهرية عن الواقع فلا يجب الإعادة و القضاء أم لا فيجبان.

تنبيه:

استدلوا على إجزاء الأوامر الاضطرارية بالنسبة إلى الواقعية بإطلاق مثل قوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* إلخ و قوله (عليه السّلام): «التراب أحد الطهورين و يكفيك عشر سنين» و نحوهما، فإن ظاهرها كون العمل الاضطراري في هذه الحالة مشتملا على جميع مصالح الاختياري أو معظمها في حال الاختيار، و لازمه الإجزاء و عدم وجوب الإعادة أو القضاء.

و لو لم يكن إطلاق لذلك الدليل فمقتضى أصالة البراءة حينئذ عدم الوجوب فإنه لشك في تجدد التكليف بعد رفع الاضطرار و الأصل عدمه.

و استدلوا أيضا على إجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي بأن مريد الصلاة مثلا إذا شك في الطهارة فأجرى قاعدة الطهارة أو استصحابها كان الأصلان مثبتين للطهارة حاكمين على إطلاق ما دل على أنه لا صلاة إلا بطهور و لازم ذلك إحراز الشرط و إجزاء العمل و هنا تفاصيل لا يناسب هذا المختصر ذكرها.

23

الإجماع‏

يطلق الإجماع تارة و يراد به اتفاق جميع علماء الإسلام أو التشيع حتى الإمام (عليه السّلام) و لو في عصر واحد على أمر من الأمور الدينية.

و يطلق أخرى و يراد به اتفاق عدة من العلماء فيهم الإمام (عليه السّلام) و لو كانوا فئة قليلة.

و يطلق ثالثة و يراد به اتفاق الجميع غير الإمام (عليه السّلام) و لو في عصر واحد.

و يطلق رابعة على قول الإمام (عليه السّلام) وحده.

أما القسم الأول و الثاني: فيسمى كل منهما إجماعا دخوليا لدخول الإمام في المجمعين، فمتى حصل لأحد ذلك النحو من الاتفاق و علم به كان حجة على إثبات ذلك الأمر المجمع عليه لاشتماله على ما هو من أعلى الحجج أعني قول المعصوم (عليه السّلام) و لكن الكلام في حصول العلم و الاطلاع على ذلك، نعم قد يتصور القسم الثاني بأنه لو ورد أحد من المؤمنين في مجلس أو مسجد فرأى عدة جالسة فسألهم عن حكم السورة في الصلاة مثلا فأفتوا جميعا بالوجوب ثم علم بعد ذلك أن الإمام (عليه السّلام) كان داخلا فيهم و إن لم تحصل له المعرفة بشخصه فهذا الاتفاق إجماع دخولي فممكن حصوله.

24

و أما القسم الثالث: ففي حجيته بالنسبة إلى من حصله أو من نقل إليه اختلاف بين الأعلام فقال عدة منهم بالحجية لأجل الملازمة بين اتفاقهم على حكم و قول الإمام (عليه السّلام) بقاعدة اللطف، بتقريب أن المجمعين لو أخطئوا في الحكم جميعا لوجب على الإمام (عليه السّلام) عقلا من جهة وجوب اللطف عليه أن يردعهم عن خطائهم بنحو من الأنحاء، فحيث لم يردعهم فهم مع الحق و الحق معهم، و يسمى هذا إجماعا لطفيا و القائل به الشيخ و عدة آخرون.

و قال عدة أخرى بالحجية للملازمة بينهما بقاعدة التقرير بمعنى أنّهم لو أخطئوا جميعا لوجب على الإمام (عليه السّلام) شرعا من باب إرشاد الجاهل تنبيههم على خطائهم فحيث لم ينبههم عليه فهم على الحق، و يسمى هذا إجماعا تقريريا.

و ذهب عدة ثالثة إلى إنكار الملازمة بين قوله (عليه السّلام) و قولهم، و قالوا إنه إنما يكون حجة من جهة أنه يحصل غالبا لمحصل هذا الاتفاق قطع أو اطمينان بتوافق رأيهم مع رأي الإمام (عليه السّلام)، فإنه يبعد كل البعد أن يتلبس مثلا جميع جنود سلطان بلباس مخصوص مع عدم اطلاع سلطانهم عليه و أمرهم به و يسمى هذا إجماعا حدسيا.

و ذهب عدة رابعة إلى عدم الملازمة و عدم حصول القطع بقول الإمام (عليه السّلام) إلا أنهم قالوا بأن اتفاقهم كاشف عن وجود دليل معتبر في البين فهو حجة من هذه الجهة و يسمى هذا إجماعا كشفيا.

و أما القسم الرابع: فقد يتفق فيما إذا وصل أوحدي من الناس في زمان الغيبة إلى حضرة الإمام (عليه السّلام) و تشرف بخدمته و أخذ منه (عليه السّلام) حكما من الأحكام و لا يريد إظهار الأمر على النّاس، فيقول هذا الحكم مما قام عليه الإجماع مريدا به نفس الإمام (عليه السّلام) فإنه واحد كالكل و لأجله خلق البعض و الكل فبهم فتح اللّه و بهم يختم و هذا يسمى إجماعا تشرفيا.

تنبيهان:

الأول: قد عرفت أن الإجماع على أقسام ستة، دخولي و لطفي و تقريري و حدسي و كشفي و تشرفي،

25

و متى حصل لأحد قسم من تلك الأقسام و نقله لغيره فهو بالنسبة إلى من حصّله و تحقق في حقه يسمى إجماعا محصلا، و بالنسبة إلى من نقل إليه إجماعا منقولا.

الثاني: وجه حجية الإجماع لمحصله و للمنقول إليه هو قول الإمام (عليه السّلام)

فالدخولي و التشرفي لا إشكال في حجيتهما للسامع إذ الناقل ينقل قول الإمام (عليه السّلام) بلا واسطة و إن ضم إليه أقوال آخرين فهو خبر عالي السند.

و أما أربعة الآخر فحجيتها في حق المنقول إليه منوطة باعتقاده اللطف و التقرير و الكشف أو بحدسه قول الإمام (عليه السّلام) مثل الناقل بواسطة نقله و إلا فلا حجية فيها.

26

أحوال اللفظ و تعارضها

اعلم أنه يعرض للفظ من ناحية الوضع و الاستعمال حالات مختلفة وضعوا لكل منها اسما خاصا و عنوانا معينا.

فبملاحظة حاله قبل الوضع مهمل.

و حاله بعده موضوع.

و بلحاظ كون معناه جزئيا متشخصا علم شخص، و كونه طبيعة كلية اسم جنس، و بلحاظ وضعه لمعان مختلفة بأوضاع متعددة مشترك لفظي، و لمعنى قابل للانطباق على كثيرين مشترك معنوي، و بلحاظ وضع ألفاظ متعددة لمعنى واحد مترادف، و بلحاظ نقله عن معنى إلى آخر منقول، و بلحاظ استعماله في ما وضع له حقيقة و استعماله في غير ما وضع له مجاز و بملاحظة كون إسناده إلى ما هو له حقيقة في الإسناد، و إلى غير ما هو له مجاز في الإسناد، و بملاحظة حذف شي‏ء و تقديره مجاز في الحذف إلى غير ذلك من الحالات.

ثم إن علم الوضع و كيفية الاستعمال و أنه وقع بنحو معين من تلك الأنحاء فلا كلام.

و إن جهل الأمر و تردد بين بعضها مع بعض إما من جهة الشك في كيفية الوضع‏

27

كأن شك في لفظ أنه مشترك لفظي بين معنيين أو معان أو مشترك معنوي، أو من جهة كيفية الاستعمال كأن شك في أنه مجاز في الكلمة أو في الإسناد.

فقد وضع الأصوليون لترجيح بعض الاحتمالات على بعض قواعد عقلية لا تسمن و لا تغني من جوع.

فحكموا مثلا بكون المجاز أرجح من الاشتراك اللفظي و المعنوي كالأمر المستعمل في الوجوب و الندب، فإذا دار أمره بين كونه حقيقة في الوجوب مجازا في الندب و بين كونه مشتركا لفظيا بينهما أو معنويا قدم الأول لعدم حصول إجمال فيه على الأول دون الأخيرين.

و حكموا أيضا بكون الاشتراك أرجح من النقل فالحكم بكون لفظ الصلاة مشتركا بين الدعاء و الأركان أرجح من الحكم بكونه منقولا إلى الثاني، لأن النقل يقتضي نسخ الوضع الأول و الأصل عدمه.

و غير ذلك من الترجيحات و الاستحسانات العقلية الباطلة في باب وضع الألفاظ.

و الحق أنه كلما كان الشك راجعا إلى الوضع كانت الأصول العقلائية الجارية هناك محكمة و سيأتي ذلك تحت عنوان الوضع.

و كلما شك في الاستعمال يرجع فيه إلى القرائن الشخصية أو النوعية إن كانت و إلا فيحكم بالإجمال.

تنبيه: أفردوا لبيان بعض حالات اللفظ في هذا العلم بابا مستقلا

كالعموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد و الظهور و الإجمال و نحوها فراجع مظانها.

28

الإرادة

هذه الكلمة موضوعة لغة و اصطلاحا لصفة خاصة من صفات النفس تتعلق بإيجاد فعل أو تركه، و تكون علة تامة لتحقق ذلك في الخارج.

و لهذه الصفة مقدمات تحصل في النفس قبل حصولها، كما أن لها معلول و مسبب يوجد في الخارج بعد وجودها:

أما المقدمات:

فمنها: تصور فعل شي‏ء أو تركه.

و منها: الميل إليه المسمى بهيجان الرغبة.

و منها: التصديق بحسنه و عدم البأس في صدوره بالتفكر في مصلحة الصدور و دفع مفسدته.

و منها: الجزم به و العزم عليه و هي الحالة الشبيهة بالإرادة المتصلة بها، و بعد كمال تلك المقدمات يتكون في النفس شوق مؤكد يقتضي تحريك المريد نحو المراد أو مقدمته و يكون موجبا لحركة العضلات إليه، و يسمى ذلك الشوق بالإرادة كما قال الحكيم السبزواري: «عقيب داع دركنا الملائما شوقا مؤكدا إرادة سما».

و أما معلولها فقد علم أنه حركة عضلات المريد نحو المراد أو نحو مقدماته فيما كان فعليا.

ثم إنها تقسّم بتقسيمات:

29

الأول: تقسيمها إلى الإرادة الفعلية و الإرادة الاستقبالية.

فالأولى: هي التي تتعلق بأمر حالي كما إذا أراد الإنسان تحريك يده أو أكله لشي‏ء أو شربه بالفعل.

و الثانية: هي التي تتعلق بأمر استقبالي، كما إذا أراد الإنسان الصوم في الغد أو السفر بعد يوم أو شهر، و هذا تقسيم لها بالعرض و المجاز و إلا فهو في الحقيقة تقسيم للمراد.

الثاني: تقسيمها إلى الإرادة الحقيقية و الإرادة الإنشائية و هذا التقسيم مبني على تخيل كون لفظ الإرادة مترادفا مع الطلب و حسبان أن لمعناهما مصداقين، مصداقا حقيقيا هي الصفة النفسانية المذكورة آنفا، و مصداقا إنشائيا هو الطلب الإنشائي و الإرادة الإنشائية و سيجي‏ء الكلام فيه.

الثالث: تقسيمها إلى الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية.

فالأولى: إرادة الشخص صدور الفعل عنه بنفسه بلا تخلل إرادة غيره في صدوره، كما في إرادة اللّه تعالى خلق العالم و إيجاد الأرض و السماء، و كإرادتك أكلك و شربك و صلاتك و صيامك، فيسمى هذا القسم بالإرادة التكوينية.

و الثانية: إرادة الشخص صدور الفعل عن غيره بإرادته و اختياره كما في إرادة اللّه تعالى صدور العبادات و الواجبات من عباده باختيارهم و إرادتهم، لا مجرد حصولها بأعضائهم و صدورها بأبدانهم بدون تخلل القصد منهم، و كما في إرادتك صدور الفعل من ابنك و خادمك بلا إجبار منك و إلجاء، و تسمى هذه بالإرادة التشريعية.

تنبيهان:

الأول: أن تخلف إرادة اللّه تعالى عن مراده في الإرادة التكوينية مستحيل عقلا،

للزوم عجزه عن إيجاد مراده، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، و أما في التشريعية فليس التخلف بمستحيل بل هو واقع كثيرا، فإن موارد عصيان العباد و تركهم طاعة ربهم من الإيمان و العقائد القلبية و الواجبات البدنية، من قبيل تخلف إرادة اللّه التشريعية عن‏

30

مراده و لا بأس بذلك.

الثاني: هل الطلب و الأمر لفظان موضوعان للمعنى الذي وضع له لفظ الإرادة

فالجميع ألفاظ مترادفة حاكية عن معنى واحد، أو هما موضوعان لمعنى آخر هو البعث و التحريك نحو فعل أو ترك، سواء كان بعثا خارجيا كجر المأمور قسرا نحو المأمور به، أو بعثا اعتباريا منشئا باللفظ كقوله اضرب أو اشرب، فهما في أنفسهما مترادفان و معناهما يباين معنى الإرادة إذ البعث و التحريك الفعلي أو الإنشائي غير الصفة المتأصلة الحاصلة في النفس، وجهان اختار أولهما المحقق الخراساني لكن الأظهر هو الثاني.

الرابع: تقسيمها إلى الإرادة الاستعمالية و الإرادة الجدية.

فالأولى إرادة المتكلم استعمال اللفظ في المعنى، و الثانية إرادته المعنى المستعمل فيه اللفظ.

و اعلم أنه ربما يعلم أن المتكلم استعمل اللفظ في معنى من المعاني و يشك في أنه هل أراد المعنى المستعمل فيه حقيقة أم رتب عليه الحكم في الكلام ظاهرا فقط، فيقال حينئذ إن الإرادة الاستعمالية محققة موجودة و الإرادة الجدية مشكوكة بمعنى أن استعمال اللفظ في المعنى ثابت و قصد المعنى مشكوك، فالمراد من الإرادة الاستعمالية نفس استعمال اللفظ في معناه، فإذا ورد أكرم العلماء أو أعتق الرقبة نحكم باستعمال كلمة العلماء في معناها الحقيقي أعني الاستغراق، و الرقبة في الطبيعة لا بشرط السارية في كل فرد.

ثم إذا شككنا في أنه هل أراد جميع الأفراد جدا أم لم يرد الفساق من العلماء و الكافرة من الرقاب نقول إن الإرادة الجدية بالنسبة إلى العالم الفاسق و الرقبة الكافرة مشكوكة.

ثم إن للعقلاء في هذه الموارد أصلا كليا يعملون به، و هو بناؤهم على تحقق الإرادة الجدية في مورد الشك و تطابقها مع الاستعمالية، و يسميه الأصوليون بأصالة التطابق بين الإرادتين و حيث إنه ينتزع من الإرادة الاستعمالية الحكم بمرتبته الإنشائية و من الإرادة الجدية الحكم بمرتبة الفعلية و التنجز تكون نتيجة بنائهم على تحقق الإرادة

31

الجدية، البناء على فعلية الحكم و العمل عليه.

ثم إنه لو ظهر بعد ذلك وجود الإرادة بنحو القطع يعلم بكون الحكم بإكرام الفساق مثلا حكما فعليا واقعيا، و لو ظهر عدمها كما لو فرض الظفر بمخصص ينكشف كون الحكم بوجوب إكرام الفساق حكما إنشائيا محضا.

ثم إن هذا كله لو قلنا بأن تخصيص العام و تقييد المطلق لا يخرجهما عن حقيقتهما، بل التخصيص مثلا تصرف في الإرادة لا في الاستعمال، و أما على مبنى المشهور فالتلازم بين الإرادتين ثابت، فإذا ظهر تخصيص فرد فكما يحصل العلم بعدم تعلق الإرادة الجدية له يحصل العلم بعدم الاستعمال أيضا، و لو شك في التخصيص شك في الإرادتين، و أهل هذا المبنى أيضا يدعون أن هنا أصلا عقلائيا هو بناؤهم على استعماله في العموم و إرادته، و يسمونه بأصالة العموم و هي من مصاديق أصالة الحقيقة كما سيجي‏ء تحت عنوان الأصل.

32

الاستحسان‏

هو رجحان ينقدح في نفس الفقيه بالنسبة إلى حكم خاص لموضوع خاص بسبب كثرة ملاحظة أحكام الشرع في الموارد المناسبة لهذا الموضوع بلا ورود دليل عليه بالخصوص، كرجحان حرمة التكلم مع المرأة الأجنبية أو حرمة تخيل صورتها في نظره بواسطة ملاحظة حال النظر و اللمس و التقبيل و نحوها، و صورة قياسه أن يقال حرمة التكلم و التخيل مثلا مما يترجح في النظر لمناسبتهما لموارد حكم الشرع و كلما ترجح في النظر لذلك فهو حكم اللّه فحرمة التكلم و التخيل حكم اللّه تعالى، ثم إنه لا إشكال في بطلان الاستحسان عندنا كالقياس المستنبط علته.

33

الاستصحاب‏

هو حكم المكلف ببقاء شي‏ء و ترتيبه آثار البقاء فيما كان متيقنا ثبوتا و مشكوكا بقاء، فله موضوع و محمول، موضوعه المتيقن ثبوته و المشكوك بقاؤه و محموله الحكم بالبقاء بترتيب آثار بقائه في حال الشك، و عليه تكون حقيقة الاستصحاب هو فعل المكلف.

و عرفه في الكفاية بأنه حكم الشارع بلزوم إبقاء الشي‏ء و ترتيب آثار بقائه لدى الشك فيه فتكون حقيقته عنده هو حكم الشارع و تعريف الشيخ (رحمه الله) له بأنه إبقاء ما كان يرجع إلى أحد التعريفين السابقين.

و إطلاق الحجة عليه على التعريف الأول بمعنى كونه واجبا لازما و على الثاني بمعنى كونه ثابتا منكشفا بالأدلة.

ثم إن الدليل عليه عند عدة من الأصحاب أخبار مستفيضة.

منها: قوله (عليه السّلام): «لا تنقض اليقين بالشك».

و منها: قوله: «من كان على يقين فشك فليبن على يقينه». و عند عدة أخرى بناء العقلاء و عند طائفة حكم العقل بذلك. و عند آخرين الظن بالبقاء و لو نوعا مع حكمهم بحجية ذلك الظن.

34

تنبيه:

اعلم أن للاستصحاب تقسيمات باعتبار نفس الشي‏ء المستصحب و تقسيما باعتبار الدليل الدال على ثبوت المستصحب سابقا و تقسيمات أيضا باعتبار الشك الطاري في بقاء المستصحب أما تقسيماته بالاعتبار الأول فهي كثيرة:

منها: تقسيمه إلى الاستصحاب الوجودي و الاستصحاب العدمي كاستصحاب وجوب الجمعة و حياة زيد و استصحاب عدم وجوب الظهر و عدم كرية الماء.

و منها: تقسيمه إلى الاستصحاب الحكمي و الاستصحاب الموضوعي، و الأول نظير استصحاب حلية العصير بعد غليانه و الثاني كاستصحاب حياة زيد و كرية الماء.

و منها: تقسيمه إلى استصحاب الحكم التكليفي و الحكم الوضعي، و الأول كاستصحاب الوجوب و الحرمة، و الثاني كاستصحاب الطهارة و النجاسة و الملكية و الزوجية.

و منها: تقسيمه إلى الاستصحاب التعليقي و الاستصحاب التنجيزي.

و الأول: ما كان المستصحب فيه حكما تعليقيا كما إذا ورد يحرم العنب إذا غلى و استفدنا منه للعنب حكما تحريميا تعليقيا معلقا على الغليان فإذا بقي العنب مدة و صار زبيبا و شككنا في بقاء حرمته التعليقية و عدمه كان الاستصحاب الجاري في حرمته استصحابا تعليقيا لكون المستصحب و مورد جريانه تعليقيا.

و الثاني: ما كان المستصحب فيه حكما تنجيزيا كاستصحاب حلية أكل العنب بعد صيرورته زبيبا و طهارته و ملكيته لمالكه و نحوها.

و منها: تقسيمه إلى استصحاب الجزئي و الكلي، و تقسيم الكلي إلى القسم الأول و القسم الثاني و القسم الثالث، و تقسيم القسم الثالث أيضا إلى أقسام ثلاثة.

بيانه أن المستصحب تارة يكون أمرا جزئيا كحياة زيد و كرية ماء معين فيسمى ذلك باستصحاب الجزئي و أخرى يكون كليا و هو على أقسام ثلاثة.

الأول: أن يكون المستصحب كليا مع كون منشإ الشك في بقائه بقاء الفرد الذي تحقق في ضمنه، فإذا علمنا بوجود زيد في الدار و تحقق كلي الإنسان في ضمنه ثم شككنا في بقاء الإنسان فيها لأجل الشك في بقاء زيد، و فرضنا أن الشارع قال إذا كان زيد في الدار تصدق بدرهم و إذا كان الإنسان فيه تصدق بدينار، كان إجراء

35

الاستصحاب في بقاء زيد لترتيب أثره من استصحاب الجزئي و إجرائه في بقاء الإنسان لترتيب أثره من استصحاب الكلي بنحو القسم الأول.

الثاني: أن يكون المستصحب كليا أيضا مع كون منشإ الشك في بقائه تردد الخاص الذي تحقق الكلي في ضمنه بين فرد مقطوع البقاء و فرد مقطوع الارتفاع، مثلا إذا حصل لنا العلم بدخول حيوان إلى الدار و شككنا في أنه بق أو فيل مع فرض أن البق لا يعيش أزيد من ثلاثة أيام، ثم شككنا في اليوم الرابع و الخامس مثلا في بقاء الحيوان في الدار و عدمه لأجل الشك في أنه هل كان متحققا في ضمن البق حتى لا يكون باقيا أو كان متحققا في ضمن الفيل حتى يكون باقيا، فحينئذ إن أردنا إجراء الاستصحاب في خصوص البق فهو على فرض جريانه من استصحاب الجزئي و إن أردنا إجراءه في الحيوان الكلي و ترتيب آثاره سمي ذلك باستصحاب الكلي بنحو القسم الثاني.

الثالث: أن يكون المستصحب كليا أيضا مع كون منشإ الشك وجود فرد آخر، مقارن لوجود الفرد الزائل أو تحققه مقارنا لارتفاعه أو احتمال تبدل الفرد الأول بفرد آخر فهنا صور ثلاث يسمى جميعها باستصحاب الكلي بنحو القسم الثالث. الصورة الأولى: أن يعلم بارتفاع الفرد الذي كان الكلي متحققا في ضمنه و يشك في بقاء الكلي لاحتمال وجود فرد آخر مع الفرد الزائل، مثالها ما إذا رأينا زيدا أنه دخل الدار فحصل لنا العلم بوجود الإنسان فيها ثم رأيناه قد خرج عن الدار و ذهب بسبيله، فشككنا في وجود الإنسان فيها بالفعل من جهة احتمال كون عمرو فيها معه، فاستصحاب الإنسان الكلي في هذا المثال يسمى باستصحاب الكلي بنحو القسم الأول من القسم الثالث.

36

الصورة الثانية: أن يعلم أيضا بارتفاع الفرد المعلوم و يشك في بقاء الكلي لأجل احتمال حدوث فرد مقارنا لارتفاع الأول، كما إذا علمنا في المثال بأنه لم يكن أحد في الدار غير زيد إلا أنا شككنا أيضا في وجود الإنسان في الدار بعد خروجه لاحتمال دخول عمرو إلى الدار مقارنا لخروج زيد، و يسمى هذا باستصحاب الكلي بنحو القسم الثاني من القسم الثالث. الصورة الثالثة: أن يشك في بقاء الكلي في مورد لأجل الشك في أن الفرد الذي كان الكلي متحققا في ضمنه هل تبدل بفرد آخر أو أنه انعدم من غير تبدل، كما إذا رأينا الخمر في الإناء فعلمنا بوجود المائع فيه ثم حصل لنا العلم بعدم وجود الفرد الذي تحقق الكلي في ضمنه أعني الخمر إما لاتفاق إراقته أو تبدله بالخل فشككنا في بقاء الكلي أعني المائع في الإناء فإجراء الاستصحاب في بقاء المائع الكلي في الإناء يسمى باستصحاب الكلي بنحو القسم الثالث من القسم الثالث.

و منها: تقسيمه إلى الاستصحاب المثبت و غير المثبت، و سيأتي شرحهما تحت عنوان الأصل.

و أما تقسيمه بالاعتبار الثاني: أعني باعتبار الدليل فهو أن الدليل الدال على ثبوت المستصحب في السابق إما أن يكون دليلا شرعيا لفظيا كظاهر الكتاب و السنة أو يكون إجماعا قوليا أو عمليا أو يكون حكم العقل.

فالأول: مثل ما إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره أو في طهارة الماء الذي شككنا في ملاقاته للنجس، فدليل الثبوت في السابق فيها قوله الماء ينجس إذا تغير و قوله الماء كله طاهر.

و الثاني: كما إذا قام الإجماع على نجاسة العصير العنبي ثم شككنا في بقائها بعد صيرورته دبسا قبل ذهاب الثلثين.

و الثالث: كما إذا حكم العقل بوجوب رد الوديعة في حال كون الودعي موسرا متمولا و فرضنا حكم الشارع أيضا على طبقه بقاعدة الملازمة ثم عرض للودعي الفقر الموجب لحصول الشك في وجوب ردها فنجري استصحاب الوجوب الشرعي المستنبط من الحكم العقلي.

و أما تقسيماته بالاعتبار الثالث: أعني الشك المأخوذ في موضوعه، فهي أيضا كثيرة.

أولها: تقسيمه إلى الاستصحاب في الشبهة الموضوعية و الاستصحاب في الشبهة الحكمية.

فالموضوعية ما كان الشك في بقاء الشي‏ء لأجل اشتباه الأمور الخارجية كما إذا

37

شك في بقاء طهارة ثوب من جهة الشك في ملاقاته للنجس و عدمها أو في بقاء نجاسة الماء من جهة ورود الكر عليه و عدمه.

و الحكمية ما إذا كان الشك في بقاء الحكم لأجل عدم النص على البقاء أو إجماله أو تعارضه مع مثله، كما إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره لأجل عدم الدليل على البقاء، و في بقاء وجوب الصوم بعد استتار القرص و قبل ذهاب الحمرة المشرقية لأجل إجمال قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل و تردد الليل بين أن يكون أوله الاستتار أو ذهاب الحمرة، و شككنا في بقاء وجوب الجمعة و عدمه في زمان الغيبة لأجل تعارض النصوص، و تسمى هذه الأقسام الثلاثة بالشبهة الحكمية.

ثانيها: تقسيمه إلى الاستصحاب في صورة الظن بالبقاء و الظن بالارتفاع و الشك المتساوي في البقاء و الارتفاع، فإذا علمنا بحياة زيد يوم الخميس و حصل لنا التردد يوم الجمعة فقد يكون بقاؤها راجحا مظنونا و قد يكون مرجوحا مظنون الارتفاع و قد يكون مشكوكا بلا رجحان في البين، فبناء على حجية الاستصحاب من جهة الأخبار جاز إجراؤه في الصور الثلاث، و بناء على حجيته من جهة الظن الشخصي جاز في الصورة الأولى فقط، و بناء على الظن النوعي أو بناء العقلاء فجريانه في الصورة الأولى و الأخيرة بلا إشكال و في الصورة الثانية مورد كلام و إشكال.

ثالثها: تقسيمه إلى استصحاب في الشك في المقتضي و الشك في الرافع و تقسيم الشك في الرافع إلى أقسام، أما الشك في المقتضي فهو ما إذا كان الشك في البقاء لأجل الشك في مقدار استعداد الشي‏ء للبقاء و كمية اقتضائه له، كما إذا علمنا بثبوت خيار الغبن للمغبون و شككنا في أنه فوري و زمانه قصير أو هو باق و زمانه طويل.

و أما الشك في الرافع فهو عبارة عن الشك في البقاء بعد إحراز استعداد الشي‏ء للدوام و اقتضاء ذاته للبقاء و الاستمرار فيكون الشك في حدوث رافع له عن صفحة الوجود و يتصور هذا على أنحاء.

أولها: الشك في وجود الرافع كما إذا شك المتطهر من الحدث في خروج البول منه أو عروض النوم عليه.

ثانيها: الشك في رافعية الموجود من جهة كون المتيقن السابق مرددا بين شيئين‏

38

كما إذا علم المكلف باشتغال ذمته يوم الجمعة بصلاة و لم يعلم بكونها الظهر أو الجمعة، فإذا أتى بصلاة الجمعة مثلا فإنه يشك في رافعيتها لاشتغال الذمة، فإنه لو كان الاشتغال بصلاة الظهر فهو باق و لو كان بالجمعة فهو مرتفع، فاستصحاب بقاء الاشتغال في المثال لأجل الشك في رافعية الموجود.

ثالثها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في وجود صفة الرافعية فيه كما إذا خرج المذي من المتطهر فشك في أنه رافع كالبول أم لا.

رابعها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في أنه مصداق للرافع المعلوم المفهوم كما إذا خرج عنه البلل و شك في أنه بول أم لا.

خامسها: الشك في رافعية الموجود من جهة الشك في أنه مصداق للرافع المجهول المفهوم كما إذا علم بكون البلل مذيا و شك في مفهوم البول و أنه خصوص ما هو المعروف أو أنه أعم منه و من المذي.

39

الاستقراء

قيل هو عبارة عن تصفح الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي و التام منه يفيد القطع كما إذا تصفحنا جميع ما وصلنا إليه من أفراد الحيوان فوجدناه جسما فحكمنا بأن كل حيوان جسم، و الناقص منه يفيد الظن سواء أ حصل من تتبع قليل الأفراد أم كثيرها.

فالأول: كما إذا رأينا واحدا من أهل بلد يتكلم بكلام مخصوص أو يلبس لباسا مخصوصا ثم رأينا الثاني و الثالث إلى خمسين مثلا حصل الظن بأن من هو ساكن هناك حاله كذا.

و الثاني: كما إذا رأينا أكثرهم على ذلك المنوال، و الاستقراء أعم من الغلبة عموما مطلقا فإنه يحصل بقليل الأفراد دون الغلبة و كلاهما يشتركان في أن النظر فيهما إلى إثبات الحكم الكلي من تصفح حال الجزئي، ثم الاستقراء أيضا ليس بحجة عندنا ما لم يفد العلم.

40

الاستقلالي و الآلي‏

يطلق هذان الوصفان غالبا على المعنى الملحوظ عند استعمال اللفظ فالمعنى الملحوظ بما هو آلة و حالة للغير معنى آلي، و المعنى الملحوظ بنفسه بما هو هو معنى استقلالي، و الكلام في هذين العنوانين وقع في الأصول في موارد:

منها: معاني الحروف و الأسماء فقيل إن معاني الحروف آلية و معاني الأسماء استقلالية لا بمعنى أنها غير ملتفت إليها أصلا بل بمعنى توجه الذهن إليها و لحاظها حالة للغير توضيح ذلك أنك إذا قلت سرت من البصرة إلى الكوفة فكلامك هذا مركب من أربعة أسماء و ثلاثة حروف، أما الأسماء فمادة سرت و ضمير المتكلم و كلمتا البصرة و الكوفة و أما الحروف فهيئة الفعل و كلمتا من و إلى، فألفاظ ذلك الكلام سبعة كما أن معانيه أيضا سبعة، أربعة معان مستقلة باللحاظ و ثلاثة منها غير مستقلة أما المستقلة فهي السير و المتكلم و البصرة و الكوفة، و أما غير المستقلة فهي حالات السير الموجود في الخارج و صفاته، أحدها ارتباطه بالمتكلم بصدوره عنه، ثانيها كون مبدئه البصرة، ثالثها كون منتهاه الكوفة، و لا إشكال في أن المتكلم لاحظ في مقام الاستعمال الألفاظ السبعة و المعاني السبعة فاستعملها فيها لتفهيم المخاطب، فمراده من هيئة الفعل أعني سرت بيان ارتباط السير بالمتكلم بنحو الصدور و من كلمة من بيان حال مبدئه‏

41

و من كلمة إلى بيان حال منتهاه، فالمعاني الحرفية ملحوظة حالة للغير.

و منها: ما ذكروه في مقام الفرق بين القطع الطريقي و الموضوعي بالنسبة إلى بعض الألفاظ كالعلم و القطع و الإرادة و القصد و نحوها، فإنها قد تلاحظ آلية و قد تلاحظ استقلالية، فربما يقول المولى إذا علمت بورود زيد إلى بلدك فزره فيريد ترتيب حكم الزيارة على نفس المجي‏ء و الورود لا على العلم به، فالمقصود إذا ورد بلدك فزره، و حيث إن انكشاف الورود و ثبوته لا يكون إلا بالعلم أطلق اسم الكاشف و أريد المنكشف كناية. و هذا هو العلم الذي يسمى في باب القطع بالقطع الطريقي.

و ربما يقول إذا علمت بأنك تسافر فصل ركعتين أو تصدق على فقير، أو يقول إذا أردت الأكل فقل بسم اللّه، أو يقول إذا قطعت بكون مائع عصيرا حرم عليك شربه، و يريد ترتيب تلك الأحكام على صفة العلم و الإرادة فيقال حينئذ إن تلك العناوين لوحظت استقلالية، و يسمى هذا القطع في بابه بالقطع الموضوعي.

و منها: ما ذكروه في باب الاستصحاب بالنسبة إلى كلمة اليقين من كون اليقين الوارد في أخبار ذلك الباب ملحوظا بنحو الآلية لا الاستقلالية كقوله (عليه السّلام):

«لا تنقض اليقين بالشك» فمن شك في بقاء حياة زيد مثلا يكون المراد من إسناد حرمة النقض و وجوب الإبقاء إلى يقينه إسنادهما إلى متيقنه كحياة زيد فكأنه قال لا تنقض حياة زيد بالشك فمن شدة الارتباط بين اليقين و المتيقن أطلق اليقين و أريد به المتيقن كناية و لذلك أيضا أسند آثاره إليه و أريد من حرمة نقض آثار اليقين و وجوب ترتيب أحكامه، حرمة نقض آثار المتيقن كحياة زيد و كرية الماء مثلا.

42

أصالة الاحتياط

و يعبر عنها بأصالة الاشتغال و مجراها في الأغلب الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.

و هي على قسمين: أصالة الاحتياط العقلية و أصالة الاحتياط الشرعية.

فالأولى: عبارة عن حكم العقل بلزوم إتيان فعل يحتمل الضرر الأخروي في تركه و لزوم ترك فعل يحتمل الضرر الأخروي في فعله، فهي حكم عقلي كلي له موضوع و محمول موضوعه الشي‏ء المحتمل فيه لضرر الأخروي من فعل أو ترك و محموله لزوم الاجتناب عنه عقلا، فإذا علمنا بوجوب صلاة يوم الجمعة قبل صلاة العصر و شككنا في أنها الظهر أو الجمعة فترك كل واحدة منهما مما يحتمل فيه الضرر الأخروي فالعقل يحكم بلزوم إتيان كلتيهما احتياطا، و كذا إذا علمنا بتحريم الشارع مائعا معينا و شككنا في أنه الخمر أو العصير العنبي ففعل كل منهما يحتمل فيه الضرر الأخروي فيحكم العقل بلزوم ترك كليهما احتياطا.

و الثانية: عبارة عن حكم الشارع بلزوم إتيان ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته، فموضوعها مشكوك الوجوب و الحرمة و محمولها وجوب الفعل أو الترك شرعا.

ثم إن أصالة الاحتياط أيضا تنقسم إلى شبهة وجوبية و تحريمية حكمية و موضوعية.

أما الشبهة الوجوبية فكالشك في أن الواجب هذا أو ذاك.

43

فتارة يكون منشأ الشك فيها عدم النص على تعيين أحدهما بعد قيام الدليل على وجوب أحدهما بنحو الإجمال.

و أخرى يكون المنشأ هو إجمال النص كقوله تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏» و كانت الوسطى مرددة بين الصبح و الظهر.

و ثالثة: يكون المنشأ تعارض النصين أو النصوص على التعيين كمسألة الظهر و الجمعة.

و رابعة: يكون اشتباه المصداق و الموضوع كما إذا حصل الشك في أن العالم الواجب إكرامه هذا أو ذاك أو أنه نذر الإطعام أو الصيام و الأمثلة الثلاثة الأول شبهة وجوبية حكمية و الأخير وجوبية موضوعية.

و أما الشبهة التحريمية: ففيها أيضا تارة يكون منشأ الشك عدم الدليل على تعيين الحرام.

و أخرى يكون المنشأ إجمال النص الدال عليه.

و ثالثة تعارض النصوص.

و رابعة اشتباه الأمور الخارجية أعني اشتباه المصداق لأجلها كما إذا لم يعلم أن الخمر هل هو في هذا الإناء أو ذاك. ثلاثة منها شبهة حكمية و واحد موضوعية.

تنبيهات:

الأوّل: قسم الشيخ الأعظم (قدس سره) مجرى أصالة الاحتياط بتقسيم آخر مغاير لما ذكرنا

و حاصله: أنا إذا علمنا بنوع التكليف من وجوب و حرمة و شككنا في متعلقه و أنه هذا الفعل أو ذاك، فتارة يدور الأمر بين الواجب و غير الحرام كما إذا شككنا في أن الواجب يوم الجمعة هل هو صلاة الظهر أو الجمعة فكل من الصلاتين يدور أمرها بين الوجوب و غير الحرمة من الأحكام الثلاثة الباقية و أخرى بين الحرام و غير الواجب كما إذا علمنا حرمة أحد الإناءين فإن كلا منهما يدور أمره بين الحرمة و غير الوجوب من تلك الأحكام. و ثالثة بين الحرام و الواجب.

44

و يسمى القسم الأول بالشبهة الوجوبية للاحتياط، و الثاني بالشبهة التحريمية، و الثالث داخل في مسألة التخيير.

ثم إن في كل واحد من الأقسام الثلاثة إما أن يكون منشأ الشك عدم النص أو إجماله أو تعارضه أو اشتباه المصداق و الموضوع فالأقسام فيها ترتقي إلى اثني عشر قسما ثمانية منها داخلة تحت مسائل الاحتياط و أربعة في مسائل التخيير كما سيجي‏ء.

الثاني: مجرى أصالة الاحتياط لا ينحصر في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي‏

كما يظهر من تقسيم الشيخ (قدس سره)، بل قد تجري في الشبهة البدوية أيضا كما إذا كان التكليف المشكوك مهما، فإذا أراد رمي شبح من بعيد و لم يعلم أنه إنسان أو حجر مثلا لزم الاحتياط على المشهور و كذا في كل ما شك في وجوبه أو حرمته بالشبهة الحكمية و كان قبل الفحص و كذا إذا شك المكلف في إتيانه بالواجب الموقت قبل انقضاء وقته و غير ذلك من الموارد.

الثالث: الدليل على أصالة الاحتياط العقلي هو احتمال الضرر الأخروي أو الضرر المهم،

فالعقل حاكم بلزوم الاجتناب عن كل ما احتمل فيه الضرر الأخروي موهوما كان ذلك الضرر أو مشكوكا أو مظنونا كما أن العقل حاكم بلزوم ترك مقطوعه فهذه قاعدة كلية عقلية، و لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي إنما هو من جهة أن كل فرد من الأطراف داخل تحت هذه الكلية و كذا بعض الشبهات البدوية كما ذكرنا فإذا علمت بخمرية أحد الإناءين أشرت إلى واحد منهما و قلت هذا مما احتمل فيه الضرر الأخروي و كل ما احتمل فيه الضرر الأخروي يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه.

فإن قلت: ما الفرق بين كل واحد من الإناءين في هذا المثال و الإناء المحتمل الحرمة في الشبهة البدوية حيث حكموا في الأول بالاحتياط و في الثاني بالبراءة مع أن احتمال الحرمة في الكل مستلزم لاحتمال العقاب الأخروي قلت: الفرق هو أن العلم الإجمالي في الأول حجة على المكلف منجز للواقع، فالمحتمل في كل طرف هو التكليف المنجز و احتماله مستلزم لاحتمال الضرر الأخروي فيجب تركه، و هذا بخلاف الشبهة البدوية التي لا علم فيها بالتكليف و معه لا يكون منجزا أو يقبح العقاب‏

45

عليه فالمحتمل فيه تكليف غير منجز و العقاب فيه مأمون منه.

و أما الاحتياط النقلي فقد استدل عليه بعدة أخبار.

منها: أخبار التوقف كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «قفوا عند الشبهة» و قوله (عليه السّلام): «الوقوف عند الشبهة خير عن الاقتحام في الهلكة» فيجب الوقوف عملا و الاحتياط في كل محتمل التحريم من فعل أو ترك.

و منها: قوله (عليه السّلام): «إذا خفت ضلالة فإن الكف عنده خير من ركوب الأهوال.» و منها: قوله (عليه السّلام): «و أمر اختلف فيه فرده إلى اللّه و رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و منها: قوله (عليه السّلام): «و من ارتكب الشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».

الرابع: الظاهر أن أكثر علمائنا الأخباريين (قدس سرهم) قائلون بالاحتياط النقلي‏

فقط في موارد العلم الإجمالي بمقتضى الأخبار المتقدمة، و بعضهم قائل بالشرعي و العقلي كليهما، و أما الأصوليون (قدس اللّه أسرارهم) فمنهم من قال بالاحتياط العقلي فقط و حمل الأخبار السابقة على الإرشاد إلى حكم العقل أو على الاستحباب أو على الاحتياط في المسائل الاعتقادية، و منهم من قال بكلا قسمي الاحتياط العقلي منه و النقلي فراجع.

46

أصالة البراءة

هي على قسمين: أصالة البراءة العقلية و أصالة البراءة الشرعية.

فالأولى: عبارة عن حكم العقل بعدم استحقاق العقوبة على ما شك في حكمه و لم يكن عليه دليل، فأصالة البراءة العقلية قاعدة كلية عقلية لها موضوع و محمول، موضوعها الفعل المشكوك الذي لا بيان على حكمه من الشارع و محمولها الحكم بعدم العقوبة عليه و عدم حرمته بالفعل، فإذا شك المكلف في حرمة العصير التمري مثلا بعد غليانه فتفحص و لم يجد دليلا على حرمته تحقق موضوع البراءة العقلية، فيحكم عقله بعدم استحقاق العقاب على شربه، و كذا إذا شك في وجوب الصوم أول كل شهر و لم يجد بيانا على الوجوب حكم عقله بعدمه.

و الثانية: عبارة عن حكم الشارع بعدم التكليف الفعلي أو بالإباحة و الرخصة في فعل أو ترك شك في حكمهما الواقعي، فموضوعها العمل المشكوك حكمه واقعا و محمولها الإباحة و الرخصة، فإذا شك في حرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و لم يوجد دليل على حرمة الأول و وجوب الثاني حكم الشارع بالإباحة فيهما.

ثم إن مسألة أصالة البراءة مطلقا تنقسم إلى مسائل ثمان، فإنه إما أن يكون الشك في وجوب شي‏ء أو يكون في حرمته، و الأول يسمى بالشبهة الوجوبية للبراءة

47

و الثاني بالتحريمية لها و على كل تقدير إما أن يكون الشك في الحكم الكلي للموضوع الكلي أو في الحكم الجزئي للموضوع الجزئي، و على الأول إما أن يكون منشأ الشك هو عدم وجود دليل في المورد أو يكون إجمال الدليل الوارد أو يكون تعارضه مع آخر، كما أنه على الثاني يكون منشأ الشك اشتباه الأمور الخارجية.

فالشبهة الوجوبية لها مسائل أربع:

الأولى: أن يشك في الوجوب الكلي‏

و كان منشأ الشك هو عدم الدليل كالشك في وجوب الإطعام في أول كل شهر مثلا.

الثانية: أن يشك في الوجوب الكلي من جهة إجمال النص كما إذا ورد اغتسل للجمعة

و شككنا في أن هيئة الأمر تدل على الوجوب أو على الاستحباب.

الثالثة: أن يشك في الوجوب الكلي من جهة تعارض الدليلين‏

كما إذا ورد صل في أول كل شهر الصلاة الفلانية و ورد أيضا لا تصلها، فإذا تعارض الدليلان فتساويا فتساقطا رجعنا إلى أصالة البراءة و هذه الأقسام الثلاثة تسمى بالشبهة الحكمية، لأن الشك فيها إنما هو في حكم الشارع دون موضوعه، و رفع الشك و كشف الحجاب عن الواقع فيها يتوقف على بيان الشارع و لا يمكن إلا من قبله.

الرابعة: الشك في الوجوب الجزئي كما إذا شك في وجوب إكرام هذا الشخص‏

و عدم وجوبه من جهة الشك في أنه عالم أو ليس بعالم و يسمى هذا القسم بالشبهة الموضوعية تارة و المصداقية أخرى، لأن المفروض العلم بأن كل عالم يجب إكرامه و إنما الشك في أن هذا عالم أو ليس بعالم فالشبهة في المصداق و الموضوع و في الحكم الجزئي دون الكلي.

و الشبهة التحريمية أيضا تنقسم إلى مسائل أربع، مثل ما إذا شككنا في حرمة الفقاع من جهة عدم الدليل أو إجماله أو تعارضه و هذه أقسام الشبهة الحكمية التحريمية، أو شككنا في أن هذا المائع فقاع أم لا مع العلم بأن كل فقاع حرام، و هذه هي الشبهة الموضوعية التحريمية منشأ الشك فيه اشتباه الأمور الخارجية.

48

تنبيهات:

الأول: أنهم ذكروا أن الدليل على البراءة العقلية هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان،

بتقريب أن العقل حاكم بالاستقلال بأنه لو التفت عبد إلى حكم فعل من أفعاله و شك في وجوبه الواقعي و عدم وجوبه أو في حرمته و عدمها و تتبع و تفحص بقدر الوسع و الإمكان فلم يجد دليلا على الحكم فترك مشكوك الوجوب و فعل مشكوك الحرمة كان عقاب المولى و مؤاخذته عليه قبيحا، و هذا ما هو المشهور من أن دليل الأصل العقلي هو قبح عقاب الحكيم بلا بيان و مؤاخذته بلا برهان.

و الدليل على البراءة الشرعية:

أولا ظاهر الكتاب كقوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» و المعنى ما كان عادتنا سابقا و لاحقا أن نعذب أحدا على ترك واجب و فعل حرام حتى نبين حكمهما فبعث الرسول كناية عن بيان حكم الأفعال.

و قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» بناء على أن المراد الوسع العلمي.

و «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» بناء على أن الإيتاء الإعلام.

و ثانيا الأخبار، فمنها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث الرفع: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون» فإن الإيجاب و التحريم المجهولين من قبيل ما لا يعلم فيكونان مرفوعين.

و منها قوله (عليه السّلام) في حديث الحجب: «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

و منها قوله (عليه السّلام): «الناس في سعة ما لا يعلمون» أي أنهم من ناحية مجهولاتهم في سعة لا يؤاخذون عليها و لا يعاقبون.

و منها قوله (عليه السّلام): «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» أي كل مشكوك الحرمة و الحلية في الواقع فهو لك حلال ظاهرا و هو معنى البراءة.

و منها قوله (عليه السّلام): «كل شي‏ء لك مطلق حتى يرد فيه نهي» أي كل فعل أنت مرخص فيه حتى يصل إليك حرمته.

49

الثاني: أدلة البراءة الشرعية من حيث عمومها للشبهة الوجوبية و التحريمية مختلفة

فالإجماع و الكتاب و أكثر الأخبار تشمل الشبهتين جميعا، و الروايتان الأخيرتان لا تدلان إلا على البراءة في الشبهات التحريمية فقط.

الثالث: اختلف أقوال الأصحاب (قدس سرهم) في القول بالبراءة

فالمشهور من الأصوليين القول بها مطلقا عقليها و نقليها في الوجوبية و التحريمية، و فصل بعض المحققين منهم في البراءة العقلية بين الشبهات الحكمية و الموضوعية فقال بالجريان في الأولى دون الثانية.

و معظم الأخباريين منعوا البراءة العقلية مطلقا و عزلوا العقل عن الحكم في هذا المضمار و أجروا البراءة النقلية في خصوص الشبهة الوجوبية فهم في الوجوبية قائلون بالبراءة و مشكوك الوجوب عندهم مباح و في التحريمية قائلون بالاحتياط و مشكوك الحرمة عندهم حرام و هنا أقوال أخر أعرضنا عن ذكرها طلبا للاختصار.

الرابع: للعلامة الأنصاري (قدس سره) في بيان أقسام الشبهة الوجوبية و التحريمية للبراءة تقسيم ببيان آخر غير ما ذكرنا،

و حاصله أن التكليف المشكوك فيه إما تحريم مشتبه بغير الوجوب و إما وجوب مشتبه بغير التحريم و إما تحريم مشتبه بالوجوب، و يعبر عن الأول بدوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب، و عن الثاني بدورانه بين الوجوب و غير الحرمة، و عن الثالث بدورانه بين الوجوب و الحرمة، و على كل من الأقسام الثلاثة تارة يكون متعلق التكليف الواقعة الكلية و يكون منشأ شكها عدم النص أو إجماله أو تعارضه، و أخرى الواقعة الجزئية مع كون منشأ شكها اشتباه الأمور الخارجية، فكل من الأقسام الثلاثة ينقسم إلى أقسام أربعة و المجموع اثنا عشر قسما ثمانية منها داخلة في مسائل البراءة و أربعة في مسائل التخيير كما سيجي‏ء.

50

أصالة التخيير

هي عبارة عن حكم العقل بتخيير المكلف بين فعل شي‏ء و تركه أو تخييره بين فعلين مع عدم إمكان الاحتياط، فهو حكم عقلي كلي له موضوع و محمول فموضوعه الأمران لا رجحان لأحدهما على الآخر و لا إمكان للاحتياط و محموله جواز اختيار أيهما شاء و يتحقق موضوعه في موردين:

أحدهما: العمل الواحد، كما إذا علمنا بجنس التكليف المشترك بين الوجوب و التحريم أعني أصل الإلزام المتعلق بعمل المكلف و شككنا في تعلقه بإيجاد ذلك العمل أو بتركه، و يعبر عنه تارة بدوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و أخرى بدورانه بين المحذورين، فإذا علمنا أن صلاة الجمعة مثلا إما واجبة و إما محرمة و لا ترجيح لأحدهما على الآخر حكم العقل بالتخيير بين فعلها و تركها.

ثانيهما: العمل المتعدد كما إذا كان هنا فعلان و علمنا بوجوب أحدهما و حرمة الآخر و لكن لم نعلم أن هذا واجب و ذاك حرام أو أن ذاك واجب و هذا حرام حكم العقل أيضا بالتخيير بين فعل أحدهما و ترك الآخر و لا يجوز فعلهما معا و لا تركهما معا لأن في الأول يحصل العلم بمخالفة قطعية للحرام و في الثاني بمخالفة قطعية للواجب و كلاهما ممنوعان.

51

و بعبارة أخرى لا يخلو حال المكلف من أنه إما أن يفعلهما معا أو يتركهما معا أو يفعل أحدهما و يترك الآخر، ففي كل من الأولين يحصل العلم بالمخالفة القطعية و الموافقة القطعية و على الثالث لا علم في البين بل احتمال الموافقتين و احتمال المخالفتين و العقل يحكم باختياره.

ثم إن مسألة أصالة التخيير أيضا تنقسم إلى مسائل أربع فإن الشك إما أن يكون من جهة عدم الدليل على تعيين أحدهما أو إجماله أو تعارضه أو اشتباه الأمور الخارجية، فأمثلة الشبهة الحكمية للمورد الأول من التخيير ما إذا قام الإجماع على أن صلاة الجمعة في يومها لا تخلو من حكم إلزامي، و شك في أن ذلك الحكم هو الوجوب أو الحرمة لعدم الدليل على التعيين أو أنه (عليه السّلام) قال: «صل الجمعة في يومها» و لم يعلم أنه استعمل الأمر في الإيجاب أو التهديد و هذا إجمال النص أو أنه ورد في رواية صل الجمعة و في أخرى لا تصلها و هذا تعارض النصين، و مثال الشبهة الموضوعية ما لو علم بأنه نذر السفر أو أمره والده بذلك فشك في أن النذر أو أمر الوالد كان بفعله أو بتركه.

و أمثلة الشبهة الحكمية للمورد الثاني من التخيير الظهر و الجمعة بناء على القول بأنه لو كانت إحداهما واجبة كانت الأخرى محرمة ذاتا و لا دليل على تعيين الواجب و الحرام، و مثل ما لو قال صل الصلاة الوسطى و لا تصل الأخرى و شك في أن الوسطى هل هي الجمعة و الأخرى الظهر أو العكس و هذا إجمال النص، و مثل ما لو ورد في خبر صل الجمعة و لا تصل الظهر و في آخر صل الظهر و لا تصل الجمعة و هذا تعارض النصين و مثال الشبهة الموضوعية كما إذا كان هنا فعلان كالسفر و إطعام زيد و علم بأن والده أمر بأحدهما و نهى عن الآخر و نسي ما عينه الوالد.

تنبيهان:

الأول: في مسألتنا هذه أقوال:

أولها: حكم العقل بالتخيير بين الفعل و الترك كما ذكرنا و الدليل عليه قبح الترجيح من غير مرجح و أما من حيث الشرع فالمورد خال عن الحكم الظاهري.

ثانيها: الحكم بالبراءة في كل من الطرفين عقلا و نقلا، فإذا شككنا في وجوب‏

52

دفن المنافق و حرمته كان كل من الوجوب و الحرمة مجهولا يجري فيه أصالة البراءة، و لا يستلزم إجراء البراءة هنا مخالفة عملية إذا الفرض أنها غير ممكنة هنا.

ثالثها: وجوب الأخذ بأحدهما معينا و البناء القلبي عليه و العمل به، كما ادعي أنه يجب الأخذ بالحرمة بالخصوص و ترك الوجوب لأن دفع الضرر عند العقلاء أرجح من جلب المنفعة.

رابعها: وجوب الأخذ بأحدهما تخييرا بأن يبني قلبا على أنه واجب فيأتي به أو حرام فيتركه.

خامسها: التخيير عقلا كسابقه مع الحكم على كل واحد من الطرفين بالإباحة شرعا و هذا هو مختار صاحب الكفاية و ببالي أنه يظهر من كلمات الشيخ (رحمه الله) أيضا.

الثاني: دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة يتصور على أقسام أربعة:

أولها: دورانه بين الوجوب و الحرمة التوصليين بأن نعلم أنه لو كان واجبا فوجوبه توصلي لا يحتاج إلى نية التقرب و لو كان حراما فحرمته كذلك.

ثانيها: دورانه بين الوجوب و الحرمة التعبديين بأن نعلم أنه لو كان واجبا فامتثاله لا يحصل إلا بقصد القربة و لو كان حراما فتركه قربي أيضا كتروك الصائم و المحرم مثلا.

ثالثها: أن يعلم بأن أحدهما المعين تعبدي و الآخر توصلي كأن يعلم بأن صلاة الجمعة لو كانت واجبة فاللازم إتيانها قربيا و لو كانت محرمة فالمطلوب مجرّد الترك و لو بلا نية.

رابعها: أن يعلم بأن أحدهما غير المعين تعبدي و الآخر كذلك توصلي، و لا يخفى عليك أن الأقوال المذكورة في التنبيه السابق إنما تجري في الصورة الأولى و الأخيرة من هذه الصور، و أما الوسطان فلا مناص فيهما عن اختيار القول الثالث أو الرابع لاستلزام غيرهما المخالفة العملية القطعية، مثلا إذا حكمنا بإباحة صلاة الجمعة في المثالين و لكن أتينا بها اقتراحا و بلا نية حصل لنا العلم بمخالفة حكم اللّه واقعا فإنها لو كانت واجبة لم نكن ممتثلين إذ إتيانها بلا نية كتركها و لو كانت محرمة لم يتحقق منا الترك فضلا عن كون الترك بقصد القربة.