أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه‏

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
394 /
1

[هوية الكتاب‏]

أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه‏

2

السبحانى التبريزي، جعفر، 1347 ه. ق أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه: دراسة متواضعة لأحكام الموضوعات الّتي لم يرد فيها نصّ من الكتاب و السنّة/ تأليف جعفر السبحاني. قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1425 ق. 1383.

394 ص‏ISBN : 6- 155- 357- 964.

1. الفقه التطبيقي. الف. مؤسسة الإمام الصادق (ع) ب. العنوان.

6 الف 2 س/ 7/ 961BP 297/ 32 اسم الكتاب: أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه المؤلف: آية الله جعفر السبحاني الطبعة: أ الأُولى المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) التاريخ: أ 1425 ه/ 1383 ش الكمية: أ 2000 نسخة الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) الصفّ و الإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

E -mail :pub imamsadeq .org www .imamsadeq .org

توزيع مكتبة التوحيد قم ساحة الشهداء هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

3

أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه دراسة متواضعةٌ لأحكام الموضوعات الّتي لم يرد فيها نصٌّ في الكتاب و السُّنَّة تأليف الفقيه المحقّق آية الله جعفر السُّبحاني دام ظله مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

4

[مقدمة و فيها فروع‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله على جزيل إفضاله و عظيم إنعامه، و الصّلاة و السّلام على خاتم رسله و أنبيائه، محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين الّذين هم عيبة علمه، و موئل حكمه، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، و الأرض ذات فجاج.

أمّا بعد:

5

» فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمَة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيهما، و اندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولًا فيه أدنى دخل إلّا بيّنوه، و لفاعل فعلًا فيه تحريف إلّا قوّموه، حتّى اتضحت الآراء و انعدمت الأهواء، و دامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها و شفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف «. (1) افتتحنا كتابنا هذا بهذه الكلمة القيمة لبعض الأعلام حول مخالفة العلماء بعضهم لبعض في الآراء و النظريات من دون محاباة، لما فيه من حكمة بالغة تسهّل لنا موضوع النقاش و النقد الذي لم يزل يرافق العلم و العلماء عبر قرون.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء نابع عن حبّ الحقيقة لا عن اتّباع الهوى فكان اختلافهم كاختلاف النبيّين العظيمين: داود و سليمان (عليهما السلام) في واقعة واحدة قال سبحانه: (وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ

____________

(1) إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصفهاني: 10.

6

الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ‏). (1) و من أسباب الاختلاف بين فقهاء الفريقين في الفتاوى هو اختلافهم في ما هو المرجع فيما لا نصّ فيه، فالمرجع في الفقه الشيعي فيه هو الأُصول العملية الأربعة الّتي سيوافيك شرحها و مواردها و أدلّتها من الكتاب و السنّة و العقل.

لكن المرجع فيه عند فقهاء السنة هو القواعد التالية:

القياس، الاستحسان، الاستصلاح، سدّ الذرائع أو فتحها، و حجّية قول الصحابي، إلى غير ذلك من القواعد الّتي استنبطوها ليُحلّوا بها مشكلة عدم النصّ في المسألة.

و هذه القواعد و إن لم تتفق كلمتهم على جميعها، لكن القياس حجّة لدى الأئمّة الأربعة، و الاستحسان حجّة عند المالكية دون الشافعية و هكذا كما ستعرف.

و قد ألف غير واحد من فقهاء الفريقين كتباً و رسائل كثيرة في ما لا نصّ فيه، و اقتصر على بيان مذهبه دون أن يتعرض لمذهب الفريق الآخر من غير فرق بين شيعة و سنة. (2) و لما رأيت فراغاً في المقام خامرتني فكرة تأليف كتاب يتكفّل ببيان مذهب الفريقين فيما لا نصّ فيه بصورة مقارنة، ليكون ذلك ذريعة للتفاهم و التعاضد.

____________

(1) (الأنبياء: 78 79.)

(2) إلّا ما قام به الأُستاذ السيد محمد تقي الحكيم (رحمه الله) فألّف كتاباً في إطار أوسع باسم» الأُصول العامة للفقه المقارن «و قد طبع و انتشر و له صدى في الأوساط العلمية.

7

و تحقيقاً لهذا الغرض عقدتُ بابين، خصّصت الأوّل منهما للحديث عن المرجع عند الإمامية في ما لا نصّ فيه، و الثاني لبيان المرجع في ما لا نصّ فيه عند السنّة.

و لما كان هناك بعض المشتركات الّتي يعتمدها فقهاء الفريقين كالاستصحاب أو استصحاب البراءة فقد ذكرته في الباب الأوّل و أشرت في الهامش إلى أنّ هذا الأصل متّفق عليه.

و لو لمس القارئ في تقرير كلام المخالف شيئاً من القسوة في التعبير فذلك نابع عن حب الحقيقة و التعريف بها لا تنديد بالمخالف. فإنّي اثمّن الخلاف المبني على الدليل و البرهان.

رحم اللّه أُستاذنا الكبير السيد الإمام الخميني (قدس سره) فقد قال يوماً في بعض دروسه مثمِّناً مخالفة الفقهاء بعضهم لبعض و التي بها حياة العلم و تكامله و بقاء الشريعة و نضارتها، قال ما هذا مثاله: لو أنّ صاحب الشريعة أو أحد الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) كتب كتاباً جمع فيه أُصول أحكام العبادات و المعاملات و الإيقاعات و السياسات ثمّ أودعه بين الأُمّة ليقتصروا عليه دون أن يخضع للبحث و الدراسة، لماتت الشريعة و فقدت نضارتها، و بقيت الشكوك تطرأ عليها و تجعلها في غمّة بعد غمّة، فالذي أعطى للشريعة خلوداً و بقاءً، و أضفى عليها رونقاً و بهاءً هو دراسة الآيات و الروايات، و بالتالي ظهور آراء و أفكار متنوعة في شتى المجالات. و مناقشة الفتاوى و النظريات.

و انطلاقاً من هذا المبدأ قمت بدراسة أحكام الموضوعات الّتي لا نصّ فيها على ضوء كلا الفقهين و أُصولهما و سميته ب» أُصول الفقه المقارن في ما لا نصّ فيه «.

8

أرجو من اللّه سبحانه أن يكون هذا العمل مصباحاً ينير الدرب أمام طلاب الحقيقة و يكون وسيلة لتقارب الخطى و التآلف و التعاضد في مجالي العلم و العمل.

فإنّ من أهمّ عوامل التفرقة هو الجهل بالطرف الآخر و بما يمتلكه من أفكار و آراء.

و نلفت نظر القارئ إلى أنّ أصحابنا الإمامية قد أشبعوا البحث في الأُصول العملية الأربعة التي هي المرجع فيما لا نصّ فيه عندهم و لذلك نقتصر بالقدر اللازم لإيقاف غير العارف بأُصولهم على حد الإمكان.

و من أراد التبسّط فعليه الرجوع إلى كتب أصحابنا في الأُصول من عصر الوحيد البهبهاني (1118 1206 ه) إلى يومنا هذا، مضافاً إلى محاضراتنا في الأُصول قسم الدراسات العليا.

و لتسليط (1) الضوء على المقصود نقدّم مقدمة فيها أُمور:

جعفر السبحاني قم مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) الثاني و العشرون من جمادى الأُولى من شهور عام 1425 ه

____________

(1) المحصول: ج 3؛ إرشاد العقول: ج 3.

9

1 كمال الدين و إتمام النعمة

دلّ القرآن الكريم على أنّه سبحانه أكمل دينه و أتمّ نعمته، و هذا ما يتجلّى في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (1)، و معنى ذلك أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في حقل العقيدة و الشريعة كامل أتمّ الكمال، فهو يغني المسلمين في كلّ عصر عن كلّ فكر مستورد و قانون وضعي لا يمتّ إلى الوحي و السماء بصلة.

و السنّة تُدعم الكتاب في هذا المجال أشد الدعم، كما يتّضح ذلك جلياً في كلام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في خطبة حجة الوداع حيث جاء فيها: أيّها الناس ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنة و يباعدكم من النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و نهيتكم عنه «. (2) و قال الإمام الباقر (عليه السلام):» إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج له الأُمّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و جعل لكلّ شي‏ء حدّاً و جعل عليه دليلًا يدلّ‏

____________

(1) (المائدة: 3.)

(2) الكافي: 74/ 2، كتاب الإيمان و الكفر.

10

عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حداً «. (1) و قال الإمام الصادق (عليه السلام):» ما من شي‏ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة «. (2) قال سماعة لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): أ كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه أو تقولون فيه؟ قال (عليه السلام):» بل كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة رسوله «. (3) نعم وجود حكم كلّ شي‏ء في الكتاب و السنّة ليس بمعنى أنّ كلّ مَن رجع إلى المصدرين يستطيع الوقوف على حكمه و إن لم تكن تتوفر فيه الصلاحيات و القابليات الخاصة، بل ذاك رهن العلم و المعرفة و الأنس بالكتاب و السنّة و التوغّل فيهما على نحو يخالط القرآن و السنّة روحه و دمه ليقف على المعاني السامية فيهما.

____________

(1) (الكافي: 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، الحديث 2، 4، 10.)

(2) (الكافي: 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، الحديث 2، 4، 10.)

(3) الكافي: 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، الحديث 2، 4، 10.

11

2 القرآن وسعة آفاق دلالته‏

من تمعّن في القرآن الكريم و تدبّر في معانيه و مفاهيمه يقف على سعة آفاق دلالته على مقاصده يقول سبحانه: (وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً‏). (1) و ها نحن نقدّم نموذجاً يدلّ على سعة آفاق الكتاب، و أنّ للفقيه الواعي إمكان استخراج أحكام الموضوعات المستجدة عبر القرون من المصدرين الشريفين.

قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه السلام) يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب:» يضرب حتى يموت «.

فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما

____________

(1) النحل: 89.

12

كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ‏). (1) فأمر به المتوكّل، فضرب حتّى مات. (2) تجد أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، و كم لها من نظير. و لو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق الذكر الحكيم.

و يدلّ على سعة دلالة آيات القرآن الكريم ما رواه المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):» ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا و له أصل في كتاب اللّه عزّ و جلّ و لكن لا تبلغه عقول الرجال «. (3) و قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):» ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، أُخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى، و علم ما يأتي إلى يوم القيامة و حكم ما بينكم، و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم «. (4) و قد حكى بعض مشايخنا، أنّ بعض الفقهاء استنبط من سورة» المسد «أربعة و عشرين حكماً شرعياً، كما وقع قوله سبحانه: (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏) (5) مصدراً للأحكام في باب النكاح.

____________

(1) (غافر: 84 85.)

(2) (مناقب آل أبي طالب: 403/ 4.)

(3) (الكافي: 60/ 1 61، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، الحديث 6، 7.)

(4) (الكافي: 60/ 1 61، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، الحديث 6، 7.)

(5) القصص: 27.

13

إنّ أئمّة أهل البيت استدلّوا على جملة من الأحكام الفرعية ب آيات ربّما لا تصل إليها العقول العادية، و لمّا سُئلوا عن وجه الدلالة، أرشدوا أصحابهم إلى وجه الدلالة، فسلّما و اعترفوا بفضلهم في فهم كتاب اللّه سبحانه، و للقارئ الكريم أن يجمع شتات الروايات الواردة في ذلك المجال، فإنّها مبعثرة في طيّات كتب الحديث و التفسير.

14

3 عدد آيات الأحكام أكثر من خمسمائة

على ضوء ما ذكرنا من سعة آفاق دلالة القرآن الكريم، نقف على أنّ تخصيص آيات الأحكام بخمسمائة آية أو أقلّ منها أو أقلّ منها أنّه لأجل قصر النظر بالآيات التي تتبنّى الحكم الشرعي بدلالة مطابقية كآيات الإرث و غيرها، و أمّا بالنظر إلى ما ذكرنا من دلالة قسم من الآيات، على أحكام شرعية عملية، دلالة التزامية أو غير ذلك، فإنّها سوف تتجاوز الخمسمائة آية.

و بذلك يظهر النظر فيما ذكره بعض المحقّقين في هذا المقام: قال الفاضل المقداد:

اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو خمسمائة آية، و ذلك إنّما هو بالمتكرر و المتداخل، و إلّا فهي لا تبلغ ذلك، فلا يظن من يقف على كتابنا هذا و يضبط عدد ما فيه، انّا تركنا شيئاً من الآيات فيُسي‏ء الظن به، و لم يعلم أنّ المعيار عند ذوي البصائر و الأبصار، إنّما هو التحقيق و الاعتبار لا الكثرة و الاشتهار. (1) و يظهر من الأُستاذ» عبد الوهاب خلّاف «أنّ عدد آيات الأحكام ربّما تبلغ‏

____________

(1) كنز العرفان في فقه القرآن: 5/ 1.

15

330 آية:

ففي العبادات بأنواعها نحو 140 آية.

و في الأحوال الشخصية من زواج و طلاق و إرث و وصية و حجر و غيرها نحو سبعين آية.

و في المجموعة المدنية من بيع و إجارة و رهن و شركة و تجارة و مداينة و غيرها نحو سبعين آية.

و في المجموعة الجنائية من عقوبات و تحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.

و في القضاء و الشهادة و ما يتعلّق بها نحو عشرين آية. (1) قال السيد محمد رشيد رضا: و المشهور عند علماء الأُصول أنّ آيات الأحكام العملية في القرآن من دينية و قضائية لا تبلغ عُشْر آياته، و قد عدّها بعضهم خمسمائة آية للعبادات و المعاملات، و الظاهر أنّهم يعنون الصريح منها و أكثرها في الأُمور الدينية. (2)

____________

(1) (خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي: 28 29.)

(2) الوحي المحمدي: 187، ط سوريا.

16

4 دراسة آيات الأحكام بصورتين:

نستطيع أن ندرس آيات الأحكام بصورتين، غير أنّ الصورة الثانية أفضل من الصورة الأُولى، و إليك بيانهما:

الأُولى: ما درج عليه فقهاء أهل السنّة كالجصاص و ابن العربي و غيرهما حيث فسّروا الآيات حسب ترتيب السور، و هذا ما لا نستحسنه و نراه منهجاً غير متكامل، لأنّ القرآن حينما يتناول الجهاد مثلًا بالبحث لا يتطرق إليه في سورة واحدة، بل يذكر معالمه و شروطه و آثاره في عدّة سور، فالفقيه الّذي يريد استنباط أحكام الجهاد من القرآن، لا بدّ له من مراجعة تلك الآيات في مواضع مختلفة، و هذا يأخذ منه وقتاً كثيراً و لا يجد ضالّته إلّا بعد بذل جهد كثير.

الثانية: ما هو الدارج عند فقهاء الشيعة و هو دراستها حسب المواضيع الفقهية، مثلًا يبحث عن جميع الآيات الواردة حول الطهارة أو الصلاة أو الصوم أو غيرها في باب خاص، و هذا ما نطلق عليه التفسير الموضوعي في إطار خاصّ. (الفروع العملية).

و مما أعجبني ما ذكره الأُستاذ عبد الوهاب خلاف، حيث اقترح ذلك المنهج‏

17

على الفقهاء، غافلًا عن أنّ علماء الشيعة قد نهجوا ذلك المنهج منذ قاموا بتفسير آيات الأحكام، قال:» و أوّل واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يُحصي آيات الأحكام في القرآن، يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، و كلّ آياته في الإرث، و كلّ آياته في البيع، و كلّ آياته في العقوبات، و هكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة و يقف على أسباب نزولها، و على ما ورد في تفسيرها من السنّة، و من آثار للصحابة أو التابعين، و على ما فسرها به المفسّرون، و يقف على ما تدلّ عليه نصوصها و ما تدلّ عليه ظواهرها، و على المحكم منها، و المنسوخ و ما نسخه «. (1) و لعلّ هذا البحث الموجز حول الكتاب العزيز الّذي هو المصدر الأوّل لاستنباط الأحكام كاف في المقام، فلنعد إلى البحث عن السنّة التي هي المصدر الثاني.

____________

(1) مصادر التشريع الإسلامي: 14.

18

5 السنّة النبوية و مكانتها في التشريع الإسلامي‏

السنّة النبوية هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء أ كان منقولًا باللفظ أم كان منقولًا بالمعنى شريطة أن يكون الناقل ضابطاً في النقل، و قد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الأُمم، و قد وضع المسلمون في حفظ السنّة النبوية علوماً مختلفة ليصونوا بها الحجّة الثانية عن الدس و التحريف.

و قد أكّد القرآن الكريم على أنّ السنّة من مصادر التشريع الإسلامي، و كفانا في ذلك بعض الآيات.

1. قوله سبحانه: (وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏). (1) و تخصيص الآية بالوحي القرآني تقييد في إطلاقه بلا دليل، على أنّ الذوق السليم لا يقبل التخصيص، إذ يكون مرجع الآية عندئذ إلى أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا ينطق عن الهوى حينما يتلو القرآن دون غيره من الأحوال، فهو ربّما يتكلّم فيه عن الهوى، و هو كما ترى.

2. قوله سبحانه: (وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ‏

____________

(1) النجم: 43.

19

تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً). (1) و الآية تتضمن مقاطع ثلاثة، و كلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم).

فالأوّل: أعني قوله: (وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ) يشير إلى علمه الّذي يتلقّاه عن الروح الأمين.

و الثاني: أعني قوله: (وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ‏) يشير بقرينة المقابلة، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك، فالمراد به هو الإلقاء في القلب و الإلهام الإلهي الخفيّ.

كما أنّ الثالث: أعني قوله: (وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) يشير إلى سعة علمه.

و ما ذكرنا من الآيات تُثبت عصمة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في أقواله و أفعاله، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك، أو الإلقاء في القلب من جانبه سبحانه، فلا يعرض له الخطأ، و كيف يعرض له الخطأ و اللّه سبحانه بيّن فضله بقوله: (وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).

و مردّ سنّة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى العلم الواسع الّذي تفضّل به سبحانه عليه، فلا يخطئ الواقع قدر شعرة. و قد مضت كلمة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في سعة السنّة و أنّ فيها كلّ شي‏ء.

على أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) جعلوا موافقة السنّة الحدّ المائز بين الحقّ و الباطل عند تعارض الروايات عنهم، و اختلاف كلمة النقلة.

____________

(1) النساء: 113.

20

قال الإمام الصادق (عليه السلام):» و كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة «. (1) و قال أيضاً:» من خالف كتاب اللّه و سنّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) فقد كفر «. (2) إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم، تبيّن مجملاته أو تخصّص عموماته أو تقيّد مطلقاته، و أُخرى تكون مبتدئة بالتقنين، و كلتا الحالتين تعبير عن الوحي و بيان لما أُوحي إليه.

____________

(1) (الكافي: 1، باب الأخذ بالسنّة، الحديث 3 و 6.)

(2) الكافي: 1، باب الأخذ بالسنّة، الحديث 3 و 6.

21

6 ظاهرة عدم النصّ بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)

قد تعرّفت على مكانة السنّة النبوية و أنّها تتمتع بالدرجة الثانية من بين مصادر التشريع، فإذا كانت السنّة من الأهميّة بهذه المكانة العظيمة، فيجب بذل الجهود المضنية لتدوينها و حفظها و شرحها و نقلها إلى الأجيال القادمة، و لكن يا للأسف أُهملت السنّة النبويّة، كتابة و دراسة، و نقداً، قرابة قرن، اعتماداً على روايات معزوّة إلى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) لا توافق القرآن الكريم، و تحطّ من مكانة السنّة.

كيف يصحّ للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يمنع من تدوين المصدر الثاني للتشريع بالرغم من أنّه سبحانه أمر بكتابة ما هو أدون منه شأناً، بل لا يقاس به، كما هو الحال في كتابة الدين، فقال: (وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى‏ أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى‏ أَلَّا تَرْتابُوا). (1) نعم ربّما نجد في ثنايا التاريخ أنّ بعض الصحابة قام بتدوين شي‏ء من الصحف و لكنّه لم يكن تدويناً لائقاً بشأن السنّة النبوية، و كان الرأي العام على منع الكتابة و التدوين، نعم بعد ما بلغ السيل الزبى، و حتّى فهم الخليفة الأموي‏

____________

(1) البقرة: 282.

22

عمر بن عبد العزيز خطورة الموقف و أنّ إهمال كتابة الحديث النبوي يؤدّي إلى اندراس السنّة و نسيانها، كتب إلى أبي بكر بن حزم:» انظر ما كان من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم و ذهاب العلماء، و لا تقبل إلّا حديث النبي و لتفشوا العلم، و لتجلسوا حتّى يعلّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً «. (1) و مع أنّ الخليفة الأموي أكّد و حثّ على الكتابة و التدوين، و لكن كان للمنع السابق أثره السيّئ فلم تُشاهد أي حركة حديثية مرموقة بعد ذلك. نعم قام المسلمون في عصر الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي بتدوين الحديث. قال الذهبي في حوادث سنة 143 للهجرة:

في سنة 143 شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث و الفقه و التفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، و مالك الموطأ بالمدينة، و الأوزاعي بالشام، و ابن أبي عروبة و حماد بن سلمة، و غيرهما بالبصرة، و معمر باليمن، و سفيان الثوري بالكوفة، و صنّف ابن إسحاق المغازي، و صنّف أبو حنيفة الفقه و الرأي، ثمّ بعد يسير صنف هيثم و الليث و ابن لهيعة، ثمّ ابن المبارك و أبو يوسف و ابن وهب، و كثر تدوين العلم و تبويبه، و دوّنت كتب العربية و اللغة و أيام الناس و قبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة، فسهل و للّه الحمد تناولُ العلم، و أخَذَ الحفظُ يتناقص، فللّه الأمر كلّه. (2)

____________

(1) (صحيح البخاري: 1، باب كيف يقبض العلم من أبواب كتاب العلم. و بما أنّه لم يكن من حديث الرسول جاء غير مرقّم، و هو واقع بين رقمي 99 و 100.)

(2) تاريخ الإسلام للذهبي: 13/ 9، حوادث سنة 143 ه.

23

7 السبب الأوّل لظاهرة عدم النصّ‏

إنّ لمنع كتابة الحديث مضاعفات كثيرة لا يسع المقال ذكرها، و قد أوردنا شيئاً منها في كتابنا» بحوث في الملل و النحل «. (1) و الّذي يناسب ذكره في المقام هو أنّ الحظر عن تدوين الحديث و مدارسته دراسة لائقة بشأنه صار سبباً لذهاب قسم كبير من السنّة النبوية خصوصاً ما يتعلّق بالأحكام و الآداب و حلّت مكانها أحاديث مختلقة اختلقها مستسلمة أهل الكتاب، نظراء: كعب بن ماتع الحميري، و قد وصفوه بأنّه من أوعية العلم، حدّث عنه أبو هريرة و معاوية و ابن عباس و غير ذلك.

و وهب بن منبه اليماني و قد أكثر النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114 ه. (2) و تميم بن أوس الداري، راوية الأساطير، كان نصرانياً، قَدِمَ المدينة فأسلم في سنة 9 ه؛ و الحديث بعد ذو شجون.

____________

(1) (بحوث في الملل و النحل: 60/ 1 76.)

(2) ميزان الاعتدال: 352/ 4.

24

نعم خسر الفقه الإسلامي في هذا المجال أكثر من سائر الموضوعات، فصارت نتيجة ذلك أنّه لم يدوّن من الحديث النبوي حول الشريعة و الأحكام العملية إلّا قرابة 500 حديث، تمدّها روايات موقوفة لم تثبت نسبتها إلى النبي الأكرم قال السيّد محمد رشيد رضا: إنّ أحاديث الأحكام الأُصول خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف فيما أذكر. (1) فصار ذلك ذريعة لتوهّم قصور الشريعة عن تبيين أحكام قسم من الموضوعات الموجودة في عصر الرسول أو المستجدة بعده.

و حصيلة الكلام: أنّ منع تدوين الحديث، هو أحد السببين لظاهرة فقدان النص في قسم كبير من الموضوعات الفردية أو الاجتماعية، و لو لم يكن هناك حظر عن تدوينه لما التجأ الفقهاء إلى قواعد و ضوابط قلّما يوجد لها رصيد في الكتاب و السنّة.

فمن جانب وقف الفقهاء الأوائل على أنّه سبحانه أكمل دينه و أتمّ نعمته، و من جانب آخر لم يجدوا حلولًا في الكتاب و السنّة لموضوعات مستجدة، بل الموجودة في عصر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هذا ما دفعهم إلى اختراع قواعد و ضوابط سيوافيك بيانها، و بذلك عالجوا ما لا نصّ فيه بقواعد، جوهرها انطباعات شخصية من الكتاب و السنّة.

____________

(1) الوحي المحمدي: 187 188.

25

8 السبب الثاني لظاهرة عدم النصّ‏

قد وقفت على أنّ أحد الأسباب الرئيسية لمواجهة المسلمين مسائل شرعية لم يرد حكمها في الكتاب و السنّة، هو منع تدوين السنّة، و هناك سبب آخر لا يقلّ أهميةً عن الأوّل و هو إعراضهم عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم حفَظَة سنن رسول اللّه و عيبة علمه و نَقَلة حديثه، مع أنّ الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) حثّ على الرجوع إليهم و جعلهم قرناء الكتاب و أعداله، و قد شبّههم بسفينة نوح الّتي مَن ركبها نجا و مَن تخلّف عنها غرق و هوى، و بذلك عالج الرسول مشكلة عدم النصّ بالأمر بالرجوع إلى أئمّة أهل البيت ليغرف المسلمون من معينهم الصافي بعد الصدور عن الكتاب و السنة، لكي لا يتوهّم الغافل:» أنّ الكتاب و السنّة غير مستوعبين لأحكام المواضيع و متطلّبات العصر الحديث، و أنّه لا محيص للمسلمين إلّا التطفّل على موائد الغربيين و الأخذ بالقوانين الوضعية «.

إنّ ما ادّعوه من أنّ السنّة النبوية لا تتجاوز عن خمسمائة حديث ناشئ عن قصر النظر على ما رواه أصحاب الصحاح و السنن، فلم يتجاوز مسندها عن خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف (موقوفة)، و أمّا إذا ضمّ إليها ما روي عن أئمّة

26

أهل البيت (عليهم السلام) في عامّة المجالات فربّما يبلغ عدد ما روي عنهم في حقل الأحكام و الأخلاق ما يربو على خمسين ألف حديث، و عندئذ يصبح ما لا نصّ فيه شيئاً قليلًا يمكن استخراج أحكامه من النصوص الموجودة، لأنّ التشريع لا يمكن أن يتعرّض لكلّ مورد جزئي أو واقعة خاصة و الّتي تندرج تحت ضوابط كلّية.

و ها هو كتاب» جامع أحاديث الشيعة «الّذي ألّفته اللجنة العلمية (1) تحت رعاية المرجع الديني الأعلى السيد آقا حسين البروجردي (قدس سره)، و نشر في ثلاثين جزءاً، قد بلغ عدد أحاديثه قرابة خمسين ألف حديث، فلو قمنا بحذف المكررات لكان فيما بقي غنى و كفاية.

____________

(1) و نحن نقدّر جهود الشيخ الجليل الموفّق المؤيد الشيخ إسماعيل المعزّي الملايري دام ظلّه، حيث قام بجمع ما تركته اللجنة في ذلك المجال، و تنقيحه و تهذيبه، حتّى أتى بما هو فوق ما يترقب.

27

9 حجّية أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)

ربّما يكون القارئ غير عارف بما ورد عن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) في مجال حجّية قول العترة الطاهرة و أنّه كيف قرن أقوالهم بالكتاب، فنذكر شيئاً من ذلك:

1. حديث الثقلين‏

1. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» يا أيّها النّاس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي «. (1) 2. و قال (صلى الله عليه و آله و سلم):» إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما «. (2) 3. و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء و الأرض أو ما بين السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض «. (3)

____________

(1) سنن الترمذي: 662/ 5، حديث 3786، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).)

(2) سنن الترمذي: 663/ 5، الحديث 3788، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)؛ الدرّ المنثور: 7/ 6؛ ذخائر العقبى: 16.)

(3) مسند أحمد: 182/ 5 189.

28

4. و قال (صلى الله عليه و آله و سلم):» إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و أهل بيتي؛ و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض «. (1) 5. و قال (صلى الله عليه و آله و سلم):» انّي أُوشك أن أدعى فأُجيب، و إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي؛ كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما «. (2) إلى غير ذلك من النصوص الّتي كان آخرها في حجّة الوداع عند ما نزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن، فقال:» كأنّي دُعيتُ فأجبتُ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكثر من الآخر: كتاب اللّه تعالى، و عترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض «. (3) و هذه الصحاح الحاكمة بوجوب التمسّك بالثقلين متواترة تنتهي أسانيدها إلى بضع و عشرين صحابياً، و قد صدع بها رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في مواقف له شتّى، تارة يوم غدير خمّ، و أُخرى على منبره في المدينة، إلى غير ذلك، و قد خصّص سيدنا الجليل المتتبع مير حامد حسين أجزاءً من كتابه الجليل» عبقات الأنوار «ببيان أسانيد هذا الحديث.

و نكتفي في اشتهاره بما ذكره ابن حجر حيث قال بعد ما أورد حديث الثقلين:

ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابياً، و مرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُّبه، و في بعض تلك الطرق أنّه‏

____________

(1) (مستدرك الحاكم: 148/ 3.)

(2) (مسند أحمد: 17/ 3 و 26.)

(3) الصواعق المحرقة: 136.

29

قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، و أُخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه و قد امتلأت الحجرة بأصحابه، و أُخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ، و في أُخرى أنّه قال لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ؛ و لا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن و غيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز و العترة الطاهرة.

و في رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم):» اخلفوني في أهل بيتي (عليهم السلام) «. (1)

2. حديث السفينة

إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) شبّه أهل بيته بسفينة نوح و جعل التمسّك بأقوالهم و أفعالهم و تقريراتهم وسيلة النجاة، كما أنّ السفينة كذلك عند ظهور الطوفان. و إليك بعض نصوصه:

1.» ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق «. (2) 2.» إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق «. (3)

3. حديث الأمان‏

و قد عرّفهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في بعض أحاديثه أنّهم أمان لأهل الأرض من الاختلاف قال:» النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق و أهل بيتي أمان من‏

____________

(1) الصواعق المحرقة: 150، طبع مكتبة القاهرة (الباب 11، الفصل الأوّل في الآيات الواردة فيهم.)

(2) مستدرك الحاكم: 151/ 3.

(3) الأربعون للنبهاني: 216.

30

الاختلاف في الدين، فإذا خالفتها قبيلة من العرب يعني في أحكام اللّه عزّ و جلّ اختلفوا فصاروا حزب إبليس «. (1) هذا قليل من كثير، و غيض من فيض ممّا ورد في حقّهم من أئمّة أهل البيت، و كفى بهذا المقدار دليلًا على لزوم الرجوع إليهم في الأُصول و الفروع، و هناك كلمة قيّمة لسيّد المحقّقين السيد شرف الدين العاملي يقول:

و أنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح: أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه و أُصوله عن أئمّتهم الميامين نجا من عذاب النار، و من تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل يعصمه من أمر اللّه، غير أنّ ذاك غرق في الماء و هذا في الحميم، و العياذ باللّه. (2) و ها نحن نذكر نماذج من جوامع كلمهم الّتي أخذوها من عين صافية، و قد عرفت أنّهم حفظَة أحاديث رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و عيبة علمه و نَقَلةُ سننه، و نعم ما قال القائل:

فوال أُناساً فعلهم و كلامهم‏ * * * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري‏

1. قال الصادق (عليه السلام):» إنّما علينا أن نلقي عليكم الأُصول و عليكم التفريع «.

2. و قال الصادق (عليه السلام):» كلّما غلب اللّه عليه من أمره فإنّه أعذر لعبده «.

و في رواية أُخرى:» كلّما غلب اللّه عليه فإنّه أحرى بالعذر «.

3. قال الصادق (عليه السلام):» ليس شي‏ء ممّا حرّم اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطر

____________

(1) (مستدرك الحاكم: 149/ 3.)

(2) المراجعات: 79، المراجعة 8، طبع المجمع العلمي لأهل البيت (عليهم السلام) قم، 1422 ه.

31

إليه «.

4. و قال الصادق:» اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون «.

5. و قال الصادق (عليه السلام):» حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره و لا يجري غيره «.

6. و قال الصادق:» إنّ حكم اللّه عزّ و جلّ في الأوّلين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء «.

7. قال الصادق:» إنّ اللّه احتجّ على الناس بما آتاهم و عرّفهم «.

8. عن الصادق (عليه السلام):» الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر «.

9. و قال الصادق (عليه السلام):» خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شي‏ء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه «.

10. قال الرضا (عليه السلام):» ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة «.

11. و قال الصادق (عليه السلام):» كلّما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّراً فامضه و لا إعادة عليك «.

12. و قال الصادق (عليه السلام):» من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة «.

13. و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام):» متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة، إنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها إنّك لم تصلّها صلّيتها، و إن شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل، فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت، فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت «.

14. و قال الصادق (عليه السلام):» أ لا لك السهو كلّه في كلمتين: متى شككت فخذ بالأكثر «.

32

15. و قال الصادق (عليه السلام):» أدنى ما يقصر فيه المسافر بريدان أو بريد ذاهباً و بريد جائياً «.

16. سئل أبو الحسن الرضا عن الخمس؟ قال:» فيما أفاد الناس من قليل أو كثير «.

17. قال الصادق (عليه السلام):» إذا قصّرت أفطرت و إذا أفطرت قصّرت «.

18. و قال الصادق (عليه السلام):» كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه «.

19. و قال الصادق (عليه السلام):» صم للرؤية و أفطر للرؤية و إيّاك و الشك و الظن، و إن خفي عليكم فأتموا الشهر الأوّل ثلاثين «.

20. سئل الصادق (عليه السلام) عمّا تجب فيه الزكاة؟ قال:» في تسعة أشياء: في الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الإبل و البقر و الغنم، و عفا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) سوى ذلك ... «.

21. و قال الصادق (عليه السلام):» المسلمون عند شروطهم، إلّا شرط خالف كتاب اللّه فلا يجوز «.

و في رواية أُخرى:» إلّا شرط حرّم حلالًا أو أحلّ حراماً «.

22. و قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):» كلّ مجهول فيه القرعة «، فقال الراوي: إنّ القرعة تُخطئ و تُصيب. فقال:» كلّما حكم اللّه به فليس بمخطئ «، قال: و قال الصادق (عليه السلام):» ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه إلّا خرج سهم المحقّ «.

23. قال الصادق (عليه السلام):» لا يكون الربا إلّا فيما يكال أو يوزن، و من أكله جاهلًا بتحريمه لم يكن عليه شي‏ء «.

24. سئل الصادق (عليه السلام): عن القصار يفسد؟ فقال:» كلّ أجير يؤتى الأُجرة

33

على أن يصلح فيفسده فهو ضامن «.

25. و قال علي (عليه السلام):» إنّ الدين قبل الوصية، ثمّ الوصية على أثر الدين، ثمّ الميراث «.

26. و قال الصادق (عليه السلام):» ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع «.

27. و قال الصادق (عليه السلام):» لا يمين في معصية اللّه و لا في قطيعة رحم «.

28. قال الصادق (عليه السلام):» الشفعة جائزة في كلّ شي‏ء «.

29. و قال الصادق (عليه السلام):» من أحيا أرضاً فهي له «.

30. سئل الصادق (عليه السلام): عن السواد (العراق) و ما منزلته؟ قال:» هو لجميع المسلمين ممّن هو اليوم، و ممن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق بعد «.

31. و قال الصادق (عليه السلام):» المسلم يُحجب الكافر و يرثه و الكافر لا يحجب المسلم و لا يرثه «.

32. و قال الصادق (عليه السلام):» من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه، و من أسلم و قد قسّم فلا ميراث «.

33. قال الصادق (عليه السلام):» لا ميراث للقاتل «. سئل الصادق (عليه السلام): المال لمن هو؟ للأقرب؟ أو للعصبة؟ قال:» المال للأقرب، و العصبة في فيه التراب «.

34. و قال الصادق (عليه السلام):» لا تشهد على شهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك «.

35. و قال (عليه السلام):» ادرءوا الحدود بالشبهات، و لا شفاعة و لا كفالة و لا يمين في حدّ «.

36. عن الصادق (عليه السلام): قال:» ما كان في الإنسان منه اثنان ففيه نصف الدية «.

34

37. عن الصادق (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال:» رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: السهو، و النسيان، و ما أُكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الطيرة، و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة «.

38. عن الصادق (عليه السلام) قال:» أصحاب الكبائر إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة «.

39. عن عليّ (عليه السلام) قال:» إنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يُفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ «.

40. و قال الصادق (عليه السلام):» تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، و لا تجوز شهادة أهل الذمّة على المسلم «.

هذه نماذج من جوامع كلمهم التقطناها من كتاب» الفصول المهمة في أُصول الأئمّة «تأليف شيخ المحدّثين محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1033 1104 ه)، و من أراد التبسط فليرجع إلى ذلك الكتاب.

إنّ السياسة الزمنية حالت بين الأُمّة و أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فجعلت المنح و الرواتب لمن هو دونهم في العلم و الفضل لأغراض سياسية، بل صار الرجوع إلى العترة في بعض الأحايين عملًا إجرامياً يؤاخذ المراجع في بعض الموارد.

فدع عنك نهباً صيح في حَجَراته‏ * * * و لكن حديثاً ما حديث الرواحل‏

*** هذا بعض ما صار سبباً لمواجهة الصحابة و التابعين و الفقهاء لموضوعات لم يوجد عندهم النصّ فيها، فعالجوها بقواعد خاصّة مع أنّ الشيعة الإمامية أغناهم‏

35

الرجوع إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عن العمل بتلك القواعد، إذ وجدوا لها حلولًا في روايات العترة الطاهرة موصولة إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم).

نعم عالجوا ما لا نصّ فيه عندهم، بالأُصول العملية الأربعة الّتي كلّها مستفادة من الكتاب و السنّة. لكن مواردها ليست متوفرة.

و لأجل أنّ أصحابنا الإمامية قد بسطوا القول فيها فنقتصر بذكر شي‏ء قليل منها إيقافاً للقارئ غير العارف، بمقاصدهم من هذه الأُصول.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الباب الأوّل في الأُصول العملية الأربعة

1. أصالة البراءة 2. أصالة التخيير 3. أصالة الاحتياط 4. الاستصحاب‏

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

الأُصول العملية الأربعة و تحديد مجاريها

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي تحصل له إحدى حالات ثلاث:

1. القطع، 2. الظن، 3. الشك.

فإن حصل له القطع فقد فرغنا عن حكمه في بابه، و انّه حجّة عقلية لا مناص من العمل على وفقه، و إن حصل له الظن فالأصل فيه عدم الحجّية إلّا إذا دلّ الدليل القطعي على صحّة العمل به.

و إن حصل له الشكّ يجب عليه العمل وفق القواعد التي قررها العقل و النقل للشاك. (1)

____________

(1) انّ تقسيم حال المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إلى حالات ثلاث، تقسيم طبيعيّ، و لا يختص التقسيم الثلاثي بمورد التكليف بل كلّ موضوع وقع في أُفق الالتفات، فهو بين إحدى حالات ثلاث فمن قال بأنّ للمكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي إحدى حالات ثلاث فقد انطلق من هذا المنطَلق، و استلهم عن تلك القاعدة العامّة. فما أورده المحقّق الخراساني على التقسيم الثلاثي، من» إرجاعه إلى الثنائي من أنّ الظن بالحكم إن كان حجّة فهو ملحق بالقطع بالحكم (الظاهري) و إلّا كان في حكم الشكّ، فليس هنا إلّا القطع بالحكم أو الشكّ فيه «غفلة عن ملاك التقسيم الثلاثي و إن كان للثنائي منه أيضاً ملاك.

40

ثمّ إنّ المستنبط إنّما ينتهي إلى تلك القواعد التي تسمى ب» الأُصول العملية «إذا لم يكن هناك دليل قطعي، كالخبر المتواتر، أو دليل علمي كالظنون المعتبرة التي دلّ على حجّيتها الدليل القطعي و تسمّى بالأمارات و الأدلّة الاجتهادية، كما تسمّى الأُصول العملية، بالأدلة الفقاهية، و إلّا فلا تصل النوبة إلى الأُصول مع وجود الدليل.

و بذلك تقف على ترتيب الأدلّة في مقام الاستنباط، فالمفيد لليقين هو الدليل المقدّم على كلّ دليل، و يعقبه الدليل الاجتهادي ثمّ الأصل العملي.

إنّ الأُصول العملية على قسمين:

القسم الأوّل: ما يختصّ بباب دون باب، نظير:

أ: أصالة الطهارة المختصة بباب الطهارة و النجاسة.

ب: أصالة الحلّية المختصة بباب الشك في خصوص الحلال و الحرام.

ج: أصالة الصحة المختصة بعمل صدر عن المكلّف و شُكّ في صحّته و فساده، سواء أ كان الشكّ في عمل نفس المكلّف فيسمّى بقاعدة التجاوز و الفراغ، أو في فعل الغير فيسمّى بأصالة الصحّة.

القسم الثاني: ما يجري في عامة الأبواب الفقهية كافة و هي حسب الاستقراء أربعة:

الأوّل: البراءة.

الثاني: التخيير.

الثالث: الاشتغال.

الرابع: الاستصحاب.

فهذه أُصول عامّة جارية في جميع أبواب الفقه، إنّما الكلام في تعيين مجاريها

41

و تحديد مجرى كلّ أصل متميّزاً عن مجرى أصل آخر، و هذا هو المهم في المقام، و قد اختلفت كلمتهم في تحديد مجاريها و الصحيح ما يلي:

تحديد مجاري الأُصول‏

إنّ الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه أو لا يكون. فالأوّل مورد الاستصحاب؛ و الثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً، أو لا؛ و الثاني مورد التخيير، و الأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا؛ و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة.

و على ذلك فقد عُيِّن مجرى كلّ أصل بالنحو التالي:

أ. مجرى الاستصحاب: أن تكون الحالة السابقة ملحوظة.

ب. مجرى التخيير: أن لا تكون الحالة السابقة ملحوظة و كان الاحتياط غير ممكن.

ج. مجرى الاشتغال: إذا أمكن الاحتياط و نهض دليل على العقاب لو خالف.

د. مجرى البراءة: إذا أمكن الاحتياط و لم ينهض دليل على العقاب بل على عدمه من العقل، كقبح العقاب بلا بيان، أو من الشرع كحديث الرفع.

و مما ذكرنا يُعلم أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في التكليف مجرى البراءة غير تام بل مجرى البراءة عمّا لم ينهض فيه دليل على العقاب في صورة وجود التكليف، و إلّا يجب الاحتياط و إن كان الشكّ في التكليف كما في الشكّ فيه قبل الفحص فيجب الاحتياط مع كون الشكّ في التكليف.

كما أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في المكلّف به الذي هو عبارة عمّا إذا

42

علم نوع التكليف مع تردد المكلّف به بين أمرين، كالعلم بوجوب إحدى الصلاتين مجرى الاحتياط غير تام، بل مجرى الاشتغال هو ما إذا أمكن الاحتياط و نهض دليل على العقاب لو خالف و إن كان نوع التكليف مجهولًا كما إذا علم بوجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء آخر، فالعلم بالالزام أي الجنس الجامع بين الوجوب و الحرمة موجب للاحتياط لوجود الدليل على العقاب و إن كان نوع التكليف مجهولًا.

و الحاصل: انّ ما ذكرنا من الميزان لمجرى البراءة و الاشتغال أولى من جعل الشكّ في التكليف مجرى البراءة و الشكّ في المكلّف به مجرى الاشتغال.

هذه هي الأُصول العملية الأربعة و هذه مجاريها على النحو الدقيق، و إليك البحث في كلّ من هذه الأُصول العملية الأربعة واحداً تلو الآخر.

43

الأصل الأوّل أصالة البراءة

دلّت الأدلة على أنّ الوظيفة العملية فيما إذا أمكن الاحتياط و لكن لم ينهض دليل على العقاب حسب تعبيرنا أو إذا كان الشكّ في التكليف حسب تعبير المشهور هو البراءة و عدم وجوب الاحتياط، فلنذكر ما هو المهم من الأدلة روماً للاختصار:

الاستدلال بالكتاب‏

1. التعذيب فرع البيان‏

دلّت آيات الذكر الحكيم على أنّه سبحانه لا يعذِّب قوماً على تكليف إلّا بعد بعث الرسول الذي هو كناية عن بيان التكليف، و قد تواتر ذلك المضمون في الآيات الكريمة نذكر منها ما يلي:

1. قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). (1)

____________

(1) الإسراء: 15.

44

2. و قال تعالى: (وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏). (1) و الاستدلال بالآيتين مبني على أمرين:

الأوّل: انّ صيغة» و ما كنّا «أو» و ما كان «تستعمل في إحدى معنيين: إمّا نفي الشأن و الصلاحية لقوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏) (2)، أو نفي الإمكان كقوله تعالى: (وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا). (3) الثاني: انّ بعث الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) كناية عن إتمام الحجّة على الناس، و بما انّ الرسول أفضل واسطة للبيان و الإبلاغ أُنيط التعذيب بالرسول، و إلّا يصحّ العقاب ببعث غيره أيضاً لوحدة المناط و حصول الغاية المنشودة.

و على ضوء ذلك: فلو لم يبعث الرسول بتاتاً، أو بعث و لم يتوفق لبيان الأحكام أبداً، أو توفق لبيان البعض دون البعض الآخر، أو توفق للجميع لكن حالت الحواجز بينه و بين بعض الناس، لقبح العقاب إلّا من وصل إليه التكليف، و ذلك لاشتراك جميع الصور في عدم تمامية الحجة.

و المكلف الشاك في حكم من الأحكام كالحرمة و الوجوب من مصاديق القسم الأخير، فإذا لم يصل إليه البيان لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي كإيجاب الاحتياط، ينطبق عليه قوله سبحانه: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) أي نُبيّن الحكم و الوظيفة.

____________

(1) (القصص: 59.)

(2) (البقرة: 143.)

(3) آل عمران: 145.

45

و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعلّق إهلاك القرية على وجود المنذر و يقول: (وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏). (1) هذا كلّه حول الآيتين الأُوليين.

3. و قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏). (2) 4. و قال سبحانه: (وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏). (3) و الاستدلال بهما مبني على أنّه سبحانه استصوب منطق المجرمين، و هو انّ التعذيب قبل البيان قبيح، فأرسل الرسل لإفحام المشركين و دحض حجتهم يوم القيامة، فلو كان منطقهم عند عدم البيان منطقاً، زائفاً كان عليه سبحانه نقض منطقهم ببيان انّ التعذيب صحيح مطلقاً مع أنّا نرى أنّه سبحانه استصوبه و أرسل الرسل لإتمام الحجّة.

2. الإضلال فرع البيان‏

قال سبحانه: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏). (4) وجه الاستدلال: انّ التعذيب من آثار الضلالة، و الضلالة معلَّقة على بيان التكليف في الآية، فيكون التعذيب معلَّقاً عليه، فينتج انّه سبحانه لا يعاقب إلّا بعد بيان ما يجب العمل أو الاعتقاد به.

____________

(1) (الشعراء: 208.)

(2) (طه: 134.)

(3) (القصص: 47.)

(4) التوبة: 115.

46

فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فإنّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟

قلت: إنّ الإضلال يقابل الهداية، و هي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً مثلها.

توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين: هداية عامّة تعمّ جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة و الفراعنة، و هي تتحقق ببعث الرسل و إنزال الكتب و دعوة العلماء إلى بيان الحقائق، مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، و إلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.

و هداية خاصّة و هي تختص بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله الألطاف الإلهية الخفية التي نعبر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.

قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ‏). (1) و قال تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا). (2) و أمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقاً للهداية الثانية، فيضلّ بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض من الاستضاءة بالهداية الأُولى.

قال سبحانه: (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏) (3) فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغهم و إعراضهم و كِبْرهم و تولّيهم عن الحقّ.

____________

(1) (محمد: 17.)

(2) (العنكبوت: 69.)

(3) الصف: 5.

47

و بذلك يظهر مفاد كثير من الآيات التي تنسب الضلالة إلى اللّه سبحانه، فالمراد هو قبض الفيض لأجل تقصير العبد لعدم استفادته من الهداية الأُولى، فيصدق عليه انّه أضلّه اللّه سبحانه. قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ‏) (1) أي يضلّه لأنّه مسرف كذّاب (لم يهتد بالهداية الأُولى فأسرف و كذّب) فاستحق قبض الفيض و عدم شمول الهداية الخاصة له.

و في آية أُخرى (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ‏) (2) فقوله: (يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ‏) في هذه الآية هو نفس قوله: (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏) في الآية السابقة فكلاهما يرميان إلى معنى واحد و هو عدم الهداية لقبض الفيض لعدم قابليته للهداية الثانوية لأجل إسرافه و كذبه و ارتيابه.

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات و هناك آيات أُخر تدلّ على براءة المكلّف عند الشك في الحكم الشرعي تركنا البحث فيها روماً للاختصار.

الاستدلال بالسنّة

1. حديث الرفع‏

روى الصدوق في» التوحيد «و» الخصال «عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة «. (3)

____________

(1) (غافر: 28.)

(2) (غافر: 34.)

(3) الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.

48

و رواه محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):» وضع عن أُمّتي تسع خصال: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد «. (1) و رواة الحديث الأُولى كلهم ثقات، و الرواية صحيحة.

و أمّا أحمد بن محمد بن يحيى، فهو و إن لم يوثق ظاهراً، و لكن المشايخ أرفع من التوثيق، فهو من مشايخ الصدوق، فهو ثقة قطعاً.

نعم الرواية الثانية مرفوعة، مضافاً إلى أنّ محمد بن أحمد النهدي مضطرب فيه، كما ذكره النجاشي في ترجمته.

و توضيح الاستدلال رهن بيان أُمور:

1. انّ الفرق بين الرفع و الدفع هو انّ الأوّل عبارة عن إزالة الشي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، كما أنّ الثاني عبارة عن المنع عن تقرر الشي‏ء و تحقّقه بعد وجود مقتضيه، يقول سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) (2)، فكانت السماء و الأرض ملتصقتين فأزالها عن مكانها. و يقول سبحانه:

(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ‏) (3)، أي ما له من شي‏ء يمنع عن تحقّقه بعد تعلّق إرادته بالوقوع.

و على ذلك فاستعمال الرفع في المقام لأجل تحقّق هذه الأُمور التسعة في صفحة الوجود، فتعلّق الرفع بها باعتبار كونها أُموراً متحقّقة.

____________

(1) (الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.)

(2) (الرعد: 2.)

(3) الطور: 87.

49

نعم رفع هذه الأُمور التسعة بعد تحقّقها رفع ادّعائي باعتبار رفع آثارها، فتعلّقت الإرادة الاستعمالية برفع نفس هذه الأُمور التسعة المتحقّقة، و تعلّقت الإرادة الجدية برفع آثارها.

2. انّ نسبة الرفع إلى هذه التسعة مع وجودها يحتاج إلى مصحّح و مسوّغ و إلّا يلزم الكذب، و ليس الحديث متفرداً في هذا الباب، بل له نظائر، مثل قوله:» لا ضرر و لا ضرار «،» لا طلاق إلّا على طهر «،» لا رضاع بعد فطام «،» لا رهبانية في الإسلام «، فمع أنّ هذه الأُمور التي دخلت عليها» لا «النافية، موجودة متحقّقة في صحيفة الوجود لكن الشارع أخبر عن عدمها، و المصحّح لهذا الإخبار هو سلب آثارها، مثلًا لا يترتب على الرضاع بعد الفطام أثر الرضاعة و هكذا، و على ذلك فيلزم تعيين ما هو الأثر المسلوب في هذه التسعة خصوصاً قوله:» ما لا يعلمون «و هذا هو المهم في المقام.

3. انّ لفظة» ما «في قوله:» ما لا يعلمون «موصولة تعمّ الحكم و الموضوع المجهولين، لوضوح انّه إذا جهل المكلّف بحكم التدخين، أو جهل بكون المائع الفلاني خلًا أو خمراً، صدق على كلّ منهما أنّه من» ما لا يعلمون «، فيكون الحديث عاماً حجّة في الشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الرفع كما عرفت رفع تشريعي، و المراد منه رفع الموضوع بلحاظ رفع أثره، فحينئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر المسلوب الذي صار مصحِّحاً لنسبة الرفع إليها، فهنا أقوال ثلاثة:

1. المرفوع هو المؤاخذة.

2. المرفوع هو الأثر المناسب لكلّ واحد من تلك الفقرات، كالمضرّة في الطيرة، و الكفر في الوسوسة.

3. المرفوع هو جميع الآثار أو الآثار البارزة.

50

و الظاهر هو الأخير، لوجهين:

الأوّل: أنّه مقتضى الإطلاق و عدم التقييد بشي‏ء من المؤاخذة و الأثر المناسب.

الثاني: أنّ فرض الشي‏ء مرفوعاً في لوح التشريع ينصرف إلى خلوّه عن كلّ أثر و حكم، أو عن الآثار البارزة له. (1) فلو كان البعض مرفوعاً دون البعض، فلا يطلق عليه أنّه مرفوع.

و إن شئت قلت: إنّ وصف الشي‏ء بكونه مرفوعاً في صفحة التشريع إنّما يصحّ إذا كان الشي‏ء فاقداً للأثر مطلقاً فيصحّ للقائل أن يقول بأنّه مرفوع، و إلّا فلو كان البعض مرفوعاً دون بعض لا يصحّ ادّعاء كونه مرفوعاً، من غير فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر و وجوب جلد الشارب إذا كان الشارب جاهلًا بالحرمة، أو الوضعية كالجزئية و الشرطية عند الجهل بحكم الجزء و الشرط أو نسيانهما و كالصحة في العقد المكره.

و يؤيد عموم الآثار ما رواه البرقي، عن صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يُستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال:» لا، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا «. (2) و قد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق و رفع الصحة، فيكشف عن أنّ الموضوع أعم من المؤاخذة و الحكم التكليفي و الوضعي.

____________

(1) كما في قول الإمام علي (عليه السلام):» يا أشباه الرجال و لا رجال «هذا إذا كان الأثر منقسماً إلى بارز و غيره، و أمّا إذا كان الجميع على حد سواء، فالمرفوع هو جميع الآثار كما في المقام.»

(2) الوسائل: 16، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث 12، نقلًا عن المحاسن.